باب مصر

الكاتب: عصام زكريا

  • البحث عن الأرشيف الضائع (1): «أهل القمة».. تلف وضياع

    البحث عن الأرشيف الضائع (1): «أهل القمة».. تلف وضياع

    منذ نصف قرن تقريبا، في عدد نوفمبر 1974، من مجلة “رسالة اليونسكو”، التي تصدرها المنظمة الدولية الكبيرة، خصصت المجلة غلافها والتحقيق الرئيسي للعدد لموضوع تراث السينما العالمية، باعتبار الأفلام ثروة قومية ينبغي الحفاظ عليها وإنقاذها من التلف والضياع.

    سبعة عقود من الاهمال

    تحت عنوان “كنور السينما المفقودة” كتب صانع الأفلام والمؤرخ الهندي بجوان د. جارجا عن آلاف الأفلام التي ضاعت من تراث السينما، خاصة في عهدها الأول الصامت، في كل أنحاء العالم. حيث لم يأت الوعي بأهمية هذه الأفلام إلا في مرحلة متأخرة، فبات في معظم بلاد العالم أرشيف لحفظ أصول (نيجاتيف) ونسخ (بوزيتيف) الأفلام. قبل أن يصل عصر الثورة الرقمية فيجعل حفظ الأفلام أمرا سهلا، ويتيح إمكانية ترميم ما تلف من أفلام وإعادته سليما نضرا، وحفظه في أمان تام بعيدا عن عوامل التعرية والعمر الافتراضي للشرائط السيلولويد القديمة.

    من أكثر من نصف قرن، كما يشير ملف “رسالة اليونسكو”، وبالتحديد عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. بدأ العالم ينتبه لأهمية حفظ أرشيفه السينمائي، وقامت بلاد كثيرة بإنشاء ما يطلق عليه السينماتيك، أو أرشيف السينما.. إلا عندنا. فحتى الآن لا يوجد كيان اسمه أرشيف السينما المصرية، بالرغم من أصوات التنبيه التي بحت على مدار عقود.

    فيلم يتلف كل يوم

    قد يعتقد القارئ أنني أبالغ حين أقول أن هناك فيلما من أفلام السينما المصرية يتلف كل يوم. بما في ذلك نسخ النيجاتيف المحفوظة في ثلاجة مدينة السينما، فالثلاجة لا تحمي الأفلام إلى الأبد، ولا سبيل لإنقاذها سوى تحويلها إلى نسخ رقمية قبل أن تتحلل تماما. ولكن ليعلم القارئ أن هذه هي الحقيقة على الأرض، وأن كل يوم يمر دون أن تنقذ هذه الأفلام يعني أنها تزداد تلفا وتحللا.

    الصديق سامح فتحي، المهتم بأرشيف السينما، قام بشراء حقوق بعض الأفلام، ليحولها إلى نسخ رقمية. وعندما ذهب للبحث عن بعض هذه الأفلام أخبروه أن هناك ثلاثة أنواع من الأفلام: نوع بحالة جيدة. نوع أصابته تلفيات بنسبة أقل من 70%. ونوع تلف تماما أو تقريبا. وعندما سأل في الثلاجة عن نيجاتيف فيلم “أهل القمة“، وهو فيلم حديث نسبيا، من إنتاج 1981، أخبروه أنه غير موجود. وعندما سأل عن نسخة البوزيتيف الموجودة في مخرن المركز القومي للسينما أخبروه أنها تلفت تماما!

    و”أهل القمة” هو بالفعل فيلم لأهل القمة: قصة نجيب محفوظ، وإخراج علي بدرخان وبطولة سعاد حسني، نور الشريف وعزت العلايلي، ولكن كل هذه الأسماء لم تشفع له من الضياع والتلف.

    نداء إلى اليونسكو

    هذه حالة واحدة من عشرات، أو مئات، الحالات. وتخيل معي أن بعض أفلام الثمانينات ضاعت وتلفت، فما بالك بأفلام السبعينات والستينيات والخمسينات. وعليك أن تضع يديك فوق رأسك إذا حاولت تخيل ما حدث ويحدث مع أفلام الأربعينات والثلاثينات!

    هل يعقل أن مصر حتى الآن لا يوجد بها معمل محترم لترميم النيجاتيف. وأن كل ما هناك ماكينة أو اثنتين لغسل النسخ البوزيتيف، وماذا يفعل الغسل لنسخ ممزقة متحللة؟

    طيب هل يعقل أننا نلف حول أنفسنا منذ أربعة عقود بحثا عن أرشيف للسينما يعمل على البحث عن، وترميم، وحفظ الأفلام، بحجة أننا ليس لدينا ميزانية كافية؟ وهل يعقل، طيب، أننا لم نهم إلى الآن بتوقيع اتفاق مع فرنسا. التي تملك واحدا من أقدم وأفضل أرشيفات الأفلام، والتي عرضت علينا مرارا وتكرارا التعاون لإنشاء أرشيف مصري وترميم الأفلام على نفقتها. مقابل الحصول على نسخ تحتفظ لنا بها في أرشيفها؟ ولو لم تعجبنا فرنسا هناك غيرها. ولو وجهنا نداء إلى اليونسكو لإنقاذ تاريخ السينما المصرية كما فعل مع آثار أبي سنبل الغارقة لأسرع المجتمع السينمائي الدولي بالتدخل لإنقاذ كثير من هذه الأفلام.

     الورق أسوأ حالا

    الأفلام طبعا هي أغلى مقتنيات السينما، ولكن الاهمال لا يقتصر على الأفلام، وما يتعرض له الأرشيف الورقي أسوأ. وقد كتبت منذ أسابيع عن مقتنيات نور الشريف التي تباع على الرصيف منذ عام ولم تزل. والأسبوع الماضي نزلت إلى الأرصفة مقتنيات فنان آخر هو سمير صبري الذي تعرض أوراقه الشخصية وعقود أفلامه وصوره الفنية والشخصية الآن لمن يرغب في شراءها قطاعي أو بالجملة. وكل ما حدث كرد فعل على تشرد مقتنيات نور الشريف كان عاصفة في فنجال، كما يقال، طالما أنه لا يوجد مؤسسة لها سلطة وميزانية ومبنى مناسب وخطة لجمع وأرشفة هذه المقتنيات.

    وأول خطوة يجب أن تتخذ في هذا الاتجاه هو تشكيل لجنة يشارك فيها متخصصون أجانب، وأشدد على ذلك، متخصصون أجانب، كما نفعل مع الآثار. لجرد وفحص الثلاجة ورصد ما تحلل وما تلف تماما وما يمكن إنقاذه من الأفلام.

    وسوف اكتب خلال مقالات قادمة عن بعض محتويات هذه الثلاجة وعن الكوارث البيئية والبشرية التي لحقت بالكثير منها. فالأمر لا يقتصر على  عوامل الطبيعة، ولكن الكثير من هذه الأفلام تعرض للتشويه بفعل فاعل، مثلما حدث مع أفلام شركتي “ART و”روتانا”، وهذا موضوع خطير آخر.

    اقرأ ايضا:

    نور الشريف على الرصيف في سوق الروبابيكيا

  • عندما يلتقي الشعر بالسينما: في «سنوات السوبر 8».. أديبة نوبل مخرجة سينمائية!

    عندما يلتقي الشعر بالسينما: في «سنوات السوبر 8».. أديبة نوبل مخرجة سينمائية!

    العمر الطويل قد يكون نعمة، وقد يأتي بالحظ الوفير أحيانا. هذا ما حدث مع الأديبة الفرنسية آني إرنو، التي حصلت منذ أسابيع على جائزة نوبل في الآداب وعمرها 81 سنة. بما أن نوبل تمنح للأحياء فقط، فإن أحد شروطها أن تعيش طويلا حتى يأتي عليك الدور.

    نوبل لم تكن مكافأة نهاية العمر الوحيدة التي حصلت عليها إرنو. فخلال العقد الأخير شهدت أعمالها إقبالا كبيرا، وترجم معظمها للغات كثيرة، منها العربية.

    علاقة متأخرة بالسينما

    كان أول فيلم يصنع عن نص أدبي من تأليف آني إرنو هو “الآخر” l’ Autre في 2007، عن رواية “احتلال”. وعرض في عدد من المهرجانات، من بينها مهرجان القاهرة، على ما أتذكر، ولكنه لم يترك أثرا أو ذكرى كبيرة.

    لكن خلال السنوات الماضية بدأت السينما تهتم بأعمال إرنو. حيث صنع فيلمان روائيان مقتبسان عن أعمالها وفيلم وثائقي عنها. كما قامت هي أيضا بصنع فيلم عن فترة من حياتها بعنوان “سنوات السوبر 8”. عرض في مهرجان “كان” الماضي (قبل شهور من حصولها على “نوبل”)، وحل ضيفا على مهرجان القاهرة السينمائي الدولي منذ أيام.

    منذ ثلاثة أعوام، وقبل حصولها على “نوبل”، صنع فيلمان عن أعمال آني إرنو هما: “عشق بسيط” (ترجمت أيضا بعنوان “شغف بسيط”)  Simple Passion من إخراج اللبنانية الفرنسية دانيل عربيد. تم اختياره للمشاركة في مسابقة مهرجان “كان” خلال فترة حظر الكورونا، ونال تقييمات نقدية متوسطة، وهو يروي جزءا آخر من سيرة إرنو، تعترف فيه بوقوعها في عشق شاب يصغرها بسنوات كثيرة، وانفصالهما.

    **

    الفيلم الثاني هو “حادث سعيد” Happening (أو “حدث” كما ترجم للعربية، وإن كان العنوان الفرنسي وترجمته الإنجليزية يشيران للحمل، بينما العنوان العربي غامض). وهو فيلم رائع من إخراج أودري ديوان، حصل على جائزة أفضل فيلم من مهرجان “فينيسيا”. الفيلم، كما الرواية، التي تعد من أوائل أعمال إرنو، يروي قصة طالبة جامعية فقيرة موهوبة في الأدب خلال ستينيات القرن الماضي تحمل رغم إرادتها. مما يهدد مستقبلها التعليمي والعملي، فتقوم بعملية إجهاض غير مشروعة وخطيرة، لكنها تنجو وتواصل طريقها التعليمي والأدبي.

    قبل حصولها على نوبل أيضا، ظهرت آني إرنو العام الماضي في فيلم وثائقي عنها بعنوان “أحببت العيش هناك” I Have Loved Living There من إخراج ريجيه سوديه. تروي فيه بعض ذكرياتها في المدن.

    أما فيلم “سنوات السوبر 8″ الذي يحمل اسم آني إرنو كمخرجة، بجانب اسم ابنها ديفيد. فهو، مثل أعمالها الأدبية، سيرة ذاتية في قالب فني شاعري. وبالتحديد سيرة كاميرا من نوع الـ”سوبر8” اشترتها الأسرة في بداية سبعينيات القرن الماضي، وقاموا على مدار عشر سنوات بتصوير حياتهم المنزلية ورحلاتهم وإجازاتهم في فرنسا وخارجها. قبل أن يقع الطلاق بين آني وزوجها فيليب ويرحل مصطحبا مع الكاميرا، تاركا لهم الشرائط التي قام بتصويرها وآلة العرض المنزلي.

    شرائط عائلية.. تروي العالم

    الفيلم عبارة عن مونتاج لبعض المواد التي صورتها هذه الكاميرا، مصحوبا بتعليق صوتي كتبته وألقته إرنو بصوتها على الأحداث والمشاهد التي نراها ومشاعرها. تروي، مثلا، كيف كانت تكتب الأدب سرا، دون أن تخبر أحدا، قبل أن ترسل روايتها الأولى إلى دار نشر “جاليمار” فيتم نشرها، ويتم اعتمادها ككاتبة.

    نرى مشاهدا متفرقة من رحلات الأسرة خلال حوالي عقد يمتد من 1972 إلى 1981 داخل فرنسا وبلاد مختلفة من العالم: تشيلي، ألبانيا، إنجلترا،إسبانيا، البرتغال، روسيا وغيرها، رحلات تبدو شخصية جدا. ولكن إرنو تروي الأسباب “السياسية” والاقتصادية وراء اختيار هذه البلاد. كما تذكر ملامح من هذه الفترة العصيبة التي شهدت ذروة الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، والإطاحة بحكم سلفادور آليندي في تشيلي، والديكتاتورية في ألبانيا التي جعلتهم محاصرين داخل فندقهم غير قادرين على زيارة البلد أو الاختلاط بأهلها.

    وتتوقف أحيانا لتذكر أشياء عن علاقتها بأمها التي تظهر في بعض المشاهد. وعن علاقتها بزوجها الذي يظهر نادرا (بما أنه كان المصور الرئيسي الذي يحتكر استخدام الكاميرا). كما تتمهل أحيانا لتتذكر ما كان يدور بعقلها وقلبها في بعض المشاهد.

    باختصار، تختزل إرنو رحلة عمر وحياة عائلة وعالم بأسره في 60 دقيقة تمتلئ بالحنين لزمن مضى. وترصد أحلاما كبيرة وانكسارات أكبر تعرضت لها هذه الأحلام الفردية والعامة. وتفسر، بطريقة ما، كيف وصل العالم إلى ما هو عليه الآن.

    “سنوات السوبر 8” هو ثمرة علاقة حب بين الأدب والسينما، وبين الزمن المفقود والبحث عنه ومحاولة استرجاعه، وبين المقاطع الصامتة لكاميرا عفي عليها الزمن وقدرة الشعر على بث الحياة والروح فيها

    اقرأ أيضا

    حلق تامر حبيب.. ومكالمة الملك تشارلز!

  • حلق تامر حبيب.. ومكالمة الملك تشارلز!

    حلق تامر حبيب.. ومكالمة الملك تشارلز!

    وقع تامر حبيب بين فكي وحش إعلام السوشيال ميديا. انتهي “تريند” شيرين عبدالوهاب وفتى “واقعة الكشري”، ومرت فساتين مهرجان “القاهرة” دون أزمة، باستثناء “فنانة” ذهبت إلى حفل الافتتاح دون دعوة، حولها بلطجية أمن الأوبرا إلى مشكلة على طريقة محل الكشري.

    وقع تامر حبيب في المصيدة التي ستستمر لأيام قادمة حتى ظهور “تريند” آخر يشبع شهية وحش السوشيال ميديا وإعلامها الذي لم يعد يكتفي بنقل الأخبار من صفحات التواصل الاجتماعي. ولكنه حول تعليقات كل من هب ودب إلى “تقارير إخبارية”!

    بلا هم!

    لا يتحدث أحد عن آثار الحرب والأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعصف بالعالم حاليا. لا يتحدث أحد عن الغلاء أو السلع التي لم تعد متوفرة، وبعضها ليس أكلا ولا شربا. وإنما مواد خام تشغل مصانع ومئات العمال والموظفين. في مهنتنا، مثلا. ليس هناك ورق لطباعة الصحف والمجلات والكتب. والمعرض على الأبواب، موسم طباعة الكتب انهار قبل أن يبدأ.

    لا يتحدث أحد عن المدارس والتعليم التي أصبحت عبئا على الأهل والأبناء لا يمكن لأحد في بلد آخر أن يتخيله. عندما يتطرق الحديث مع أجانب وعرب حول مصاريف التعليم و”السناتر” والدروس الخصوصية. تفاجأ بأنه لا يوجد بلد على ظهر الأرض تحول فيه التعليم إلى نصب واحتيال واستغلال مثل مصر، وفوق كل هذا لا يوجد تعليم ولا متعلمون.

    لا يتحدث أحد عن الاقتصاد، ولا السياسة، التعليم، ولا العلم، ولا الثقافة، ولا الفن الجاد.

    بلا هم. كل هذا ليس مهما.. المهم “الأخلاق”. وليس المقصود بالأخلاق النزاهة أو الصدق أو الذمة أو الضمير أو المعاملة الحسنة. ولكن الأخلاق لدينا محصورة فيما يفعله المرء – وخاصة المرأة- بجسده، أو جسدها.

    وكنا نظن منذ ثلاثة أو أربعة عقود أن الأشياء ستتغير بمرور الزمن، وأن المجتمعات تنضج مثل الأفراد. ولكن اتضح أن الزمن لا يمر علينا. وأن شروق الشمس وغروبها كل يوم وهم، وأن الإنسان والمجتمع الذي لا ينضج في الوقت المناسب، يزداد خبلا وخرفا بمرور الأيام.

    وهانحن، كما كنا منذ نصف قرن، لا يشغلنا سوى “أندروير” منى زكي، وفساتين المهرجانات، وعلاقة شيرين بزوجها، وحلق تامر حبيب، ليس على سبيل التسلية والفضول وإشباع النميمة. ولكن لأن معظمنا يعتقدون أن هذه القضايا أهم من مؤتمر المناخ، ومن الحرب العالمية، ومن الأزمة الاقتصادية، بل يعتقد الكثيرون أن حياة هؤلاء الشخصية هي سبب كل البلاوي السابقة وعقاب الآلهة والشياطين لنا.

    بلا سقف!

    في تعليق لها على الاهتمام بحياة شيرين عبدالوهاب الشخصية، كتبت الصديقة والمخرجة اللامعة هالة خليل أن شيرين خلعت النوافذ والأبواب والسقف عن حياتها الخاصة، وأن هذه الشجاعة سبب تعاطف الناس معها. ومنذ أيام شاهدت واحدة من حلقات الموسم الجديد من مسلسل “التاج” تناولت المحادثة التليفونية “الجنسية” بين الأمير (الملك حاليا) تشارلز وعشيقته كاميلا (الملكة حاليا)، والتي نشرت نصها صحيفة “ديلي ميل”، وهي إحدى صحف التابلويد التي يطلق عليها الصحف الصفراء، والتي انتشرت بقوة خلال تسعينيات القرن الماضي. كما لو أنها كانت إيذانا بعصر السوشيال ميديا منزوع الأبواب والأسقف.

    وفي الوقت الذي أعتقد فيه البعض أن نشر نص هذه المكالمة الجنسية سوف يدمر تشارلز، وربما النظام الملكي في بريطانيا. استجمع تشارلز شجاعته وقرر الاعتراف بأسرار حياته وضاعف من ظهوره وأعماله الخيرية والثقافية، فاحترمه الناس، خاصة الأجيال الأصغر، وتقبلوه بضعفه وإنسانيته.

    ومن حيث لا يدرون اكتشف الذين كانوا يسعون إلى هدم الملكية من خلال التشهير الجنسي بالعائلة الملكية أن ما فعلوه زاد من تعاطف الأغلبية مع أفرادها. فقد رأوا أنهم بني آدميين عاديين، لا يخلون من الضعف البشري، مثلهم.

    بلا خوف!

    مثل كل الوحوش والكائنات الخرافية، ربما تكون أفضل وسيلة للتغلب على وحش إعلام السوشيال ميديا هي المواجهة، وخير مثال على ذلك ما فعله الراحل هشام سليم عندما واجه مخاوفه من رأي المجتمع وحكا قصة ابنته التي تحولت إلى ابنه. ورغم الصدمة إلا أن الجميع احترموه. وعندما توفي رثاه الجميع بحب، حتى مذيعي قنوات التحريض والتخلف.

    تامر حبيب فنان وبني آدم رقيق ونبيل. وهو لا يستحق بالتأكيد حملة التشهير التي أشعلها صحفيو صحافة السوشيال ميديا، ذلك الوحش الوهمي المخيف لمن يخافون، والمثير لسخرية من يملكون الشجاعة.

    اقرأ أيضا

    هل أنت مستعد لمشاهدة أبشع فيلم عن الحرب؟

  • هل أنت مستعد لمشاهدة أبشع فيلم عن الحرب؟

    هل أنت مستعد لمشاهدة أبشع فيلم عن الحرب؟

    لطالما تغنى الناس بالحرب وأبطالها، بإنجازاتهم المجيدة، وتضحياتهم النبيلة، بالكيفية التي تمتحن بها الحرب أخلاق الناس ومعادنهم. ولكن هذا كله ليس سوى جانب واحد ضيق من الحقيقة، التي يحرص معظم من يصنعون الحروب ومن يدخلونها على إخفائها.

    منذ قرن تقريبا تجرأ كاتب ألماني شاب، اسمه إريك (إريش، أو إريخ، في بعض اللهجات) ماريا ريمارك، على قول الحقيقة المرة عن الحرب للمرة الأولى في التاريخ. ريمارك، المولود في 1898. كان قد شارك في الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) وأصيب بعدة شظايا وعولج لسنوات قبل أن يتم تسريحه من الجيش.

    ولما كان لديه موهبة الأدب والكتابة منذ صباه. فقد راح يسجل مشاهداته ومعايشاته للحرب في رواية قصيرة أسماها “كل شيء هادئ في الميدان الغربي”. (حسب الترجمة الإنجليزية والعربية، أو “في الغرب لا يوجد جديد”، حسب الأصل الألماني).

    **

    بعد معاناة في العثور على ناشر يتحمس لها، نشرت الرواية في 1927 وتحولت على الفور إلى ظاهرة أدبية. حيث وزعت ملايين النسخ وترجمت لمعظم لغات العالم. (منها ثلاثة ترجمات إلى اللغة العربية الأولى ضمن مطبوعات “روايات الهلال” صدرت 1981 بترجمة محمود مسعود. والثانية من ترجمة محمد عبدالعزيز عن دار نشر “كتوبيا”. والثالثة عن الألمانية مباشرة من ترجمة ليندا حسين عن دار نشر “أثر” بعنوان “لا جديد على الجبهة الغربية”).

    تحولت الرواية أيضا إلى فيلم أمريكي شهير في 1930، وفيلم تليفزيوني أمريكي في 1979، واسما لأغنية من تأليف وغناء إلتون جون في 1982. وفوق ذلك ألهمت عشرات ومئات الأعمال الأدبية والفنية اللاحقة التي قام بصنعها محاربون سابقون وجدوا الشجاعة لتسجيل ونشر تجاربهم في الحروب.

    وأخيرا، بعد مرور حوالي قرن على أحداثها وكتابتها تحولت إلى فيلم ألماني من إخراج إدوارد بيرجر، وإنتاج نتفليكس. شارك في عدة مهرجانات، ويمثل ألمانيا في الترشح لأوسكار أفضل فيلم عالمي.

    ربما لا يرقى الفيلم الجديد فنيا إلى فيلم 1930 الكلاسيكي الذي أخرجه لويس مايلستون وحصل على جائزتي أوسكار أفضل فيلم ومخرج. كما رشح لأوسكار أفضل سيناريو وتصوير. ولكنه بالتأكيد أكثر إبهارا تقنيا وأكثر جرأة في تجسيد بشاعة الحرب والفظائع التي يتعرض لها الجنود والمدنيين. بدرجة شديدة “الواقعية” مزعجة بالتأكيد لأصحاب القلوب الرقيقة ممن لا يتحملون الدماء، وصادمة لأصحاب القلوب القوية من محبي القتال والمعارك. وهو عمل لابد أن يشاهده أي إنسان قبل أن يتفوه بكلمة حرب!

    **

    على مدار ساعتين ونصف الساعة تقريبا يسرد الفيلم أحداثه التي تتنقل بين تجربة مراهق يتطوع للحرب (يمثل ريمارك نفسه) وينجو بأعجوبة من الموت الذي يحصد كل زملاءه. وبين محاولة دبلوماسي ألماني مات ابنه في الحرب، الحصول على هدنة وإنهاء الحرب بأسرع وقت. (من المعروف أن ألمانيا التي بدأت الحرب استسلمت في نهايتها استسلاما مخزيا كان بداية صعود القوميين والحزب النازي بقيادة هتلر ودخول حرب أخرى وهزيمة مخزية أخرى).

    والخط الثاني ليس موجودا في الرواية الأصلية التي تكتفي بتسجيل وقائع الجبهة حسب مشاهدات جندي يموت في الصفحة الأخيرة من الرواية.

    يساهم الخط المضاف، المستقى من أحداث تاريخية، في وضع إطار سياسي عام للحرب وخلفياتها، ويظهر كيفية تعامل القيادات السياسية والعسكرية باستهانة مع حياة الملايين من شباب الجنود والمواطنين. وهو يغير من طبيعة الرواية وتأثيرها على القارئ، فهي لا تهتم بما يدور خارج جبهة القتال إلا من خلال مناقشات وتخمينات الجنود الذين لا يعلمون شيئا عن أسباب هذه الحرب أو مصيرها إلا من خلال ما يردده القادة لهم. وهو ما يزيد من شعورهم بالعزلة والحصار داخل قفص كبير (حسب وصف الرواية) لا يعلمون من الذي قام بحبسهم فيه ولماذا، مما يجعل الأمر أكثر عبثية وغرابة.

    مع ذلك، من ناحية ثانية، فإن الخط المضاف يساهم في رسم حدود هذا القفص الذي يحاصر فيه الجنود من الجانبين، الذين يتبادلون الموت والعذاب عبثا. ويظهر فهم المخرج لهذا المعنى في مشهد مرور بعض الفلاحات الفرنسيات الصغيرات بالقرب من معسكر الجنود الألمان.

    **

    في العادة غالبا ما تحتوي الأفلام الحربية على مشهد أو أكثر للقاء الجنود بالنساء والعلاقات العاطفية والجنسية التي قد تنشأ بينهم. وغالبا ما تستخدم هذه المشاهد لتخفيف وطأة مشاهد الحرب وعمل “تفريجة” relief تفصل بين الدراما العنيفة.

    ولكن هنا يحرص المخرج على ألا يرينا وجوه الفلاحات، أو أن يقترب منهن بالكاميرا. حيث نرى المشهد من بعيد من زاوية جنود المعسكر، حتى عندما يذهب إليهم واحد من الجنود ويتعرف بإحداهن ويدخل معها في علاقة لا نرى ذلك ولكن نسمعه منه عند عودته. وهو ما يساهم بشكل غير مباشر في التأكيد على عزلة هؤلاء الجنود.

    “لا جديد على الجبهة الغربية” فيلم شجاع وقوي جدير بالمشاهدة. حتى لو كانت نسبة كبيرة من المشاهدين لن تستطيع احتماله. هو موجه أكثر لجيل الشباب والصغار، الذين يستهلكون مشاهد الحرب والعنف طوال اليوم على أجهزتهم الإليكترونية. دون أن يفهموا حقا ما تخلفه هذه الحرب من ألم وعذاب وانكسار وخسائر.

    مشاهدة هذا الفيلم أشبه بإحساس مراهق أرعن من الذين يهوون الجري واللهو بدراجاتهم البخارية. عندما تنقلب بهم وتتكسر عظامهم. فيدركون فجأة أن ألعاب الفيديو والواقع الافتراضي شيء وأن الحياة شيء آخر.

    اقرأ أيضا

    رائعتان لـ«بهاء طاهر» تنتظران السينما

  • رائعتان لـ«بهاء طاهر» تنتظران السينما

    رائعتان لـ«بهاء طاهر» تنتظران السينما

    في حوار مع السينمائي الإيراني الراحل عباس كياروستامي جرت وقائعه خلال مهرجان “مراكش” منذ حوالي ثماني سنوات، سألته عما يحدد الفن الجيد وكيف يمكن الوصول إلى معايير يعتد بها لتقييم الأعمال الفنية. فقال إن الزمن وحده هو الكفيل بتقييم الأعمال الفنية، وأنه عادة ما ينبغي أن ننتظر عدة عقود لنرى إذا ما كان العمل يحتفظ بقدرته على إثارة الإعجاب والدهشة أم لا.

    لم أقتنع بالإجابة كثيرا يومها، ولكن، يوما بعد يوم، تتأكد لي صحة وجهة نظر كياروستامي. إذ يثبت الزمن أنه القادر، وحده، على إنصاف عمل ما، أو جرف عمل ما إلى مصارف النسيان!

    تحفتان خالدتان

    من بين أعمال الراحل بهاء طاهر، ومعظمها بديع، نال بعض حقه من القراءة والنقد والتحويل إلى مسلسلات. أتصور أن أكثر عملين يستحقان البقاء والقراءة من قبل أجيال اليوم والغد. وأكثرهما صلاحية للتحويل إلى أفلام سينمائية هما قصتا “بالأمس حلمت بك” و”أنا الملك جئت”.

    قرأت المجموعة التي تحمل عنوان القصة الأولى ضمن “مختارات فصول”، التي كانت تصدرها الهيئة العامة للكتاب، وهي واحدة من أفضل السلاسل الأدبية على الاطلاق. من خلالها تعرفت على أعمال إبراهيم أصلان، محمد البساطي، محمد المخزنجي، محمد إبراهيم أبو سنة وغيرهم من جيل الستينيات الذي ظهر في الثمانينيات. القصة الثانية قرأتها على صفحات مجلة “إبداع” التي ولدت في الثمانينيات أيضا. ثم أعدت قراءتها ضمن المجموعة التي حملت اسمها وصدرت ضمن “مختارات فصول” أيضا.

    وقعت في حب بهاء طاهر وأصلان والمخزنجي وكنت أحرص على تلقف أي عمل جديد لهم. كان لبهاء طاهر مجموعة سابقة على هاتين المجموعتين تحمل اسم “الخطوبة”. ثم قرأت رواياته المتوالية: “شرق النخيل” و”قالت ضحى”، و”خالتي صفية والدير” و”الحب في المنفى”. ورغم أنني أحببت معظمها، خاصة “قالت ضحى”، لكنني لم أنس أبدا ذلك الشعور الدافق الطاغي الذي انتابني عند قراءة “بالأمس حلمت بك” و”أنا الملك جئت”. وعندما توفي بهاء طاهر منذ يومين أعدت قراءة القصتين في ساعتين، ولدهشتي انتابني الشعور نفسه. وقد قرأت “بالأمس حلمت بك” لابنتي التي تبلغ من العمر أربعة عشر عاما، فتأثرت جدا، وهو شئ قلما يحدث لها، ولجيل اليوم، من القراءة، وخاصة قراءة الأدباء القدامى.

    بهاء الوصف وكثافة الشعر

    كنت أراهن أن هاتين القصتين تحديدا كتب لهما أن تبقيا ضمن روائع الأدب العربي والعالمي، وأنهما عابرتان للزمن، بل إنهما تكادان تخاطبان جيل اليوم، بعد ما يقرب من أربعة عقود على كتابتهما، أكثر مما كانتا تخاطبان جيل الثمانينيات!

    لغة بهاء طاهر بهية، صافية كالماء الطاهر، بلا حواش أو ألفاظ مهجورة أو عبارات معقدة، تشبه دقة نجيب محفوظ مع شاعرية طه حسين، الوصف فيها قليل ولكنه موح. اقرأ، مثلا، وصفه لهبوط الثلج في “بالأمس حلمت بك”:

    “بينما كنت في الأتوبيس بدأ الثلج فجأة. سقط في البداية مثل قصاصات عشوائية متطايرة من الورق الأبيض. ثم اصبح غزيرا وكثيفا وغلف العالم خارج الأتوبيس بستارة متحركة من نمنمة بيضاء بلا نهاية”.

    الوصف هنا يمهد للشعور العام الذي يغمرك، مثل هذا الثلج الغامض، وأنت تقرأ القصة. ولا يختلف وصف الأشخاص عن وصف الطبيعة. فهو أيضا قليل ومركز وموح بالشخصية كلها في كلمات معدودة.

    اقرأ الوصف التالي لشخصية مارتين في “أنا الملك جئت”، تلك الفتاة الأجنبية التي كاد بطل القصة الطبيب المصري فريد يتزوجها، قبل أن تصاب بمرض عقلي وتقضي حياتها في مصحة:

    “لم يرحب الشيخ عبد الله بزواج فريد من فرنسية. ولما جاءت مارتين إلى القاهرة في شتاء سنة 1925 (نزلت في فندق شبرد وهناك قابلها الشيخ) ورأى وجهها البرىء كطفلة وتضرج وجنتيها بالخجل كلما وجه لها أحد سؤالا. ومحاولاتها الدائمة للتهرب بعينيها الخضراوين أن تلتقيا بعيني أحد، أسرت رقتها الشيخ عبدالله وقال لفريد على بركة الله”.

    كأنك تشاهد فيلما

    تحفل كل من “بالأمس حلمت بك” بالصور، كأنك تشاهد فيلما لا تقرأ رواية. يقال إن أنسب أنواع النصوص الأدبية صلاحية للتحويل إلى أفلام ليس الرواية، كما يعتقد، ولكن القصة القصيرة. وأعتقد أن أنسبها هو ذلك النوع الذي يطلق عليه “نوفيلا”، أو الرواية القصيرة، مركزة الأحداث والشخصيات والفكرة. ولا أفهم حتى الآن كيف لم يفكر سينمائي في تحويل أي من هاتين القصتين إلى فيلم. وأراهن أنهما على يد مخرج جيد صالحتان لصنع فيلمين عظيمين، يشكلان إضافة نوعية في تاريخ السينما المصرية ( يمكن أن نضيف إليهما “فساد الأمكنة” لصبري موسى).

    عالم فريد من الواقع والحلم

    تحفل كلا القصتان أيضا بالأحلام. يمكن أن نقول أن بهاء طاهر افتتح موجة الواقعية السحرية في العالم العربي، والتي جاءت مع فوز جابريل جارثيا ماركيز بجائزة نوبل 1982. يرسم بهاء طاهر عالما يقع بين الواقع والحلم بشكل لا مثيل له، يمكن مقارنته بأعمال بورخيس وفيرناندو بيسوا. وسواء كان المكان أوروبا الخضراء أو الصحراء الغربية. فهو يحول المكان إلى عالم فريد من نوعه يقع على تخوم الصحو والحلم، ويمتزج فيه الواقعي بالخيالي امتزاجا لا تكاد تتعرف فيه على الحدود الفاصلة بينهما.

    هما قطعتان من الأدب النفيس، لا تشبهان أي شىء سوى نفسيهما. عندما تقرأهما، فكأنك ذهبت بالفعل إلى عالم آخر وحياة أخرى وسوف تتركان فيك أثرا لا ينمحي!

    اقرأ أيضا:

    يوسف إدريس عن بهاء طاهر: «وكأنه كلما لمس شيئا تحول إلى ذهب»

    هالة جلال تكتب: رحلة بهاء طاهر

  • ضحايا التعليم الموازي في معهد السينما!

    ضحايا التعليم الموازي في معهد السينما!

    لا يخفى على الداني والقاصي حال التعليم في مصر. ولو بدأ المرء في الحديث عن سلبياته ومثالبه فلن ينتهي. ومن آفات التعليم في مصر ما يطلق عليه الجامعات الخاصة والتعليم الموازي، الذي يعني باختصار أن أصحاب الدرجات و”المجاميع” الرديئة يستطيعون دخول أي كلية تحلو لهم، طالما أن “بابا” و”ماما” يملكون من المال ما يطلبه أصحاب هذه الدكاكين.

    وربما يردد البعض أن الجامعات كلها خاصة في أمريكا وبلاد أخرى، وأن التعليم الموازي موجود في كل العالم. وهي قولة حق لا يراد بها سوى باطل. فالكل يعلم أن الجامعات المحترمة تتنافس على ضم المتفوقين قبل الأغنياء، بينما لدينا تفصل شروط القبول على مقاس أبناء الذوات، ومستوى التعليم متدني حتى في أفضل الجامعات الخاصة في مصر وألمعها اسما.

    وليس معنى هذا أن التعليم الحكومي مثالي أو أنه يخلو من هذه المثالب. ولكن على الأقل هناك شروط وقواعد للقبول يتم تطبيقها (مع قليل أو كثير من التحايل) وهناك حد أدنى من مستوى الخريجين.

    الفنون موهبة أولا

    من أسباب اختراع ما يسمى بالتعليم الموازي أنه يوفر فرصا لمن حرمته الشروط والقواعد من تلقي العلم. ولكن بما أن دفع الأموال شرط أساسي للحصول على هذه الفرصة، فإن من يحصل عليها هو من يملك المال، وليس الأكثر استحقاقا، أو شغفا بالدراسة. وينطبق هذا حتى على دراسة الفنون التي يجب أن تشترط الموهبة والثقافة فوق كل شيء آخر.

    ولعقود طويلة ظل المعهد العالي للسينما في مصر هو المكان الوحيد الذي يمكن فيه تعلم السينما. حتى بات من الصعب على أي شخص لم يحصل على شهادة المعهد أن يلتحق بالمجال، مع استثناء الممثلين وكتاب السيناريو لأسباب تتعلق بطبيعة مهنتيهما. فليس هناك قسم تمثيل في معهد السينما، وكتابة السيناريو لا تتطلب تقنيات دقيقة ومعقدة مثل الإخراج أو التصوير أو المونتاج.

    ورغم أن الدنيا تغيرت بعد ظهور التكنولوجيا الرقمية وانتشار الجامعات والأكاديميات الخاصة التي تقوم بتدريس الفنون. لكن يظل معهد السينما هو الجهة الرسمية الوحيدة التي تمنح الخريج شهادة بأنه “سينمائي” يحق له الانضمام لنقابة السينمائيين والعمل في المجال بدون مشاكل قانونية.

    لكن شروط المعهد، ومنها قلة عدد الطلاب الذين يتم قبولهم سنويا، وضرورة ألا يزيد عمر الطالب المتقد للدراسة بالمعهد عن 26 سنة. وأحيانا عدم وجود واسطة أو عدم التوفيق في اختبارات القبول بسبب وجود واسطة لدى طالب آخر. فقد حدث كثيرا أن حرم طلبة يتمتعون بالموهبة من دخول المعهد، وحرمت السينما المصرية من موهوبين ربما كان سيصبح لهم شأن إذا دخلوا المعهد.

    كورونا فاقمت المشكلة

    منذ عشر سنوات تقريبا تم اعتماد ما يعرف بالتعليم الموازي (أي التعلم في جامعات الحكومة بمصاريف مثل التعليم الخاص) في معهد السينما. وعلى مدار هذه السنوات كان هناك عدد عن الايجابيات والسلبيات (من الإيجابيات إتاحة فرص لعدد كبير ممن يستحقون أو يحلمون، ومنها تخرج عدد من الموهوبين كسبتهم المهنة، ومن السلبيات تخرج عدد من الفشلة نجحوا بفلوسهم في أن يصبحوا أعضاء بنقابة المهن السينمائية بمجرد تخرجهم. ومنها أشياء أخرى تتعلق بطريقة القبول ودخول عنصر المال والواسطة بشكل بارز في تحديد من يدخل التعليم العادي ومن يدخل الموازي ومن لا يدخل أصلا).

    .. لكن خلال السنوات الثلاث الماضية تبلورت مشكلة كبيرة تعرض لها كثير من طلبة التعليم الموازي. من المعتاد في التعليم الموازي أن بعض الطلبة ينفقون بأنفسهم على هذا التعليم. خاصة إذا كان الدراسة تتعلق بتخصص يعشقونه ويحلمون بالعمل فيه مثل الفن، على عكس ما نرى في تخصصات أخرى لا يبدي الطالب استعدادا لتعلمها إلا إذا كان أهله سيتكفلون بنفقات هذا التعليم.

    من المعتاد، إذن، في التعليم الموازي بالمعهد العالي للسينما أن يعمل بعض الطلبة طوال فترة الصيف وحتى أثناء الدراسة ليسددوا المصاريف التي تتراوح بين 30 وأربعين ألف جنيه سنويا، حسب القسم والفصل الدراسي.

    ولكن قواعد الدراسة في المعهد تتطلب نسبة حضور كبيرة يحرم الطالب من الامتحانات إذا لم يحققها. وبالتالي يفشل بعض الطلبة في التوفيق بين عملهم وتحقيق نسبة الحضور المطلوبة. ومن ناحية ثانية تعرض بعضهم لمشكلة أخرى خلال فترة التوقف والكساد الطويلة التي حدثت بسبب كورونا وما أعقبها. فأصبحت فرص العمل شحيحة جدا، وبالتالي لم يستطع بعضهم توفير المصاريف المطلوبة.

    وحتى عندما حاول بعض الأساتذة التدخل لإعفاء بعض هؤلاء الطلبة من سداد المصاريف أو تخفيضها اصطدموا بتحويل الطلبات إلى المستشار القانوني الذي رفض رفضا باتا السماح بذلك. رغم أنه عرف وتقليد موجود في كل مدارس وجامعات العالم حتى الخاصة!

    والنتيجة أن هناك عددا كبيرا من طلبة التعليم الموازي بمعهد السينما تركوا الدراسة، أو لا يستطيعون استكمالها.

    تحفظات وإجراءات

    ربما يجب أن يتحفظ المرء هنا، منوها بأن بعض الطلبة يتقاعسون عن تسديد المصاريف ليس لأنهم لا يملكونها، ولكن لأنهم لا يريدون سدادها. وهذا للأسف سلوك معتاد أيضا لدى كثير من الطلبة الذين قد يأخذون الأموال من أهاليهم ولا يقومون بتسديدها. لذلك لابد من وجود إجراءات للتعرف على من لا يملك قيمة المصاريف بالفعل. وهذه أيضا مهمة سهلة تقوم بها جامعات ومدارس العالم وفقا لنظام محدد.

    المهم ألا نفقد طالبا موهوبا يمكن أن يكون له مستقبل فني بسبب بضعة آلاف من الجنيهات لا يستطيع سدادها. وتعليم الفنون في العالم كله يختلف عن التعليم العادي. فالموهبة تجب أي شرط آخر. والمواهب نادرة تحتاج لمن يكتشفها ومن يرعاها.

    فهل يدرك المسؤولون في معهد السينما، وبقية المعاهد الفنية التابعة لأكاديمية الفنون ذلك؟

    أرجو أن تجد شكاوى هؤلاء الطلاب آذانا صاغية لدى الدكتورة غادة جبارة رئيس أكاديمية الفنون وعمداء المعاهد الفنية. وأن يضعوا آلية لمساعدة مشاريع فنانين يحتاجون إلى الدعم والرعاية.

    اقرأ أيضا

    نور الشريف خواطر واستنتاجات.. حول قصة المقتنيات!

  • نور الشريف خواطر واستنتاجات.. حول قصة المقتنيات!

    نور الشريف خواطر واستنتاجات.. حول قصة المقتنيات!

    بقدر ما أثار مقال مقتنيات نور الشريف على الرصيف من ردود أفعال إيجابية، تمثلت في غضب الكثيرين وحزنهم، وسعي البعض إلى الفهم والبحث عن حلول لإنقاذ مقتنيات كبار الشخصيات العامة والمؤسسات الهامة وغيرها من المواد الأرشيفية التي تحتاج إلى الحفظ والصون،.بقدر ما أثار المقال بعض ردود أفعال، معظمها خواطر وانفعالات تتجاهل الحقائق الثابتة وتساهم في مزيد من تشتيت وتمييع المشكلة، كعادتنا في تغليب العواطف والقفز بالاستنتاجات بدلا من التمعن في الوقائع.

    ***

    كان هم البعض أن يدافع عن أسرة نور الشريف وينكر قيامهم بالتفريط في هذه المقتنيات. ولا أحد يستطيع أن يدعي أن الأسرة تعمدت التفريط. بالعكس هناك ما يثبت أنهم لا يعلمون شيئا عن طبيعة هذه المقتنيات، بدليل وجود صور عائلية شخصية للزوجة الفنانة بوسي والابنتين سارة ومي، وأوراق شخصية جدا لنور الشريف، لا يمكن لعاقل أن يتصور أنهم فرطوا فيها عمدا. كذلك يعلم الجميع مدى العلاقة القوية التي كانت تربط بين نور الشريف وابنتيه. ولابد أنهما تشعران بالحزن من قصة المقتنيات، لكن هذا لا ينفي أن إهمالا غير مقصود قد حدث.

    وأنه تم السماح لأناس غير مسؤولين بدخول شقة المهندسين والسطو على مقتنياتها في غياب رقابة الأسرة. وكان يفترض أن تقوم الأسرة بنفسها بمعاينة وجرد محتويات الشقة بأنفسهم، قبل استدعاء الأغراب، أو ترك الشقة نهبا لهم. ربما، بل غالبا، كان لدى السيدة بوسى وابنتاها أعذارا قوية منعتهن من القيام بذلك. وربما لم يخطر ببالهن وجود أشياء قيمة وشخصية في الشقة. لكن هذا كله لا يمنع أن هناك خطأ كبيرا قد حدث، وأن الشقة ومحتوياتها كانت في حوزتهن عندما تم تفريغ محتوياتها.

    ***

    البعض الآخر، دفاعا عن الأسرة، زعم أن مقتنيات نور الشريف تم اهدائها إلى مكتبة الإسكندرية. وفيما قال البعض أنها موجودة في المكتبة، تساءل البعض الآخر عما إذا كانت المقتنيات المعروضة في السوق قد تم تهريبها من المكتبة وليس من منزل الأسرة. النصف الأول من الكلام غير دقيق، والنصف الثاني استنتاجات بلا سند.

    ولعل ذلك ما دفع مكتبة الإسكندرية إلى إصدار بيان تؤكد فيه أن لديها (بعض) المقتنيات. وهي بالتحديد 6022 كتاب، وبعض الأوراق الخاصة التي تحمل ملاحظات بخط يد الفنان الراحل. بالطبع مقتنيات نور الشريف لم تكن مجرد 6022 كتاب وبعض الكراسات بخط يده. ولكنها حصاد عمر لإنسان كان يهتم بتوثيق وحفظ كل ورقة وشريط، كما يدل حرصه على تجليد كل كتاب في مكتبته ووضع توقيعه عليه، وكتابة تاريخ ومكان كل صورة على ظهرها.

    الحقيقة القائمة هي أن مكتبة الإسكندرية لم تحصل سوى على بعض الكتب وقليل جدا من الأوراق التي كانت موجودة في شقة الشيخ زايد. لكن شقة المهندسين التي كانت تمتلئ حتى آخرها بالأوراق والمقتنيات الأخرى، والتي تحتوي على سيناريوهات وبوسترات وصور فوتوغرافية وشرائط فيديو قام نور بتصويرها أو يظهر فيها وأفلام وأوراق خاصة ويوميات ومذكرات وجوائز ودروع ونياشين..إلخ، هي التي تم سلب محتوياتها.

    ***

    خواطر اليافعين، التي تكيل الاتهامات للأسرة بغير دليل، أو تحاول إعفاءها تماما من الخطأ، ليس لها محل من الإعراب هنا. علينا أن نعترف أن عائلات المشاهير ليست مسؤولة عن الحفاظ على ميراث هذه الشخصيات العامة. هذا حكم أخلاقي لا يمكن فرضه أو افتراضه. هناك أسرة فنان كبير آخر قامت ببيع مقتنياته بمساعدة المحامين وكذبوا على وزارة الثقافة مدعين أن كل ما لديهم بضعة ملابس وصور. الأبناء والأحفاد وأبناء العم والخالات هم أحيانا آخر من يهتم بقيمة الشخصية العامة في عائلتهم، وأكثرهم يسعى إلى الاستفادة من هذه القرابة ماديا ومعنويا.

    وغالبا يلتمس المرء العذر لهذه العائلات الفقيرة التي تملك مصدرا للرزق تريد الاستفادة منه. أو تشعر بأن الجهات المسؤولة تريد الاستحواذ على هذه المقتنيات مجانا. والمصيبة الأكبر أن هناك موظفين في هذه الجهات المسؤولة يقومون ببيع وتهريب بعض ما يصل إلى هذه الجهات من مقتنيات. ولذلك يقول لسان حال ابن أو حفيد الشخصية العامة: بما أن أحدا لا يهتم، وبما أن المسؤولين أنفسهم باعوا وثائق أبي، فليكن بيدي لا بيد عمر.

    وأسرة نور الشريف أسرة عادية، لم يخطر ببالهم بالطبع أن يبيعوا شيئا من مقتنيات الراحل. ولكن في الوقت نفسه ليس لديهم القدرة ولا الطاقة على حفظ هذه المقتنيات ورعايتها. وهذه ليست مسؤولية العائلات كما ذكرت. بل مسؤولية “الجهات المعنية بالأمر”. وقد بح صوتنا على مدار عقود من أجل إنشاء أرشيف للسينما، وأرشيفات أخرى لغير السينما، تملك سلطة قانونية ومالية لشراء وحفظ تاريخنا الملقى على الأرصفة، والذي سافر أغلبه للعمل في الخليج و محطة “بي بي سي” ومكتبات الجامعات الأمريكية والأوروبية وغيرها.

    المسألة لا تتعلق بنور الشريف وحده. لقد تحولنا إلى أمة تعيش على بيع آثارها وتاريخها، مثل بطلات أفلام حسن الإمام اللواتي يضطررن إلى احتراف الرقص!

    اقرأ أيضا: 

    نور الشريف على الرصيف في سوق الروبابيكيا

  • نور الشريف على الرصيف في سوق الروبابيكيا

    نور الشريف على الرصيف في سوق الروبابيكيا

    تخيل أن ترى مقتنيات بيتك الخاصة، من صور عائلية ومفكرات بخط اليد وكتب وأوراق خاصة وشهادات مدارس وجوائز وملابس، في الشارع، تباع أمام عينيك على الرصيف.

    تخيل أكثر من ذلك: أنك أنت الذي ألقيت بكل هذه الأشياء من النافذة، إلى بائع الروبابيكيا أو جامع القمامة، ليعرضها للبيع أو يحرقها في “المزابل”.

    بل أكثر من ذلك: أن هذه المقتنيات التي ألقيت بها تنتمي لشخصية عامة يعرفها ويعشقها الملايين في مصر والعالم العربي. وأن كل واحد من هؤلاء الملايين يتمنى لو حصل على صورة أو كتاب أو ورقة بخط قريبك هذا، الذي ألقيت بمقتنياته على الرصيف.

    **

    للأسف، هذا ما فعلته أسرة الفنان نور الشريف بآلاف من مقتنيات مكتبته وبيته. بما في ذلك ألبومات الصور العائلية والجوائز والدروع والنياشين التي حصل عليها وكتبه وأوراقه وبوسترات أفلامه..كل شيء، بلا تمييز أو انتقاء.

    أي حقد، أو جهل، يمكن أن يدفع المرء إلى ذلك؟

    منذ عدة أسابيع ومقتنيات نور الشريف الشخصية والعائلية تباع في سوق الأنتيكات: عشرات الألبومات والسيناريوهات وكتبه، المجلدة بعناية وتحمل اسمه على الكعب وبعضها يحمل توقيعه وكلمات بخط يده. وحتى الجوائز التي حصل عليها والإهداءات المختلفة من مؤسسات ثقافية. وعدد كبير من بوسترات وبروشورات الأفلام التي قام بإنتاجها. وعندما قام البعض بالاتصال بابنته سارة ليخبرها بالأمر. تبين أن العائلة هي التي طلبت من أحد العاملين بالتخلص من هذه الأشياء التي كانت موجودة في الشقة القديمة. ورغم الوعود لم تتخذ الأسرة إجراءًا جادا لاستعادة هذه المقتنيات. وبالطبع لم تتحرك وزارة الثقافة ولا مكتبة الإسكندرية ولا أي مؤسسة رسمية ثقافية. كأن هذه المقتنيات ليست ميراثا قوميا لواحد من أشهر وأحب الفنانين العرب.

    الكثير من هذه المقتنيات تم بيعه بالفعل إلى أفراد. وبعضها سافر خارج مصر ويتجول الآن في مدن الخليج. وبعضها لم يزل يعرض يوميا للبيع على صفحات الفيسبوك أو في الشارع. وقد قمت شخصيا بشراء بعض هذه المقتنيات، ومنها ألبوم لعيد ميلاد الابنة سارة. يظهر فيها نور وزوجته بوسي وعشرات المدعوين منهم الخالة نورا وسامية جمال ومريم فخر الدين ومها صبري والمخرج أحمد يحيى وغيرهم. كذلك قمت بشراء بعض صور أفلامه ومنها “حبيبي دائما” الذي أنتجه ولعب بطولته مع زوجته بوسي، التي أصدرت الأوامر بالتخلص من هذه المقتنيات. وكذلك عددا من كتبه التي تحمل توقيعه.

    وبالطبع من يملك مالا أكثر استطاع أن يحصل على مقتنيات أكثر وأهم، وبعض الأفراد قاموا بشراء صورة أو كتاب. والنتيجة أن دماء هذه المقتنيات أصبحت موزعة بين القبائل. ويستحيل تجميعها مرة أخرى بعد كل هذه الأيام والأسابيع التي تمر دون أن يتدخل أحد.

    نور الشريف ليس وحده، والمأساة تكررت مع الكثيرين غيره. ومن يعرف كواليس سوق المقتنيات القديمة يعرف أن من بين الأشياء المعروضة للبيع الآن ما بقي من مقتنيات أحمد زكي (التي قام أقاربه ومحاموه ببيعها) وبعض مقتنيات شركة “صوت الفن”. ومنها أشياء شخصية لعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ. بجانب أشياء تخص نجيب محفوظ، منها نسخ السيناريوهات التي تحمل ملاحظاته وتوقيعه أيام كان رقيبا على المصنفات الفنية.

    **

    وهذه مجرد أمثلة مما هو معروض الآن. وليس الذنب ذنب هؤلاء التجار بالطبع، بل العكس هو الصحيح. فعلى الأقل تذهب هذه المقتنيات لمؤسسات وأناس يقدرون قيمتها،طالما أن أهل الدار لا يعرفون قيمة الراحلين.

    وأعلم أن حرث مياه البحر أو النفخ في قربة مقطوعة أجدى من أن نطالب وزارة الثقافة والجهات المعنية بالإسراع بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تراثنا المهدور. طالما أنه لا يوجد مؤسسة قومية عملها ووظيفتها الأساسية هي البحث عن وشراء وحفظ هذه المقتنيات للتاريخ والأجيال القادمة.

    اقرأ أيضا

    في التفسير الطبقي لأفلام الرعب!

  • في التفسير الطبقي لأفلام الرعب!

    في التفسير الطبقي لأفلام الرعب!

    تعليقا على المقالتين الماضيتين حول انتشار أفلام الرعب والعنف أرسل لي الصديق الناقد أمجد جمال رابطا لدراسة نقدية تعود إلى 2015 كتبها المحلل مارك راهمان (Rahman). يبدو أنه أمريكي من أصل هندي، على موقع يحمل اسم “دفاعا عن الماركسية”، وهي دراسة تستحق القراءة، تحمل رؤية تستحق الاعتبار.

    الرأسمال ذئب مصاص دماء

    يبدأ راهمان (أو رحمان) مقاله بالاستشهاد بعبارة كتبها فلاديمير لينين (مؤسس الحزب الشيوعي الروسي وقائد الثورة الشيوعية في 1917، وأول زعيم للاتحاد السوفيتي)، أثناء الحرب العالمية الأولى، والتي تشبه ما يحدث في العالم حاليا من تصارع القوى الاستعمارية الكبرى في الغرب والشرق عندما قامت بريطانيا وفرنسا بمحاصرة ألمانيا وتركيا. وهو الأمر الذي تكرر قبيل الحرب العالمية الثانية عندما حاصرا ألمانيا وايطاليا واليابان. ويتكرر الآن عندما حاصرت أوروبا وأمريكا روسيا والصين.

    أما العبارة التي قالها لينين منذ أكثر من قرن ويستشهد بها راهمان فهي أن “المجتمع الرأسمالي كان وسيظل دوما رعبا بلا نهاية”.

    ويستشهد راهمان أيضا بمقطع من كتاب “رأس المال” لكارل ماركس، يقول فيه أن الرأسمالية دخلت التاريخ مثل شخص “تقطر الدماء والقذارة من رأسه إلى قدميه، ومن كل مسام جسده”. وفي مقطع آخر يشبه الرأسمالية بشخص ميت، يشبه مصاص الدماء، يعيش على امتصاص حياة العمال. وكلما دب فيه مزيد من الحياة كلما امتص المزيد من الدماء”. وفي السياق نفسه يقارن ماركس أيضا نهم الرأسمالي إلى المزيد من الأرباح بـ”جوع المذءوب” الذي لا يشبع.

    والفقر زومبي يجتاح الكومباوند

    هذا الربط بين الوضع الاجتماعي والاقتصادي وقصص الرعب سبق لينين وماركس، وظهر بعدهما، في كثير من كتابات المفكرين والأدباء والنقاد. وإن كانت الماركسية قد شددت على مثالب الرأسمالية تحديدا، فالظلم الاجتماعي والنهب الاقتصادي للفقراء لم يكنا يوما حكرا على النظام الرأسمالي. و”فانتازيا” الرعب والعنف طالما جسدت المذابح وفظائع الحروب ومظاهر الظلم بأشكال مباشرة وغير مباشرة منذ فجر التاريخ البشري الدموي.

    لكن الرأسمالية، بثراء أثرياءها الفاحش، وفقر فقراءها المدقع، وبأنماط حياتها المتنوعة والمتقدمة دوما، وبأساليب الاحتيال والنهب المبتكرة والمتطورة دوما، وبحداثتها الجذابة المخيفة. من بداية الثورة الصناعية وحتى ثورة الذكاء الاصطناعي، فتحت الآفاق أمام سيول من التخييلات والاستعارات الفنية والتنويعات المجازية التي تعبر عن، وتعزف على، المخاوف التي لا تنتهي لدى كل الطبقات: الدنيا والوسطى والعليا. فالكل بات أسيرا للقلق والرعب من الآخرين. ولعل هذا ما فات لينين وماركس وقتها: أن الدور سيأتي على الرأسمالي نفسه ليصبح نهبا للخوف من أبناء الطبقات الفقيرة. وأن قصص الرعب لن تكتفي بمصاص الدماءـ الميت الحي، ساكن القصر الذي يصطاد الفقراء العابرين. ولكن ستتناول أيضا قصص “الزومبي”، الموتى الأحياء، الخارجين من المناجم والأحياء الفقيرة والقبور الذين يجتاحون قلاع المتحضرين الأثرياء!

    العلم ساحر يفقد السيطرة

    في مقاله سابق الذكر يسرد راهمان ملخصا لتاريخ سينما الرعب منذ عشرينيات القرن الماضي، مع ظهور “التعبيرية الألمانية” التي أنتجت بعض روائع أفلام الرعب مثل “نوسفيراتو” و”عيادة الدكتور كاليجاري”، وحتى عصرنا الحالي. متتبعا نشأة نوع الرعب وازدهاره وانقسامه إلى أنواع عديدة. كل منها يعبر عن نوع من القلق والمخاوف الاجتماعية المرتبط بالاقتصاد.

    قبل الرأسمالية، مثلا، كان الرعب من الطبيعة يتمثل في خوف الإنسان من تقلبات الطبيعة، الأعاصير والبراكين والحرائق، والأوبئة، والشيخوخة والموت، والوحوش العملاقة. ولكن مع بداية الثورة الصناعية، وخاصة مع أهوال الحرب العالمية الثانية. ثم خطر الحرب الذرية ثم النووية بعدها، أصبح الخوف من الطبيعة مرتبطا بما يفعله الإنسان بهذه الطبيعة.

    وهو ما وصفه ماركس وانجلز في “البيان الشيوعي” بأن “المجتمع البورجوازي الحديث، بعلاقته بالانتاج، والملكية والبيع والشراء، مجتمع يحاول التحكم في هذا القدر الهائل من الإنتاج والتجارة،.هو أشبه بمشعوذ لم يعد قادرا على التحكم في العالم الذي استدعاه عن طريق السحر”! فرانكنشتاين هو مسخ صنعه طبيب عالم، وجودزيلا مسخ صنعته التجارب النووية، والديناصورات صنعها علماء يسعون إلى انشاء حديقة عامة حديثة تدر لهم الملايين. والروبوتوتات هي المسوخ الأحدث والأكثر رعبا، التي تهدد بالاستيلاء على العالم وتحويله إلى بطارية كهرباء لها (سلسلة أفلام “ماتريكس” وما بعدها). وبالنسبة للمواطن العادي أصبح ظهور أي وباء أو ظاهرة طبيعية مرتبطا بما يفعله البشر. خاصة الدول الرأسمالية الكبرى، عن قصد أو غير قصد، بالطبيعة!

    رعب وعنف الغريزة

    تعبر أفلام الرعب والعنف عن مضمون اجتماعي اقتصادي نعم، ولكنها تعبر أيضا عن مضمون نفسي فردي وجمعي. هذا المضمون يتأثر بالوضع الاجتماعي والاقتصادي بالطبع، ولكنه مرتبط أيضا بالنوازع الغريزية للإنسان، وبالوضع البشري منذ فجر الوعي بالذات. عندما أدرك الإنسان أنه يحيا على قتل الكائنات الأخرى. وأنه هو نفسه سيصبح يوما ما ضحية لكائن آخر يحيا على القتل. هذا المضمون النفسي مرتبط أيضا بالغريزة الجنسية، التي تحوي طيوفا من المتع المكبوتة والمنحرفة، والتي كلما كبتت زادت انحرافا. ولعل ذلك أحد أسباب شعبية أفلام الرعب والعنف لدى المراهقين، المشوشين جنسيا بحكم سنهم، والكبار المكبوتين والمشوشين جنسيا بفعل المجتمع.

    تتنوع مصادر الرعب والعنف في حياتنا المعاصرة، ويزيد الطين بلة أن وسائط الإعلام والترفيه والتواصل الاجتماعي تتسابق على إثارة مشاعر وحواس جمهور وأجيال تبلدت مشاعرها وحواسها بالفعل. وتتنافس على تقديم مزيد من الدماء والمشاهد المرعبة لجذب انتباه هذا الجمهور وتحقيق أكبر عدد من المشاهدات…والدولارات!

    وسائل التواصل..الرعب الأكثر إرعابا

    السينما، في الأول والآخر، هي خيال كلما كان جامحا كلما ساهم في التعبير عن اللاوعي وأحدث حالة من التطهير. بمصطلح أرسطو. ومن التفريج النفسي بمصطلحات علم النفس. ولذلك فإن معظم أفلام الرعب والعنف تنتمي للنوع الفانتازي، والقليل منها الذي ينحو للواقعية يصاغ غالبا، أو يفترض أن يصاغ، بطريقة تنفر المشاهد من العنف.

    لكن الخطير حقا، وهو ما لا ينتبه له من يشتمون السينما والفنون ليلا نهارا. هو سيل الفيديوهات الواقعية التي تبثها وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الرقمية من مذابح وجرائم حية. وهي فيديوهات محايدة، ميتة، لا روح ولا رؤية ولا وعي ولا جماليات فنية فيها، تنغرز في العيون والعقول. وتحول مشاهديها إلى نوع آخر من الزومبي، الذين يسعون دوما لمشاهدة المزيد من فيديوهات القتل والدماء والاغتصاب. وبدلا من أن يكون المرء مشاهدا قلقا من صور العنف والرعب، فإنه يتحول تدريجيا إلى مشاهد متعطش لهذه الصور.

    وهكذا، ربما، نصل إلى عصر نهاية الرأسمالية المتأخرة، وقد تحول البشر أنفسهم إلى زومبي ومصاصين دماء.

    اقرأ أيضا

    بورنوغرافيا الدم وإدمان العنف: هل أصبح العالم فيلم رعب كبير؟

  • بورنوغرافيا الدم وإدمان العنف: هل أصبح العالم فيلم رعب كبير؟

    بورنوغرافيا الدم وإدمان العنف: هل أصبح العالم فيلم رعب كبير؟

    عندما كتبت عن ظاهرة انتشار أفلام الرعب والجريمة الأسبوع الماضي، أرسلت لي صديقة شابة تعليقا مفاده أنها وأصدقاءها باتوا يطلقون على أفلام الجريمة “وثائقيات”، أو “تسجيلية”. بعد أن أصبح الواقع يعج بالجرائم التي لا يتخيلها أحدا. أما أفلام الرعب فيتعاملون معها على أنها متنفس خفيف أمام الرعب الموجود في العالم.

    لاشك أن أخبار وصور الجرائم والحوادث المرعبة تنهال أمام عيوننا وفوق رؤوسنا كل دقيقة على مدار اليوم. وما بين كتابة المقال الفائت وهذا المقال لم يمر يوم واحد دون حادث مروع ما بين ذبح فتاة أخرى في الشارع إلى حريق هائل التهم عشرات الأجساد والأرواح. وما بينهما من قصص جريمة وحوادث طرق. ناهيك عن الرعب الكوكبي الذي عاشه العالم، ولم يزل، بسبب كورونا. ثم بسبب الحرب الدائرة في أوكرانيا وما نجم عنها من خراب شامل.

    **

    .. ولكن هل حقا انتشرت الحروب والأمراض والجريمة والحوادث مقارنة بعقود أو قرون مضت. أم أن الذي انتشر هو وسائط التواصل الاجتماعي التي جعلت أخبار العالم كله تحت أصابعنا على مدار اللحظة؟ أضف إلى ذلك التنافس الرهيب على تحقيق أكبر عدد من المشاهدات والتعليقات واللايكات. وبالتالي تركيز المواقع والأفراد على بث الأخبار الأكثر إثارة للانتباه والحواس، ما أدى بمرور الوقت إلى خمول الانتباه والحواس والحساسية لدى المتلقين. وهو ما يستدعي بالتبعية مزيدا من أخبار وصور الموت والرعب، التي باتت، بطريقة ما، “بورنوغرافيا” العصر.

    وبعد أن كنا نتلهف على مشاهدة صور الفتيات الجميلات العاريات والرجال ذوي العضلات والوسامة في زمننا. أصبح جيل اليوم يتلهف لمشاهدة صور السفاحين والأجساد المخترقة بالحراب، والرؤوس المقطوعة بالفؤوس، والموتى الأحياء، وبقية صور الرعب التي تستطيع إيقاظهم من غفوة الحواس.

    ليست الأفلام والمسلسلات سوى جزء من الواقع وهي مجرد صورة له. ومن يتصور أنها الواقع العنيف والمرعب نفسه أو أنها سبب لما يحدث في الواقع وليست نتيجة له، فهو كمن يطلق الرصاص على المرآة معتقدا أنها الواقع والخصم.. قد ينجح في تحطيم المرآة، ولكن الواقع والخصم لن تهتز له شعرة.

    أنتونى هوبكنز في صمت الحملان
    أنتونى هوبكنز في صمت الحملان

    من ناحية ثانية فإن كثرة المرايا تضخم وتضاعف الواقع وتمنع من رؤية أشياء أخرى في الواقع لا تهتم مرآة السينما والمسلسلات بإظهارها. والواقع نفسه بات باهتا وضبابيا خلف عشرات المرايا المضخمة الملونة له. كما في بيت المرايا بالملاهي، حيث يصعب على المرء التمييز بين الصورة والواقع. أصبحت صلتنا الأساسية بالعالم من خلال عشرات الشاشات من مختلف الأحجام، ورغم أن الكل يشكو، والكل يعرف عن الأضرار والآثار السلبية. لكن لم يعد بمقدور أحد أن يقاوم أو يفعل شيئا.. لقد انتهى أمرنا، ولم يعد أمامنا سوى التعامل مع الوضع القائم.

    **

    كثيرة ومتنوعة هي أسباب انتشار أفلام ومسلسلات العنف والرعب، والصديقة التي حدثتني عن إقبال جيلها على هذه الأعمال ذكرت عرضا أن أحد أسباب انتشارها هو تسامح الرقابة معها، مقارنة بالأعمال الاجتماعية الواقعية. وهذا صحيح فيما يتعلق بالعالم العربي. لكنه لا ينطبق على السينمات العالمية التي تشهد أيضا انتشارا هائلا لدراما العنف والرعب.

    الأسباب كثيرة ومتنوعة والنتيجة واحدة. والذي يهم الآن هو فحص تأثير هذه الأعمال. مبدئيا هناك وظائف إيجابية لها: التنفيس عن الخوف والعنف المضمرين داخلنا لأسباب لا حصر لها. في نهاية يوم ممتلئ بالمتاعب والقلق والإحباط، من مكان العمل إلى الشارع إلى السوبر ماركت. يود المرء أن يفرغ خزينة من الرصاص في صدر شخص ما. وها هو فيلم يقوم فيه البطل بقتل عشرات الأوغاد، فما أمتع الشعور بالانتقام، ولو في الخيال.

    **

    منذ ظهر عقل الإنسان وخياله يعمل باتجاه التعبير والتفريج عن الرغبات والمخاوف التي تشغل هذا العقل، وهذه إحدى الوظائف الأساسية للفنون، ولفنون الدراما تحديدا. ولكن إحدى وظائف الفن الأخرى هي مداعبة الحواس الخاملة. يقسم الأديب جيمس جويس الفن إلى نوعين: الفن الخالص (proper) والفن غير الخالص (unproper). الأول هو الفن الذي يولد حالة من الافتتان العقلي والروحي غير المنطوق به. أما الثاني فيندرج تحته الأعمال التي تخاطب الحواس والغرائز والأعمال الدعائية والوعظية، وكل ما يهدف من ورائه لتحقيق غاية أو مصلحة أو متعة غير فنية. ويصف جويس معظم ما يندرج تحت هذا النوع بالبورنوغرافيا!

    وفقا لهذا التقسيم، فإن معظم ما يبث في عيوننا هذه الأيام من صور وكلمات عبر أفلام أو مسلسلات أو برامج أو صحف أو مواقع التواصل الاجتماعي. إنما ينتمي بوضوح للنوع الثاني، البورنوغرافي، الذي يهدف إلى إثارة الحواس والغرائز. وربما يتصور شخص ساذج، من كثرة ما تقرن كلمة الغريزة بالجنس. أن المقصود هنا هو الأعمال التي تحتوي على قبلات وعري، وهذه للأسف أكبر خدعة قام بها مروجو البورنوغرافيا في العالم العربي.

    الأفلام التي تحتوي على قبلات وعري ليست بورنوغرافية طالما أنها لا تهدف إلى الإثارة. ولكن البورنوغرافية الأخطر هي إدمان أفلام الرعب والعنف والأكشن وبرامج التحريض السياسي والديني والرياضي. وكل ما يساهم في تحويل حياتنا إلى حديقة حيوان ليس لها سور ولا بواب.

    ولعل هذا التنبيه/ التخدير الدائم للحواس هو أسوأ ما ينتج عن طوفان صور الرعب والعنف الذي غرقنا فيه.

    اقرأ أيضا

    مَن فتح “الهويس”؟.. الرعب والجريمة يحتلان الشاشات المصرية

باب مصر