الكاتب: عبد العزيز السباعي

عبد العزيز السباعي

عبدالعزيز السباعي ناقد وباحث يعيش في الإسكندرية.

بعد أن صمتت المدافع بقليل، نشبت معارك ضارية في بؤر عديدة، وجرت وقائع وأحداث مريرة، حيث شهدت مدينة السويس وبور فؤاد قصفا داميا أسفر عن استشهاد عدد هائل من المدنيين، ودمار عدد من المنازل والمستشفيات والمساجد، واعتقال قوات الاحتلال عدداً من رجال التعليم في الضفة الغربية احتجاجاً على بعض المقررات المناهضة للصهيونية في الكتب المدرسية، ورداً على ذلك، شهدت عموم الضفة الغربية سيناريوهات الاضطرابات التي عمت الضفة، وقتها، تعززت أعمال الدفاع المدني، حيث احتلت الوقائع التي شملت طلاء زجاج النوافذ ومصابيح السيارات باللون الأزرق، والاستحكامات الأمنية من مخابئ وخنادق وغيرها، ونداءات “طفي النور يا وليه”. *** علاوة على ذلك، فرض…

قراءة المزيد

نشرت مجلة «الكشكول» في 4 ديسمبر 1936 مقالا معنونا «عندهم وعندنا»، نسب فيه إلى البرلمان المصري، الذي يملك إسقاط الوزارة بسحب ثقته منها، أنه يستسلم دائما لرغبات الوزارة ويحقق مطالبها في أسرع من لمح البصر، ويقر المعاهدة التي أتت بها هذه الوزارة، رغم ثقته من أنها كبلت الأمة بقيود العبودية إلى الأبد، وحدَّت من استقلال البلاد وحريات أبنائها. وذهبت المحكمة في أن المقال لا يخرج عن كونه نقدا لمجلس النواب في تسرعه في إجابة الحكومة إلى كل ما تطلبه، وبنوع خاص في إقرار المعاهدة بين مصر وإنجلترا، وكان طبيعيا أن ينتقد كل مصري مشروع المعاهدة وأصحاب الشأن. ومن حيث إن…

قراءة المزيد

منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي، ذاعت ظاهرة النزوح الطوعي خارج تخوم مصر. ولا أعرف أن أوطاناً أخرى، سواء في منطقتنا العربية أو في أوروبا قد شهدت هذا المسار، غير أني أدري أنها كانت حالة غير مسبوقة من قبل في عالم المدينة، حيث اعتاد المصريون القبض على جذور النشأة حتى الموت في ترابها. فالفلاح يسكن مع بهائمه ويجري حواراً معها وكأنها كائن مماثل له. وقد صور توفيق الحكيم ذلك في رائعته “عودة الروح”، وكذلك عبد الرحمن الشرقاوي في “الأرض”، لأن النماذج البشرية التي صورها نبتت من رحم القرية وعاشت مآسيها ومباهجها. وإن كان يوسف إدريس قدم لنا في “النداهة” نموذجاً…

قراءة المزيد

عرفته في بواكير الألفية، يوم أن شغل منصب مدير المركز الثقافي الروسي بالإسكندرية، ومثقفا بارزا من عشاق المحروسة يسعى باحثا عن أوجه التمازج بين ثقافات الشعوب. ألهمته دراسة التاريخ العربي الحديث والمعاصر في جامعة موسكو في معهد بلدان آسيا وإفريقيا، السباحة في فضاء الجغرافيا، فيطرق خرائط الدنيا، حيث كان شغفه الأول تاريخ بلدان الشرق الأدنى والأوسط، فضلاً عن اللغات الشرقية، خاصة اللغة العربية وتاريخ الأقطار العربية. نال دبلومة عن أوضاع الطبقة العاملة في المرحلة الناصرية (1952– 1970)، وتمحورت رسالته في الدكتوراه حول تكوين الطبقة العاملة المصرية، وإدراكه بأن الطبقة العاملة هي العمود الفقري للنظام الاشتراكي، والتي ظلت دائما الطبقة الكادحة…

قراءة المزيد

ربما أدركنا شغف السؤال عن ماذا خسر الإسكندرانية بعزل قطار «أبو قير» من الخدمة نهائيا في انتظار المترو الواعد كبديل لقطار ضواحي المسافات القصيرة الذي عرفناه منذ الصبا، كحافلة ركاب متهالكة، موسومة بالبطء والتعطل دوما، تبعث على الضجر والسأم، وتُسر بروح أخرى خلاقة في آن. تمثل ذلك في انبعاث عديد من صور ومشاهد تعبر عن وجه من وجوه الحياة الاجتماعية في زماننا. فحين ينهب القطار الشريط الحديدي، مارا بمحطات صغيرة، طاله على أنحاء وأرجاء شعبية تموج بالضجة والصخب، تشبه ما يحمله القطار من وجوه بسطاء احتشد بها لتعلن عن شجون وأوجاع دامية، القطار متسع قليلاً، تنبسط بضفافه مقاعد معدنية طويلة،…

قراءة المزيد

لابد أن تطوقني مشاعر الفقد، حينما شهدت الإسكندرية التي عرفها العابر والمقيم، ذات ملامح وقسمات متوجة بالأصالة والعراقة، موسومة بسحر وجلال أخاذ عبر عهود عديدة. أفصحت في الآونة الأخيرة عن اضمحلال وذبول طال كل زاوية مضيئة من ربوع المدينة، بفعل استباحة يومية، حيث استوطنت مشاعر الغربة والعزلة عديد من عشاق الثغر. وما روجته المنابر الرسمية من تدابير أعلنت عن تجميل وإعمار البنايات العتيقة والأحياء الراقية، وشوارع الأسفلت الملساء، وإحياء أطلال قيد الاندثار، تدرك جيداً أن ما يحدث ليس سوى تهذيب زائف. *** اجتاحتني تلك التأملات إثر ما جرى لبعض أماكن الترفيه والمتعة التي ظلت معطلة زمناً طويلاً، مثل المقاهي والكازينوهات…

قراءة المزيد

مثلت دار الكتب، منذ تأسيسها مرورًا بعقود عديدة، منارة حضارية أثرت الحياة الفكرية والثقافية في مصر؛ وليست محض خزانة لنفائس الكتب والمحفوظات آنذاك. أسهمت قامات شامخة من المفكرين والأدباء بأدوار فذة نحو تشييد نهضة فكرية نابضة في كافة أرجاء المحيط العربي والأوربي في آن واحد. *** وفي عصر الخمسينات، شهدت الدار نماذج أخرى مجهولة، خاضت مهمة استكمال مسيرة هذا الزخم نحو انبعاث آخر. برهنت على ذلك رسائل محمد الأمير “أمين مكتبة” بدار الكتب الملكية بباب الخلق. وعمل أيضا في آونة أخرى أمين مكتبة الخرطوم بمكتب الخبير الاقتصادي لمصر بالخرطوم. مثلت تلك الرسائل “دفتر أحوال”. أبرزت طبيعة الأجزاء الثقافية في مصر…

قراءة المزيد

في 30 مايو 1909، حضرت إلى محافظة مصر بنت تركية تسمى عزيزة بنت عارف وأبلغَّت بأن محمد شكري وحسن خليل البرنسوز وشريفة بنت علي قد تحايلوا عليها وعلى أربع بنات تركيات غيرها، وأحضروهن من «إسلامبول»، حيث أوهموهن بإدخالهن خادمات في المنازل الكبيرة أو تزويجهن بعائلات شريفة. وأوضحت أنها عند وصولهن إلى الإسكندرية نزلوا بهن في لوكاندة محمد راشد، وهناك عرضن للبيع لبعض العاهرات ولأشخاص آخرين كانوا يترددون على تلك اللوكاندة للغرض المذكور. ولما لم يجدوا في الإسكندرية من يشتريهن سافروا بهن إلى مصر، حيث عرضوهن على أشخاص كثيرين بواسطة سماسرة. وأخيراً، أخذوا لهم بيتاً أقاموا فيه مع ثلاث بنات منهن،…

قراءة المزيد

في ظل ما يجري الآن على ساحة المقاومة والصمود، يبزغ تاريخ طويل وممتد من إرث ثقافي، تمثل في زخم من ثقافة مناضلة سادت عبر عقود مديدة، عبرت عن صحوة نابضة تهدد بجسارة وجدارة في تجذير واقع الكفاح والنضال. حيث تصدرت صور ومشاهد البسالة رموز مضيئة من المفكرين والكتاب، تحمل تحديات مركبة، فتطرق طرائق عديده من التعبير، وتجهر بزادها من الكلمة والسلاح؛ نحو تجدد وازدهار الحياة. وكأن اقتسام المأساة، قدر المثقف، عاشها، وكتبها غسان كنفاني وإميل حبيبي وسحر خليفة وإلياس خوري وإبراهيم نصر الله حيث تواشجت الينابيع والروافد. “مجرد أن قالوا لي إنني قد مُت، وإن علي أن أدفع مائة ريال…

قراءة المزيد

إن الظن بأن الستار سينزل يوما على الحرب الدائرة في غزة الآن هو ضرب من الحمق والجنون، لأن الشعب الذي حفر في الذاكرة عبر عقود طويلة مأساته وأزمته، أراد أن يدَّون انتصار الحياة والإنسان، وأن الرحلة مصيرية ولا أجد بمقدوره أن يحدس بالخواتيم، فهي رحلة ناجي العلي وغسان كنفاني وإدوارد سعيد ومحمود درويش وسحر خليفة وفدوى طوقان. كل ذلك أثمره بزوغ الوعي التاريخي بأن الموت هو الذي صنع للحياة قيمة ومعنى. وأن مراعى القتل منذ النكبة إلى الآن أثمرت أزهارا وخناجر، أدمت خاصرة النظام العربي بأسره طيلة حقب وأزمنة عديدة. لأن الأروقة المكيفة التي شهدت كل الكوارث التي حلت بشعب…

قراءة المزيد