بمناسبة افتتاح معرض الكتاب غدا، ينشر موقع «باب مصر» على مدى أيام المعرض فصولا مختارة من بعض إصدارات دور النشر المصرية. لماذا نلجأ إلى السينما؟ يأتي كتاب «السينما ليه؟» ليُجيب عن هذا التساؤل عبر قراءةٍ تتجاوز حدود التخصصات، كاشفًا كيف يتحول الفضاء العمراني في مصر إلى مسرحٍ حيٍّ للهوية، وكيف تغدو المدينة «سردية بصرية» تتنفس معنا. وعلى ضوء هذه الرؤية، ينسج محررا الكتاب، «عمر زهران» و«طاهر عبد الغني»، خارطة طريقٍ لمجالٍ بحثي ناشئ، تتجاوز فيه السينما دورها الترفيهي، لتصبح أداةً فاعلةً لصناعة الوعي العمراني، وذاكرةً تحفظ التراث من التلاشي والنسيان. اخترنا أن ننشر فصول من الكتاب الذي يصدر خلال…
الكاتب: د. مجيب الرحمن عامر
التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها مجتمع القاهرة، وكذلك التحولات في المشهد العمراني، كان موضوع عدة روايات صدرت بعد العهد الناصري مثل “قالت ضحى” (1985) و”قطعة من أوروبا” (2005). أفاد جيل من الروائيين من المناخ السياسي الجديد في فترة ما بعد ناصر، لاسيما بعد أن تحولت إيديولوجية الدولة التي كانت موجهة نحو الاشتراكية والقومية العربية على يد أنور السادات (1970-1981) وحسني مبارك (1981-2011). *** من بين الروايات الأكثر شهرة ومبيعًا خلال بدايات الألفية، رواية عمارة يعقوبيان (2002) لعلاء الأسواني. وبرغم أن الرواية تستحضر وسط المدينة خلال فترة التسعينيات، فإن الفصول الأولى تناولت تحولات وسط المدينة في العهد الناصري، من خلال قصة…
في تحليلنا لرواية قالت ضحى لبهاء طاهر كنا قد اختتمنا الحلقة الماضية بمشهد يبرز التوازي المتضاد بين محل البن المهجور وبين محل سندويتشات الفول في ميدان “سليمان” حسبما ارتأى للراوي أن يسميه، أما بخصوص تشبيه تجمع الزبائن أمام محل الفول بالمظاهرة فنرى أنه تشبيه دال: فليس الأمر يتعلق بالعدد الكبير فحسب وإنما لفظ المظاهرة هنا ليس ذي صفة سياسية أو اجتماعية وإنما تعبر عن حاجة أساسية: الطعام ولا عجب حيث أن توقف الحياة السياسية في مصر خلال العصر الناصري لم يكن يسمح إلا بهذا النوع من المظاهرات! أما عن أغنية الراديو فاختيارها له دلالة أيضا، “الهوان وياك عزة” هي أغنية…
من بين الروايات التي تنتمي إلى هذه الموجة الأدبية الجديدة، تبرز رواية «قالت ضحى» لبهاء طاهر، التي صدرت عام 1985. طاهر (1935-2022) روائي ومترجم مصري، بدأ مسيرته في الإذاعة المصرية منذ عام 1957، حيث قدم برامج لاقت نجاحا واسعا. أيد بهاء طاهر ناصر وأيديولوجيته. ثم عارض نظام السادات الذي منعه من النشر وأجبره على مغادرة البلاد. عمل في جنيف مترجماً في الأمم المتحدة بين عامي 1981 و1990. أما مسيرته الروائية، فقد بدأت عام 1966 بمجموعة قصصية بعنوان “الخطوبة”. فيما نشر عدة روايات تُرجمت إلى لغات متعددة مثل “قالت ضحى” (1985)، و”خالتي صفية والدير” (1991)، و”الحب في المنفى” (1995)، و”ذهبت إلى…
كنا قد تناولنا في الحلقة (12) انفعالات الأدب المصري بالتجربة الناصرية، لا سيما خروج النخب والأجانب من مصر، واتصال ذلك بقاهرة يوليو. تناولنا بالتحليل رواية لا تطفئ الشمس لإحسان عبد القدوس، وفيها انتبهنا إلى أن الراوي ينقل للقارئ حالة احتضار لأشهر الأماكن التي ارتبطت بالنخب والأجانب: جروبي، المقهى والمطعم النخبوي العريق. والواقع أن راوي لا تطفئ الشمس لم يكتف بتصوير حالة احتضار جروبي فحسب، بل أعلن وفاته فعليا حين ذكر المقهى للمرة الثانية في الرواية، عندما بدأت دائرة الأحداث في الرواية تتقاطع مع دائرة السياسة، تحديدًا في صبيحة اليوم التالي لتأميم قناة السويس. عن ذلك يستحضر الراوي مشاعر أحمد زهدي…
كان للوجود الأجنبي والنخبوي في وسط قاهرة يوليو ونهايته الدرامية تأثيرًا مهمًا على الأدب المصري، لاسيما فيما أنتجه جيل روائيي خمسينيات القرن الماضي. استهدف بعض أدباء هذا الجيل، الذي لم يكن لينفصل عن الاتجاه العام وقتئذ، الأجانب والنخب، ربما مساهمة صادقة من بعضهم في الحملة التي شنها النظام الناصري ضدهم، وربما لارتباط بعضهم بهذا الأخير، كونهم جزءًا من آلة الدعاية الخاصة به. تؤكد ناقدة الأدب مارلين بوث في مقدمة ترجمتها الإنجليزية لرواية “لصوص متقاعدون” لحمدي أبو جليل أن المشروع القومي للحقبة الناصرية كان يسيطر على الأدب المصري لدرجة أنه مازال يلقي بظلاله على المشهد الخيالي (الروائي والقصصي) حتى الوقت الحاضر.…
تناولت الحلقة العاشرة من سلسلة قاهرة يوليو الإجراءات التي اتخذها النظام الناصري ضد وجود الأجانب وكيف أن أغلب هؤلاء غادروا البلاد في رحلة “ذهاب بغير عودة”. كان لخروج الأجانب الأثر الكبير في تغيير مورفولجيا المجتمع المصري، خصوصًا المجتمع القاهري، فضلًا عن التغيرات الاقتصادية. كل ذلك ألقى بدوره ظلالًا على الحالة العمرانية والمعمارية، كما سيتقدم. لكن تجدر الإشارة إلى أن المؤسسات التي أممتها الدولة لم تكن جميعها مملوكة لأجانب، لكن بعضها قد أسستها النخبة ما قبل 1952 – الطبقة الأرستقراطية – ومن ثم كانت عمليات التأميم ثأرًا للعهد الجديد من العهد البائد. تم تأميم المؤسسات والشركات المملوكة للأجانب، ومعظمها كان يقع…
في صبيحة 23 يوليو 1952، انتهى البيان الذي أذاعه السادات باسم اللواء محمد نجيب برسالة مطمئنة للأجانب: «وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم، ويعتبر الجيش نفسه مسؤولاً عنهم». تُظهر الرسالة بوضوح رؤية الضباط الأحرار للأجانب الذين يعيشون في البلاد: فهم «إخوة» يمثلون هوية مستقلة لأن لهم ممتلكاتهم ومصالحهم المنفصلة عن بقية المصريين الذين خاطبهم البيان. على الرغم من ذلك، بدت سياسات دولة يوليو في التعامل مع الأجانب على غير ما جاء في البيان. كان غالبية السكان الأجانب في ذلك الوقت يسكنون ما بين القاهرة والإسكندرية ومدن القناة. وهم منتمون إلى جنسيات مختلفة: اليونانية، والإيطالية، والفرنسية، علاوة على الانجليز.…
تناولنا في الحلقة السابقة من السلسلة كيف تغيرت استخدامات بعض القصور في عهد جمهورية يوليو وكيف تغير وجه ميدان الإسماعيلية (التحرير حاليا) فأصبح يجمع بين نقيضي البناء والهدم. لم تكن القصور والمباني الهامة بوسط المدينة هي التي شهدت تحولات جذرية فحسب، بل أن التحول قد طال أسماء الميادين والشوارع أيضًا. ففي سبتمبر 1954، ظهر للوجود قرار بتغيير أسماء الميادين والشوارع التي تحمل أسماء أفراد العائلة المالكة وكذا الشخصيات التي ارتبط اسمها بعلاقات مع البلاط الملكي أو مع سلطات الاحتلال. وبناءً على هذا القرار، فقد حلت محل هؤلاء أسماء شخصيات وطنية أو تواريخ ترمز لأحداث قومية أو مصطلحات ذات دلالة تعكس…
لم يكن قصر عابدين هو الوحيد الذي خضع لتحولات في الاستخدام، إذ أن هناك قصورا أخرى تحولت فأصبحت إدارات أو مؤسسات تعليمية. وعلى الرغم من أن تقليد تحويل القصور إلى مؤسسات تعليمية، بالأحرى مدارس، بدأ أيام الملكية، كما كان الحال مع قصر الأمير سعيد حليم في وسط المدينة الذي تحول إلى مدرسة في عام 1931، فقد نُسب هذا التقليد لاحقًا إلى النظام الناصري. لكن المؤرخة مرسيدس فوليه تؤكد أن هذه الممارسة أصبحت أكثر انتشارًا في ظل نظام ناصر، الذي شجع على العديد من هذه التحولات في استخدام القصور. بعد عدة عقود، ظهرت حركة النوستالجيا أو الحنين إلى الماضي في مصر،…
