باب مصر

الكاتب: عصام زكريا

  • «الأيام» على الطريقة اليابانية: عندما أنقذ المهندسون والعمال العالم!

    «الأيام» على الطريقة اليابانية: عندما أنقذ المهندسون والعمال العالم!

    نسمع، ونردد، يوميا، الإرشادات والنصائح حول أصول وقواعد الفن والدراما، وتضخ المطابع والمواقع، يوميا، كتبا ومقالات ومحاضرات مسموعة ومرئية، حتى تحول الفن، لدى كثير من المبدعين والنقاد والهواة، إلى قوالب صارمة، خانقة، أحيانا، وحفظ دون فهم، أحيانا.

    ولست بالطبع ضد القواعد والأصول. خاصة أن الكثيرين الآن يرفضونها من باب الجهل أو الكسل، أو الاثنين معا، وانتشار ثقافة خلط “أبو قرش مع أبي قرشين”!

    ولكن، كما قال الناقد الكبير “إيجو” في فيلم التحريك الشهير ratatouille أو “خلطبيطة بالصلصة”، أو “الفار الطباخ”. والتي أداها في النسخة الأمريكية العظيم بيتر أوتول، وفي النسخة المصرية الراحل أحمد الحريري:

    “تأتي على الناقد لحظات يخاطر فيها، عندما يكون عليه أن يكتشف ويدافع عن الجديد. العالم دائما يعادي الموهبة الجديدة، والإبداع الجديد. لكن الجديد يحتاج إلى صديق”.

    واقعية مختلفة

    الجديد قد يكون قديما وتقليديا أيضا، لكنه مجهول لدى المتلقي. فالفن الياباني، مثلا، قد يصعب تذوقه على أهل الشرق الأوسط. بينما قد يصعب على اليابانيين، مثلا، استساغة السينما الهندية والمصرية.

    ولمن يرغب في زيادة معرفته بثقافة وفن كوكب اليابان الشقيق. فليحزم حقيبته ويقلع في رحلة مدتها ثمان ساعات لمشاهدة مسلسل “الأيام” The Days، الذي بدأ عرضه على منصة “نتفليكس” منذ أيام.

    ولكن قبل أن نتكلم عن الشكل والأسلوب الفنيين. فإن أكثر ما يهم في هذا العمل هو موضوعه، الذي يتناول القصة الحقيقية، من واقع التقارير وشهادات المشاركين، لكارثة مفاعل فوكوشيما دايتشي. الذي كاد ينفجر ويتسبب في تلوث وضياع أكثر من نصف اليابان. وذلك عقب الزلزال المدمر الذي حدث في 11 مارس 2011، والذي أعقبه إعصار تسونامي أكثر تدميرا، ومحاولات العاملين في المفاعل، بالأساس، والقيادات في العاصمة طوكيو، من بعيد، لمنع حدوث هذا الانفجار، على مدار أسبوع كامل.

    بين تشيرنوبل وفوكوشيما

    كثيرة هي الأعمال التي تعتمد على قصص حقيقية، ولكن مساحة التعديل والتكييف الدرامي التي تخضع لها هذه الأعمال يختلف من عمل إلى آخر. ولعل أقرب عمل يتذكره المرء بمجرد أن يبدأ في مشاهدة “الأيام” هو مسلسل “تشرنوبل” الذي عرض في 2019. والمأخوذ بتصرف عن الرواية الوثائقية “ذكريات من تشيرنوبل” للأديبة نوبل سفيتلانا ألكسفيتش. وتناول في خمس حلقات درامية وثائقية أكبر كارثة نووية حدثت حتى الآن، وما تبعها من آثار لم تزل باقية إلى اليوم.

    “تشيرنوبل” نموذج فذ لكيفية تحويل الوقائع الوثائقية إلى دراما. مطعمة بالممثلين النجوم، والحبكة المحكمة، والإيقاع التشويقي. ولكن “الأيام” شيء مختلف، قد يكون أقل حرفية درامية، ولكنه أكثر جدية وإخلاصا للواقع.

    يدرك صناع المسلسل أن العنصر الفني الأساسي لديهم هو الموضوع. وأن مهمتهم الأساسية هي رصد وتصوير ما حدث بالفعل داخل غرف صنع القرار وعلى أرض العمليات. باعتبار أن ذلك وحده أقوى من أي دراما. ومن ثم يتخذون كل قرار واختيار “فني” بناء على مدى تعبيره الدقيق عن المضمون. وأن الشكل والحرفية وبقية العناصر الفنية هي هنا، فقط، من أجل خدمة الموضوع، وليس الترفيه والتشويق.

    لا تبحث عن المتعة

    عندما طالعت عبارة  (?Did you enjoy this) أو “هل استمتعت بهذا العمل؟” التي تطل تلقائيا على شاشة المنصات. شعرت بالخجل: هل يفترض أن نستمتع ونحن نشاهد هذا المسلسل؟ في “تشيرنوبل”. رغم أن الكارثة كانت أبشع وعدد الضحايا لا يقارن، لكنك لا تملك سوى الاستمتاع ببراعة الممثلين والتصوير والموسيقى والجماليات الفنية المعتادة. بشكل ما، صحيح كان هذا أم خطأ، فإن ما يبقى في ذاكرتك هو المسلسل، كبديل عن الواقع نفسه الذي لا تعرف، حقا، كيف كان.

    الأمر هنا مختلف: الهدف هو أن ينقلك إلى الواقع الذي حدث، إذا كان هذا ممكنا. وأول شيء خطر ببالي حتى قبل أن أنتهي من مشاهدة المسلسل. هو أن أبحث عن الشخصيات الحقيقية، هؤلاء الأبطال الواقعيين، من لحم ودم، الذين عاشوا، وعبروا، هذه المحنة.

    مسلسل الأيام على نتفليكس
    مسلسل الأيام على نتفليكس
    أكبر من الرعب

    ليس معنى ذلك أن العمل يخلو من الإبداع. على العكس كل الإبداع متوفر هنا: تشويق أكثر إثارة من التشويق، ورعب أكبر من الرعب، ودراما أقوى من الدراما، وأبطال خارقين أبعد من الخيال.

    الفكرة هنا أن يقارن المشاهد نفسه بين الواقع والدراما ويعرف الفارق، والمشترك بين الاثنين، وأن يرسم في ذهنه بقية الصورة كما يشاء.

    يتسم الفن الياباني، عامة، بما يطلق عليه الـminimalism أو “التقليلية”، وفقا لترجمة المصطلح العربية، والتي تعني استخدام أقل قدر ممكن من الأدوات التعبيرية. ما يعطي للعمل قوة الإيحاء والشعور ويعطي للمتلقي مساحة من الإبداع الشخصي لاستكمال العمل.

    تتسم الواقعية اليابانية أيضا بالإيقاع الهادئ البطيء، يمكنك أن تشاهد فيلم Drive My Car الفائز بالأوسكار منذ عامين لتتعرف أكثر على خصائص هذا الإيقاع.

    تطويل.. ولكن

    ربما، للحق، يعاني مسلسل “الأيام” من بعض التطويل، وبما أن كثيرا من أحداثه تقع في الظلام الدامس، بسبب انقطاع الكهرباء عن المدينة كلها. فإن بعض المشاهد تعاني من نقص إضاءة مزعج. لكن، كما ذكرت، أتصور أن إخلاص صناع العمل للواقع منعهم من اختصار بعض التفاصيل الزائدة والمكررة (وفقا لقواعد الدراما). أو اللجوء لتقنية “الليل الأمريكي” الذي ترى فيه ما يحدث في الظلام.

    مع ذلك، فإن الأحداث المكررة هنا تبين مدى صعوبة الواقع نفسه. إذ تفشل محاولات فرق الإنقاذ، واحدة تلو الأخرى، بشكل يدعو لليأس، ولكن فريق العمل لم ييأس على أرض الواقع. ومثل سيزيف، واصلوا رفع الصخرة إلى قمة الجبل بلا كلل، إلى أن كتبت عليهم النجاة.

    لقد كانت اليابان، والدول المجاورة لها، معرضة لأخطار تفوق قنبلتي ناكازاكا وهيروشيما مجتمعتين، ولم يكن الحل في أيدي الجيوش المدججة بالسلاح. وإنما في أيدي عدد قليل من المديرين والتقنيين، الأوتوقراط، والمهندسين والعمال المخلصين في عملهم. والبطولة هنا ليست بعدد الضحايا الذين يسقطون كالذباب في أفلام الأكشن. ولكن في حياة واحدة أو اثنتان تهدران لشابين موهوبين في مقتبل الحياة. وفي عشرات الذين يظلون يعملون دون نوم لأكثر من أسبوع، تحت وطأة الإشعاع النووي القاتل وضربات الزلزال والإعصار، حتى يتبولون دما في نهاية المطاف.

    هذا عمل يمجد هؤلاء الجنود المجهولين الذين يصنعون الحضارة ويحافظون عليها كل يوم.

    الفن المتواضع

    كل الكلام السابق لا يعني أن الفن غير مهم، بل على العكس، كل المهارات الفنية موجودة هنا، ولكنها، بتواضع وإخلاص يشبه تواضع وإخلاص أبطال العمل، تهدف إلى خدمة العمل ومضمونه، وليس الاستعراض أو الإبهار. ونقل هذا المضمون بمثل هذه الواقعية والدقة هو إبداع فني من نوع خاص. يعتمد السيناريو على الوقائع وفقا لتسجيلات غرف عمليات ساعة بساعة ولحظة بلحظة وشهادات الشهود.. والكيفية التي تختزل بها ثمانية أيام في ثمان ساعات تحتاج لمهارة كبيرة في الكتابة والمونتاج.

    ومن أفضل العناصر في هذا العمل فريق الممثلين وعلى رأسهم كوجي ياكوشو، في دور مدير غرفة العمليات وراوي الأحداث ماساو يوشيدا، وإذا كنت تنوي مشاهدة العمل أنصحك فقط بمراقبة ممثلي الأدوار الثانية والثالثة والمجاميع. جهد إخراجي هائل. وكذلك بتأمل المؤثرات الخاصة في مشاهد الإعصار، والموسيقى التصويرية التي تغمرك، وتوترك، وترعبك، وتبكيك، دون أن تشعر بها!

    اقرأ أيضا:

    «فيلم عربي» إسرائيلي يثير ضجة على السوشيال ميديا

  • «فيلم عربي» إسرائيلي يثير ضجة على السوشيال ميديا

    «فيلم عربي» إسرائيلي يثير ضجة على السوشيال ميديا

    الاسم «فيلم عربي»، ولكنه فيلم إسرائيلي من إنتاج وإخراج إسرائيليين. الفيلم يعود إنتاجه لعدة سنوات مضت. ولكنه أصبح محور حديث الكثيرين على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الماضية. بعد أن قام أحد الزملاء بنشر رابط للفيلم، قام بإرساله له مخرج الفيلم، رغبة منه في “إيصال فيلمه لأكبر عدد من المصريين والعرب”.

    الفيلم وثائقي، يتحدث فيه مخرجه عن طفولته وعائلته، وبشكل عام عن اليهود من أصل مصري وعربي الذين ذهبوا إلى الكيان الصهيوني الوليد في منتصف خمسينيات القرن الماضي. وعن ارتباط كثير من هؤلاء بثقافتهم وذكرياتهم المصرية، وتعلقهم بها حتى بعد مرور سنين وعقود. من خلال شيء واحد طريف جدا، هو الفيلم المصري (العربي) الذي كان يعرض يوم الجمعة من كل أسبوع على التليفزيون الإسرائيلي!

    إسرائيلي والأصل مصري

    حسب البيانات المسجلة على الفيلم، يحمل اسم “شريط عربي” بالعبرية، و”فيلم عربي” بالعربية، وبالإنجليزية Arab Movie صدر في 2015. من إنتاج شركة صغيرة اسمها “طرابلسي”، وساهم في إنتاجه عدة هيئات حكومية إسرائيلية تابعة لوزارة الثقافة. وقد قام بإخراجه وكتابته إيال ساجي بيزاوي، بمشاركة سارة صفروني.

    بيزاوي صحفي وباحث متخصص في السينما والثقافة المصريين، في بداية الخمسينيات الآن. يلقب في إسرائيل، حسب مقال كتبه محمد البحيري (صحيفة المصري اليوم، 27 يونيو 2015)، بـ”كاهن الثقافة المصرية”.

    هذا بالفعل هو الانطباع الأول الذي يراود مشاهد الفيلم. فهو يبدأ بصاحبه يتحدث عن طفولته كيهودي في عائلة قادمة من مصر، والثقافة الخاصة والراقية التي كانت تميزهم. حتى عن كثير من القادمين من أوروبا، واعتزاز أغلبهم بالثقافة ونوع الحياة التي أتوا منها.

    بعدها ينتقل بيزاوي إلى موضوع الفيلم. فيلم يوم الجمعة المصري، الذي كانت تنتظره كل إسرائيل، خاصة العرب واليهود من أصول عربية. بل وكثير من اليهود الغربيين، الذين لا يعرفون العربية.

    حقائق غائبة

    بغض النظر عن الانطباعات المتداخلة وردود الفعل المتناقضة. وبغض النظر عن الآراء والتحليلات والاستنتاجات والتنظيرات التي يمكن أن تنتاب أي مصري (وربما إسرائيلي) يشاهد هذا الفيلم، فهو يستحق أن يشاهد لعدة أسباب:

    أول شيء هو المعرفة. والمعرفة لا تعني الحب أو الكره، بل الفهم.

    والذي يمكن أن تعرفه الأجيال الجديدة (والقديمة) من هذا الفيلم، وأمثاله، كثير. من بينه أن اليهود المصريين (والعرب) كانوا يعيشون كمواطنين عاديين، في مجتمع متعدد الأعراق والجنسيات والديانات. لن نبالغ ونقول أنه كان قمة التسامح والتعايش، ولكنه، على الأقل، كان أفضل من معظم بلاد العالم آنذاك. وفي الوقت الذي كان يذبح فيه اليهود في ألمانيا النازية، وقبلها كانوا يتعرضون للاضطهاد في أمريكا وأوروبا كلها. كانت أوضاعهم في مصر، وبعض البلاد العربية الأخرى، أفضل بكثير جدا.

    ويعرض الفيلم مثلا شخصية يهودي قادم من العراق اسمه باسم فتال. كان هو المسؤول في التليفزيون الإسرائيلي عن جلب وعرض الأفلام المصرية. وهو يتحدث بصراحة عن وجود قطبين متعارضين وراء الاهتمام بالثقافة العربية في إسرائيل: قطب يخشى منها ويريد تقليص وجودها ويسخر منها ويسمح بوجودها فقط لأغراض سياسية. وقطب لا يرى فيها غرابة أو شيئا كريها، بل يحتضنها باعتبارها جزءا من تكوينه.

    أفيش الفيلم
    أفيش الفيلم

    من بين كل اليهود المصريين الذين يظهرون في الفيلم، لن تجد أحدا منهم يكره مصر، أو يتهم المصريين باضطهاد اليهود. وبشكل عابر يمكن ملاحظته من خلال بعض العبارات المتناثرة في الفيلم. يمكن أيضا أن نرى جذور التفرقة العنصرية والطائفية واختلاف الثقافات بين اليهود القادمين من العالم العربي، واليهود القادمين من البلاد الغربية. هناك تفاصيل وتعقيدات أخرى يمكن قراءتها من الفيلم. من بينها أن فكرة بث فيلم مصري أسبوعيا كان وراءها هدفان متناقضان: الأول هو هدف السياسيين الذين يسعون إلى كسب ولاء العرب وإرضاء اليهود الناطقين بالعربية. والثاني هدف بعض اليهود “الشرقيين”، الذين يعتزون بأصولهم، على الأقل في مواجهة “الغربيين”، ويريدون أن يظلوا على صلة بهذه الجذور.

    تأثير طاغ ونتيجة وحشية

    يبين “فيلم عربي” التأثير الطاغي، الهائل، الذي كانت تفعله الأفلام المصرية المعروضة على القناة الأولى الرئيسية. أيام كان التليفزيون يتكون من قناة واحدة أو اثنتان. تقريبا معظم اليهود الشرقيين وأبناءهم وأحفادهم كانوا يتجمعون أمام الشاشة. في طقس يذكر بطقوس انتظار وسماع حفل أم كلثوم الشهري. يروي ابن موشى ديان، مثلا، أن والده كان يحرص على التفرغ لمشاهدة الفيلم المصري أسبوعيا مهما كانت الظروف. حتى عندما كان وزيرا للدفاع، وأنه كان يتهرب من رئيسة الوزراء جولدا مائير ولا يجيب على مكالماتها خلال هاتين الساعتين. يقضيها في متابعة الفيلم المصري بتأثر واضح. وعندما يتخيل المرء أن رئيسة الوزراء كانت تطلب وزير دفاعها لشأن حربي يتعلق بقتال وقتل المصريين، تصبح هذه القصة معقدة للغاية.

    ولكنها ليست أكثر تعقيدا من حكاية العجوز اليهودية مصرية الأصل، التي تشاهد أفلام حرب أكتوبر المصرية، وتتأثر بمقتل الجنود المصريين، لأنها تذكرها بمقتل ابنها الوحيد خلال الحرب مع المصريين! هذه السيدة تستمع في مشهد سابق لأغنية “رجعوني عينيك” لأم كلثوم، وتضع ابنها الراحل محل الحبيب الذي تتحدث عنه الأغنية. مشاعر مربكة ومركبة غير قابلة للفهم البسيط التبسيطي الذي نميل إليه، وحتى بمقاييس الأدب والفن العالميين، فهي مواقف ومشاعر استثنائية للغاية. هذا المأزق الإنساني الذي يحاصر معظم شخصيات الفيلم، قد يثير التعاطف، بالتأكيد، أو النفور الناتج عن مقاومة الشعور بالتعاطف، لدى الكثيرين، ولكن التعاطف أو النفور لا يجب أن يمنعان محاولة الفهم، فهم أشياء كثيرة معقدة، منها تلك الوحشية التي قد يتعامل بها إسرائيليون شرقيون ضد العرب، خاصة من البلاد التي ولدوا فيها، أو التي جاء منها آبائهم. فهذه الوحشية هي أيضا رد فعل عنيف في مواجهة المأزق الإنساني الذي وضعوا أنفسهم، أو وضعوا، فيه.

    لعبة الأزمنة

    من الطريف، والمثير للتفكير أيضا، أنه خلال الستينيات والسبعينيات، كانت هذه الأفلام المصرية تشكل تحديا للرقابة في إسرائيل، حيث كانت تقوم عادة بحذف مشاهد القبلات والرقصات والعري من الأفلام المصرية المعروضة!!

    طبعا نعرف ما حدث بعد ذلك، منذ منتصف السبعينيات، عندما بدأت تغطية السينما والثقافة المصرية بالنقاب، في الوقت الذي انفتحت فيه المجتمعات في كل بلاد العالم الأخرى!

    الفيلم يجيب أيضا على السؤال الذي حير أجيالا: من أين كان يأتي التليفزيون الإسرائيلي بالأفلام والمواد المصرية التي يبثها؟

    الإجابة: كانت مواد مسروقة بالطبع، باعتراف سارقيها، وعن طريق سماسرة من الأراضي المحتلة وأماكن أخرى كانوا يقومون بتهريبها. ومن الغريب أن ظاهرة تهريب الأفلام والمواد المصرية تقلصت للغاية عقب اتفاقية كامب ديفيد. أولا بسبب وجود رقابة ومقاومة مصرية لهذا التهريب (رغم أهميته الهائلة ثقافيا وسياسيا)، وثانيا بسبب التطورات اللاحقة منذ التسعينيات من انتشار الفضائيات وحتى الوضع الحالي، حيث انتهت للأبد فكرة ربط مجتمع واحد أو مجموعة كبيرة من الناس، بقناة أو منفذ عرض واحد. بعد أن تحول العالم إلى ثماني مليارات جزيرة منعزلة!

    اقرا أيضا:

    رحيل الكاهن الماركسي: وليم سيدهم.. الثورة تسير على قدمين!

  • العثور على نيجاتيف «أهل القمة».. وسبع دقائق من «عنترة بن شداد»

    العثور على نيجاتيف «أهل القمة».. وسبع دقائق من «عنترة بن شداد»

    منذ عدة أسابيع فتح «باب مصر» ملف التراث السينمائي المصري الضائع والمهدد بالتلف إلى غير رجعة، إذا لم يتم نجدته بسرعة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وحظيت الحملة باهتمام واسع إعلاميا، ومن قبل بعض المسؤولين الذين اتخذوا عددا من الإجراءات والخطوات المهمة. وإن كانت محدودة وستظل محدودة حتى يتم إنشاء مؤسسة يصبح التراث السينمائي عملها وهمها الأول، مصحوبة بتشريعات قانونية و صلاحيات إدارية ومالية.

    على أية حال أسفرت الحركة التي دبت في أوصال الوسط السينمائي عن عدة إنجازات نحصي بعضها في هذا المقال.

    تائه بين الثلاجات

    أول هذه الإنجازات أنه تم العثور على نسخة النيجاتيف الخاصة بفيلم “أهل القمة”، الذي قيل أن أحد ورثة المنتج قام بسحبها من الثلاجة واختفت!

    تبين أن نيجاتيف الفيلم محفوظ وسليم، ولكن ببساطة لم يكن يعلم الموظفون أين هو!

    لقد بيع الفيلم لقناة “إيه آر تي”، وكان ينبغي أن يسلم النيجاتيف للشركة حتى يحصل ورثة المنتج الذي باع الفيلم على بقية مستحقاتهم. ولذلك ذهب أحد الورثة إلى الثلاجة العمومية بحكم قضائي وحصل على النسخة. وقام بتسليمها لشركة “إيه آر تي” التي احتفظت بها في ثلاجتها، ولم تعدها للثلاجة العامة، كما تفعل عادة. ثم نسي الموظفون في الشركة والثلاجة ما حدث، إلى أن نشرنا سلسلة تحقيقاتنا عن الأفلام الضائعة والتالفة فبدأ البحث يمينا وشمالا وتبين أن النسخة موجودة.

    كيف حدث هذا العبث؟ هناك ثلاث ثلاجات لحفظ نسخ النيجاتيف، العامة، المملوكة للدولة، وثلاجة “إيه آر تي” و”روتانا”. ولكن بعض أفلام الشركتين محفوظة في الثلاجة العامة، وبعضها الآن في ثلاجة مدينة الإنتاج الإعلامي. فإذا رغبت في معرفة ما إذا كان نيجاتيف أحد الأفلام موجودا أم لا، أو معرفة حالته الصحية. وهل تم نقله إلى نسخة رقمية جيدة أم لا، فغالبا ستدوخ السبع دوخات بين ثلاجات الشركات الأربعة!

    فيلم أهل القمة
    فيلم أهل القمة
    عودة عنترة

    في إحدى حلقات ملف الأرشيف تطرقت لمشكلة النسخ المشوهة التي تعرض على القنوات المختلفة، ونشرت قائمة ببعض الأفلام التي تعرض ناقصة، ليس دقيقة أو دقيقتين، بل نصف ساعة وأكثر أحيانا. ومن العجيب أن نجد هذا النقص في النسخ المرقمنة الحديثة، التي يفترض أنها منقولة مباشرة عن النيجاتيف الأصلي الكامل. وليس عن طريق نسخة غير أصلية ربما تكون قد تعرضت للحذف أو التلف في مكان ما.

    فيلم “عنتر بن شداد” بطولة فريد شوقي أحد الأمثلة على ذلك، فالنسخة كانت تعرض كاملة منذ سنوات طويلة على قناة “روتانا”. ولكن النسخة المرممة ناقصة حوالي سبع دقائق. وقد قيل ردا على ذلك أن النسخة الحديثة منقولة عن النيجاتيف، ما يعني أن المشكلة في النيجاتيف نفسه. ولكن بمواجهة المشكلة والبحث تبين أن السبع دقائق موجودة، بل وتم ترقيمها مع بقية الفيلم. ولكن فقدوا أثناء النقل من النسخة المرقمنة إلى نسخ العرض. وتم بالفعل إصلاح الخطأ وإعادة الدقائق المفقودة إلى الفيلم.

    لماذا تحدث هذه الأخطاء؟ لأنه لا يوجد لجان فحص وتسليم وتسلم تراجع النيجاتيف والنسخة المنقولة منه بدقة.

    مع ذلك لابد من الإشادة بالجهود الكبيرة التي تبذلها شركة “روتانا” في ترميم ما تملكه من أفلام يصل عددها إلى ما يقرب من 1200 فيلم. وقد قامت الشركة حتى الآن بترميم ما يقرب من 350 فيلما. كما تقوم بترميم ما يزيد عن 25 فيلما شهريا. ونتمنى أن تتوفر لديها الإمكانيات والدعم لترميم الباقي. أما “إيه آر تي” فيبدو أنها لم تعد تهتم بما تملكه من أفلام، أو ليس لديها الإمكانيات أو الرغبة في ترميم أفلامها ورقمنتها. ولكن الشركة ترحب بعروض مهرجان البحر الأحمر بترميم بعض ما تملكه من أفلام. أو بمبادرات الأشخاص الذين يريدون ترميم بعض الأفلام مقابل الحصول على بعض حقوق توزيعها. ومن ثم يجب البناء على هذه المبادرة لاستخراج ما يمكن استخراجه من ثلاجتها لترميمه ورقمنته قبل فوات الأوان.

    النيجاتيف سليم!؟

    تبين بالبحث أيضا أن معظم الأفلام التي تعرض ناقصة على قنوات “روتانا” و”إيه آر تي” لم يتم العبث بالنسخة النيجاتيف الأصلية. وبالتالي يجب أن يتم طباعة نسخ رقمية كاملة من هذه الأفلام لحفظها في الأرشيف بعيدا عن النسخ المراقبة الناقصة التي تعرضها القنوات المصرية والعربية.

    هناك كما ذكرنا أفلام كثيرة أخرى تعرض ناقصة على قنوات “روتانا” و”إيه آر تي” منها “حميدو” وسوق السلاح” و”غزل البنات” و”قاع المدينة” و”امرأة في الطريق” وغيرها. وقد نشرت قائمة تضم عددا من هذه الأفلام مع الأطوال الزمنية المختلفة التي تعرض بها. ولذلك يجب وجود لجنة جرد متخصصة لديها المعلومات اللازمة عن الأفلام لفحص أطوالها الزمنية ومراجعة النيجاتيف. ويجب الوضع في الحسبان أنه في بعض الحالات النادرة توجد نسخ أكثر اكتمالا من أصل النيجاتيف.

    فقد يكون النيجاتيف نفسه قد تعرض للتلف في بعض أجزاءه ومن ثم يجب استخدام النسخ غير الأصلية لاستكمال النسخة المرممة. وأحيانا يتم تنفيذ ملاحظات الرقابة على النيجاتيف بينما يوجد نسخ كاملة أخرى. كما حدث مع فيلم “البريء” لعاطف الطيب. إذ قام المنتج بحذف مشهد النهاية من النيجاتيف تنفيذا لتعليمات الرقابة. ولكن كان هناك بعض نسخ البوزيتيف الكاملة التي تعرض في دور العرض قبل قرار الرقابة برفع الفيلم وتعديله. وقد تسربت واحدة من هذه النسخ الكاملة إلى إحدى محطات التليفزيون التي تعرض الفيلم كاملا! وهو ما يعني أنه يجب إعادة المشهد المحذوف إلى النيجاتيف حفاظا على العمل دون تشويه.

    مشهد من فيلم أهل القمة
    مشهد من فيلم أهل القمة
    أين مؤسسة الأرشيف؟

    وبالرغم من الجهود التي يتم بذلها، نؤكد مرة أخرى أنه لابد من وجود مؤسسة تضم الأرشيف والسينماتيك ومتحف السينما، تضع على عاتقها جرد النيجاتيفات الموجودة لدى الجميع ووضع قوائم بأعدادها وحالة كل فيلم منها ووضع خطة لترميمها حسب أهميتها. خاصة أن من بينها أفلام قديمة جدا من عمر السينما الصامتة، مثل “قبلة في الصحراء” الذي تملكه “روتانا” و”زينب” الصامت الذي تملكه “إيه آر تي”، وكلاهما سيحتفل بمرور قرن على إنتاجه قريبا، ما يعني أنه يجب التجهيز للاحتفال بهما، وبغيرهما. كذلك تضع على عاتقها البحث عن الأفلام المفقودة خارج الثلاجات الثلاثة. وقد توصلت خلال الشهور الماضية إلى عدد من الأفراد والأماكن يوجد بها عدد كبير من الأفلام المفقودة، وهذه تحتاج إلى عمليات إنقاذ سريعة لاستعادتها ورقمنتها، وهو موضوع يحتاج إلى مقال آخر.

    اقرأ أيضا:

    البحث عن الأرشيف الضائع (1): «أهل القمة».. تلف وضياع

     البحث عن الأرشيف الضائع (2): أفلامنا الحائرة.. بين الثلاجة ومخزن نسخ الإيداع

    البحث عن الأرشيف الضائع (3): هل قاموا بتشويه النيجاتيف؟

  • رحيل الكاهن الماركسي: وليم سيدهم.. الثورة تسير على قدمين!

    رحيل الكاهن الماركسي: وليم سيدهم.. الثورة تسير على قدمين!

    في يناير 2003 دعيت للمشاركة في ندوة بمدرسة العائلة المقدسة التابعة لطائفة الجيزويت، والقائمة بشارع رمسيس. وذلك ضمن فعاليات مهرجان صغير مخصص لـ”السينما المستقلة”. كانت تنظمه الصديقة هناء ارنست بالتعاون مع القس الراهب والمدرس وليم سيدهم.

    في ذلك الوقت كانت “السينما المستقلة” في بداية عهدها. حيث انطلق عشرات من الشباب، متأثرين بالثورة الرقمية التي تبدت في ظهور الكاميرات الصغيرة الخفيفة وانتشار أجهزة الكمبيوتر ودخول الإنترنت إلى مصر. وراحوا يصنعون أفلاما “منزلية” قليلة أو عديمة التكلفة.

    قبل عام من هذا التاريخ قام راهب “جيزويتي” آخر محب للفنون هو الأب فايز اليسوعي بإنشاء مدرسة لتعليم السينما المستقلة في مدرسة الجيزويت بالإسكندرية. وذلك بالتعاون مع شركة “سمات” التي أسسها عدد من السينمائيين الشباب. وكنت أتولى تحرير مجلة “نظرة” التي تصدر عنها. وشهدت مدرسة الجيزويت بالإسكندرية عرضا لمشاريع تخرج الدفعة الأولى. والتي ضمت عددا من المواهب أصبح لمعظمهم اسم وشأن في حركة السينما المستقلة. وقد استمرت هذه المدرسة لعدة سنوات حتى وفاة الأب فايز، ثم توقفت قبل أن تعود مجددا منذ ثلاث سنوات.

    مثل الأب فايز، كان الأب وليم سيدهم مثقفا مؤمنا بدور الفنون في تهذيب النفوس والتقريب بين البشر. ولكنه جذب انتباهي وإعجابي لسبب آخر هو اهتمامه بالسياسة وانتماءه للاشتراكية الماركسية. إذا جاز لرجل دين أن يكون ماركسيا. كان الأب وليم ينتمي لما يعرف بحركة “لاهوت التحرير” التي أسسها عدد من رجال الدين الكاثوليك في أمريكا اللاتينية. للدفاع عن الفقراء والمقهورين ضد أنظمة الحكم الرأسمالية والعسكرية الخاضعة للهيمنة الأمريكية، والتي وصلت أحيانا إلى حد الكفاح المسلح!

    أهداني الأب وليم نسخة من كتابه “لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية” الذي يعد الأول من نوعه حول هذا الموضوع باللغة العربية. وقد قام خلال السنوات التالية بتأليف عدد من الكتب حول حركة “لاهوت التحرير” في آسيا وإفريقيا وفلسطين وبقية أنحاء العالم.

    **

    كان الأب وليم ولقاءه من ذلك النوع من الناس واللقاءات التي لا تنسى. وعلى مدار العقدين التاليين، كنا نلتقي، كل بضعة سنوات أحيانا، وكل بضعة أشهر أحيانا. وفي كل مرة تقريبا نتذكر اللقاء الأول الذي جمعنا، خلال ذلك اليوم البعيد. عندما رحنا نتحدث عن السينما والفن ودور الثقافة في نمو المجتمع والماركسية والثورة!

    الناقد عصام زكريا والأب وليم
    الناقد عصام زكريا والأب وليم

    خلال هذين العقدين شهدت مدرسة الجيزويت عددا كبيرا من النشاطات الفنية. قبل أن يقوم الأب وليم بتأسيس جمعية أهلية هي “جمعية النهضة العلمية والثقافية”، داخل مبنى صغير قريب من مدرسة العائلة المقدسة. استطاع من خلالها أن يصبح أكثر تحررا من نظام وقواعد الدير والمدرسة. وأكثر انفتاحا على العالم الخارجي. واحتضنت الجمعية عددا لا يحصى من النشاطات الفنية من سينما ومسرح وفن تشكيلي بين مدارس وورش وعروض. بالإضافة إلى إصدار مجلة “الفيلم” المتخصصة في السينما. ومنذ حوالي عام احترق جزء كبير من مبنى الجمعية، بما فيه قاعة المسرح والسينما بأجهزتها ومعداتها الثمينة. وقام الكثيرون، ومنهم وزيرة الثقافة السابقة د.إيناس عبدالدايم، بزيارة المكان وأعربوا عن تضامنهم ورغبتهم في جمع التبرعات والمساهمة لإعادة تأهيل المكان. ولكن شيئا لم يحدث. ولعلي أكون مخطئا لقلة لقاءاتي بالرجل، ولكن أعتقد أن الأمر ترك غصة في قلبه. أعرب عنها ذات مرة أمامي، موجها لومه إلى المثقفين المصريين، كثيري الكلام، قليلي الفعل، كعادتهم.

    في هدوء رحل الأب ويليام سيدهم يوم الجمعة الماضية، بعد شهور قليلة من احتفاله بمرور خمسين عاما على التحاقه بالرهبنة. وكانت المرة الأخيرة التي التقينا خلالها منذ حوالي أسبوعين، خلال اجتماع لمجلة “الفيلم” حرص على أن يحضر جزءا منه، للتشجيع والدعم، ويومها تذكرنا أيضا لقاءنا الأول الذي مر عليه عشرون عاما.

    **

    رحل الأب وليم سيدهم بعد ستة وسبعين عاما قضى معظمها في الدفاع عن المبادئ، والعمل من أجل الناس، خاصة الفقراء والمهمشين. وفي الوقت الذي نأى فيه معظم رجال الدين، خاصة المسيحيين، عن التورط في موقف سياسي. كان الأب وليم من أوائل الذين تضامنوا مع ثورة يناير في 2011. وكان دائم الحضور إلى ميدان التحرير، ودائم الدفاع عنها على الـ”فيسبوك”، حتى أنه حول “بوستاته” عنها إلى كتاب بعنوان “يوميات كاهن في زمن الثورة”.

    كان الأب وليم ثورة في حد ذاته، حتى قبل أن تقوم، كان يعيش أفكارها ويتنفس أحلامها، ويطبقها على حياته في كل يوم وساعة، زاهد، محبا للجميع، مع عين فاحصة وناقدة لكل أشكال الفساد والسلبيات، ورغبة مستعرة في التغيير للأفضل، وضحكة تفاؤل بالمستقبل حتى في أحلك الظروف. ولعل هذا هو سبب التأثير الهائل الذي كان يتركه على كل من يقترب منه.

    عندما كنت أزور جمعية النهضة العلمية خلال السنوات الماضية لإلقاء بعض المحاضرات في مدرسة السينما، أو لحضور اجتماع للمجلة، أو عرض مسرحي أو سينمائي، أو إفطار رمضاني جماعي كان يحرص على تنظيمه سنويا، في كل مرة كنت أرى فيها الأب وليم، محاطا بمعاونيه وتلاميذه ومحبيه من الشباب، كنت أدرك أن الأثر الذي تركه لقاءي الأول به لم يكن شيئا استثنائيا، فالرجل ترك تأثيره على كل من عرفه واقترب منه. جيل تلو الجيل كانوا في وداعه وعزاءه، يلفهم شعور بالخسارة الفادحة.. صدمة تفوق الحزن والبكاء.. كأن العالم لم يعد كما هو.

    اقرا أيضا:

    «تحت الوصاية».. سر العظمة!

  • «تحت الوصاية».. سر العظمة!

    «تحت الوصاية».. سر العظمة!

    لا يوجد في تاريخ الدراما التليفزيونية المصرية ما يشبه «تحت الوصاية». واختلافه لا يأتي فقط من جودته، ولكن أيضا بفضل أصالته وقدرته على التأثير. وفوق ذلك سبب سحري آخر يصعب الإمساك به أو تفسيره.

    مواقع أحداث المسلسل، بين الإسكندرية ودمياط والبحر بينهما، جديدة وغير مألوفة للعين، وأداء الممثلين بارع. وكذلك تصويره ومونتاجه وموسيقاه وديكوراته وملابسه وإخراجه بشكل عام.  إلا أننا، حين ننظر إلى كل عنصر على حدة يمكن أن نجد أعمالا سابقة يتوفر فيها بعضا من جودة هذه العناصر أو أفضل منها. ومعظم المواهب التي شاركت في صنع «تحت الوصاية» عملت في مسلسلات أخرى، وقدمت أحيانا إنجازا مماثلا أو أكبر.

    سيناريو محكم ومكتمل

    قد يكون الفارق أن الأعمال التي تتكامل فيها العناصر الفنية وتتضافر معا بتناسق وتناغم مثلما حدث في «تحت الوصاية» هي استثناءات نادرة.

    دائما هناك نص معيوب، أو ممثل رئيسي أو ثانوي ضعيف، أو تصوير غير مناسب، أو مشاهد مترهلة الايقاع، أو ديكور أو ملابس أو موسيقى تصويرية نشاز،.خاصة في أعمال رمضان، التي تعاني من ضغط الوقت الشديد، واستحالة الإتقان والتجويد.

    فكرة «تحت الوصاية»، القوانين الظالمة للمرأة، ليست جديدة، وإن كان موضوع “الوصاية” على أموال اليتامى جديدا. ولكن الموضوع ليس بالتأكيد سر تميز المسلسل. قد يكون توفر كل مقومات السيناريو الجيد: الفكرة، القصة، الحبكة، الشخصيات، الحوار، والأهم من ذلك الحركة والصراع ووجود أحداث تلاحق بعضها بعضا، وتدفع بالدراما إلى الأمام. لا إطناب ممل، أو اختزال مخل، كل شئ في مكانه كما يقول الكتاب.

    لا خطب عصماء

    يخلو «تحت الوصاية» من عيوب الدراما المصرية المزمنة. لا خطب عصماء أو ثرثرة بليدة، أو بكائيات، لا أشرار في المطلق، أو أخيار على طول الخط. ولا يوجد تقريبا ما يمكن الاستغناء عنه، أو ما يمكن أن نصفه بأنه زائد عن الحد (باستثناء خط فرعي واحد أرى أنه نغمة مرتفعة بزيادة عن بقية العمل، وهو sequence (مجموعة مشاهد) محاولة اعتداء أحد البحارة على حنان (منى زكي) وطعنها له وقيامه بابتزازها مقابل عدم الابلاغ عنها. فهو أقرب إلى “كليشيهات” الأفلام منه إلى واقعية العمل وسرده الهادئ والمنطقي).

    باستثناء هذه الملحوظة، يتسم سيناريو «تحت الوصاية» بالعظمة. ينسى الكثير من الكتاب أن الدراما تعني الصراع وأن الصور المتحركة تعني الحركة وأن القصة ليست هي المضمون. وإنما فن الحكي، والقدرة على جذب عقول، وسلب حواس وأفئدة، المتلقين، وكلها عناصر تتوفر بغزارة في سيناريو «تحت الوصاية» المشوق كأفضل أفلام التشويق، والمخيف كأفضل أفلام الرعب، والواقعي كأفضل أعمال الدراما الاجتماعية.

    ولكن هل يكمن سر «تحت الوصاية» في السيناريو الجيد فقط؟ نعرف جيدا كم من نصوص ممتازة أفسدها مخرج ضعيف أو نجم مغرور أو منتج جاهل، أو كل ذلك معا. في «تحت الوصاية» ترفع العناصر الفنية الأخرى من شأن السيناريو وتنقله إلى مصاف آخر. حيث جمال الفن الخالص، والمتعة الصافية، الناتجة عن تضافر هذه العناصر وتناغمها.

    التمثيل بالجوارح

    الممثلون الذين عملوا في «تحت الوصاية» سبق لهم العمل في أفلام ومسلسلات أخرى. منى زكي أولهم، واحدة من النجمات المعدودات في مصر. قدمت أعمالا كثيرة، بعضها ناجح، ومعظمها متوسطة، لكن موهبتها ليست محل نقاش. موهبة أكبر من الفرص التي حصلت عليها، ظلمتها ظروف السينما المصرية واختياراتها، وحوصرت في أدوار أقل من امكانياتها بكثير. لكن منى زكي هنا تطلق العنان لموهبتها، وتحشد كل أدواتها وجوارحها لخدمة الشخصية، وليس النجومية.

    لن أتحدث عن الماكياج والملابس وطريقة الحديث، ولكن انظر مثلا إلى الطريقة التي تسير بها، تتخبط قدماها، وتخبط الهواء بكتفها، مثل كثير من السيدات الشعبيات اللواتي يتحدثن ويتحركن كما لو كن يدافعن عن أنفسهن ويدفعن عنهن عالما معاديا. وهي أداة لا أعتقد أنها استخدمتها من قبل، ونادر من الممثلين المصريين من يستخدمها أو يدركها. أنظر إلى أنماط وأداء أدوار النساء الشعبيات في مسلسلات غادة عبدالرازق وروجينا وحنان مطاوع، لتعرف الفرق.

    منى زكي و رشدي الشامي في مشهد من مسلسل «تحت الوصاية»
    منى زكي و رشدي الشامي في مشهد من مسلسل «تحت الوصاية»

    ما قلته عن أداء منى زكي في «تحت الوصاية» ينطبق على بقية ممثلي المسلسل. معظمهم شارك من قبل في أعمال أخرى بعضها ناجحة: رشدي الشامي في “واحة الغروب”. مثلا، علي صبحي في فيلم «علي معزة وإبراهيم»، محمد عبدالعظيم وأحمد خالد صالح وخالد كمال ودياب وأحمد عبدالحميد شاركوا في العديد من الأدوار الجيدة في مسلسلات جيدة.

    مع ذلك تظل أدوارهم في «تحت الوصاية» مختلفة ومميزة. إذ يؤدون أداءا طبيعيا أقرب إلى المعايشة منه إلى التمثيل. وما يؤكد أن المسألة ليست متعلقة فقط بمدى احترافية الممثلين. هو أداء الصبي عمر شريف الذي يلعب دور الابن ياسين. أداء لا ينتج إلا من خلال مخرج وفريق عمل وموقع تصوير مختلف، تسوده الجدية والحب والاندماج.

    إخراج عالمي

    كان الأديب الراحل يحيى الطاهر عبدالله يقول إن معظم الأدباء يستمدون مادتهم من الأعمال الأدبية الأخرى. بينما يسعى هو إلى الأخذ من الواقع. وإلى حد كبير ينطبق هذا على «تحت الوصاية» الذي يبدو فيه واضحا أن صناعه (بداية من السيناريو إلى تصميم الملابس) قاموا بمعايشة الأماكن والناس الحقيقيين، والأخذ منهم.

    على أية حال، كما ذكرت، هناك أعمال أخرى تحتوي على عناصر تمثيلية وفنية عظيمة. فما الذي يجعل “تحت الوصاية” مختلفا؟ هل هو المخرج؟

    الغريب أن أعمال مخرج المسلسل محمد شاكر خضير متوسطة وفي أفضل الأحوال جيدة. من البرنامج الديني الدرامي «طريق الشيطان»، إلى مسلسل «طريقي». ثم «جراند أوتيل» و«لا تطفئ الشمس»، و«في كل أسبوع يوم جمعة»، نهاية بفيلم «واحد تاني». ولعل أفضل أعماله كمخرج حلقة بعنوان «أول امبارح» في مسلسل «نمرة اتنين». لكن محمد شاكر خضير يبدو مختلفا تماما في «تحت الوصاية». كأنما نام ذات ليلة واستيقظ مخرجا عالمي المستوى! من مشاهد الحوار، إلى مشاهد الحركة والمطاردات والمعارك، إلى مشاهد البحر والطبيعة وسوق السمك. لا يكاد يوجد غلطة، أو لقطة في غير محلها، أو تعبير وجه، أو لفظ ينطق بشكل غير مناسب. شاهد معركة المركب التي تنتهي بها الحلقة الثالثة عشر، مثلا، حاجة في منتهى الابتكار والإتقان.

    تحدي حنان.. ومنى!

    مرة أخرى، ما هو المختلف في «تحت الوصاية» وحفز مخرجه وصناعه وممثليه إلى بذل جهد وتجويد قلما نراه في الأعمال المصرية؟ ربما يحتاج الأمر إلى تحقيق صحفي معهم لمحاولة معرفة السر.

    ربما يكون التحدي الذي وضعه صناع العمل لأنفسهم، وعلى رأسهم منى زكي التي تعرضت لظلم بين وحملات تشهير وقحة بسبب دورها في فيلم «أصحاب ولا أعز». وهو موقف يشبه إلى حد كبير ما عانته بطلة العمل من استهانة ومهانة، فاستنفر داخلها كل قواها الكامنة.

    ربما زاد من هذا التحدي الموقع المميز للأحداث على سواحل دمياط. وانتقال فريق العمل إلى هناك للمعاينة والإقامة والتصوير، واستغراقهم في هذا العالم ومفرداته وهواءه وأسماكه وجمبرييه.

    يتصور البعض أن المكان في السينما والدراما التليفزيونية مجرد ورق حائط يوضع في خلفية الممثلين. وكثير من الأعمال تستخدم المكان كورق حائط، وفي وقت ما كانت مسلسلات الفيديو وبعض الأفلام تستخدم بالفعل ورق الحائط لوضعه في الخلفية!

    لكن المكان هو أحد العناصر الأساسية للفن السينمائي يميزه عن المسرح ومسلسلات الـ”سيت كوم” والفيديو القديمة. حين يحسن اختياره وتوظيفه ينقل العمل إلى مستوى ومرتبة أخرى. والمكان في «تحت الوصاية» ليس مكملا للحكاية أو الدراما، بل يكاد يكون هو الحكاية والدراما. الصراع على الرزق وركوب المخاطر وهيمنة القوي على الضعيف والعنف البدني والمعنوي. وأيضا الأفق المفتوح والفرص الممكنة الكامنة تحت المياه في انتظار الشجاعة والصبر.

    رغم أهوال البحر، والأهوال التي تعرضت لها حنان، إلا أن العمل أشبه بإنشودة بحارة في مديح المقاومة والنضال، سواء كان ضد قريب طامع، أو تاجر جشع، أو قوانين مجحفة.

    اقرا أيضا:

    الدراما والكتابة والواقع المراوغ

    «رسالة الإمام» و«الهرشة السابعة».. رائعتان إلا قليلا!

  • «المداح 3».. الرعب على طريقة «سبونج بوب»!

    «المداح 3».. الرعب على طريقة «سبونج بوب»!

    أريد أن اكتب عن مسلسل “تحت الوصاية”، باعتباره أفضل عمل شهده موسم رمضان 2023. رغم أنه لم ينته بعد، وأضع يدي على قلبي متمنيا أن “يكمل على خير”. وحتى لا أتسرع مضطر إلى تأجيل الكتابة عنه. لأكتب اليوم عن واحدة من ظواهر رمضان اسمها حمادة هلال ومسلسل «المداح 3» الذي يواصل هذا العام موسمه الثالث تحت عنوان “المداح.. أسطورة العشق”.

    ليس لـ”المداح” شهرة على صفحات التواصل الاجتماعي مثل أعمال أخرى. ولكن استمرار هذا المسلسل للعام الثالث على التوالي يبرهن على نجاحه. وتؤكد هذا النجاح نسب المشاهدة للمقاطع الكثيرة المتوفرة على YouTube (بما أننا ليس لدينا وسيلة قياس دقيقة لنسب المشاهدة الفعلية للعمل ككل على الفضائيات والمنصات وأجهزة الريسيفر غير الشرعية ومواقع القرصنة).

    مغن وطارد أشباح

    حمادة هلال مغن ناجح، من أشهر وأنجح أغانيه على YouTube “أنا سبونج بوب”. وهو يتمتع بـ”كاريزما” خاصة لدى الأطفال، كما جرب حظه في السينما والبرامج قبل أن يجد نفسه في شخصية الشيخ صابر بطل مسلسل “المداح”، والذي يقدم فيه دورا مختلفا عن بقية المغنيين الممثلين. إذ يلعب دور فلاح، مداح، يطرد الجن والأشباح، حتى باتت الشخصية بمرور السنوات “أنا أخرى” alter ego لصورته كفنان، في عيون المشاهدين وربما عينيه هو أيضا. (ظاهرة إعادة تقديم المغنيين لأنفسهم كمتدينين متشددين تستحق التأمل أيضا، وتامر حسني يفعل ذلك منذ عامين أيضا).

    وليس معنى الكلام السابق أن حمادة أو تامر يدعيان التدين، أو أن الصورة التي يصدرانها عن نفسيهما صادقة أو كاذبة. ما يعنينيا هنا هو “قناع الشخصية” وهو مصطلح صكه عالم النفس كارل يونج ليشير إلى الشخصية التي يظهر بها المرء أمام الناس. وانتقل المصطلح إلى عالم السينما ليشير إلى “قناع النجم” أو الصورة التي يظهر بها نجم ما في عيون جمهوره. (فريد شوقي وحش الشاشة، ومحمود المليجي شريرها، مثلا).

    عثر حمادة هلال على ضالته (قناعه، تميزه، صورته التي يحبها عن نفسه) في شخصية صابر المداح، طارد الجن والأشباح. وواضح أيضا أن هناك جمهور للعمل وجد في شخصية حمادة هلال صورة بطل شعبي يتمناه: شاب وسيم خلوق، خارق القدرات، عذب الصوت، لكنه يكرس صوته لمديح الله والأنبياء، وقدراته لمكافحة الشر والأشرار. ويكمن سر المسلسل في أنه يدمج هذا البطل الشعبي في قالب أفلام الرعب المحبب لدى الشباب. داخل قصص الجن الذي يركب الانسان الرائجة في الثقافتين الاسلامية والمسيحية بشكل خاص. والتي تحفل بها “ألف ليلة وليلة” والحكايات الشعبية. ويركز المسلسل على أشهر وأحب قصة نمطية منها، وهي الجن الذي يضاجع الإنسان، والتي جددت حضورها في نفوس وعقول الأجيال الجديدة من خلال موجة روايات الرعب المصرية!

    حمادة هلال في مشهد من «المداح»
    حمادة هلال في مشهد من «المداح»
    الحبل.. دون تلامس!

    في “المداح 3” ينشغل الشيخ صابر بفتاة ريفية عذراء (سلمى أبو ضيف). تحبل “بدون تلامس” (على حد تعبير بعض الفنانين الجدد، الذين يستبدلون كلمة جنس بالتلامس!). والأكثر من ذلك أن الجن يصل إلى رحم زوجة صابر نفسها (هبة مجدي). فيزرع، أو يوهمه، بزرع جنين من الجان، ما يقلب كيان الشيخ الشاب، ويجعله يشك في زوجته وطفله. أما عصابة الجني التي تتآمر على صابر وأسرته فتتزعمها ملكة الجان هند بنت الأحمر (لوسي بجلالة قدرها) ورجل الأعمال هايم (محمد رياض). وكلاهما يجندان عددا من البشر على رأسهم هبة (هلا السعيد) أخت المداح نفسه، والأمير (عبدالعزيز مخيون) ناصحه الأمين. أما صابر نفسه فيقع في حب امرأة أخرى اسمها تاج (يسرا اللوزي) لا نعلم إلى الآن هل هي إنس أم جن.

    صراع أشقاء ومقابر فرعونية

    ولا يخلو “المداح 3” من خطوط فرعية مثل مواصلة قصة الشقاق بين الأخين داخل بيت صابر نفسه. إذ لديه أخ طماع هو حسن (خالد سرحان)، وزوجته الأكثر طمعا هي منال (دنيا عبدالعزيز)، وزوجته الجديدة، المريبة، أحلام (رانيا فريد شوقي) التي تأتي من الخارج لشراء بيوت القرية لتحفر بحثا عن الآثار الفرعونية، أو العفاريت الموجودة في مقابرها.

    ومفهوم مؤلفوا “المداح” (الثلاثي أمين جمال، وليد أبو المجد وشريف يسري) عن “تلامس الجن والإنس” لا يختلف كثيرا عن فيلم “الإنس والجن” أو رواية وفيلمي “الفيل الأزرق”. أو عن قصص “العراب” (أو “المعرب”) أحمد خالد توفيق المقتبسة عن الروايات والأفلام الأمريكية.

    يخلو “المداح” من بديهيات العلم والمنطق وحتى المصداقية الفنية، وذلك بحكم نوعه الفني الخيالي الذي يعتمد على تجسيد أعراض الشيزوفرينيا والهلاوس الجنسية. ومن أسرار نجاحه بساطة إخراجه. حيث يعتمد مخرجه أحمد سمير فرج على الأنماط الجاهزة في اختيار الممثلين والأداء التمثيلي والديكور والموسيقى المصاحبة، الصاخبة، والترميز على طريقة المسرح (ترتدي لوسي فوق رأسها تاجا غريب الشكل وملابس سوداء وتضع ماكياجا ثقيلا. أما محمد رياض فتتلون عيناه بلون أحمر ينتقل إلى عيون من يسيطر عليهم).

    يخاطب “المداح” البسطاء من المعتقدين بوجود الجن وإمكانية التزاوج بين الإنس والجان. والذين تلبي هذه القصص مكبوتاتهم من أحلام ومخاوف جنسية، أو حتى مجرد الذين نشأوا على هذا الميراث من معتقدات وحكايات. منهم من يصدق ويتأثر، ومنهم من يضحك ويتسلى. وبساطة “المداح” تجعله مناسبا للكبار والصغار، وربما الصغار أكثر، من الذين أحبوا حمادة هلال وأغنية “أنا سبونج بوب”!

    اقرا أيضا:

    كوميديا رمضان: «نكت» منتهية الصلاحية!

    «رسالة الإمام» و«الهرشة السابعة».. رائعتان إلا قليلا!

  • كوميديا رمضان: «نكت» منتهية الصلاحية!

    كوميديا رمضان: «نكت» منتهية الصلاحية!

    هل فقد الكوميديانات المصريون قدرتهم على الإضحاك، أم أن الجمهور فقد قدرته على الضحك؟

    شحيحة هي الكوميديا في مسلسلات رمضان، بالرغم من كثرة الأعمال الكوميدية، وكثرة نجوم الكوميديا. لم تزل الكتابة أضعف العناصر، ولم يزل الارتجال والايفيهات اللفظية، الشبيهة بنكت أحمد غانم وحمادة سلطان وعادل الفار (غالبا لا يعرفهم الجيل الجديد، ولكنهم كانوا نجوم المونولوجات وإلقاء النكات قبل عصر الـ”ستاند أب كوميدي”).

    15 حلقة

    كثير من صناع الدراما اتجهوا هذا العام إلى تخفيض عدد الحلقات إلى خمسة عشر بدلا من ثلاثين، على أمل أن يكون هذا علاجا لمشاكل البطء والمط في الكتابة وضغط الوقت في التنفيذ. وهو قرار جيد ساعد كثيرا على تجنب عيوب قالب الثلاثين حلقة المتحجر. ولكن طول أو قصر زمن عرض العمل الفني ليست هي المشكلة في حد ذاتها. الفكرة هي أن يكون زمن العرض متلائم مع الموضوع والسيناريو، لا يزيد حلقة، أو دقيقة، ولا يقل. وقد يكون زمن العمل خمس دقائق ويصاب المشاهد بالملل من أول دقيقة.

    بعد العودة الناجحة لـ”الكبير” في العام الماضي، بالرغم من العيوب والشوائب التي كان يفترض أن يتخلص منها هذا العام. ها هو يتراجع، وعيوب السنة الماضية تتفاقم، خاصة على مستوى الكتابة التي تعاني من ضعف شديد، وأداء الممثلين الذي يعاني من ثقل دم سخيف.

    يعاني “الكبير” من عدم وجود قصة أو خط درامي واحد يربط الأحداث، حتى أنه يمكن مشاهدة الكثير من حلقاته دون ترتيب. وهذا ليس عيبا في حد ذاته. ولكن المشكلة أن صناعه يصرون على تقديمه في قالب الثلاثين حلقة. ويبدو أن صناع الدراما في مصر لا يستحسنون لسبب نجهله، أو لا يعرفون، أن هناك مسلسلات كثيرة، من قديم الأزل، ذات حلقات متصلة منفصلة، أي نفس الشخصيات وعالمها. ولكن كل حلقة لها قصة مختلفة يمكن مشاهدتها بمفردها. هناك أيضا قالب شبيه بمجلات الكوميكس، حيث تحتوي كل حلقة على عدة قصص لشخصيات مختلفة. وقد برعت الدراما الخليجية في هذا القالب، كما نجد في “طاش ما طاش” و”ستوديو 23″ السعوديين و”حامض حلو” العراقي. وقد قام خالد الصفتي، محرر مجلة الأطفال “فلاش” بتحويله إلى مسلسل تحريك يعرض في رمضان منذ عامين. ولو أن صناع “الكبير”، وكثير من المسلسلات الكوميدية، انتبهوا لهذا القالب وإمكانياته لتمكنوا من الخروج من مأزق النصوص الكوميدية.

    إكس لانس

    ومشكلة الكتابة تظهر بوضوح في مسلسل محمد سعد “إكس لانس”. هنا يحاول سعد أن يعود إلى الأضواء بشخصية جديدة هي العجوز حناوي الشهير بالحاج إكس لانس. وفكرة المسلسل ليست مقتبسة أو مكررة مثل معظم الأعمال الأخرى. وكان يمكن أن تكون عودة ناجحة لسعد لولا الكتابة الهزيلة والإخراج البدائي بداية من الماكياج وحتى المونتاج. ويزيد الطين بلة أن المسلسل يتكون من ثلاثين حلقة.

    قد يكون “الصفارة” هو الأفضل بالمقارنة مع غيره، ولكنه أيضا يعاني من فكرة مكررة وكتابة متواضعة. ربما باستثناء حكاية تحول البطل لمغن شعبي، وكثير من المواقف والحلقات تعاني من فراغ درامي واستظراف لغوي استفحل مؤخرا في الكوميديا المصرية.

    أحمد أمين موهبة وإمكانيات وطاقة هائلة، وطه دسوقي الذي يلعب دور شقيقه الأصغر اكتشاف، ولكن العمل، رغم حلقاته القصيرة، يعاني من ترهل الإيقاع في بعض حلقاته.

    ويمكن قول كل ما سبق على مسلسل “جت سليمة” الذي يتناول الفكرة نفسها، سفر الشخصيات عبر الأزمنة والأمكنة، وإن كان بشكل أكثر خيالية وفانتازيا. ودنيا سمير غانم، مثل أحمد أمين، موهبة وطاقة كوميدية تحتاج إلى نصوص أفضل.

    كشف مستعجل

    مشكلة الكتابة طالت أيضا “كشف مستعجل” بالرغم من خفة دم مصطفى خاطر ومحمد عبد الرحمن، وجهد المخرج شادي الرملي الهائل في اختيار الممثلين وتوجيههم وصناعة كوميديا موقف جيدة جدا، في الحلقات الأولى. غير أن الفكرة سرعان ما تشرد، وتجف، ويدخل العمل في متاهات التطويل ولكنه على الأقل يخلو من الاستظراف اللغوي تقريبا.

    مسلسل «مذكرات زوج»
    مسلسل «مذكرات زوج»

    العمل الأفضل على مستوى الكوميديا هو “مذكرات زوج”، والطريف أن أبطاله طارق لطفي وعائشة بن أحمد وخالد الصاوي وجيهان الشماشرجى وسما إبراهيم لا يصنفون ككوميديانات. وأعتقد أن سبب نجاح العمل، وأحد عناصر الكوميديا فيه أيضا، أن صناعه لم يتعاملوا على أن مهمتهم إضحاك المشاهد بأي وسيلة. ولكن باعتباره دراما اجتماعية عاطفية خفيفة. وهو نوع ناجح من الكوميديا من نماذجه العظيمة أفلام “أم العروسة” و”إشاعة حب” ومسلسلي “البخيل وأنا” و”يتربى في عزو”.

    ويمكن إدراك هذه الفكرة بشكل أوضح حين نقارن “مذكرات زوج” بعملين رمضانيين آخرين هما “كامل العدد” و”ألف حمد الله على السلامة”. فهما يعانيان من المبالغات الكوميدية لبعض أبطالهما. مثل دينا الشربيني في “كامل العدد”، وواضح أنها تحتاج إلى تدريبات خاصة في الأداء الكوميدي، ومثل معظم أبطال “ألف حمد الله على السلامة”!

    اقرأ أيضا

    «رسالة الإمام» و«الهرشة السابعة».. رائعتان إلا قليلا!

  • «رسالة الإمام» و«الهرشة السابعة».. رائعتان إلا قليلا!

    «رسالة الإمام» و«الهرشة السابعة».. رائعتان إلا قليلا!

    الإتقان هو كل شيء في الفن، أهم من الفكرة، أو الموضوع، أو الموهبة. هناك ملايين من الأواني الفخارية صنعها البشر ليستخدمونها في الحياة اليومية، ولكن القطعة الفخارية الفنية تتميز بين هذه الملايين باكتمالها وجمالها الخالص، بعيدا عن الوظيفة اليومية التي تؤديها الأواني.

    والكثير من أعمال الدراما الرمضانية، وغير الرمضانية، أشبه بالأواني البلاستيكية التي تصنع بالجملة في مصانع قد تكون كبيرة ومتطورة. وقد تكون ورشا تحت بير السلم.. لا هدف لها سوى تأدية الغرض، وتلبية احتياجات الزبون.

    البحث عن العشرة بالمائة

    هذه حقيقة يجب أن نعترف بها، وحتى لا نظلم أعمالنا يجب أن نقر أيضا بحقيقة أن معظم ما ينتج في العالم من مسلسلات وأفلام يندرج تحت فئة الأواني البلاستيكية. وأن نسبة الأعمال الفنية الأصيلة والعظيمة لا تتجاوز عشرة بالمائة في أفضل الأحوال.

    ولكن أين هي العشرة بالمائة في أعمال رمضان الحالي؟

    لقد وصلنا إلى منتصف الشهر ولم نزل نبحث!

    ربما نجدها في “رسالة الإمام” للمخرج الليث حجو، بالرغم من أن الإتقان يخون أصحابه في بعض العناصر.

    هذا عمل مختلف في تاريخ الدراما الدينية التاريخية المصرية، مزيج من “عمر بن عبدالعزيز” ببطله المثالي و”الزيني بركات” برصده لمظالم الحكام ومؤامرات السياسيين. كما يتمتع بمزج سلس بين التاريخي والدرامي. مع ذلك، ورغم عشرات المراجع التاريخية المشار إليها في “تترات” المسلسل. أشار البعض إلى بعض الأخطاء التاريخية المتعلقة ببعض الأحداث والشخصيات، ولا أفهم كيف حدث ذلك.

    الإتقان يغيب أيضا في بعض التفاصيل، خاصة في عنصر الملابس. فهي تلعب دورا “زخرفيا” أكثر منه دراميا أو واقعيا، وخاصة فيما يتعلق بملابس المصريين العاديين. وبالأخص الفلاحين، الذين كانوا يرتدون على مر تاريخهم ملابس بسيطة ومتقشفة جدا. ولا يضعون على رؤوسهم عمائم أو أغطية رأس كما نرى في المسلسل.

    حتى العناصر الجيدة

    ومن عجائب قلة الإتقان أنه يفسد أحيانا حتى العناصر الجيدة بالعمل. فعلى سبيل المثال قام تامر كروان بتأليف موسيقى تصويرية رائعة لـ”رسالة الإمام”. ولكن الاستخدام المفرط لها من قبل المخرج يفقدها تأثيرها أحيانا. ويظهر ذلك بشكل أوضح عندما تطغى الموسيقى على الحوار المنطوق بالعربية الفصحى، الصعبة على الأذن بطبيعتها، فيحول دون سماع الكلمات أو فهمها أحيانا. ولو أن هذه الموسيقى رشدت وأحسن توظيفها قليلا، لكان لدورها وللعمل شأن آخر.

    رائحة الشواء والفلفل

    مع هذا فإن “رسالة الإمام” أفضل حالا بكثير من “سره الباتع” لخالد يوسف، الحافل بعدم الإتقان “التاريخي” وبالإفراط التعبيري في الحوار التمثيل والموسيقى. وهذا الإفراط البصري السمعي أصبح من ظواهر مسلسلات رمضان المزمنة. تقريبا يشعر صناع هذه الأعمال بأنهم مثل محلات وعربات الأطعمة المنتشرة في وسط البلد. فيحاولون اختطاف انتباه المارة برائحة الشواء وجذب ذائقتهم بالتوابل، وتقريبا يستخدم صناع المسلسلات الكاميرا بمنطق رائحة الشواء وشريط الصوت بمنطق الفلفل والشطة. بهدف اختراق عينيك وأذنيك دون استئذان.

    مسلسل الهرشة السابعة
    مسلسل الهرشة السابعة
    كثير من التكامل.. قليل من الاستسهال

    أين نجد العشرة بالمائة الممتازة إذن؟

    ربما نجدها في عمل مثل “الهرشة السابعة” للمخرج كريم الشناوي. حيث يصل الإتقان إلى أعلى درجاته في الكتابة والتمثيل وبقية العناصر التي تتكامل مع الفكرة والموضوع وتساهم في خلق التأثير الشعوري والجمالي الكلي للعمل.

    ولكن حتى هنا فإن الكتابة، رغم براعتها، تفتقد للاستدامة (بمفردات التنمية البشرية، التي كتبت تحت تأثيرها بعض المواقف). معظم الحلقات رائعة، وقليل منها مثل الحلقة الخامسة (عاصفة التنين) تعاني من استسهال مدهش. إذ يتم اختزال عام الكورونا، بما حمله من مآس صحية واقتصادية ونفسية، في مشهدين أو ثلاثة، بالرغم من أن هذه الحلقة تحديدا تحمل دراما إنسانية قوية. على عكس المشاجرات والهموم الحياتية التافهة التي تضيع فيها الشخصيات وقتها وحياتها!

    ويمكن أن تقارن بين نهاية الحلقة الرابعة التي تصاب فيها نادين (أمينة خليل) بالهلع عندما تتصور أن طفلها تاه في منتزه عام، وبين الحلقة الخامسة التي تكتشف فيها إصابتها وزوجها بالكورونا، ويفترض أن الاثنين يفزعان خوفا على الأطفال. المدهش أن الموقف الأول، الذي يخلو من دراما حقيقية، جيد التمثيل والإخراج، فيما الموقف الثاني، المخيف حقيقة، والذي تعرض له الكثيرون بالفعل وقت الكورونا، يمر بلا إحساس، وأداء كل من أمينة خليل ومحمد شاهين فيه، هو الأضعف على مر الحلقات!!

    ظروف قاسية

    لا أفهم أيضا كيف حدث ذلك، وكيف مرت حلقة زمن الكورونا بمرحلة الكتابة والمراجعة والتنفيذ بهذا القدر من الخفة، مع أنها كان يمكن أن تصبح الـMaster Episode أو “الحلقة المفصلية” دراميا وفنيا في الأحداث. ربما يكون السبب أن صناع العمل يعيشون في عوالمهم النفسية العاطفية المغلقة، التي عبروا عنها ببراعة كبيرة. ولكن فيما يتعلق بالكوارث والمصائب الحقيقية الكبيرة، مثل فقدان مصدر الرزق والمرض والموت، ليس لديهم القدر نفسه من المبالاة!

    أعلم أن ظروف العمل القاسية للغاية في الدراما المصرية، وبالأخص دراما رمضان، تجعل من المستحيل تقريبا أن يصل عمل ما إلى قمة الإتقان، ولكن هذا لا يجب أن يمنعنا من رؤية الملاحظات وذكرها، ولا يجب أن يمنعنا أيضا من الإشادة بهذه الأعمال التي كادت أن تقترب من الإتقان.

    اقرأ أيضا

    البحث عن الأرشيف الضائع (3): هل قاموا بتشويه النيجاتيف؟

  • البحث عن الأرشيف الضائع (3): هل قاموا بتشويه النيجاتيف؟

    البحث عن الأرشيف الضائع (3): هل قاموا بتشويه النيجاتيف؟

    الأرشيف السينمائي الذي نطالب به ليس مجرد ثلاجة لحفظ نسخ النيجاتيف، فهذه، مهما كانت شروط حفظها، قابلة للتلف أو التهالك بفعل عوامل التعرية وقوانين الطبيعة. والأرشيف ليس مجرد متحف لعرض بعض البوسترات والكاميرات والأجهزة القديمة. إذا كان هناك قرار من شأنه أن يصدر بشأن الأرشيف فيجب أن يتضمن العناصر التالية:

    أولا: قانون مصاحب يعطي لهذا الأرشيف سلطات وصلاحيات وميزانية سنوية. وأول مادة في هذا القانون هي أن يكون من حق هذا الأرشيف الاحتفاظ بنسخة “أصلية” من أي فيلم مصري حديث أو قديم، سواء كان يملكه شخص أو شركة. وأن هذه النسخة لا تتعارض مع حقوق الملكية والاستغلال التجاري التي يحتفظ بها مالك الفيلم. ومعنى ذلك أن من سلطات القائمين على هذا الأرشيف أن يشجعوا ويدعموا ويمولوا عمليات ترميم الأفلام القديمة وتحويلها إلى نسخ رقمية، وهي الوسيلة الوحيدة الممكنة للحفاظ على حياة أي فيلم سيلولويد (شريط 35 مم بوزيتيف أو نيجاتيف).

    ثانيا: أن يتكون هذا الأرشيف من عدة أقسام: الحفظ والترميم. البحث عن الأفلام المصرية الضائعة في أي مكان من أنحاء العالم. التوثيق التاريخي والمعلوماتي للأفلام. العرض من خلال متحف دائم ومعارض مؤقتة. مكتبة للاطلاع والبحث للمؤرخين والباحثين. طبع الكتب والكتيبات حول الأفلام وصناعها والمتحف والمعارض وأعمال الأرشيف.

    هكذا تتكون وتعمل الأرشيفات السينمائية العالمية التي زرنا بعضها في ألمانيا وفرنسا وبلاد غربية وعربية أخرى. وبهذا نضمن أن يكون البناء قويا وفعالا وليس مجرد مبنى حجري أو كلمات على الورق.

    أفلام تالفة.. وأفلام شوهت بفعل فاعل!

    فيما يلي أعرض واحدة من المشكلات الكبيرة المتعلقة بتاريخ السينما المصرية. على مدار أكثر من قرن، أو بالتحديد على مدار مئة عام مرت على صنع أول فيلم روائي ينتجه ويصنعه مصري وهو “برسوم يبحث عن وظيفة” للمخرج محمد بيومي، صدر ما يقرب من ستة آلاف فيلم روائي، ومثلهم ربما أفلام وثائقية وقصيرة.

    من بين الستة آلاف فيلم روائي لم يعد حيا سوى ما يقرب من 1500 فيلم، أما ما فقد وتلف فيقرب من 4500 فيلم!! وهذه كارثة ومصيبة في حد ذاتها، ولكنه الواقع، ولو أننا أنشأنا الأرشيف منذ أربعين أو خمسين عاما لربما كنا قد استطعنا إنقاذ نصف هذه الأفلام التي ضاعت وتلفت.

    وحتى لا نستمر في البكاء على اللبن المسكوب المطلوب الآن أن نتعجل عملية الإنقاذ، وأن نقوم بجرد ما يوجد بالفعل من خلال لجنة تضم خبراء أجانب متخصصين.. فنعرف كم فيلم بحالة جيدة، وكم فيلم بحالة متوسطة، وكم فيلم بحالة صعبة ولكن ليست مستحيلة، ونبدأ على الفور بعمليات الترميم والرقمنة.

    وبعيدا عن قضية الأفلام المفقودة والتالفة هناك مشكلة كبيرة أخرى لا ينتبه إليها الكثيرون. وهي وجود نسخ مختلفة الطول من الأفلام، حيث قامت بعض الشركات والمحطات الفضائية التي اشترت نيجاتيف الأفلام، وعلى رأسها “إيه آر تي” و”روتانا” و”الشركة العربية”، أو التي قامت بشراء حقوق توزيع الأفلام في دور العرض أو عن طريق الفيديو أو العرض التليفزيوني بتشويه بعض الأفلام وحذف مشاهد منها، قد تصل إلى أكثر من نصف زمن عرض الفيلم كما سنرى بعد قليل.

    ***

    المصيبة هي وجود شكوك قوية بأن بعض هذه الشركات، خاصة “إيه آر تي”، قد قامت بحذف هذه المشاهد من نسخ النيجاتيف نفسها. وهذا أمر يحتاج إلى تحقيق وتحقق، يجب أن يكون من سلطات الأرشيف الذي نتحدث عنه. وفي حالة وجود نسخ نيجاتيف تعرضت للحذف يجب أن تتم محاولات لإعادتها للأصل عن طريق نسخ البوزيتيف أو الفيديو أو نسخ التليفزيون إذا كانت متوفرة.

    وفيما يلي قائمة ببعض الأفلام التي تعرض ناقصة على الفضائيات العربية، والزمن المحذوف منها. وهي قائمة شارك في إعدادها هواة ومحبون للسينما، منهم راشد الجندي، وسامح فتحي، وهي قائمة قابلة للإضافة كلما توفرت معلومات عن افلام أخرى.

    فيما يلي اسم الفيلم ومدة عرضه وفقا لبعض الموسوعات مثل “تاريخ السينما المصرية” لأحمد الحضري، و”موسوعة الأفلام العربية” لمحمود قاسم وموقع “السينما”، ثم زمن عرضه في النسخ المتوفرة من تليفزيون وفضائيات وفيديو.

    قائمة بالأفلام الناقصة

     

    • “سجى الليل” إخراج بركات 1948

    المدة وفقا لمحمود قاسم 105 ق. وفقا لأحمد الحضري 93 دقيقة. نسخة الصباح فيديو فيلم 75 دقيقة. نسخة قديمة مسجلة من قناة دريم مدتها 87 دقيقة. ولن يفصل في هذا الأمر سوى مراجعة النسخة النيجاتيف وطبع نسخ كاملة منها إذا أمكن، وهذا أحد مهام الأرشيفات السينمائية.

    • “ليلى بنت الفقراء” إخراج أنور وجدي، 1945

    المدة وفقا للحضري 127 دقيقة. وفقا لقاسم 105 ق. نسخة جمال الليثي فيديو فيلم مدتها 121 دقيقة. النسخة التي تعرض على قنوات اوربت مدتها 115 دقيقة!

    • “يحيا الحب” إخراج محمد كريم 1938

    المدة وفقا لقاسم 125 ق. نسخة قديمة مسجلة من القناة الأولى مدتها 130 ق. ونسخة هليوبوليس فيديو فيلم 131 ق. وأيضا نسخة الصباح فيديو فيلم 134 ق. وهو ما يعني أن نسخة الفيديو أطول، وبالتالي يمكن استخدامها لاستكمال نسخة النيجاتيف إذا كانت ناقصة.

    أفيش فيلم يحيا الحب
    أفيش فيلم يحيا الحب
    • “العزيمة” إخراج كمال سليم، 1939

    المدة وفقا للحضري 115 ق. وفقا لقاسم 110 ق. نسخة جمال الليثي فيديو فيلم  110 ق. نسخة روتانا  106 ق.

    • “غرام وانتقام” إخراج يوسف وهبي، 1944

    المدة وفقا للحضري 120 ق. وفقا لقاسم 125 ق. نسخة راشد ميوزك/أمريكا 132 ق. نسخة روتانا 122 ق. وهذه إحدى الحالات الغريبة التي تزيد فيها مدة عرض إحدى النسخ عن المدة المذكورة في الموسوعات، وهو أمر طريف يحتاج إلى تحقق وبحث عما حدث للفيلم.

    • “بحبح في بغداد” إخراج حسين فوزي، 1942.

    المدة وفقا للحضري 105 ق. نسخة أوربت 105 ق. نسخة روتانا 115 ق.

    • لست ملاكا” إخراج محمد كريم، 1946.

    المدة وفقا للحضري 115 ق. نسخة الصباح فيديو فيلم 82 ق. نسخة فيديو عثر عليها في العراق 117 ق. هذه الحالة تبين أن البحث في البلاد العربية والأجنبية يمكن أن يفيدنا في العثور على أفلام أو مشاهد ناقصة.

    ***
    • “تاكسي حنطور إخراج أحمد بدرخان، 1945

    المدة وفقا للحضري 125 ق. نسخة فنون فيديو فيلم/الكويت 88 ق. يعني هناك أكثر من 35 دقيقة محذوفة!

    • “قبلني يا أبي” إخراج أحمد بدرخان، 1947

    المدة وفقا للحضري 90 ق. نسخة الصباح فيديو فيلم/لبنان 91 ق. ونسخة إيه آر تي 72 ق. وميلودي 73 ق!

    • “بائعة اليانصيب” إخراج عبدالفتاح حسن، 1947

    المدة وفقا للحضري 100 ق. نسخة فيديو خاصة بالمركز القومي للسينما 85 ق. رينبو فيديو فيلم 85 ق. مصر2000 فيديو فيلم 84 ق.

    • “عواصف” إخراج عبد الفتاح حسن، 1946.

    المدة وفقا للحضري وقاسم 103 ق. نسخة “فيديو شركة فوكس 21” 88 ق.

    • “النائب العام” إخراج أحمد كامل مرسي 1946

    المدة وفقا للقاسم 110 ق. وفقا للحضري 102 ق. نسخة روتانا  99 ق. نسخة أوربت 69 ق!

    • “البدوية الحسناء “ إخراج إبراهيم لاما، 1947

    المدة وفقا للحضري وقاسم 95 ق. نسخة جمال الليثي فيديو فيلم 64 ق. نسخة التليفزيون المصري 64 ق!

    • “قتلت ولدي” إخراج جمال مدكور، 1945

    المدة وفقا للحضري وقاسم 100 ق، ونسخة هارت فيلم 99 ق، أما نسخة ايه ار تي فمدتها 85 ق، أي ينقص منها ربع ساعة.

    • “جوز الاتنين” إخراج إبراهيم عمارة، 1947

    المدة وفقا لقاسم والحضري 110 ق. نسخة سنسكيب الكويت 80 ق..أين ذهبت النصف ساعة؟!

    ***
    • “مجد و دموع” إخراج أحمد بدرخان، 1946

    المدة وفقا لقاسم 120 ق، ووفقا للحضري 106 ق. أما نسخة إيه آر تي ونسخة روتانا فلا تزيدان عن 97 ق.

    • “برلنتي” إخراج يوسف وهبي، 1944

    المدة وفقا للحضري وقاسم 120 ق. نسخة “الفرسان فيديو فيلم 122 ق. ونسخة روتانا 108 ق. أما نسخة تليفزيون قطرف  93 ق فقط!

    • “رباب” إخراج أحمد جلال، 1942

    المدة  وفقا للحضري  118 ق. نسخة ايه ار تي، وأوربت 113 ق

    • “شهرزاد” إخراج فؤاد الجزايرلي، 1946

    المدة وفقا للحضري وقاسم 100 ق. نسخة قديمة مسجلة من قناة دريم 82 ق، أما نسخة أوربت ف 74 ق فقط!

    • يوم في العالي” إخراج حسين فوزي، 1946

    المدة وفقا للحضري 95 ق. نسخة السبكي فيديو فيلم 72 ق!

    • “أمواج” إخراج محمد سليمان، 1971

    وهو فيلم لبناني من بطولة شمس البارودي ونادية الجندي ويوسف شعبان.

    المدة وفقا لموقع السينما  100 ق. نسخة الصباح فيديو فيلم 90ق. نسخ القنوات 70ق.

    ***
    • “العمر واحد” إخراج حسان فرغل، 1954

    المدة وفقا لموقع السينما 120 ق. نسخة أوربت 100 ق. أما نسخة السبكي فيديو فيلم فلا تزيد عن 60 ق.

    • “قلوب الناس” إخراج حسن الأمام، 1954

    المدة وفقا لقاسم وموقع السينما 152 ق، أما نسخة إيه آر تي فتنقص أكثر من نصف ساعة، حيث لا تتجاوز 120 ق.

    • “حميدو” إخراج نيازي مصطفى، 1953

    المدة وفقا لقاسم 115 ق. نسخة فيديو الليثي فيلم 115 ق. نسخة “إيه آر تي” 95 ق، حيث ينقص عشرين دقيقة كاملة.

    • “العار” إخراج علي عبدالخالق، 1982.

    المدة وفقا لقاسم ونسخة فيديو الليثي فيلم 120 ق. نسخة إيه آر تي تنقص بعض الدقائق منها مشهد انتحار حسين فهمي حيث يقوم بوضع المسدس في فمه وإطلاق النار.

    • “سوق السلاح” إخراج كمال عطية

    المدة وفقا لقاسم ونسخة فيديو الليثي فيلم 120 ق. نسخة إيه آر تي 100 دقيقة، منها مشهد رئيسي بين فريد شوقي ومحمود المليجي.

    • “إمرأة في الطريق” إخراج عز الدين ذو الفقار، 1958

    المدة وفقا لقاسم 120 ق. نسخة إيه آر تي تنقص الكثير من الدقائق منها مشهد القتال الرئيسي بين الأخين رشدي أباظة وشكري سرحان ضد عصابة الأشرار في حضور هدى سلطان.

    • “المرأة شيطان” إخراج عبدالفتاح حسن، 1949

    المدة نسخة مصر فيديو فيلم 100 ق. نسخة قنوات روتانا 90 ق.

    ***

    هذه مجرد عينة وهناك عشرات الأفلام الأخرى منها “القاهرة 30″، “رابعة العدوية”، “اللص والكلاب”.. كلها تعرض ناقصة على الفضائيات.

    اقرا أيضا:

    البحث عن الأرشيف الضائع (1): «أهل القمة».. تلف وضياع

     البحث عن الأرشيف الضائع (2): أفلامنا الحائرة.. بين الثلاجة ومخزن نسخ الإيداع

  •  البحث عن الأرشيف الضائع (2): أفلامنا الحائرة.. بين الثلاجة ومخزن نسخ الإيداع

     البحث عن الأرشيف الضائع (2): أفلامنا الحائرة.. بين الثلاجة ومخزن نسخ الإيداع

    الحديث عن أرشيف السينما الضائع دائما ما يقلب المواجع. بالنسبة لمحبي السينما فليس هناك أتعس من أن يرى المرء صورة فوتوغرافية أو يقرأ خبرا عن فيلم قديم من الثلاثينيات والأربعينيات. ويعلم أن هذا الفيلم مفقودا، أو أن أصحابه باعوه خردة، وأن كل نسخه البوزيتيف اختفت من على وجه الأرض.

    الفقد قانون الوجود، ولكن أجدادنا المصريين علموا العالم أن الحفظ والتوثيق يصنع الخلود. وإذا كان هناك شيء جيد يمكن أن نفعله من أجل الذين بنوا هذه الحضارة والذين بنوا نهضتنا الحديثة. فعلى الأقل أن نحافظ بقدر الإمكان على تراثهم وإنجازاتهم.

    أثارت الحلقة الأولى من مقالات “البحث عن الأرشيف الضائع” ردود فعل عدة من مسؤولين وإعلاميين ومهتمين، وهو أمر متوقع لأن قضية أرشيف السينما جرح نازف منذ أكثر من نصف قرن.

    وقبل أن انتقل إلى فقرة جديدة عن مشاكل الأرشيف ينبغي أولا توضيح بعض الحقائق والتفاصيل حول ما ذكر في المقال السابق وحول الأرشيف بشكل عام.

    **

    عندما بدأ الاهتمام بعمل أرشيفات للسينما في منتصف أربعينيات القرن الماضي كان العمل يتكون أساسا من جمع النسخ النيجاتيف الأصلية أو النسخ البوزيتيف من الأفلام. وهناك فارق كبير بين الاثنين يعرفه معظم القراء: النسخة النيجاتيف هي الأصل الذي يتم منه طباعة النسخ البوزيتيف التي تعرض في دور العرض.

    وكل من عايش كاميرات التصوير الفوتوغرافي القديمة (قبل ظهور الكاميرات الرقمية) يعرف أن النيجاتيف (أو “العفريتة” كما كان يطلق عليها. لأن الناس تبدو فيها مثل الأشباح والعفاريت!) ليست للمشاهدة ولكنها لطباعة نسخ المشاهدة. كما يعلم أن النسخ الورقية لا أهمية لها طالما النيجاتيف موجود. إذ يمكن طباعة نسخ أخرى بديلة وأن هذه النسخ عمرها محدود وحتى لو حفظتها في خزانة مغلقة فسوف تتلف بمرور الزمن. ولكن إذا ضاع أو تلف النيجاتيف نفسه فهذا لا يعني سوى أمرين: أن تنتقل الأهمية إلى النسخة البوزيتيف فتنال رعاية أكبر ويا حبذا لو تم تصويرها لعمل نسخة نيجاتيف أو رقمية.

    في بداية تكوين الأرشيفات السينمائية لم يكن هذا الفارق واضحا كفاية. ولكن بمرور الوقت ازداد الوعي بالفارق بين الاثنين وطرق الحماية والحفظ التي ينبغي توفرها للنيجاتيف بشكل خاص. ومن هذه الفوارق مثلا أن النسخة النيجاتيف تحتوي على نترات فضة ومواد قابلة للاشتعال الذاتي. نترات الفضة أغرت الكثيرين ببيع الأفلام خردة، والاشتعال الذاتي قضى على حياة مئات الأفلام خلال نصف القرن الأول من عمر السينما.

    **

    في مصر بدأ الأرشيف بشكل تلقائي وغير مقصود من خلال معامل التحميض التي كانت تحتفظ بالنسخة النيجاتيف حتى يمكن لصاحب الفيلم أن يطبع منها نسخ بوزيتيف للعرض عندما يريد. والمعمل الرئيسي في مدينة السينما أصبح النواة الأولى لفكرة جمع الأفلام والحفاظ عليها. ولكن وسائل الحفظ كانت بدائية للغاية، ما أدى إلى ضياع وتلف أفلام كثيرة، بجانب أن بعض أصحاب الأفلام كانوا يفضلون الاحتفاظ بأصول أفلامهم في شركة الإنتاج أو البيت، ومعظم هذه الأفلام ضاع أو تلف مع مرور السنوات.

    ما نطلق عليه “ثلاجة” السينما، أي توفير مكان بارد مناسب للحفظ مع فهرسة وتصنيفات واضحة لم يبدأ في مصر إلا في التسعينيات، مع إنشاء الثلاجة الأولى في مدينة السينما بالهرم.

    وهناك فارق كبير بين هذه الثلاجة المخصصة للنيجاتيف وبين ما يطلق عليه “نسخ الإيداع” التي تحفظ في المركز القومي للسينما (على بعد أمتار من الثلاجة الرئيسية). فكرة “نسخ الإيداع” جاءت من “دار الكتب” التي ينبغي على أي ناشر أن يسجل فيها كتابه ويسلم بعض النسخ للحفظ.

    **

    ولكن الأفلام تختلف عن الكتب: الأفلام، خاصة النسخ البوزيتيف، عمرها قصير، تحتاج إلى ظروف تخزين معقدة وصعبة حتى تمد في عمرها. ولكن حتى مع الحفظ الجيد، تتراجع صلاحيتها بمرور الوقت.

    أضف إلى ظروف التخزين السيئة أن معظم نسخ الإيداع التي كان المنتجون يقومون بتسليمها للمركز القومي للسينما هي نسخ مستهلكة. تم عرضها في عشرات من دور العرض الدرجة الأولى والثانية والثالثة. كما أن المركز كان يقوم بإرسال هذه النسخ للعرض في المهرجانات والأسابيع الثقافية بالخارج. والنتيجة أن معظم هذه النسخ لا تصلح حاليا للعرض، لكنها مفيدة في حالة واحدة هي عدم وجود النسخة الأصلية النيجاتيف أو تلفها. في هذه الحالة يمكن الاعتماد على نسخة بوزيتيف لعمل نسخة رقمية عمرها أفضل، ويمكن طباعة عدد لا يحصى منها.

    ما حدث مع فيلم “أهل القمة” هو أن منتج الفيلم عبدالعظيم الزغبي باعه. ضمن أفلام أخرى، إلى محطة ART خلال تسعينيات القرن الماضي. عندما قامت المحطة بشراء عدد كبير من أصول السينما المصرية.

    وقبل أن استكمل حكاية الفيلم ينبغي أيضا توضيح بعض الأمور هنا. كل من “ART” و”روتانا” و”الشركة العربية” قاموا بشراء عدد كبير جدا من أصول السينما (النيجاتيف وكل حقوق الاستغلال التجاري للأفلام). وقامت الدنيا أيامها خوفا على مصير هذه الأفلام ونوايا هذه المحطات.

    والحق يقال إن الأجهزة السيادية في مصر استجابت سريعا ومنعت خروج أصول هذه الأفلام من مصر. وبالطبع لابد من وجود قانون (أو تنفيذ قانون موجود بالفعل) لاعتبار هذه الأفلام تراثا وطنيا لا يحق لأي كائن ما كان (حتى لو كان مالك الفيلم نفسه) من تدميره أو نقله خارج مصر. وبالفعل معظم هذه الأفلام تم إيداعها في ثلاجة حفظ الأفلام. ويوجد الآن ثلاجة خاصة بالـART وثلاجة خاصة بروتانا.

    سعاد حسني في فيلم أهل القمة
    سعاد حسني في فيلم أهل القمة
    **

    ولكن فيما يتعلق بفيلم “أهل القمة” حدث شيء غريب. فقد استطاع أحد ورثة المنتج أن يحصل على حكم بملكيته للفيلم (غالبا مع أفلام أخرى لا نعلم بالضبط أسمائها أو عددها). وذهب إلى الثلاجة وأخذ الفيلم (غالبا مع الأفلام الأخرى) ولا نعلم ماذا فعل به، لكن الرجل مات ومكان الفيلم مجهول الآن. وحتى ART مالكة الفيلم نظريا لا تملك منه الآن سوى نسخة سيئة عليها ترجمة هي التي تعرض على شاشاتها.

    بقية نسخة الإيداع الموجودة في المركز القومي للسينما. وكما ذكرت تعاني هذه النسخ الأمرين وعشرات “الأمرات” الأخرى. وكثير منها تلف بفعل عوامل التعرية ومرور الزمن. و”أهل القمة” كان أحد هؤلاء الضحايا، فالنسخة البوزيتيف المحفوظة منه تلفت.

    .. ولكن هل يعني ذلك أننا فقدنا الفيلم للأبد؟

    يعلم المؤرخون والباحثون في مجال الأرشيف قاعدة مهمة جدا: ليس هناك شيء مفقود طالما أننا نبحث. وبما أن البحث لا يتوقف فلا يمكن أن نعتبر أن هناك شيئا فقد للأبد.

    وخلال زيارة للأرشيف السينمائي منذ عدة سنوات أخبروني بالعديد من القصص عن أفلام تم العثور عليها بعد عقود من الاعتقاد بأنها فقدت. من بينها النسخة الكاملة لفيلم “متروبوليس” للمخرج فريتز لانج، الذي يعد من روائع السينما الصامتة الآن، والتي عثر على نسخة منه بالصدفة شخص ما في أمريكا اللاتينية.

    لابد إذن من وجود الأرشيف أولا، وفريق من الباحثين ثانيا. وساعتها سنجد فيلما مفقودا كل يوم، بدلا من أن نفقد فيلما كل يوم.

    وللحديث بقية

    اقرأ أيضا

    البحث عن الأرشيف الضائع (1): «أهل القمة».. تلف وضياع

باب مصر