الكاتب: عبد العزيز السباعي

عبد العزيز السباعي

عبدالعزيز السباعي ناقد وباحث يعيش في الإسكندرية.

عندما صمتت المدافع على خطوط النار، جرت على الساحة الاجتماعية معارك أخرى ملأت الدنيا وشغلت الناس وعركتها، وشملت حقول الثقافة بأسرها. وتمترست في ميادين الفن والأدب وكشفت عن نزعات متضاربة شهدت قتالا آخر طال كافة مواقع المجتمع. وأسفرت عن انتصار الجبهات المضادة آنذاك ضد جبهة احتشدت لمقاومة تيار الإسفاف والابتذال الذي نال من قوى طليعية حملت راية الأمل في التغيير والتحول في كافة المجالات. *** أبلغ تلك الأحداث الخطاب الذي أرسله الكاتب قاسم مسعد عليوه من الجبهة في أكتوبر 1973، حيث يورد: “أكتب الآن من مكان محاط بالقنابل الموقوتة، بعضها انفجر وبعضها لا يزال كما هو، جنديان بالخارج يقومان بتفجيرها،…

قراءة المزيد

في عام 1948، نشأ إلياس خوري في جينو «اللد» – قريته المطوقة بالأسلاك الشائكة، حيث شهد النكبات والمآسي الدامية. غير أنه كان بمقدوره أن ينسف تلك الوحدة والعزلة ليشيد عالماً شاهقاً من الصلات والتقاطعات مع مشاهد ووقائع جرت آنذاك، وألمت بواقع اتسع لكل ضروب العذاب الإنساني. تأججت مشاعره وانفعالاته ليكون جزءا من حياة الآخرين، يكتبها ويعبر عنها بصورة موحية وبالغة العمق؛ عبر ذاكرة مفتوحة تسرب كافة تفاصيل الحياة التي عاشها، حيث قرر أن يملأ الفراغ بالفراغ، ولم يكن هذا ممكناً من دون الإطار المصنوع من ذكريات الآخرين وخيالهم. “أنا مجرد راوٍ لما شاهدته وعشته، إن عالم الحكايات هو العالم الحقيقي،…

قراءة المزيد

في صبانا، حينما أشرفت نشرة أخبار المذياع على الختام، أصغينا إلى ما يفيد «أن مقياس النيل بالروضة قد سجل ارتفاع النيل…» حيث عرفت بجزيرة المقياس أو دار المقياس، وعرفت أيضا بجزيرة الفسطاط، وجزيرة الصناعة، حيث كانت منشأة لصناعة السفن، وأخيرا جزيرة الروضة حيث زخرت بالحدائق والبساتين التي حفلت بالأشجار والأزهار، وازدهرت العمارة آنذاك، فكانت البنايات والقصور تطل على النيل في زمن الوزير الفاطمي أمير الجيوش بدر الجمالي. آنذاك تضافرت الجزر التي تدنو من الروضة، فشهدت الأنحاء والروافد المجاورة، مثل المنيل والزمالك وبولاق، وصارت وقتذاك متنزهاً للناس من كافة الشرائح الاجتماعية. وشيد حسن باشا المناسترلى قصرا شاهقا بها، حيث شغل محافظ…

قراءة المزيد

حينما شغفت بالطوف في ميدان محطة الرمل، بوسط المدينة، كانت غوايتي التنزه والاكتشاف في آن. حيث طوقت ذاكرتي أسماء الشوارع والميادين في تلك الأرجاء، وحيث سحرتني الحدائق التي تدنو من تلك الأنحاء. وفتنتني بيوت الأزياء الراقية شكوريل، هانو، صالون ڤيرالتى قطنت الشوارع الرحبة، “سعد زغلول” و”شريف” نموذجا. والكازينوهات والملاهي المطلة على الكورنيش، اتينيوس، ديليس، اكسليور وميرامار. آنذاك، اعتدت تأمل مفردة “سابقا”، والتي ما زالت تحملها بعض لوحات معدنية تتصدر ناصية الشارع. تلك الشوارع التي مررت بها مرارا، طلت كطيف لا يبارح روحي، لأن أركانها ضمت علامات عريقة لم تتبدد. فمنزل الشاعر اليوناني كفافيس ما زال كائنا بشارع ليبسوس “سابقا”. تجاوره…

قراءة المزيد

تميز شارعنا الذي نسكنه وشوارع الأنحاء التي تدنو منه، بالبيوت الخفيضة، طابق أو طابقين. وكذا الڤيلات الأنيقة المتناثرة ذات الأبواب الحديدية المطرزة. مطوقة بحدائق رحبة تكاثفت كائناتها حتى كادت بناية الڤيلا نبتة صغيرة وكأنها جزء من الطبيعة. بدت الحدائق تزخر بالنباتات والورود والأزهار واكتست بالعشب حق شملتها النضارة، محاطة بأسوار واطئة، رشقت إفريز السور، قطع الزجاج الحادة المنكسرة، مخافة تهديد الأشقياء من أبناء الشوارع الخلفية المجاورة. حيث غمرت تلك الأرجاء الناصعة الهدوء والسكون. وفي صبانا، كنا نظن أن تلك الڤيلات لا يقطنها أحد. سوى الأشباح وحيث كنا نلتقط زهرات الفل والياسمين التي تساقطت على الأرصفة المحاذية للڤيلات. وليس سوى رجل…

قراءة المزيد

كانت علاقة مثقف يوليو بالمناخ السياسي والاجتماعي آنذاك أشبه بحالة المد والجزر، علاقة تغشاها الأنواء والأعاصير في ذات الوقت الذي صار فيه المبدع والمثقف بوقًا يبث آمال الثورة وفعالياتها أو مايسترو ينظم حركة المرور الثقافي والقارئ في مصر. فرغم أن المثقف استطاع أن يخلق حالة من الشجن الوطني والعاطفة القومية لدى المتلقي في جميع المجالات: الرواية والشعر والمسرح، إلا أن الفعل الوجداني صار أشبه بموجة وحيدة كاسحة تنفى الموجات الأخرى. ولم تتح الفرصة لانبعاث موجات ثقافية وفنية أخرى منفردة ومخالفة.. فكتالوج الثورة لم يسمح ببروز وظهور تيارات أخرى مغايرة للباترون الرئيسي في الشأن الفكري والثقافي. لذا ساد لدى مثقف يوليو…

قراءة المزيد

اعتدنا في عطلة الصيف المديدة، أن نمضي وقت الفراغ بالعمل باليومية في العديد من المصانع والفابريكات والورش. حيث انتسب عدد كبير من صبية المدارس لشغل كثير من وظائف الأنفار بعد موسم طويل من الدرس. فلم نعرف الرفاهية في شواطئ الاصطياف أو التنزه في الحدائق أو بهجة الأمسيات الشاعرية سوى السينما. بل كان الكد والكدح هو مصيرنا، لنتكسب في ختام اليوم قروش زهيدة. ننفقها في عطلة الأسبوع في تذكرة سينما درجة ثالثة لنشاهد فيلمين في بروجرام واحد. حيث تسحرنا أفلام الأكشن “الولة وزميله”. وطيلة تلك العطلة، تصادف أن البعض من هؤلاء الصبية، أكمل في العمل طوال حياته وهجر المدرسة. حيث صار…

قراءة المزيد

مثُل حسونة حسن وشعبان حافظ وفاسيلى كوتى أمام القضاء بمدينة الإسكندرية بتهمة نشر أفكار ثورية مغايرة لمبادئ الدستور الأساسية في المملكة المصرية علنا. وذلك بطبع منشورات ثورية وتوزيعها في ليلة أول مايو 1930 ولصقها على حوائط المدينة في الشوارع العامة يحبذون فيها نظام الحكم السوفيتي. ويحضون العمال على اعتناقه على أنه أفضل النظم الاجتماعية التي تكفل سعادتهم. وحوى المنشور بيانا عن تاريخ الاحتفال بأول مايو باعتباره عيدا للعمال. وأردف المنشور أنه لابد لطبقة العمال في مصر أن تحتفل بهذا العيد العالمي مقدمة فيه مطالبها كسن تشريع للعمال والاعتراف بنقابتهم. وتحديد ساعات العمل والضمان ضد الشيخوخة والأخطار ومساواة أجور العمال الوطنيين…

قراءة المزيد

لاشك أن منظومة التثاقف لدينا لابد وأن تستلفت انتباهنا لسقف تعاطينا لظاهرة الأزياء لدينا كصنف ثقافي ومقوم أساسي من مقومات ثقافتنا. وعلى وجه التحديد الزي الشعبي في مصر.. كأحد مظاهر فنوننا وثقافتنا الشعبية.. لذا، فإن تأملنا لحال الأزياء لدينا الآن لابد وأن يدفعنا لمحاولة فهم ومعرفة ما الذي يجري الآن في ساحة الأزياء كملمح من ملامح ثقافتنا. ولابد أن يدفعنا لاستبصار الحالة الثقافية لأزياء الشعوب الأخرى. حيث نجد أن هناك سمات وقسمات أساسية ودينية لأزياء الشعوب تعكس هويتها الثقافية.. وتمثل مرآة لتفردها الثقافي والفني. فضلا عن أنها تظل مكونا ضروريا من المكونات الثقافية والتراثية والفنية.. ولابد أن يدفعنا ذلك للتساؤل…

قراءة المزيد

ظلت باريس حلم القوافل المصرية الثقافية والفنية.. في الثلاثينيات والأربعينيات حيث هبطها آنذاك عديد من المفكرين والمثقفين والفنانين من أرجاء العالم. وسافر إليها العديد من عشاقها من المفكرين المصريين لتشملهم لذة الانبهار بمدينة النور. مأخوذين بالحالة الباريسية حيث كان دافعهم الغالب “الصنعة” التي عرفوها عن باريس، وباعثهم الجوهري، الدراسة الأكاديمية. فضلا عن اللهو الخفي في باريس. *** كان هذا هو حال البعض الكثير الذي حط بالمدينة محتشدا بالفضول، شغوفا بوميض المدينة.. بسحرها، يعنيهم المركز أكثر من الهامش والمحيط.. والظاهر أكثر من الباطن. هكذا كان رفاعة الطهطاوي في رحلته الباريسية في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز).. وفعل طه حسين ومنصور…

قراءة المزيد