باب مصر

الكاتب: عصام زكريا

  • في “الحرامي 2”: كلنا لصوص.. ولكن الكبار أكثر لصوصية!

    في “الحرامي 2”: كلنا لصوص.. ولكن الكبار أكثر لصوصية!

    لأسباب يمكن حصرها، وأخرى يصعب رصدها، نجح مسلسل “الحرامي” الذي لعب بطولته الممثل الشاب أحمد داش، وأخرجه أحمد الجندي عن سيناريو للمخرج والمؤلف أحمد فوزي صالح.

    من هذه الأسباب إيقاع العمل السريع، حيث لا يتجاوز زمن الحلقة الواحدة عشر دقائق، وقصته المشوقة، التي تدور حول لص صغير يجد نفسه حبيسا داخل فيلا يتسلل لسرقتها، ويخشى الخروج بعد سريان حظر التجوال بسبب الكورونا، وعندما يتم كشفه تنشأ علاقة بينه وسكان البيت، حتى أنه يساعد في إنقاذ حياة ابنتهم.

    الحرامي2

    سبب آخر هو أن كاتب المسلسل قدم شخصية لص “جديدة” بعض الشئ، فهو شاب صغير لا يتجاوز العشرين، لعبها ممثل صغير لا يتجاوز العشرين (وهذا حدث في الدراما المصرية لو تعلمون عظيم!)، ولكنها أيضا ليست “جديدة” تماما، فاللص المثير لتعاطف المشاهدين طالما كان أحد الشخصيات النمطية للميلودراما المصرية، والفرنسية، والأمريكية، والهندية، التي طالما استخدمت شخصية اللص “الشريف”، “الظريف”، الوسيم، للتعبير عن مواقف سياسية، مثل نقد التفاوت الطبقي والظلم الاجتماعي، أو لإطلاق مشاعر بعينها لدى المشاهد، مثل الانتقام من الأغنياء الأغبياء، أو التعاطف مع الفقراء البسطاء.

    هذه المواقف والمشاعر حاضرة بقوة هذه الأيام، التي تشهد تفاوتا متزايدا مرعبا بين الأثرياء والفقراء، كما تشهد انتشارا غير مسبوقا في “تبرير” و”تحليل” السرقة والاحتيال، والأفلام والمسلسلات التي تتناول ظاهرة اللصوص الطيبين تتكاثر مثل الأميبا، ومعظمها بلا عقل أو ضمير، فاسد التحليل، يبررالطبقية والتصارع على المال، بدلا من أن يكون بمثابة صرخة تحذير.

    نجاح مسلسل “الحرامي” دفع صناعه لعمل جزء ثان يعرض حاليا بعنوان “الحرامي 2″، ، وربما يكون حظه مثل المسلسل الإسباني العالمي “لا كازا دي بابل” فيلحق به الحرامي ثلاثة وأربعة وخمسة!

    كلنا لصوص

    يا عزيزي.. كلنا لصوص. هذا هو الشعار الذي أطلقه إحسان عبدالقدوس في ثمانينيات القرن الماضي لوصف حالة المجتمع الذي ينتشر ويعلو فيه اللصوص، وهو شعار يطلقه مسلسل “الحرامي 2”. لا يكتفي العمل هذه المرة بالدفاع عن اللصوص الصغار، ولكنه يقول إن اللصوص الحقيقيين هم أبناء الطبقة العليا. الأب الشريف حامي العائلة طارق (بيومي فؤاد) يضطر إلى “اقتراض” مبالغ كبيرة من الشركة التي يعمل بها لعلاج ابنته المريضة، ولكنه يتعرض لسرقة المال قبل أن يعيده إلى الشركة من قبل أحد الموظفين الآخرين. وهذه المرة يتحول حامي الأخلاق إلى لص يطلب من اللص الصغير كمال (أحمد داش)، الذي يحب ابنته سالي (رنا رئيس)، أن يساعده على سرقة المال الذي سرق منه! وبينما يرفض كمال في البداية أن يعود إلى السرقة ويقرر أن يعمل ويكمل دراسته، إلا أنه يضطر إلى تنفيذ طلب الأب عطفا عليه وحبا لابنته.

    من المدهش أن شخصيات الأثرياء هي التي كتبت بقدر من “الواقعية” خاصة الأب والأم (رانيا يوسف) والموظف السارق نشأت (محمد جمعة) وأسرته، وشقيق زوجته الذي يساعده في الجريمة. في المقابل فإن أضعف شخصيتين فيما يتعلق بدرجة الواقعية هما العاشقان كمال وسالي، فهما مقدمان بشكل بالغ المثالية والنمطية. هذا التنميط للشخصيتين الرئيستين يهدم كثيرا من طزاجة الواقعية التي كتبت بها الشخصيات الأخرى. ووصف “الواقعية” المستخدم هنا يقصد به “المصداقية” وليس المذهب والأسلوب الواقعي في الفن، فالمسلسل بالتأكيد ليس “واقعيا” من هذه الزاوية.

    زادت حلقات المسلسل في جزءه الجديد إلى عشرين دقيقة بدلا من عشر، لأسباب إنتاجية بالقطع، ولكنها غير مفيدة فنيا، لأن المسلسل رغم قصر زمن عرضه وسرعة أحداثه يعاني من بعض “التطويل” في عدة مواقع، مثل مشاهد شجارات نشأت وزوجته المكررة، ومشاهد الابنة الكبرى فريدة (كارولين عزمي) مع المحتال الذي وقعت في حبائله في الجزء الأول ويعود منتحلا شخصية شاب يعالجها نفسيا على الإنترنت.

    الطبقة الثرية

    ما ينجح فيه “الحرامي 2” بجدارة هو إظهار قدر الهشاشة التي تعاني منها الطبقة الثرية في مصر، والتي تبدو على السطح قوية مرتاحة ماديا ونفسيا، ولكن وراء هذا السطح البراق تعاني من خوف مزمن، وشعور بالفقر ناتج عن التنافس وتطلعها الدائم للمزيد، وبالأخص القلق من عيون الأفقر منهم التي تتطلع إليها دائما، حاسدة وطامعة، ومتربصة. يلخص نشأت، الواقف في المنتصف بين الطبقتين، هذا الموقف عندما يبرر قيامه بسرقة الأكبر منه بأنهم يستطيعون تدبر أمورهم وحل مشاكلهم، قبل أن يكتشف أنه نفسه يتحول إلى مطمع للأصغر منه، وأن الملايين الثمانية التي قام بسرقتها لن تكفي لتحقيق أحلامه، خاصة إذا قام شقيق زوجته ومساعديه بالاستيلاء على نصفها!

    كثيرة هي الأعمال التي تحدثت عن الظروف التي تدفع الفقراء للسرقة من أيام “البؤساء” و”جعلوني مجرما” والأعمال التي تبين أن الكبار هم لصوص أكبر من أيام “اللص والكلاب” و”أهل القمة”، ولكن قليلة هي الأعمال التي حاولت أن تدرس طبيعة الصراع بين كبار وصغار اللصوص. المشكلة ليست في وجود أثرياء وفقراء يتصارعون فحسب، ولكن في السلم الطويل للصعود والسقوط الطبقي الذي يتكالب ويتصارع الجميع على كل درجة من درجاته.

    وهذا الوعي بالموقف المعقد ما بين الرغبة في إزاحة الأعلى درجة والخوف من الأقل درجة هو ما يعطي لـ”الحرامي 2″ تميزه وتأثيره المختلف عن معظم قصص اللصوص الشرفاء.

    اقرأ أيضا

     «عاش يا كابتن» نبه إلى المشكلة منذ عام: ذهبية حسونة وصرخات الكابتن رمضان

  • «عاش يا كابتن» نبه إلى المشكلة منذ عام: ذهبية حسونة وصرخات الكابتن رمضان

    «عاش يا كابتن» نبه إلى المشكلة منذ عام: ذهبية حسونة وصرخات الكابتن رمضان

    كان أول ما تبادر إلى ذهني وأنا أشاهد تتويج لاعب رفع الأثقال “القطري- المصري” فارس حسونة بالميدالية الذهبية في أوليبمبياد طوكيو، هو الكابتن رمضان.

    قبل أيام من فوز حسونة، شاهدت فيلم “عاش يا كابتن” للمرة الثانية على منصة “نتفليكس”، وكانت المرة الأولى ضمن عروض مهرجان “القاهرة السينمائي الدولي” منذ عدة أشهر.

    الكابتن رمضان

    “عاش يا كابتن” هو فيلم وثائقي من إخراج الشابة السكندرية مي زايد يصور على مدار سنوات بعض لاعبات رياضة رفع الأثقال المصريات، يقوم بتدريبهم لاعب سابق عجوز، ووالد بطلة العالم السابقة نهلة رمضان، داخل ساحة خربة مهجورة، سمح له باستخدامها بعض المسؤولين.

    حسب ما نرى في الفيلم عرض على الكابتن رمضان أن يقوم بالتدريب في بعض النوادي المعروفة، لكنه فضل أن يعطي وقته وعمره لبنات الأحياء الشعبية اللواتي ليس لديهن نادي ولا مجال لممارسة الرياضة، ومن يشاهد الفيلم سيشعر بالفخر الإنساني من قدرة هؤلاء الفقراء البسطاء على صنع البطولات من لا شيء تقريبا. لكن هذا الفخر لا يفارقه شعور بالخجل والألم. الكابتن رمضان وفتياته يتدربون داخل “خرابة” ليس لديهم سوى بعض بارات الحديد، وجهاز تدريب قام الكابتن بتجميعه يدويا، وهم عرضة لتعليقات وسخافات الصبية والمارة، وقبل المسابقات نتابع معهم كيف يجمعون الجنيهات القليلة لشراء ملابس وبعض الطعام. وهو مشهد ذكرني بحوار قديم مع أحد أبطال رياضة رفع الأثقال أو كمال الأجسام، الذي كان قد حقق عددا من البطولات الدولية قال فيه إن كل مطالبه من الدولة أن توفر لهم الطعام المناسب الذي تحتاجه مثل هذه البطولات العضلية الصعبة.

    الرياضات المظلومة

    ينقلنا “عاش يا كابتن” إلى كواليس الرياضات المظلومة في مصر التي تمارس في الشوارع والساحات الشعبية ومراكز الشباب، بعيدا عن الأندية الخاصة الفاخرة، والتي يفاجئنا لاعبوها من حين لآخر بتحقيق بطولات دولية بطريقة إعجازية. في وقت ما كانت مراكز الشباب التابعة للدولة تحتضن الرياضة والرياضيين وتنافس النوادي الخاصة على صناعة الأبطال، ولكن هذه المراكز انهارت تماما، وتحول الكثير منها لأماكن سيئة السمعة، بجانب أن عددها يتناقص في الوقت الذي يتضاعف فيه عدد السكان باستمرار.

    الكابتن رمضان، رغم الحزن الذي يغمرنا بعد مشاهدة الفيلم، كان رجلا محظوظا، فرح ببناته وتلميذاته واستطاع أن يحقق إنجازات كبيرة بفضل شخصيته المتواضعة وصلابته الفولاذية. إننا نسمع صرخات وشكوى الكابتن رمضان عبر الفيلم، رغم أنه لا ينطق بها أبدا، لأنه رجل لا يحب الشكوى، ويصر على النجاح. ولكن هناك آلاف “الكباتن” الآخرين لم تتح لهم الفرصة، أبدا، لتحقيق ما يمكن أن يحققوه، أو اضطروا للسفر إلى البلاد العربية للتدريب هناك.

    من هؤلاء والد البطل فارس إبراهيم حسونة، البطل السابق والمدرب الكفء، الذي انتقل للعيش في عدد من البلاد العربية ومنها قطر منذ سنوات، عقب مشاكل مع الاتحاد المصري لرفع الأثقال.

    في تصريحات تليفزيونية أعادت نشرها بعض الصحف عقب فوز ابنه بالميدالية الذهبية قال إبراهيم حسونة: “رحلت عن مصر بسبب عدم حاجة المسؤولين لي، حيث كانوا يعينون المدربين بالمجاملات وليس الكفاءة.. ولم يتم الاستعانة بي، رغم أنني أخرجت لمصر العديد من الأبطال”.

    فوز فارس حسونة أثار الكثير من الجدل وفتح بعض الملفات المغلقة، مثل فساد الاتحاد السابق لرفع الأثقال المصري، والذي تسبب في إيقاف الفريق المصري عن المشاركة في البطولات الدولية بسبب المنشطات، في فضيحة شارك فيها أعضاء سابقون بالاتحاد، وللأسف كعادتها لم تتخذ وزارة الشباب والرياضة موقفا حاسما.

    فوز حسونة باسم قطر تسبب في صدمة وانزعاج للكثيرين، بسبب ممارسات قطر السياسية المعادية لمصر، ولكن معظم هؤلاء يتجاهلون الحديث عن المشاكل الأساسية، التي ليس لها علاقة بقطر، مثل حال الرياضة المخزي في مصر وفساد أو ضعف الاتحادات الرياضية، وعدم ذهاب مئات الملايين المخصصة لوزارة الشباب والرياضة إلى مستحقيها.

    كان يمكن أن يفوز حسونة باسم أي بلد آخر، وفي كل الأحوال لن ينفي ذلك حقيقة أنه مصري ابن مصري، وأنه، نظريا، كان يمكن أن يفوز بالميدالية الذهبية لمصر. والحقيقة أن مصر بالفعل هي التي فازت بها، لأن أي مصري يمثل مصر، حتى لو لم يكن يمثلها بشكل رسمي.

    لكن الفرح بإنجاز حسونة، مثل الفرح بإنجازات الكابتن رمضان، مؤلم لأنه يذكرنا بحال الرياضة في مصر، التي لا تخرج عن التشجيع العصبي لكرة القدم، ولا يمارسها سوى بعض أبناء الطبقة الموسرة في النوادي الخاصة، مع اختفاء رياضة المدارس وانحدار رياضة مراكز الشباب.

    عاش الكابتن رمضان، وصناع فيلم “عاش ياكابتن”، الذين ذكرونا بحال الرياضة في مصر، ولكن لأن الأفلام لا تكفي عادة، كان لابد من خبطة ذهبية قطر، لعل البعض ينتبه إلى ما يدور في كواليس اتحاد رفع الأثقال والاتحادات الأخرى ووزارة الرياضة.

    اقرأ أيضا

    حسين القلا عن مقالات صناعة السينما: المقومات متوافرة.. والحلول أيضا

  • نساء وسود ومثليون: ضد العنصرية.. وضد السطحية أيضا!

    نساء وسود ومثليون: ضد العنصرية.. وضد السطحية أيضا!

    أعلنت “مارفل”،  أكبر شركات مجلات الكوميكس ومسلسلات وأفلام الأبطال الخارقين، عن ستة أعمال تظهر هذا العام والعام المقبل، يتحول فيها الأبطال المشهورون إما إلى نساء أو رجال سود.

    الرجل الأخضر، أو Hulk، سوف يتحول إلى “خضرة” أو She- hulk، وكما بدأ “الأخضر” في التليفزيون، ستبدأ “خضرة” على يد الممثلة تاتيانا ماسلاني، في مسلسل يبدأ بثه العام القادم.

    “الرجل الحديدي” Iron Man  سوف يتحول إلى امرأة سوداء اسمها “القلب الحديدي” تحل محل أكثر أبطال “مارفل” شعبية، الذي مات مضحيا بحياته في سبيل إنقاذ العالم في فيلم “نهاية اللعبة”.

    حتى “كابتن أمريكا” الأشقر ذو العينان الخضراون، الذي يتلفح بالعلم الأمريكي، سوف يتحول لرجل أسود مرشح للعب دوره الممثل أنطوني ماكاي.

    أما “ثور” نصف الإله القادم من الفضاء ذو المطرقة الخارقة، فستحل محله البطلة الخارقة جين فوستر، أو الممثلة ناتالي بورتمان، التي ترث مطرقته وقدراته في فيلم قادم.

    وقبل “مارفل” كانت “دي سي”، أم شركات الكوميكس، قد غيرت الكثير من أبطالها ليصبحوا شخصيات سوداء ونساء، في مجلاتها والأفلام والمسلسلات التي تنتجها.

    “ديزني” قامت بمراجعة كل أفلامها على مدار قرن مضى، لتحذف منها أي إساءة تسربت لهذه الأفلام ضد النساء أو السود أو الأعراق الأخرى، وتقريبا معظم أفلامها الجديدة يلعب بطولتها شخصيات سوداء ونساء.

    و”بيكسار” أنتجت العام الماضي أول فيلم في تاريخها يلعب بطولته شخصية سوداء وهو فيلم “سول” الحاصل على الأوسكار كأفضل فيلم تحريك.

    ومعظم ترشيحات الأوسكار في العامين الماضيين، خاصة العام الماضي، كانت لنساء وفنانين سود وموضوعات عن شخصيات سوداء ونساء.

    منصة نتفليكس

    كثير من مشاهدي منصة “نتفليكس” الذين أعرفهم سمعتهم يعربون عن “قلقهم” من مضامين الأعمال التي تبثها المنصة، التي أصبح معظمها عن السود والنساء والمثليين جنسيا.

    كثيرون كتبوا عن “الصوابية السياسية” أو ” التصحيح السياسي”   political correctness الجاري الآن في وسائل الإعلام والترفيه، الذي وصل إلى المهرجانات السينمائية الدولية التي وضع بعضها شروطا “غريبة” لقبول الأفلام منها أن تكون عن المهمشين والمضطهدين بسبب الجنس أو اللون أو الدين أو الميول الجنسية. وهناك مهرجانات مصرية رأت أن تساير “الموضة” وتعلن أنها ستطبق قاعدة “فيفتي فيفتي”، أي النصف والنصف، وذلك بأن يكون نصف العاملين في المهرجان ونصف المشاركين بأفلامهم من النساء.

    وكل ما سبق يثير دهشة واستياء الكثيرين، لأسباب ليس كلها عنصرية، وإن كان بعضها بالقطع يرجع لعنصرية متأصلة، وحساسية مرضية، ضد المختلفين جنسيا، أو دينيا أو عرقيا.. أو كلهم معا.

    لكن الدهشة والاستياء ورائهما أحيانا موقف ليبرالي ديمقراطي يرى أن هناك معايير للعمل وللفن وللتمثيل السياسي ليس من بينها أن يكون المرء امرأة أو أسود أو مثلي جنسيا، وأن نظام “الكوتة”، أو الحصص، ضد فكرة الديمقراطية والحرية نفسها.

    التمييز نظريا

    والمسألة محيرة بالفعل. فتاريخ البشرية خلال الثلاثة آلاف عام الأخيرة، على الأقل، قام على انتهاك حقوق النساء والأقليات العرقية، ومطاردة وقمع المختلفين دينيا وجنسيا وسياسيا، وقد آن الأوان لمحاربة هذا الظلم الطويل، وخلق أجيال لا تعرف التمييز.

    ومع أن “كل” الناس ضد التمييز نظريا، لكن معظمهم يمارسه بطريقة أو أخرى. وكثيرا ما أسمع المصريين ينكرون بشكل عام أنهم عنصريون ضد النساء والأعراق الأخرى والأجانب والمختلفين دينيا وجنسيا وسياسيا، مع إن التجربة اليومية تثبت أنهم لا يقلون عن بقية شعوب العالم عنصرية، ويمكن للمرء أن يتبين ذلك بسهولة بمجرد أن يسير في الشارع أو يجلس في مكان عام، فسوف يسمع التحرشات والشتائم والتعليقات ضد النساء والملونين وغيرهم، ويمكن أن يسأل المرء أي امرأة أو شخص أسود عن المعاناة التي يواجهها في شوارع ووسائل مواصلات مصر، ولن نذكر المثليين جنسيا الذين يعانون اضطهادا شعبيا ورسميا علنيا، أو الأقليات الدينية التي تعاني اضطهادا شعبيا ورسميا غير علنيا.

    الذين يطالبون بـ”الصوابية السياسية ” في السينما والدراما يعتبرون أنها جزءا لا يتجزأ من “الصوابية السياسية” لتغيير التشريعات والقوانين، أو الدفاع عن الذين يتعرضون للتمييز والتنمر والتحرش في الحياة الواقعية. وهم يرون أن تعديل التشريعات وفرض العقوبات لا يكفي، ولا يصلح العادات والتقاليد الموروثة، إذا لم يصحبه إحداث تغيير ثقافي تساهم فيه المؤسسات التعليمية والإعلامية والمسؤولين عن إنتاج الفنون.

    وهم يرون أيضا أن نظام “الحصص” وفرض تقديم أو “تمثيل” representation المضطهدين في وسائل الإعلام والأعمال الفنية أمر مهم جدا، لما لهذه الفنون من تأثير كبير يتجاوز دور الوعظ المباشر في المؤسسات الرسمية. وكذلك يرون أن ما تعرضت له الفئات المضطهدة على مدار قرون متتالية يحتاج عدة عقود على الأقل حتى يمكن إصلاحه.

    الأفكار النبيلة

    لكن ذلك كله لا يمنع المرء من الانزعاج أحيانا، بسبب “التطبيق” الساذج أو المغرض لهذه الأفكار “النبيلة”، إذ يتخذها بعض الأفاقين وسيلة للوصول على حساب فنانين أكثر موهبة، كما يتخذها البعض وسيلة للابتزاز لدفع نفسه وأعماله المتواضعة، أو لتهديد شخص آخر والإساءة إليه، بحجة أنه “عنصري” لا يمتثل لنظام “الكوتة” أو لـ”الموضة”، ومن أغرب ما سمعت مؤخرا اتهام كل من الأمريكيين الإفريقيين سبايك لي وأنجيلا باسيت للمخرج والمؤلف والممثل الكبير وودي ألن بأنه عنصري ضد السود، لأنه لا يكتب لهم شخصيات، ولا يستعين بهم في تمثيل أفلامه. وأي شخص شاهد أعمال وودي ألن وسخريتها اللاذعة من كل أشكال التمييز والقمع لا يملك إلا الاندهاش والانزعاج أمام هذه الاتهامات السطحية.

    وكما هو الحال دائما، نحن ندافع باستماتة عن المساواة والعدل والحرية، مع علمنا بأن كثيرا من الجرائم ترتكب باسم هذه القيم!

    اقرأ أيضا

    حسين القلا عن مقالات صناعة السينما: المقومات متوافرة.. والحلول أيضا

  • حسين القلا عن مقالات صناعة السينما: المقومات متوافرة.. والحلول أيضا

    حسين القلا عن مقالات صناعة السينما: المقومات متوافرة.. والحلول أيضا

    بخصوص بعض المقالات السابقة حول صناعة السينما والدراما التليفزيونية في مصر، وضرورة وجود كيان جديد يشرف على تنظيمها وحل مشاكلها، اتصل بي المنتج المعروف حسين القلا، الذي قدم للسينما المصرية بعضا من أفضل أفلامها وألمع مخرجيها، وفي لقاء جمعنا لمناقشة الفكرة أعطاني دراسة موجزة كان قد أعدها بالفعل حول الموضوع، تحمل اقتراحات محددة منها إنشاء كيانات جديدة.

    مقومات السينما المصرية

    حسب رأي الأستاذ القلا، تتوفر لصناعة السينما المصرية مقوماتها الرئيسية: العنصر البشري الذي يتمثل في وجود قاعدة كبيرة من الفنانين والفنيين، ووجود دور العرض حتى لو لم تكن كافية، ووجود جمهور عريض فعلي وجمهور أكبر محتمل سواء في مصر أو العالم العربي وبعض البلاد الأخرى، كما توجد التشريعات القانونية اللازمة لحماية الصناعة ودعمها والكيانات الحكومية وغير الحكومية التي تعني بشؤون السينما والعاملين فيها.

    وحتى فيما يتعلق بالتمويل، فكما يرى حسين القلا أن صناعة السينما المصرية لم تعان طوال تاريخها من نقص في تمويل العملية الإنتاجية، سواء كان التمويل مصريا أو عربيا أو أجنبيا.

    ربما كان هذا صحيحا فيما يتعلق بالإنتاج الصغير، ولكن تعاني صناعة السينما المصرية حاليا من اختفاء شركات الإنتاج الضخمة التي تدرس السوق ومتطلباته وتعد الخطط الإنتاجية لعدة سنوات قادمة، وتغامر بإنتاج أعمال جريئة الإنتاج والطموح، وذلك باستثناء “الشركة المتحدة” بالطبع، التي تملكها الدولة بطريقة ما، ومن المتوقع أن تتحول إلى شركة اقتصادية مساهمة تطرح في البورصة، حسب البيان الذي تم إعلانه في المؤتمر الصحفي الذي عقد منذ عدة أسابيع.

    وجود هذه الشركة من شأنه إحداث تغير نوعي في صناعة السينما، وليته يشجع الدولة والأفراد على إنشاء كيانات مماثلة تجمعها المصلحة المشتركة والمنافسة الشريفة التي ينظمها القانون.

    يرى حسين القلا أن ما تحتاجه الصناعة اليوم أكثر من الإنتاج هو إنشاء دور عرض جديدة، أو بالأحرى ترميم وتشغيل دور العرض القديمة التي لم تعد تعمل أو لم تعد تصلح للاستهلاك الآدمي.

    تحليل القلا

    منذ سبعين عاما كان عدد سكان مصر عشرين مليونا، وكان هناك حوالي 500 دار عرض سينمائي في مصر. الآن زاد عدد السكان لأكثر من 100 مليون بينما لا عدد شاشات العرض هو نفسه، 500 شاشة تقريبا. لذلك لا معنى لإنتاج الأفلام إذا لم يكن هناك دور عرض وجمهور يغطي تكاليف هذه الأفلام.

    إذا عدنا للوراء لعام 1998، عندما أصدر رئيس الوزراء كمال الجنزوري قرارات تشجيع الصناعات ومنها السينما، دخل إلى المجال بعض كبار المستثمرين، وكانت الخطوة الأولى التي ساهمت في إنعاش الصناعة التي كانت تحتضر هي إنشاء دور عرض حديثة، وتزامن هذا مع ظاهرة إنشاء المولات التجارية التي استوعبت عددا كبيرا من دور العرض، وبالفعل كانت دور العرض بمثابة قبلة الحياة للصناعة. للأسف توقف بناء دور العرض لأسباب عدة، بعضها مفهوم وبعضها يتعذر فهمه، ولكن يجب البحث عن حل لهذه المشكلة قبل أن نفكر في أي شئ آخر.

    دور العرض

    هناك رأي يتردد بأن دور العرض أصبحت من معالم الماضي، وأن الناس توقفت، أو سوف تتوقف تماما، عن ارتياد دور العرض، وأن المنصات والتطبيقات الإلكترونية ستحل محلها. هذا الكلام يحتاج إلى مراجعة ودراسة، لأن هناك حالات يحدث فيها العكس مثل الصين والسعودية اللذين يشهدان نموا هائلا في أعداد دور العرض (بنسب متفاوتة بالقطع حسب ظروف كل بلد).

    على أية حال، إذا كانت دور العرض السينمائي ستختفي فعلا، وهو أمر مشكوك فيه، فعلينا أن نركز على البدائل المطروحة والمستقبلية، وأن ننشئ منصات وقنوات وربما أشكال مختلفة من دور العرض، يمكن أن تستوعب الأفلام التي سيتم إنتاجها وأن تكون قادرة على تغطية التكاليف وتحقيق الأرباح. وهذه أيضا مسائل تحتاج إلى دراسة وقرارات وتشريعات قانونية.

    مرة أخرى نجد أنفسنا أمام الحاجة الملحة لوجود كيان مسؤول يملك اتخاذ قرارات وتنفيذها يقوم عليه متخصصون مهنيون يحركهم الصالح العام للصناعة والبلد وليس مصالحهم أو أهوائهم الخاصة أو أجندتهم السياسية.

    ثلاثة اتحادات

    الدراسة التي أعدها الأستاذ حسين القلا تقترح إقامة ثلاثة اتحادات: واحد للمنتجين، وثان للموزعين وثالث لأصحاب دور العرض.

    هذه الاتحادات موجودة في معظم بلاد العالم، وهي مختزلة في مصر في غرفة صناعة السينما، ولكن دور الغرفة يأتي بعد صناعة الفيلم، حيث ينحصر في منح تراخيص العرض وشهادات الحقوق وحفظ أرشيف بالمعلومات الخاصة بالأفلام.

    يرى الأستاذ القلا أن إنشاء هذه الاتحادات يحتاج أولا إلى توافق أصحاب الشأن من منتجين وموزعين وأصحاب دور عرض، وأن تقوم جهة مسؤولة بتبني الاقتراح ثم يتم صياغة القوانين الخاصة بإنشائها.

    أتفق مع الأستاذ حسن القلا في الفكرة والهدف، ولكن أعتقد أن إنشاء كيان واحد بدلا من ثلاثة هو أمر أكثر فاعلية وأسهل عمليا لعدة أسباب: إنشاء اتحادات جديدة أمر مستبعد، لأن الغرفة وبعض الأطراف الأخرى ستعترض لتعارض الاختصاصات. ومن ناحية أخرى سيركز كل اتحاد على مصالح أعضاءه فقط دون النظر للصالح الكلي للصناعة، ويمكن فهم ذلك بوضوح إذا تخيلنا وضع اتحاد أصحاب دور العرض في مواجهة اتحاد الموزعين واتحاد المنتجين، لأن مشاكل دور العرض يجب حلها في إطار الصناعة ككل، كما أشرت سابقا.

    الاتحادات الصغيرة يمكن أن تزيد المشاكل والصراعات، بينما المطلوب كيان لا يمثل فقط العاملين بالصناعة من أصحاب الأموال، ولكن المعنيين بها، من فنانين ومثقفين وممثلين عن الدولة والحكومة بالقطع.

    وحتى لو افترضنا أنه تم تشكيل اتحاد للمنتجين فقط، فليس من المنتظر أن يجمعهم الصالح المشترك، بقدر ما سيحركهم الصالح الشخصي أو صالحهم المشترك على حساب الصناعة والمنتجين الصغار الذين ليسوا أعضاء في الاتحاد.

    هدف الكيان المطلوب لن يكون تقديم الخدمات وحل الخلافات و”التحويط” على مصالح الأعضاء، كما تفعل غرفة صناعة السينما، ولكن الدراسة والتخطيط وإصدار القرارات والتشريعات، وعلى سبيل المثال: إصدار قرارات بشأن دعم إنشاء دور عرض جديدة ودعم دور العرض الحالية بتخفيض الضرائب والأعباء المالية وتخفيض أسعار التذاكر. إنشاء صندوق دعم للفنانين الشباب. مواجهة القرصنة بحلول فعالة بجانب القوانين الحالية، وتوفير سبل لتوصيل الأفلام للمشاهدين في البيوت بأسعار زهيدة، حتى لا يلجأون للنسخ المقرصنة، وليكن مثلا مبلغا يضاف إلى فاتورة الإنترنت لمن يريد..

    وهذه مجرد أمثلة للمناقشة من بين عشرات غيرها، وكل هذا يحتاج إلى كيان له صلاحيات حقيقية، وأعضاء معنيون فعلا بصالح الصناعة فقط لا غير!

    اقرأ أيضا

    “حالة” شيحة: عصاب اليد الشمال من السعودية لفيلم تامر حسني

  • “حالة” شيحة: عصاب اليد الشمال من السعودية لفيلم تامر حسني

    “حالة” شيحة: عصاب اليد الشمال من السعودية لفيلم تامر حسني

    في العناوين الأخيرة من فيلم “مش أنا”، أحدث أعمال المغني الممثل تامر حسني إشارة إلى أن “المشكلة” التي يعاني منها بطل الفيلم، والتي تتمثل في أن إحدى يديه أصبحت عنيفة، شريرة، تتصرف بمعزل عن إراداته، هي مرض حقيقي يعاني منه بعض الناس.

    المرض حقيقي بالفعل، وهناك ملايين يعانون منه، حتى لو لم يكن يتمثل فقط في وجود يد تتصرف رغما عن صاحبها، ولكن في عقول ونفوس منفصمة، يأكلها التناقض والاضطراب، ولعل ما حدث من اعتراض بطلة الفيلم حلا شيحة على فيديو كليب لأغنية من الفيلم تضم بعض مشاهد تجمعها بتامر حسني، هو أوضح دليل على حالة الفصام التي أتحدث عنها.

    التوفيق بين هذه التناقضات

    حلا، أو “حالة” شيحة، ليست حالة استثنائية، وإن كانت أكثر “فجاجة” لأنها إنسانة طيبة، لا تعرف كيف تصقل وتسفسط فصامها كما يفعل آخرون.

    حلا ابنة جيل كامل تربى على تعاليم عمرو خالد ومن يطلق عليهم الدعاة الجدد، وصولا إلى معز مسعود، زوج حلا شيحة الأخير، وهي تعاليم تقوم في مجملها على محاولة التوفيق بين التدين والحداثة، الإتباع والإبداع، اللحية والتي شيرت، النقاب والبوركيني.

    ومن الظريف أن فيلم “مش أنا”، مثل كثير من الأفلام المصرية الحديثة، هو محاولة للتعبير عن الصراع النفسي العنيف الدائر بسبب عدم القدرة على التوفيق بين هذه التناقضات.

    أحداث الفيلم

    تامر حسني، أو حسن، فنان تشكيلي شاب يعيش مع أمه (سوسن بدر) المريضة، والتي تحتاج إلى علاج، لكنهما فقيران جدا، وحسن يضطر إلى الاقتراض من عمه (ماجد الكدواني) صاحب الـ”كوافير”، مبلغا زهيدا هو كل ما يملكه العم، ثم يذهب لبيع لوحاته وحتى ملابسه لكي يوفر ثمن الأدوية. عند هذه النقطة يتشاجر حسن مع بعض الصعاليك في الشارع ويوسعونه ضربا، ويعود للمنزل مصابا بكدمات خفيفة، لكنه يستيقظ في اليوم الصباح التالي وقد وجد أن يده اليسرى تتصرف بمعزل عن إرادته، بل إنها تواصل ضربه وصفعه، ثم تبدأ في صفع الآخرين والاعتداء على الناس، حتى عمه وأمه وحبيبته التي تعجب به عندما تقوم يده المنشقة بالاعتداء على مديرها الذي حاول التحرش بها.

    يسأل حسن يده عما تريده ويجيب عنها: “عايزاني أبقى شمال؟”. ومفهوم حسن عن “الشمال” هو أن يذهب لاحتساء الخمر مع بعض شباب المنطقة. وعندما يفعل ذلك يوبخه عمه وأمه ولا يكررها، ولكن تظل يده تتصرف بمفردها.

    تعبير “الشمال” هو مصطلح جديد في اللغة العامية المصرية انتشر واكتسب معان جديدة. وهو يمكن أن يصف إنسانا أو سلوكا أو أفكارا، وتقريبا كل ما يعتبر مخالفا للأخلاق، خاصة الجنسية.

    مفهوم الشمال هذا نابع من ثقافة تتعامل مع اليد والقدم اليسرى كما لو كانتا ملك للشيطان: “لا تدخل بقدمك اليسرى”، “لا تأكل بيدك اليسرى”، إلى آخره. هناك مرض نفسي ينشأ لدى كثير من الأطفال في علاقتهم باليد اليسرى بسبب اعتقادهم أنها “دخيلة” و”شريرة” ولا يجب استخدامها. وهذا المرض موجود بدرجات لدى الكبار من ضحايا هذه التعاليم الـ”دينية”.

    لكن السؤال: لماذا اختار رجال الدين والدعاة هذه الأقوال القديمة المشكوك في صحتها، وركزوا عليها؟

    أعتقد أنه نوع من الاسقاط  أو”موضعة” projection الشر، غالبا ما يلجأ إليه المتدينون كما يفعل الشخص العصابي حين يقوم باسقاط أفكاره على شيء في الواقع. وكما تفعل السينما حين تسقط مخاوفنا وغرائزنا على الشاشة، كما يفعل فيلم “مش أنا” مثلا.

    تنقضات وصراعات

    إن حسن يختزل التناقضات والصراعات الهائلة التي تسكنه في شيء مادي يمكن النظر إليه من بعيد، وإنكاره ونفيه وترديد العبارة المصرية الشائعة “مش أنا”، التي يرددها الصغار والكبار لنفي تهمة توجه إليهم أو لإنكار ذنب ارتكبوه، بسبب شيطان وسوس لهم، أو يد “شمال” تتصرف رغما عنهم.

    الظريف أيضا أن الفيلم الذي أنتج بتمويل سعودي ويحقق الآن إيرادات كبيرة في السعودية يحتوي على مشهدين في السعودية: في المشهد الأول يعلم حسن أن هناك حالة مرضية مثل حالته لشخص موجود في السعودية، ويذهب بالفعل للقاءه!

    في المشهد الثاني يذهب حسن للمشاركة في مسابقة للفن التشكيلي في الرياض بالسعودية ويفوز بالجائزة الكبرى، بعد أن ينجح في تحقيق المصالحة بين يديه اليمنى واليسرى، ويرسم بالاثنتين بدلا من يد واحدة.

    هل بدأ المرض في السعودية، وينبغي أن يعالج هناك؟

    يبدو المشهدان وكأنهما تلخيص لتاريخ المد الوهابي وتأثيره على مصر منذ السبعينيات وحتى اليوم، ولكن أشك كثيرا أن صناع الفيلم كانوا يفكرون في ذلك.

    مشكلة فيلم “مش أنا”، و كثير من الأفلام المصرية، مثل مشكلة حلا شيحة وكثير من زملائها، نابعة من نفس منهج عمرو خالد ومعز مسعود ومعظم دعاة الإخوان المسلمين الجدد: عدم مواجهة المرض أو الاعتراف به، ولكن الالتفاف حوله بأي وسيلة ممكنة، وعقد تصالحات ومساومات مؤقتة وعابرة طوال الوقت حسب كل موقف. من الطريف مثلا أن حلا شيحة وزوجها اعترضا على نزول “الكليب” في وقت غير مناسب هو موسم الحج، في الوقت الذي يحقق فيه الفيلم أعلى الايرادات في السعودية!

    لو تأملت تصريحات حلا شيحة وزوجها وردود تامر حسني وتعليقات المتابعين عليها على “تويتر” ومواقع التواصل الأخرى، يمكن أن ترصد حالة نموذجية من العصاب، ليس من مهام هذا المقال أن يحللها، ولكنها جديرة بالقراءة على الأقل.. ولعل الأجدر بالتأمل هو ردود الفعل الهائلة على الموضوع، ليس فقط على مواقع التواصل ولكن من قبل وسائل الإعلام سواء الصحف والمواقع أو الفضائيات (المذيع عمرو أديب مثلا خصص له إحدى فقرات برنامجه). حتى نقيب الممثلين أدلى بدلوه في “القضية” منتقدا حلا شيحة مهددا بأن “لا مكان لها في نقابة الممثلين”، ورد عليه شيخ متطرف يصفه بأنه “ديوث”، وهذا نوع الجدل والشتائم المتبادلة بين الطرفين على مواقع التواصل.

    قد يبدو الموضوع تافها في عناصره المتفرقة: فيلم ضعيف لا قوام له، أراد بطله الترويج له بفيديو كليب أغنية، وممثلة مهتزة نفسيا، تضع عينا على بريق النجومية وأخرى على الثعبان الأقرع، وكل عدة أعوام تخرج علينا بحالة. وداعية شاب، مزواج، يتاجر بالدين والفن معا، بنسخة ملفقة من الدراما الاسلامية…لكن حين تربط الخيوط معا، وتضع قطع “البازل” في مكانها، ستتجلى أمامك صورة واضحة لمجتمع تمزقه الازدواجية والفصام الجمعي، يضع قدما على طريق الحضارة، وأخرى على حجر المقبرة!

     

     

     

    اقرأ أيضا

    وجه يمارس الحرية وآخر يطالب بالمنع!.. عن المنصات والرقابة والفضاء العام

  • وجه يمارس الحرية وآخر يطالب بالمنع!.. عن المنصات والرقابة والفضاء العام

    وجه يمارس الحرية وآخر يطالب بالمنع!.. عن المنصات والرقابة والفضاء العام

    على منصة “نتفليكس” يتصدر مسلسل أمريكي بعنوان “الحياة الجنسية” Sex/ Life قائمة الأعمال الأكثر مشاهدة في مصر خلال الأسبوع الماضي.

    المسلسل يتناول الخيالات الجنسية لامرأة شابة مطلقة ولديها طفلان، وهو يحتوي على الكثير من المشاهد الجنسية الصريحة.

    “نتفليكس”، مثل بقية المنصات، يمكنها إحصاء عدد المشاهدات في كل بلد أو مدينة بدقة، وهكذا يفعل الإنترنت بالرغم من أنه لا يوجد مصدر مباشر يمكن الحصول منه على الأرقام بدقة، ولكن التقارير والشواهد تبين أن العالم العربي من أكثر المناطق ارتيادا للمواد البورنوجرافية والجنسية بشكل عام.

    الحرية والمنع

    ورغم القيود المفروضة على بعض المواقع والفضائيات يستطيع المصريون الوصول لأي مواد فنية أو معلوماتية بسهولة عن طريق بعض برامج الإنترنت أو أجهزة فك الشفرات التي يمكنها فتح أي قناة ممنوعة أو مدفوعة. وليس للرقابة على المصنفات أو الإنترنت قدرة على فرض شروطها على هذه الوسائط الحديثة أو الوصول إليها.

    والخلاصة أن الحرية موجودة بالفعل على أرض الواقع، وأن أي مواطن لديه كمبيوتر أو هاتف محمول يمكنه الدخول على أي مواد في العالم.

    فلماذا، إذن، هذا الجدل المثار طوال الوقت حول أي عمل سينمائي أو تليفزيوني يحتوي ولو على قدر نذير من الجرأة؟، وهو ما يذكرنا ببيت الشاعر أحمد شوقي الشهير:

    إلام الخلف بينكم إلاما

    وهذه الضجة الكبرى علاما؟

    هذه الضجة التي تصم الآذان وتغشى العيون في وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي حول فستان فنانة أو عبارة قالتها إحدى الشخصيات في فيلم أو مسلسل، أو كلمة رددها مغني شعبي في أغنية ما، ما الهدف منها حقيقة؟، هل يريد أصحابها بالفعل أن يمنعوا هذه الأعمال والمشاهد والكلمات؟، وإذا منعوها فهل يعني ذلك أن المشاهد المصري لن يتعرض لأكثر من هذه المشاهد والعبارات “الخارجة عن النص الرسمي” والمواصفات القياسية للرقابة من مصادر أخرى؟

    المسألة غير مفهومة بالمرة، بالنسبة لي على الأقل، خاصة أن هذه الازدواجية تزداد استقطابا مع الوقت، بدلا من أن تخف حدتها بمرور السنوات. فمنذ عشرين عاما، عندما كانت الفضائيات والهواتف المحمولة والإنترنت في بدايتها، كانت الهوة بين المسموح به رسميا والممنوع الذي يشاهده الناس بشكل غير رسمي أقل اتساعا مما هي عليه الآن. كان هناك سينما أجرأ “جنسيا” وتليفزيون أجرأ “سياسيا” وكتب ومقالات أجرأ “دينيا”، ومجال عام أكثر انفتاحا بشكل عام.

    أو ربما يجب النظر للأمر من زوايا أخرى: منذ عشرين عاما كان المصريون يدخلون على المواد الإباحية أكثر مما يفعلون الآن. الانفتاح المفاجئ الذي جاءت به الفضائيات، ثم الإنترنت، ثم الهواتف المزودة بكاميرا وإنترنت أحدث هزة كبيرة، وانتشر نوع من الهوس بالصور الجنسية كرد فعل على عقود من الحرمان. أعتقد أن الأمور أهدأ الآن، ولم تعد المواد الإباحية جذابة مثلما كانت عليه منذ عقدين، ومن ناحية ثانية لم يعد للصورة العارية التأثير الصادم الذي كانت تحدثه منذ عقدين مضيا… بمعنى أن المجتمع يبدو أقل شبقا وأقل توترا تجاه الصور والأفكار الجريئة.

    مع ذلك اتسعت الهوة كثيرا بين ما يسمح معظم الناس لأنفسهم بمشاهدته على الإنترنت والمنصات “الدولية”، وما يرفضونه ويهاجمونه على الفضائيات ودور العرض “المحلية”.

    المنصات والقنوات الأرضية

    قد يكون الأمر متعلقا بوجود جمهورين، لا جمهور واحد: جمهور منعزل في عالم الإنترنت ومواقع التواصل والمنصات، وجمهور منعزل في القنوات الأرضية والفضائيات الإقليمية فقط. هناك فوارق طبقية وثقافية وعمرية كثيرة تميز بين هذين الجمهورين، ولكن كل منهما موجود داخل كل بيت وأسرة تقريبا. وفي عالم اليوم يبدو هذا قدرا محتوما، في العالم كله وليس مصر فقط، حيث يصبح كل شخص تقريبا “جزيرة” منعزلة على نفسه داخل أجهزته الإليكترونية.

    ولكن ليس هذا ما أتحدث عنه. ما أرغب في مناقشته هو الفضاء العام، لا الخاص، الذي يبدو وكأنه يحيا داخل كهف مغلق منذ قرون، لا علاقة له بالعالم المنفتح الذي نعيش فيه.. وهو أمر يزيد من عزلة المجموعات والأفراد ورفض الآخر وإنكار وجوده. والأسوأ أن يعيش المجتمع والفرد بوجهين متضادين ينكر كل منهما الآخر. في العلن يلعن الحرية وفي السر يمارسها بدون أية ضوابط.

    هل المصريون الذين يقبلون على مشاهدة مسلسل “الحياة الجنسية” وغيره من الأعمال التي تبث على المنصات والقنوات المدفوعة والفضائيات الأجنبية، هو نفسه الجمهور الذي ثار ضد مسلسلات مثل “الطاووس” و”ملوك الجدعنة” و”سابع جار” و”ليه لأ؟”

    وهل الجمهور الذي يستخدم الإنترنت نهارا وليلا هو الجمهور الذي يحرض الرقابة على المصنفات الفنية لمنع أفلام ومشاهد وأغاني مصرية لا يمكن أن تصل بأية حال لجرأة الأعمال الموجودة على الإنترنت؟

    في غياب فضاء عام يستوعب معظم هذه التناقضات ويسعى للتقريب والتوفيق بينها، فمن المتوقع أن تزداد حدتها ووطأتها على المجتمع والأفراد، ومثل أي عصاب جماعي أو فردي لن يؤدي إلا للمرض والشلل النفسي!

    اقرأ أيضا

    في البحث عن كيان لإنقاذ السينما والدراما: الرقابة على الإبداع.. أم صناعته؟!

  • الدراما المصرية بين سيف الرقابة ونار الازدواجية!

    الدراما المصرية بين سيف الرقابة ونار الازدواجية!

    نظرة واحدة عابرة للأفلام والمسلسلات التي تعج بها المنصات والفضائيات غير العربية يمكن أن تبين الهوة الواضحة التي تفصل العالم العربي عن بقية العالم كله، حتى البلاد التي كانت إلى وقت قريب في مثل تخلفنا أو تزيد.

    لا أحد يريد أن يواجه هذه المشكلة، أو يعترف بها، وهناك خطابات “أخلاقية” كاملة تم نسجها وتعليبها وصبغ هالة من القداسة الدينية والوطنية عليها لإغلاق باب المناقشة في هذه القضية المفصلية.

    نار الازدواجية

    يشعر الإنسان العربي بازدواجية حادة، لا أتصور أن أي مواطن آخر في الكوكب يعاني من مثلها، إذ يتاح له الآن أن يطلع على أي مواد بصرية أو لغوية في العالم، بدون أي نوع من الرقابة، ولكنه من جهة أخرى لا يستطيع الحديث علنا، وبالأخص فيما ينتج من أفلام ومسلسلات، عن شيء مما يعتمل في رأسه، أو مما يراه ويسمعه على الإنترنت والفضائيات.

    هناك بالطبع رقابة على المصنفات الفنية لديها محاذير وممنوعات صارمة فيما يتعلق بأي شيء يمس التابوهات الثلاثة: الدين والجنس والسياسة، علما بأن هذه التابوهات كانت، ولم تزل، الموضوعات الأساسية للدراما منذ أن ظهرت الدراما في شكل الحكايات والأساطير الشعبية القديمة.

    لكن الأمر لا يتعلق بالرقابة على المصنفات كهيئة حكومية تابعة لوزارة الثقافة شكليا ولوزارة الداخلية والجهات الأمنية عمليا. جهاز الرقابة، في البداية والنهاية، هو نتاج مجتمعي خاضع للظروف السائدة في وقت ما، ولذلك تتغير حدود المحاذير الرقابية دائما مثل “الأستيك” المطاطي، أو كما اعتاد أن يقول الرقيب الراحل علي أبوشادي: “قوانين الرقابة يمكن أن تسمح بمرور جمل ويمكن أن تمنع مرور نملة”!

    سيف الرقابة

    من الصعب إذن أن نتخيل أن جهاز الرقابة هو المسؤول الأوحد عما نراه من عقم وجدب في الأفكار والموضوعات المطروحة في السينما والدراما التليفزيونية على مستوى العالم العربي كله.

    حتى ما يطلق عليه “الرقابة المجتمعية”، التي لم تعد تتمثل فقط في المؤسسات الدينية والسياسية والمهنية مثل الأزهر والكنيسة والبرلمان والنقابات.. ولكن في قائمة أخرى طويلة من الكيانات التي تبدأ بوسائل الإعلام وبعض المحامين الباحثين عن دور، وأبناء وأقارب المشاهير الذين تجسد شخصياتهم في الأعمال الفنية، كما باتت تتمثل أيضا في كثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين ينصبون أنفسهم رقباء وحماة للوطن والدين والأخلاق. ويمكن أيضا إضافة كيانات جديدة غريبة، مثل لجنة الدراما التابعة للمجلس الأعلى للإعلام، أو صفحات الفيسبوك و”تويتر” “المدفوعة” لشن الهجمات ضد، أو للدفاع عن أفكار وشخصيات بعينها. وجرب مرة أن تنتقد رجل أعمال فاسد أو مغني معروف، لكي تجرب النهش الذي ستتعرض له من قبل اللجان الإلكترونية لرجل الأعمال أو المغني!

    إن نظرة عابرة لأسماء الأعمال التي أثارت الجدل خلال السنوات السابقة مثل مسلسلات “سابع جار” أو “ليه لأ” أو “الطاووس” أو “ملوك الجدعنة” أو “نسل الأغراب” – وهي أعمال “أليفة” و”محافظة” بمعايير السينما والتليفزيون المصرية على مدار القرن الماضي-، إنما تعكس حالة الازدواجية التي يعاني منها كثير من المواطنين والإعلاميين، حيث يتربصون بأي شيء “عربي” “مسلم”، فيما يتقبلون، بل وأحيانا يمتدحون، أفلام ومسلسلات العالم. ولاحظ أنني قلت “العالم” وليس “الغرب” “الملعون” الذي يقرن اسمه عادة بالحريات، لأن ما نطلق عليه “الغرب” أصبح معظم بلاد العالم غربا وشرقا، شمالا وجنوبا، فيما يتعلق بحرية التعبير في مجالي السينما والدراما.. إذا استثنينا البلاد العربية وإيران (وإن كانت إيران حالة مختلفة لا ينطبق عليها الكلام السابق، لأن مبدعيها الكبار يكسرون كل التابوهات على طريقتهم!).

    حين أقول البلاد العربية هناك أيضا فوارق ودرجات لا بد من تأملها. لبنان وتونس والمغرب بهم قدر من الحريات لا تتوفر في بقية البلاد، ودول الخليج مثل السعودية والإمارات تشهد انفتاحا متزايدا ومساحة متزايدة من الحريات لم تكن مسموحا بها منذ سنوات قليلة، وبلد كان في القاع مثل السودان يشهد تحولات جذرية أثمرت بعض الأعمال الفنية الجريئة، حتى لو كانت صناعها يعيشون خارج السودان حاليا. أما مصر، الرائدة، فتزداد انكماشا بشكل ملحوظ. وهو أمر خطير ليس فقط على مصير السينما والدراما، ولكن على العقل المصري بشكل عام.. ببساطة لأن هذه الازدواجية التي ترفض المواجهة أو التصالح لا يمكن أن ينتج عنها فكرة سليمة في أي مجال من مجالات الحياة،  ولعل الخرافات التي انتشرت وسادت حول فيروس كوفيد 19 المستجد أكبر مثال على ذلك.

    هذه الازدواجية لا تتعلق بالرقابة الرسمية أو الأمنية، بقدر ما تتعلق بمستوى الثقافة والتعليم والصحة النفسية للمواطنين، وهو موضوع يستحق مقالا آخر.

    اقرأ ايضا

    في البحث عن كيان لإنقاذ السينما والدراما: الرقابة على الإبداع.. أم صناعته؟!

  • في البحث عن كيان لإنقاذ السينما والدراما: الرقابة على الإبداع.. أم صناعته؟!

    في البحث عن كيان لإنقاذ السينما والدراما: الرقابة على الإبداع.. أم صناعته؟!

    واحدة من المشكلات المزمنة المتعلقة بالكيانات المسؤولة عن السينما والدراما في مصر أنها تخلط بين دورها المهني وموقف أعضاءها “الأخلاقي”.

    كثيرا ما نسمع أن نقابة فنية تقوم بنصب العداء لفيلم أو ممثل أو مغن، لأنه شارك بعمل مثير للخلاف أو “مستفز” للرأي العام أو للسلطة، وينطبق الشيء نفسه على لجان السينما الدراما التي لا تستطيع غالبا التمييز بين الملاحظات الفنية التي من شأنها رفع مستوى الأعمال ودرجة تلبيتها لاحتياجات السوق والصناعة والجمهور وبين الحكم عليها من خلال المنظور الأخلاقي المحافظ أو المتزمت لبعض أعضاء هذه اللجان.. بل يحدث الشيء نفسه في لجان اختيار الأفلام المشاركة في المهرجانات والمسابقات. وقد شاركت في لجان مشاهدة واختيار أفلام المهرجانات الدولية التي تقام في مصر منذ منتصف التسعينيات وكم من “مهازل” رأيتها عندما يعتقد السينمائيون والنقاد المشاركون في هذه اللجان أن دورهم ينحصر في استبعاد الأفلام التي لا يرضون عنها أخلاقيا، حتى لو كانت قيام شخصية في عمل ما بالزنا أو السرقة أو تعاطي المخدرات!!

    إنقاذ السينما والدراما

    قد يعتقد البعض أن “قضايا الحسبة” وجماعات “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” تخص فقط الأصوليين الدينيين الذين روعوا المجتمع في وقت ما بمطاردة كل أنواع الإبداع الفني والفكري باتهاماتهم وقضاياهم وصخبهم، ولكن الحقيقة أن “أهل الحسبة” متواجدون في كل مكان حتى لو كانوا يرتدون قمصانا وربطات عنق بدلا من “الجلابيب”، والمصيبة أنهم متواجدون بكثرة داخل الوسط الفني والإعلامي، ومعظم الصحفيين والمذيعين يتصورون أن مهنتهم هي الوصاية على المجتمع وصيانة الأخلاق الحميدة، التي ما تكون غالبا قشور العادات والتقاليد الريفية والتعاليم السلفية التي يأتون بها من قراهم البعيدة وتتمحور غالبا حول الجنس والمرأة.

    عندما نتحدث عن ضرورة وجود كيان مهني يشرف على تطوير السينما والدراما في مصر لابد أولا من وضع خطوط فاصلة بين وظيفة ومهمة هذا الكيان وبين وظيفة ومهمة الرقابة على المصنفات الفنية، وأن تنص لائحة هذا الكيان على أن مهمته تنحصر في تطوير الصناعة والمهنة وليس لها علاقة بالمضامين الأخلاقية والفكرية للأعمال الفنية، لأن هذه مهمة الرقابة فقط!

    لو تم وضع هذا الشرط في لائحة الكيان الذي نتمنى إنشاءه، فسوف يوفر الكثير من الوقت والجهد والأموال التي تنفق على هذه الكيانات واللجان، والأهم أنه سيجبر أعضاء هذا الكيان على التفرغ والتصدي للتحديات والمشاكل الحقيقية التي تواجه السينما والدراما في مصر.

    قسط كبير من هذه المشاكل يتعلق بـ”البيزنس”. لابد من وجود خبراء في الصناعة يستطيعون وضع أيديهم على مواطن الخلل في الإنتاج والتوزيع، إذ لا يمكن تخيل حجم العشوائية والفوضى التي تضرب في أركان الصناعة، ويكفي أن نشير إلى بعضها على عجالة:

    لا يوجد عقود قانونية سليمة يعتد بها، وكثيرا ما تكون عقود “مضروبة” للتحايل على الضرائب، كما يخلو معظمها من الشروط الجزائية أو مواعيد تسديد الدفعات وهي بشكل عام تسمح بأشكال من النصب والتحايل، ولا يكاد يخلو عمل سينمائي أو تليفزيوني من توابع وخلافات بسبب الحقوق المادية و/ أو المعنوية للمشاركين في العمل، وأحيانا يكون المنتج نفسه ضحية هذه العقود الفضفاضة. ويمكن أن نضيف إلى مشاكل العقود مشكلة كبيرة تتعلق بالحقوق الفكرية، فرغم القوانين والإجراءات التي اتخذتها الدولة لحماية الحقوق الفكرية لمؤلفي الأفلام والمسلسلات، إلا أن السوق يضج بالسرقات الفنية للمؤلفين الأجانب والمصريين. وتقريبا لو كنت صاحب فكرة ألمعية أو سيناريو مبتكر، مطلوب منك ألا تعرضهما على أحد، خاصة النجوم، لأنك ستتعرض للسرقة غالبا!

    لا يوجد تنسيق بين أهل الصناعة من أي نوع، إذا استثنينا بعض الاجتماعات التي تعقدها غرفة صناعة السينما أو النقابات الفنية لحل خلاف بين اثنين، أو مشكلة طارئة، وفي الغالب يكون هناك انحياز للطرف الأقوى، المقرب من مجلس الإدارة، على حساب الأطراف الضعيفة، لأن الغرفة والنقابات تدار بمنطق العمدة وناظر العزبة، وليس وفقا لنظام ثابت لا يتغير بتغير الأشخاص. وكما ذكرت من قبل فإن الديمقراطية تثبت فشلها الذريع في المجتمعات ذات التركيبة الريفية والعائلية التي تسود النقابات والجمعيات الأهلية والكيانات الفنية في مصر.

    أكبر مثال على هذا هو غرفة صناعة السينما، التي يفترض أن تكون مهمتها وضع الاستراتيجيات والضوابط والدراسات الاقتصادية، وعلى الأقل توفير المعلومات الخاصة ببيزنس السينما في مصر، ولو كنت رجل أعمال تفكر في دخول مجال صناعة السينما، جرب أن تحاول الحصول على مشورة أو معلومة من الغرفة، أو أن تحصل حتى على بعض الأرقام الصحيحة، وسوف تندم على أنك فكرت يوما أن تقتحم هذا المجال.

    بجانب فوضى العقود وانتشار الاحتيال والنصب وضعف التنسيق وغياب الخطط والدراسات والمعلومات، هناك ضحالة ملحوظة في المستوى الفني للأعمال المنتجة بشكل عام، وليس السبب عدم وجود نصوص أو مشاريع جيدة، ولكن لأن القائمين على اختيار الأعمال لا تتوفر لديهم الموهبة الإبداعية ولا القدرة على التقييم الفني. ونحن نسمع من عقود طويلة عن مهنة “المنتج الفني” في السينما والتليفزيون، ولكنها لم تظهر في مصر إلا في استثناءات معدودة لبعض المنتجين “الفنانين”، وهي استثناءات تثبت القاعدة السائدة في أن هناك هوة شاسعة بين القائمين على الإنتاج وبين الثقافة الفنية والإبداع، والكبير في عالم الإنتاج والتوزيع في مصر هو الذي يمكنه أن يقرأ أو يشاهد عملا فيخبرك إذا ما كان سينجح جماهيريا أم لا! وهؤلاء لا يملكون غالبا أي نزعة للتجديد أو المغامرة، ولن نقول لا يملكون فكرا، أو فكرة عن ماهية الإبداع الفني!

    اقرأ أيضا

    السينما والدراما بين نارين: التأميم والعشوائية!

  • السينما والدراما بين نارين: التأميم والعشوائية!

    السينما والدراما بين نارين: التأميم والعشوائية!

    تعتمد فكرة التأميم التي تبنتها الدول الشيوعية وبعض الدول الاشتراكية على امتلاك الدولة لكل وسائل الإنتاج، وتوزيع فرص العمل وعائد وفائض الإنتاج على المواطنين بالعدل، بحيث يعيش الجميع تحت مظلة الدولة ورعايتها ووفقا لقوانينها وقواعدها، ولنظم الحكم هذه مشاكل بالطبع أدت في نهاية المطاف إلى انهيار هذه الدول. أما التأميم الجزئي الذي تبنته بعض الدول الاشتراكية، بل وحتى بعض الدول الرأسمالية، فيهدف التأميم بالأساس إلى تدخل الدولة لمواجهة شراسة الرأسمالية وحماية المواطنين الذين تدهسهم المنافسة، والسعي لضبط الأسعار، أو لإنتاج مضمون متميز لا يهدف إلى الربح بقدر ما يهدف إلى خدمة المواطنين، أو يهدف إلى خدمة مصالح الدولة وخططها الإستراتيجية، وفي مجال الثقافة والفنون يهدف إلى الدعاية لأهداف وسياسات هذه الدولة.

    لكن التأميم الجزئي له مشاكل أخرى تتلخص في قيام الدولة بوضع نفسها كمنافس في مواجهة القطاع الخاص، وهو أمر ليس محمود العواقب دائما، فقد يتسبب في إعاقة قوانين السوق التي تخضع للعرض والطلب والمنافسة الحرة، وقد يتسبب التأميم في فرض ضغوط وربما حصار على عمل القطاع الخاص قد يصل في بعض الأحيان إلى الإطاحة به إذا أضر بمصالح القطاع التابع للدولة. ويمكن أن نضيف إلى ذلك عدم خضوع القطاع التابع للدولة للقوانين والقواعد والضرائب التي يخضع لها القطاع الخاص، كما يمكن أن نضيف الإدارة “الشخصية” التي لا تخضع لقوانين الاقتصاد والسوق، ويمكن بالطبع أن يتسلل إليها الفساد وسوء الإدارة.

    من هنا يأتي تحويل “الشركة المتحدة للإعلام” إلى شركة مساهمة مطروحة في البورصة تحت هيكل إدارة اقتصادية تطبق قواعد الربح والخسارة، وتخضع لرقابة أجهزة الدولة وأصحاب الأسهم، كخطوة إيجابية على الطريق الصحيح، تحاول أن تتلافى مشاكل الفترة الماضية. هذه المشاكل تتعلق ببعض الملاحظات السابقة، وما يقال أنها أضرت بالقطاع الخاص في مجال الدراما والإعلام.

    غرفة صناعة السينما

    إشادتنا بالتغييرات الأخيرة لا يعني أن صناعة الإعلام والدراما في مصر بخير، أو أن تدخل الدولة أمر غير مقبول، فالحقيقة أن الفوضى تضرب في أركان الصناعة، ومنطق “اخطف واجري” هو شعار كثير من العاملين فيه، وليس هناك تخطيط من أي نوع بين المنتجين، ولا حتى لدى المنتج الواحد، وتسود “الشللية” والعشوائية وعمليات الاحتيال والخداع، وكثير من المخرجين والمؤلفين والممثلين والفنيين يشكون من نصب المنتجين عليهم، وهناك صراعات غير شريفة تسود سوق التوزيع، ولا يوجد تنسيق فيما يخص التوزيع والعرض في دور العرض أو الفضائيات، وليس هناك كيان يعني بتنظيم هذه الفوضى، وتطوير الصناعة.

    تناولت في مقالات قديمة حالة غرفة صناعة السينما، التي كانت تحتضر منذ عدة سنوات، ويبدو أنها ماتت الآن، فلم نسمع اسمها يذكر منذ سنوات، وهي صارت منذ زمن بعيد مطية لبعض كبار الصناعة، الذين يتحكمون في قراراتها.

    وغرفة صناعة السينما كيان “ديمقراطي” يتم انتخاب أعضاءها مثل النقابات والجمعيات الأهلية، والديمقراطية في هذه الكيانات، كما يجب أن نقر ونعترف، كانت ولم تزل ممارسة ناقصة، دائما ما تأتي بالأكثر قدرة على كسب الأصوات، بأي وسيلة، وليس الأكفأ أو الأكثر إخلاصا لخدمة النقابة والمهنة.

    ولست متفائلا بما أعلنته الشركة المتحدة عن شراكتها مع “نقابة الممثلين”، لأن هذه الشراكة قد تتحول إلى خدمة المرضى عنهم من الممثلين، وليس الأكثر استحقاقا، وسوف تحرم عددا كبيرا من غير أعضاء النقابة، وربما من أعضاء النقابة أيضا، من الحصول على أدوار يستحقونها. وعلى أية حال، حتى لو لم تكن هذه التخوفات صحيحة، فإن فكرة فرض النقابة لأسماء بعينها لمجرد أنهم أعضاء نقابة تتعارض مع ألف باء حرية الإبداع والفن، وكثيرا ما نرى مخرجين يعتمدون على الهواة ويرفضون الممثلين المحترفين، أو نرى مخرجين موهوبين هم أنفسهم ليسوا أعضاء نقابة!

    كيان جديد

    ولكن إذا لم تكن الدولة، ولا النقابات، فما هي طبيعة الكيان المنظم الذي يمكن أن يصون صناعات السينما والدراما والتليفزيون من الانهيار أمام الظروف الاقتصادية والفنية الصعبة التي تمر بها، ويضمن نموها وتقدمها لمنافسة مثيلاتها في المنطقة العربية والعالم؟!

    أعتقد أن طبيعة هذا الكيان تحددها نوعية الوظائف والمهام المطلوبة منه، والتي يمكن أن نلخصها في النقاط التالية:

    تحتاج عمليات الإنتاج والعرض إلى وضع خطة عامة لعدد الأفلام والمسلسلات المطلوبة سنويا، بحيث لا تكون أقل أو أكثر من حاجة السوق، فليس معقولا مثلا أن يتم عرض مئة مسلسل في شهر رمضان فقط، بينما لا يزيد عدد المسلسلات باقي العام عن عشرة أعمال!

    تحتاج الصناعة إلى دراسة ظاهرة المنصات، وتأثيرها على الفضائيات، والتفكير في حلول، قبل أن تستفحل المشكلة، ويأتي يوم تتحول فيه المنصات إلى مجال العرض الوحيد. ولابد من حل مشكلة الإعلانات، فالحاصل الآن هو أن المعلن يتحكم في الشاشة بغباء، يعني بشكل يضره هو أيضا، لأنه ليس من مصلحته أن ينصرف الناس عن الشاشة التي تعرض إعلانات منتجه، ولذلك لابد من وضع نسبة محددة للإعلانات داخل الدراما، كما يحدث في كل تليفزيونات العالم، ولابد من رفع سعر الإعلانات، وهما قراران لا تستطيع الفضائيات اتخاذهما، لأن هذه الفضائيات ليس لها كبير أو هيئة تحتكم إليها، وكل فضائية مستعدة لتحويل كل بثها إلى إعلانات إذا استطاعت، وعلى استعداد لخفض سعر الثانية إلى قروش لمنافسة الفضائيات الأخرى.

    إذا كانت الفضائيات في أزمة فإن صناعة السينما في مصر مهددة بالفناء إذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن، ولابد من تكاتف الكيانات الصغيرة معا، وبالمناسبة كلهم كيانات صغيرة جدا، مهما أدعى بعضهم أنه “كبير” و”معلم” السوق، وعقلية الفتوات هذه سوف تقضي عليهم جميعا، إذا لم ينتبهوا لما يحدث.

    لذلك أرى أن هذا الكيان المطلوب يجب أن يضم اللاعبين الأساسيين في هذه الصناعات، بجانب مسؤولين في الدولة، والوزارات المعنية: الثقافة والصناعة والمالية والسياحة والشباب والرياضة والتضامن، وأن يكون لممثلي هذه الوزارات دور وقدرة على اتخاذ القرارات وليس مجرد متفرجين، وأن يكون هناك لجنة قانونية وفنية محايدة هدفها الاستماع إلى المناقشات والطلبات وصياغة مشروع متكامل منها.. فإذا تمت الموافقة على هذا المشروع والبدء في تنفيذه، ينحل هذا الكيان ويحل محله كيان آخر هدفه الإشراف على تنفيذ المشروع واستمرارية العمل به.

    الشرط الوحيد الذي يجب أن يلتزم به أعضاء الكيان هو ألا يذكر أحدهم كلمات “رقابة” أو “أخلاق” أو “قيم اجتماعية” أو غيرها من الكلمات المماثلة التي تفسد أي مناقشة تتعلق بصناعة الدراما والإعلام.

    هذا الشرط وأسبابه هما موضوع المقال القادم.

    اقرأ أيضا

    حتى لا تتكرر أخطاء القطاع العام: بين “المتحدة” والمؤسسة العامة للسينما

  • حتى لا تتكرر أخطاء القطاع العام: بين “المتحدة” والمؤسسة العامة للسينما

    حتى لا تتكرر أخطاء القطاع العام: بين “المتحدة” والمؤسسة العامة للسينما

    من لا يقرأ التاريخ محكوم عليه بإعادة ارتكاب أخطاء الماضي، ولذلك تمثل تجربة صعود وسقوط القطاع العام في مجال السينما تجربة لابد من قراءتها ودراستها جيدا، حتى نعيد النظر في كثير من المفاهيم السائدة عن علاقة الدولة بالفنون، وحتى لا تتكرر أخطاء هذه التجربة بطريقة أخرى في العلاقة القائمة الآن بين الاثنين.

    انتقلت مرحلة الغزل بين الدولة والسينما التي بدأت بعد قيام ثورة يوليو 1952 إلى علاقة رسمية بإنشاء مؤسسة دعم السينما 1957، وكما يظهر من اسمها، كان هدفها “دعم السينما في مصر وذلك برفع المستوى الفني والمهني لها” و”تشجيع عرض الأفلام المصرية داخل البلاد وخارجها” و”إقراض المشتغلين بالإنتاج السينمائي وضمانهم لدى جهات الائتمان وذلك لتمكينهم من توجيه إنتاجهم بما يتماشى مع السياسة التخطيطية للدولة”.

    كانت صناعة السينما المصرية في أوج عصرها الذهبي في الخمسينيات، قوية اقتصاديا، توزع أفلامها وتعرض في كل دار عرض سينمائي وجدت في العالم العربي، وللحظات خاطفة بدا أيضا أنها قادرة على اختراق الحدود العربية مثلما فعلت السينمات الأمريكية والأوروبية والهندية واليابانية وغيرها. وربما كان ذلك ضمن الأهداف التي وضعها المسؤولون في ذهنهم وهم ينشأون مؤسسة دعم السينما، ولكن ما حدث على الأرض كان شيئا آخر: تعرضت الصناعة لحالة كساد اقتصادي بسبب الظروف العامة وعدم التوسع في إنشاء دور العرض لتناسب كم ما ينتج من أفلام وتراجع سوق التوزيع الخارجي بدلا من زيادة رقعته. وكلها أسباب تتعلق بالتخطيط الاقتصادي والتسويقي السليم الذي كان يحتاج لغرفة صناعة سينما قوية يتسم المسؤولون عنها بالعلم والنزاهة، وللأسف غلبت الطرق القديمة الارتجالية وتغليب المصالح الشخصية والتنافس الضيق بين صناع السينما، وسرعان ما بدأت الخسائر تتوالى والديون تتراكم وبعض الشركات ودور العرض أغلقت أبوابها. لكن الصناعة كانت لا تزال تعمل بقوة وكفاءة، ولعلها كانت تحتاج فقط إلى بعض التخطيط الاقتصادي الواعي وبعض التطوير التقني للأجهزة والاستديوهات والسماح بمزيد من مساحات التعبير والتجريب الفني.

    المومياء.. إنتاج المؤسسة العامة للسينما
    المومياء.. إنتاج المؤسسة العامة للسينما

    لكن، وبعد خمس سنوات أخرى، في 1962، وعقب الإعلان عن  تأسيس التنظيم الاشتراكي العربي وصدور القوانين الاشتراكية صدر قرار جمهوري بإدماج مؤسسة دعم السينما في المؤسسة المصرية العامة للسينما والإذاعة والتليفزيون، وبناء عليه قامت الدولة بإنشاء عدة شركات للإنتاج والتوزيع باعتبارها “امتدادا للقطاع الخاص” حسب نص القانون. لكن بعد أربع سنوات أخرى، في 1966 كانت الدولة قد قامت بتأميم معظم شركات القطاع الخاص كما حدث في مجالات اقتصادية أخرى، واكتملت سيطرة الدولة على السينما بصدور قرار جمهوري بإنشاء المؤسسة العامة للسينما وفصلها عن الإذاعة والتليفزيون ودمج شركات السينما في شركتين فقط واحدة للإنتاج وأخرى للتوزيع..

    كل هذه القرارات والفك والدمج لم تفلح في السيطرة على الوضع الذي يزداد تأزما، ولا الخسائر التي تتضاعف، ولا الاختلاسات والأجور المغالى فيها وأوجه الإنفاق غير المحسوب، مع مزيد من اختفاء التخطيط والإدارة العلمية المنزهة عن الأغراض، وتفاقم الصراعات الشخصية والشللية بين الموظفين والسينمائيين على السواء.

    مع هزيمة 1967 انهارت حوائط المبنى التي كانت بالكاد تتماسك، ولم يعد هناك مجال لمزيد من النهب والكذب. في منتصف 1968 أصدر مجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية قرارا يهدف إلى “تقويم قطاع السينما وتصفية قطاعاته الخاسرة” تضمن تصفية كثير من الاستديوهات ودور العرض وبيعها للقطاع الخاص، واقتصار نشاط القطاع العام السينمائي على “إنتاج الأفلام الهادفة”. وكان هذا القرار بداية العودة للسير في الاتجاه العكسي وصولا إلى المحاكم والتحقيق في أسباب الخسائر وتفكيك القطاع العام وإهماله نهاية بقوانين الخصخصة التي كانت بمثابة إعلان الطلاق بين الدولة والسينما.

    تفاصيل القصة كثيرة، وليس هدف هذا المقال استعراضها كلها أو تلخيصها، وإنما الإشارة فقط لبعض هذه التفاصيل التي تحتاج لدراسة اقتصادية وتحليل سياسي اجتماعي، وقبل كل شئ الإشارة إلى العنصر الغائب دوما، وهو وجود كيان علمي يدرس ويحلل ويخطط ويراقب ويضع الحلول للمشاكل قبل أن تتفاقم أو حتى قبل أن تظهر!

    وهناك من التشابهات والاختلافات ما بين تجربة القطاع العام وما تفعله “الشركة المتحدة للإعلام” في مجال الدراما والإعلام، ما يستدعي أيضا التوقف عنده والمقارنة بين الاثنين لتحديد الفوارق بينهما، وتأمل مصير التجربة الماضية والتنبؤ بمصير التجربة الحالية.

    ما يدور اليوم ليس تأميما بالمعنى العالمي الأصلي، ولا الناصري المصري، ولكنه بالتأكيد نوعا من قيام الدولة بامتلاك وسائل الإنتاج والتحكم في السوق بدرجة أو أخرى… يصفها البعض بالاحتكار، ولكنه ليس أيضا الاحتكار الاقتصادي بالمعنى المتعارف عليه، وإنما ممارسات ومواقف تشير إلى قيام القوي، صاحب السلطة، بفرض إرادته وأولوياته، وأحيانا مصالحه، على بقية اللاعبين.

    هذه الأنواع من “التأميم الجزئي” لها مشاكل نوعية مختلفة مرتبطة بنوع كل تأميم يجب وضعها في الحسبان مقدما.

    عندما قام القطاع العام السينمائي في مصر في بداية الستينيات كانت الدولة قد وضعت على عاتقها محاربة البطالة والتكفل بتوظيف الخريجين، ولكن بعد التأميم تبين أنها فعلت العكس في صناعة السينما، حيث تعرضت عشرات الشركات وآلاف الناس للبطالة. انتشرت حالة من الاستياء المتزايد، خاصة أن الأعمال التي أنتجتها الدولة لم تكن تختلف ولا ترقى كثيرا عما ينتجه القطاع الخاص، مع استثناءات محدودة لا تشكل قاعدة، معظمها منيت بخسائر فادحة في شباك التذاكر، وعلينا أن نلاحظ أن الدولة وضعت هدفين متناقضين للقطاع العام: إنتاج أعمال موجهة سياسيا رفيعة فنيا، وتحقيق مكاسب تنقذ الصناعة من الخسائر التي تتعرض لها، وهما هدفان لا يمكن التوفيق بينهما.

    وأمام الخسائر التي راحت تتوالى، وحالة الاستياء من جموع العاملين بالصناعة من البطالة أو منافسة الدولة لهم،  قامت الدولة بتعديل المسار ووجهت القطاع العام نحو تشغيل أكبر عدد من الشركات والعاملين والتركيز على الكم لا الكيف، ولذلك نجد سنوات في تاريخ القطاع العام تعج بالأفلام قليلة التكلفة المتواضعة فنيا.

    هذه بعض أمثلة على المشاكل التي ترتبط بالتأميم الجزئي، وبوضع الدولة نفسها كمنافس في السوق، وليس كموجه وحكم بينهم.

    وهذا هو موضوع المقال القادم.

    اقرأ أيضا

    “المتحدة” في مفترق الطرق: خواطر حول المؤتمر الصحفي للشركة الأكبر

باب مصر