مثلَ طرحِ نموذجِ المرأةِ كفاعلٍ اجتماعيٍّ في روايةِ نجيب محفوظ فعل استعادة لرؤية أفقٍ آخرَ جديد للمرأة، في منظومةِ الجندر والحداثة، كعناصرَ جوهرية تُفسِّر طبيعةَ العلاقات والصلات التي تُشكِّل البنيةَ الاجتماعية. لذا فإنَّ سقوطَ المرأةِ، المُوحِلَ في الإنسِ والخطيئة، ليس «جِينةً» طبيعيةً في التكوينِ الإنساني، ولا ملكيةً متفرِّدةً تخصُّ المرأة، ولكنه برهان وانعكاس للانهياراتِ والمآزقِ الاجتماعية التي طالت الطبقةَ الاجتماعية آنذاك. وإن انسحاقَ قيمِ الحريةِ والعدالةِ والكرامةِ هو صدى للسقوطِ الساحق الذي حاقَ بفئاتٍ وشرائحِ البرجوازيةِ الصغيرة، في ظلِّ اختيارٍ تاريخيٍّ لتبعيةٍ كولونياليةٍ وافدة. كل ذلك، ربما، أفسح مساحةً عريضةً تتسع لاستبصارِ المأساةِ النسوية في أنماطِ شخصياتِ نجيب محفوظ الروائية،…
الكاتب: عبد العزيز السباعي
ذات يوم، راجت صيحة بعض الأدباء الشبان: «نحن جيل بلا أستاذ»، تعبيرا عن التمرد والخروج عن المألوف، غير أن تلك الصرخة تبددت في الخلاء، حيث خلت من أي أصداء واسعة المدى. فكافة العصور والثقافات أدركت علاقة المعلم بالمريد والمتلقي، فالصلة المعقودة ليست التبعية والخضوع، ولكنها صلة الندية والحوار. هكذا كان عصر العميد: تلاميذ صاروا صحبة في الجامعة، وآخرون مجاورون خارج الجامعة. ففي كتاب «ذكرى طه حسين» لسهير القلماوي، تروي: «واستعير عنوان هذا الكتاب منك «ذكرى أبي العلاء»، فكم أخذت عنك في حياتك، وكم سأظل آخذ عنك ما حييت، فما أنا إلا كتاب من كتبك». وفي مطالعتها لكتاب «أحلام شهرزاد» استعادت…
في صباي، صار الشغف بالفانوس السحري وصندوق الدنيا وكافة الأشياء المماثلة والمبهجة، نافذة إطلالتي على دنيا “الخيالة”. مفردة طالتني طويلاً في كتاب المطالعة وفي الإنشاء والبيان، حيث صارت لدي بمثابة مملكة الحواس، تسرني وتبعث في روحي النشوة والبهجة والمتعة، تبثني الخيال والرؤيا وتملأني بالسحر والدهشة. وقتها، شملتني غواية السينما، حيث الصالات والممرات ذات الدرج، أشبه بأروقة رحبة ألفتُ المضي إليها والافتنان بها، فيبهرني السكون والأضواء الخافتة بظلالها المترامية، ويستغرقني نفس الخفق، نفس الأطياف، نفس الوهج. آنئذ، تلمستُ صالات السينما المجاورة لضاحيتي، حيث تكاثرت دور سينما الدرجة الثالثة “الترسو” التي ميزت عديد من الأحياء الشعبية. حيث خايلت عيني طويلاً الأفيشات البديعة…
مات سيد درويش في 15 سبتمبر 1923 في منزل شقيقته بمحرم بك. مات وفي فؤاده تلال الرؤى والمنامات. فما زال يذكر أغنيته: “باردون يا ونجت.. بلادنا خربت”، كلمات من رصاص لصدر المندوب السامي البريطاني. ويذكر في ثورة 1919 يوم أن ركب حنطوراً بصحبة بديع خيري ونجيب الريحاني وحسن فايق. يومها صعد سيد درويش فوق كرسي العربجي في ميدان عابدين وغنى: “يا مصر ما تخافيش.. دي أمورهم دي تهويش.. إزاي يقولوا مفيش حرية ولا استقلال”. *** لقد عرف سيد درويش عيادة الدكتور علي حسن بالباب الجديد، حيث كانت مقرا للاجتماعات الوطنية لتنظيم المظاهرات والاضطرابات أثناء ثورة 1919 واستهل نشاطه بتلحين عدد…
طيلة أعوام مضت، كان قد تراكم لدي عدد هائل من الصور المتنوعة والنوعية، حيث غمرني الهوى بالصورة، وكتبت عن رحلتي عن تلك التجربة، حيث عبرت عن الافتنان بالصورة التي مثلت لدي وقتها سحراً ونشوة جارفة. وبعد حقبة طويلة من غواية “مراهقة الخيال” عزفت عن تلك اللذة، حيث لاح لي تصور آخر ورؤية أخرى خالفت الاعتياد، بالولع بالصورة، حيث أعدت إدراك العلاقة بين الصورة والذات، المحيط الاجتماعي والكون. ففي سياق التأملات التي تخص الصورة والتي راودتني طويلاً، أذكر الصورة الأولى في الاستوديو، ربما في الرابعة من عمري جالساً على منضدة مستديرة، ارتدي جلابية مخططة في دهشة وغرابة، مثلما كافة الصور التي…
لا يخفى على أحد ذكر تردد المرأة، بتعدد ألوان الطيف وتنوع كافة الشرائح الاجتماعية، على السوق عبر أزمنة طويلة، حيث لازمت طرق هذا الطقس اليومي، الذي صار ملمحاً اجتماعيا، يمثل فعلاً وظيفياً، ودوراً في الحياة، ملاصقاً لمتعة التسوق، حيث صارت المرأة مأخوذة بالفرجة واصطياد ما يروق لها من سلع متنوعة، في هوس وسعار لافت. وصار اكتظاظ السوق بنماذج بشرية عديدة شملت كافة الطبقات من النساء، باباً مفتوحاً للثرثرة والحوارات المثمرة أنا ودون جدوى وهزيلة أنا آخر، فالسوق ساحة للكلام بين البائع الذي يبغي ترويج سلعته بأثمان باهظة، والزبون الذي يأمل في بضاعة بثمن زهيد، وكثيرا ما تنشب المحاججة بين النساء…
ربما أفلح المصريون القدماء في الولع بتدابير خاصة السكن في ديار الخلود الأبدي بعد مفارقة دور الدنيا، حيث صرفت أرواح الموتى ما أدركها من بزخ زائف بالحياة، ورحلت بصحبة زاد زهيد تمثل في ملكية هزيلة لبعض من قدور وآنية وأبسطة ضئيلة. حيث أعلنت عن يقين بالاستغناء عن طرف عابر، ولازمت ما يسري عن الروح في العزلة المبهجة، وتبدد ما يحوط الوجود من وحدة موحشة. في أعقاب عصور مديدة، شابهت أنسابا ممتدة لتلك الأسلاف، سكنت بيوت الشوارع الخلفية والمتسعة قليلاً وما ضاقت به من حواري وأزقة معتمة جموع من الناس التي لا تعرف سوى الغبطة والسعادة ومشيئة الله. فصارت تكترث بتجدد…
حينما ترددت في ذاكرتي عبارة مُعلم اللغة العربية: “اكتب ما يملى عليك”، في حصة الإملاء، راودتني مشاعر رفدت بمعان أبرزت قيمة إتقان الخط وتحسينه، حتى صار تعبير “حسن خطك” من العبارات المألوفة لدي. وأن هذا الفعل، يمثل أداء فني راقٍ، وليس محض علم وفقط. وأن تسَّلمنا كراسة لخط الرقعة وأخرى لخط النسخ، كان ذات دلالة؛ وأن نشهد آنذاك مفتشاً للخط، وكتابة مُعلم الموسيقى لبيت من الشعر على السبورة بخط بديع ننشده معاً حيث اكتسب تفرداً نوعياً. وقتها ادركت فضيلة الكتابة بخطوط فاتنة تتميز بالجلال عبر مطالعتي لعديد من الكتابات المخطوطة. تردني الذاكرة لتأملات تخص طوائف الخطاطين عبر العصور، في تحدٍ…
لا بدّ أن نفحص طويلاً نمو الشغف الذي طرأ على الدراسات والبحوث التي تناولت منظومة المدينة في الآونة الأخيرة، سواء بشكل أدبي، فني، علمي؛ لنقرأ مسيرة وسيرة التمدين والعمران في حقب النشأة والتكوين، مرورا بالأطروحات الراهنة في عصور الحداثة، نحو إنتاج مفاهيم ثقافية ومعرفية متفردة، لاستبصار وجوه المدن النوعية والمتعددة، المعلنة والخبيئة، حتى نعرف أننا تواشجنا مع ناصية النهضة والحضارة ذات يوم، أم أن تلك التقاطعات لم تحدث قط، وظلت كائنة في دائرة الأدبيات والأفكار التي أدركها التاريخ الاجتماعي والثقافي، ولم تتجسد في مجتمعات أو تتحقق في الواقع الثقافي. لقد برز أخيرا الاكتراث بموجات التفاصيل الدقيقة لعناصر التحديث، ما أعادني…
لقد صار ذكر مفردة «الميدان»، استدعاءً لمعانٍ عديدة وعلامات نوعية، تحمل أكثر من دلالة، وتعلن عن قيمة رمزية أو صدى لأحداث ووقائع ذات تمثلات في الواقع. لذا، صار جزءا من الكون، وفضاءً علنيا تحلق بأجنحته جماهير غفيرة، كساحة للتعبير والتحرر، وقلب المدينة الذي يخفق بحكايات ومرويات الكفاح والنضال عبر العصور. كل ذلك أكسب الميادين صوراً وأشكالاً من البوح، عكست التطورات السياسية والاجتماعية التي استغرقت التاريخ الاجتماعي والثقافي لمصر. حيث أفصحت عن مشاعر وانفعالات حاسمة، اصطحبت بأرجاء البلاد، والتمعت بآفاق مصر المحروسة، حيث تلاشت آفة النسيان التي تطوق الذهنية العربية دائماً. *** ومن الملامح التي وسمت الميادين اتساعها واكتظاظها ببشر لا…
