باب مصر

الكاتب: عصام زكريا

  • فيلم «ريش»..فخر السينما المصرية

    فيلم «ريش»..فخر السينما المصرية

    يستحق فيلم «ريش» للمخرج عمر الزهيري الجوائز التي حصل عليها من مهرجان “كان” الماضي، كأفضل فيلم في مسابقة أسبوع النقاد، وجائزة لجنة تحكيم النقاد الدوليين (الفيبريسي)، فهو واحد من أفضل وأجمل وأغرب ما أنتجته قريحة السينما المصرية في السنوات الأخيرة. ولن يكون مفاجئا أن يفوز بجائزة كبرى من مهرجان “الجونة” الذي يشارك في مسابقته الرسمية حاليا.

    المدينة غير الفاضلة

    هذا فيلم جديد، طازج. يجمع بين الواقعية والسيريالية والكوميديا السوداء بأسلوب خاص، فريد، يدشن مولد فنان سينمائي مصري ربما يكون له شأن في السينما العالمية قريبا، إذا سار على نهجه المتميز، ملقحا إياه بمزيد من الأفكار اللامعة ومنقحا إياه بمزيد من جودة التنفيذ.

    منذ اللقطة الأولى يبني الفيلم عالما قائما بذاته، يشبه الواقع أكثر من الواقع نفسه، ولكنه ليس نسخة منه. شاشة سوداء، وصوت إشعال نيران وصرخة طويلة، ثم تظهر الصورة على رجل يحترق بين مباني مصنع قديم. يشبه مصانع الأسمنت المنتشرة على النيل، والتي تبث غبارها السام على العمال والسكان والقاهرة بأكملها، ويظهر أن الرجل انتحر بإشعال النار في نفسه لسبب لن نعلمه، وغالبا له علاقة بالظروف السيئة التي تعيش فيها الشخصيات اقتصاديا وبيئيا.

    لا علاقة لقصة وشخصيات الفيلم بالمشهد الأول. ولكنه مشهد مؤسس لعالم الفيلم، الشبيه بقصص نهاية العالم، أو قصص الديسيوتوبيا (المدينة غير الفاضلة)، أو أسلوب “الجروتسك” الذي يرسم الواقع بالإفراط في تشويهه. أو أسلوب الكوميديا السيريالية السوداء الذي يميز سينما أوروبا الشرقية، لكن “ريش” ليس تقليدا لأي من هذه الأساليب، وإنما امتداد لها ببصمة مصرية خالصة.

    لغة سينمائية

    قصة الفيلم بسيطة: زوج وأب تقليدي يتحول، نتيجة سحر أو لعنة ما، إلى دجاجة!

    سبق أن شاهدناها في مسلسل رمضاني خفيف اسمه “ربع رومي” تحول فيه بيومي فؤاد إلى خروف وعدة حيوانات أخرى. في الفن لا أهمية للقصة في حد ذاتها، ولكن المعالجة هي كل شيء. وشكسبير استمد كل مسرحياته من قصص شعبية ومسرحيات معروفة. ولننظر إلى العناصر واللغة السينمائية التي عالج بها عمر الزهيري قصته: لا يوجد ممثلون محترفون هنا، ولكنهم أناس من الواقع يتحدثون بلهجة المصريين البسطاء ولغتهم المفككة المهشمة المعتادة. لا يوجد ممثلون، ولا تمثيل، هنا، ولكنهم أناس حقيقيون خرجوا من قلب الطبقة الشعبية في مصر، يعيشون حياتهم على الشاشة.

    الأماكن التي يدور فيها التصوير واقعية، بمعنى أنها تعبر تماما عن رؤية المخرج للواقع: مبان قبيحة مهدمة مطمورة في الغبار الأسمنتي الكوني، وبيوت شبيهة بالخرائب كل تفصيلة فيها تبوح بكم الفقر المدقع الذي تعيش فيه الشخصيات، وحتى البيوت الأكثر ثراء قبيحة غارقة في دماء الحيوانات والذوق الرخيص المبتذل.

    الصلاحية المنتهية

    كل تفصيلة هنا تعبر عن “الصلاحية المنتهية”: النقود كلها مسودة ومكرمشه من كثرة الاستعمال. أثاثات البيت متهالكة وقذرة، السرير متسخ ببقع البول والأطعمة والمراتب والمخدات تفرز أحشاءها كجثث متفحمة. التليفزيون قديم تطل أسلاكه ومفاتيحه خارج جسده، الأحذية توحي بأنها سارت آلاف الكيلومترات على مدار عشرات السنين في طرق صخرية متربة. والملابس كلح لونها وتمزقت أنسجتها لا أمل في نظافتها حتى وهي خارجة للتو من الغسالة اليدوية القديمة.

    التصوير والإضاءة والألوان المستخدمة، كما في أي عمل سينمائي حقيقي، أشبه بلوحة فنية تعبر في حد ذاتها عن دراما ومضمون العمل وتتكامل مع أسلوب السرد والتمثيل والحوار. الصورة في “ريش” تذكر ببعض رسوم فان جوخ الواقعية، مثل لوحتي “آكلو البطاطس” و “الحذاء” مثلا، ومن بعض لوحات جيروم بوش لنهاية العالم و “صرخة” إدوارد مونش.

    تقنيات غير واقعية

    يعرف عمر الزهيري بعض الأسرار النادرة في الفن، التي لا يفهمها سوى الموهوبين الحقيقيين. مثل أن التعبير الأمثل عن الواقع يحتاج إلى تقنيات غير واقعية. وأن توليد الإحساس المطلوب يأتي أحيانا عن طريق التباين والتناقض بين العناصر الفنية، وليس بالتكرار الرتيب لها. وأبرز ما يوضح ذلك هو اختياره للأغاني والموسيقى المصاحبة للمشاهد، ومعظمها من ذلك النوع الخفيف المرح الذي ساد السبعينيات. والتي يبدو أنها تتناقض مع الموضوع والصورة تماما، ولكنها على العكس تبرزهما وتشيع فيهما إحساسا هائلا بالبؤس!

    رؤية المخرج

    رؤية المخرج هنا ليس لها علاقة بالواقع، ولا بمكان أو زمان محددين، ولكنها رؤية شخصية، فنية. يمكن أن توجد في أي بلد وأي زمن. رؤية تتجاوز الواقع الزائل التافه، لتمتد إلى العالم بأسره، والتاريخ بأكمله. رؤية تعاطف وحنان تجاه المعذبين في الأرض. ورؤية ترثي بطريركية انتهى عمرها الافتراضي، تحول فيها الأب إلى جسد بلا روح، وروح في جسد دجاجة. عالم يتيم وبشر فقدوا عائلهم، ولكن من تحت الركام والرماد، تنهض المرأة الأم وتواصل الحياة وبث الأمل. رؤية تمجد المرأة والأمومة، وتذكرنا بمقولة الشاعر الفرنسي آراجون: “المرأة مستقبل العالم”!

    اقرأ أيضا:

    في مهرجان الجونة: يسرا وانتشال و«حرب العوالم»!

  • في مهرجان الجونة: يسرا وانتشال و«حرب العوالم»!

    في مهرجان الجونة: يسرا وانتشال و«حرب العوالم»!

    نظريا، لم يخطئ السيد انتشال التميمي مدير مهرجان “الجونة” عندما قال في مؤتمر صحفي، ثم في حوار نشر في الملف الصحفي للمهرجان، أنه من غير المناسب أن يقوم المهرجان بتكريم الفنانة يسرا وهي عضو اللجنة الاستشارية العليا الدولية للمهرجان. فهذه هي الأصول حتى لو لم نكن نعمل بها في مصر. والسيدة يسرا انتابها غضب رهيب من تصريحات التميمي، لسبب ما، وردت ببيان على السوشيال ميديا، واضح أنه صياغة محامي أو مدير علاقات عامة شاطر.

    عدم تعارض المصالح

    غير أن البيان بجانب إعلان الاستياء من تصريحات التميمي وإشارته إلى خلافات في الكواليس “صبرت” السيدة يسرا و”تجاوزت عنها” كثيرا، وقع في خطأ مألوف عندما ذكر أن السيدة هند صبري هي أيضا عضو اللجنة الاستشارية العليا ومع ذلك شارك فيلم من بطولتها في المسابقة الدولية في العام الماضي وفوق ذلك حصلت عنه على جائزة أفضل ممثلة، يعني لو كان تكريم يسرا لا يليق، فإن مشاركة فيلم لهند وحصولها على جائزة أمر لا يليق أيضا. في هذه النقطة ربما كانت يسرا على حق. فحتى لو كان الفيلم عظيما ودور هند صبري فيه عظيما، فإن قواعد اللياقة و”عدم تعارض المصالح” في المهرجانات الدولية المحترمة تمنع مشاركة فيلم من إنتاج الجهة المنظمة للمهرجان أو يشارك فيه أحد القائمين على المهرجان. ولعل الناس تذكر قيام الممثل حسين فهمي بإشراك فيلم من بطولته في مسابقة مهرجان القاهرة الذي كان يتولى رئاسته، في واقعة أثارت انتقادات وسخرية الكثيرين ولم تزل في الذاكرة إلى الآن!

    اشمعنى أنا

    يسرا على حق في انتقادها لواقعة مشاركة فيلم هند صبري ومنحها جائزة، ولكنها ليست على حق في أن يحمل بيانها معنى “اشمعنى أنا”. فالخطأ ليس مبررا لارتكاب مزيد من الأخطاء سوى في بلد “اشمعنى”. وأعتقد أن يسرا تقلل من اسمها وحجمها حين تقول “اشمعنى”. وربما كان الأولى لو اعترضت على واقعة هند صبري أثناء اجتماعات اللجنة الاستشارية الدولية بدلا من أن تقول “اشمعنى”!

    فكلامها قد يفهم منه أنها كانت تعلم أن واقعة هند صبري خطأ ولكنها تغاضت عنها. وطالبت أو انتظرت بالمقابل أن يقوم المهرجان بتكريمها، أو أنها لا ترى غضاضة في مشاركة هند صبري بفيلم ولا في تكريمها هي نفسها، ولا في قيام المسؤولين عن المهرجان بعرض أفلامهم ومنح أنفسهم جوائز وتكريمات، وينقلب الأمر سراحا مداحا كما في أي “عزبة” يسود فيها منطقا “اشمعنى”.

    نيران المدفعية الثقيلة

    لم يخطئ مدير المهرجان، نظريا. على الرغم من أن تكراره وتشديده على اسم يسرا يشير إلى أن وراء الأمور أمور. وأن اسم يسرا لم يرد على لسانه عفوا أو صدفة. والكل يعرف أن السيد انتشال التميمي رجل حصيف وديبلوماسي وفي تاريخه لا يذكر أحد أنه أساء أو أخطأ في حق أحد. على الرغم من أن البعض كانوا يسيئون إليه بعنف. وغالبا تم دفع التميمي دفعا للإدلاء بهذه التصريحات عن يسرا، ومن المستبعد أن القائمين على المهرجان لم يعرفوا بها قبلا. أو أن الأمور التي أزعجت يسرا وأشارت لها في بيانها ليست لها علاقة بتصريحات التميمي.

    غالبا أيضا كان الهدف من هذه التصريحات تهدئة يسرا، ولكن ما حدث هو العكس. وكانت النتيجة أن انتشال التميمي وضع نفسه في مرمى نيران المدفعية الثقيلة من يسرا ومحبيها.

    صعود يسرا

    كان يمكن تدارك هذا كله في المؤتمر الصحفي الأخير الذي سبق افتتاح مهرجان الجونة بتصريحات السيد نجيب ساويرس والسيد انتشال التميمي التي أشارا فيها إلى قيمة يسرا. وكان يمكن أن ينتهي الأمر بمصالحة الطرفين والتعامل مع ما حدث على أنه مجرد زلة لسان أو خطأ غير متعمد من مدير المهرجان.

    .. لكن ما حدث في حفل الافتتاح، من صعود يسرا إلى المسرح مرتين بصحبة السيد سميح ساويرس وترديد اسمها على المسرح عدة مرات، أظهر أن المشكلة كبيرة حقا. وأنها لم “تسامح” مدير المهرجان على تصريحاته. ولم تكتف باعتذاره، أو بإشادة أصحاب مهرجان الجونة بقيمتها، وكأنه لا ينقص سوى معاقبة الرجل علنا!

    حرب العوالم

    لقد توقعت وانتظرت ما حدث في المؤتمر الصحفي. ولكن ما بعد ذلك هو “لونجير” ممل، كما يقولون بلغة السينما، “لونجير” يؤدي إلى عكس الهدف منه. ويقلل من قيمة واسم يسرا، ويسيء لمدير المهرجان، ويستفز بقية الفنانين وحتى بعض عشاق يسرا. ما حدث ذكرني أيضا برواية للأديب الإنجليزي إتش جي ويلز تحمل اسم “حرب العوالم” قام المخرج والممثل الكبير أورسون ويلز بتحويلها إلى سهرة إذاعية عام 1938. وهي رواية تتحدث عن غزو الأرض من قبل كائنات فضائية، وقد تسببت السهرة الإذاعية في إصابة ملايين المستمعين بالفزع. حيث اعتقدوا أنها حقيقة وليست تمثيلية، وبعضهم خرج يجري إلى الشوارع صارخا.

    قصة يسرا وانتشال التميمي كان يمكن أن تمر بسلام. ولكن المبالغة في التعامل معها جعلت منها غزوا فضائيا زائفا أثار الكثير من الضجيج على لا شيء!

    اقرأ أيضا

    مو صلاح ورامي مالك في فيلم واحد.. مشروع يبحث عن مؤلف!

  • مو صلاح ورامي مالك في فيلم واحد.. مشروع يبحث عن مؤلف!

    مو صلاح ورامي مالك في فيلم واحد.. مشروع يبحث عن مؤلف!

    على منصة “شاهد” بدأ منذ أيام بث الفيلم الوثائقي “مو صلاح: حدوتة خيالية” من إنتاج القناة الرابعة بالتليفزيون البريطاني. الفيلم الذي يعود إنتاجه لعام 2018 يتناول رحلة لاعب الكرة العالمي منذ بدايته المتواضعة في إحدى القرى المصرية، ثم انتقاله للعب في أوروبا ووصوله إلى نادي ليفربول الإنجليزي بعد رحلة شاقة عبر أندية سويسرا وإيطاليا وإنجلترا.. ثم الانطلاقة الكبرى في مسيرته الكروية ليصبح واحدا من أفضل ثلاثة أو خمسة لاعبين في العالم.

    حقوق الملكية

    الفيلم يحمل حبا وتقديرا كبيرين لمحمد صلاح، ويرصد شعبيته الطاغية في كل من مصر وإنجلترا. جزء كبير من الفيلم مصور في مصر: في قرية نجريج ومقاهي القاهرة. ويتحدث في الفيلم مدربون ونقاد ومشجعون، كلهم يجمعون على عشقهم لمحمد صلاح كلاعب وإنسان. لكن الفيلم نفسه متوسط فنيا، ورخيص إنتاجيا، إذ يكتفي صناعه باللقاءات والصور الفوتوغرافية، والهدفان الوحيدان اللذان يظهران من مباريات صلاح مع المنتخب المصري. واضح أن المشكلة لها علاقة بحقوق البث، فبعد أن احتكرت قنوات beIN مباريات الكرة في العالم أصبح من المكلف جدا الحصول على أي مباراة أو مقاطع منها، حتى لو ثوان معدودة، بسبب حقوق الملكية، وأصبح ذلك يشكل عائقا هائلا أمام أي صانع أفلام يريد استخدام لقطات من مباريات، ويعاني من هذا بشكل خاص صناع الأفلام والبرامج الوثائقية، الذين لم يعد باستطاعتهم عمل أي فيلم أو برنامج عن لاعبي الكرة إلا لو دفعوا مبالغ فلكية لمالكي الحقوق.

    باجيو

    وآخر فيلم شاهدته يعاني من هذه المشكلة كان عن اللاعب الإيطالي باجيو. حيث خلا الفيلم تقريبا من مشاهد المباريات باستثناء تلك التي لا حقوق ملكية لها. وهذه مشكلة كبيرة تحتاج إلى مناقشة وحلول ولابد من إعادة النظر في فكرة تعارض حقوق الملكية مع حقوق الناس في الاطلاع، وحقوق المبدعين في تناول الشخصيات العامة. وقد رأينا هذه المشكلة في بعض الأفلام التي تدور عن فنانين، حيث لا يسمح بعرض لوحاتهم أو أفلامهم بسبب حقوق الملكية أو رفض الورثة من مالكي الحقوق السماح لصناع الأفلام باستخدام أعمال ذويهم إلا إذا رضوا معنويا وماديا عن الفيلم!

    وأعود لمحمد صلاح، الذي يستحق بالقطع أكثر من فيلم ولا أعلم لماذا لم تفكر الفضائيات المصرية والعربية في صنع فيلم كبير عنه حتى الآن؟

    دراما حقيقية

    كانت قناة Sky Sports البريطانية هي التي طرحت السؤال على محمد صلاح في خلال لقاء معه أجرته مطلع هذا العام. ولكن بخصوص فيلم روائي لا وثائقي. وقد أجاب صلاح بأنه لم يفكر في هذا الأمر من قبل. ولكن إذا كان هناك بالفعل فيلم روائي عن حياته فهو يرشح النجم الأمريكي المصري رامي مالك للعب دوره، مضيفا أنه التقى مالك خلال حفل مجلة “تايم” عام 2019، عندما حصل على جائزة “الحذاء الذهبي” كأفضل لاعب وهداف في الدوري الأوروبي. وأضاف صلاح أنه يشعر أن مالك هو الأنسب لأنه يعرف مصر واللغة العربية جيدا.

    فيلم من هذا النوع والحجم يمكن أن يحقق نجاحا هائلا على المستوى العالمي. خاصة لو كتب جيدا واحتوى على دراما “حقيقية” مؤثرة. وعلى كمية لا بأس بها من المشاهد الوثائقية لأهم لحظات صلاح في الملاعب. سواء الأهداف أو الاخفاقات أو الإصابة التي تعرض لها في نهائي بطولة أوروبا أمام ريال مدريد والتي هددت بتوقفه عن اللعب لشهور طويلة. وتحامله ونزوله للعب مع منتخب مصر في كأس العالم قبل أن يتم شفاءه.

    مجرد سؤال

    ومن ناحية ثانية فإن وجود اسم رامي مالك الحاصل على الأوسكار، والذي يعد واحدا من نجوم هوليوود الحاليين (آخر أفلامه دور رئيسي في فيلم جيمس بوند الجديد)، في الفيلم سيضيف جمهورا كبيرا من خارج دوائر مشجعي كرة القدم، وسيشجع الشركات الكبرى على إنتاجه وتوزيعه.

    والسؤال مرة أخرى: هل يمكن أن تتحمس شركة إنتاج مصرية لإطلاق مشروع هذا الفيلم. على الأقل كشريك صغير في الإنتاج مع عدد آخر من الشركات الأوروبية والأمريكية التي يمكن أن تتحمس للمشاركة في إنتاج الفيلم؟

    مجرد سؤال نعرف إجابته غالبا: لن يحدث ذلك!

    ولكن من يدري؟ ربما!

    اقرأ أيضا:

    القطاع الذي فقد عقله: ماسبيرو ضد ماسبيرو!

  • القطاع الذي فقد عقله: ماسبيرو ضد ماسبيرو!

    القطاع الذي فقد عقله: ماسبيرو ضد ماسبيرو!

    يظهر أن القائمين على “ماسبيرو” قرروا أن يجهزوا تماما على ما تبقى من أقدم، وأكبر، محطة تليفزيون وطنية في العالم العربي. بعد عقود من سوء الإدارة والنهب وتهريب الأصول أصبح المبنى كعجوز مريض بلا مأوى يمد يده للرائح والجاي، لا يرغب في مشاهدة بؤسه ومعاناته أحد.

    لا برنامج قوي يسند ظهره ولا مذيعة أو مذيع لامع يقيم أوده. ولا إعلان يسد رمقه، ولا فيلم جديد أو مسلسل جيد يلفت إليه البصر. ولمن يوقعه حظه في زيارة للمبنى العريق، فربما تسيل دموعه حزنا على ما آل إليه من تهالك وإهمال وقذارة.

    امسك إعلان

    وكأن ما فيه ليس بكاف. فها هو القطاع الاقتصادي، المخول بجلب الإعلانات ومصادر للتمويل، يبحث دون جدوى عن أي دخل للقنوات التي كان يحلم بالإعلان فيها أكبر شركات ورجال أعمال البلد، ها هو ينتابه اليأس، وينتاب القائمون عليه هوس اسمه “امسك إعلان”. حيث باتوا يتربصون بكل برنامج أو تقرير خبري، ربما يذكر فيه اسم رجل أعمال أو شركة، فيطالبون بسداد ثمن إعلان أو التحقيق مع صناع البرنامج أو حجب صوت الضيف والمذيع.

    وكأن ذلك لم يعد يكفي، ولم يعد يحقق جدوى. فها هو القطاع الاقتصادي يطلب بمقابل مادي لإذاعة أي حفل تقيمه الدولة أو المؤسسات الثقافية والفنية. فعروض الأوبرا ممنوعة وحفلات افتتاح وختام المهرجانات الفنية ممنوعة. وأسماء الأفلام والمسرحيات والأغاني وحتى الكتب ممنوعة. وبالمجمل، ممنوع بث أي شيء يتعلق بالأحياء، ويكفي المشاهد تلك النسخ المتآكلة لأعمال الفنانين الموتى التي تعرضها قناة “ماسبيرو زمان”.

    أفضل دعاية

    هل تصدق أن القطاع الاقتصادي يطلب حوالي عشرة آلاف دولار (بالعملة الصعبة كمان) مقابل بث افتتاح أو ختام مهرجان فني ثقافي تدعمه وترعاه وزارة الثقافة ويقوم بحضوره وزراء ومحافظون وسفراء دول وحشد من ألمع نجوم الفن المصري، ويعتبر أفضل دعاية سياحية وسياسية وثقافية للدولة؟

    إذا كان موظفو القطاع الاقتصادي يرغبون في جلب دخل وإعلانات، فعليهم أن يستغلوا هذه الفعاليات والأحداث الفنية السياسية لجلب إعلانات أو رعاية. كما تفعل كل محطات تليفزيون العالم. والطبيعي أن يحصل المهرجان على مقابل لبث فعالياته وليس العكس. وأكاديمية علوم وفنون السينما المنظمة للأوسكار تحصل على مئات الملايين من المحطات التي تبث حفلها. لأن هذه القنوات تحقق نسب مشاهدات وإعلانات هائلة خلال هذا البث.

    أما في مصر، فيطالب تليفزيون الدولة بدفع مقابل نظير بث الفعاليات التي تنظمها وترعاها الدولة أو تنظمها جمعيات ثقافية غير ربحية تحصل على دعم من وزارات ومؤسسات الدولة. وهذا من أعجب وأغرب وأطرف ما يمكن أن تسمع به أذن وأتحدى أن يكون له مثيل في أي بلد آخر في العالم!

    ماسبيرو العجوز

    إن ماسبيرو العجوز الذي لم يعد لديه قدرة على إنتاج مسلسل أو فيلم أو برنامج يجذب المشاهدين، ولم يعد حتى بقادر على سداد مستحقات العاملين فيه، يحتاج إلى بعض المواد الحصرية. ومن هذه المواد الانفراد ببث الفعاليات التي تنظمها أو ترعاها الدولة. ولوقت طويل جدا كانت المهرجانات السينمائية تمنع من بيع فعالياتها للقنوات الخاصة. لأن ماسبيرو هو المخول فقط ببث هذه الفعاليات.

    الآن لم يعد ماسبيرو يقاتل على بث هذه الفعاليات. بل لم يعد يرغب في بثها أصلا إلا إذا دفعت الجهة المنظمة لها بضعة آلاف من الدولارات. مع إن هذه الجهات تقدم خدماتها ونشاطاتها مجانا. وربما يكون مهرجان القاهرة هو الوحيد الذي تنظمه الدولة ويعرض أفلامه بتذاكر (طبعا لا تصل حصيلتها إلى شيء يذكر من تكلفة صنع المهرجان). الطريف أن ماسبيرو لا يطالب مهرجان القاهرة بدفع مقابل، ولكنه يطالب المهرجانات الأفقر التي تقدم خدماتها مجانا بهذا المقابل، مع أنها معظمها تحت رعاية الدولة مثل مهرجان القاهرة، وربما أكثر!

    اقرأ أيضا:

    جائزة نوبل.. وكتاب السيناريو

  • جائزة نوبل.. وكتاب السيناريو

    جائزة نوبل.. وكتاب السيناريو

    كنا نناقش مشكلة العلاقة المزمنة بين كاتب السيناريو والمخرج عندما قالت صديقتي، كاتبة السيناريو، متهللة، إن كتابة السيناريو أصبحت من المهن المؤهلة للحصول على جائزة نوبل في الآداب، وأن الجائزة ربما تذهب إلى كاتب سيناريو قريبا!هل هذا حقيقي؟ هل هو ممكن؟

    من المبدع

    على أي أساس يمكن أن تذهب الجائزة لسيناريو: النص الذي كتبه وسجله في الشهر العقاري وقام بتسليمه للشركة المنتجة؟، أم النص بعد أن تحول إلى فيلم وأجريت عليه عشرات التعديلات من قبل المنتج والمخرج والممثلين والمونتير؟

    وماذا عن النصوص التي تكتب بواسطة ورش الكتابة؟ أو التي يكتبها المخرج والمؤلف معا؟ أو المنتج والمؤلف معا؟ أو بطل الفيلم والمؤلف معا؟

    عن سائر الفنون، يختلف فن السينما في كونه عملا جماعيا لا يمكن نسب الفضل، أو الضعف، فيه لفرد واحد.

    لقد جرت محاولات كثيرة منذ الخمسينيات لترسيخ المخرج باعتباره مبدع الفيلم الوحيد المسؤول عن كل جوانبه وعناصره، وابتكر النقاد الفرنسيون تعبير film auteur الذي يعني “مؤلف الفيلم”، لوصف عدد من كبار المخرجين أصحاب الأسلوب والبصمة المميزة.

    نظرية المؤلف

    .. لكن على أرض الواقع، لا تنطبق “نظرية المؤلف” سوى على نسبة ضئيلة للغاية من المخرجين. رغم أن جميعهم الآن يعتقدون أنها تنطبق عليهم. والغالبية العظمى من المخرجين، في الماضي والحاضر، هم مجرد موظفين في مصنع الفيلم. ربما يكون منصبهم أعلى من بقية الموظفين، ولديهم بعض الحرية في الابتكار ووضع لمساتهم الخاصة على المنتج. ولكن هذا ينطبق على مديري مصانع السيارات والهواتف المحمولة بشكل لا يقل أبدا عن مديري الأفلام. وكان صديقي الناقد مدحت محفوظ يصر على ترجمة كلمة director بالمدير أو الموجه!

    وإذا كان الكثيرون يشككون في صحة “نظرية المؤلف”، ويصفونها بأنها ظاهرة مؤقتة ارتبطت ببعض الأسماء في منتصف القرن الماضي، وأن الطريقة التي كان يعمل بها هؤلاء المخرجون صارت شيئا نادرا الآن، وأنها لا تنطبق على أغلب ما ينتج من أعمال، حيث يوجد العشرات من “المستشارين” الذين يتدخلون بالنصح والتوجيه والأوامر أحيانا، للكتاب والمخرجين لكي يعدلوا أعمالهم وفقا للمعايير الفنية أو الإنتاجية التي يتطلبها السوق أو المهرجانات.

    وإذا كانت نسبة الفيلم إلى المخرج أمر مشكوك فيه، فماذا عن كتاب السيناريو الذين لديهم نصيب أقل بكثير من التحكم في الشكل النهائي للعمل؟

    تشويه

    لقد أثار بعض كتاب السيناريو الشباب أزمة وجدلا كبيرا في وسائل الإعلام خلال الأسبوع الماضي عندما اتهموا مخرج مسلسل “شقة 6” بأنه “شوه” نصهم، وقام بتغييره للأسوأ، وراحوا يروون تفاصيل من علاقتهم بالمخرج والصراع الذي نشب بينهم طوال فترة تصوير المسلسل. ومن ناحيته اتهمهم المخرج بعدم الكفاءة والرغبة في الظهور الإعلامي، خاصة بعد أن قرر أن يستعين بكتاب آخرين لكتابة الجزء الثاني من العمل.

    لا يكاد يخلو عمل في مصر من مشاكل من هذا النوع، حتى لو لم يخرج معظمها إلى العلن، ولا تخلو الأعمال الأجنبية أيضا من مثلها. ولكن هناك من يعملون على معالجة هذه المشاكل والحد من حدوثها. وهناك وسيلتين على الأقل تساعدان على ذلك: الأولى تتعلق بالعقود المبرمة بين أطراف العمل والتي تحدد صلاحيات وحدود كل طرف. هناك كتاب سيناريو يشترطون أن تقدم أعمالهم كما كتبوها، وألا يقوم المخرج أو المنتج بأية تعديلات غلا بعد الرجوع إليهم. وينطبق الأمر على عقود المخرج والممثلين، لتوسيع صلاحياتهم أو الحد منها حسب الاتفاق المبرم مع جهة الإنتاج.

    صاحب الفكرة

    الوسيلة الثانية هي تحديد أدق للوظائف المختلفة. هناك صاحب الفكرة، ويشار إليه في الأعمال الأمريكية بتعبير created by، الذي يعني صاحب الفكرة والمشروع الرئيسي. وأحيانا يكون هو كاتب السيناريو أو المخرج أو حتى الشركة المنتجة، وليس من حق أي طرف غيره أن يملك الفكرة الرئيسية للعمل. وقد سمعنا مؤخرا عن شركة إنتاج قامت بالاستيلاء على الفكرة من صاحبها بعد انتهاء الموسم الأول للمسلسل، وعهدت بالموسم الثاني لأشخاص آخرين. ويحدث هذا لأن طبيعة عمله غير محددة بوضوح ولأن العقد مع الشركة المنتجة لم يتطرق لاحتمال انفصال الطرفين بعد الموسم الأول.

    بعد صاحب الفكرة هناك كاتب السيناريو، وكاتب الحوار، ويمكن أن يكون هناك مساعد أو أكثر لهؤلاء.  وكل منهم لديه حقوق وفقا لحجم ونوع دوره. وربما يقوم شخص واحد بكل هذه المهام بمفرده، وعلى العكس بالنسبة لورش السيناريو ليس من حق أي مشارك فيها أن يفرض ما يكتبه، لأن المشرف على الورشة هو صاحب الكلمة النهائية.. وهكذا

    تشريعات جديدة

    ويفترض أن تكون غرفة صناعة السينما والنقابات الفنية قدرة على حل هذه المشاكل. ولكن في معظم الحالات لا يستطيعون ذلك بسبب غموض وسطحية العقود وعدم فهم التخصصات المختلفة في الكتابة. ومرة أخرى يفكر المرء في ضرورة وجود كيان أو مؤسسة تهتم بشئون السينما تقوم بوضع تشريعات جديدة ونماذج للعقود ووسائل لحل النزاعات التي يمكن أن تنشأ. وحتى يحدث هذا سنظل نسمع كل يوم عن خلافات ومعارك المنتجين والمخرجين وكتاب السيناريو.

     

    اقرأ ايضا:

    «نقطة التحول»..الوثائقي الأفضل عن الحادي عشر من سبتمبر

  • الأعمال المصرية على «نتفليكس»  من يوسف شاهين لأحمد خالد توفيق!

    الأعمال المصرية على «نتفليكس» من يوسف شاهين لأحمد خالد توفيق!

    لا أعلم من المسئول عن المحتوى في “نتفليكس” مصر، ولكن أيا كان فهناك ملاحظات كثيرة على كم ونوعية هذا المحتوى، أولها أنه لا يتناسب مطلقا مع حجم مصر في مجال السينما والدراما، ولا يمثلها فنيا تمثيلا يعبر عن أفضل إنجازاتها في هذين المجالين.

    قوائم “مفضلة”

    هناك نوعان للمواد التي تعرض على المنصات: مواد يتم شراء حقوق عرضها بعد إنتاجها، جديدة أو قديمة، وهي ملك أصحابها، لا يربطها بالمنصة سوى تعاقد لعدد محدد من السنوات يكون من حق المنصة خلالها أن تعرض هذه المواد بشكل غير حصري، وهناك مواد تقوم المنصة بإنتاجها أو بالمشاركة في إنتاجها أو بشرائها بعد إنتاجها أو شراء حقوق عرضها حصريا لفترة محددة.

    هناك منصات كثيرة معظمها إقليمي ولكن “نتفليكس” تتميز بأنها “عالمية” ، لها فروع في كل القارات والمناطق التي تجمعها ثقافة ولغة واحدة، وفي بعض البلاد الكبيرة. والمحتوى الذي تعرضه “نتفليكس” كبير جدا ومتنوع اللغات والأنواع، ومع أن معظم المواد متاحة للعرض في كل مكان (إلا إذا كانت حقوق عرضها لا تشمل أماكن بعينها)، فإن لكل منطقة محتوى عرض يختلف عن الأخرى، وهناك قوائم “مفضلة” لكل منطقة وبلد، خاصة أنه يصعب على أي أحد أن يلم إلمام كامل بما تحتويه المنصة لكثرته وتنوع لغاته.

    الذوق القياسي

    من ناحية المواد “العالمية” التي تعرضها “نتفليكس” على منصتها العربية فهي جيدة بشكل عام، وإن كانت تعبر عن “الذوق القياسي” العام، وهي قابلة للتحسن، أو التردي دوما حسب اهتمام وميول جمهور المنصة في المنطقة، وحسب ذوقهم ومفهومهم عن الجيد والرديء فنيا.

    من ناحية المواد العربية التي تقوم المنصة بشراء حقوق عرضها فهي تميل للأفلام “المعترف بها” ، التي سبق أن فازت بجوائز عالمية أو نالت استحسانا جماهيريا ونقديا ملحوظا، ولكن فيما يتعلق بالمواد المصرية تحديدا فهناك ميل عام للأعمال “التجارية” التي يمكن وصف معظمها بالغث، وذلك على حساب الأعمال الفنية المتميزة.

    غياب مريب

    باستثناء بعض أفلام يوسف شاهين (بما أنه الممثل العالمي الشرعي للسينما المصرية) وقليل من أفلام شركته ( “مصر العالمية” ) وحفنة تعد على الأصابع لأفلام أخرى، هناك غياب مريب للأعمال الفنية الكبيرة التي أنجزتها السينما المصرية الكلاسيكية والجديدة والمستقلة، الروائية والوثائقية.

    هناك تفسيران لهذه الظاهرة: إما أن المسئول عن المحتوى لا يعرف هذه الأعمال، ويتكاسل عن أن يسأل ويفتش عنها، وإما أن هناك تعمد لاختيار أعمال متواضعة وتجارية توحي بأن السينما والدراما المصريان لا ينتجان سوى هذه النوعية التجارية الرخيصة.

    لا أعلم أيهما أسوأ: الجهل أم سوء النية؟

    تجارب محدودة

    هناك عشرات الأفلام المصرية الممتازة، وعدد كبير من المخرجين المتميزين، وهناك عشرات الأفلام الوثائقية وعشرات من الأفلام المستقلة، لا أثر لها على “نتفليكس” ، ولو كنت قادما من الفضاء أو من بلد بعيد لا يعرف شيئا عن السينما العربية، وجلست تتصفح محتوى “نتفليكس” العربي، فسوف تتكون لديك قناعة بأن لبنان رقم واحد وأن السينما السعودية عظيمة وأن مصر (باستثناء مخرج واحد هو يوسف شاهين، وحفنة قليلة من الأفلام الأخرى) لا تنتج سوى التفاهة.

    من ناحية الأعمال المصرية التي تنتجها “نتفليكس” فلم تزل تجارب محدودة، للأسف لم ينجح أحدها في تحقيق نسب مشاهدات عالمية تشجع المنصة على إنتاج المزيد، ولكن ذلك يعود للقائمين على اختيار هذه الأعمال.

    قامت “نتفليكس” ، مثلا، بالترويج لمشروع كبير عن إنتاج سلسلة روايات “ما وراء الطبيعة” التي كتبها “عراب” الجيل أحمد خالد توفيق، وعهدت للمخرج المتميز عمرو سلامة بإخراج الموسم الأول من المسلسل الذي ضم ست حلقات، ورغم أن العمل جيد بمقاييس الدراما العربية، لكنه لم يلق ما توقع منه على المستوى العالمي.

    قص ولصق

    بالنسبة لجمهور أحمد خالد توفيق فهو مؤلف أصلي، ولكن بالنسبة للجمهور العالمي والجمهور الخبير بروايات وأفلام الرعب، فكل السلسلة عبارة عن قص ولصق من الروايات والأفلام الأمريكية والأوروبية، وليس بها أي شيء أصلي، سوى روايتين أو ثلاثة حاول فيهما استلهام بعض “الأساطير” العربية مثل “النداهة” ، ولكن بسطحية وأسلوب “شبابي” يعبر عن ثقافة وعصر “الأغنية الشبابية” والدعاة الشباب. ولا عجب، إذن، أن تكون اختيارات المسئولين عن الإنتاج المصري في “نتفليكس” معبرة عن هذا المستوى المتوسط، “الميديوكر” ، الذي يخلو من أي أصالة.

    يجب أن نعترف أيضا أن المسألة لها علاقة بجمهور المنصة. حتى الآن هو جمهور ينتمي للطبقة العليا والوسطى التي تملك “تليفزيونا ذكيا” وقدرة على دفع 165 جنيها شهريا، وقبل ذلك تفتح عقلي لتقبل ما تعرضه المنصة من أعمال “غير مراقبة” (وهو موضوع خطير يحتاج إلى مقال آخر). هذا الجمهور المحدود (إلى الآن) لا يبتعد كثيرا عن ذوق ومستوى الجمهور العالمي “المتوسط” ، وهو قابل لأن يرتفع أو يهبط، حسب توجه الذوق العام وحركة الاشتراكات في المنصة خلال السنوات القادمة.

    والحق يقال، أخشى أن يأتي يوم نتحسر فيه على الأعمال المصرية الجيدة التي كانت تعرض على “نتفليكس” !!

    اقرأ ايضا:

    نساء وسود ومثليون: ضد العنصرية.. وضد السطحية أيضا!

     

     

  • عصام زكريا يكتب: دور العرض السينمائي بين الجن والروبوت وأسماك القرش!

    عصام زكريا يكتب: دور العرض السينمائي بين الجن والروبوت وأسماك القرش!

    بعد فترة ركود لم يسبق لها مثيل بسبب جائحة “كورونا” عادت دور العرض السينمائي في العالم ومصر للانتعاش مجددا. عالميا استطاع فيلم “شانج شين”، أحدث انتاجات “مارفل” أن يتجاوز رقم المئة مليون دولار خلال أيام قليلة من عرضه. وهو أول فيلم من انتاج الاستديوهات الكبيرة، منذ الجائحة، يتقرر توزيعه في دور العرض فقط لمدة شهر ونصف الشهر، قبل أن ينتقل إلى البث عبر الانترنت والقنوات الخاصة. على المستوى المحلي يمكنك أخيرا أن ترى ابتسامة على وجوه مشغلي دور العرض، لإن الجمهور بدأ يعود للتردد على دور العرض، كما أن القواعد الخاصة بمساحة الإشغال ارتفعت من 50 بالمئة إلى 75 بالمئة..ومن المتوقع أن تصل إلى مئة بالمئة مع انتهاء أزمة كوفيد قريبا.

    الدرس المؤلم

    لكن السؤال: هل استعدت صناعة السينما في مصر لانتهاء الأزمة؟ وهل فكر أحد في الاستفادة من الدرس المؤلم الذي هدد باختفاء شكل السينما كما عرفها الناس طوال القرن الماضي؟

    بالنسبة لهوليوود فقد لجأت إلى بعض الأفكار لجذب الجمهور مجددا، وعلى رأسها توفير تجربة مشاهدة مميزة، لا توجد على الشاشات الصغيرة في البيت، سواء من خلال الانتاج الضخم أو قاعات الآيماكس العملاقة، بجانب توفير عوامل جذب أخرى لدفع الناس إلى مغادرة بيوتهم والذهاب لدور العرض. ومن ناحية ثانية تم إقرار اعفاءات وتسهيلات للشركات المتضررة، وتشجيعها على الاستمرار في الانتاج، وتشغيل دور العرض.

    وما الذي يحدث في مصر؟

    بمجرد أن بدأت دور العرض في استعادة عافيتها هبط على رأس العاملين في صناعة السينما خبطة مطرقة من قبل محافظ القاهرة الذي قرر رفع قيمة رسوم التصوير في شوارع القاهرة والأماكن المملوكة للدولة. وبغض النظر عن ارتفاع هذه الرسوم بشكل معجز، لا يستطيع سداده كثير من صناع السينما في مصر، خاصة الشركات الصغيرة والمستقلين، فإن فكرة فرض رسوم وقيود إضافية على صناعة الأفلام في هذا التوقيت تحديدا تبدو كما لو أنها رسالة للعاملين في صناعة السينما بأن الدولة لا تهتم، ولا ترغب أصلا، فيما تقدمونه. والمدهش أن يأتي هذا القرار في الوقت الذي أعلن فيه السيد رئيس الدولة عن أهمية السينما والدراما وضرورة دعمهما!

    فهل تعمل المحافظة وبقية المسئولين عن صناعة السينما في مصر في واد آخر؟ أم أن مفهومهم عن رعاية السينما هو تقييدها إلى الجدار وحلب ضروعها الجافة حتى الموت؟!

    وهل هناك أمل في إصدار قانون أو مجموعة قرارات خاصة بانقاذ ودعم صناعة السينما في مصر، بدلا من تركها “ملطشة” لكل عابر سبيل؟!

    من ناحية ثانية ماذا فعلت الصناعة نفسها لمواجهة الأزمة أو لاعادة عجلة الانتاج بعد انتهاء الأزمة؟ والسؤال: وهل هناك جهة في مصر معنية بالتفكير في مواجهة الأزمة أو مصير الصناعة بشكل عام، أم أن كل ما لدينا هم مجرد أفراد أو كيانات قزمة، تدعي أنها عملاقة، لا تفكر إلا في نفسها؟

    دور العرض ضاعفت أسعار التذاكر خلال فترة الأزمة، وليس هناك الكثير مما يشجع الناس على مغادرة بيوتها وانفاق بضعة مئات من الجنيهات لمشاهدة فيلم يمكنهم مشاهدة مثله في البيت. ولكن على الأقل هناك بعض المحاولات الفردية واهتمام باعلانات الشوارع والسوشيال ميديا. ولنلقي نظرة على بعض الأفلام الأكثر نجاحا التي تعرض الآن.

    النمس والإنس

    نزل محمد هنيدي بفيلم جديد ( النمس والإنس) من إخراج شريف عرفة يحاولان فيه استعادة نجاحات وشعبية قديمة، ويلعب على محتوى وكوميديا تقليديين ( عن علاقات الغرام التي تقع بين الإنس والجن) مع إضافة بعض التقنيات الحديثة من مؤثرات بصرية وصوتية. وبالفعل يحقق الفيلم نجاحا معقولا مع جمهور العائلات والمشاهدين الأكبر سنا.

    ونزل المؤلف والمخرج بيتر ميمي، صاحب سلاسل مسلسلات “الاختيار” و”كلبش”، وأفلام أكشن “حرب كرموز” و”كازابلانكا” بفيلم خيال علمي اسمه “موسى” يستغل فيه مهاراته المميزة كمخرج حركة، على أمل جذب الجمهور بشئ مبتكر، ولكن يبدو أن جمهور “الأكشن” في مصر الذي تستهويه قصص البلطجية والمجرمين لا يبالي بالخيال العلمي ولا قصص الروبوتات التي تشبه البشر، كما يبدو أن جمهور الخيال العلمي يفضل الأصل الأجنبي، ولذلك جاء نجاح “موسى” محدودا ولا يتفق مع طموحه الانتاجي واسم صانعه. وعلى عكس “النمس والإنس” الذي جاءت حملة دعايته موفقة، جاءت دعاية فيلم “موسى” باهتة التأثير، وحتى أفيش الفيلم جاء باهتا تجرديا لا يناسب ذوق الجمهور المصري.

    مفاجآت فردية

    المفاجأة، ودائما ما تأتي صناعة السينما المصرية بمفاجآت غير متوقعة في أوقات الأزمة، هي فيلم “ماكاو” الذي كتبه وأخرجه وأنتجه عدد من الأسماء الجديدة في الصناعة، وقام ببطولته عدد من الممثلين غير المصنفين كنجوم شباك، منهم بسمة واللبناني نيكولا معوض، وهو فيلم مغامرات وتشويق تحت البحر على طريقة فيلم “جحيم تحت الماء”، تلعب فيه أسماك القرش دورا رئيسيا في الأحداث! وقد ساهمت دعاية أصحابه بأنه يصور أحداثا حقيقية في زيادة مصداقيته واهتمام المشاهدين به، ودون سابق إنذار تصدر الفيلم شباك التذاكر متفوقا على هنيدي وشريف عرفة وبيتر ميمي!\

    ..ولكن الصناعات الكبرى لا تقوم على مثل هذه المفاجآت الفردية!

    اقرأ أيضا:

    «نقطة التحول»..الوثائقي الأفضل عن الحادي عشر من سبتمبر

     

  • «نقطة التحول»..الوثائقي الأفضل عن الحادي عشر من سبتمبر

    «نقطة التحول»..الوثائقي الأفضل عن الحادي عشر من سبتمبر

    تحل خلال أيام الذكرى العشرون لـ الحادي عشر من سبتمبر 2001، الذي قامت فيه عناصر إرهاب “القاعدة” باختطاف عدد من الطائرات وتفجيرها في برجي التجارة العالمية ووزارة الدفاع الأمريكية، وسقوط طائرة أخرى قبل أن تصل إلى هدفها.

    في هذا اليوم المشئوم، الذي فزع فيه من فزع، وفرح فيه من فرح، وكانت عواقبه وخيمة على الجميع، باستثناء تجار الحروب والموت، ومصممي تكنولوجيا التجسس والمراقبة..في هذا اليوم تغير العالم تماما، للأسوأ غالبا، وكالعادة لم يكسب الارهابيون شيئا، بل تم تدميرهم، غير أنهم كالعادة تسببوا في أذية بقية خلق الله، بأشكال وألوان مختلفة.

    نقطة التحول

    في الذكرى العشرين لهذا اليوم الفاصل تعرض برامج وأفلام كثيرة، قديمة وجديدة، من أفضلها مسلسل وثائقي جديد بعنوان “نقطة التحول: 11/ 9 والحرب على الارهاب” من انتاج منصة “نتفليكس” وإخراج برايان كنابينبيرجر.

    في خمس حلقات مدة كل منها ساعة يحقق المسلسل أكثر من هدف: الأول هو تقديم ملخص دقيق وشامل ومشوق لأحداث 11 سبتمبر وما قبلها وما بعدها، ليبين فكرته الأساسية وهي كيف أصبح هذا اليوم نقطة تحول وعلامة فارقة في التاريخ الحديث. الهدف الثاني هو تقديم صورة “موضوعية” بقدر الإمكان، بل تبين وتنقد أيضا ممارسات إدارة الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت، جورج بوش الابن، وتتوصل لنتيجة مفادها أن تداعيات ما فعله الارهابيون وجورج بوش أوصلتنا إلى حالة من الخراب وعجلت من تطور تكنولوجيا المراقبة والتجسس على الحياة الشخصية من قبل أجهزة غامضة مشكوك في نواياها.

    بعد مقدمة مؤثرة ترصد أحداث اليوم الدامي في سرد مشوق يجمع بين الأحداث العامة والفردية، يعود البرنامج إلى اللحظة التي بدأت فيها مقدمات 11 سبتمبر ويحددها البرنامج بلحظة غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان وقرار إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريجان بدحر هذا الغزو مهما كلف الولايات المتحدة من مال وأرواح ومؤامرات، ليس من باب الدفاع عن استقلال الشعوب بالطبع، ولكن لمواجهة الخصم السوفيتي.

    تصدير الجهاد

    يتتبع البرنامج الدور الأمريكي في دعم المقاومة الأفغانية ضد الاحتلال السوفيتي بتحفيز الدافع الديني لدى الشعوب المسلمة، مما حولها إلى حرب دينية ساهمت في ظهور جماعات “المجاهدين” وتنظيم “القاعدة” وغيرهما من الجماعات الاسلامية المسلحة. وبعد عشر سنوات، عندما انتهت المعركة برحيل السوفيت، تركت أفغانستان المدمرة نهبا للفقر والجهل والجماعات الدينية المتصارعة، انتهاءا باستيلاء “طالبان” على الحكم، وصعود “القاعدة” التي قررت تصدير “الجهاد” إلى الخارج، وبالتحديد إلى البلاد التي ساهمت في صنع وحش فرانكشتين: أمريكا والسعودية ومصر وباكستان وغيرهم من أطراف التحالف ضد الغزو السوفيتي!

    الثأر البائت

    بعد أن يتتبع نشأة التطرف والارهاب وصولا إلى قرار بن لادن بشن الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية مع بداية القرن الواحد والعشرين، والعمليات التي سبقت 11 سبتمبر، وكان أحدها تفجير أصغر في برج التجارة العالمي نفسه، يبدأ المسلسل في تتبع ما جرى عقب هجمات 11 سبتمبر من قرارات بالحرب على أفغانستان، والقضاء على “طالبان” لرفضها تسليم بن لادن وعصابته وتعهدها بعدم مناصبة أمريكا العداء، ثم التخلي مرة أخرى عن أفغانستان وتركها نهبا للجماعات المتصارعة، بل وحتى عدم استكمال مطاردة بن لادن ومساعديه للنهاية، في قرار غريب، قد ينم عن غباء، أو عن خبث، وصولا إلى مؤامرة تدبير حرب ضد صدام حسين، لا علاقة لها بأحداث 11 سبتمبر، بقدر ما لها علاقة بالثأر البائت بين صدام وإدارة جورج بوش الأب، عقب حرب الخليج الثانية، التي قامت فيها أمريكا بقيادة تحالف تحرير الكويت، ثم تقاعسها، كالعادة، عن استكمال المهمة بالتخلص من نظام صدام حسين.

    الحقائق القديمة

    ربما تكون الحقائق قديمة، ولكنها لا تزال صالحة لإثارة الدهشة، والتأمل، والتفكير في حالة العالم اليوم وما يحدث فيه، وهذا هو ما ينجح فيه مسلسل “نقطة التحول” ببراعة، إذ لا يتعامل مع التاريخ كقصة مغلقة على نفسها مملة، ولكن كجزء من الحاضر الذي نحياه والمستقبل الذي نشرف عليه.

    نقطة أخيرة تتعلق بتوجه المسلسل ورؤية مخرجه. نحن أمام عمل وثائقي “أرشيفي” عبارة عن “قص ولزق” من آلاف الوقائع واللقطات على مدار أكثر من ثلاثين عاما، وهو عمل قد يبدو سهلا، بإمكان أي مخرج أو “مونتير” أن يفعله، وفي الوقت نفسه قد يبدو مستحيلا، نظريا، الالمام بكل هذه الأحداث والتفاصيل العلنية والمخفية، في فيلم أو برنامج أو كتاب أو موسوعة واحدة. من ناحية ثانية تكمن شياطين “التحيز” في عملية اختيار كل لقطة وجملة تقريبا، ولذلك فإن كل شئ هنا يتعلق بمدى براعة المخرج ورجاحة عقله ونقاء قلبه، وأعتقد أن برنامج “نقطة التحول” واحد من أفضل الأعمال التي صنعت حول 11 سبتمبر بفضل امتلاك مخرجه لهذه الصفات تحديدا.

    ملحوظة أخيرة: مهاويس نظريات المؤامرة والكراهية يمتنعون!

    اقرأ ايضا:

    نجيب محفوظ والسينما.. جناية متبادلة!

  • نجيب محفوظ والسينما.. جناية متبادلة!

    نجيب محفوظ والسينما.. جناية متبادلة!

    معروفة هي العلاقة التي ربطت اسم نجيب محفوظ بالسينما، ككاتب سيناريو وقصص سينمائية (لا علاقة لها بقصصه الأدبية) وكمصدر رئيسي لعشرات الأعمال التي اقتبست عن رواياته بشكل مباشر أو غير مباشر. ارتبط اسم محفوظ كذلك بكبار مخرجي السينما المصرية من صلاح أبوسيف إلى يوسف شاهين وحسن الإمام وعاطف الطيب وغيرهم، كما ارتبط اسمه بأعمال متواضعة كثيرة، وكان مبدأه في ذلك أن يكتفي ببيع حق تحويل العمل لفيلم دون شروط أو محاولة للتدخل في هذه الأفلام، وفصل تماما بين عمله ككاتب سيناريو وبين الأفلام المقتبسة عن أعماله الأدبية.

    وكما صرح نجيب محفوظ كثيرا فقد كانت كتابة السيناريو بالنسبة له “أكل عيش” في أوقات الفراغ والجدب الأدبي، ورغم عشق السينما له، إلا أنه لم يبادلها ذلك العشق، واكتفى في أفضل الأحوال بأن تكون علاقته بها عابرة وسطحية ولا تتعارض أبدا مع عشقه الوحيد للأدب.

    نجيب محفوظ والسينما

    كانت مقاربة محفوظ للسينما ككاتب سيناريو تقليدية (بالمعنى الجيد للكلمة)، إذ برع في كتابة قصص مناسبة لتوجهات الإنتاج في ذلك الوقت، ومعظمها ينتمي للنوع “الواقعي الاجتماعي” الذي يتناول قصصا من الواقع تهدف للإصلاح والتوعية بجانب التسلية، ولم يكن يخطر بباله الثورة الهائلة التي حدثت في الفن السينمائي عالميا خلال الخمسينيات والستينيات، ولم يشغل باله بتطوير طرق كتابته للسيناريوهات كما فعل في مجال الأدب، حيث عكف منذ نهاية الخمسينيات على ابتكار أشكال جديدة وخاض تجارب مغامرة كثيرة، ولا يكاد يوجد في سيناريوهاته شيئا يميزها عن الإنتاج السينمائي المصري السائد في ذلك الوقت (إذا استثنينا تجربتيه في “بين السماء والأرض” مع صلاح أبوسيف و”الاختيار” مع يوسف شاهين).

    من ناحية ثانية تعاملت السينما المصرية مع أعمال محفوظ الأدبية باعتباره كاتب قصص واقعية فحسب، فلم يروا فيها سوى موضوعاتها الاجتماعية السياسية، ولم ينتبهوا إلى أشكالها الفنية شديدة الابتكار، بل عكف كتاب السيناريوهات المقتبسة من أعماله على “تدجين” هذه الأشكال وتسطيحها في سرد تقليدي، ويكفي المقارنة بين روايات مثل “ميرامار” و”ثرثرة فوق النيل” و”حكايات حارتنا” والمعالجات السينمائية لها، ليظهر الفارق واضحا بين جموح النص الأدبي ومحدودية الفيلم السينمائي، وحتى روايات “الفتوات” التي كانت مجال خصبا لدى محفوظ لابتكار عوالم “غير واقعية” لم ير فيها صناع السينما سوى الواجهة التي تحاكي الواقع فقط.

    الدراما التليفزيونية

    أما في مجال الدراما التليفزيونية فكان الحال أسوأ، ولعل أبرز مثال يبين هذه المفارقة هو مسلسل “حديث الصباح والمساء” الذي كتبه محسن زايد، وأخرجه أحمد صقر . إن ابتكار محفوظ لسرد جديد لا يظهر في المسلسل على الاطلاق، وحتى محاولات محسن زايد لإبداع نص متعدد المستويات، فلسفي، راحت هباء على يد الإخراج البدائي الذي حول النص إلى “دار مناسبات” لإقامة حفلات الزفاف وتلقي العزاء. ورغم أن هناك معجبين كثيرين للمسلسل، إلا أنني أعتقد أنه لم يقدم شيئا يذكر من الإمكانيات التي تحتويها الرواية. ولعل المسلسل الوحيد الذي يمكن استثناءه من هذا الحكم هو “أفراح القبة” إخراج محمد ياسين، الذي تضمن أسلوب سرد وصورة بصرية متميزة بالنسبة للدراما المصرية.

    لابد من التأكيد هنا على أن الاقتباس الجيد للأدب لا يعني الالتزام بالنص الأدبي أو شكله، بل على العكس يجب على “مؤلف الفيلم” أن ينسخ العمل الأدبي، بمعنى أن يعيد كتابته بلغة جديدة وتفسير خاص به، وإن كان يستلهم هذه اللغة وذلك التفسير من روح النص الأدبي. ولنأخذ، مثلا، رواية “ليالي ألف ليلة”، فهي رواية تستلهم نص “ألف ليلة وليلة” التراثي يعيد من خلالها محفوظ كتابة بعض القصص برؤية عصرية تحمل كثيرا من الاسقاطات والرموز والاستعارات على الواقع من ناحية، وعلى الإنسانية في مجملها من ناحية، وعلى المعنى النفسي الفردي والجمعي لهذه الحكايات من ناحية. إذا افترضنا أن هذه هي روح الرواية فإن على كاتب السيناريو أن يستلهم هذه الروح، وليس مجرد إعادة كتابة مشاهد الرواية في نص سينمائي بليد، يقوم مخرج الفيلم بتحويله إلى نص بصري بليد، لأن عظمة الرواية وحدها لا تكفي لصنع فيلم جيد، ولكن ينبغي أن تستثير كتابة نص سينمائي مواز في أبداعه وعظمته.

    تاريخ مصر

    أعمال محفوظ “الفرعونية” تحتاج إلى تفكير مختلف، ربما يقوم على الفكرة الأساسية وراء كتابة محفوظ لها، وهي استحضار تاريخ مصر ومجدها، ولذلك من المهم أن يظهر هذا التاريخ والمجد في سيناريوهات كلاسيكية وإنتاج مبهر.

    حتى أعماله الواقعية التي استهلكتها السينما المصرية تحتاج إلى رؤية سينمائية وعصرية لهذا الواقع، ولعل الفيلم المكسيكي “بداية ونهاية” للمخرج أرتورو ريبستين هو أفضل مثال للطريقة التي يمكن بها إعادة تقديم أعمال نجيب محفوظ الواقعية في السينما. فهو نص “عصري” (بمقاييس فترة التسعينيات التي صنع فيها) يحمل من عنف الواقع وقسوة التشريح الاجتماعي والنفسي ما يوازي روح الرواية التي كانت عنيفة وقاسية بمقاييس الأربعينيات التي كتبت فيها. وهناك مقال تروي فيه كاتبة السيناريو باز أليسيا جارسيادييجو (وهي زوجة المخرج) عن قراءتها للعمل واستلهامه وتطويره يمكن أن يكون درسا للكثيرين من كتاب السيناريو الذين يرغبون في اقتباس أعمال أدبية!

    يبدو أن كتاب السيناريو وصناع السينما في مصر ساروا وراء نجيب محفوظ في نظرته “التقليدية” لكتابة السيناريو، ونسوا أنه خص الأدب بشغفه وابتكاراته وبحثه الدائم عن الجديد، ولكن حتى يتصدوا لأعماله عليهم أن يخلصوا لفن السينما، مهنتهم، وأن يخصوها بشغفهم ورغبتهم في الابتكار والتجديد.

    اقرأ أيضا

    “صيادو العقول”: رحلة المباحث الفيدرالية من ملاحقة المعارضين إلى إصلاح التربية والتعليم!

  • “صيادو العقول”: رحلة المباحث الفيدرالية من ملاحقة المعارضين إلى إصلاح التربية والتعليم!

    “صيادو العقول”: رحلة المباحث الفيدرالية من ملاحقة المعارضين إلى إصلاح التربية والتعليم!

    تحولت الدراما التليفزيونية خلال العقد الأخير إلى فن قائم بذاته، وتنوعت أنواع وموضوعات هذه المسلسلات بشكل غير مسبوق، بل تحولت إلى مجال لاستكشاف وتقديم أفكار وقضايا يصعب حتى على السينما أن تتناولها، على الأقل بهذه الشمولية وثراء التفاصيل.

    ومن أهم وأفضل الأعمال الأمريكية التي تعرض على منصة “نتفليكس” منذ فترة مسلسل “صيادو العقول”  Mindhunter، وهو عمل يصعب تصنيف نوعه الفني، إذ ينتمي شكلا لدراما الجريمة والتشويق، وخاصة النوع المسمى بالقتلة المتسلسلين Serial Killers، ولكنه أيضا عمل يوثق تاريخيا، ويحلل اجتماعيا، يفحص العلاقة بين الجريمة وعلم النفس، والعلاقة بين الجريمة والسياسة في الولايات المتخدة الأمريكية منذ السبعينيات.

    صيادو العقول

    يتناول المسلسل أحداثا وشخصيات حقيقية ويعتمد بشكل أساسي على كتاب بعنوان “صائدوا العقول: داخل وحدة المباحث الفيدرالية الخاصة بالجرائم المتسلسلة” للمؤلفين جون دوجلاس ومارك أولشاكر، صدر في منتصف التسعينيات، ربما تحت تأثير النجاح الذي حققه فيلم “صمت الحملان” (إخراج جوناثان ديمي، وبطولة جودي فوستر وأنطوني هوبكنز، 1991) وبعض أفلام القتلة المتسلسلين الأخرى التي ازدهرت في هذه الفترة، وكان من أشهرها فيلم “سبعة” الذي لعب بطولته براد بيت ومورجان فريمان من إخراج ديفيد فينشر 1995.

    ديفيد فينشر هو أيضا المخرج الرئيسي لمسلسل “صيادو العقول”، مع مخرجين آخرين تحت إشرافه، كما أنه أحد المنتجين الرئيسيين.

    يتناول المسلسل قصة وكيلي المباحث الفيدرالية هولدن فورد (يلعب دوره جوناثان جروف) وبيل تينش (هولت ماكلاني) وعالمة النفس ويندي كار (آنا تورف)، الذي أدت جهودهم في دراسة القتلة المتسلسلين إلى تأسيس “وحدة المباحث الفيدرالية لعلم السلوك” في بداية السبعينيات. وهي فترة تتسم ببعض المعالم الهامة منها: ارتفاع حدة المعارضة الشعبية ضد السياسات الأمريكية الاستعمارية خاصة بعد ورطة حرب فيتنام، وضد سياسات الفصل العنصري والاضطهاد المنظم للملونين، وكذلك ضد ملاحقة المثقفين الذين يشتبه في ميولهم اليسارية أو التي لا تتفق مع النظام بشكل عام. وبفضيحة “ووترجيت” التي أتهم فيها الرئيس ريتشارد نيكسون بالتجسس على خصومه السياسيين وأدت في النهاية إلى استقالته.

    أحداث المسلسل

    هذه الفترة شهدت أيضا تحولا جذريا في طبيعة الجهاز الأمني المسمى بالمباحث الفيدرالية، أو مكتب المباحث الفيدرالية الذي يختزل اسمه إلى FBI، والذي تأسس في العشرينيات على يد إدجار هوفر لمكافحة الجريمة المنظمة والجرائم التي تتعدى اختصاصات الولايات، ثم تحولت إلى وكالة استخبارات “سياسية”، فعملت كذراع أمني لهيئة “مكافحة النشاطات المعادية لأمريكا” التي أسسها عضو الكونجرس ماكارثي في الخمسينيات، ويطلق عليها اختصارا الماكارثية، ثم كذراع استخباراتي وأمني ضد قادة حركة الحريات المدنية في الستينيات، وكانت وراء اغتيال عدد منهم. ويظهر هذا في الحلقات الأولى من خلال نظرة قادة المباحث الفيدرالية والمواطنين إلى الجهاز في بداية السبعينيات باعتباره أداة تجسس على المعارضين وتجنيد للمخبرين.

    في الحلقات الأولى من الموسم الأول لمسلسل “صائدو العقول” يذكر اسم عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم أكثر من مرة، في إطار الحديث عن العلاقة بين انتشار الجريمة والقمع السياسي أو الظلم الاجتماعي. ويقال ذلك في تفسير جرائم لا يبدو أن هناك أي صلة مباشرة بينها والسياسة، مثل الاغتصاب والقتل المتسلسل (أي قيام الجاني بارتكاب سلسلة من الجرائم ضد ضحايا مختلفين وفي أوقات وأماكن مختلفة).

    الصراع الدرامي

    يدور الصراع الدرامي الأساسي في الموسم الأول للمسلسل (الذي يتكون من موسمين ينقسم كل منهما إلى عشر حلقات) بين القيادة القديمة التقليدية للمباحث الفيدرالية التي ترى أن دورها ينحصر في الامساك بالمجرمين وتسلميهم للعدالة، وبين الضابط هولدن فورد وفريقه الذين يرون أن من واجبهم دراسة علم النفس الجنائي وعمل الدراسات والأبحاث الميدانية من خلال الحديث مع القتلة المتسلسلين والسفاحين لوضع خريطة لأنواع القتلة وجرائمهم ودوافعها والنماذج التي يسيرون عليها عادة في تنفيذ جرائمهم.. وأيضا، وهذا هو الأهم، توفير هذه الدراسات لعلماء الاجتماع والمسؤولين لتعديل نظم التربية والتعليم والمؤسسات الاجتماعية والاصلاحية لمنع ظهور هؤلاء المجرمين بقدر الإمكان!

    يعرض مسلسل “صائدو العقول” أيضا الفارق بين الشرطة المحلية التقليدية وأساليب تحقيقاتها ونظرتها للمجرمين وبين المباحث الفيدرالية بعد “تأسيس وحدة علم السلوك”، وهو فارق يمكن ملاحظته في فيلمي “صمت الحملان” و”سبعة” وأعمال أخرى. ومن خلال العلاقة بين بطلي العمل (التي تشبه العلاقة بين شخصيتي براد بيت ومورجان فريمان في “سبعة”)، يعرض المسلسل أيضا الجدل المثار دوما حول الطريقة المثلى للتعامل مع المجرمين والمشتبه فيهم أثناء التحقيقات، وبجانب ذلك كله يعرض قصة صداقة وحلم مشترك ورحلة طويلة من أجل تنفيذ هذا الحلم، بخدمة العدالة والإنسانية في الوقت نفسه.

    اقرأ أيضا

    في “الحرامي 2”: كلنا لصوص.. ولكن الكبار أكثر لصوصية!

باب مصر