باب مصر

الكاتب: . .

  • وليد غالي يكتب: «النبيل»

    وليد غالي يكتب: «النبيل»

    كنت أظن أن الأمر سهل عندما طُلب مني أن أكتب عن الدكتور عماد أبو غازي الذي أعرفه منذ اثنين وثلاثين سنة، وبالتحديد العام 1993. كنت آنذاك طالبا مستجدا في كلية الآداب، جامعة القاهرة. أعرف جيدا أن د. عماد لا يحب المدح، فاختصرت واخترت كلمة «النبيل».

    لماذا النبيل؟

    فالنُّبْل لغةً: الذكاء والنَّجابة، من نَـبُل نُـبْلًا ونَبالة، والنَّبِيلة: الفَضِيلة. وقيل: نَبِيل، أَي: عاقل. وقيل: حاذِق، وهو نَبِيل الرَّأْي، أَي: جيِّده، وقيل: نَبِيل، أَي: رفيق بإِصلاح عِظام الأُمور، ونَبُل فلان: كَرُمَ حَسْبُه وحُمِدَت شمائله. واصطلاحًا هو خُلُقٌ حميد، يتحلَّى صاحبه بالذَّكاء والنَّجابة في ذاته، والفضل والرِّفق في تعامله مع النَّاس، مع حِذْقٍ في الرَّأي والعمل. وقال أبو هلال العسكري عن النُّبل: «هو ما يرتفع به الإنسان من الرُّوَاء، ومن المنظر، ومن الأخلاق والأفعال، وممَّا يَختصُّ به من ذلك في نفسه دون ما يُضَاف، يقال: رجل نَبِيلٌ: في فعله ومنظره، وفَرَسٌ نَبِيلٌ: في حُسْنه وتمامه.

    إلى هنا يبدو الكلام مجاملة تلميذ إلى أستاذه. فدعوني أختصر الوقت والجهد وأتحدث عن عماد أبو غازي الذي أعرفه أستاذا وإنسانا.

     الأستاذ

    تربيت في بيئة تقدس الأساتذة والمعلمين، ولكل معلم مر في حياتي معروف يطوق به رقبتي، ومنهم بالطبع الأستاذ الدكتور عماد أبو غازي أستاذ الوثائق.

    في قاعة المحاضرات لا يمكن أن يفوتك شي من كلام عماد أبو غازي. تمكنه من المادة العلمية وصوته وابتسامته الدائمة كانت كفيلة بأن تجعل مجموعة من المراهقين المشاغبين يجلسون في صمت وكأن على رؤوسهم الطير. الكل يتسابق ليجد مكانا في الصف الأول، والكل ملتزم الهدوء. يطوف بنا في الوثائق العربية فنقرأها بسهولة ويسر، ثم يحلق بنا فيما بين السطور مستخدما المنهج التاريخي في استنطاق الوثائق. وفي العام التالي يحكي لنا قصة الكتابة العربية، وما سبقها من خطوط وعلامات. ثم ينسف لنا كل هذه النظريات ويقول: “الأمر متروك لكم تفكروا فيه” فالتاريخ غير محايد ويكتبه المنتصر. وفي العام الذي يليه يحدثنا عن الأرشيف وأهميته الوطنية وكيف أن كل وثيقة مهمة، وأن كل ورقة ولو بسيطة وثيقة “تذكرة الأتوبيس وثيقة، هيجي دورها التاريخي في يوم ما”. وهكذا كانت محاضرات د. عماد، ناهيك عن المناقشات في ممرات الكلية ومراجعة التكاليف الذي يكلفنا بها.

    الشاهد هنا أن عماد غيّر مفهومنا عن الأستاذ الجامعي ورسخ في أذهاننا صورة جديدة وفريدة في الوقت ذاته! كيف هذا؟ علي الرغم من وجود عمالقة في الجامعة وقتذاك، إلا أن جيلنا كان منقسما بين الصورة النمطية لأستاذ الجامعة ذو الشخصية الحادة والزي الرسمي، وأساتذة الجيل الجديد المتأرجحين أنفسهم بين جيلين أيضا. ليأتي عماد أبو غازي ويرينا نسخة مختلفة من الأستاذ الجامعي، ويرسخ في أذهاننا مفاهيم جديدة عن المدرس الجامعي وعن هذه الوظيفة الذهبية. فهو حديث في ملابسه، فالمظهر لم يكن يعني له شيئا، مما جعلنا نقترب منه كصديق. متمكن في مادته العلمية الغزيرة، منفتح على كل الاتجاهات الفكرية والثقافية، فتعلمنا منه دروس في التاريخ والوثائق والإنسانية.

    ***

    تلاحظون أنني أقول “عماد” ولا أجد حرجا في ذلك لأسباب كثيرة، أهمها وأنا طالب في الفرقة الثانية في كلية الآداب، جامعة القاهرة، كان الدكتور عماد وقتها يعاملنا وكأننا أصدقاء أضف إلي ذلك جهلي به وبتاريخه في الحركة السياسية والطلابية، كنت أحسبه قريبا في السن من جيلنا، فكنت أتخفف معه في الحديث أحيانا. حتى جاءت لحظة مناقشة رسالته للدكتوراه، ورأيت جموعا من الأساتذة والطلبة والمثقفين يجلسون في المدرج الكبير في انتظار بدء المناقشة ورأيت على المنصة عمالقة تخصص الوثائق والتاريخ يزينون الجلسة.

    لا أخفيكم سرا، قد اضطربت نفسي وقلت: من أين لي هذه الجرأة في الحديث مع هذا الرجل بقدر من التخفف؟ ورأيت على المنصة الدكتور عبد اللطيف إبراهيم الذي كنا نهابه ويرعبنا بصوته ومشيته وهيئته التي تشبه توفيق الحكيم. رأيت هذا العملاق يتعامل مع د. عماد بكل وداعة ولطف، ولما لا؟ وكان النبيل عماد هو المرافق للدكتور عبد اللطيف لمدة طويلة في حله وترحاله، وكان له نعم الابن البار. أما عن الرسالة والمناقشة فكانت نموذجا لما ينبغي أن تكون عليه حلقات العلم والمناقشة الجادة في الجامعات، بدلا من الصخب الذي يصنعه أنصاف الباحثين ولا يتمخضون إلا فأر.

    الإنسان

    الدكتور عماد رجل مجتمع وثقافة باقتدار، وله في كل مؤسسة ثقافية بصمة يشهد عليها الغادي والرائح. وأعرف أن كل من يعرفه من قريب أو بعيد عنده شهادات كثيرة.

    تبدت إنسانيته أمامنا ونحن طلبة في علاقته بجميع أساتذته، ومع أستاذه المباشر الدكتور عبد اللطيف إبراهيم، على وجه الخصوص الذي كان قد بلغ من العمر مبلغه. فكان الدكتورعبد اللطيف يأتي إلى الجامعة لتدريس الدراسات العليا، وفي وجوده لا بد أن يكون كل شيء هادئ جدا. وفور انتهائه من المحاضرة، يخرج من غرفة الأساتذة ومعه الدكتور عماد، يسير يده في يده حتى يصل إلى سيارته. هكذا كان الدكتور عماد ابنا بارا بأستاذه عبد اللطيف حتى رحيل الأخير.

    ثم تخرجت في عام 1997، وأتذكر جيدا في صيف هذا العام، التقيت بالدكتور في ساحة كلية الآداب وسألني عن النتيجة، فقلت له الحمد لله، لقد اجتزت السنة الرابعة بنجاح، وكنت وقتها أعمل في منظمة العمل العربية. هنأني أنا والزملاء، وأثنى على دفعتنا، وقال “اليوم أصبحنا زملاء، ولا داعي أن تنادوني بالدكتور عماد”. رقص قلبي لأنني عرفت أنني اكتسبت صديقا فوق كونه أستاذا، وأنني سأتعلم منه بلا توقف.

    غلاف الكتاب
    غلاف الكتاب
    ***

    منذ شهر تقريبا، حضرت ندوة في المجلس الأعلى للثقافة عن الدكتور جابر عصفور، وكان الدكتور عماد أبو غازي يتحدث فيها عن الدكتور جابر وجهوده في الثقافة المصرية وفي تطوير المجلس الأعلى للثقافة. وحديثه كان مملوءا بالمحبة والاحترام، لا يتركان لك سبيل إلا أن تحترم كليهما. وعندما عقب الدكتور عماد على بعض المداخلات، وقال إنه لم يكن هو والدكتور جابر متفقين في كل المسائل وحول كل القضايا على طول الخط، ولكن لم يفقد أحدنا احترامه للآخر. مثال آخر للمهنية والإنسانية في وقت واحد.

    كانت زيارة الدكتور عماد أبو غازي لي في لندن من العلامات الفارقة في حياتي. تزامنت زيارته مع وقت كنت أفكر فيه في اتخاذ قرار مصيري، هو العودة إلى القاهرة. تحدثنا واعترفت له بما أنتويه، فكانت أول نصيحة له أنني أراجع هذا القرار. ولأنه رجل يؤمن بالحرية ويفهم ملابسات جيلنا وشخصيته، لم يفرض علي الرأي ولم يقل لي هذا قرار خاطئ مثلا، بل طلب مني أن أتريث وأعيد النظر في القرار في ضوء بعض المعطيات التي شاركها معي. وفي نفس الزيارة، أخذته في جولة في المكتبة وأريته بعض الوثائق من مجموعة المكتبة. شجعني الدكتور عماد على العمل على المجموعة، وأن هذا سيكون مشروعا جديرا بالتركيز والنشر. ولما رآني مترددا، عرض علي أن نعمل سويا في هذا المشروع، فيخرج إلى النور مشروع “الوثائق المجهولة للشيخ محمد عبده”.

    ***

    وهنا بدأت مرحلة جديدة في علاقتي بالدكتور عماد، وهي كما يسميها هو: مرحلة الزمالة والصداقة. ما زلت أتردد في أن أقول إن عماد صديقا نظرا لسيطرة مرتبة الأستاذية في قلبي وفي ذهني. ولكن العمل مع عماد أبو غازي متعة لا تضاهيها متعة. عملنا سويا على الكتاب الأول في مشروع “الوثائق المجهولة للشيخ محمد عبده”، وكان فيها أيضا نعم الموجه والأستاذ. وفي معظم الأحيان كان يقدم اسمي على اسمه ونحن نرسل المسودات إلى المطبعة، ثم تصلني المسودة باسمي، فأغيرها وأرسلها إلى المطبعة مرة أخرى. حتى طلبت من الناشر ألا يغيروا ترتيب الأسماء، فالدكتور عماد سيظل أستاذي وسيظل أستاذي وله الفضل في هذا المشروع، وكان هو الدافع الوحيد لنشر هذا الكتاب وغيره.

    علاقتي بالكتابة الأدبية مازالت في مهدها، فانا أعتبر نفسي هاويا. وحتى زمن قريب، كنت لا أفكر في نشر أي أعمال أدبية إلى أن شجعني د. عماد. ولأني أثق في رأيه، استجبت له ولم أرد أن أخيب ظنه، فنشرت مجموعتين ورواية، وأعتبر أيضا أن للدكتور عماد دورا كبيرا في خروج هذه الأعمال الأدبية إلى النور.

    ***

    وشهادتي الأخيرة موقف أظن أنه تكرر مع كثيرين. قد يتسلل الشك إليك أحيانا عندما يتقلد أحد معارفك أو أساتذتك منصبا مرموقا، وقد تقول في نفسك: “لعله سيتغير أو يغير أسلوبه”. ولأنني متأكد أن كل من عامل الدكتور عماد أبو غازي وهو وزير للثقافة، عنده من القصص الكثيرة التي تؤكد على إنسانية ومهنية هذا الرجل. أما أنا، وبرغم ثقتي في شخص الدكتور عماد، كان قد تسلل إلى هذا الشك في وقت من الأوقات. وكنت وقتها أقف مع بعض الزملاء في أحد المنتديات الثقافية. ثم يمر الدكتور عماد وزير الثقافة وقتذاك، ماشيا على الأقدام ومعه مجموعة من المثقفين والزملاء. يخرج الدكتور عماد من الموكب المترجل ويأتي ليسلم علينا ويتحدث معنا لدقائق، ثم ينصرف. أتذكر يومها أنني قلت: “هذا الرجل لا يخيب ظن من يحبه أبدا”. فروسيته ونبله يفتحان قلوب الناس وعقولهم.

    اقرأ أيضا:


    ليلى بهاء الدين تكتب: «كأني عدت إلى المنزل»

    ماجد نادر يكتب: «وزير هيمثل معاك؟!»

    د. محمد عفيفي يكتب: «عماد أبو غازي» مؤرخًا

    بسمة عبد العزيز تكتب: في مَحبة الحضور الهادئ الطاغي

    د. سلمى مبارك تكتب: إنسان من الطراز النادر

    د. أنور مغيث: مع «عماد»

    د. ياسر منجي يكتب: لأنه أبَى إلا أن يكون «عمادًا»

    كريم زيدان يكتب: المحب لما يعمل.. المخلص لما يعتقد

    عماد أبو غازي يكتب: السينما في دراسات الوثائق والأرشيف

  • كارم زيدان يكتب: المحب لما يعمل.. المخلص لما يعتقد

    كارم زيدان يكتب: المحب لما يعمل.. المخلص لما يعتقد

    «عماد ابن الوزير»، هكذا سمعت عنه ووجدت نفسي أجلس في الفصل بجواره، وبدأت أجمل صداقة لأكثر من نصف قرن. عماد بدر الدين أبو غازي، فتى نحيف ذو شعر مجعد ويبدو أن طباعه وشخصيته مختلفة عن باقي رفاق الفصل، ثائر ورافض لأشياء كثيرة، بعضها مفهوم وبعضها عبيط، لكنه كان في كل الأحوال مختلفا، يتحدث في موضوعات أكبر مما كنا نتحدث فيه، ويستخدم مفردات غريبة عن مفرداتنا في الكلام.

    وكان من الواضح تأثير أسرته عليه، فوالده من مثقف مصري بارز، ووزير ثقافة، ووالدته غزيرة المعرفة وفنانة تشكيلية ومربية جليلة، وخال والده المثال محمود مختار، وعمته أمينة مكتبة المتحف المصري، وزوج خالته وزير، وأخواله من كبار رجال الأعمال.

    ***

    ورغم هذا المحيط الأسري “اللي يخض” فتى مثل “حلاتي” قادم من أسرة على قدها، لم يبدو على عماد أي تأثر بمستواه الأسري، بل كان على العكس من ذلك. مما سهل صداقتنا التي استمرت لأكثر من نصف قرن، تبوأ فيها الكثير من المناصب حتى وصل إلى منصب الوزير، ومع ذلك لم يتغير أو يتبدل. في المدرسة كان متفوقا، وكنت مثله، وكان محبوبا من الجميع بما فيهم المدرسون، رغم مجادلته لهم في أمور كثيرة. كان يعترض على بعض الأمور التنظيمية التي كان يراها من وجهة نظره أمورا سلطوية من إدارة المدرسة، مثل بعض مظاهر طابور الصباح. وكان عماد مسالم جدا محبا للجميع.

    وبعد أن نجحنا في امتحان الشهادة الثانوية، كان عماد الأول على المدرسة والعبد لله الثاني، ثم التحقنا بجامعة القاهرة. اختار هو دراسة التاريخ في كلية الآداب، رغم مجموعه الكبير، واخترت أنا كلية الإعلام. وظهر نشاط عماد السياسي، وكان يميل لليسار وثائرا على كثير من الأوضاع، وكنا نتقابل داخل حرم الجامعة وتشاركنا في مظاهرات تطالب السادات بالحرب.

    ***

    هذا بخصوص مشوار الدراسة، أما عن الجانب الشخصي في عماد كإنسان، فحدث ولا حرج، فهو نموذج للمثقف المحترم، المحب لما يعمل والمخلص لما يعتقد. أما نوادره فهي كثيرة وأحيانا مضحكة. فمثلا كان يصادق بعض حيوانات حديقة الحيوان ويداوم يوميا على زيارتهم وإطعامهم. وكان نباتيا لا يأكل مثلما نأكل، وكان يفلسف الأشياء ولا يهمه أن تقتنع أو لا، ويستغرب عندما يراك تضحك على بعض أفعاله.

    في نهاية هذا الموجز عن عماد، أقول إني فخور بصداقتنا، فهو من أنقى وأطهر مثقفي مصر.

                                                                                 زميل دراسة عماد أبو غازي-  يعمل في مصر للطيران.

    اقرأ أيضا:


    ليلى بهاء الدين تكتب: «كأني عدت إلى المنزل»

    ماجد نادر يكتب: «وزير هيمثل معاك؟!»

    د. محمد عفيفي يكتب: «عماد أبو غازي» مؤرخًا

    بسمة عبد العزيز تكتب: في مَحبة الحضور الهادئ الطاغي

    د. سلمى مبارك تكتب: إنسان من الطراز النادر

    د. أنور مغيث: مع «عماد»

    د. ياسر منجي يكتب: لأنه أبَى إلا أن يكون «عمادًا»

    وليد غالي يكتب: «النبيل»

    عماد أبو غازي يكتب: السينما في دراسات الوثائق والأرشيف

  • د. ياسر منجي يكتب: لأنه أبَى إلا أن يكون «عمادًا»

    د. ياسر منجي يكتب: لأنه أبَى إلا أن يكون «عمادًا»

    في البدء كان “بدر الدين أبو غازي”:

    قد لا تكون ستة عشر عامًا بالمُدّة الكافية في ميزان بعض العلاقات التي تُقاس كَمًّا وزمنًا، غير أنها فاضَت على حد الكفاية لتوثيق علاقتي بالدكتور “عماد أبو غازي”، على نحوٍ نَدَرَت سوابِقُه ولواحِقُه في منظومة علاقاتي بِمَن يمكن أن أصفهم بالأصدقاء– على الحقيقة لا على المجاز – والذين يُعَدّون في نهاية الأمر على أصابع يدٍ واحدة.

    كانت أول مناسبةٍ يُعتَدُّ بها قد جمعت بيننا خلال وجودنا معًا متحدّثَين في ندوة “بدر الدين أبو غازي.. الناقد والرسالة”، يوم 24 مايو 2009، وهي ندوة أقيمت بقاعة المؤتمرات بالمجلس الأعلى للثقافة لتكريم ذكرى والده الفَذّ، الناقد المؤرخ.

    أُقيمَت الندوة وقتها تحت رعاية الفنان فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق، ورئيس المجلس الأعلى للثقافة وقتها بِصِفَتِه، وخلال تَوَلّي الناقد الراحل “علي أبو شادي” أمانة المجلس الأعلى للثقافة، وتَوَلّي الفنان الدكتور “صبري منصور” رئاسة لجنة الفنون التشكيلية.

    كان المتحدثون في الجلسة الأولى من تلك الندوة: الدكتور جابر عصفور، والدكتور عماد أبوغازي، والناقد الراحل كمال الجويلي، وأنا، وتوَلّى إدارة الجلسة الدكتور صبري منصور، وصدر مع الندوة كتاب تذكاري توثيقي مهم من إصدارات المجلس الأعلى للثقافة، شمل دراسات متخصصة، وصورا نادرة للراحل مع رموز الفن والثقافة في عصره.

    ***

    وخلال النقاش، تَكَشَّفَت لَدَيّ، واحدةٌ من أهم الخِصال التي مَثَّلَت لي مفتاحًا من أهم مفاتيح الشخصية – إذا ما استعرنا تعبير “العَقّاد” – والتي ازداد يقيني بها خلال السنوات التاليات في كل موقفٍ دار بيني وبين الدكتور “عماد أبو غازي”، وفي كل مناسبةٍ كنت أتأمل فيها كيفية معالجته لفكرةٍ من الأفكار أو لتحديد اختيارٍ من الاختيارات؛ ألا وهي خصلة الحَسم المَرِن، أو إن شئتَ فسَمِّها: “المرونة الحاسمة”.

    فـ”عماد أبو غازي” ينتمي إلى ذلك الصِنف من البشر الذين يؤسِّسون رؤاهم وأفكارهم وفق منظورٍ رحبٍ، مُنفَتٍحٍ على كافة المرجعيات، دونما تَشَنُّجٍ أو انحيازٍ مُسبَق، مع استعدادٍ لمراجعة قناعاته الشخصية، متى ما تَبَيَّن له بالدليل الحاسم أن ثَمّة ما يدعو لمراجعتها. فإذا ما خلُصَ إلى موقفٍ يطمَئنُّ له فِكرُه، ويتوافق مع مرجعياته الأخلاقية بالدرجة الأولى، فستكون ساعتها بإزاء إنسانٍ لا يقبل بأَنصافِ الحلول، وباحثٍ لا يحيدُ عن سبيل المُضِيّ فيما تَبَيَّن له بالدليل صدقُ معطياته ونُبل مَقاصِدِه.

    وفي تقديري أن تلك الخَصلة، والتي أحسَبُها فطريّةً في أصلِها، قد تعَزَّزَت بحُكم تَمَرُّسِه التخَصُّصِيّ الطويل في ميدان البحث التاريخي والوثائقي؛ إذ يغلِبُ على المُدَقِّقين في هذا السياق– وبخاصَّةٍ خلال المراحل الأولى من البحث – أن يُفسِحوا مجالًا رحبًا لاستقبال مختلف المصادر والمراجع، على ما قد يفرق بين محتوياتها ووجهات نظر كاتبيها من عوامل شَتّى – وذلك قبل أن يتفرغوا لنقد هذه المصادر والمراجع، وفحصِها على بساط التدقيق الصارم، للخلوصِ إلى رؤيةٍ يُطمَأَنُّ إليها بقدر الإمكان.

    عماد مع والده بدر الدين أبو غازي
    عماد مع والده بدر الدين أبو غازي
    وتتكَشَّفُ الخِصال:

    وبمرور السنين، أدرَكتُ أن ما سَلَفَ لا ينفَصِمُ في تكوين “عماد أبو غازي” عن خَصلةٍ ثانية، لا تَقِلُّ عن سابِقَتِها أهميةً لاستيفاء رسم معالم شخصيتِه. تلك هي خصلةُ سماحة الجَهرِ بأحَقِّيَةِ من يجادله أو يخالفه الرأي؛ متى ما تبيّن له أن الصواب في جانب من يُحاجِجهُ.

    ولِعَمري إنها لخَصلةٌ بِتنا نفتقدُها في عُموم حياتنا الثقافية – ناهيكَ عن انعدامها على وجه التقريب في الفضاء التواصُلي العام – إذ الغالبُ على سواد الناس حاليًا الإمعانُ في اللّجاجة، ولو على حساب مصداقية الطرح وثُبوت البَراهين. وتكفيك نظرةٌ عابرة – لا أقول في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا في الحوارات والمُساجلات التي تغصّ بها الفضائياتُ ومحتويات “يوتيوب” – بل في كثرةٍ من الندوات والملتقيات الثقافية، لتَتَبَيَّن إلى أيّ درجةٍ باتت طائفةٌ واسعةٌ من أصحاب الأفكار يعتبرون أن مجرد نقدِها وكأنما هو نقدٌ لشخوصِهِم هُم.

    غير أن ثَمّة عاملًا لا يمكنني إغفاله، أحسبُه لعب دورًا كبيرًا في تمهيد السبيل أمام توطيد علاقتي بالدكتور “عماد أبو غازي”، بل وفي إشعال شرارة فضولي للتعرُّف به من قبل أن نلتقي في الندوة المشار إليها. ذاك هو عاملُ إجلالي للنموذج الذي جَسَّدَه في حياتنا الثقافية والدُه، الناقد المؤرخ “بدر الدين أبو غازي”.

    ***

    فهناك قلائلُ أحببتهم دون أن أراهم، وهذا الرجل العظيم أحدُهُم: “بدر الدين أبوغازي”، أحدُ الذين حملوا أمانة حقيبة الثقافة المصرية عن جدارةٍ واستحقاق، والرجل الذي جمع إلى وقار الشخصية سماحةَ الروح، وإلى عُمق الرؤية بساطة الطابع، وإلى شموخ النَفْسِ طهارةَ السيرة.

    وكأنما كان اطّلاعي المُوَسَّع على إنتاج “أبي غازي”، الأب، نقدًا وتأريخًا، شَحنًا وجدانيًا لابد منه لاختصار مسافاتٍ على طريق تَنامي العلاقة بيني وبين “أبي غازي” الابن. وكأنما كان افتتاني بذلك الكفاح المُضَمَّخ بعبير الوفاء، الذي خاضه “بدر” للذَود عن تراث خاله النابغة “مختار”، وتوثيق وقائع حياته وبدائع فنّه، فاتحةً للإعجاب والتقدير اللذَين لا زالا يلازمانني، وأنا أرى المسيرةَ ذاتها لم تتوقف يومًا، منذ أن حمل “عماد” الراية؛ لا ليقتَصِرَ كفاحه على مُواصلة السهر على كنز “مختار”، والكشف عما لا يزال مَخبوءًا من فرائدِه ولآلئه فَحَسب، بل ليضيف إلى ذلك مَهام السهر على أرشيف “بدر الدين أبو غازي”، وإلقاء الضوء على نفائِسِه، وإعادة رؤيتها في سياقٍ لا تنفَصِمُ فيه دوافع الوجدان عن مقاصد رؤية شَطرٍ من تاريخ مصر الحديث في مرآة عائلةٍ تماهَت وقائعُ حياة أفرادها في نسيج تحولات تلك المرحلة.

    وسرعان ما كشف لي هذا السياق المتشابك عن خَصلةٍ ثالثةٍ أراها من أبرز خصال “عماد أبو غازي”، ألا وهي “شبابُ شخصيته”؛ إذ هو من ذلك النمط من الشخصيات التي تخوض الحياة، في كافة تَجَلّياتها، بروحٍ لا يفارقها رُواءُ الشباب، ظاهرًا وباطنًا. وسأكتفي في هذا المقام بالإشارة إلى أمرٍ ربما لم يحظَ بالقدر الكافي من التأمل فيما يختَصّ بأسلوبه في نشر أفكاره بهذه الروح الشابّة؛ وهو مبادرَته المبكرة لتطويع وسائط التواصل الرقمية لصالح نشر تأملاته ومقالاته وأبحاثه، وبخاصةٍ في سياق ما سبق ذكرُه حول تراث “مختار” وأرشيف عائلة “أبي غازي”.

    ***

    لقد كان “عماد” واحدًا من الأكاديميين والباحثين الذين انتبهوا مبكرًا لأهمية الوسائط المعاصرة في هذا السبيل؛ فكان مِمَّن بادروا لاستخدام المدونات Blogs، قبل أن يصير “فيسبوك” و”تويتر” و”إنستجرام” بديهيات يومية لدى الجميع كما هو الحال الآن، وفي وقتٍ كانت كثرةٌ من المنتمين للسلك الأكاديمي لا تزال تنظر لمثل هذه الوسائط بعين الاستخفاف – إن لم يكن الارتياب –باعتبار أنها (صرعات) شبابية ترتبط باللهو وإزجاء أوقات الفراغ.

    وقد أثبت “عماد” مبكرًا فاعلية هذه الأدوات المعاصرة، من خلال مدونته “الخماسين”، التي أوقفها على ما يتصل بسيرة “مختار” وفنه، ليُتبعها لاحقًا بـ”الخماسين 2″.

    ولعله من نافلة القول أن أشير إلى حضوره الحيوي المشهود للكافة على موقع “فيسبوك”، ونجاحه في استقطاب اهتمام شريحةٍ عريضة من القراء لمتابعة ما يوالي نشره من أوراق “بدر الدين أبو غازي”، وأرشيف عائلته الذي لا تنفَصِمُ في مكوناته عُرَى ما هو شخصي بما هو اجتماعي/ سياسي/ ثقافي.

    لأنّه أبَى إلا أن يكون “عمادًا”:

    غير أن أبرز ما أراه جديرًا بأن يكون جوهر شخصية “عماد أبو غازي”، ومحورها الناظم لكافة خصالها، فهو نزوعه المبكر لأن يكون نفسَه، وأن تكون حياتُه تطبيقًا لقناعاته، وتجسيدًا لما اعتنقه من أفكار، وارتضاه من مبادئ.

    ويغلِبُ على هذا النمط من النزوع العصامي لاستكشاف الذات، وخوض تيار الحياة وفقًا لما يتمخّضُ عنه هذا الاستكشاف، أقول: يغلبُ عليه يكون أكثر شيوعًا بين مَن نشأوا دونما اعتمادٍ على نماذج هاديةٍ تمهد لهم السُبُل، ودونما عونٍ من أقربين يختصرون أمامهم المسافات ويمدّونهم بأسباب الإلهام، مما يجعل رهانهم الأوحد منوطًا بنجاحهم في سبر أغوار أنفسهم، وتشكيل قوالبهم الذاتية بأيديهم.

    أما “عماد أبو غازي”، فلم يكُن هذا شأنُه؛ إذ نشأ في أحضان عائلةٍ مستنيرة، يتمتعُ أفرادُها بالبصيرة والاهتمام الكافيين لتيسير مثل هذه المهمة على الناشئةِ من أبنائها، فضلًا عما حقّقه رموز هذه العائلة من نجاحاتٍ، صار كلٌّ منها نموذجًا قائمًا بذاتِه، يضاف إلى هالة الإرث الإبداعي التي تحيطهم مِن لَدُن “مختار”.

    ***

    وحين تنشأ في تكوينٍ عائليٍ من هذا النمط، فمن السهل عليك أن تتقمص نموذجًا من تلك النماذج المحيطة بك، ومن السهل عليك أن تسير في سُبُلٍ مُعَبَّدَةٍ سَلَفًا، توفر عليكَ عناء التنقيب الشاق في دخيلة نفسِك، وتُزَوِّدُكَ بذخيرةٍ سابقة الإعداد، وتجاربَ آمنةٍ لإعادة استنساخها فتوفر عليك عناء المغامرة الحياتية وثمن التقَلُّب بين النجاح والإخفاق.

    فما أيسر كل ذلك حين يتفتَّح وعيُكَ فتجد نفسَكَ حفيدًا لـ”مختار”، وابنًا لأحد أبرز نقاد مصر ومؤرخيها الفنيين، وتتربى في أحضان أمٍّ فنانةٍ آثرَت أسرتها على فنها – “رعاية حلمي” – وكان لها من الحنكة التربوية ما قَيَّضَ لها تنشئة أبنائها كما لو كان كلٌّ منهم مشروعًا لعملٍ أبداعيٍّ مستقل. أن تعيش لحظةً من شبابك ابنًا لوزير ثقافة، وأن يحدوك إلهامٌ من مسيرة خالةٍ فنانةٍ من رائدات فن الجرافيك المصري – “منحة الله حلمي” – وعَمّةٍ كانت أول امرأة مصرية تحصل على دبلوم في علم المصريات من جامعة القاهرة –”ضياء أبو غازي” – ما أيسر أن تترك نفسك لمنطق العادات الآمنة، لتكون استمرارًا نمطيًّا لأيٍّ من هؤلاء. ولن يلومك أحدٌ إن فعلت.

    غير أن شيئًا من ذلك لم يكن ليوافق جوهر “عماد”؛ الذي أبى إلا أن يكون نفسَه، وإلا أن يكون ذلك مشفوعًا بخَطٍّ واضحٍ يسير على هداه في طريق الحياة التي ارتضاها لنفسِه، دون أن يهاب ما قد يكلفه ذلك من مَشّاقٍ يتكبّدُها، أو يقتضيه من أثمانٍ يدفعها عن طيب نفسٍ.

    ***

    اختار “عماد أبو غازي” لنفسه سبيل النضال السياسي – وهو مسارٌ في حياته أشهرَ من أن أُعاود الإفاضة في تفاصيله –ليقترن هذا النضال بما وافقه من وعيٍ اجتماعي، وثقافةٍ سياسيةٍ يرفِدُها وعيٌ تاريخيٌّ بصير، سرعان ما أفضى إلى إنتاجٍ بحثيٍّ وتأليفيٍّ ما زالت تتوالى ثمارُه تِباعًا.

    والمتأمل لنموذج “عماد أبو غازي”، شخصيةً وإنتاجًا، يخلُصُ إلى نتيجةٍ مفادُها أنه قد أفلح في تحقيق تلك المعادلة الصعبة؛ التي وَفَّقَ فيها بين استلهام كفاح كل نموذجٍ من النماذج المُشَرِّفة التي أنجبتها هذه العائلة، وبين التمسُّكِ بحُلمِه لاستكمال نموذجِه الذي يمثله هو دون سواه.

    ***

    ولا يسعُني في هذا المقام إلا أن أستدعِيَ نَصًّا بليغ الدلالة على ما سُقتُه سَلَفًا، وهو نَصٌّ نشره الدكتور “عماد” بتاريخ 6 يناير 2020، تفريغًا لقُصاصَتَين عثر عليهما ضِمن أوراق والدِه، دَوَّن فيهما خواطر جالت بذهنه خلال الاحتفال بعيد ميلاد والدته في سنة 1981، بعد أن مُنِيَت الأسرة بنازلةٍ موجِعة؛ تمَثَّلَت في رحيل “مختار”، شقيق الدكتور “عماد” الأكبر، وأتبَعَه مرور “عماد” بتجربة السجن على خلفية نشاطه السياسي؛ وهو ما صاغه يراع “بدر الدين أبو غازي” برهافةٍ تقطُرُ وَجدًا، وبعباراتٍ رشيقةٍ تفيضُ شَجَناً وعذوبة، في نَصِّه الذي أجتَزِأُ منه تلك الفقرة الدالّة:

    “كنا خمسة تنفتح عيوننا على صباح الأمل، نهمس بكلمات الأماني، ويلفنا مرحال روح بنور داخلي عميق يصاحب النهار والليل، وحول الشموع نطفئ عامًا ونستقبل عامًا جديدًا على أمل أن يبقى خمستنا، بل قد نزيد…

    صباح الأمل أصابته عتمة، وغابت نشوة المرح العميق، وسكبت الشمعة دمعة وهي تنطفئ، صار الخمسة أربعة… رحل الفارس الشاب؛ وبرحيله المختار سكنت بيتنا الأحزان..

    ومع الأحزان عشش القلق؛ الفارس الثاني يخوض معاركه، ويركب طريقًا صعبًا من أجل الحرية والعدالة والقيم، ويدفع ثمن أفكاره قيودًا  وسدودًا……”.

    (يخوض معاركه)، و(يركب طريقًا صعبًا)، و(يدفع ثمن أفكاره). هكذا لخص “أبو غازي” الأب لُبّ المسألة، مُجَسّدًا بهذا التلخيص جوهر شخصية (الفارس) الذي أبى إلا أن يكون ذاتَه. ومَن يمكنه أن يُباري الأب في ذلك حين يؤتَى بلاغة ناقدٍ فنيٍّ بَصير؟!

    ***

    تلك إذَن كانت المسألة: أن تكون أو لا تكون، بالمفهوم الشكسبيري لجوهر المَسعى الإنساني الذي يَرومُ تحقيق المعنى.

    فكل عامٍ وأنت بخيرٍ، أيها الفارس الذي أبى إلا أن يكون “عمادًا”!

    اقرأ أيضا:


    ليلى بهاء الدين تكتب: «كأني عدت إلى المنزل»

    ماجد نادر يكتب: «وزير هيمثل معاك؟

    د. محمد عفيفي يكتب: «عماد أبو غازي» مؤرخًا

    بسمة عبد العزيز تكتب: في مَحبة الحضور الهادئ الطاغي

    د. سلمى مبارك تكتب: إنسان من الطراز النادر

    د. أنور مغيث: مع «عماد»

    كريم زيدان يكتب: المحب لما يعمل.. المخلص لما يعتقد

    وليد غالي يكتب: «النبيل»

    عماد أبو غازي يكتب: السينما في دراسات الوثائق والأرشيف

  • د. أنور مغيث يكتب: مع «عماد»

    د. أنور مغيث يكتب: مع «عماد»

    بعد نجاحي في الثانوية العامة وتسلمي بطاقة التنسيق مكتوبا عليها “آداب القاهرة”، قر في ذهني أنني ذاهب إلى هذه الكلية للمشاركة في الحركة الطلابية اليسارية دون أن أشغل بالي بماذا أدرس. هذا التعطش للنشاط السياسي كان بسبب المناخ العائلي بعد أن انتقلنا للقاهرة في بداية السبعينيات، حيث صار بيتنا مكانا للقاءات فكرية شبه دورية لشباب المثقفين ونجوم الحركة الطلابية يأتون للنقاش مع أخي الأكبر صلاح مغيث، مسؤول التثقيف في منظمة الشباب.

    بالطبع، لم أكن مدركاً للتباينات والخلافات بين أطياف الحركة السياسية في الجامعة، ولم يكن وعيي بالنضج الذي يسمح لي بالقدرة على الحسم. ومع ذلك، بل ربما بسبب ذلك، اخترت الانضمام لأسرة “مصر” عملاً بالمثل الفرنسي القائل “الشهية تأتي أثناء الأكل”، وهو ما يعني أن الممارسة سوف تساعدني على الاختيار. كان عماد أبو غازي عضوا بأسرة مصر نشيطا ودؤوبا ومثابراً، وفوق كل ذلك كان هادئاً.

    ***

    تبين لي بعد ذلك أن الخط السياسي يتحدد بأمرين: معرفة الطبيعة الطبقية للسلطة وتحديد مهام الثورة المقبلة، ومن خلالهما يتضح الانتماء. ولكن، بالاقتراب من عماد والجدل المستمر معه في جميع مسائل الحياة، تبينت أن روح التمرد لديه ليست قاصرة على إحداث تغيير سياسي في بلادنا، ولكن هي نظرة شاملة إلى الكون وموقع الإنسان فيه وعلاقته بالكائنات الحية الأخرى.

    وأن إنسانية الفرد لا تتحدد بعلاقته الأخلاقية مع البشر الآخرين ولكن مع الحيوانات والأشجار والأنهار والجبال والمحيطات. قرأت بعد ذلك كتاب فلسفة الحضارة للطبيب الألزاسي ألبرت شفايتزر، الحائز على جائزة نوبل للسلام بفضل حملاته التطوعية لمقاومة الأمراض في إفريقيا.

    يعزو شفايتزر أزمة حضارتنا الحالية إلى لامبالتها تجاه الكائنات الحية الأخرى، والتعامل معها بعنف يُترجم بالضرورة بعد ذلك إلى عنف بين البشر وبعضهم. كنت أرى في هذا الكتاب تجسيداً لرؤية عماد إلى العالم ودرساً في الإنسانية الحقيقية. ومع عماد خرجت من السياسة بمعناها الضيق، حيث كثيرا ما كان يدعوني لحضور افتتاح معارض الفنون التشكيلية أو حضور عروض المسرحيات والأفلام الطليعية والمشاركة في الندوات الفكرية، فضلا عن أنه كان مبادرا بمدنا من مكتبته بالكتب التي يرى أنه من المهم قراءتنا للإحاطة بما يشغلنا من موضوعات.

    ***

    كان النشاط السياسي في الجامعة خصبا وبناء، فقد تنوعت معارفنا بشكل كبير وتعلمنا في غماره أضعاف ما تعلمناه في الأقسام الأكاديمية. اقترنت بهذا النشاط اليساري بعض مظاهر أصبحت من إكسسوارات النضال، منها إهمال حضور المحاضرات وما ترتب عليه من الاستخفاف بأساتذتنا لأننا لا نشعر أننا نتعلم منهم شيئا ذا بال، وأيضا الاستهانة بالشهادة التي سنحصل عليها في نهاية المطاف.

    وكان عماد أبو غازي في وسط كل ذلك نمودجاً مختلفاً فهو يحرص على حضور المحاضرات وعلى التفوق، وكان على صلة وثيقة بأساتذته يقدرهم ويحبونه. يهمني أن أشير إلى ذلك لأن مسلك عماد هذا لأنه كان يجعلني مطمئنا لحرصي على أن أأخذ الدراسة الأكاديمية مأخذ الجد وأتحمل بلا عناء سخرية الآخرين مني لأنني “طالب مجتهد”.

    وكذلك كنا نبتعد عن الاهتمام بأنشطة اتحاد الطلاب شبه الرسمية والبعيدة عن السياسة، ولكن عماد كان يتقدم للترشيح في اتحاد الطلاب وينجح. ومن إكسسوارات النضال أيضا كانت هناك بعض مظاهر الحياة البوهيمية مثل الإفراط في التدخين والسهر، ولحسن الحظ كان عماد موجودا ليبين لنا أن المرء يمكن أن يكون مناضلا وفي نفس الوقت تكون حياته منتظمة ومنضبطة.

    ونقل عماد نضاله هذا إلى المجال الأكاديمي باختياره لموضوع رسالته للماجستير في قسم التاريخ عن “ثورات المصريين ضد الحكم العربي”، وكان هذا الموضوع هو سبب تقدمه لنيل دبلوم في الوثائق. ونظرا لتفوقه في مجال الوثائق تم تعيينه معيدا في قسم الوثائق والمكتبات.

    ***

    كنا نولي الجامعات أهمية كبري ونعتبرها الموقع الأول والأكثر تأثيرا للنضال السياسي في مصر. وبالتالي كان التخرج من الجامعة أزمة وجودية، حيث نجد أنفسنا قد خرجنا من بطن الأم لنواجه هذا الفضاء الاجتماعي الرهيب، ولا ندري ما العمل. أما عماد فقد دفعه حماسه وإيمانه بأنه يجب دائما أن نسعى لفعل شيء لأن يلعب دورا رياديا في تلك الموجة التي عرفت باسم “النشرات غير الدورية”، التي استغلت هامشا يسمح به القانون في إصدار نشرات لا تخضع للرقابة ولا تحتاج إلى تصريح إذا كانت غير دورية. وظهرت في هذه النشرات تحليلات ودراسات وقصص وقصائد للعديد من المثقفين الشباب الطليعيين المحرومين من النشر في المجلات الرسمية.

    ويدفعني الحنين لأن أذكر منها بوجه خاص دراسة عماد أبو غازي “هل باع الفلسطينيون أرضهم؟”، والتي كانت ردا بالوثائق والأرقام على ذلك التوجه الذي يشيع في الإعلام الحكومي بأن الفلسطينيين هم المسؤولون عن نكبتهم، ودراسة صديقنا رضوان الكاشف عن عبد الله النديم. وبعد أن انضمننا عماد وأنا إلى لجنة الدفاع عن الثقافة القومية التي استضافها حزب التجمع لعب عماد دورا كبيرا في إصدار نشرتها بعنوان “المواجهة”.

    تأخرنا بعض الشيء في إنجاز رسالتنا للدكتوراه: أنا لأنني لم أكن مبعوثا وكان علي العمل إلى جانب إعداد الرسالة، وعماد نظرا لانشغالاته السياسية الكثيرة. وكان كل منا يتطلع لأن ينهي الآخر دراسته لتكون بادرة تطمئنه على وصوله هو الآخر لهذه الغاية.

    ***

    وبعد أن أنهى عماد أبو غازي رسالته واستعد للمناقشة، أراد أن يستشيرني في مشكلة حيث إنه اكتشف وثيقة مخالفة لكل استنتاجاته في الرسالة، وتفرض عليه تغييرها. نصحته بألا يشير للوثيقة الآن، ويناقش الرسالة ثم يخصص بعد ذلك بحثا ينشر فيه تحليله للوثيقة الجديدة وما تمليه من المراجعات، ولكن ضميره أبى أن يعمل بالنصيحة وأعاد صياغة الرسالة مرة أخرى.

    يبهرنا عماد بثقافته الواسعة وشغفه بكل مجالات التفكير، ولكن الأهم من ذلك هو أنه يبهرنا بجرأته في استخدام عقله وبآرائه المتفردة التي تخرج عن الرطانة المألوفة في قضايا تتعلق بالعلاقة بين الفصحى والعامية، والاعتزاز بتراث مصر القديمة، والرؤية النقدية للحكم العربي، وتقديره البالغ لدور أعلام الفترة الليبرالية مثل سعد زغلول ومصطفي النحاس، والذين تجعلهم النظرة المادية التاريخية أصحاب الانجاز الأهم في تاريخنا المعاصر.

    ***

    ومن هنا كان سعيدا وفخورا بتجربته الصحفية مع جريدة “الدستور” في صيغتها الأولى، حيث جعل هذه الأطروحات تخرج من إطار الدرس الأكاديمي وتصبح موضوعا للسجال العام. ولم يكن ذلك في نظره من أجل تصحيح النظرة إلى الماضي، ولكن من أجل تغيير النظرة إلى المستقبل.

    وعندما عدت من الخارج للعمل بالجامعة ودعاني الدكتور جابر عصفور للتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة، كان وجود عماد أبو غازي مسؤولا عن الشعب واللجان بالمجلس دافعا للقبول على الفور. وفي الواقع، لم يكن عماد وحده ولكن وجود الأستاذ محمود أمين العالم على رأس لجنة الفلسفة، ووجود بشير السباعي وخليل كلفت في الترجمة، جعلني أشعر أننا أمام مشهد جديد.

    شاركت عماد في اجتماعات كثير من اللجان، وكان دائما ما يعبر عن رؤيته للعلاقة بين الدولة والثقافة، حيث يرى أنه ليس مطلوبا من الدولة عمل منتجا ثقافيا: كتابا أو فيلما أو مسرحية، ثم تقدمه بعد ذلك للشعب، ولكن المفروض أن الشعب هو الذي ينتج بنفسه هذه الأعمال ويقتصر دور الدولة في الدعم والتنظيم. وفي الأشهر التي تولى فيها منصب وزير الثقافة وفي الظروف الحرجة التي نعرفها، كان يفضل أن يسافر لافتتاح مكتبة صغيرة في إحدى القرى أو المراكز عن حضور مهرجان كبير في القاهرة.

    ***

    يسعى عماد دائما إلى أن ينجز ما يريد آملا ألا يشعر الآخرون بوجوده. فهو لا يحب أن يتحدث عن نفسه بفخر واختيال، ولا يحب أن يشعر الآخرون أنهم مدينين له بالجميل. ومع ذلك، أشعر أنني ممتن ليس له، ولكن لمصادفات الحياة التي جعلتني قريبا منه. إذا كان الانطباع العام عن عماد أنه بسيط ومتواضع، وأنه نزيه وصادق.. هو فعلا كذلك.

     اقرأ أيضا:


    ليلى بهاء الدين تكتب: «كأني عدت إلى المنزل»

    ماجد نادر يكتب: «وزير هيمثل معاك؟!»

    د. محمد عفيفي يكتب: «عماد أبو غازي» مؤرخًا

    بسمة عبد العزيز تكتب: في مَحبة الحضور الهادئ الطاغي

    د. سلمى مبارك تكتب: إنسان من الطراز النادر

    د. ياسر منجي يكتب: لأنه أبَى إلا أن يكون «عمادًا»

    كريم زيدان يكتب: المحب لما يعمل.. المخلص لما يعتقد

    وليد غالي يكتب: «النبيل»

    عماد أبو غازي يكتب: السينما في دراسات الوثائق والأرشيف

  • د. سلمى مبارك تكتب: إنسان من الطراز النادر

    د. سلمى مبارك تكتب: إنسان من الطراز النادر

    تعرفت على «عماد أبو غازي» عندما كنت لا أزال طالبة في قسم اللغة الفرنسية وآدابها في الفرقة الثالثة أو الرابعة. كانت حجرة قسم اللغة الفرنسية وآدابها تقع بجانب حجرة قسم الوثائق والمكتبات، في مبنى الملحق الجديد لكلية الآداب بجامعة القاهرة، وكان ذلك في أواخر الثمانينيات. كنا نحن الطلاب نحب أن نسترق النظر لحجرات الأساتذة والمعيدين كلما رأينا باب أحدها مفتوحا، فضولا وتطلعا لهذا العالم المهيب السحري.

    كانت ابتسامته الرائقة تلفت نظري، ولكن لم يحدث أن تبادلنا الحديث، حتى تم تعييني معيدة بقسم اللغة الفرنسية وآدابها، وبدأت في التردد على اللقاءات التي كانت تعقدها أمينة رشيد وسيد البحراوي في منزلهما العامر دائما بالأصدقاء وبدخان السجائر وبألفة الأحباب والمقاومين والمتمردين. كان عماد وبثينة من المترددين على هذه اللقاءات. واستمرت تلك اللقاءات في نادي أعضاء هيئة تدريس جامعة القاهرة، والذي كان يجمع كل أربعاء مجموعات أكبر من المقاومين والمتمردين. أذكر منهم ليلى سويف ومديحة دوس وأحمد الأهواني والكثيرين ممن سيصبحون بعد ذلك أعضاء مؤسسين في حركة 9 مارس.

    كانت هذه اللقاءات متباعدة، لكنها كانت كافية لمد جسور تواصل مستمرة ومتينة.

    ***

    في فترة عمله بجريدة الدستور، اتصل بي واستكتبني مقالات في النقد السينمائي. وكنا نلتقي في أروقة كلية الآداب، نتبادل الحديث عن الشأن العام وعن فرح ابنتي ومريم ابنته حيث كانتا في نفس العمر تقريبا: مريم دخلت المدرسة، فرح دخلت أدبي، مريم دخلت الكلية، فرح سافرت فرنسا…

    استمرت هذه اللقاءات العابرة حتى عام 2007، عندما اقترح على الراحل العزيز أ.د. فيصل يونس أن ينتدبني للعمل كرئيس للإدارة المركزية بقطاع العلاقات الثقافية الخارجية بوزارة الثقافة. كان عماد على دراية واسعة بالعمل العام في الوزارة، حيث تقلد عدة وظائف قيادية لسنوات طويلة بالمجلس الأعلى للثقافة. كان عرض أستاذي د. فيصل يونس مدهش بالنسبة لي، فلم تكن لي أية خبرة بالعمل الإداري، ولم يكن لي تطلعات في هذا الاتجاه، ولم أهتم بأي عمل قبلها سوى بالتدريس والبحث اللذين كنت أجد فيهما ضالتي ومتعتي وتحققي. ترددت كثيرا واتصلت بعماد أسأله رأيه، فشجعني وحثني على الموافقة وقال لي: “هتكوني مكسب للوزارة”. شعرت بالغبطة لهذا الإطراء، ولكني كنت في شك من أمري، ومن صحة قوله. إلا أن حس المغامرة الذي امتلك منه قدرا لا بأس به، دفعني للموافقة.

    في هذه المرحلة حدثت نقلة نوعية في صداقتي بعماد، فبحكم العمل في نفس الوزارة وفي قطاعات متداخلة، كان كثيرا ما يجمعنا العمل المشترك، وكنت أجد طمأنينة في وجوده، أرتكن لرأيه في الأزمات، أحدثه في السابعة صباحا حيث يستيقظ مثلي مبكرا، أتشاور معه فيما يؤرقني من مشكلات العمل وأتلمس من خبرته ما يعينني على أداء مهام وظيفتي.

    ***

    وفي معرض كتاب جنيف في 2008، جمعتنا بعثة واحدة، وكانت رحلة لها طابع خاص، إذ ضمت الكثير من المثقفين والمبدعين وقادة العمل الثقافي من أمثال جابر عصفور، وإبراهيم أصلان، وإبراهيم عبد المجيد، وآدم حنين، وعلاء الأسواني ومي التلمساني… إلخ. لكن أكثر شيء انطبع في ذاكرتي من هذه الرحلة، هو ليلة جمعت المشاركين في حفل استقبال، ولفت نظري سيدة وجهها يفيض بالجاذبية والنقاء، كانت في وسط مجموعة من المتحدثين، لها ابتسامة وردية. فسألت عماد عمن تكون هذه السيدة الراقية، فقال لي إنها مستشارتنا الإعلامية في السفارة المصرية بجنيف، فقلت له إن وجهها جميل، وطلبت منه أن يعرفني عليها:

    • “ليلى بهاء الدين”
    • أهلا وسهلا.. تشرفت كثيرا!

    شعرت بالغبطة، فقد كنت من القراء المحبين لأحمد بهاء الدين، كذلك كنت أعرف أخاها زياد بهاء الدين عندما كنا نلتقي في لقاءات عابرة في المنزل الأنيق لأستاذة البيانو أولجا يس، الواقع في شارع البستان، حيث كان موعده في الدرس يأتي بعد موعدي. وأحيانا ما كان ينتظرني، حتى أنتهي من المقطوعة الأخيرة في التدريب، أثناء الساعة المخصصة لي.

    وكم كانت سعادتي عندما عرفت لاحقا بخبر زواج عماد وليلى.

    ***

    النقلة الثانية في تطور صداقتي بعماد أبو غازي جاءت عندما تركت وزارة الثقافة وفكرت في تأسيس دبلوم التنمية الثقافية. أتذكر هذا اليوم في أواخر يناير 2012، عندما فاضت على الأفكار دفعة واحدة، وكنت في منزل أمي، رحمها الله، فجلست على منضدة حجرة الطعام، وكتبت صفحة تحتوي على بعض من تلك الأفكار، وأرسلتها له ولفيصل يونس رحمه الله. وجَدَت فكرتي صدى لديهما، وبدأنا سلسلة من الاجتماعات لتطوير هذه الورقة وتحويلها إلى مشروع برنامج دراسي، قاده د. فيصل داخل أروقة الكلية وفي لجان المجلس الأعلى للجامعات، حتى تحولت الفكرة إلى واقع متحقق. وإن لم يسعف الوقت أستاذي د. فيصل ليرى بنفسه ثمرة جهوده، حيث وافته المنية بعد صراع طويل مع المرض قبل بدأ الدراسة في الدبلوم في 2015.

    اشتركنا عماد وأنا في إدارة هذا البرنامج بتوافق في الرؤى منقطع النظير، حيث جمعتنا مبادئ واحدة، كذلك جمعنا إيمان راسخ بأهمية تكوين كوادر ثقافية في معقل دراسة الإنسانيات، كلية الآداب، وشغف مشترك بهذا العمل، ورغبة في إزالة الحواجز، وتفتيت المعوقات، والانفتاح على الواقع الثقافي، وإفادة الطلاب بكل ما نمتلكه من خبرات، وما نستطيع توفيره من خدمات. وكان همنا الأول هو الاتفاق مع أفضل الخبراء في هذا المجال للتدريس لطلاب الدبلوم من العاملين في الحقل الثقافي، المستعدين للتطوع في هذا العمل العام. وأقول تطوع لأنه بالفعل كذلك، فالقائمين بالتدريس من خارج الجامعة يتقاضون أجرا هزيلا جدا وفي أحيانا كثيرة، يُسقطون حقوقهم المالية، حيث إن ما يدفعهم لهذا العمل هو الإيمان بما يقومون به، وحب العلم والطلاب، والرغبة الخالصة في الإفادة ونقل الخبرات.

    ***

    يتفانى عماد أبو غازي في كل ما يقوم به من عمل، هو دائما موجود في التفاصيل وحاضر في الخطوات الهيكلية، منفتح على الاقتراحات، هادئ وبسيط في تعاملاته، رحب وواسع الأفق، لديه حلول للأزمات التي تبدو عويصة، علاقاته الطيبة مع الجميع تفتت المشكلات وتذيب الصراعات. طويل البال ولديه القدرة على التفاهم ومد حبال الصبر للخروج بأفضل النتائج. أحيانا ما أغبطه على هذه المهارات التي أفتقدها، أنا التي أصطدم بسهولة بالحوائط.

    هو شخصية نادرة لا شك في ذلك، بعلمه وروحه الطيبة، وقدرته على عبور الأجيال وتخطي الصعاب، وإيمانه المتجدد بالعمل والعطاء، وبالمؤسسة، على الرغم من كل المرارات التي تبثنا إياها. حماسه لا يفتر، وجوده مطمئن، نظرته الثاقبة تخترق الحجب. صداقته والعمل معه مكسب كبير.. اللهم أعطه الصحة والعافية لكي يظل دائما سندا ومصباحا منيرا لمن حوله.

                   أستاذ الأدب المقارن والأدب والفنون- بقسم اللغة الفرنسية وآدابها بكلية الآداب – جامعة القاهرة.

    اقرأ أيضا:


    ليلى بهاء الدين تكتب: «كأني عدت إلى المنزل»

    ماجد نادر يكتب: «وزير هيمثل معاك؟!»

    د. محمد عفيفي يكتب: «عماد أبو غازي» مؤرخًا

    بسمة عبد العزيز تكتب: في مَحبة الحضور الهادئ الطاغي

    د. أنور مغيث: مع «عماد»

    د. ياسر منجي يكتب: لأنه أبَى إلا أن يكون «عمادًا»

    كريم زيدان يكتب: المحب لما يعمل.. المخلص لما يعتقد

    وليد غالي يكتب: «النبيل»

    عماد أبو غازي يكتب: السينما في دراسات الوثائق والأرشيف

  • بسمة عبد العزيز تكتب: في مَحبة الحضور الهادئ الطاغي

    بسمة عبد العزيز تكتب: في مَحبة الحضور الهادئ الطاغي

    في أحد الأيام، وبعد حراك عام 2011، كنت على موعد لمناقشة كتابي «إغراء السلطة المطلقة» في مكتبة “ألف” بمصر الجديدة. سألت الدكتور عماد أن يقبل دور المناقش الذي يقدم الكتاب، ويستعرض محتواه ويمسك بتلابيب الحوار، فأبدى كعادته الترحيب.

    اقترب الموعدُ وإذا بالدكتور عماد يصبح وزيرًا للثقافة، وإذا بحساباتي ترتبك؛ فاللحظة حاسمة والمسؤوليات لا بد كثيرة ضخمة، والانشغال بالحدث الأكبر؛ أي الحراك الشعبي الغائمة مساراته؛ أمر حتميّ خارج عن اليد.

    اتصلت به قائلة إنني أدرك حجم المشغوليات الجديدة، وإنني سأفتقد وجوده في الندوة؛ ففاجأني بسؤال: “ليه؟”. لم يكن ينتوي أن يعتذر ولا أن يؤجل حتى الموعد، أو يرشح شخصًا آخر يحلُّ محله. وصل الوزير عماد أبو غازي في الموعد بالتمام، وأدار الجلسة بكامل التركيز والحضور الذهنيّ المُتقد، وباللياقة المَعرفية الأصيلة والمُرونة التي تميَّز بها في لقاءاته كافة.

    ولم تكن سعادتي الغامرة مَحصورة في اللحظة الآنية؛ بل شاملةً مُمتدَّة، فقائمة الأصدقاء الصَّغيرة شديدة المحدودية؛ باتت تحوي لحسن حظي شخصًا من طراز رفيع؛ يخجل الواحد أمام نبله وإنسانيته.

    ***

    كنت قد تعرَّفت إلى الدكتور عماد بصِفة شخصية في موقف أتذكَّره اليومَ بعد مرور أعوام طوالٍ وأضحك؛ إذ لم تكُن علاقتي بالوَسط الأدبيّ والكتابة قد توطَّدت بعد بأيّ حال. قرأت في صحيفة عن مؤتمر بالمجلس الأعلى للثقافة يشارك فيه عددٌ من كتاب القصة القصيرة والنقاد، وبدافع من مَرحلة الفضول والتَّوق للاستكشاف، والمَيل إلى خَوض تجارب جديدة متنوعة، بغضِّ النظر عن تفصيلاتها، ارتديت ملابسي وتوجَّهت إلى المَجلس وطلبت لقاء المسرول.

    دخلت مكتب الدكتور عماد أبو غازي؛ لا أعرفه ولا يعرفني، قلت: “أنا فلانة، طبيبة وحصلت مؤخرًا على جائزة في القصة القصيرة، وأريد المشاركة في المؤتمر”. كهذا قدَّمت نفسي وأنا أخمِّن ردَّ فعل طارد، أو على أقل تقدير غير مكترِث برغبتي التي بدت أشبه بنزوة طفولية. خابت توقعاتي؛ فقد استوعب الدكتور عماد على الفور تلك الكلماتِ المُحمَّلة ضمنًا بشيء من التذمُّر والشكوى. لم تضايقه عباراتي المُتعجلة، القصيرة والجَّافة.

    وخلال دقائق مَعدودات، أضاف اسميَ إلى جدول الفعاليات، ويسَّر انضمامي لإحدى الموائد المستديرة؛ لأتحدث ضِمن آخرين أسمع عنهم وقد لا أعرف وجوههم. كان مسار المقابلة مصدرَ إدهاش حقيقي. كم أن الأمرَ سهلٌ بسيطٌ والإجراءَ فوريٌّ والحياةَ طيبةٌ مَليحة. أدركت لاحقًا ومن خلال مواقف عديدة اختلف أبطالها وبطلاتها وتنوع سياقها؛ أن ما حدثَ ذاك النهار البهيج هو بمنزلة استثناء أكيد؛ لا يتعلق مطلقًا بطبيعة سير الأمور ولا بشخصي المتواضع دون شك؛ إنما بشخصية غير تقليدية تحوز رصيدًا معتبرًا من الاحترام، قلَّ أن يصادف المرءُ مثلها في رحلته القصيرة. وجود هادئ رزين، يضفي على مُحيطه القدرَ الوافرَ من الطمأنينة، والثقة في أن ثمَّة من يَحرص على خلق مَنظومة مُنضبطة عادلة؛ ما امتلك بيده الزمام.

    ***

    لا أجد حاجة للإشارة إلى قيمة علمية مشهودة؛ يدركها من عرفه، ولا إلى قدرته على اتخاذ مواقف صارمة تقدم معايير النزاهة على أي معيار آخر؛ فذاك مما أثبتته الأيام بالأدلة والبراهين. لكن ثمَّة لفتة أخيرة أوليها تقديرًا خاصًا، ولا أنفكّ أعبِّر عنها كلَّما سَنحَت الفُرصة. فقد اعتدت أن أصل مبكرًا عن موعدي، أعاني أعذار التأخير المتفاوتة وأنتظر الجميع؛ لكني لا ألتقي الدكتور عماد إلا وأجده منتظرًا، يكتب أو يقرأ أو يسجل نقاطًا لعمل قادم. كسر قاعدتي المستقرة، وأكد لي مع المداومة أنني لست الوحيدة التي تملك ساعة ألماني لا تؤخر ثانية واحدة. تمضي الحياة سريعة، وتدور عقاربها دون تأني؛ فتدفع بكثير المواقف والأشخاص إلى دروب النسيان؛ عدا هؤلاء الذين حفروا في الوجدان أثرًا عميقًا لا يمحوه الزمن.

    روائية وباحثة وطبيبة نفسية

    اقرأ أيضا:

    ليلى بهاء الدين تكتب: «كأني عدت إلى المنزل»

    ماجد نادر يكتب: «وزير هيمثل معاك؟!»

    د. محمد عفيفي يكتب: «عماد أبو غازي» مؤرخًا

    د. سلمى مبارك تكتب: إنسان من الطراز النادر

    د. أنور مغيث: مع «عماد»

    د. ياسر منجي يكتب: لأنه أبَى إلا أن يكون «عمادًا»

    كريم زيدان يكتب: المحب لما يعمل.. المخلص لما يعتقد

    وليد غالي يكتب: «النبيل»

    عماد أبو غازي يكتب: السينما في دراسات الوثائق والأرشيف

  • د. محمد عفيفي يكتب: «عماد أبو غازي» مؤرخًا

    د. محمد عفيفي يكتب: «عماد أبو غازي» مؤرخًا

    يحرص «عماد أبو غازي» عند التعريف به على ذكر أنه “باحث في التاريخ والوثائق”، مفضِّلاً ذلك على كل الوظائف التي شغلها، والمناصب التي تقلدها أثناء حياته. وربما لا يعرف البعض أن عماد تخرج بالفعل من قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة في العام الدراسي 1975- 1976. من هنا التعريف المهني الذي يقدمه “باحث في التاريخ”، لأنه يمَيِّز بين مصطلح “المؤرخ” الذي يُطلَق عادةً على المؤرخين المعاصرين للحدث، مثل المقريزي والجبرتي وغيرهم، وبين الباحث في التاريخ، وهو الذي يعيد قراءة التاريخ والبحث فيه، وتقديم “الأبحاث التاريخية”.

    كان الحلم الأول، وربما حتى الآن، له هو البحث والكتابة في التاريخ الحديث والمعاصر، ولكن لأسبابٍ ما لم يتحقق ذلك بعد تخرجه والتحاقه بالدراسات العليا بقسم التاريخ. إذ بدأ في التخصص في حقل التاريخ الإسلامي، ولكن نظرًا لعشقه “القديم والدائم” للتاريخ الحديث والمعاصر، التحق بمعهد الدراسات والبحوث العربية، ونجح في الحصول على دبلومه العالي، وقام بالتسجيل مع الدكتور عبد العزيز نوَّار في موضوع مهم يجمع بين اهتمامه بالتاريخ المصري وتاريخ القضية المصيرية لجيله، وهي القضية الفلسطينية. وبالفعل كان موضوعه لرسالة الماجستير “موقف الأحزاب المصرية من القضية الفلسطينية”.

    مرة أخرى يتدخل القدر لتغيير مسار حياته المهنية؛ حيث يلتحق بشعبة الوثائق، في قسم المكتبات والوثائق بكلية الآداب جامعة القاهرة، باحثًا في دبلوم الوثائق، ثم معيدًا في القسم نفسه، لترتبط مسيرته المهنية- على الأقل في تلك المرحلة المبكرة- بالدراسات الوثائقية. ونظرًا لارتباطه بأستاذه الدكتور عبد اللطيف إبراهيم، أستاذ الوثائق المشهور، وأيضًا خريج قسم التاريخ، يحصل عماد على الماجستير والدكتوراه في وثائق نهاية عصر سلاطين المماليك، وبصفة خاصة عصريّ السلطان الغوري، وطومان باي أخر سلاطين دولة المماليك في مصر.

    ***

    لكن عماد أبو غازي لم ينس قط حلمه القديم الدائم، البحث والكتابة في التاريخ الحديث والمعاصر. من هنا يقوم بالاشتراك في تحقيق مخطوطة تاريخية للشيخ إسماعيل الخشاب، كاتب ديوان الحملة الفرنسية، وصديق المؤرخ المصري الشهير عبد الرحمن الجبرتي. هذه المخطوطة التي تتناول أحداث القرن الثامن عشر في مصر.

    وحتى أثناء عمله في رسالته حول طومان باي، يُصدِر كتيِّبا مهما حول سيرة طومان باي وآخر المماليك، ويشتبك أبو غازي مع الفترة العثمانية وطبيعة الحكم العثماني، وتأثيره على مجرى التاريخ المصري. ويعود أبو غازي مؤخرًا إلى الموضوع نفسه ليقدم دراسة موسعة ومثيرة تحت عنوان “1517” وهو عام دخول العثمانيين إلى مصر، ليقدم أطروحته الفكرية حول خطورة ما حدث في هذا العام، وهو نجاح العثمانيين في إسقاط دولة سلاطين المماليك. ويرى أبو غازي أن دولة سلاطين المماليك- قبيل دخول العثمانيين- كانت في طريقها إلى الانحلال، نتيجة عوامل داخلية، من صراعات المماليك، وعوامل خارجية، اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح وفقدان العوائد الجمركية من تجارة العبور “الترانزيت”.

    وترتب على ذلك- من وجهة نظره- اضطرار الدولة إلى بيع أراضي بيت المال، التابع للدولة، وبالتالي بدايات تشكل طبقة وسطى، وخاصةً مع التزاوج الذي حدث بين المماليك والأهالي، وظهور ما أطلق عليه “أولاد الناس”. ووفقًا لأطروحة أبو غازي، كان هذا تمهيدًا تاريخيًا شبيهًا بسقوط نظام الإقطاع في أوروبا، وصعود البرجوازية، وهذا التطور الذي كان من عوامل الانتقال إلى العصر الحديث. من هنا النقد الحاد الذي يوجهه أبو غازي لـ”الغزو العثماني” الذي قطع مسيرة هذا التطور الطبيعي للتاريخ المصري.

    ***
    أبوغازي ومحمد عفيفي في جامعة القاهرة
    أبوغازي ومحمد عفيفي في جامعة القاهرة

    وما إن ينتهي أبو غازي من دراساته الأكاديمية المهمة حول وثائق عصر المماليك، حتى يهزه الحنين مرة أخرى إلى حلمه القديم، التاريخ الحديث والمعاصر. وهنا، ومع النضج الفكري الذي وصل إليه، يقدم أبو غازي دراسته المهمة حول ثورة 19. وكانت الدراسة في الأصل مجموعة من المقالات كتبها في جريدة الدستور، مُدافِعًا عن هذه الثورة، باعتبارها الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر، هذه الثورة التي جلبت لمصر إعلان الاستقلال “المملكة المصرية” حتى مع وجود التحفظات البريطانية. كما أعقب الثورة صدور دستور 1923، الذي هيأ لمصر حياة شبه ليبرالية، لم تنعم مصر بها بعد إلغاء هذا الدستور، حيث أكد في هذا الكتاب على نجاح ثورة 19.

    ويعود أبو غازي مرة أخرى إلى معالجة ثورة 19، مع اقتراب مئوية الثورة، من خلال دراسة موسعة ومهمة تحت عنوان “1919”، ربما أهم ما فيها أثر ثورة 19 في الحياة الفكرية والاجتماعية في مصر، وتبلور القومية المصرية وانعكاس ذلك على المجتمع المصري. كما قدم أبو غازي دراسة مهمة وفريدة حول أوراق الزعيم الوطني الكبير مصطفى النحاس، في فترة معينة في تاريخ مصر. ويظهر في مقدمة الكتاب مدى تقدير وولع أبو غازي بالنحاس كأحد أهم الزعماء الوطنيين.

    ***

    وفي عام 2024 يقدم لنا أبو غازي بالاشتراك مع تلميذه دكتور وليد غالي دراسة فريدة عن أوراق مجهولة للإمام محمد عبده. وتفاجئنا هذه الأوراق بمشروع لاستقلال مصر في عام 1883، اشترك في وضعه الإمام مع بعض الأصدقاء المصريين والأجانب. وتؤكد هذه الدراسة وهذا المشروع على بقاء الحلم الوطني المصري حتى بعد الاحتلال البريطاني لمصر في عام 1882. كما تنفي هذه الدراسة ما روجه البعض من انكسار الوطنيين المصريين، وفي مقدمتهم محمد عبده، بعد هزيمة الثورة العرابية، وما نسِب إليه من مقولة “لعن الله السياسة”. ويتوافق تاريخ هذا المشروع مع ظهور جمعية “الانتقام” لمقاومة الاحتلال البريطاني.

    وما زال في جعبة أبو غازي العديد من المشاريع البحثية، سواء عن أوراق بعض الزعماء والسياسيين، أو دراسة التجربة الليبرالية، وإسقاط المشروع الليبرالي، هذه المشاريع التي تنتظرها المكتبة العربية بشغفٍ كبير.

    وفي النهاية، يبقى لنا الإشارة إلى أن صلة أبو غازي لم تنقطع بقسم التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة؛ إذ قام بالتدريس لطلاب الدراسات العليا، وشارك في الإشراف على رسائل جامعية، كما ناقش العديد من الأطروحات العلمية. تحية خاصة للمؤرخ الكبير عماد أبو غازي، ودام عطاؤه في خدمة الدراسات التاريخية.

    د. محمد عفيفي: أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب-جامعة القاهرة، أمين عام المجلس الأعلى للثقافة الأسبق.

    اقرأ أيضا:

    ليلى بهاء الدين تكتب: «كأني عدت إلى المنزل»

    ماجد نادر يكتب: «وزير هيمثل معاك؟!»

    بسمة عبد العزيز تكتب: في مَحبة الحضور الهادئ الطاغي

    د. سلمى مبارك تكتب: إنسان من الطراز النادر

    د. أنور مغيث: مع «عماد»

    د. ياسر منجي يكتب: لأنه أبَى إلا أن يكون «عمادًا»

    كريم زيدان يكتب: المحب لما يعمل.. المخلص لما يعتقد

    وليد غالي يكتب: «النبيل»

    عماد أبو غازي يكتب: السينما في دراسات الوثائق والأرشيف

  • ماجد نادر يكتب: «وزير هيمثل معاك؟!»

    ماجد نادر يكتب: «وزير هيمثل معاك؟!»

    عرفت «عماد أبو غازي» لسنوات دون أن يعرفني. عرفته كباحث في التاريخ والوثائق، وكأستاذ جامعي ثم أستاذ ومنسق في دبلومة الإدارة الثقافية بجامعة القاهرة. وكذلك كأب لصديقتي وزميلتي في هذا الوقت في سيماتك – مركز الفيلم البديل “مريم أبو غازي”، ثم من بعدها كوزير ثقافة في 2011، وأخيرا كبطل لفيلمي «كل ما تستطيع الرياح أن تحمله».

    عندما اخترته لبطولة الفيلم، طلبت من المنتج «تامر السعيد» التواصل معه في البداية معرفة رأيه في الاختيار. وعندما أبدى موافقة مبدئية، ذهبت لمقابلته في مكان هادئ بوسط البلد. تحدثنا كثيرا عن الفيلم، وعن أحداثه التي تدور حول عائلة قبطية مثل عائلتي، إذ أن الفيلم مستوحى من إصابة جدتي بالزهايمر. تطرقنا للحديث عن الأفلام التي تحكي عن عائلات قبطية وموقف الرقابة المرتبك منها وأزمة فيلم «بحب السيما»، حكى لي: «أنا كنت في لجنة الوزارة ساعة أزمة فيلم “بحب السيما”، كنت أنا وجورج إسحاق ونادر عدلي»

    فقطاعته: أنا ابن نادر عدلي.

    فرد: أنا كنت مع أبوك في المدرسة

    ***

    عندما عدت اللي البيت، حكيت لأبي وقال لي إنه تعامل معه كثيرا في المجلس الأعلى للثقافة ثم كوزير ثقافة. قاطعتنا أمي متعجبة: “وزير هيمثل معاك؟”.

    قلت لها، إنه ليس الصورة التقليدية للوزراء. فهو رجل لطيف، هادئ، ويحب ويقدر الفن، ومنفتح للتجارب بفضول كبير.

    عماد أبو غازي.. من الفيلم
    عماد أبو غازي.. من الفيلم

    عندما أفكر في اختيار الممثلين أفكر في أشخاص تشبه الأشخاص الحقيقيين في الروح والشكل وطريقة الكلام. أفكر في صوتهم وأنا أكتب الحوار، أو أعدله لطريقتهم أثناء البروفات ليصبح أكثر طبيعية. عماد أبو غازي يشبه أبي، والشخصية تمثل جدي وصغت ملامحها بالمزج بين جدي وأبي والتشابه بينهما. إحدى المرات أثناء مشاهدة صور مع فريق العمل، ظن أحدهم أن عماد أبي بالفعل. بدأنا الكثير من البروفات مع ممثلين مختلفين حتى قبل اختيار باقي فريق التمثيل بشكل نهائي، دون أن يعترض عماد على كثرتها أو يمل منها. كنت كلما سألته: “تحب نعمل كذا؟” يرد: «أنت المخرج، قولي وأنا هعمل». ترددت إن كان سيرتبك في الخروج عن النص، ولكنه فاجئني بأنه يؤدي المشاهد المرتجلة بأريحية شديدة.

    ***

    في لقاء الأول، سألته إن كان قد سبق له التمثيل سواء في المدرسة أو الجامعة، فنفى. ولكنه كان يمثل في منزله، حيث كانوا يؤدون بعض المسرحيات في المنزل. ورغم ذلك، عندما كنا نختار الملابس التي تناسب الشخصية من دولابه الشخصي، كان يضع كل طاقم على شماعة ويغلفه ويكتب عليه المشهد حتى يعرف متى سيرتديه في التصوير.

    يأتي يوميا بشنطة سفر بها الملابس المطلوبة. يأتي في موعده تماما ولا يتذمر أبدا إن طال الانتظار أو طال وقت العمل. كان دائما يأتي حافظا لحوار الفيلم، لجمله بالتحديد، وكان كذلك منفتحا على تغييرها كليا وارتجال حوار جديد. كان مزيجا من الالتزام والفضول والتجربة، ملهما للعمل معه. فعادة ما أشعر أنه إذا لم يكن التمثيل هو المهنة الأساسية للشخص، فسيقوم بأدائها بطاقة قليلة. فمعظم الأشخاص غير مستعدين لساعات العمل الطويلة وحفظ الحوار، كذلك الكثير منهم ما يفقدون الاهتمام سريعا إن لم تكن مهنتهم ولا يسعون لبناء مسار مهني بها. ولكن في حالة عماد انتصر الفضول والشغف.

                                                                                                                                       مخرج مصري

    اقرأ أيضا:

    ليلى بهاء الدين تكتب: «كأني عدت إلى المنزل»

    د. محمد عفيفي يكتب: «عماد أبو غازي» مؤرخًا

    بسمة عبد العزيز تكتب: في مَحبة الحضور الهادئ الطاغي

    د. سلمى مبارك تكتب: إنسان من الطراز النادر

    د. أنور مغيث: مع «عماد»

    د. ياسر منجي يكتب: لأنه أبَى إلا أن يكون «عمادًا»

    كريم زيدان يكتب: المحب لما يعمل.. المخلص لما يعتقد

    وليد غالي يكتب: «النبيل»

    عماد أبو غازي يكتب: السينما في دراسات الوثائق والأرشيف

  • ليلى بهاء الدين تكتب: «كأني عدت إلى المنزل»

    ليلى بهاء الدين تكتب: «كأني عدت إلى المنزل»

    التقيت بـ«عماد أبو غازي» في «جينف» عندما كنت مستشارة إعلامية في البعثة المصرية. كان قد جاء مع آخرين لترتيب مشاركتنا في معرض الكتاب حيث كانت مصر ضيف الشرف في هذا العام. بسبب طبيعة عملي الدبلوماسي، كنت قد شاهدت على مر السنين العديد من المعارض المصرية بمستوياتها المتفاوتة. وأحيانا كانت دون المستوى المأمول لدولة مثل مصر بحضارتها الغنية وتاريخها الطويل وفنونها وآدابها المتنوعة.

    إلا أن مشاركتنا في هذا المعرض جاءت على أعلى مستوى، حيث شارك نخبة متنوعة من أفضل كتابنا وفنانينا مثل الكاتبين إبراهيم أصلان ومحمد سلماوي والمثال آدم حنين وغيرهم. كما جاء اختيار الكتب المعروضة متميزا، وشعرت بفخر شديد لثراء المعرض، وزاد ذلك الفخر عندما نشرت الصحف السويسرية مقالات تمتدح الجناح المصري وتصفه بالمبهر.

    كان عماد هو “دينامو” هذا المعرض، وارتبطت شخصيته في ذهني بالقاهرة التي أحبها والتي في مخيلتي. قاهرة أبي، الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين، وأصدقاءه من الكتاب والفنانين والسياسيين الذين كان شغلهم الشاغل مصر ونهضتها. عرفت من عماد أن والده وأبي كانا أصدقاء من قبل أن يتزوج والداي، وكان بدر الدين أبو غازي من كتاب مجلة “الفصول” التي كان أبي مدير تحريرها.

    ثم ذكرني عماد بمحطات سبق أن التقينا بها ولم أكن أتذكرها كلها، على سبيل المثال، كنا قد التقينا عام 1982 أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان، عندما ظهرت حالة من النشاط لدى بعض المثقفين والطلاب للتعبير عن رفضهم للغزو الإسرائيلي ومناصرتهم للشعبين اللبناني والفلسطيني.

    ***
    بدر الدين أبو غازي وأحمد بهاء الدين ومجموعة من الأصدقاء - نهاية الأربعينيات
    بدر الدين أبو غازي وأحمد بهاء الدين ومجموعة من الأصدقاء – نهاية الأربعينيات

    عندما عدت من مهمتي في الخارج، تطورت صداقتنا بالتدريج، وعرض علي الزواج ووافقت. وأتذكر أنني عندما أخبرت أخي زياد بهاء الدين بقرارنا، قال لي جملة لم أنساها، وتأكدت صحتها على مدار السنين: (لو اتجوزتيه حتبقي كأنك رجعتي البيت). وبالفعل، قد نختلف في الآراء ونتناقش بالساعات، إلا أن مرجعيتنا ومفاتيح فهمنا للأمور واحدة، باستثناء الأكل، فهو نباتي متقشف في الأكل، ودائما يردد: “أنا آكل لكي أعيش ولا أعيش لكي آكل”.

    مع العشرة تأكدت صفات أخرى، أهمها التواضع (المبالغ فيه أحيانا)، والصدق، فأفعاله مثل أقواله، والإخلاص في العمل وفي علاقاته، وفي الجهد المبذول لمساعدة الآخرين. ويتضح ذلك بشده في علاقته بتلاميذه، وهي العلاقة التي تستمر أحيانا لسنوات بعد تخرجهم. وهو متفائل بصورة عقلانية، فبينما هناك من لا يري سوى نصف الكوب الفارغ، أو من لا يرى سوى النصف الممتلئ، يرى عماد النصفيين معا ويعتقد أنه بالإرادة والجهد من الممكن ملئ النصف الفارغ.

    وأخيرا، وليس آخرا، تعجبني علاقته بابنته مريم، الفتاة الذكية والنشطة، والتي تشبهه في الكثير من الصفات. يعاملها كابنة وكصديقة في آن واحد، يحترم آراءها ويترك لها حرية اتخاذ القرار، فلا توجد أوامر وتعليمات بل نقاش ومداعبة. في عيد ميلاده السبعين، أتمنى له الصحة والعافية وطول العمر، وأن تستمر قدرته على إلهام وإسعاد من حوله بكرمه وعقله المتفتح وروحه الشابة وفكره المستنير.

                                                                                                                                    سفيرة سابقة

    اقرأ أيضا:

    ماجد نادر يكتب: «وزير هيمثل معاك؟

    د. محمد عفيفي يكتب: «عماد أبو غازي» مؤرخًا

    بسمة عبد العزيز تكتب: في مَحبة الحضور الهادئ الطاغي

    د. سلمى مبارك تكتب: إنسان من الطراز النادر

    د. أنور مغيث: مع «عماد»

    د. ياسر منجي يكتب: لأنه أبَى إلا أن يكون «عمادًا»

    كريم زيدان يكتب: المحب لما يعمل.. المخلص لما يعتقد

    وليد غالي يكتب: «النبيل»

    عماد أبو غازي يكتب: السينما في دراسات الوثائق والأرشيف

  • د.جلال عبادة: جليلة القاضي.. علمتنا الكثير

    د.جلال عبادة: جليلة القاضي.. علمتنا الكثير

    عرفت الأستاذة القديرة جليلة القاضي أولا في عام 1994 “عن بعد” في بداية دراستي للدكتوراه عن المدن العربية التاريخية من خلال نشاطها البحثي في جامعة تور بجنوب فرنسا وقت أن كانت تعمل بأهم معهد متخصص لدراسة العمران في العالم العربي وقتها، ولم تعرف بمتابعتي لأعمالها البحثية. وتشرفت بمعرفتها “شخصيا” ثانيا بعد انتهاء دراستي وعودتي للوطن حينما قامت هي بإدارة مشروع بحثي حول التراث المعماري المشترك للبحر المتوسط بين القاهرة وحلب ISMARMED حيث نظمت مع الصديقة الأستاذة الدكتورة سحر عطية وآخرين مؤتمرا مهما لم يتكرر مثيله عن نفس الموضوع وقدمت فيه بحثين تم قبولهم بقبول حسن اختارت إحداهما (عن ذاكرة الشوارع التاريخية) للنشر في كتاب خاص صدر عن مكتبة الإسكندرية.

    ***

    وتوطدت معرفتنا في مناسبات مختلفة خاصة، وخصوصا عند تأسيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري الذي شاركت أنا في تأسيسه لمدة ثلاث سنوات من (2002-2005) ولم تبخل هي بالنصيحة والرأي السديد. وتابعت دراساتها البارزة مثل “جبانة القاهرة التاريخية” و”التحضر العشوائي” ودراستها المهمة عن “تحولات المركز في القاهرة” وأبحاث متعددة عن التراث المعاصر في القاهرة وفي العالم العربي… تعلمت منها الكثير من الدروس… واستمر تواصلنا وتبادل الأخبار بعد أن أقمت بالخارج لسنوات طويلة إلى أن استقريت بالوطن وجمعتنا صداقة ممتعة لأعزاء كثيرين مثل أستاذتي العزيزة دكتورة سوسن نوير شفاها الله وعافاها.. وأستاذي وصديق الغالي طارق نجا رحمة الله عليه وأستاذنا الدكتور نزار الصياد، وصديق العمر طارق المري وغيرهم كثيرين، وتداخلنا مع أصدقاء عديدين في بعض أنشطة ومبادرات التراث المعماري المصري، وخصوصا في هموم كارثة هدم الجبانات التراثية، وإزالة أجزاء كبيرة وغالية من تراث العمارة الجنائزية المصرية التي استمرت شامخة لقرون طويلة حتى وقتنا الحالي.

    ***

    لم يقتصر تعلمي وتعلم الكثيرين من “جليلة” أهمية أصالة وأمانة البحث والأسس العلمية، ومدى أهمية الدراسة والمعرفة الجادة في توعية المجتمع وفائدته.. وإنما تعلمت وما زلنا نتعلم منها الكثير في الاجتهاد والتفاني والإخلاص في العمل، مع إعجابي المستمر لما تتصف به من الشجاعة والجرأة والقوة في إبداء الرأي الحر، وما دام صادقا وأمينا واعيا بقيمته وأهميته ومهما كان مخالفا للسائد.

    كل سنة وأنتٍ بكل خير عزيزتي جليلة.. عمر مديد وعام جديد من الرضا والصحة والعافية.

    اقرأ أيضا:

    ملف| «جليلة القاضي».. 75 عاما في مواجهة القبح

    جليلة القاضي: المتمردة الساخرة

    أمنية عبدالبر تكتب: جليلة، أستاذتي وصديقتي

    د.داليا الشرقاوي تكتب: علمتني الجرأة في التجوال

    جليلة القاضي.. ضد التيار

    كريم بدر يكتب: السيدة الأنيقة

    طارق المري يكتب: الجليلة بنت القاضي

    مونيكا حنا تكتب: «جليلة».. مثلي الأعلى

باب مصر