باب مصر

الكاتب: هبة معوض

  • د. بسمة سليم: مصر الجديدة تملك هوية بصرية فريدة يجب إدراجها على خريطة السياحة

    د. بسمة سليم: مصر الجديدة تملك هوية بصرية فريدة يجب إدراجها على خريطة السياحة

    التراث ليس مجرد مبانٍ قديمة أو شواهد تاريخية، بل هو حكاية مجتمع وهوية أمة وذاكرة مدينة. في كتابها «التراث الثقافي غير المستغل وأثره على تنمية السياحة المستدامة في هليوبوليس»، تسلط د. بسمة سليم، مديرة قصر البارون إمبان بوزارة السياحة والآثار، وباحثة دكتوراه في الدراسات التراثية والمتحفية بجامعة حلوان، الضوء على واحد من أعرق أحياء القاهرة وأكثرها تفردًا، وهو حي مصر الجديدة، الذي يعد لوحة عمرانية وثقافية نادرة.

    الكتاب لا يكتفي بتوثيق تاريخ المكان، بل يكشف أيضا عن الفرص الضائعة لإحياء هذا التراث وتوظيفه في التنمية الثقافية. وبين صفحاته تتجلى خبرة المؤلفة كمتخصصة في الآثار وإدارة التراث، لتقدم رؤية نقدية تدعو لإعادة التفكير في علاقتنا بماضينا وكيفية استثماره في صناعة المستقبل.

    في هذا الحوار، نفتح مع الكاتبة ملف هليوبوليس كرمز للتراث غير المستغل، ونناقش معها تحديات الحفاظ على الهوية وسط التغيرات العمرانية السريعة، وفرص تحويل التراث إلى مورد حي يسهم في تشكيل وعي الأجيال القادمة.

    • لماذا اخترتِ موضوع التراث الثقافي غير المستغل تحديدًا ليكون محور الكتاب؟

    كان الكتاب في الأصل رسالة الماجستير التي أنجزتها عام 2017 بجامعة السوربون في باريس. خلال تلك الفترة كنت أعمل مفتشة آثار في قصر البارون، وأجريت العديد من الدراسات حول القصر ذاته وحي مصر الجديدة. ومن خلال عملي في القصر تعرّفت على منشئه، وكان يؤلمني كثيرًا أن أرى الآثار والمباني التراثية غير المستغلة. على الرغم مما تحمله من قيمة فنية وتاريخية عظيمة.

    كنت أحلم بربط التراث المصري بمصر الجديدة بسياحة الترانزيت، نظرًا لقرب بعض المواقع الأثرية والتراثية بها من المطار. فقد كنت كثيرة السفر، وخلال فترات الترانزيت كنت أحرص على استكشاف الأماكن القريبة. غير أن ضيق الوقت كان غالبًا ما يحول دون ذلك.

    أما بالنسبة لحي مصر الجديدة، فكنت أشعر دائمًا بأنه غير مستغل رغم ما يتمتع به من إمكانات هائلة في مجال التراث الثقافي. فالتركيز السياحي ينصب عادة على الآثار الكبرى، مثل الأهرامات أو المواقع الأثرية القديمة عمومًا، وحتى الآثار الإسلامية. بينما يهمل تراث العصر الحديث في مصر. وقد كنت أقارن ذلك بما شاهدته في رحلاتي إلى باريس أو ألمانيا. حيث يحظى تراث العصر الحديث هناك بزخم واسع. ويتم إعادة توظيف الكثير من المباني والقصور لخدمة السياحة. هذا التفاوت هو ما دفعني إلى البحث في موضوع التراث غير المستغل.

    • ما رؤيتك حول استغلال التراث الثقافي في مصر؟

    أكثر ما يميز مصر هو أنها تمتلك آثارا فريدة، وعلْم المصريات الذي يخصها وحدها، وهذا بطبيعة الحال يجب أن يكون محورًا رئيسيًا نوجه إليه السياحة. لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن نغفل وجود كنوز تراثية أخرى، خاصة التراث الحديث، الذي عقدت من أجله مؤتمرات ومعاهدات. كان الهدف منها استغلاله وترويجه ووضعه على الخريطة السياحية.

    ومن هنا جاءت رؤيتي وقت إعداد رسالة الماجستير بضرورة التركيز على المدن التراثية مثل مصر الجديدة ووسط البلد والمعادي والزمالك. حيث سجل الكثير من مبانيها في قوائم جهاز التنسيق الحضاري (المباني التراثية ذات الطراز المميز).

    ومصر الجديدة تمتلك ما نطلق عليه التراث الحضري. وهو نوع من التراث الذي يمتلك خصوصية تجذب سياحة مختلفة، نظرًا لما تحمله هذه المناطق من نظم معمارية وحضارية متفردة. ومن ثم نحن بحاجة إلى توجيه السياحة، الداخلية والخارجية، نحو هذه المناطق. للتأكيد أن مصر لا تقتصر فقط على الآثار القديمة أو اليونانية والرومانية أو الإسلامية. بل لديها أيضًا تراث العصر الحديث، الغني بالزخم الثقافي والمعماري.

    ***

    لقد شهد القرنان التاسع عشر والعشرون طفرة معمارية كبرى. حيث بدأ التطور المعماري العالمي يأخذ مسارات جديدة، مثل أسلوبي “الآرت ديكو” و”الآرت نوفو”. وكان لمصر نصيب وافر منها. فقد جاء كثير من المعماريين المصريين والأجانب – من الإيطاليين والفرنسيين وغيرهم – ليتركوا بصمتهم. ما جعل مصر غنية بالطرز المعمارية المتنوعة.

    ومن المهم أيضًا أن نسلط الضوء على هذه المرحلة، وأن نبرز كيف أن مصر في فترة من الفترات فتحت أبوابها للعالم. تستقبل معماريين من شتى الجنسيات ليطبعوا عمرانها بروح بلادهم. وتُعد مصر الجديدة نموذجًا فريدًا لمدينة كوزموبوليتانية متعددة الثقافات. ومن أندر الأحياء التراثية في مصر التي تحمل هذه الصبغة العالمية المتميزة.

    غلاف الكتاب
    غلاف الكتاب
    • هل غياب الأثريين عن دوائر صنع القرار يُعد من أسباب قلة استغلال التراث الثقافي في مصر؟

    على العكس تمامًا، نحن كأثريين لسنا غائبين عن دوائر صنع القرار إطلاقًا. بل نسعى دائمًا لأن نكون حاضرين وفاعلين، ولسنا وحدنا في ذلك.

    وهذه النقطة يركز عليها الكتاب بالأساس، إذ يتناول دور أصحاب المصلحة في مسألة عدم الاستغلال. الفكرة أن وجودنا كان قائمًا، لكن كل جهة كانت تعمل بشكل منفرد. هذا ما لاحظته أثناء إعداد الرسالة، أما الآن فقد تغير الوضع للأفضل. حيث بدأت تتشكل رؤية أوضح تقوم على اجتماع جميع أصحاب المصلحة من مختلف الجهات. بهدف الخروج بمشروع متكامل يأخذ في الاعتبار كل وجهات النظر. حتى لا يحدث خلاف أو إقصاء لجهة معينة. وهذا ما يجري في مصر حاليًا بشكل ملحوظ.

    لكن، عندما كنت أكتب الرسالة، كان هناك نقص واضح في التنسيق بين الجهات. إذ لم يكن هناك تكاتف حقيقي لإطلاق المشاريع بشكل جماعي على طاولة التنفيذ. أما الآن فالأمر مختلف، ونحن كأثريين وصناع قرار موجودون على مستوى مختلف القطاعات. ونعد من أهم العناصر في صناعة القرار.

    وأقرب مثال على ذلك أنه في فترة إعداد الرسالة لم يكن قد جرى ترميم قصر البارون أو قصر السلطانة ملك. بينما حاليًا تمت أعمال الترميم بنجاح. وكل فريق عمل أدى دوره بما يضمن الحفاظ على السمات التراثية والثقافية والمعمارية الفريدة لتلك المباني.

    • هل ما زالت هليوبوليس محتفظة بهويتها التراثية، أم أن هناك تغييرات أثرت عليها؟

    شهدت مدينة هليوبوليس تغيرات كبيرة بالفعل، وهو ما تم تناوله في الكتاب. فقد حدثت أعمال هدم لعدد من المباني التراثية، كما جرت توسعة بعض الشوارع. وتم هدم ميادين وتخلت عن وظيفتها الأصلية كميدان لتصبح شوارع. بالإضافة إلى بناء عدد كبير من الكباري. كل هذه التغيرات رصدتها وأضفتها أثناء ترجمة الكتاب، لأنها لم تكن قائمة وقت إعداد الرسالة.

    ومن أبرز الاختلافات أيضًا إزالة خط المترو من مصر الجديدة، وهو ما أثر بشكل واضح على ملامح الحي. ورغم هذه التغيرات المتتابعة، فإن مصر الجديدة ما زالت تحتفظ بقدر كبير من أصالتها، وبطرازها العمراني ونسيجها الحضاري المميز، الذي يجعلها مختلفة ومتفردة عن غيرها من الأحياء.

    • هل يمكن دمج الطرز المعمارية المختلفة في مصر الجديدة لإبراز هويتها التراثية؟

    بالفعل، هذا ما فعله البارون إمبان عند تأسيسه لمصر الجديدة؛ حين أراد أن تكون ذات طابع عربي مميز يدمج بين الطراز الأوروبي والهوية العربية. وقد تحقق هذا الدمج بتناغم فريد نتج عنه ما نعرفه اليوم بطراز هليوبوليس، وهو طراز منفرد بحد ذاته. يدرس حاليًا كطراز معماري خاص. يتميز بدمج مفردات الحضارة الإسلامية مع العناصر الأوروبية. إلى جانب بعض الوظائف المعمارية مثل البواكي الموجودة في الكوربة، وكل ذلك جاء لخدمة المجتمع آنذاك وجذب السكان والزائرين للمدينة.

    ما يميز هليوبوليس أنها تمتلك هوية بصرية متفردة، وهو أمر نادر الحدوث. إذ إن كثيرًا من المدن في العالم لا يكون لها هوية بصرية، بل تنشأ لها لوضعها على خريطة السياحة. بينما في مصر الجديدة هذه الهوية قائمة بالفعل.

    ما ينقصها فقط هو تكاتف أصحاب المصلحة لإدراجها ضمن الخريطة السياحية وفتح بعض الأماكن المغلقة أمام الجمهور. مثل كنيسة البازيليك التي تعد من أهم المباني الأثرية في مصر الجديدة. خاصة وأن البارون إمبان نفسه مدفون فيها.

    ***

    كذلك تتميز مصر الجديدة بوجود مبانٍ معمارية فريدة مثل المعبد اليهودي، وهو ما يفتح الباب أمام إنشاء مزارات سياحية متنوعة، منها المزار الديني. خاصة مع وجود جوامع قديمة مثل جامع السلطان حسين كامل وجامع حفيظة الألفي، اللذين يعكسان عودة المعماريين في تلك الحقبة إلى إحياء الطراز المملوكي. جامع السلطان حسين وحده يضم ثراءً معماريًا يستحق أن يتحول إلى مزار سياحي ديني. على غرار ما هو قائم في مجمع الأديان.

    كما يمكن استغلال السياحة الحضرية في هليوبوليس، من خلال التجول في شوارع الكوربة وغرناطة والنزهات والمطاعم. وهي عناصر فريدة وذات هوية خاصة ينبغي الحفاظ عليها وتوجيهها نحو سياحة التراث الثقافي. سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. ويمكن أيضًا ربط هليوبوليس بعمقها التاريخي الممتد من عين شمس وشجرة مريم. وكذلك بامتدادها التاريخي الحديث.

    • برأيك، ما الذي يميز معمار مصر الجديدة وكيف يمكن توجيه السياحة إليها؟

    تتميز مصر الجديدة بتنوع معماري غير مسبوق، لم يدرَس أو يبرز بالشكل الكافي إلا من قِبل المتخصصين في العمارة. ومن المهم أن نوجه السياحة إلى هذا التراث. خاصة وأن السياح الذين زاروا مصر الجديدة أثناء فترة إعدادي للرسالة أعربوا عن انبهارهم بجمالها، وأبدوا رغبتهم في رؤية أماكن كهذه في مصر. إلى جانب الأهرامات وبقية الآثار المعروفة.

    لقد أبدى هؤلاء الزوار اهتمامًا بالغًا بالتراث الحديث للقرن التاسع عشر، بالبيوت والشوارع، والنهضة العمرانية والتخطيط المعماري الذي يميز الحي. وهذا يؤكد أن مصر الجديدة ليست مجرد حي سكني، بل متحف مفتوح يعكس مرحلة مهمة من تاريخ العمارة والتطور الحضري في مصر.

    • ما الفارق بين التوثيق الأثري والتوظيف الثقافي للتراث؟

    التوثيق هو مرحلة أولى أساسية، بينما التوظيف يأتي كخطوة لاحقة. مثلًا، عندما بدأنا التفكير في ترميم قصر البارون. كان المبنى مهجورًا ومتدهورًا بشكل كبير. ولم يكن من الممكن الشروع في الترميم مباشرة دون عملية توثيق. فالتوثيق يشمل أشكالًا متعددة، منها التوثيق الفوتوغرافي والمعماري. إلى جانب استخدام تقنيات حديثة مثل تقنية (Laser Scanning). كما يتضمن التوثيق الأثري جمع كل المعلومات المتاحة حول الأثر، والتي قد لا تكون خضعت لدراسة سابقة. بحيث تساهم هذه البيانات في دعم عملية الترميم لاحقًا.

    أما التوظيف، فهو مرحلة تالية غاية في الأهمية، خاصة للمباني غير المستغلة. إذ يفضل دائمًا أن يتم ترميم المبنى ثم إعادة توظيفه مباشرة، وفقًا للمعايير الدولية المتعارف عليها. وذلك لضمان الحفاظ عليه واستدامته. وتكون الوظيفة الجديدة للمبنى أقرب ما يمكن إلى هويته الأصلية. على سبيل المثال: إذا كان المبنى في الأصل وكالة إسلامية بنيت لتكون بمثابة فندق للتجار، فإن إعادة توظيفه اليوم كفندق يعد استمرارًا لهويته التاريخية.

    وبالقياس على ذلك، فإن قصر البارون إمبان، حتى نحافظ على هويته وخصوصيته، فإن أنسب توظيف له أن يكون متحفًا يروي تاريخ مصر الجديدة، ويشرح طبيعة هذا الحي وشكله ونشأته. وهذا ما كانت مصر الجديدة في حاجة إليه بالفعل.

    • ما الرسالة التي أردت توجيهها من الكتاب وانعكست على رؤيتك؟

    حين نتخرج في كلية الآثار يطلق علينا جنود الآثار أو المحافظون على الأثر. وبحكم أنني من دفعة قديمة نسبيًا، لم يكن في وقتنا ما يعرف بتخصص إدارة التراث. الذي أصبح اليوم فرعًا أساسيًا يدرَّس في كليات الآثار بكافة الجامعات. كنا نتخرج ونحن ندرك قيمة الأثر. لكن ينقصنا الجانب المتعلق بكيفية إدارته أو إعادة توظيفه.

    مع خوضي تجربة الماجستير، والتي أثمرت هذا الكتاب، أحدثت فارقًا كبيرًا في طريقة رؤيتي للأثر وكيفية التعامل معه. فعلى سبيل المثال، عندما كنت مفتشة في قصر البارون إمبان قبل الماجستير. كان كل تفكيري ينصب على كيفية ترميم الأثر والحفاظ عليه وفتحه للجمهور. أما بعد الماجستير، فقد أصبحت أنظر إلى الأمر بمنظور مختلف. يعتمد على إعادة توظيف المبنى لضمان استدامته والحفاظ عليه على المدى البعيد.

    ***

    هذه هي الرؤية التي سعيت إلى إبرازها في الكتاب. إذ إن الأهم ليس فقط الحفاظ على الأثر، بل ضمان استدامته لنا وللأجيال المقبلة. والاستدامة لها عدة آليات. من بينها أن يكون الترميم صديقًا للبيئة. وأن يحافظ على النشاط الاجتماعي والنفسي المرتبط بالمكان. وهي رؤية لا تقتصر على هليوبوليس وحدها، بل يمكن تطبيقها على مصر كلها.

    بعد إنهاء الرسالة، قلت إنه إذا جرى تنفيذ هذه الرؤية بالفعل. فإنها تصلح لأن تكون استراتيجية عامة تطبّق على جميع الأحياء التراثية في مصر. وبذلك نخلق شبكة متكاملة من الأحياء التراثية المدرجة على خريطة السياحة.

    اقرأ أيضا:

    بطل قومي وجندي يعاني.. «الفلاح المصري» في لوحات الفن التشكيلي وكتب الأدب

    الروحانيات على الشاشة.. كيف جسدت السينما المصرية الموالد والطقوس الدينية؟

    «المتحف الزراعي المصري».. نافذة على إرث مصر الطبيعي

  • ضيوف النسخة السادسة من ملتقى المناخ: لا بد أن تكون الأولوية لكوكب الأرض

    ضيوف النسخة السادسة من ملتقى المناخ: لا بد أن تكون الأولوية لكوكب الأرض

    نظمت مكتبة ديوان، بالتعاون مع ويلز، النسخة السادسة من ملتقى المناخ، قبل يومين بمقر المركز الثقافي للقنصلية في القاهرة، بمشاركة نخبة من الفنانين والخبراء ورواد العمل البيئي والاجتماعي، وسط حضور جماهيري لافت.

    استمرت الفعالية من السادسة حتى الثامنة مساءً، وافتتحت بكلمة ألقتها بريجيت بولاد عن الشاعر محمود درويش وأشعاره. ثم رحبت بالشاعرة عهود سعد، مديرة التسويق في مكتبة ديوان ومدربة يوجا، بالحضور. وقدمت كلمة تناولت فيها قضية المناخ والتغيرات البيئية. مشيرة إلى أن العالم أصبح أكثر خطورة، وأننا نحاول دوما حماية ممتلكاتنا في ظل تقلبات مناخية تتراوح بين البرودة الشديدة والحرارة المرتفعة. فضلا عن موجات الجفاف والفيضانات التي أثرت سلبا على البيئة الزراعية. كما حذرت من تهديدات التغير المناخي، بما في ذلك فقدان الكثيرين لمنازلهم. مؤكدة أن الأولوية يجب أن تكون لحماية كوكب الأرض.

    رسالة هند صبري عن الفن والوعي البيئي

    أدارت الفنانة هند صبري جلسة الحوار الأولى إلى جانب الشاعر سالم مصالحة، حيث ناقشا قضية الاستدامة وعدم المساواة بين الجنسين في مواجهة التغير المناخي، مؤكدة على دور الفن والسينما في تعزيز الوعي البيئي.

    وتطرقت صبري إلى تجربتها عام 2015، حين أطلقت ملتقى المناخ عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف فتح النقاش حول قضايا البيئة، في وقت كان الحديث عن المناخ شبه غائب عن الخطاب العام. وقالت: “لدينا اليوم مبادرات رائدة تدفع الحوار إلى الأمام، بعدما كان الحديث عن المناخ يبدو وكأنه من المحرمات”.

    مشاركة أممية وأكاديمية

    في هذا السياق، تحدثت شيتوسي نوغوتشي، ممثلة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مصر، عن التحديات المناخية في المنطقة وأهمية التعاون بين مختلف الأطراف.

    كما تناولت الدكتورة إيمان بيبرس، نائبة رئيس شبكة “أشوكا” لرواد الأعمال الاجتماعيين، مفهوم ريادة الأعمال الاجتماعية ودوره في تفكيك المفاهيم التاريخية المرتبطة بالمنطقة، مثل مفهوم “الشرق الأوسط”، إلى جانب قضية التغير المناخي وأثره على مصر. وقدمت بيبرس عدة حلول واقعية للمشكلة، مؤكدة ضرورة صياغة رؤية أكثر عدالة واستدامة.

    واختتم الملتقى بفقرة موسيقية تضمنت غناءً وعزفًا على العود قدمته الفنانة الفلسطينية هدى عصفور.

    عن الملتقى

    يذكر أن ملتقى المناخ مبادرة يقودها المتطوعون، وتهدف إلى تحويل الأفكار المبتكرة إلى أفعال تخدم كوكب الأرض، عبر الجمع بين الفن والأدب والموسيقى والخبرة الأكاديمية في مساحة حوارية مفتوحة تسعى إلى إشراك المجتمع في مواجهة تحديات المناخ.

    اقرأ أيضا:

    «كريم الشافعي»: مشروع «تمارا» واجه تحديات كبيرة ورممنا 15 عقارا

    بطل قومي وجندي يعاني.. «الفلاح المصري» في لوحات الفن التشكيلي وكتب الأدب

    الروحانيات على الشاشة.. كيف جسدت السينما المصرية الموالد والطقوس الدينية؟

  • «كريم الشافعي»: مشروع «تمارا» واجه تحديات كبيرة ورممنا 15 عقارا

    «كريم الشافعي»: مشروع «تمارا» واجه تحديات كبيرة ورممنا 15 عقارا

    أقيمت أمس، على المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، احتفالية إعلان وتوزيع جوائز مسابقة «أفضل ممارسات الحفاظ على التراث العمراني والمعماري لعام 2025»، التي نظمها الجهاز القومي للتنسيق الحضاري برئاسة المهندس الاستشاري محمد أبو سعدة. وشهد الحفل تكريم المشروعات المشاركة والفائزة، بحضور الدكتور أحمد فؤاد هَنو وزير الثقافة، والدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة.

    فوز مشروع تمارا بالجائزة الكبرى

    حصد مشروع ترميم وإعادة إحياء مبنى «تمارا» بالقاهرة الخديوية – المملوك لشركة الإسماعيلية للاستثمار العقاري – الجائزة الكبرى لأفضل ممارسة في الحفاظ على التراث. وتسلم درع التكريم كل من: كريم الشافعي، رئيس مجلس إدارة الشركة، والمهندس محمد حسن، رئيس فريق التصميم.

    ومن أبرز مشروعات شركة الإسماعيلية للاستثمار العقاري، فندق مزيج بلد المصنف ضمن فئة فنادق البوتيك أوتيل الصغيرة، والمقام داخل مبنى لافينيواز التاريخي. كما تستعد الشركة لافتتاح مشروع تمارا هاوس خلال الفترة المقبلة، ليكون وجهة متعددة الاستخدامات تجمع بين التصميم والضيافة والترفيه والتجزئة.

    وفي إطار خططها لإحياء معالم وسط القاهرة، تعمل الشركة على إعادة إحياء كافيه ريش بعد تطويره، فضلاً عن تحويل سينما راديو إلى مركز ثقافي وتجاري يحتضن مكاتب ووحدات تجارية وفعاليات متنوعة. وتستهدف هذه المشروعات جميعها الحفاظ على التراث المعماري لوسط البلد، وإعادة تقديمه كوجهة نابضة بالحياة تستقطب السكان والزوار والشركات.

    دوافع المشاركة والتحديات

    تحدث كريم الشافعي لـ«باب مصر» عن دوافع المشاركة في المسابقة. موضحا أن الهدف هو التعاون مع أجهزة الدولة فيما يخص ملف التراث العمراني. وأضاف أن المشاركة كانت فرصة مهمة خاصة وأنهم أول شركة متخصصة في إعادة استخدام العقارات.

    وعن التحديات التي واجهت مشروع تمارا، أشار إلى أنها شملت شراء العقارات، واستخراج أصل المبنى والكشف عليه. ثم ترميمه وتوظيفه في الاستخدام الأمثل.

    إنجازات الشركة

    حول إمكانية تطبيق مخطط مشروع تمارا كنموذج ناجح على  مشاريع أخرى. أوضح الشافعي أنهم يمتلكون 25 عقارًا، تم ترميم حوالي 15 عقار منها بالفعل.

    تكريم مشروعات وجهود استثنائية

    في هذا السياق، منح وزير الثقافة شهادات تقدير لعدد من الملاك والاستشاريين المتميزين. من بينهم: وزارة الداخلية عن مشروع مبنى إدارة الحماية المدنية بالإسكندرية. حيث تسلمها العميد د.م. تامر عباس مرعي، والدكتور أيمن مصيلحي عن مجموعة التصميمات المتكاملة “جايد”.

    وشملت التكريمات أيضًا مشروع ترميم وإحياء مبنى قسم الدقي بالجيزة. وتسلمها العميد د.م. تامر عباس مرعي، والدكتور حكيم العفيفي، رئيس مجلس إدارة بيت الخبرة «العفيفي للاستشارات الهندسية». وعبد الرحيم علي خليفة مالك العقار رقم 78 بشارع بيرم التونسي في السيدة زينب، وتسلمها المهندس محمد عبد المجيد. إلى جانب مركز هندسة الآثار والبيئة بكلية الهندسة جامعة القاهرة، استشاري مشروع ترميم العقار نفسه، وتسلمها الدكتور محمد رضا عبدالله مدير المركز.

    كذلك، تم تكريم لجنة التحكيم تقديرًا لجهودها. والتي ضمت أساتذة العمارة والتخطيط بجامعتي القاهرة وعين شمس، إلى جانب المهندس محمد أبو سعدة.

    افتتاح المعرض الموازي

    على هامش الحفل، افتتح وزير الثقافة ومحافظ القاهرة معرض المشروعات المشاركة بقاعة صلاح طاهر بدار الأوبرا، حيث أشادا بالمستوى الإبداعي للأعمال. وأكد المسؤولان أن الحفاظ على التراث العمراني والمعماري يمثل ركيزة أساسية لإحياء الهوية الوطنية. والذي جاء من بينهم:

    • مشروع الترميم الدقيق لقصر الزعفران جامعة عين شمس.
    • مشروع الترميم ضريح عمر آغا.
    • مشروع تطوير القاهرة التاريخية منطقة درب اللبانة.
    • إحياء متحف هليوبوليس فاملي هاوس.
    •  مبنى 78 شارع بيرم التونسي السيدة زينب.
    •  مبنى قسم الدقي.

    وأوضح المهندس محمد أبو سعدة أن دورة هذا العام خُصصت لموضوع إعادة التوظيف المتوافق للمباني التراثية، بهدف تشجيع الملاك والخبرات المصرية على ابتكار حلول متجددة ومستدامة لصون التراث. وأن هذه المبادرات شهدت تكاتفًا من أجهزة الدولة، والأفراد والشركات التي بذلت جهودا متميزة في هذا الصدد. وهو دليل على إدراك كافة الجهات بقيمة وأهمية التراث المعماري المصري، مشيدًا بما تقدم من مشروعات مقدمة من أفراد ومن شركات ومن أجهزة الدولة تبرز الجهد المتميز في الحفاظ على تراثنا المعماري والعمراني.

    كما وجه الشكر إلى وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو على رعايته الخاصة للجائزة، وإلى محافظ القاهرة لدعمه المتواصل لمشروعات الحفاظ على القاهرة الخديوية، وإلى أعضاء لجنة التحكيم والمشروعات الفائزة والمكرمة.

    اقرأ أيضا:

    بطل قومي وجندي يعاني.. «الفلاح المصري» في لوحات الفن التشكيلي وكتب الأدب

    الروحانيات على الشاشة.. كيف جسدت السينما المصرية الموالد والطقوس الدينية؟

    «المتحف الزراعي المصري».. نافذة على إرث مصر الطبيعي

  • بطل قومي وجندي يعاني.. «الفلاح المصري» في لوحات الفن التشكيلي وكتب الأدب

    بطل قومي وجندي يعاني.. «الفلاح المصري» في لوحات الفن التشكيلي وكتب الأدب

    منذ أن خطَ المصري القديم أول أثر على جدران المعابد، كان الفلاح هو البطل الأول الذي جسد فيه حكاية الأرض والنيل. لم يكن مجرد عامل يزرع ويحصد، بل صورة مكثفة لروح مصر، رمزًا للخصب والعطاء والصبر. وفي كل حقبة تاريخية، عاد الفلاح ليطل من جديد، مرة عبر ريشة فنان يترجم ملامحه في صلابة الجسد وعمق النظرة، ومرة عبر قلم أديب جعل منه بطلًا شعبيًا أو إنسانًا مأزومًا تحاصره الأوجاع.

    في الفنون التشكيلية بدا الفلاح كأنه أيقونة حية؛ فلوحات محمود سعيد وحسين بيكار حملت كبرياء الأرض. بينما كشفت أعمال إنچي أفلاطون عن الجانب الإنساني المثقل بالأسئلة والمخاوف. الفلاح عندهم ليس مجرد شخصية مرسومة، بل كيانا يختزن ذاكرة الريف كله، بعرقه وكرامته. وفي الأدب، أطل في كتابات يوسف إدريس وعبد الرحمن الشرقاوي، مرة مقاتلًا ضد الإقطاع والاحتلال، ومرة إنسانًا بسيطًا يعمل ليواجه قدره بشجاعة. وثالثة رمزًا لمعاناة ممتدة تتناوب عليه قسوة الفقر والإهمال.

    بطل قومي ورمز معاناة

    إن تحول صورة الفلاح من بطل قومي يستمد منه معنى المقاومة والكرامة، إلى رمز للمعاناة يعكس أوجاع الريف وأزماته. يكشف عن حجم التحولات الاجتماعية والسياسية التي عاشتها مصر. ومع ذلك، يبقى الفلاح هو الخيط الذي يربط بين الماضي والحاضر، بين أرض لا تكف عن العطاء ووطن لا يكتمل وجهه من دون أبنائه. ويأتي عيد الفلاح المصري ليذكرنا بأن وراء كل سنبلة قمح ونغمة في أغنية ريفية ولوحة أو رواية. يقف هذا الإنسان الذي صنع التراث وحمل على كتفيه تاريخ أمة بأكملها.

    لوحة إنچي أفلاطون
    لوحة إنچي أفلاطون
    الفلاح في الفن التشكيلي

    لم يكن حضور الفلاح في الفنون التشكيلية المصرية مجرد اختيار جمالي، بل انعكاسًا لوعي الفنان بقيمة الأرض والإنسان. لذا، مع بدايات النهضة الفنية في أوائل القرن العشرين، اتخذ الفنانون التشكيليون من الفلاح المصري أيقونة تحمل ملامح الهوية الوطنية.

    فلاحو محمود سعيد ومحمود مختار

    في لوحات محمود سعيد نرى الفلاح بملامح شامخة وأجساد قوية، يبدو وكأنه تمثال حي ينطق بكرامة الأرض. ألوانه الدافئة تعكس روح الريف وخصوبته، وتجعله بطل اللوحة بلا منازع. وفي لوحات أخرى، يمزج الأصالة بالحداثة، ويعود بنا إلى الجذور، حيث يستحضر الفلاح كعامل في الشادوف يرفع الماء من النهر. في مشهد يعكس العرق والإصرار.

    الجسد العاري المشدود أقرب إلى هيئة المحارب منه إلى المزارع. في إشارة إلى أن العمل في الأرض معركة بقاء. وعلى الناحية الأخرى، تظهر امرأة تحمل جرة ماء يقف بجوارها حمار أبيض، في توازن بين الجهد الذكوري والقيمة الأنثوية للحياة.

    أما تمثال الفلاحة للنحات محمود مختار، فيعد واحدًا من أبرز الأعمال التي خلدت صورة الفلاحة المصرية. يبلغ ارتفاعه 42 سم، وقد نفذ منه ما يقارب 23 نسخة خلال الفترة ما بين 1931 و1948. لم يكن هذا العمل سوى امتداد لروح مختار الإبداعية التي استلهمها من نشأته في قرية قريبة من المنصورة. حيث التصقت ذاكرته منذ الطفولة بمشاهد الريف والترعة وطمي النيل.

    تمثال الفلاحة محمود مختار
    تمثال الفلاحة محمود مختار
    الفلاحة كرمز للنسوية

    بجرأتها ونضالها، كانت إنچي أفلاطون صوت الفقراء والمظلومين في زمن الظلام الاجتماعي والسياسي. ففي عام 1959، تم اعتقالها سياسيًا، لكنها لم تخضع، بل حولت معاناتها وتجربة السجن إلى لوحات نابضة بالحياة. وقبل ذلك، قدمت من زاوية نسوية وإنسانية صورة الفلاح المصري، خاصة المرأة الريفية التي تتحول إلى محور اللوحة: أم ومناضلة في الوقت ذاته، تحمل الأرض على كتفيها، وتختزن صمت المعاناة.

    الريف في الحياة اليومية

    بريشة مختلفة، جسد حسين بيكار الريف والفلاح في سياق الحياة اليومية: مشاهد الحصاد، عادات الريف، والاحتفالات الشعبية. لم تقتصر لوحاته على التصوير البصري، بل وثقت تفاصيل الثقافة الشعبية.

    وينضم إليه الفنان التشكيلي حامد ندا، رائد التصوير الجداري في مصر، الذي أنجز لوحته الشهيرة “الريف” عام 1974 مستخدمًا خامات الأكريليك والألوان الزيتية على التوال. معبرًا عن صورة الريف المصري من خلال رموز متعددة مثل لعب الأطفال معًا وتربية الأغنام والدواجن. كما اعتمد على ألوان الأزرق والأبيض والأصفر ليعكس هدوء الريف وأمانه. بالإضافة إلى أصالته ومصريته.

    لوحة حسين بيكار
    لوحة حسين بيكار
    الفلاح في الأدب المصري

    أما في الأدب المصري، فلم يقتصر تصوير الفلاح على كونه عاملًا في الأرض فقط، بل تعددت صوره بحسب الظروف والمكان. فمنذ أدب مصر القديمة وحتى الروايات الحديثة والمعاصرة، قد يظهر الفلاح كجندي يحمل سلاحه دفاعًا عن وطنه، أو فلاح ينتقل من الريف إلى المدينة ليواجه تحديات جديدة. وهو محافظ على أصالته وعلاقته بالأرض. بهذه الصور المتباينة، عكس الأدب قدرة الفلاح على التكيف، الصمود، وحمل هويته الريفية في كل موقع أو دور. مع الاحتفاظ بقيمه وعاداته مهما تغيرت الظروف.

    في البدء كان الفلاح الفصيح

    كانت البداية مع الفلاح الفصيح، الذي تدور قصته حول فلاح تعرض للظلم على يد موظف سرق ممتلكاته. فاضطر إلى رفع تسع شكاوى إلى المدير الكبير الذي أحالها بدوره إلى الملك نبكاو رع. أعجب الملك بالبلاغة والفصاحة التي كتب بها الفلاح الشكاوى، فأمر بألا يستجاب للفلاح مباشرة، ليواصل كتابة شكاواه بأسلوب يدخل السرور إلى قلب الملك. وفي النهاية، استعاد الفلاح ممتلكاته المسلوبة. وحصل على تعوض عما لحق به من أضرار. وهكذا صار انتصار الحق والبلاغة درسًا خالدًا في الأدب المصري القديم.

    ومن ثم، تعكس هذه القصة صورة الفلاح المصري بصفاته الإنسانية والأخلاقية: فهو صبور، ذكي، ومتمسك بالعدل. وتظهر كيف يمكن للكلمة الحكيمة أن تكون أداة لمواجهة الظلم. ما يجعل الفلاح الفصيح رمزًا للذكاء والحق في التراث الأدبي المصري.

    لوحة حامد ندا
    لوحة حامد ندا
    أيام الإنسان السبعة وشرق النخيل

    في الأدب الحديث، يتصدر الفلاح الصدارة: فتارة يقدمه عبد الحكيم قاسم في روايته “أيام الإنسان السبعة” بشكل متدين، عبر حياة الدراويش في الريف، حيث يعيش الفلاحون البسطاء بين الحقول، يكدحون نهارًا ويعودون مساءً إلى الحضرة لأداء الذكر والإنشاد. تظهر الرواية كيف يجدون في ممارساتهم الروحية ملاذًا من ضغوط الحياة اليومية، وتبرز الروح الجماعية والتدين الشعبي لديهم. لتكون نافذة لرؤية الحياة الريفية من منظور إنساني وروحي بعيدًا عن الصور النمطية.

    أما شرق النخيل لبهاء طاهر فقدمت صورة أكثر تعقيدا للفلاحين في الصعيد، حيث يبرز الصراع ضد الظلم الاجتماعي والاقتصادي. وتبرز كيف يسعى الفلاحون للحفاظ على كرامتهم وهويتهم في مواجهة التحديات، من خلال تسليط الضوء على التوترات الاجتماعية والاقتصادية في الريف المصري.

    فلاح عبد الرحمن الشرقاوي وتوفيق الحكيم

    في رواية “الأرض”، صور عبد الرحمن الشرقاوي معاناة الفلاحين تحت وطأة الإقطاع والاحتلال، من خلال شخصية محمد أبو سويلم الذي يقود ثورة ضد الظلم، ليجسد الفلاح كرمز للنضال والصمود. تبرز الرواية كفاح الفلاحين من أجل حقوقهم، وتوضح كيف تمثل الأرض لهم الحياة والهوية.

    وعلى النقيض، يقدم توفيق الحكيم رؤية ساخرة لواقع الفلاحين من خلال عيون نائب قادم من المدينة. تكشف الرواية التناقض بين القوانين الرسمية والواقع الاجتماعي، وتبرز معاناة الفلاحين في مواجهة الجهل والفساد. موضحة أن النظام القضائي في الريف غالبا ما يكون غير فعال، مما يزيد من حدة الظلم الواقع عليهم.

    فلاحو الحرب

    في رواية “الحرب في بر مصر”، قدم يوسف القعيد صورة معقدة للفلاح المصري في فترة الحرب. تدور الأحداث حول مصري، ابن الخفير المتفوق دراسيًا، الذي أجبر على الادعاء بأنه ابن العمدة للالتحاق بالجيش بدلاً من الابن الحقيقي للعمدة. تظهر الرواية كيف يستغل الفلاحون في الصراع الطبقي، حيث يضحى بهم لتحقيق مصالح أبناء الطبقات العليا. من خلال هذه القصة، يبرز التوتر بين الواجب الوطني والظلم الاجتماعي، وأن الفلاحين يستخدمون كأدوات في لعبة السلطة.

    وعن الهزيمة والحرب، يتناول علي حليمة شخصية الفلاح من خلال إسماعيل إمام، بطل روايته “مكان تحت الشمس”، فهو شاب ريفي من إحدى قرى الدقهلية، التحق بهيئة قضايا الدولة، وتم تجنيده ضابطًا احتياطيًا عقب النكسة. ظل مجندًا حتى انتهاء الحرب التي فقد خلالها ساقه. تعبر الرواية عن الهزيمة العاطفية والوطنية.

    اقرأ أيضا:

    الروحانيات على الشاشة.. كيف جسدت السينما المصرية الموالد والطقوس الدينية؟

    «المتحف الزراعي المصري».. نافذة على إرث مصر الطبيعي

    رحلة في أرشيف البحر.. حكايات المصايف المصرية من ورق البردي إلى الشاليهات

  • الروحانيات على الشاشة.. كيف جسدت السينما المصرية الموالد والطقوس الدينية؟

    الروحانيات على الشاشة.. كيف جسدت السينما المصرية الموالد والطقوس الدينية؟

    مع حلول المولد النبوي، الذي يحتفل به اليوم، حيث تعانق الأرواح مع نفحات المحبة والذكر، يطل السؤال عن حضور الروحانيات في الذاكرة البصرية المصرية. فالسينما، التي لم تكن يومًا مجرد شاشة، التقطت من حياة الناس ما هو أعمق من تفاصيلهم اليومية؛ أنفاسهم في حلقات الذكر، بهجتهم في الموالد، وصدقهم في الطقوس الشعبية التي امتزج فيها الدين بالحياة حتى صارا وجهًا واحدًا للهوية.

    منذ قرون، والمصريون يحتفلون بهذه الذكرى بطقوس تجمع بين الصفاء الروحي والاحتفال الشعبي. بدأت مع الدولة الفاطمية، حين خرجت المواكب وتزينت الشوارع ووُزعت الحلوى. حتى صار للمولد وجهان يكملان بعضهما: الأول يفيض بالمديح والإنشاد والذكر. أما الثاني فشعبي عامر بالزينة والأنوار والأسواق. هذه الازدواجية الفريدة بين الروح والفرح تحولت إلى مكون أصيل من الهوية الثقافية للشعب المصري. وكان طبيعيًا أن تجد مكانها في السينما، التي التقطت منذ بداياتها هذه الروح وسعت إلى توثيقها. سواء كطقس صوفي حضر على الشاشة كرمز للحياة الروحية المصرية، أم كتراث شعبي للبهجة يعكس الهوية.

    نافذة على الروح الشعبية

    بهذا المعنى، لم تكن السينما المصرية مجرد وسيلة لتسجيل الواقع. بل نافذة مفتوحة على عمق الروح الشعبية، توثق الموروث الديني والطقوس الروحانية كجزء من الحياة اليومية. ومع أن الأفلام الحديثة باتت أكثر انجذابًا لقصص المدينة وإيقاعها السريع. فإن تلك المشاهد القديمة تظل محتفظة بقيمتها، لا كذكريات ماضٍ فحسب، بل كوثائق بصرية تثبت أن الروحانيات متجذرة في وجدان المصريين.

    ومع المولد النبوي، تعود هذه الصور لتضيء الذاكرة الجمعية: ساحات عامرة بالذكر، قلوب معلقة بمحبة النبي. أرواح تبحث عن الصفاء وسط صخب الحياة. وعلى الشاشة. يبقى الموروث الروحاني شاهدًا خالدًا على أن الدين والثقافة في مصر لم يكونا يومًا عالمين منفصلين، بل نهرًا واحدًا تتدفق فيه المحبة والهوية معًا.

    فيلم شيء من الخوف
    فيلم شيء من الخوف
    المولد النبوي في السينما

    يشكل المولد النبوي قلب الحكاية، في فيلم قنديل أم هاشم المأخوذ عن رواية يحيى حقي. حيث يلجأ الأهالي إلى زيت القنديل للتبرك، ما يعكس العلاقة بين العلم والإيمان، والحداثة والموروث الشعبي. يوثق الفيلم تقاليد الاحتفال بالمولد ويبرز كيف يشكل هذا التراث جزءًا أصيلاً من هوية المصريين الروحية والثقافية.

    وفي فيلم المولد بطولة عادل إمام ويسرا، تصور زحمة المراجيح والزينة وباعة الحلوى المولد كفضاء للفرح. لكنه يكشف أيضًا مأساة إنسانية حين تفقد أم طفلها وسط الزحام. السينما هنا توثق التفاعل بين الفرد والمجتمع، الفرح والفقد، الروح والواقع.

    أما فيلم شيء من الخوف، تظهر فؤادة وهي تحمل عروسة المولد بينما يمسك عتريس حصان الحلاوة، كرمز للبراءة المسلوبة والوعي الجمعي. المولد النبوي يتحول إلى خلفية روحانية تعكس الصراع بين الطفولة والظلم، والروحانية والواقع الاجتماعي.

    الصوفية والأضرحة في السينما

    روحانيات الصوفية والأضرحة بدت واضحة في فيلم شهيدة الحب الإلهي، الذي يستحضر قصة رابعة العدوية، الشهيدة التي وهبت قلبها لله. من حياة اللهو إلى رحلة التأمل والتعبد، يظهر كيف يتحول القلب إلى معبد، والزمن متنفس للروحانية. موثقًا معاني الصوفية المصرية في أبهى صورها.

    وأيضًا في فيلم طريد الفردوس، الذي يتابع رحلة الشيخ عليش، الدرويش المنعزل بين الصلاة والصوم والعبادات. يحج الناس إليه طلبًا للبركة، وعند موته يخضع لمحاكمة روحية تكشف توازن حسناته وسيئاته. ليعاد إلى الحياة لاختباره. الفيلم يعكس تصور المصريين للعالم الروحي، وارتباط الطاعة والتجربة الإنسانية بالروح.

    وعلى النقيض يلجأ أبطال فيلم الزوجة الثانية إلى ضريح السيد البدوي، بالتضرع والابتهال في مشاهد صوفية مؤثرة. ليستجاب الدعاء بطريقة تتجاوز المنطق البشري. ومن ثم يعكس الفيلم قوة التراث الروحي، حيث يتحول الضريح إلى رمز حي للروحانية المصرية.

    فيلم طريد الفردوس
    فيلم طريد الفردوس
    سيطرة الموروث الشعبي

    أما فيلم سارق الفرح، يستعين البطل بالضريح لطلب العون في أزمته المالية والعاطفية. مما يعكس سيطرة الموروث الشعبي في توجيه الإنسان ومنحه الأمل. موثقًا جزءًا من الهوية المصرية التي تجمع بين الإيمان الشعبي والبحث عن البركة.

    وفي الكيت كات، تلجأ فاطمة، الغائبة عن زوجها، إلى ضريح الحي الشعبي للدعاء بأن يكون يوسف ابن الشيخ حسني من نصيبها، متخذة الضريح فضاءً صوفيًا للتضرع. لاحقًا، تتوطد العلاقة بينهما، لتصبح الدعوة المتواضعة بداية لترابط قلبي وروحي، رغم تحريم العلاقة اجتماعيًا.

    كذلك في فيلم للحب قصة أخيرة، يرفع رفعت الزوج المريض وزوجته سلوى أكفهم بالدعاء في ضريح سيدي التلاوي خلال المولد. وفي الفيلم يتجلى الصراع بين الحب والمأساة، المرض والوهم والحقائق المؤلمة. حيث يتحرك الأبطال في فضاء الوراق كأنفس تتلمس بركات الخلاص في داخلها قبل أي قوة خارجية. ليظهر كيف تمثل الأضرحة مساحة لتلقي البركات، خاصة للمأزومين عاطفيًا، بينما تبقى السماء متجهة نحو المستضعفين والمحتاجين.

    فيلم الكيت كات
    فيلم الكيت كات
    صاحب المقام الرشيد

    نرى في الأرض الطيبة، امرأة متدينة تزور ضريح سيدي الدكروري لدعاء الهداية لمن تحب، مؤمنة بقدرة صاحب المقام على إرشاد الشاب للطريق الصحيح. في مشهد يعكس امتزاج الإيمان بالحب، ويبرز روح الحياة اليومية.

    وفي بين القصرين، يلجأ الطفل كمال إلى ضريح الحسين طالبًا إعادة أمه بعد طردها من المنزل، مؤكدًا قوة الدعاء والبركة في حياة البشر. ليبرز لنا العلاقة بين الإيمان والدعاء، والحب والتعلق الروحي بالمقدس.

    الشعبي والمقدس في الاحتفالات

    يجسد فيلم الليلة الكبيرة الموروث الشعبي عن الموالد، ليصور يومًا كاملًا في مولد سيدنا عرش الدين. حيث حلقات الذكر والطقوس والحكايات الفردية والجماعية تتشابك في نسيج ثقافي غني يعكس فكرة أن المولد ليس مجرد احتفال، بل مساحة لتوثيق التراث. حيث العبادة والمرح، والإيمان والأمل.

    أما فيلم المبروك، يستعرض الصراع بين الخداع والدجل من جهة، والإيمان الشعبي من جهة أخرى. من خلال شخصية حافظ النصاب التي تتأثر بالبسطاء. بينما يُكشف كذبُه بعد مرض ابنه، ليؤكد الفيلم قوة الموروث الشعبي في رسم حياة المجتمعات الريفية.

    من هذا الجانب، تكشف المشاهد الروحية والصوفية والاحتفالات الشعبية في هذه الأعمال عن جوهر الروح المصرية الحقيقي. حتى وإن كانت تدور في إطار سياسي أو اجتماعي أو غيره. تظهر السينما كيف تتشابك الحياة اليومية مع التراث الروحي. وكيف يحافظ الفن على هوية الأمة وذاكرتها، موثقة الروح المصرية في كل لقطة، لتظل شاهدة على التراث وروح الشعب.

    اقرأ أيضا:

    «ليلة الملوخية».. عادة متوارثة للاحتفال بالمولد النبوي بنجع العقاربة

    قنا تحتفل بالمولد النبوي.. طقوس تتوارثها الأجيال منذ قرون

  • «المتحف الزراعي المصري».. نافذة على إرث مصر الطبيعي

    «المتحف الزراعي المصري».. نافذة على إرث مصر الطبيعي

    بعد نحو تسع سنوات من الإغلاق، يعود المتحف الزراعي ليفتح أبوابه من جديد، مؤكدا مكانته كأكبر متحف زراعي في الشرق الأوسط، وثاني أقدم متحف من نوعه في العالم. شمل التطوير تحديث القاعات وتجديد أساليب العرض وتوسيع المساحات المخصصة للزوار، ليصبح أكثر جذبا وملاءمة للأسر والطلاب والباحثين. ويُفتتح المتحف، الذي تتجاوز مساحته ثلاثين فدانًا، رسميًا بداية من غدٍ، بعد فترة تشغيل تجريبية استمرت أسبوعين، خصصتها وزارة الزراعة لاختبار الخدمات واستقبال ملاحظات الجمهور.

    أعمال التطوير

    قال العميد فؤاد القمحاوي، مدير عام المتحف الزراعي والمتاحف الدولية بوزارة الزراعة: “التطوير تم على مرحلتين رئيسيتين. بدأنا بإعادة صيانة جميع المباني التابعة للمتحف مع التركيز على الحفاظ على بعض المقتنيات الأثرية الهامة. إضافة إلى أعمال صيانة فنية للمخطوطات القديمة التي تحتاج بعض منها إلى معالجة كيميائية دقيقة من قبل وزارة الآثار. وقد كان الهدف هو إتمام عملية تطوير شاملة للمتحف، تواكب ما يحدث في المتحف المصري الكبير”.

    وفيما يتعلق بالحفاظ على الآثار، أوضح القمحاوي: منذ إغلاق المتحف، لم تتعرض أي قطعة أثرية للتلف، بفضل الجهود التي بذلتها وزارة الآثار والزملاء المسؤولون. حيث تتم مراجعة القطع بصفة دورية كل شهرين أو شهرين للتأكد من سلامتها وحمايتها من أي مخاطر. ونحن ملتزمون تماما بالحفاظ على هذه الكنوز التاريخية.

    وأضاف: “حرصنا على التمسك بالأصالة والهوية الثقافية للمتحف، فالمتحف يحتوي على تراث زراعي مصري أصيل. وكل من تولى رئاسته كان له دور كبير في الحفاظ على هذه الهوية وتطويرها بما يتناسب مع كل مرحلة. كما عملنا على صون العديد من الزراعات النادرة والحيوانات التي تميز البيئة الزراعية في مصر”.

    المتاحف الأكثر زيارة

    أشار القمحاوي إلى أن الزائر غالبا لا يستطيع زيارة المتاحف الفرعية الثمانية دفعة واحدة، مضيفا: أول ما يقصده الزوار عادة هو متحف المقتنيات التراثية، الذي كان في الأصل قصر الأميرة فاطمة إسماعيل. ثم متحف المجموعات العلمية. والأخير يحظى بإعجاب خاص نظرا لاحتوائه على معروضات أثرية نادرة. مثل “زفة العروسة”، و”السوق المصري”، و”القهوة المصرية القديمة”، وهي معروضات تجسد جزءًا كبيرًا من التراث المصري الذي نعمل على الحفاظ عليه.

    آراء الجمهور

    حول مطالب الجمهور، قال القمحاوي: “الجمهور في الفترة الأخيرة كان يطالب بتطوير أساليب العرض داخل المتاحف. حيث كان يتوقع أن تكون العروض بصيغة ثلاثية الأبعاد مثل المتحف المصري الكبير. نحن لا نزال نواكب العصر ونطور المعروضات بشكل تدريجي. وقد بدأنا فعلا في تطبيق بعض الأساليب الحديثة مثل العروض التفاعلية باستخدام تكنولوجيا 3D في بعض المعروضات”.

    وأكد أن وزير الزراعة يسعى لتسجيل المتحف كأول متحف زراعي من حيث الإنشاء والمساحة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. مضيفا: “نحن في انتظار زيارة لجنة من اليونسكو لمعاينة المتحف وتقييمه بشكل رسمي”.

    مدينة ثقافية متكاملة

    منذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها قدماك أبواب المتحف، تدرك أنك أمام مساحة تفوق حدود المكان المعتاد. فهو ليس مبنى واحدًا. بل أشبه بمدينة ثقافية كاملة تتوزع على 8 مبانٍ منفصلة، تحتضن متاحف فرعية متخصصة، تعرض أكثر من 100 ألف قطعة أثرية. وبين القاعات والحدائق والتماثيل والنباتات النادرة، يتحول المتحف إلى سجل حي لتاريخ علاقة المصري بالأرض، من عصور ما قبل التاريخ حتى الزمن الحديث.

    من بودابست إلى القاهرة

    تعود قصة المتحف الزراعي إلى الملك فؤاد الأول، الذي تأثر أثناء وجوده في أوروبا حين حضر احتفال الألفية المجرية عام 1896، والتي كانت أبرز فعالياتها إنشاء المتحف الزراعي المجري في بودابست، أول وأكبر متحف زراعي في العالم. وقد استلهم الملك فؤاد هذه التجربة، ورأى أن مصر- التي قامت حضارتها منذ آلاف السنين على الزراعة – جديرة بأن تمتلك متحفا مماثلا يوثق تاريخها الزراعي. فاستقدم عددا من مصممي المتحف الزراعي المجري لوضع تصور لمتحف في القاهرة يعكس خصوصية التجربة المصرية.

    من قصر الأميرة فاطمة إلى متحف فؤاد الأول

    اختيار موقع المتحف لم يأت صدفة، حيث وقع الاختيار على قصر الأميرة فاطمة، ابنة الخديوي إسماعيل، ذلك القصر الذي تحول من مقر ملكي إلى نواة لمؤسسة ثقافية كبرى. الأميرة فاطمة لم تكن شخصية عابرة في التاريخ المصري. فهي التي تبرعت بأراضٍ شاسعة كانت تملكها – من موقع المتحف الحالي وحتى جامعة القاهرة – كما قدمت مصوغاتها لبناء الجامعة المصرية. فقد كان حلمها أن يحصل أبناء مصر على التعليم، وأن تترسخ قيمة العلم في المجتمع.

    في الثلاثينيات، جرى تحويل القصر ليكون المقر الرئيسي للمتحف، فامتزجت جدرانه المزخرفة مع قاعات العرض الزراعية. وقد ظل المتحف مرتبطًا باسمها حتى بعد أن افتتحه الملك فاروق عام 1938 تحت اسم متحف فؤاد الأول الزراعي. هكذا بقيت بصمة الأميرة فاطمة حاضرة في ذاكرة المكان، شاهدة على أن مشروع المتحف لم يكن فقط قرارًا ملكيًا، بل أيضًا ثمرة عطاء إنساني لامرأة آمنت بالعلم والزراعة والتعليم كركائز لبناء مصر الحديثة.

    ثمانية متاحف في متحف واحد

    منذ افتتاحه الأول لم يكن المتحف الزراعي مجرد مبنى يحتفظ بمقتنيات متناثرة. بل وُلد مشروعًا متكاملًا حمل في داخله 8 وجوه مختلفة، يروي كل واحد منها فصلًا من تاريخ مصر الطبيعي الممتد عبر آلاف السنين. كان متحف المجموعات العلمية، أول الأقسام التي جُمعت. حيث قُدمت فيه نماذج ووسائل إيضاح لحياة الريف المصري. بدءًا من أدوات الفلاحة البسيطة وصولا إلى المجسمات التي تجسد ملامح المجتمع الزراعي وصور الفلاح المصري، ذكرا كان أو أنثى.

    أما متحف القطن فجاء ليُخلد تاريخ “الذهب الأبيض”، ذلك المحصول الذي شكّل العمود الفقري للاقتصاد المصري لقرون. وإلى جانبه نشأ متحف المملكة النباتية ليكون بمثابة حديقة علمية داخل جدران المتحف. حيث تعرض عينات من نباتات وأشجار بعضها نادر أو اندثر من الطبيعة ولم يبق إلا هنا، مثل نبات “البرساء” الذي كان مقدسًا عند المصري القديم.

    ولأن مصر هي أقدم حضارة زراعية على وجه الأرض، أنشئ متحف الزراعة المصرية ليحفظ هذا التاريخ في داخله. ويضم أدوات طحن حبوب تعود إلى نحو خمسة عشر ألف عام، إلى جانب مومياوات لحيوانات وطيور كانت رفيقة الفلاح في الحقل والمعيشة.

    متحف لكل العصور

    مع تعدد الحضارات التي عبرت أرض مصر، أنشئ متحف العصور اليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية. الذي تعكس مقتنياته أثر كل عصر في تطوير أساليب الري والزراعة وإدارة الأرض.

    ولم يغب البعد الشعبي عن المتحف، فجاء متحف المقتنيات التراثية ليعرض أدوات الحرف اليدوية والنماذج بالحجم الطبيعي لبيت الفلاح وملبسه وأثاثه. أما البهو السوري أو الشامي كما يطلق عليه، فقد أُضيف خلال فترة الوحدة بين مصر وسوريا ليحمل جانبًا من التراث العربي المشترك. حيث تعرض فيه الأزياء الشعبية والآلات الموسيقية والمجسمات التي توثق العادات الريفية في بلاد الشام.

    ويكتمل المشهد بمتحف الصداقة المصرية الصينية، الذي افتُتح لاحقًا ليعكس أبعاد التعاون بين البلدين. مقدّمًا قاعات تعرض الخزف والتحف الصينية التي ارتبطت بتجارب الزراعة والتبادل الثقافي.

    المتحف الزراعي
    المتحف الزراعي
    قاعات المتحف

    يقسم المتحف إلى عدة قاعات رئيسية تقدم كل واحدة تجربة متكاملة:

    • قاعة الآلهة: تعرض تماثيل الآلهة المرتبطة بالزراعة مثل أوزيريس، إيزيس، سخت وحابي.
    • قاعة الديورامات: تضم ثلاث لوحات بانورامية تبرز مشاهد الصيد، العمليات الزراعية، والصناعات الغذائية.
    • صالة المحاصيل والصناعات الزراعية: تضم عينات من القمح والشعير والذرة والبقول والنباتات الطبية والعطرية. بالإضافة للصناعات الغذائية التقليدية مثل صناعة الخبز والزيوت والبيرة.
    • قاعة نهر النيل: تضم تماثيل إله النيل ومومياوات التماسيح والأحياء المائية.
    • قاعة الطيور والحيوان: تضم هياكل وعظاما ومومياوات لمختلف الكائنات المصرية القديمة. بما فيها الحيوانات الأليفة والبرية.
    سجل حي للزراعة المصرية

    ما يميز المتحف الزراعي أنه لا يقتصر على عرض القطع الأثرية فحسب. بل يفتح نافذة واسعة على حياة المصري مع الأرض في كل مراحلها. فمن التماثيل والأدوات البدائية لحفر الترع والقنوات وزراعة الحبوب. إلى الوثائق والصور التي تؤرخ للملكية الزراعية في القرن التاسع عشر. ثم قاعات القطن الذي كان أحد أعمدة الاقتصاد المصري، وصولًا إلى قاعات حديثة تروي مسيرة التعاون الدولي. كل قسم في المتحف يضيف سطرًا جديدًا إلى سجل مصر الزراعي.

    اقرأ أيضا:

    رحلة في أرشيف البحر.. حكايات المصايف المصرية من ورق البردي إلى الشاليهات

    حوار| «سام كين»: كنت أريد الكتابة عن مصر.. وكتابي «عشاء مع الملك توت» ليس خيالا صرفا

    حين كتب الأصدقاء على ورق البردي: رسائل ووصايا من مصر القديمة

  • رحلة في أرشيف البحر.. حكايات المصايف المصرية من ورق البردي إلى الشاليهات

    رحلة في أرشيف البحر.. حكايات المصايف المصرية من ورق البردي إلى الشاليهات

    في أحضان نهر النيل، وعلى امتداد شواطئ البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، تنسج مصر حكاية المصيف عبر العصور. تتقاطع فيها الطبيعة مع التاريخ، وتلتقي الروح مع المكان. من لحظات الهدوء على ضفاف النيل. حيث أولى نزهات الاستجمام، إلى الشواطئ التاريخية مثل رأس البر والعجمي وجمصة، التي شهدت حضور الأجيال، ثم إلى مصايف اليوم في الساحل الشمالي وشرم الشيخ والغردقة، تتبدل أشكال المصيف وتتطور. لكن يظل جوهرها واحدًا: ملاذ يبحث فيه الإنسان عن راحة الروح وتجدد الحياة.

    وكما تبدأ الحكايات العريقة من جذورها، تبدأ قصة المصيف المصري من مصر القديمة. حيث لم يكن النيل مجرد نهر، بل قلب الحياة وروحها. هناك، عند مياهه، مارس المصريون القدماء أولى أشكال الاستجمام، فكانت النزهات على ضفافه، والسباحة في مياهه، والصيد في بحيراته جزءًا من نسيج حياتهم اليومية. لم تكن فكرة المصيف قد اكتملت بعد، لكن البذور وُضعت هناك، في ظل النخيل وعلى وقع مجاديف المراكب، لتشكل الأساس الذي ستنمو منه لاحقًا ثقافة الاصطياف في مصر.

    أصول المصيف من مصر القديمة

    تخبرنا الوثائق التاريخية أن المصري القديم كان على صلة وثيقة بالطبيعة، يعرف النزهات ويهوى الصيد، ويجد في الماء راحةً ومتعة. ومن بين الرياضات التي شكلت جزءًا من حياته اليومية، برزت السباحة بوصفها فنًّا عريقًا، مارسه المصريون منذ عصور ما قبل الأسرات. وقد حفظت لنا النقوش القديمة مشاهد لشباب يخوضون المياه بمهارة ورشاقة، لتكون تلك الرسوم أول شاهد مادي على ممارسة السباحة في تاريخ البشرية.

    لم تكن السباحة حكرًا على طبقة بعينها، بل كانت متاحة للجميع: العامة، والنبلاء، وحتى الملوك. مارسها الناس في مياه النيل الصافية. وفي البحيرات، وأحيانًا في بركٍ أنشئت داخل القصور الملكية أو بيوت الأثرياء، تشبه إلى حد ما حمامات السباحة المعاصرة. هذا الشغف بالماء، رغم قدمه، لم يكن يترجم إلى ما نسميه اليوم المصيف.

    ومع ذلك، نجد بعض الملوك اختاروا السفر إلى أماكن بعيدة للصيد أو الراحة؛ الملك تحتمس الأول -على سبيل المثال- توجه إلى “نهارينا” في الشام. بينما عُرفت الملكة كليوباترا بحبها للرحلات والاستجمام. وحتى عامة الشعب كانوا يجدون في النيل، بتياراته الهادئة، فسحةً تبهج القلب وتنعش الجسد، ومتنفسًا من أعباء الحياة اليومية. وهكذا يتبين أن المصري القديم عرف متعة الاقتراب من الماء، ومارس السباحة والنزهات على نحو متكرر. لكنه لم يعرف المصيف بالمفهوم الذي نعرفه الآن.

    مصايف مصر الحديثة

    أما مصايف مصر الحديثة فكتب لها تاريخ آخر، إذ نشأت هذه المدن الساحلية لتواكب تطورات العصر وتلبي حاجة المصريين للترفيه والاستجمام. ومن بين هذه المصايف الحديثة التي جمعت بين عبق التاريخ وروح التجديد، نذكر رأس البر، جمصة، بلطيم، الإسكندرية، حيث تحكي كل منها قصة فريدة من النمو والتطور.

    رأس البر.. لوحة بين النيل والبحر

    تقع رأس البر حيث يلتقي نهر النيل مع البحر الأبيض المتوسط، مدينة تحمل بين شواطئها الذهبية إرثًا تاريخيًا وثقافيًا عريقًا. لم تكن في البداية أكثر من ضاحية صغيرة للصيادين والمسافرين. لكنها تحولت عبر الزمن إلى مصيف راقٍ يستقطب كبار الفنانين وأعيان المجتمع، قبل أن تفتح لكل المصريين بعد ثورة يوليو.

    أما عن تفاصيل تحولها لمصيف، فيذكر نيقولا يوسف في كتابه “تاريخ دمياط منذ أقدم العصور”: “في العصور الوسطى، كانت تُعرف باسم «جيزة دمياط». حيث استقر فيها صيادو السمك وبُنيت ثكنات عسكرية لحماية الساحل. كما شهدت حصارات وحروبًا خلال الحملات الصليبية. بينما بقيت مركزًا روحيًا للصوفية بمهرجانات مولد الشيخ الجربي التي ما زالت تحتفظ بمكانتها حتى اليوم. إذ يجتمع الصوفيون والزوار في مراسم تعبر عن تاريخ طويل من التقاليد والروحانية.

    أكواخ بين النيل والبحر

    مع بداية القرن الـ19، بدأ تطويرها كميناء ومكان للصيد والترفيه. إذ شُيدت أكواخ من الأكياب والحصير على الشاطئ، وتحولت تدريجيًا إلى صفوف منظمة من الأكواخ بين النيل والبحر. وشهدت إقبالًا متزايدًا من الزوار والتجار. وبحلول أواخر، وصفها المؤرخ الألماني كوخ بأنها مصيف فريد بنقاء الهواء وجمال الشواطئ. وبدأت تظهر علامات الحداثة ببناء أول فندق وافتتاح المطاعم، وتحديد شبكة شوارع منظمة وأماكن عامة، إضافة إلى تطوير وسائل النقل التقليدية.

    في القرن العشرين، شهدت رأس البر توسعات عمرانية مهمة. مع إنشاء جسر دمياط الذي ربط المصيف بالبر الرئيسي عام 1930، وبناء رصيف اللسان لحماية الساحل عام 1938. حتى أصبحت وجهة مفضلة للنخبة من رجال الدولة والفنانين والأدباء. خاصة خلال الحربين العالميتين. وامتزجت الحياة الثقافية والاجتماعية فيها.

    وبعد ثورة يوليو 1952، شهدت تحولًا شاملاً، حيث توسعت البنية التحتية، ودخلت وسائل نقل جديدة مثل «الطفطف». ونُفذت مشاريع للصرف الصحي والمياه، ما حولها من مصيف حكرًا على النخبة إلى وجهة شعبية لكل الطبقات. واستمرت في جذب نجوم الفن والسياح عبر الزمن، مع حفاظها على شواطئها المجانية. لتتحول من عشش الصيادين البسيطة على ضفاف النيل، إلى مدينة سياحية نابضة بالحياة، تروي قصة مصرية تتجدد مع كل موجة من مياه نهرها وبحرها، في لوحة لا تُنسى”.

    جمصة: واحة النقاء على ساحل البحر

    أما مدينة جمصة فتنمو كواحة تنبض بالجمال والتاريخ. يعود اسمها إلى أيام الحملة الفرنسية. حين أطلق الجنود على تبة عرابي اسم “JAIMECA” أي المكان المحبوب، ليحافظ الاسم عبر الزمن على معناه ويصبح وجهة مفضلة للمصطافين.

    بدأت جمصة رحلتها كمصيف في أوائل الستينيات، عندما اقترضت هيئة قناة السويس مبلغ نصف مليون جنيه لبناء 40 شاليهًا وفندقًا صغيرًا على شاطئ البحر. كانت هذه البداية لبناء مكان بدأ يزدهر ويأخذ شكله المميز. وفي عام 1964 تأسست شركة عامة لإدارة المصيف، مستلهمة تجربة المعمورة، لتطوير وتنظيم المدينة بدعم من معسكرات الشباب التي شاركت بحماس في تمهيد الطرق وبناء المرافق وزراعة المساحات الخضراء.

    الصيف الذهبي

    ورغم التحديات التي مرت بها البلاد، من نكسة 1967 إلى حرب أكتوبر 1973، كانت جمصة ملاذًا لمصطافي مدن أخرى مثل بورسعيد ورأس البر، وأصبحت شواطئها مقصدًا رئيسيًا. حتى جاء صيف 1972 المعروف بالصيف الذهبي، الذي شهد مهرجانًا سينمائيًا واحتفالات كبيرة جذبت النجوم والزوار. وحققت المدينة خلاله إيرادات عالية، لكن مع عودة فتح مصايف أخرى تراجع الإقبال على المدينة.

    لكن احتفظت بطبيعتها الساحرة؛ مياه صافية، ورمال ناعمة، وهواء منخفض الرطوبة، تزدان بالحدائق الخضراء التي تحمل أسماء تاريخية مثل الأندلس وأم كلثوم وابن لقمان. وتنبض أسواقها مثل السوق الفرعوني وسوق جمصة البلد بالحياة والروح الأصيلة. كما يضفي الكورنيش الممهد طابعًا فريدًا من الراحة على أرجائها.

    بلطيم.. بوتقة التراث والتطوير

    في قلب محافظة كفر الشيخ، تقع بلطيم التي تحمل بين ثناياها تاريخًا عميقًا يعود إلى العصر البطلمي. حيث يعود أصل تسميتها إلى ذلك الزمن القديم. لم تكن بلطيم مجرد مدينة عادية، بل نقطة استراتيجية مهمة. كما يظهر في وجود حصن طابية عرابي الذي بناه صلاح الدين الأيوبي للدفاع عن الساحل ضد الغزاة، والذي شهد عدة مراحل من التجديد. إذ أعاد الخديوي إسماعيل ترميمه في عام 1882، قبل أن يستخدمه أحمد عرابي في معاركه البطولية ضد الاحتلال الإنجليزي. ويُعتبر هذا الحصن شاهدًا حيويًا على مراحل النضال والتاريخ المصري.

    ولا تزال ذكرى 4 نوفمبر 1956 محفورة في ذاكرة أهل بلطيم. حين هزمت الزوارق المصرية بارجة «جان دارك» الفرنسية قبالة سواحل البرلس، في معركة بحرية بطولية جمعت صيادي البرلس والقوات البحرية المصرية. معلنة موقفًا من الكرامة الوطنية والشجاعة.

    وعلى صعيد التطور المدني، برزت بلطيم في الأربعينيات كمصيف هادئ جذب الباحثين عن الهدوء بعيدًا عن صخب المدن، قبل أن تبدأ في الخمسينيات مرحلة التطوير. حيث ساهم شباب من مصر وآسيا وإفريقيا في بناء الطرق وتشييد البنية التحتية. التي أرسى دعائمها لتصبح وجهة صيفية متكاملة. خاصة مع وجود فنار البرلس الذي يضيء ليالي البحر منذ أكثر من 120 عامًا، كرمز للصمود والجهود الهندسية الدقيقة التي سمحت له بمواجهة رياح الزمن. والذي حظي الفنار بتوثيق في دائرة المعارف البريطانية، وأصبح اليوم محور جهود صيانة للحفاظ عليه.

    الإسكندرية.. الماضي والحاضر

    أما الإسكندرية فهي الأشهر على الإطلاق، سواء في الماضي أو الحاضر، نظرًا لمكانتها التاريخية المرتبطة بمصر الملكية والجمهورية. فهي ليست مجرد مدينة ساحلية، بل هي العاصمة الصيفية لمصر. من الكورنيش إلى المقاهي التي شهدت ولادة أعمال أدبية وشعرية، تحتفظ المدينة بتاريخ غني من الحياة الثقافية والترفيهية.

    في الماضي، كانت شواطئ الإسكندرية تحتوي على كبائن خشبية مبنية على أعمدة داخل البحر، متصلة باليابسة بواسطة جسور خشبية. مثل “المنشية”، “سانتي بالميناء الشرقية”، “الشاطبي”، و”الرمل”. بالإضافة إلى “كليوباترا” التي بناها التاجر اليوناني جورج زورو. وفي عام 1934، تم افتتاح طريق الكورنيش الممتد من قصر المنتزه شرقا إلى رأس التين غربا. مما ساهم في توسع المدينة عمرانيًا.

    كما ظهرت حمامات خرسانية حديثة في مناطق ستانلي وجليم وسيدي بشر. أما شاطئ ميامي فكان معروفًا بخصوصيته وهدوئه. حيث كان خصص للطبقات الراقية مع رسوم دخول رمزية تحافظ على هذه الخصوصية. كما كانت منطقة بولكلي مركزا لاجتماعات مجلس النظار في الصيف، وكان يرأسها سعيد باشا ذو الفقار، حيث يتم تنظيم المصايف وتنظيمها.

    مصايف جديدة

    لا يمكن تجاهل التنوع الكبير الذي شهدته المصايف المصرية عبر العقود. فمن البساطة والدفء في المصايف الشعبية، إلى الفخامة والخصوصية في الشاليهات والفيلات التي عبّرت عن اختلاف الطبقات الاجتماعية ورغباتها. هذه التنوعات شكلت جزءًا لا يتجزأ من تاريخ المصايف، ورسمت صورة حية لحياة المصريين الصيفية بكل ألوانها.

    ومع تطور الزمن وظهور وجهات جديدة على خارطة المصايف مثل الغردقة ودهب والعلمين الجديدة وشرم الشيخ. بالإضافة إلى الساحل الشمالي. تغيرت أنماط المصايف وتوسعت الخيارات أمام المصطافين. هذه الأماكن الحديثة جذبت شرائح واسعة من الناس بحثًا عن تجارب مختلفة، بمرافق متطورة وأجواء عصرية. لكن رغم بروز هذه المصايف الجديدة، لا تزال المصايف التاريخية مثل رأس البر والإسكندرية تحتفظ بجاذبيتها الخاصة وشعبية كبيرة بين المصريين. الذين يقدرون عبق الذكريات وروح المكان التي لا يعوضها جديد.

    اقرأ أيضا

    حوار| «سام كين»: كنت أريد الكتابة عن مصر.. وكتابي «عشاء مع الملك توت» ليس خيالا صرفا

    حين كتب الأصدقاء على ورق البردي: رسائل ووصايا من مصر القديمة

    «أندرو سايمون»: المصريون صنعوا ثقافاتهم الشعبية بالكاسيت.. وهجوم المهرجانات بدأ مع عدوية

  • حوار| «سام كين»: كنت أريد الكتابة عن مصر.. وكتابي «عشاء مع الملك توت» ليس خيالا صرفا

    حوار| «سام كين»: كنت أريد الكتابة عن مصر.. وكتابي «عشاء مع الملك توت» ليس خيالا صرفا

    في عالم يختزل التاريخ أحيانًا في كتب ومتاحف، اختار الكاتب الأمريكي «سام كين» أن ينزع عنه الغبار ويعيده إلى الحياة. من خلال كتابه «عشاء مع الملك توت»، ليأخذنا في رحلة فريدة عبر الزمن، حيث لا تروي الوثائق ما حدث فقط، بل تُحس وتُعاش تفاصيل الحياة اليومية لأقدم البشر.

    الكتاب مغامرة تجمع بين العلم والخيال، بين الدقة الأثرية وسحر الحكاية. فعبر علم الآثار التجريبي، لا يكتفي كين بالنظر إلى الماضي من بعيد، بل يغوص في تفاصيله اليومية: ماذا أكلوا؟ كيف صنعوا أدواتهم؟ كيف عانوا وفكروا؟ كين يؤمن أن الخيال ليس ترفًا بعيدًا عن الحقيقة، بل هو جسر يربطنا بالإنسان القديم، يشاركنا مشاعره، ويحول التاريخ من سردٍ جامد إلى تجربة إنسانية نابضة. لكن مصر القديمة، بتاريخها الغامض، ومومياواتها الصامتة، وأهراماتها التي ما زالت تحير العلماء، كانت له محطة استثنائية. لم يزرها كعالم آثار فقط، بل كمن يريد أن يعرف: أين يتوقف التاريخ، ليبدأ الإنسان؟

    في هذا الحوار، نرافق سام كين في رحلته، ونسأله كيف تحول الملك الذهبي من أيقونة متحفية إلى من جلس معه على العشاء، وكيف يمكن أن يتحول التاريخ إلى قصة تُروى من الداخل.

    • ما الذي دفعك لكتابة هذا الكتاب في الأساس؟ ولماذا اخترت علم الآثار التجريبي كمدخل لسرد التاريخ؟

    أحببت دائمًا الأفكار الكبرى التي يمكن لعلم الآثار أن يجيب عنها: من نحن كبشر؟ ومن أين أتينا؟ لكن العمل اليومي بدا مملاً للغاية، مجرد أشخاص يجلسون لساعات وسط التراب وهم يزيلون الغبار عن شظايا الفخار! على النقيض، يتميّز علم الآثار التجريبي بالحيوية والثراء الحسي، لأنه يتطلب الممارسة الفعلية وصنع الأشياء وتجربتها.

    • كتبت سابقًا أعمالًا غير خيالية بالكامل. ما الذي دفعك هذه المرة إلى كسر هذا النمط والمزج بين الواقع والخيال؟

    كنت أرغب في أن تكون الفصول غامرة قدر الإمكان. أنت تعيش يومًا في حياة شخص من زمن ومكان محددين في التاريخ البشري، والخيال يتيح للقارئ أن يغوص في تلك التجربة الذهنية بشكل أعمق.

    • هل تعتقد أن استخدام الخيال لسد الفجوات في المعرفة الأثرية يمكن أن يكون أحيانًا أكثر صدقًا من الحياد الأكاديمي؟

    لا أرى تعارضًا بين الاثنين. كلما عرفنا أكثر عن التاريخ والواقع، ازداد خيالنا خصوبة واتساعًا.

    غلاف الكتاب
    غلاف الكتاب

     

    • ألم تتخوف من أن يخلط القارئ بين ما هو موثّق وما هو متخيّل؟

    لا، لأن جميع المقاطع الخيالية تستند إلى معلومات أثرية دقيقة وموثوقة، كما أوضحت في المقدمة. وهناك فواصل واضحة بين الأقسام الخيالية وغير الخيالية.

    • حين يعيد الباحث تجسيد الماضي جسديًا، هل تعتقد أنه يقترب من الحقيقة أكثر من المؤرخ الذي يعتمد فقط على الوثائق؟ أم أن المنهجين يكملان بعضهما؟

    بالتأكيد يكملان بعضهما. لقد تعلّمنا الكثير من علم الآثار التقليدي القائم على التنقيب، لكنه يظل محدودًا. علم الآثار التجريبي يمكنه أن يجيب على تساؤلات قديمة ويطرح تساؤلات جديدة أيضًا.

    • ذكرت أن كل فصل يعيد بناء يوم واحد من حياة شخص قديم. كيف اخترت هذه الأيام تحديدًا؟

    الاختيار جاء جزئيا بناءً على اهتماماتي الشخصية -ما بدا لي مثيرًا للاهتمام – وجزئيا بناءً على الأماكن التي كان يجري فيها علماء الآثار تجارب فعلية.

    • من بين كل التجارب التي خضتها، ما كانت الأصعب جسديًا؟ وما الذي أثّر فيك نفسيًا بشكل أعمق؟

    تجربة دباغة الجلد باستخدام الدماغ، وإجراء جراحة قديمة، كانتا الأكثر إنهاكًا جسديًا. وهما أيضًا أثرتا فيّ نفسيًا بشكل كبير، لأنني كنت على وشك الاستسلام. لكن الإحباط والغضب – كل هذه المشاعر- كانت جزءًا مهمًا من عملية التعلم.

    • لماذا اخترت “الملك توت” عنوانًا للكتاب، رغم أن الفصل الخاص به يركز أكثر على المومياوات ونهب المقابر، وليس على حياته الشخصية؟

    لأن العنوان بدا جذابًا ببساطة.. أردت أن يجذب القارئ ويثير فضوله، وهو ما يجب أن يفعله أي عنوان جيد.

    • كيف كانت تجربتك في إعادة تخيّل أو تجسيد الحياة في مصر القديمة؟ وهل زرت مصر خلال إعداد الكتاب؟

    نعم، زرت مصر من قبل، وكانت تجربة تجسيد جوانب من الحياة المصرية القديمة مذهلة. مصر كانت من الأماكن التي كنت أعلم منذ البداية أنني سأكتب عنها. أكثر ما أثار اهتمامي هو أننا لا نعرف سوى القليل عن كيفية تحنيط المومياوات أو بناء الأهرامات، وهما رمزان أساسيان للحضارة المصرية القديمة، لكنهما يظلان غامضين إلى حد كبير. وقد كان من الممتع للغاية أن أستكشف تلك الموضوعات.

    • ما الذي يمكن للقارئ الأمريكي أن يكتشفه عن مصر القديمة من الجزء المخصص لها في الكتاب؟ وهل غيّرت تجربة الكتاب أي صورة نمطية كنت تحملها عن مصر؟

    لم أكن أعلم أن هناك هذا الكم من الغموض لا يزال يحيط بمصر، خاصة ما يتعلق بالمومياوات والأهرامات. وأظن أن معظم الأمريكيين يعتقدون أن الأهرامات بُنيت على مدى فترة طويلة، بينما في الواقع تم بناؤها في فترة زمنية مركزة. لم أكن أُقدّر أيضًا مدى تأثير مصر على الثقافتين اليونانية والرومانية، أو كم العناصر الثقافية التي استعاروها وغيّروها من مصر.

    • أشرت إلى أن بعض النظريات القديمة حول بناء الأهرامات لها حدودها. ما الذي تقصده بذلك؟

    لا تزال الفكرة السائدة أن الأهرامات بُنيت بواسطة العبيد، وهو أمر غير صحيح. وهناك أيضًا تصور شائع -حتى بين بعض علماء الآثار- بأن العمال كانوا ينقلون الحجارة على بكرات خشبية عبر منحدرات. لكن علم الآثار التجريبي يضع علامات استفهام كبيرة على هذه الفرضيات.

    • يشير الكتاب إلى إفريقيا قبل 75,000 سنة كنقطة انطلاق للتجربة الحضارية. هل كان هذا الخيار مقصودا لإعادة التفكير في مركزية إفريقيا في السرد التاريخي؟ أم أنه جاء استنادًا فقط إلى معطيات علم الآثار التجريبي؟

    ليس الأمر متعلقًا ببداية “الحضارة” -باعتبارها المدن، والزراعة وتقسيم العمل، والحكومة المركزية- بل هو أقرب إلى بداية الحياة والثقافة البشرية. ولا يوجد أي باحث جاد اليوم يشكك في أن الحياة البشرية، واللغة، وما إلى ذلك، بدأت في إفريقيا.

    • هل تلقيت ردود فعل من قراء لا يتحدثون الإنجليزية؟ وهل ترجمة الكتاب إلى لغات أخرى ضمن خطتك للوصول إلى الجماهير في المناطق التي استكشفتها؟

    حتى الآن، لم تتم ترجمة عشاء مع الملك توت إلى لغات أخرى، لذا لم تصلني ردود كثيرة حوله من قراء غير ناطقين بالإنجليزية. لكن الترجمة جارية بالفعل. أما بالنسبة لكتبي الأخرى، فأنا أتلقى رسائل من قراء حول العالم بشكل منتظم.

    اقرأ أيضا:

    حين كتب الأصدقاء على ورق البردي: رسائل ووصايا من مصر القديمة

    «أندرو سايمون»: المصريون صنعوا ثقافاتهم الشعبية بالكاسيت.. وهجوم المهرجانات بدأ مع عدوية

    «ملاذ الشعوب».. هل أثر اللجوء في تشكيل الحضارة المصرية القديمة؟

  • حين كتب الأصدقاء على ورق البردي: رسائل ووصايا من مصر القديمة

    حين كتب الأصدقاء على ورق البردي: رسائل ووصايا من مصر القديمة

    بينما يحيي العالم يوم 30 يوليو باعتباره «اليوم العالمي للصداقة» من كل عام، يبدو أن المصري القديم كان أول من خطّ هذه الكلمة في وجدان البشرية، لا على أوراق البردي فقط، بل أيضًا في سلوك الحياة، ومفهوم الارتباط، وحتى في نظرة الموت. فقد سجل التاريخ أن المصريين القدماء لم ينظروا إلى الصداقة كعلاقة اجتماعية عابرة، بل بوصفها امتدادًا للأخلاق، وميزانًا للنفس، ورباطًا يمتد حتى ما بعد الحياة.

    فنجد في رسائل عمال الأديرة، مثلًا، شكاوى صريحة من إهمال الأصدقاء، ورسائل حنونة تمتلئ بالعتاب والوفاء، تعكس مشاعر إنسانية خالصة. كما أرشدت تعاليم الحكماء، وعلى رأسهم بتاح حتب، إلى أخلاقيات الصداقة، من احترام البيوت، والكرم، وتحري الأخلاق، والوفاء في الغياب وبعد الموت.

    أشكال الصداقة في مصر القديمة

    بل إن اللغة المصرية ذاتها ميزت بين أشكال الصداقة، وخصت الصديق الحميم بكلمات ذات دلالة عاطفية قوية. تلك المفاهيم، التي نادت بها حضارة عمرها آلاف السنين، تجعلنا اليوم نعيد التفكير في معنى الصداقة.

    فهل نمارسها كما مارسها أجدادنا؟ وهل ندرك حقًا، في هذا اليوم العالمي، أن الصداقة ليست مناسبة سنوية فقط، بل إرثا إنسانيا خالدا؟

    لكن الصداقة، مع ذلك، لم تختزل في مفردة لغوية فقط. بل تجسدت في نصوص دينية وأدبية وجنائزية كشفت عن عمق الرابطة بين الناس، في الحياة وبعد الموت. ففي نصوص الأهرام وكتاب الموتى، يصوَّر المتوفى وهو يناجي الآلهة، لا كعبد متوسل، بل كصديق يطلب المحبة والرضا والخلود.

    أما نصوص التوابيت، فتصوّر رغبة المتوفى في ملاقاة أصدقائه في العالم الآخر. كأن الألفة والصحبة لم تكونا تنتهيان بانقطاع النفس، بل تتواصلان حتى في الأبدية.

    مشهد من كتاب الموتى، محكمة أوزيريس، حيث توزن قلب المتوفى مقابل ريشة ماعت (رمز الحق والعدالة)
    مشهد من كتاب الموتى، محكمة أوزيريس، حيث توزن قلب المتوفى مقابل ريشة ماعت (رمز الحق والعدالة)
     صداقة الأدب الملكي

    في دراستها حول مفهوم الصداقة عند المصري القديم، أشارت عزة فاروق جاد إلى أنه، على الرغم من قلة الإشارات إلى الصداقة في الأدب الملكي. فإن ما ورد منها جاء محملاً بالخذلان، كما في تعاليم الملك أمنمحات التي أوصى فيها ابنه بالحذر من غدر الأصحاب والمقربين. أو في لوحة النصر للملك بعنخي، التي عبَّرت عن الألم من خيانة بعض الأصدقاء. ومع ذلك، تُعد هذه النصوص حالات فردية، لا تمثل بالضرورة صورة الصداقة كما عاشها عامة المصريين.

    وكما أبرزت الدراسة، نجد في المقابل أدب الأفراد أكثر ثراءً واتزانًا، خاصة في أدب الحكم والمواعظ. حيث اعتبرت الصداقة مهارة تُكتسب، وفضيلة تُصان، وعلاقة تقوم على التقدير والاحترام المتبادل. هذا الأدب لم يكتف بوصف المشاعر، بل قدم نصائح واضحة في فن اختيار الصديق ومعاملته.

    وصايا بتاح حتب

    ويتجلى هذا الطرح بوضوح في تعاليم الحكيم بتاح حتب، التي تنص على:

    احترام بيوت الآخرين، وغض الطرف عند زيارتهم، التحلي بالكرم، لأنه يجلب المحبة، التروي في اختيار الأصدقاء وتحري أخلاقهم، البعد عن الطمع، لأنه يفسد العلاقات، الاحتفاظ بصديق مخلص يُلجأ إليه وقت الشدة، الصبر على الزلات العفوية، مراعاة التقارب في السن والمكانة والطباع، الابتعاد عن الثرثارين والخونة، لأن صحبتهم لا تدوم.

    بل إن المصري القديم كذلك لم يتخل عن أصدقائه بعد وفاتهم. فالنصوص الجنائزية التي كتبها الأصدقاء لرفاقهم، والتي تعود إلى عصر الانتقال الأول، تُعد شهادة خالدة على أن الوفاء ظل حيًّا حتى بعد زوال الجسد، وكأن الصداقة كانت طقسًا إنسانيًا لا ينتهي عند القبر، وهو ما أشار إليه سليم حسن في مؤلفه الأدب المصري القديم.

    عقيدة وليست شعارًا

    ربما تبدو هذه المفاهيم مألوفة في زمننا، لكنها في مصر القديمة كانت عقيدة، وليست شعارًا. فالصديق كان يختار بعناية، يرعى وفاؤه، ويذكر في الحياة والموت.

    وفي ضوء هذا الإرث الحضاري، لا يعد “يوم الصداقة” مجرد مناسبة رمزية، بل تذكيرًا عميقًا بأن الوفاء ليس قيمة معاصرة، بل صدى حضارة عريقة علمتنا كيف نصادق الحياة، والموت أيضًا.

    الصداقة في العصر البطلمي

    وإذا كانت الصداقة في مصر القديمة قد صيغت بلغات الوفاء والتقوى، فإن العصر البطلمي أعاد إنتاج هذه العلاقة ضمن بنية أكثر تعقيدًا، امتزجت فيها المشاعر بالسلطة، والقرابة بالمصلحة، واليومي بالإداري.

    ومن بين الكنوز الوثائقية التي كشفت عن تفاصيل هذه الحياة الاجتماعية، يبرز أرشيف زينون “السكرتير الخاص ووكيل وزير مالية بطليموس الثاني“، بوصفه مرآة عاكسة لحياة المصريين واليونانيين في دلتا النيل.

    صداقة تُقرأ بين السطور

    وكما ذهب أحمد محروس إسماعيل في دراسته “الصداقة في مصر خلال العصر البطلمي في ضوء أرشيف زينون”، فإن الصداقة لا تأتي دائمًا بصيغة مباشرة.

    فأحيانًا نقرأها في كلمات مثل “ϕίλος” (الصديق) و”ϕιλία” (الصداقة)، وأحيانًا تستشف من أسلوب الرسائل: تحيات دافئة، تمنيات بالسلامة، اهتمام بالأهل، أو حتى شحنة دجاج نادر. في كل هذه الإشارات، نجد نسيجًا حيًا من العلاقات التي تمزج الرسمي بالودّي، والوظيفي بالإنساني.

    ويشير كذلك إلى أن الصداقة البطلمية لم تكن علاقة واحدة، بل أنماطا متعددة:

    • صداقة العمل: كانت الأكثر بروزًا، وظهرت بوضوح في علاقة زينون بزملائه مثل بيسيستراتوس وهيروكليس، حيث بدت الثقة المتبادلة جزءًا من اليوم العادي.
    • صداقة الجوار: نشأت من التشارك المكاني، كما في تواصله مع جيرانه في كاونوس وفيلادلفيا.
    • صداقة الأقارب: جمعت بين روابط الدم والمودة الشخصية، مثل وصف إيراسيس بأنه صديق وقريب.
    • صداقة الكهنة: وبعضها كان وراثيًا، مثل علاقة بوسيدونيوس بكهنة معبد سوكنبتونيس.
    أيقونة مسيحية للقديس بطرس (على اليسار) والقديس بولس (على اليمين) من التراث القبطي
    أيقونة مسيحية للقديس بطرس (على اليسار) والقديس بولس (على اليمين) من التراث القبطي
    رسائل وملامح

    أما الرسائل، فمن خلالها تتبدى ملامح الصداقة في أصدق صورها الإنسانية.

    ففي رسالة من بتوسوخوس إلى ستة من أصدقائه، مليئة بتحيات طويلة وتمنيات بالرخاء، تعكس عمق العلاقة ودفؤها. وفي جانب آخر، يظهر الحزن عند فقدان الأصدقاء واضحًا في رثاء الجندي أمونيوس لصديقه بعد معركة أكتيوم. في مشهد يعيد إلى الأذهان حكايات الود الخالد التي نسجها المصري القديم مع الموت.

    والرسائل أيضًا لم تكن فقط للتواصل، بل كانت أداة دعم وتضامن. فنرى زينون يقدم مساعدات لأصدقائه في الأزمات، كدعمه لهيرموكراتيس، أو اعتنائه بتوأمين فقدتا والدهما.

    كما تتضمن رسائل أخرى نصائح ذات طابع أخلاقي أو ديني، مثل نصيحة زويلوس لأبوللونيوس ببناء معبد للإله سيرابيس. مما يكشف عن دور الصداقة كمجال للمشورة الثقافية والدينية.

    الصداقة والاقتصاد والقانون

    في العصر البطلمي أيضًا، لم تكن الصداقة محصورة في الوجدان، بل امتدت إلى الاقتصاد.

    حيث تم تبادل سلع مثل القمح والدجاج والعبيد ضمن علاقات وصفت بأنها ودية. كما وُجدت ضمانات قانونية متبادلة، مثل أن يضمن أحد الأصدقاء ديون الآخر، أو يتدخل في حل نزاع قانوني، كحال تدخل زينون لإنقاذ ديميتريوس من السجن. كل ذلك يدل على أن الصداقة كانت أيضًا شبكة مصالح وشراكة قانونية.

    خطابات توصية

    واحدة من أبرز ملامح أرشيف زينون هي رسائل التوصية، التي كشفت كيف تحولت الصداقة إلى أداة استراتيجية في الحياة اليومية. فأكثر من 20 رسالة توصية، معظمها من أرشيف زينون، تشير إلى صداقات وأطراف ثلاثية: شخص يوصي بصديقه عند طرف ثالث.

    هذه التوصيات لم تكن شكلية، بل سعت إلى تعيينات وظيفية، أو إعفاءات من الخدمة، أو مساعدات قانونية، أو حتى دعم للوافدين الجدد.

    حين تتقاطع الصداقة مع المجتمع

    من خلال عدسة أرشيف زينون، نكتشف أن الصداقة في العصر البطلمي لم تكن مجرد عاطفة نبيلة أو مثالا أخلاقيا. بل كانت جزءًا لا يتجزأ من بنية المجتمع.

    جمعت بين الإنسان ومصالحه، وبين الشعور والنظام. إنها صداقة تتحدث بلغة السوق، والبيت، والديوان، والمعبد. وفي زمن تعيد فيه البشرية اكتشاف قيمة الصداقة، يقدم لنا أرشيف زينون درسًا نادرًا: أن الود الإنساني قد يكون، في بعض اللحظات، أقوى من الدولة، وأبقى من الزمن.

    صداقة في المتحف القبطي

    من الشواهد التي تعكس جوهر الصداقة القائمة على الهدف المشترك والتضحية، ما يعرضه المتحف القبطي، حيث أيقونة من القرن السابع عشر تجسد القديسين بطرس وبولس وهما يحملان معًا نموذجًا مصغرًا لكنيسة. وعلى الرغم من اختلاف خلفياتهما -بطرس الصياد البسيط، وبولس المثقف الروماني- فقد جمعتهما صداقة روحية قائمة على الإيمان والعمل المشترك.

    هذا المشهد لا يعبر عن وحدة دينية فقط، بل يجسد مفهومًا عميقًا للصداقة كما عرفته مصر القديمة: علاقة تتجاوز المصالح الشخصية، وتقوم على الوفاء، والتعاون، وتقاسم المسؤولية. وكما كان الرفيق أو الصديق في النصوص المصرية القديمة شريكًا في العمل والمصير. كذلك وقف بطرس وبولس جنبًا إلى جنب في خدمة رسالة واحدة، حتى الشهادة.

    اقرأ أيضا:

    «أندرو سايمون»: المصريون صنعوا ثقافاتهم الشعبية بالكاسيت.. وهجوم المهرجانات بدأ مع عدوية

    «ملاذ الشعوب».. هل أثر اللجوء في تشكيل الحضارة المصرية القديمة؟

  • «أندرو سايمون»: المصريون صنعوا ثقافاتهم الشعبية بالكاسيت.. وهجوم المهرجانات بدأ مع عدوية

    «أندرو سايمون»: المصريون صنعوا ثقافاتهم الشعبية بالكاسيت.. وهجوم المهرجانات بدأ مع عدوية

    حين تتحدث الشرائط، يصمت التاريخ الرسمي، من هذه الفكرة، فتح أندرو سايمون بوابة مختلفة لفهم الثقافة الشعبية في مصر. ليست كل القصص تُروى في الكتب الرسمية، ولا كل الأصوات تُلتقطها الميكروفونات. في إعلام الجماهير، أنصت سايمون لهمسات شرائط الكاسيت، لما خبأته الحواري والأسواق والأصوات المنبعثة من السيارات، ولتاريخٍ صعد من القاع، متمردًا على التصنيفات. هذا ليس مجرد كتاب عن وسيلة تسجيل، بل عن لحظة مفصلية تغيرت فيها اللغة والذوق والسلطة. في هذا الحوار، نلتقي المؤلف الذي رأى في “الصوت الشعبي” مفتاحًا لفهم مصر بأعين جديدة.

    • لماذا اخترت ظاهرة الكاسيت تحديدًا لتكون مدخلك لفهم تحولات المجتمع المصري؟

    لم أنوٍ يومًا أن أكتب عن تاريخ الكاسيت في مصر، جاءت الفكرة صدفة. تعود بدايتها إلى ثورة يناير 2011. كنت أدرس العربية في الجامعة الأمريكية بوسط القاهرة. وهناك، في تلك الأيام التي سبقت سقوط مبارك، بدأت أفهم لأول مرة قوة الصوت. وأثر الإعلام، والسياسة الخفية التي تسكن الثقافة الشعبية.

    وبعد أن أنهيت منحة دراسية مع مركز (CASA)، عدت إلى أمريكا والتحقت ببرنامج دكتوراه في جامعة كورنيل. كنت متحمسًا لاكتشاف التاريخ الثقافي لمصر. فبدأت أتعمق في أنواع معينة من الموسيقى، وفي سير بعض الفنانين، والتيارات الدينية التي شكلت الوعي الجمعي. وكلما غصت أكثر، وجدت الكاسيت حاضرًا في قلب المشهد.

    ***

    ومن هنا بدأت رحلتي في كتابة تاريخ هذا الشريط الصغير. لكن الطريق لم تكن كما توقعت. أثناء قراءتي لأعداد قديمة من مجلتي روزاليوسف وآخر ساعة، لفت نظري كيف أن الكاسيت كان يظهر في أماكن غير متوقعة: في إعلانات البيوت الحديثة، الكاريكاتيرات، تقارير صحفية عن التهريب، وحتى في حكايات يومية عن نجوم كرة القدم.

    هذه الاكتشافات غيّرت وجهة الكتاب. لم أعد أكتب عن جهاز صوت فقط، بل عن مصر نفسها، في زمن كانت تتغير فيه ملامحها بسرعة. ومن هذه الرحلة خرج كتابي: “إعلام الجماهير: ثقافة الكاسيت في مصر”.

    • بدر الرفاعي من الأسماء المهمة جدًا في الترجمة بمصر والوطن العربي. كيف كانت تجربتك معه؟ وهل حافظ على روح النص الأصلي؟

    سعدت كثيرًا بالعمل مع بدر الرفاعي، وهو الآن صديق مقرب. من البداية، شعرت بالامتنان لاهتمامه بالقصة، ومع مرور الوقت أعجبت بإخلاصه في نقل روح الكتاب، وليس فقط ترجمته بالكلمات.

    منذ ما يزيد على عشر سنوات، كنت أحلم بأن يترجم إلى العربية. تمنيت أن تصل هذه القصة إلى القراء في مصر أولًا، ثم إلى كل من يقرأ بالعربية في أي مكان. كنت حريصًا أن يكون الكتاب بسيطًا وممتعًا، يقرأه من يحب الموسيقى، أو من عاش زمن الكاسيت، أو من يريد أن يرى جانبًا مختلفًا من تاريخ مصر.

    وقد عاش بدر تجربة الكاسيت، وكان قريبًا من العالم الذي يتحدث عنه الكتاب، ولهذا كان التعاون معه مهمًا ومميزًا بالنسبة لي. فالعمل مع شخص عاش التجربة التي تكتب عنها يعطي للكتاب طابعًا مختلفًا.

    وأحب أن أضيف أن بدر، إلى جانب ترجمته لكتاب “إعلام الجماهير”، نشر هذا العام سيرته الذاتية بعنوان “حنين إلى الدائرة المغلقة”. لم أتمكن بعد من قراءة الكتاب، لكنني متحمس لاقتنائه عندما أزور القاهرة هذا الصيف. أود أن أتعرف أكثر على قصته هو، بعد أن تعرّف هو على جزء من قصتي من خلال ترجمته لهذا الكتاب.

    • ما أول أغنية سمعتها في مصر؟ وهل لديك تجربة خاصة مع شريط كاسيت؟

    كانت زيارتي الأولى لمصر في صيف 2007، وكانت بداية سلسلة من الرحلات التي غيّرت حياتي. لا أتذكر تحديدًا أول أغنية سمعتها عند وصولي، لكن من المرجح جدًا أن تكون لعمرو دياب، فقد كان صوته حاضرًا في كل زاوية، ووجهه يملأ لافتات الإعلانات، وأغانيه تنبعث من السيارات والمحلات وحتى سيارات الأجرة، إلى جانب الأغاني الشعبية والخطب الدينية.

    وإن كنت لا أستطيع تذكر أول أغنية بوضوح، إلا أنني أذكر جيدًا أول حفل موسيقي حضرته في القاهرة خلال زيارة لاحقة. رأيت فرقة “وسط البلد” تعزف على المسرح -مرتين في نفس الشهر- وكانت تجربة لا تُنسى.

    ***

    أما عن شرائط الكاسيت، فهناك لحظة واحدة علقت في ذهني. في صيف 2015، كنت أعيش في المعادي، وكان هناك كشك صغير أمام شقتي اسمه “فرغلي”. في أحد الأيام، دخلت لأشتري مشروب، ولاحظت خزانة زجاجية تمتلئ بشرائط كاسيت مغطاة بالغبار. سألت صاحب الكشك، ناصر، الذي أصبح صديقي لاحقًا، عن تلك الأشرطة. نظر إليّ بدهشة وقال: “عصر الكاسيت خلص!”- وكأنه لا يفهم لماذا قد يهتم أحد بها الآن.

    لكن بالنسبة لي، كانت تلك الأشرطة حكاية لم تُروَ بعد. وعندما عدت لنفس الكشك في صيف 2019، فوجئت بأن الأشرطة اختفت تمامًا. لن أقول هنا ما الذي حدث لها، لكن قصة هذا الكشك وشرائطه تظهر في بداية كتاب إعلام الجماهير ونهايته. فمن خلاله، أدعو القارئ أن ينظر بعين جديدة إلى الأشياء العادية التي تحيط بنا – فهي، رغم بساطتها، قد تحمل أسرارًا وذكريات وتفاصيل نادرة تستحق أن تُكتشف.

    • كيف استطعت فهم وتحليل ثقافة لم تعشها بنفسك؟ وكيف ترى دور الباحث الأجنبي في دراسة ثقافة ليست من بيئته؟

    أجمل ما قيل لي عن كتاب إعلام الجماهير جاء من قرّاء مصريين قالوا إنهم وجدوا أنفسهم في هذا العمل. وبالنسبة لي، كشخص لم يعش في السبعينيات ولم يختبر ذروة ثقافة الكاسيت في مصر عن قرب، فإن هذه الكلمات تمثل أعظم تقدير يمكن أن أناله.

    قبل الفكرة، أمضيت سنوات في دراسة اللغة العربية. بدأت هذه الدراسة في المرحلة الثانوية بالولايات المتحدة، بعد سنوات قليلة من أحداث 11 سبتمبر، في وقت كانت فيه منطقة الشرق الأوسط حاضرة في كل نشرات الأخبار، وغائبة تمامًا عن الفهم الحقيقي.

    كان الحديث عنها يدور فقط في سياق الإرهاب والهجمات، دون أي إشارة إلى تاريخها أو ثقافتها. هذا التناول المُختزل دفعني إلى الرغبة في التعرّف أكثر على الشرق الأوسط، فاخترت تعلّم اللغة العربية، واستكملت دراستها في الجامعة، حيث أُتيحت لي الفرصة للسفر والدراسة في اليمن ومصر.

    وبعد دراسة اللغة في القاهرة، انتقلتُ للعيش فيها بعد التخرج، وهناك أتيحت لي فرصة ثمينة: التفاعل مع المصريين من مختلف الطبقات والخلفيات، ممن فتحوا لي أبواب بيوتهم وقلوبهم، وجعلوا من مصر وطنًا ثانيًا لي.

    ***

    لم تكن تلك اللقاءات مجرد تجارب لطيفة، بل كانت تعليمية بامتياز. تعلمت من المصريين كيف تُعاش الحياة اليومية، ما الأفلام التي تستحق المشاهدة، ما الكتب التي تستحق القراءة، وما الأغاني التي ينبغي سماعها. تلك اللحظات، البسيطة والعميقة في آن، عرّفتني بثقافة غنية ونابضة، وجدتُ نفسي أغوص في تاريخها لاحقًا خلال دراساتي العليا.

    وخلال تحضيري للكتاب، لم أعتمد فقط على الأحاديث واللقاءات، بل انكببت على قراءة أعداد ضخمة من المجلات المصرية التي صدرت خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، مثل روزاليوسف وآخر ساعة. هذه المجلات، التي تنوعت موضوعاتها بين السياسة والثقافة والاقتصاد والمجتمع، منحتني نافذة فريدة على تفاصيل الحياة المصرية كما كانت تُعاش وتُكتب أسبوعًا بعد أسبوع. قراءتي لعشرات السنين من هذه المجلات، عددًا بعد عدد، عمّقت فهمي لتاريخ مصر القريب، وجعلت ما كان في البداية ثقافة أجنبية يتحول تدريجيًا إلى شيء مألوف.

    ***

    لهؤلاء الذين جلسوا معي لشرب الشاي، وتبادلوا الحديث، وشاركوني قصصهم، أقول: شكرًا لكم. لولاكم، ما كان لهذا الكتاب أن يرى النور. وآمل حقًا أن تجدوا أنفسكم في صفحاته، كما وجدتها أنا في شوارعكم وكلماتكم وأغانيكم.

    أما للباحثين الأجانب الراغبين في دراسة ثقافة لا ينتمون إليها، فإنني أقول: تعلّموا أولًا من أهلها، واندفعوا إلى أعماق مجتمعاتها لا من خلال المسافة، بل من خلال القرب والمعايشة. لا يمكن استعجال هذا المسار. فتعلم لغة جديدة يتطلّب وقتًا، ولا يمكن فهم مجتمع بعمق دون العيش فيه لزمن كافٍ. والأهم من كل شيء: تحدثوا إلى الناس. تواصلوا. تفاعلوا. فهذه التبادلات لن تنتج فقط مشروعًا بحثيًا أفضل، بل عالمًا أكثر تعاطفًا وإنسانية.

    • تحدثت عن “أرشيف الظل” كمصدر أساسي للبحث… ما الذي جذبك لهذا الأرشيف؟

    وُلدت فكرة “أرشيف الظل” في مصر من التقاء الضرورة بالخيال. فمن ناحية الضرورة، يكمن أحد أسباب كثرة الكتب التي تتناول مصر في النصف الأول من القرن العشرين وقلّتها عن تاريخها القريب، في طبيعة الأرشيف القومي المصري، حيث تظل السجلات التي توثّق ما بعد سقوط الملكية غير متاحة أمام الباحثين. وفي مواجهة هذا التحدي، كان أحد الأسئلة التي طرحتها في كتاب إعلام الجماهير هو: كيف يمكن كتابة تاريخ أمة دون أرشيفها الوطني؟

    وبروح السعي إلى تجاوز هذا الغياب، لجأتُ إلى ما أسميه “أرشيف الظل” في مصر – ذلك النسيج المتناثر من الأماكن الرسمية وغير الرسمية، من سوق الورق في سور الأزبكية، إلى مكتبة الأوبرا، إلى محال شرائط الكاسيت، وغيرها من الفضاءات التي تنشط في ظل الأرشيف القومي المحجوب.

    ***

    لكن “أرشيف الظل” لم يولد فقط من الضرورة. بل هو أيضًا مساحة خصبة تتيح سرد حكايات جديدة عن الماضي لم يكن لها أن ترى النور في الأطر الرسمية. فحتى لو كانت سجلات الدولة متاحة لتوثيق الماضي القريب، فغالبًا لن نعثر فيها على القصص التي أنقلها في إعلام الجماهير – أحاديث عن التلوث الضوضائي، و”موت الذوق العام”، وصورة “البيت الحديث”، تفاصيل يوم في حياة رياضي، نقاشات حول حقوق النشر وأوقات الفراغ – وهي مواضيع لم تكن لتُعتبر جديرة بالحفظ أو التوثيق الرسمي.

    لذلك، فإن “أرشيف الظل” لا يمثل فقط حلاً عمليًا لسد فجوة في السرد التاريخي، بل أيضًا دعوة لتخيّل الماضي من جديد في ضوء الحاضر. وأنا متحمس بشدة لأرى القصص الجديدة التي سيحملها لنا هذا الأرشيف، ومن سيكون أولئك الذين سيكتبونها.

    • كيف أثرت تجربة “تجار الشنطة” على انتشار أجهزة الكاسيت والثقافة المرتبطة بها؟

    في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، شهدت مصر حركة تنقّل غير مسبوقة، إذ سافر عدد من المصريين إلى الخارج أكثر من أي وقت مضى. وفي ظل الطفرة النفطية، تحوّلت الهجرة المؤقتة إلى ممارسة شائعة، وازدهرت حركة الطيران في الشرق الأوسط لتصبح الأسرع نموًا في العالم. وبمجرد وصولهم إلى الخارج، لم يكتفِ المصريون بتحويل الأموال إلى الوطن، بل اشتروا أيضًا سلعًا استهلاكية متنوعة، عادت معهم إلى المدن والقرى في أنحاء مصر.

    وكان من بين أكثر هذه السلع شيوعًا أجهزة الكاسيت، التي سرعان ما أصبحت من ملامح “البيت العصري” في مصر – بيت لم تعد حداثته تُقاس بتعليم ساكنيه، بل بما يملكونه من أجهزة وأدوات. ومن بين من اقتنوا أجهزة الكاسيت وجابوا بها الحدود الوطنية كانوا ما يُعرف بـ”تجار الشنطة”، الذين استغلوا مرونة سياسات الاستيراد في عهد الانفتاح لجلب كميات ضخمة من السلع الاستهلاكية من الخارج وبيعها داخل مصر.

    ***

    وانضم إليهم ما يُعرف بحمالة الشنط، وهم رجال ونساء عملوا تحت إشراف تجار الشنطة، كانت مهمتهم نقل صناديق وحقائب ممتلئة بالبضائع من أرصفة الموانئ الدولية، وتسليمها إلى وسطاء داخل مصر لبيعها وتحقيق الربح.

    بهذا الشكل، أسهم تجار الشنطة وحمّالة الشنط معًا في انتشار ثقافة الكاسيت في مصر، وهي ثقافة تعود جذورها، جزئيًا، إلى حركة عابرة للحدود، شارك فيها الأفراد والتقنيات، وتحركت فيها الأصوات والسلع كما تحركت الأحلام.

    • خلال بحثك حول الكاسيت.. هل تغيرت رؤيتك للموسيقى؟

    خلال رحلتي في البحث، وصلت إلى إدراك مهم، وهو أن الموسيقى تحتل مركزًا أساسيًا في فهم التاريخ والماضي. بالرغم من المكانة الكبيرة التي تحظى بها الموسيقى في حياتنا اليومية—سواء من خلال الأغاني التي نرددها، أو نتذكرها، أو نستمتع بها، أو حتى ننتقدها—إلا أنها غالبًا ما تظل هامشية في الكثير من الكتابات التاريخية. وعندما تبرز الموسيقى في هذه السرديات، فهي في الغالب تكمل ما نعرفه بالفعل عن الماضي. على سبيل المثال، قد يستشهد الباحثون بأغنية لعبد الحليم حافظ لتأكيد التأثير الكبير الذي كان لجمال عبد الناصر.

    لكن تجربتي في دراسة ثقافة الكاسيت في مصر علمتني أن الموسيقى ومن يؤدونها لديهم قدرة حقيقية على إعادة تشكيل فهمنا للماضي بطرق عميقة. فالنظرة النقدية لأعمال أحمد عدوية، مثلًا، تكشف لنا عن جوانب من السياسة الثقافية خلال فترة الانفتاح، بينما الغوص في تجربة الشيخ إمام تطرح تساؤلات حول الروايات الرسمية التي تروّجها الدولة. في كلتا الحالتين، وغيرها كثير، تصبح الموسيقى أكثر من مجرد عنصر سردي بسيط، بل هي مفتاح لفهم الماضي، وتوسيع مداركنا تجاه عوالم الناس الحسية والثقافية، سواء في مصر أو في أماكن أخرى من العالم.

    • في الكتاب ركزت على العلاقة بين الكاسيت وتغير الثقافة الشعبية.. هل ترى أن هذا التغير نابع من التكنولوجيا أم من الطبقات الاجتماعية التي استحوذت عليها؟

    سواء تعلق الأمر بالسيارات أو الإنترنت، تبقى التكنولوجيا مجرد أدوات يُمكن استخدامها بطرق مختلفة حسب من يمتلكها وغاياتهم المتنوعة. وبالمثل، لم تكن شرائط الكاسيت هي التي غيّرت الثقافة المصرية من تلقاء نفسها، بل كان المصريون من شتى الطبقات الذين قاموا بتسجيلها ونسخها وتداولها هم من أعادوا تشكيل الثقافة الشعبية من خلالها.

    كانت شرائط الكاسيت، بفضل سهولة حملها وتكلفتها المنخفضة وبساطة استخدامها، سلعة مطلوبة بشدة خلال فترة ازدهار النفط والانفتاح الاقتصادي. في تلك الحقبة المتسارعة من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، اشترى كثير من المصريين أجهزة الكاسيت من بلدان مثل ليبيا والعراق ودول الخليج، بينما سهلت الشركات العالمية عبر وكلائها المحليين توفرها في الأسواق المصرية. ومع انتشار ثقافة الاستهلاك الجماهيري، توسعت أيضًا ثقافة الكاسيت في مصر.

    ***

    تحولت شرائط الكاسيت إلى رمز من رموز «البيت الحديث»، ومنحت الكثيرين فرصة تسجيل أصواتهم ومشاركتها مع الآخرين. لم تعد الثقافة الشعبية حكراً على المبادرات الرسمية مثل «الثقافة الجماهيرية»، أو على وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة كالإذاعة المصرية، بل أصبحت مجالًا مفتوحًا يتيح لأي فرد أن يكون منتجًا ومشاركًا نشطًا، بفضل هذه الشرائط التي حملت في آنٍ واحد أصوات نجوم الدولة المعتمدة مثل أم كلثوم، والمطربين الذين تحدوا السلطة مثل الشيخ إمام.

    وبذلك، لم يكن تأثير شرائط الكاسيت في مصر مجرد نتيجة للتكنولوجيا نفسها، بل كان ثمرة قوة الناس الذين استعملوها، حيث تحوّل المستهلكون الثقافيون إلى منتجين وموزعين، وصنعوا من الثقافة شيئًا حيويًا ومتجددًا.

    غلاف الكتاب
    غلاف الكتاب
    • إعلام الجماهير أظهر كيف أصبحت الثقافة تُنتج من أسفل لأعلى.. هل ترى أن الإنترنت اليوم أدى الدور نفسه؟

    من بين الأفكار التي حرصت على إبرازها في إعلام الجماهير، كيف كانت شرائط الكاسيت هي الإنترنت قبل ظهور الإنترنت نفسه. قبل أن تغزو منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر وتيك توك حياتنا، كانت شرائط الكاسيت وأجهزة تشغيلها تمكّن أعدادًا كبيرة من الناس من صناعة الثقافة، ونقل المعلومات، ومواجهة الأنظمة الحاكمة. ومن خلال هذه الخلفية التاريخية، صرت أرى الإنترنت كامتداد طبيعي للكاسيت، فصل جديد في قصة طويلة سعيت في الكتاب إلى كشف أصولها.

    اليوم، لم يعد الإنترنت محدودًا مثل الكاسيت، إذ يمكن لفيديو ينشر في مصر أن ينتشر بسرعة هائلة ليصل إلى جمهور عالمي خلال دقائق. لكن، كما عانت شرائط الكاسيت من الرقابة، لم يسلم الإنترنت أيضًا من ممارسات الحجب وحذف المحتوى، حيث تحذف مواد رقمية، ويُحجب وصول المستخدمين إلى مواقع بعينها. وبالتالي، تستمر المعركة حول من يمتلك حق صناعة الثقافة: هل هو المستهلك فقط، أم المنتج الذي يبدع ويصنع؟

    ***

    ومع ذلك، فإن هناك علاقة مدهشة تجمع بين الإنترنت والكاسيت اليوم. ففي الوقت الذي تتلاشى فيه آثار ثقافات الكاسيت في شتى أنحاء العالم، يقوم البعض بمحاولات جادة لحفظ هذه التسجيلات عبر أرشيفات رقمية متخصصة. فمثلاً، يعمل أرشيف شرائط الكاسيت السوري على توثيق الإنتاجات الثقافية، وفي الوقت نفسه يواجه الصور النمطية المبتذلة عن الشرق الأوسط.

    إن التقنيات لا تعيش منعزلة عن بعضها البعض، ولا تحل إحداها كليًا محل سابقتها، بل تتداخل وتتقاطع بطرق عديدة. ومن خلال دراسة هذه الروابط، نتعلم أكثر ونتحدى فكرة “الجدة” التي تُحاط بها الوسائط الجديدة مثل الإنترنت.

    • “جماهير السبعينات انتزعت المبادرة من حراس الثقافة”.. هل ترى أن ما حدث كان ثورة ثقافية؟

    عندما يفكر الناس في شرائط الكاسيت والشرق الأوسط، يتجه فكرهم مباشرة إلى الثورة الإيرانية عام 1979، حيث وصل صوت الخميني إلى جمهور واسع عبر هذه الشرائط الصوتية. ومع ذلك، كان للكاسيت وأجهزة تشغيله ومستخدميه المتنوعين دورٌ مهم في إحداث ثورة ثانية في مصر، ثورة ثقافية حقيقية.

    في كتابي إعلام الجماهير، أتابع كيف أن هذه التقنية العادية ومستخدميها أحدثوا تأثيرًا استثنائيًا، غيروا به طرق صناعة الثقافة وتداولها. في وقت كان فيه الحراس المحليون يحاولون التحكم في شكل الثقافة المصرية ومن يحق له إنتاجها.

    • هل ترى أن هناك أغنية معينة يمكن أن تمثل جوهر ثقافة الكاسيت في مصر؟

    من الصعب اختيار أغنية واحدة. لكن ما يخطر في ذهني هو التسجيل الذي أتناوله عن كثب في الكتاب: أغنية “نيكسون بابا”. هذه الأغنية، التي كتبها أحمد فؤاد نجم وغنّاها الشيخ إمام، جاءت ردًّا ساخرًا على زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى مصر في صيف 1974. حين استقبله الرئيس السادات بحفاوة بالغة، وقدّمه للإعلام بوصفه زائرًا تاريخيًا في لحظة من اللحظات “العظيمة” للدولة المصرية.

    لكن “نيكسون بابا” لم تنسج على هذا المنوال الرسمي، بل سعت إلى تقويض الرواية الاحتفالية التي روّجتها الدولة. لم تكن الزيارة، في الأغنية، مناسبة للاحتفاء، بل موضوعًا للسخرية. في لحظة لافتة، يشبّه الشيخ إمام الاستقبال الحافل وكأنه زفاف، يكون فيه نيكسون عريسًا قُبِل به كخيار أخير بعد انعدام البدائل. ويرفض إمام الترحيب به لا بدافع الجهل بل لوعيه التام بتاريخه السياسي المُلطّخ. مشيرًا إلى فضيحة ووترغيت التي كانت تهزّ واشنطن وقتها.

    ***

    وكما هو متوقع، لم تُذَع هذه الأغنية عبر الإذاعة المصرية الخاضعة لرقابة الدولة. بل شقّت طريقها إلى الجمهور من خلال شرائط كاسيت غير تجارية، سجّلها ونسخها ووزّعها أفراد عاديون. بعيدًا عن استوديوهات التسجيل المُحكمة العزل. ورغم مرور الزمن، واستقالة نيكسون. ورغبة السادات في طيّ صفحة ذلك الحدث، بقيت “نيكسون بابا” حاضرة، تؤثر في الذاكرة الشعبية وتشكّل سردًا مضادًا لتلك اللحظة.

    لقد تحوّلت الأغنية، التي كانت في يوم ما جزءًا من أرشيف مضاد محصور في شرائط الكاسيت، إلى مادة متداولة اليوم عبر الإنترنت. وهي بهذا تبرز قوة الكاسيت كوسيط ثقافي له القدرة على إنتاج السرديات وتوسيع نطاق تداولها. كما تظهر كيف يمكن لشريط بسيط أن يكون نافذة جديدة على الماضي، يدعونا من خلالها إلى إعادة تخيّل ما كنّا نظنه معلومًا ومفروغًا منه. في هذا السياق، تجسّد “نيكسون بابا” جوهر ثقافة الكاسيت في مصر، وما يمكن أن تقدمه لنا من رؤى بديلة ومعانٍ جديدة للتاريخ.

    • ذكرت أن محرم فؤاد طالب بتشكيل غرفة لصناعة الكاسيت يمثل فيها فنان كبير كمستشار، للتضييق على ما اعتبره الابتذال الفني.. هل ترى موقفه يعكس صراعا بين جيلين أم تعبيرا عن قلق مشروع من تدهور الذوق العام؟ وهل يمكن مقارنة موقفه بالموقف الحالي من نجوم المهرجانات؟

    أحد الأمور التي حاولت إبرازها في الكتاب هو أن الهجوم على نجوم المهرجانات في مصر ليس أمرًا جديدًا. فالنقاشات حول ما يسمى بموت الذوق العام مستمرة منذ عقود، ويمكن تتبّع جذورها على الأقل إلى أيام أحمد عدوية ونجوم الأغنية الشعبية في السبعينيات، حين أتاحت شرائط الكاسيت لأي شخص أن يكون منتجًا للثقافة، وارتفعت آنذاك أصوات تنتقد ما وصفوه بتلويث الذوق وانحدار الموسيقى.

    لكن ما أؤكد عليه هو أن هذه النقاشات لا تتعلق فقط بالجوانب الجمالية أو الفنية، بل تكشف عن صراع أعمق: من يملك الحق في تشكيل الثقافة المصرية؟ وما الشكل الذي يجب أن تتخذه في أزمنة التغيير السريع؟ سواء في حالة محرم فؤاد أو هاني شاكر، تكررت محاولات السيطرة على ملامح الثقافة، لكنها في الغالب لم تحقق النجاح. فالثقافة، في نهاية الأمر، ليست ملكًا لفرد أو طبقة أو فئة بعينها، بل ملك للجميع.

    • الكتاب أحدث ضجة في مصر منذ ترجمته بالعربية.. كيف ترى ردود الفعل؟ وهل شعرت بأن القراء المصريين قدموا للكتاب زوايا جديدة؟

    بعد أكثر من عقد من العمل على كتاب إعلام الجماهير، لا أزال أجد الأمر أشبه بالحلم أن أراه أخيرًا يصدر باللغة العربية. وما يسعدني أكثر هو ردود فعل القرّاء المصريين تجاهه. المراجعات التي تلقيتها، والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي. والصور التي أرسلها لي أشخاص يحملون الكتاب بين أيديهم،.كل ذلك يعني لي أكثر مما تستطيع الكلمات التعبير عنه.

    سواء رأيت الكتاب يظهر في حلقة من برنامج الضاحك عن أحمد عدوية، الفنان الذي تعمّقت في تأثيره خلال بحثي، أو في صفحات مجلة آخر ساعة التي كنت أتابعها عن كثب أثناء عملي. فإن سعادتي لا توصف لأن هذه القصة تصل إلى قرّاء من مختلف الخلفيات والأجيال.

    المثير للفخر أكثر هو أن أسمع من أشخاص عاشوا حقبة ثقافة الكاسيت في مصر بأن الكتاب قد نجح في التقاط روح العصر – وهو زمن لم أعايشه شخصيًا، فأن يُشاد بي من قِبل من عاشوا تلك الفترة هو أعلى درجات التكريم التي يمكن أن أحظى بها.

    ***

    قبل عامين، أتيحت لي الفرصة لمشاركة بعض القصص من إعلام الجماهير مع جمهور محلي في مصر. ما زلت أذكر تلك اللقاءات حتى اليوم، ليس لما قلته فيها، بل للقصص الرائعة التي شاركها الحضور عن معنى شرائط الكاسيت في حياتهم. وفي أغسطس المقبل، سأعود إلى مصر لأواصل أبحاثي، وأعيد التواصل مع أصدقائي القدامى، وأناقش الترجمة العربية للكتاب. متشوق جدًا لأن أستمر في التعلم من المصريين، الذين جعلوا مصر بيتي الثاني، وكانوا دومًا كرماء بوقتهم وثقافتهم.

    واليوم، أشعر أكثر من أي وقت مضى بحافز أكبر لاستكشاف فصول جديدة من تاريخ مصر، والكتابة عنها بطريقة تجذب القارئ المصري وتلامس روحه.

    • بعد نجاح الكتاب، هل لديك خطط مستقبلية لتناول شخصيات أو ظواهر مصرية في كتب لاحقة؟

    نعم، أعمل حاليًا على عدد من المشاريع المتنوعة. في مقدّمتها، أكتب سيرة ذاتية عن الشيخ إمام، أستعرض من خلالها حياته وإرثه الفني. هذا المشروع لا يهدف فقط إلى إعادة النظر في ماضي الشرق الأوسط الحديث. بل يسعى أيضًا إلى التأمل في كيفية كتابة التاريخ. والمساهمة في نقاشات أوسع حول الموسيقى والمعلومات المضلّلة والسياسة الكامنة في الثقافة الشعبية.

    يعتمد هذا الكتاب بشكل كبير على التاريخ الشفهي، ولذلك، إن كان لدى أي من القراء حكايات أو ذكريات عن الشيخ إمام، فأرجو ألا يتردد في التواصل معي عبر موقعي: andrewgsimon.com. سيكون من دواعي سروري أن أسمع منكم.

    كذلك، استكمالًا لكتاب إعلام الجماهير، أعمل على تحرير كتاب جماعي يتناول دور الإعلام في تاريخ الشرق الأوسط. منذ العهد العثماني وحتى يومنا هذا. يضم العمل دراسات عن الثقافة المطبوعة والسمعية والبصرية والرقمية. ويتناول تقنيات متنوعة، من التلغراف إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ليكشف عن الثراء الثقافي الذي ميّز هذه المنطقة عبر العصور.

    ***

    وكما تمنيت أن يتاح كتابي الأول باللغة العربية، آمل أن تصدر هذه الأعمال الجديدة -السيرة والكتاب الجماعي- مترجمة إلى العربية لتصل إلى جمهور أوسع.

    أخيرًا، أعمل على إتاحة أرشيفي الخاص من تسجيلات الكاسيت عبر منصّة رقمية مفتوحة. ليتمكن أي شخص من الوصول والاستماع إليها والتفاعل معها. يهدف هذا المشروع إلى توثيق الثقافة المصرية ونشرها عالميًا بطريقة تحفظها وتعيد إحيائها.

    لمن يرغب في متابعة هذه المشاريع أو معرفة المزيد، يمكنه العثور عليّ عبر تويتر أو بلوسكاي (@simongandrew). حيث أشارك بانتظام مقتطفات من أبحاثي، وتجربتي في التدريس، ورحلاتي.

    اقرأ أيضا:

    «ملاذ الشعوب».. هل أثر اللجوء في تشكيل الحضارة المصرية القديمة؟

باب مصر