باب مصر

الكاتب: . .

  • سامح قاسم يكتب: «فوات الأوان».. بين الشعر ومنطق القص

    سامح قاسم يكتب: «فوات الأوان».. بين الشعر ومنطق القص

    يأتي ديوان «فوات الأوان» ليشكل محطة بارزة في المشهد الشعري المعاصر، حيث يقدّم تجربةً متفردة تتقاطع فيها الأسئلة العميقة مع البوح الذاتي الذي يتخذ من اللغة أداة للبحث عن المعنى في عالم مضطرب. يحمل العنوان في حد ذاته ثِقل الزمن، إذ يوحي بانقضاء الفرص وتلاشي الإمكانات، لكنه في الوقت ذاته يستدعي السؤال حول ماهية “الأوان” ذاته: متى يكون الفوات حقيقة، ومتى يكون مجرد وهمٍ يفرضه الإدراك الإنساني؟

    يمتاز الديوان بنسيجٍ لغوي متشابك، حيث يعتمد الشاعر على تفكيك الزمن وإعادة تركيبه عبر تراكيب لغوية متداخلة، تتسم بالمراوحة بين الحضور والغياب، التذكر والنسيان. ويظهر هذا الأسلوب في اختياراته اللغوية التي تميل إلى الجمل المتقطعة ذات التوتر الداخلي، والتي تعكس إيقاعًا مضطربًا يعكس تجربة الشاعر الذاتية. كذلك، يتجلى الاغتراب كثيمة رئيسة في الديوان، ليس بوصفه اغترابًا مكانيًا فقط، بل كحالة نفسية تتجسد عبر استحضار المكان والزمان بطريقة رمزية متحولة.

    من خلال قراءة متأنية، يمكن ملاحظة أن «فوات الأوان» ليس مجرد رثاء للحظات المفقودة، بل هو تفكيك للزمن ذاته بوصفه بُعدًا نفسيًا أكثر منه إطارًا ماديًا. يطرح الديوان أسئلةً كبرى تتعلق بالندم والانتظار، ويرسم خريطة شعورية تُعيد تشكيل العلاقة بين الذات والعالم، بين الحب والفقد، وبين الحضور والتلاشي. كذلك، يظهر الطابع السردي في كثيرٍ من قصائد الديوان، حيث يستعير الشاعر منطق القص، لكنه يذوّبه داخل اللغة الشعرية التي تتلاعب بالإيقاع والصورة. إن قراءة “فوات الأوان” لا تتم من خلال المعاني المباشرة التي يسردها، بل عبر ما يوحي به، وما يتركه بين السطور من أسئلة مفتوحة قد لا تمتلك إجابات قاطعة، لكنها تظل قادرة على تحريض الذهن وإثارة التأمل في ماهية الشعر والزمن والإنسان معًا.

    البنية الأسلوبية والتجريب الفني

    يشكل الأسلوب الشعري في «فوات الأوان» جوهر التجربة الفنية للشاعر، حيث يتداخل النثر مع الإيقاع الداخلي ليخلق بناءً متعدد الطبقات. يعتمد الشاعر على تفكيك الجملة التقليدية وإعادة تشكيلها ضمن سياقات جديدة تخلق انزياحات دلالية، وهو ما يجعل النصوص تنفتح على قراءات متعددة. كما يستعين بالصور المفاجئة، والتراكيب الغرائبية، مع حضور متكرر للحذف والتكرار الذي يمنح النصوص توتراً ديناميكياً.

    إن التجريب في الديوان لا يقتصر على البنية اللغوية فحسب، بل يمتد إلى الأشكال البصرية للنصوص، حيث نجد استخدام الفراغات والتقطيع الداخلي، مما يضفي طابعًا بصريًا على القراءة، وكأن الكلمات تنحني وتتمدد لتعكس إيقاع التجربة الشعرية ذاتها. هذا الأسلوب يعزز التفاعل بين القارئ والنص، إذ يجبره على إعادة ترتيب المعاني وفقًا لتجاربه الخاصة.

    كذلك، نجد أن الشاعر يتلاعب بالإيقاع الداخلي للنصوص عبر تكرار المفردات أو الجمل، مما يخلق إحساسًا بالإيقاع رغم غياب الوزن التقليدي. هذا الاستخدام الذكي للإيقاع الداخلي يعكس توترًا شفيفا ويخلق موسيقى داخلية تتماشى مع مضامين الديوان، خاصة في لحظات التأمل العميق أو الاعترافات المتأخرة التي تهيمن على أجواء النصوص. وتتراوح اللغة بين التكثيف والتجريد، حيث نجد بعض المقاطع تميل إلى الغموض الذي يدفع القارئ إلى البحث عن المعنى في المسكوت عنه، بينما تتسم مقاطع أخرى بالوضوح والتصريح العاطفي القوي. هذا التناوب بين التجريد والتوضيح يجعل النصوص متحركة ومرنة، قادرة على استيعاب حالات شعورية متناقضة، مما يمنح الديوان طابعًا متفردًا.

    إضافةً إلى ذلك، يمكن ملاحظة أن الشاعر يعتمد على التناص مع نصوص أدبية وفكرية أخرى، سواء عبر الإشارة إلى شخصيات أدبية أو توظيف عبارات تعيد إنتاج مفاهيم فكرية ضمن سياق شعري جديد. هذا البعد يجعل الديوان يتحاور مع التراث الأدبي، لكنه في الوقت ذاته يعيد صياغته بأسلوب حداثي يتناسب مع التجربة المعاصرة. يمكن القول إن «فوات الأوان» يقدّم تجربة شعرية تستكشف إمكانات اللغة بطرق غير تقليدية، حيث تتلاعب الكلمات بمساحتها ومعانيها، مما يجعله نموذجًا للشعر الذي لا يسعى فقط إلى التعبير، بل إلى إعادة تشكيل إدراك القارئ للعالم واللغة ذاتها.

    الزمن والندم بين الحضور والغياب

    يشكل الزمن أحد المحاور المركزية في ديوان «فوات الأوان»، حيث يظهر بوصفه عنصرًا متحركًا بين الماضي والحاضر، وليس مجرد إطار ثابت. يستعيد الشاعر الزمن في صور متباينة، فيبدو أحيانًا كظلٍ ثقيل، وأحيانًا أخرى كنافذة مفتوحة على احتمالات لا نهائية.

    يتلاعب النص الشعري بمفهوم الزمن عبر استدعاء الذكريات ومزجها بالواقع، مما يخلق شعورًا بالاستمرارية والانقطاع في آنٍ معًا. تتكرر في الديوان مفردات مثل “الانتظار” و”الغياب” و”الفقد”، مما يعكس شعورًا عميقًا بالندم على ما لم يكن، وعلى الفرص الضائعة التي لم تُلتقط في وقتها المناسب.

    يبرز الحنين كعامل رئيسي في بنية الديوان، لكنه ليس الحنين الرومانسي التقليدي، بل هو حنين ممزوج بالمرارة والوعي بأن الماضي، رغم إشراقه في بعض الأحيان، قد صار جزءًا من ذاكرة لا يمكن استعادتها إلا عبر اللغة.

    كما يستعين الشاعر بالصور الزمنية المتحولة، مثل الليل الذي يتكرر كرمز للانتظار، والمرايا التي تعكس ماضياً بعيدًا، مما يجعل من الزمن كائنًا حيًا في النصوص. هذه التقنيات تمنح الديوان طابعًا متحركًا ومتعدد المستويات، حيث يصبح كل نص رحلة داخل الزمن، لكنها ليست رحلة تعيد الماضي، بل رحلة تكشف عن استحالة العودة إليه.

    البناء الصوري والرمزي

    يتميز ديوان «فوات الأوان» ببنية صورية غنية ومتعددة المستويات، حيث يعتمد الشاعر على خلق صور ذات طبيعة رمزية تتجاوز المعنى المباشر للكلمات، ما يمنح النصوص أبعادًا إضافية من التأويل والتفاعل مع القارئ. فالصور في الديوان ليست مجرد أدوات وصفية، بل هي وسيلة لاستكشاف العوالم الداخلية للشاعر والتعبير عن حالات شعورية مركبة.

    يمكن ملاحظة أن الشاعر يوظف مجموعة من الرموز الأساسية التي تتكرر عبر النصوص، مثل المرآة، الظل، الليل، النافذة، والماء. تعكس هذه الرموز دلالات متباينة لكنها متشابكة في الوقت ذاته، حيث نجد أن المرآة ترمز إلى استبطان الذات، بينما يرمز الظل إلى الوجود المزدوج بين الحضور والغياب. أما الليل فيظهر كفضاء تتقاطع فيه المشاعر الإنسانية بين الوحدة والخوف والحنين.

    يستخدم الشاعر تقنية الانزياح اللغوي في بناء الصورة الشعرية، حيث تأتي الصور غير متوقعة أو تدمج بين عناصر متناقضة، مما يخلق مفارقة تعبيرية تزيد من كثافة الدلالة. على سبيل المثال، نجد صورًا تُجسد الزمن ككائن حي، أو تجسد الندم في هيئة مشهد بصري متحرك، ما يمنح النصوص ديناميكية فريدة.

    كذلك، تتسم الصور في «فوات الأوان» بطابع بصري قوي، حيث يمكن للقارئ أن يستحضر المشاهد في ذهنه كما لو كانت مشاهد سينمائية. هذا الطابع السينمائي يظهر في قدرة الشاعر على تجزئة اللقطة الشعرية وتركيبها بطريقة تكشف عن تفاصيل دقيقة تساهم في بناء المشهد الشعري. على سبيل المثال، يتم تصوير الذكريات كما لو أنها تُعرض عبر شاشة قديمة، حيث تتداخل المشاهد وتتلاشى في لحظات معينة، مما يعكس طبيعة الذاكرة البشرية المتقطعة وغير المستقرة.

    إضافةً إلى ذلك، يتلاعب الشاعر بالألوان داخل الديوان، إذ نجد هيمنة واضحة للألوان الداكنة، مثل الأسود والرمادي، في إشارة إلى الحزن والانطفاء، بينما تأتي ألوان أخرى مثل الأحمر لتعكس لحظات التوتر أو الشغف العاطفي. هذا الاستخدام الدقيق للألوان يعزز البعد الوجداني للنصوص، حيث تصبح الألوان انعكاسًا للمشاعر وليس مجرد عناصر وصفية.

    ***

    أما من حيث البناء الرمزي، فإن «فوات الأوان» يتجاوز المعاني السطحية للأشياء، ليعيد تشكيلها ضمن سياقات جديدة تُعيد تعريف المفاهيم التقليدية. فالنافذة، على سبيل المثال، لا تمثل مجرد منفذ إلى العالم الخارجي، بل تصبح رمزًا للتردد والانتظار والتأمل. والماء، الذي يُستخدم تقليديًا للدلالة على الصفاء، يأتي في الديوان كعنصر متغير، فهو في بعض النصوص رمز للغرق والفقدان، وفي نصوص أخرى رمز للتطهير والتجدد.

    يتضح إذن أن الصور والرموز في «فوات الأوان» ليست مجرد عناصر زخرفية، بل هي جوهر التجربة الشعرية نفسها. فمن خلال إعادة تشكيل الواقع بصريًا ولغويًا، يفتح الشاعر أفقًا جديدًا للمعنى، حيث يصبح القارئ شريكًا في إنتاج الدلالة وليس مجرد متلقٍ لها. وهكذا، يشكل البناء الصوري والرمزي في الديوان جزءًا من استراتيجيته الفنية التي تسعى إلى تجاوز المباشرة والانفتاح على احتمالات لا نهائية من التأويل. يعكس «فوات الأوان» ملامح القصيدة التي تسعى إلى كسر الأشكال التقليدية والانفتاح على أساليب تعبيرية جديدة. يمكن وضع هذا الديوان ضمن سياق تيارات الشعر العربي الحديث التي تتراوح بين قصيدة النثر والتجريب اللغوي، حيث يحاول الشاعر إعادة تعريف العلاقة بين اللغة والشعور، وبين التجربة الذاتية والعالم المحيط.

    إضافةً إلى ذلك، يعكس الديوان استجابة حساسة للتحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها العالم العربي، حيث نلمس من خلال النصوص حضورًا للقلق الوجودي المرتبط بالحروب، الفقد، والتحولات السياسية. الشاعر لا يقدم موقفًا سياسيًا مباشرًا، لكنه يعيد إنتاج هذه القضايا ضمن سياقات شعرية تتسم بالرمزية والانزياح اللغوي، ما يجعل النصوص تحتمل قراءات متعددة.

    ***

    يشكل «فوات الأوان» تجربة شعرية متفردة واستنثنائية، تتداخل فيها الأسئلة الفلسفية حول الزمن والوجود مع الحساسية العاطفية العميقة التي تعكس تجربة ذاتية موغلة في التأمل. لقد سعى الشاعر من خلال هذا العمل إلى خلق عالم شعري متفرد، يزاوج بين الحداثة والأسئلة الإنسانية الخالدة، حيث يصبح الشعر هنا وسيلة لاختبار الحدود بين الماضي والحاضر، بين الحنين والواقع، وبين الحقيقة والوهم.

    إن القراءة المتعمقة للنصوص تكشف عن محاولات دؤوبة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والوقت، حيث لا يبدو الزمن خطيًا بقدر ما يتحول إلى مساحة مفتوحة تتقاطع فيها الذكريات والأحلام والتجارب الماضية. هذه الرؤية تقدم بديلًا للمنظور التقليدي الذي يرى الزمن كمجرى متتابع لا رجعة فيه، إذ يطرح الديوان تصورًا أكثر ذاتية للزمن، بوصفه كيانًا يتشكل من التجربة الداخلية للشاعر والقارئ على حد سواء.

    ومن حيث موقع الديوان في المشهد الشعري، يمكن اعتباره امتدادًا لتجارب قصيدة النثر العربية، لكنه في الوقت ذاته يحمل صوته الخاص الذي يجعله متمايزًا عن غيره من الأعمال الشعرية الأخرى. فهو لا يقتصر على التعبير عن الذات بمعزل عن العالم، بل يعيد إنتاج العلاقة بين الفرد والوجود بطريقة تتجاوز المباشرة، لتلامس العمق الإنساني.

    إن الديوان  لا يقدم إجابات حاسمة، ولا يسعى إلى بناء خطاب شعري نهائي، بل يظل نصًا مفتوحًا على التأمل وإعادة الاكتشاف مع كل قراءة جديدة. وهذا ما يجعله إضافة حقيقية إلى المشهد الشعري العربي، حيث يتجاوز كونه مجرد مجموعة من النصوص الشعرية، ليصبح تجربة جمالية تدفع القارئ إلى إعادة النظر في مفاهيم الزمن، الفقد، والتجربة الإنسانية بأسرها.

    اقرأ أيضا:

    محمد هاني يكتب: لعبة الزمن في ديوان «حين أردت أن أنقذ العالم»

  • هالة جلال تكتب: لم يكن إلا نفسه دائما

    هالة جلال تكتب: لم يكن إلا نفسه دائما

    عرفت عماد أبو غازي ٤ مرات.   أولهم عماد زميل سفر في رحلة لحضور مؤتمر في جامعة كينجستون عن المرأة والابداع كان العام الذي اندلع بركان ضخم في جبل إيافيالايوكل الجليدي جنوب آيسلندا مسبباً كميات هائلة من السحب الرمادية التي امتدت لأجزاء واسعة من أوروبا، وتسببت حينئذ في هبوط نحو مئة ألف رحلة في أنحاء أوروبا، فضلاً عن إجبار مئات السكان على مغادرة منازلهم.

    نتيجة لهذا طالت رحلتنا. عماد كان يرعي المجموعة كأنه قائد كشافة بطيبة وبهجة ومحاولات تطمين. وقتها شعرت أنني اعرفه لأول مرة وان كل مرات لقاءتنا السابقة لهذه الرحلة لم الحظ فيها ملكاته الانسانية. كانت بيننا نكات شريرة من جانبي حول كراهيته للطماطم وعزوفه عن أكل اللحوم واهتمامه بتصوير الطيور والزهور في لندن.

    عدنا وقد كسبت زميل سفر ممتاز حيث أن السفر يعرفنا على الثقة التي يمكن أن نضعها في انسان أظهر شهامة للغرباء.

    في ٢٠١١ ثورة مصر عرفته مرة ثانية منضم لصف الحق والشباب والمستقبل والأمل متشبث برأيه، ومدافع شرس عما يظن أنه الصواب. والثورة مثل السفر تكشف لك جوانب الإنسان الحانية والكريمة والشجاعة.

    ***

    عماد أبو غازي وزير الثقافة في معرفتي الثالثة له كرئيس عمل متواضع يتخلى عن الحراسة والبروتوكولات ويتشبث بالدقة في العمل ومحاولات انقاذ البلاد..  منحاز لتاريخ البلاد العريق والتراث والفنون. موسوعي المعرفة يهتم بكل تفاصيل الثقافة في تنوعها وتعددية أصواتها يتعاون مع المجتمع المدني ويبني جسور بين المجموعات الثقافية.

    عرفته للمرة الرابعة صديق كريم مبهج حميم زوج صديقة عزيزة الأستاذة ليلي بهاء الدين لا تخلو جلساتنا من مرح كبير ونقاشات عنيفة إذا اختلفنا في الرأي ومحبة كبيرة تملا الهواء كله إذا التقينا. عماد ابو غازي مرجعية بالنسبة لي في التاريخ وممثل موهوب وكاتب رائع وحكاء عظيم. ومشاكس في النقاش.. انتقل في قلبي من رفيق سفر شهم الي رئيس عمل نزيه ودقيق الي صديق مخلص محترم ومؤرخ رفيع المستوي، الي أخ حقيقي.  هذه الأخوة التي بنتها بصلابة عشره، ومواقف عامة وخاصة لم يكن فيها الا نفسه دائما. عاشت المحبة يا اخي العزيز.

    اقرأ أيضا:

    نادية أبو غازي تتحدث: أخي «عماد»

     

  • نادية أبو غازي تتحدث: أخي «عماد»

    نادية أبو غازي تتحدث: أخي «عماد»

    هذا ليس حوارا صحفيا، بل دردشة عبر الهاتف، تتحدث د. نادية أبو غازي، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، عن شقيقها د. عماد أبو غازي.

    كل صباح أفتح عيني على رسالة منه: «صباح الخير»، أطمئن، وبعدها نتهاتف في أي موعد مناسب لكلينا، نتحدث في كل شيء، نتبادل الأفكار والآراء والمتابعات، وهو ما اعتدناه منذ طفولتنا، وقبل أن يكون لكل منا بيت مستقل.

    منذ طفولتنا، كان إفطار يوم الجمعة مقدسا لكل أفراد العائلة، والعشاء اليومي في بلكونة شقتنا. نجتمع ونتحدث ونتبادل الآراء، لا وصاية أبوية، بل رعاية إنصات، وتفهم، وحب، وغياب للأمر والنهي. كنا نعيش في سيمفونية هادئة لا شيء يعكر صفوها.

    في هذا الجو نشأت، ونشأ عماد أيضا، جو أسري يقوم على الحب والتناغم والبشاشة. لم يعرف أبي أو أمي «التكشير» في وجوه الآخرين، بل كان هناك عطاء بلا حدود، وفي هدوء وبلا شوشرة. هذه التربية الإيجابية انعكست علينا فيما بعد، وحاولنا أن نستلهمها في تربية أطفالنا، ومع تلاميذنا في الجامعة. وللأسف، لا يسعد الحظ أبناءنا لكي يلتقوا بأبي، ولكنهم استمتعوا بأمي التي بثت فيهم الكثير من القيم التي نشأنا عليها.

    ***
    عماد ونادية ومختار..والوالد والوالده
    عماد ونادية ومختار..والوالد والوالده

    الأب ناقد فني، الأم فنانة تشكيلية ونحاتة، كلاهما كان يحاول تنمية مواهبنا الفنية، وتشجيعنا على الفن والإبداع. نرسم وتقيم العائلة معارض للوحاتنا، ويقوم الأب بافتتاح المعرض، وقص الشريط، ويقوموا بمنحنا الجوائز على هذا النشاط. كما كنا نمثل في البيت، نعيد تمثيل مسرحيات فؤاد المهندس، وقمنا بتمثيل مسرحية «مصرع كليوباترا».

    ورغم مشغوليات أبي وأمي، إلا أننا اعتدنا على الخروج سويا يومي الخميس والجمعة، سواء لزيارة معرض أو حفلة موسيقية أو مسرحية أو عرض سينمائي، ثم التردد على المكتبات لمعرفة الجديد من الإصدارات. وكان أبي يترك لنا حرية اختيار ما نقرأ.  كان “عماد” يذهب مباشرة إلى كتب التاريخ، وكان “مختار” يختار كتب الفن والموسيقى. كان عماد منذ الطفولة يعرف ما يريد ويعمل من أجله، أن يكون مؤرخا.

    ***

    يكبرني عماد بثلاث سنوات فقط، رغم ذلك لعب أدوارا كثيرة في حياتي منذ طفولتنا، هو الصح في كل شيء. ألجأ إليه في كل ما يهمني، واللعب معه لم يكن مجرد لهو، كنا نتعلم معه عبر اللعب أشياء كثيرة. أتذكر الآن أننا لم نتعارك أو نتشاحن على الإطلاق في طفولتنا، لم يحدث خناقات كما كان يحدث بين الأشقاء متقاربي السن.

    عندما كنا نخرج مع أصدقائنا، كان السؤال: هل عماد سيكون معكم؟ إذا كانت الإجابة نعم، تشعر العائلة بالاطمئنان، لأنه موضع ثقة، ولأن هناك إحساس أنه ناضج وعاقل، قادر على حل المشكلات التي يمكن أن تواجهنا بحكمة. كان وجود عماد يمنحنا الإحساس بالأمن والطمأنينة والثقة. هو يفعل ذلك بلا افتعال، لا يوجد مسافة بين ما يؤمن به ويعلنه وبين ما يقوم به، لم يكن هناك ازدواجية فيما يقول أو يكتب وبين ما يفعل، كان حقيقيا. كان داعما ومؤيدا لعمل المرأة، وهو ما انعكس على احترامه للزوجة، وتقديره واعتزازه بعملها، وأيضا في تربيته لابنته مريم وعلاقته بها.

    ***

    كانت أصعب لحظات حياتنا هي رحيل “مختار”، شقيقي الأكبر، في حادث مؤلم. شعرت أن كل ذلك الأمان ذلك يحيط بالأسرة مجرد سراب، كان الأمر أشبه بزلزال. حاول عماد أن يخرجني من جو الحزن، ذهب إلى الجامعة ونقل المحاضرات، وجلس معي لمراجعة المناهج، والمذاكرة. نفس الأمر تكرر فيما بعد رحيل أبي، وكنت وقتها أستعد لمناقشة الماجستير. وجد نفسه مسؤولا عنا جميعا، لم يعد مجرد شقيق بل أبا أيضا. كان دوره محوريا في كل الأزمات التي مررنا بها، واستطعنا من خلاله تجاوزها.

    لا فرق كبير بين عماد الشاب، وعماد الآن، ربما فقط في مرحلة الشباب كان لديه إيمان بأفكار كثيرة لا يسمح بالهزار فيها، الآن هو متمسك بأفكاره ولكن لديه تفهم للآخرين واختلافاتهم، لديه مرونة أكبر عكس أيام العمل السياسي المباشر.

    رغم دراستي للعلوم السياسية، إلا أن اهتمامات عماد بالسياسة أكثر مني. كان أكثر من نصف مكتبته متعلقا بالقضية الفلسطينية، لا تفاهم لديه فيما يتعلق بفلسطين التي كانت قضية حياته. كان ولا يزال معاديا بقوة للصهيونية، ولكن على الجانب الآخر، كان يطالبنا بالتفريق بين اليهودية والصهيونية، خلافنا معهم ليس دينيا، بل سياسيا.

    ***

    «ماما» كانت قلقة عليه أثناء عمله بالسياسة، وأيضا عندما اشتغل في المجلس الأعلى للثقافة، وعندما أصبح وزيرا، الأمر نفسه حدث مع أبي، كانت سعيدة بعمله في وزارة المالية، ولديها حساسية من المناصب السياسية. بالنسبة لي، كنت أيضا قلقة عندما تولى عماد وزارة الثقافة، ولكن أيضا فخورة بما أنجز، رغم الفترة الزمنية المحدودة التي تولى فيها المنصب. كان لديه رؤية وطموح، وأعتقد لو أكمل في المنصب كان من الممكن أن يكون علامة فارقة في العمل الثقافي. ومع فخري بنشاطه في الحياة الثقافية، وتأثيره، فخورة أيضا بنشاطه الأكاديمي وعمله الجامعي. أشعر أن تأثيره في الجامعة كبير، وهو ما يتضح من شهادات طلابه الذين يشيدون به دائما.

    اقرأ أيضا:

    ليلى بهاء الدين تكتب: «كأني عدت إلى المنزل»

    د. ياسر منجي يكتب: لأنه أبَى إلا أن يكون «عمادًا»

    د. أنور مغيث: مع «عماد»

  • أحمد أسامة يكتب: موسوعة تمشي على قدمين

    أحمد أسامة يكتب: موسوعة تمشي على قدمين

    حين تكتب عن عماد أبو غازي، تشعر بثقل المسؤولية وجمالها معا. كيف تترجم إنسانا نادرا يجمع بين التواضع المخجل، والبساطة الأنيقة، والموسوعية المدهشة؟ كيف تصف شخصا يشعرك بأنه الأب الحنون والصديق الذي يضيء دروب المعرفة؟ إنها مهمة عسيرة، لكنها واجب لا يعفى منه أحد، وشرف كبير.

    البداية: لقاء مصيري

    تعرفت إلى د. عماد قبل عامين، في امتحان شفهي لقبول الانضمام لبرنامج “دبلوم التنمية الثقافية 2023”. كان سؤاله عن علاقتي بالمشهد الثقافي المصري، فدار بيننا حوار فكاهي عن خلفيتي الدراسية والمهنية. لم أدرك وقتها أنني أمام معلم سيغير نظرتي إلى العلم والدراسة الأكاديمية التي أستثقلها. لم أكن أعرف أن هذا الرجل الذي يتحاور بروح المرح هو ذاته الرجل الذي سأكتشف لاحقا أنه “موسوعة تمشي على قدمين”، وأن تتلمذي على يديه سيكون امتيازا نادرا.

    في قاعة الدرس: بين التاريخ والحرية

    في محاضرات الدبلوم، أعاد د. عماد تشكيل صورة “الأستاذ الجامعي” في أذهاننا. لم يكن مجرد ناقل للمعلومة، بل حكاء يجعل تاريخ مصر الحديث يسري في عروقنا كالدم. نناقش، نتحاور، ولا نكاد نمل من أسئلته التي تفتح أبواب التأويل دون أن يفرض إجابات جاهزة أو قناعاته الشخصية. لاحظت مبكرا أنه لا يرهقنا ببيروقراطية التعليم، بل يدفعنا نحو البحث الذاتي: اقرأوا، ابحثوا. نفعل ذلك بشغف كي لا يصير العلم مجرد أسئلة ننسى إجاباتها مع تسليم كراسات إجابة الامتحان.

    مكتبة إلكترونية وسخاء لا حدود له

    لم يبخل د. عماد علينا بمرجعٍ أو كتاب، بل كان دائما يسبق إجاباتَه بقائمة من المراجع والمصادر، ويذهلنا بمشاركة كنوز مكتبته الإلكترونية دون تردد. هنا، لم يكن الرجل أستاذا فحسب، بل دليلا ثقافيا يضع أيدينا على منابع المعرفة، ويذكرنا بأن العلم الحقيقي يبنى بالتشارك، لا بالاحتكار، وأننا جميعا نسعى للعلم والمعرفة، وهو في مقدمتنا.

    بحث أكاديمي.. ومفاجأة إنسانية

    عندما طلب منا إعداد أبحاث عن الثقافة المصرية، اعترف بعضنا له بقلقه، كيف نكتب بحثا أكاديميا؟ لم نكتبه من قبل. بدل أن يعنف ضعفنا، أن نرى منه عنجهية بعض الأساتذة، أمدنا بمراجع عن منهجية البحث، ثم ناقش كل فكرة باهتمام، وطلب أن يقرأ مسوداتنا قبل التسليم لإفادتنا بملاحظاته. الأجمل أن حماسنا وصل حد طلب استبدال امتحانات المواد الأخرى بأبحاث أخرى! لقد حول قلقنا وتوترنا إلى متعة، وعلمنا أن الأستاذ الحقيقي هو من يحول القلق إلى إبداع.

    تشجيع يضعك في دائرة المسؤولية

    لا أحبذ الخوض في التفاصيل الشخصية، لكن كيف أغفل دعمه الذي يلاحقني حتى خارج القاعة؟ كيف أتجاهل عبارات الثناء على التي تصلني عنه عبر الأصدقاء، والتي تدفعني للتساؤل: “أأستحق هذا؟”. أعرف يقينا أنه لا يجامل، لذا أحمل نفسي واجبا: أن أكون دائما عند حسن ظنه، وألا أخذل هذا العماد أبدا.

    أخيرا..

    قد لا توفي الكلمات حق د. عماد أبو غازي، لكنها تذكرنا بأن الزمان لا يزال ينجب من يعيدون إلينا إيماننا بالعلم والإنسانية. فشكرا لأستاذ جعلنا نحب التاريخ لا كحكايات حدثت وأزمنة ولت، بل كروح تسري فينا، ولأستاذ علمنا أن التواضع ليس فضيلة، بل ضرورة كي تبقى القامة عالية إلى الأبد.

    اقرأ أيضا:

    نهلة أبوالغيط تكتب: إنسان نادر

    كريم زيدان يكتب: المحب لما يعمل.. المخلص لما يعتقد

    عماد أبو غازي يكتب: السينما في دراسات الوثائق والأرشيف

  • نهلة أبوالغيط تكتب: إنسان نادر

    نهلة أبوالغيط تكتب: إنسان نادر

    تعرفت على عماد أبو غازي في كلية الآداب، كنت طالبة في قسم الإنجليزي، وهو في قسم التاريخ. وفي تلك الفترة تصدقنا، ثم تعرفت على شقيقه الأكبر مختار الذي تزوجته بعد أن أنهيت امتحانات الفرقة الأولي. كنا صغارا، وأقمنا في بيت العائلة.

    كنت أحب «مختار» قبل أن أعرف عائلته، لكن عندما تعرفت على العائلة تمسكت به أكثر، وأحببت البيت، صار عم بدر والدي، ورعاية والدتي، ونادية شقيقتي الصغرى، أما عماد فقد كان ويظل شقيقي.

    البيت «بيت كرم» كما يقال، والثقافة والفن والعلم في هذا البيت ليس مجرد حلية بل ممارسة بلا افتعال. كان عماد مهذبا ومتواضعا ولا يزال، بارا بالعائلة وأفرادها، ويتردد على عماته، بل يقيم معهم في أغلب الأوقات لرعايتهم، وقد اكتسب حبه للتاريخ من هذه الأجواء وتحديدا من عمته التي تعمل في المتحف المصري. الحكايات عن عماد وتأثيره كثيرة جدا.

    يكفي أن أقول إنه إنسان نادر، وأنني منذ أن دخلت هذا البيت صغيرة، ولم أخرج منه حتى الآن، رغم تغير الظروف.

    اقرأ أيضا:

    ماجد نادر يكتب: «وزير هيمثل معاك؟!»

    ليلى بهاء الدين تكتب: «كأني عدت إلى المنزل»

    وليد غالي يكتب: «النبيل»

  • «عماد أبو غازي» يكتب: من ذكريات ليمان طرة

    «عماد أبو غازي» يكتب: من ذكريات ليمان طرة

    ثلاث تجارب في السجن، مر بها الدكتور عماد أبو غازي، في أطولها كون مع زملاء له مكتبة، وأنجز رسالة علمية، وفي أخرى أنشأ إذاعة تبث أخبارا، ما أزعج إدارة السجن، في هذه الشهادة يتذكر تفاصيل من هذه التجربة.

    مررت في شبابي بثلاث تجارب قصيرة مع السجن، ما بين حبس احتياطي واعتقال، لم تتجاوز أطوالها ستة أشهر، كان ذلك في ما بين عامي 1980 و1982، واختلفت فيها العلاقة بالكتاب والمكتبة داخل الأسوار. التجربة الأولى والأطول في ليمان طرة، كانت في عام 1980، كان متاح لنا خلال فترة الحبس الاحتياطي أن نتعامل مع مكتبة السجن، لكني فضلت ومجموعة من زملائي أن نكون مكتبتنا الخاصة مستفيدين من أن عددًا منا كانوا من الطلاب سواء في المرحلة الجامعية الأولى او مرحلة الدراسات العليا، حيث كانت إدارة السجن تسمح بدخول الكتب الدراسية لنا.

    ولما كنت طالبًا للدراسات العليا بمعهد البحوث والدراسات العربية، فقد سمح لي وضعي هذا بإدخال أعداد كبيرة من الكتب المتنوعة في موضوعاتها ومجالاتها، ما بين كتب في التاريخ والقانون والعلوم السياسية والأدب، ونادرًا ما منعت إدارة السجن دخول كتاب لنا.

    ***

    ونجحنا الصديقان فريد زهران ومصطفى الخولي وأنا، في أن نكوّن مكتبة كبيرة داخل السجن، كان مقرها الرئيسي في زنزانة 6 حيث أقمت مع بعض الزملاء السكندريين، تجاوز عدد الكتب مائتي وخمسين كتابًا، هذا بخلاف الصحف واليومية والمجلات الأسبوعية التي كنا نشتريها من رصيدنا بأمانات الليمان، فأصبح لدينا رصيد يفي باحتياجات “الحبسة” كلها ويزيد، بحيث يمكن لكل رفيق أن يكون معه كتابان في نفس الوقت، فقد كان عددنا 125 متهمًا، أضيف لنا خمسة من أهالينا وأصدقائنا تم القبض عليهم أثناء حضورهم أول جلسات تجديد حبسنا بمحكمة شمال القاهرة بالعباسية.

    أتذكر جيدًا أني أنهيت في هذه الحبسة قراءة كتاب لويس عوض المؤثرات الأجنبية في الأدب العربي الحديث، الذي أرخ فيه للفكر المصري الحديث، وكنا نتبادله فريد زهران وأنا، ونسجل تعليقاتنا على هوامش صفحاته، كما قرأت الشوقيات المجهولة التي جمعها محمد صبري السوربوني في مجلدين، وكذلك كتابه عن مطران، وأعدت قراءة خمسة من كتب بدر الدين أبو غازي ـ والدي ـ وهي كتابيه عن مختار وكتابه الأول عن محمود سعيد وكتابي الفن في عالمنا وجيل من الرواد.

    وكان من الكتب التي قرأتها كذلك الدراسة المهمة التي كتبها السيد يسين وعلى الدين هلال عن الصراع العربي الإسرائيلي وصدرت في مجلدين عن معهد البحوث والدراسات العربية، وفي هذه الأشهر أعدت قراءة تاريخ الحركة الوطنية من 1918 إلى 1936 لعبد العظيم رمضان.

    ***

    وخلال هذه الأشهر الخمسة تمكنت من الانتهاء من كتابة رسالة الدبلوم التي كنت أعدها بعنوان “اليابان الحديثة دراسة في تطور الاستعمار الياباني” تحت إشراف أستاذي الراحلين الدكتور محمد أنيس والدكتور جمال زكريا قاسم، وذلك رغم الصعوبات في دخول بعض مراجع الدراسة حيث اعتبرتها إدارة السجن كتب ممنوعة، لأن بعضها للزعيم الصيني ماو تسي تونج، وبعضها يحمل في عنوانه كلمة الأمبريالية، فرفضت إدارة السجن دخولها!

    ولما كان المحاضرات المنسوخة بخط اليد والمصورة يسمح بدخولها لي، فقد قام أبي وأمي وأختي وعمتي بنسخ الأجزاء المطلوبة من هذه الكتب وإدخالها مع المحاضرات الدراسية، وهكذا تمكنت من إنهاء الرسالة، وإرسالها للطبع على الألة الكاتبة ومراجعتها قبل خروجي من السجن.

    وكان مقررًا أن أذهب من السجن لجلسة المناقشة في نهاية شهر يونيو مثلما ذهبت لأداء الامتحانات، لكن قرار النيابة بالإفراج عن من تبقى منا رهن الحبس الاحتياطي صدر قبل موعد المناقشة بأيام. كانت المشكلة كيف نخرج بهذه الكمية من الكتب والملابس والأدوات، ففي ذلك الزمن كان يسمح لنا بارتداء ملابسنا المدنية طوال فترة الحبس الاحتياطي، كان لدينا عدة صناديق من الكتب بخلاف متعلقاتنا الأخرى.

    عماد مع جدته في ثمانينيات القرن الماضي
    عماد مع جدته في ثمانينيات القرن الماضي
    ***

    ولما كانت إجراءات الإفراج تتطلب المرور على مباحث أمن الدولة بلاظوغلي وربما قضاء ليلة كاملة هناك، فقد حملنا أهلنا فريد وأنا بالكتب والمتعلقات قبل خروجنا من السجن، وكان من بينها عود للصديق حسن الدمشاوي من المنيا، الذي قبض عليه ومعه عوده، واتفقنا على أن يحضر إلينا بعد اتمام إجراءات الإفراج ليأخذ كل منهم متعلقاته.

    أما المرة الثانية فكانت أثناء الاعتقال بليمان طرة أيضًا في أكتوبر 1981، هذه المرة كانت المعاملة مختلفة تمامًا، كانت الكتب والصحف والمجلات والزيارات ممنوعة، كنا معزولين تمامًا عن العالم الخارجي، ولا يسمح لنا بالتريض أو الخروج من الزنازين سوى لمدة ربع ساعة في أول النهار ومثلها قبل المغرب لقضاء الحاجة.

    في الليل كنا في زنزانة 12 ننظم إذاعة يومية للعنبر من على شباك الزنزانة، إن لم تخني الذاكرة فقد شارك فيها فريد زهران ومصطفى الخولي والصديق الراحل نزار سمك الذي استشهد في حريق قصر ثقافة بني سويف، كنا نقدم في هذه الإذاعة بعض ما نحفظه من أشعار، أو موضوعات تاريخية وسياسية تعيها الذاكرة.

    ***

    كما نجحنا بعد أيام قليلة في تدبير وسائل للحصول على الأخبار، فأصبحت زنزانة 12 تقدم نشرة أخبار ليلية أزعجت إدارة السجن، التي كانت تقوم بتفتيش الزنزانة بحثًا عن الراديو الذي نعرف منه أخبار مصر والعالم، أو الصحف التي تصلنا، لكن دون جدوى. ومع استمرار سوء المعاملة بدأنا إضرابًا عن الطعام استمر ثلاثة عشر يومًا أسفر عن مجموعة من المكاسب كان من بينها دخول الصحف والكتب والراديو، لكن الاعتقال لم يطل حتى نكون مكتبة أخرى، وتم الإفراج عنا تدريجيًا.

    إلى اليوم كثيرًا ما أرجع إلى كتاب قديم في مكتبتي، فأجد على صفحة الغلاف ختم ليمان طره واسمي بخط يد أبي، أو أجد بعد التعليقات بخطوط الزملاء في “حبسة 80” أو القضية 706 على هوامشه.

    اقرأ أيضا:

    ليلى بهاء الدين تكتب: «كأني عدت إلى المنزل»

    ماجد نادر يكتب: «وزير هيمثل معاك؟

    د. محمد عفيفي يكتب: «عماد أبو غازي» مؤرخًا

    بسمة عبد العزيز تكتب: في مَحبة الحضور الهادئ الطاغي

  • خيري دومة يكتب: صديق يطمئن إليه قلبك وعقلك

    خيري دومة يكتب: صديق يطمئن إليه قلبك وعقلك

    ينتمي عماد أبو غازي إلى مدينة القاهرة، وقد جاء من نسل أسرة عريقة في الثقافة المصرية الحديثة، بينما جئت أنا من الريف البعيد في الشمال لأسرة من بسطاء الفلاحين والعمال. ينتمي عماد أبو غازي إلى مجال التاريخ والتوثيق، بينما جئت أنا من منطقة الأدب والنقد الخياليين؛ فكيف التقينا وصرنا أصدقاء.

    1980 كانت أول مرة أسمع فيها اسم عماد أبو غازي من أستاذي عبد المحسن طه بدر، الذي كان يحب الخروج من سياق محاضراته عن الروائي والأرض ليحدثنا أحيانًا عن ناس يحبهم وأغنيات يغنيها لنا، وكان عماد أبو غازي ضمن من تحدث عنهم بحب وإعجاب كبيرين.

    لم ألتق بعماد لقاء مباشرًا إلا عام 1989، زميلين من الشباب الطالعين في كلية الآداب ضمن مجموعة كبيرة جمعها أساتذة كبار من أمثال عبد المحسن بدر وجابر عصفور ليشاركوا في التنظيم لمؤتمرين دوليين كبيرين جدا، أحدهما عن طه حسين والآخر عن نجيب محفوظ. في سياق هذين المؤتمرين قامت صداقات كثيرة، منها صداقتي لعماد التي لم تنقطع يومًا.

    ***

    مضت بنا الأيام، ودارت الأرض دورتها، عملت أنا في اليابان البعيدة، وعمل عماد في المجلس الأعلى للثقافة. بمجرد عودتي تجدد اللقاء واستمر حول مؤتمرات لا تكاد تتوقف في المجلس. كان مكتبه هناك مكانًا ودودًا تشعر فيه بالألفة وبأنك في بيتك. كنت بالطبع أتابع عمله ويتابع عملي، وشأن أي صديقين نتفق أحيانًا ونختلف أحيانًا، لكن احترام كل واحد منا للآخر لم يتغير يومًا، على المستوين العلمي والإنساني.

    ينتقل عماد من مكان إلى مكان في وزارة الثقافة وخارجها، ويظل كما هو، لا شيء في سلوكه الموضوعي الجميل يتغير. ولأن عماد ابن التاريخ والوثائق، ولأنه ابن ناس، وبرغم سلوكه المهذب الراقي مع الجميع، فإنه لم يتردد يومًا في أن يقول رأيه في الأشخاص وفي المواقف بوضوح كامل، ولكن بألطف طريقة ممكنة. هذه التوليفة النادرة بين اللطف الكامل والموضوعية الكاملةعلى طول الطريق، هي ما يميز شخص عماد أبو غازي وعلمه.

    من اليمين خيري دومة وجابر عصفور وعماد أبو غازي
    من اليمين خيري دومة وجابر عصفور وعماد أبو غازي
    ***

    عام 2005 كنت ضمن اللجنة المنظمة لمؤتمر عن “الرواية والتاريخ”، وطلب مني أستاذي جابر عصفور أن أكتب تقديمًا لطبعة خاصة بالمؤتمر من رواية لأحد الروائيين الكبار. كتبت مقدمة تكشف عن حب للرواية وحماس لعالمها والطريقة التي بنيت بها، فاجأني عماد بعدها، بعد أن قرأ الرواية والمقدمة، وقال لي: “صاحبك اللي انت متحمس ليه ده عنصري، انت مش ملاحظ الطريقة اللي صور بيها اليهودي في الرواية؟!”. عماد الذي أعرفه جيدًا كان ضمن “أسرة الأرض” في الكلية، ومن المتحمسين لفلسطين وأهلها وحقوقهم.

    لكنه احتفظ دائمًا بقدرته على أن يظل إنسانًا وعالمًا موضوعيًّا،  يكتب ويتكلم بدقة وموضعية، ويحتفظ بالمسافة الآمنة مع الموضوعات التي يتناولها، حتى لو كانت فلسطين أو ثورة 19 أو حتى خاله الفنان محمود مختار، ويصيبه القلق من الحماس العاطفي الذي تنضح به أحيانًا كتابات نقاد الأدب.

    لم يستطع أستاذ ممن عملوا في وزارة الثقافة على مدار الثلاثين عامًا الماضية أن يحتفظ بهذا القدر من التوازن الدقيق بين نقائض لا تنتهي على مستويات مختلفة، مثلما احتفظ عماد أبو غازي بهدوئه وإنسانيته وموضوعيته وسط أمواج التغيير التي اكتسحت حياتنا، ربما لأنه كان يملك على الدوام رؤيته الأصيلة للأشياء والأشخاص والقضايا، فلم يردد كلام الآخرين كما فعل غيره، ولم يتبن مواقف غيره رغم لطفه وأدبه اللذين يعرفهما الجميع.

    كان أستاذي عبد المنعم تليمة يقول حين بلغ الستين: “لقد بدأتُ الستين الثانية”.

    يا عماد يا صديقي، كل سنة وأنت طيب، لقد بدأتَ السبعين الثانية، وستكون – كما كنت دائمًا – الأجمل والأنبل والأقرب إلى قلوبنا وعقولنا.

    اقرأ أيضا:

    د. أنور مغيث: مع «عماد»

    د. ياسر منجي يكتب: لأنه أبَى إلا أن يكون «عمادًا»

    «عماد أبو غازي» مؤرخًا: الانتماء لجيل ثورة 1919

  • نجاة علي تكتب: الاحتفاء بالقيمة

    نجاة علي تكتب: الاحتفاء بالقيمة

    أظن أن هناك أشخاصًا على المرء أن يمتنَ لوجودهم في هذا العالم، لأنهم يمنحوننا بحضورهم شيئًا من الطمأنينة والأمل. من بين هؤلاء الدكتور عماد أبو غازي، صاحب الهويات المتعددة، أبرزها جميعا (أستاذ الجامعة والمؤرخ والكاتب).

    ربما لأسباب كثيرة ربطتُ في ذاكرتي بين عماد أبو غازي وأستاذي جابر عصفور، رغم فارق العمر بينهما واختلاف التخصص، فكلاهما مثّلَ لي معنى من معاني القيمة الثقافية الكبرى التي نفتقدها الآن -إلى حد ما- في حياتنا. وقد كان بإمكانك، مثلا، أن تختلف مع أي منهما في الرأي وأنت مطمئن- تمامًا- أنك لن تخسره أبدا، بل إنك على العكس سترى منه احترامًا كبيرًا لرأيك.

    انتسب الاثنان أيضًا (أعني جابر عصفور وعماد أبو غازي) إلى مؤسسة عريقة – هي جامعة القاهرة، وكلاهما سليل لدعاة التنوير من مؤسسي هذه الجامعة، وعلى رأسهم لطفي السيد، وطه حسين وأحمد أمين، وأمين الخولي، سهير القلماوي ولويس عوض وعبد العزيز الأهواني وشكري عياد ومحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس وعبد المنعم تليمة، وكثيرون غيرهم.

    أتصور أن عماد أبو غازي انتسب إلى مدرسة طه حسين العقلانية في التفكير، وتبنى كمؤرخ منهجية الشك في كتاباته، ووضع الحقائق التاريخية- أو من يعتبرونها كذلك- موضع المساءلة المستمرة، وظل منشغلا بالبحث في قضايا الهوية الوطنية من منظور الحاضر. وفي ظني الشخصي أنه لو قدر لعماد أبو غازي أن يعيش في مصر في زمن ثورة 1919، لانتمى إلى حزب الوفد واعتنق أفكاره ومبادئه، لكن يا ترى، أين كان سيقف أبو غازي في المعركة العنيفة التي نشبتْ بين طه حسين وسعد زغلول؟

    ***

    لا أعرف لماذا تتملكني قناعة بأن عماد أبو غازي مسكون جدًّا بمدينة القاهرة، وأنه لا يستطيع العيش في بلد آخر بعيدا عنها ويفارقها.  فإذا حدث مرة والتقيته مصادفة في الطريق، وراقبتَه من مسافة كافية وهو يمارس رياضة المشي في الطريق ما بين الزمالك وجامعة القاهرة، سوف تجده منزعجًا وحزينًا من كم القبح الذي اجتاح البنايات والشوارع والمدينة كلها، والتشويه المتعمد الذي جرى لها على مدى سنوات.

    منذ أيام قليلة، هاتفتُ الدكتور عماد أبو غازي لأسأله عن شيء، ففاجأني أثناء الكلام “بأنه أتم السبعين عاما”، ظننتُه يمزح في البداية، فراجعتُه، لكنه عاد ورددها مرة أخرى، ثم انتبهتُ إلى أنه يقولها وكأنه يحاول أن يستوعب كيف مضتْ الأيام سريعًا هكذا.. أما من شيء يمكنه أن يوقف عجلة الزمن!!

    ربما يكمن عدم تصديقي للأمر يتعلق بروح الطفل التي أراها تسكن الدكتور عماد منذ أن عرفته، ولعلها هي ما جعلته ممتلئًا بالحيوية والنشاط دومًا. لذلك اعتقدتُ أنه لا يمكن أن يكبر أبدا أو أن ينال منه الزمن، هذا بالإضافة إلى طبيعته النقية التي تجعله لا يضمر كراهية في نفسه لأحد حتى لو أساء إليه.

    ***
    عماد أبو غازي والشاعرة نجاة علي
    عماد أبو غازي والشاعرة نجاة علي

    وحين تعود الذاكرة بي إلى الوراء، ربما أكثر من عشرين عامًا، استرجع متى بدأتُ أسمع عن اسم عماد أبو غازي من بعض أساتذتي في قسم اللغة العربية الذين تربطهم علاقة شخصية به، وأيضًا من طلابه في قسم الوثائق والمكتبات الذين يعشقون محاضراته. لكنني أتصور أن المرة الأولى التي رأيته فيها شخصيا كانت في مبنى المجلس الأعلى للثقافة، حيث اضطررتُ للذهاب لتسليم بحث أعمال السنة الذي كلف الدكتور جابر عصفور دفعتنا به، وتأخرتُ أنا وبعض الزملاء –لسبب لا أتذكره الآن- عن تسليمه في الموعد المحدد.

    وبعد محايلات مني ومن الطلاب، وافق أستاذي جابر على أن يعطينا مهلة أخيرة لتسليم البحث، لكن بسبب انتهاء الفصل الدراسي كان علينا أن نسلمه في مكتبه، حيث كان يشغل وقتها منصب الأمين العام للمجلس. فذهبتُ إلى هناك، وسلمتُ البحث لمديرة مكتبه ذات الخلق الرفيع الأستاذة نجلاء الكاشف، التي رحبتْ بي بلطف بالغ، واستأذنتْ من أستاذي أن أسلم عليه سريعا لأنه كان يبدو مشغولا في التحضير لمؤتمر كبير.

    وبعدها بشهور قليلة، ذهبتُ للمجلس مرة أخرى بصحبة أستاذتي العزيزة فاطمة موسى، أستاذة الأدب الإنجليزي التي كانت رئيسة لجنة الترجمة آنذاك، وكانت تريدني أن أعمل في تحرير ومراجعة بعض كتب المشروع القومي للترجمة. وبالفعل شاءت الأقدار أن أعمل مع أستاذي جابر عصفور لسنوات.

    ***

    ومن هنا تعرفتُ عن قرب على عماد أبو غازي الذي كان قد يشغل منصب رئيس الإدارة المركزية للشعب واللجان الثقافية. وكان يحظى بثقة أستاذي جابر ومحبته، وكان وجوده بجانبه يُحدث نوعًا من التوازن النسبي؛ لأن سقف طموح  جابر عصفور في إنجاز مشروعات وفعاليات ثقافية  تعيد للمجلس مكانه ومكانته كان كبيرا جدا، وهو ما جعله متوترًا طوال الوقت، لا يكف عن العمل، يضغط على نفسه وعلى من حوله كي يحقق ما يريد، خاصة في  ظل وجود البيروقراطية المعطلة للعمل وضعف الميزانيات.

    ويبدو أن طيف طه حسين كان يطارده كي يستكمل ما حلم به من نهضة ثقافية وتنوير. وأظن أن عماد أبو غازي كان يشارك جابر عصفور تلك الرغبة، لذلك تحمل- برضا تام- العبء الأكبر في تنفيذ تلك المشروعات الثقافية التي آمن بضروراتها هو أيضًا. صحيح أنهما أحيانا كانا يختلفان في وجهات النظر في بعض الأمور المتعلقة بالعمل لكن مشاعر الاحترام والتقدير كانت هي السائدة بينهما.

    وفي الوقت الذي كان يزهو البعض من حولنا بما يفعل وبما لا يفعل، كان عماد أبو غازي يكتفي بأن يكون ذلك الجندي المجهول، زاهدا في الأضواء، وفي الحديث أيضًا عن الجهد الشاق الذي كان يبذله كي يخرج العمل في أفضل صورة.

    ***

    أحسبُ أنني في بداية معرفتي بعماد أبو غازي لم أكن أعرف شيئًا عن تجربته السياسية وأصوله العائلية التي لم أسمعه يتحدث عنها أو يتفاخر بها، حتى فاجأني أحد أصدقائه ممن ينتمون للوسط الثقافي بأنه (أعني عماد أبو غازي) ليس مجرد أستاذ جامعة فقط، فقد انتمى إلى الحركة الطلابية في السبعينيات، وتعرض للسجن فترة حكم الرئيس السادات، وكاد أن يفقد مستقبله بسبب انخراطه في العمل السياسي. فأبديت اندهاشي لأن التركيبة الهادئة لعماد أبو غازي تكاد تخالف الصورة النمطية التي تكونت لديَّ عن المناضلين السياسيين الذين عرفتهم في الجامعة من أصحاب الأصوات العالية، فقد كانت الأيديولوجية التي ينتمون إليها مرجعيتهم في كل شيء، وكانوا متعصبين إلى حد إقصاء أي رأي مخالف لهم.

    لكن بدا لي فيما بعد أن الهدوء الذي يميز عماد أبو غازي هو مجرد سطح يخدعك، لأنه يخفي تحته شخصًا ثائرا، يظهر أمامك فجأة في بعض المواقف. فأتذكر مرة أنني رأيته منفعلا جدا أثناء عملي معه، كان وقتها يتحدث بالهاتف مع مسؤولة الحسابات التي تسببت في تعطيل صرف مستحقات مالية شهرية لعامل مسكين. اشتكى العامل على استحياء للدكتور عماد ما فعلته هذه السيدة فانتصر له وأجبرها على إنهاء الإجراءات المالية سريعًا.

    ***

    بدأت أستوعب مع الوقت السر الذي يجعل الجميع من حولي يحبونه بهذا الشكل. لعلها تلك الصفات الإنسانية الراقية التي تحلى بها، ومنها التسامح والتواضع واحترام الآخرين والوقوف مع صاحب الحق أيا كان. ولعل انتساب عماد إلى عائلة مستنيرة ومثقفة كان له دور عظيم في هذا التكوين. وقد رأيتُ بنفسي كيف أن هذه القيم لم تفارقه أبدا، حتى عندما تولى منصب وزير الثقافة، أو حتى حين غادر المناصب جميعا وعاد لطلابه في الجامعة ليمارس مهنة التدريس التي يعشقها.

    والحق يقال إنني كنت سأشعر بالذنب وربما الندم أيضا لو لم أقل هذا الكلام الآن. لأن من حق عماد أبو غازي علينا، هذا الرجل النبيل الذي قضى أكثر من خمسين عامًا من حياته في خدمة الثقافة المصرية، سواء عبر مشاركته في تحقيق مشروعات ثقافية كبرى أو عن طريق العمل العام والتطوعي، أن نقول له شكرا، وأن نحتفي به لأن الاحتفاء بعماد أبو غازي هو احتفاء بالقيمة وبكل ما تجسده من معانٍ في حياتنا الثقافية.

                                                                                                                                       شاعرة وناقدة

    اقرأ أيضا:

    وليد غالي يكتب: «النبيل»

    عماد أبو غازي يكتب: السينما في دراسات الوثائق والأرشيف

    د. جيهان عمران تكتب: رفيق الدرب الوظيفي

  • د. جيهان عمران تكتب: رفيق الدرب الوظيفي

    د. جيهان عمران تكتب: رفيق الدرب الوظيفي

    عند الحديث عن شخصية فريدة، نجد أنه من الصعوبة وصفها، ويتمثل هذا في الأستاذ الدكتور عماد بدر الدين أبو غازي، لكونه شخصية ثقافية حضارية تتميز بالفكر التنويري العلمي والبحثي. وهو رفيق الدرب الوظيفي بكلية الآداب جامعة القاهرة منذ تعيينه معيدًا بقسم الوثائق 1983. وببلوغه سن السبعين ـ متعه الله بالصحة والعافية ـ أوضح في سطور بعض من الجوانب  المضيئة التي لمستها في شخصية الدكتور عماد، أو «عماد» فقط بدون أي ألقاب كما تعودنا معه. يتمثل هذا الجانب في عطائه المثمر الإيجابي المعنوي لكل من حوله، ذلك العطاء الذي يشًد من أزر صاحبه ليرفعه، وهو ذلك العطاء الذي أشهد به ويشهد به أيضًا جميع زملائه بالقسم.

    ***

    فخلال رحلة الدرب الوظيفي التي قضيتها مع عماد منذ سنة 1983، ومستمرة ـ بإذن الله تعالى ـ فقد تزاملت معه في رحلة إعداد كل من رسالة الماجستير والدكتوراه،  فكان خلالها نًعم الزميل والأخ والسند الذي يُعتمد عليه في تذليل المصاعب الإدارية والعلمية لخبرته الحياتية والعلمية. وقد تشاركت معه في تدريس بعض المقررات الدراسية، فكانت من أنجح المشاركات. وبعد الدكتوراه تبدأ مرحلة أخرى وهي مرحلة إعداد أبحاث الترقية لأستاذ مساعد وأستاذ، والتي يسبقها بالنسبة لي فترة زمنية ليست قصيرة، فقد امتدت إلى عشر سنوات كانت خالية من العمل البحثي.

    فكان عماد الزميل داثم الحث لي على ضرورة بداية العمل في أبحاث الترقية، وهو الأمر الذي يشكل صعوبة بالغة لمن يعمل في الحقل الوثائقي لصعوبة الوصول إلى موضوعات وثائقية لم يسبق دراستها بعد. فكان عماد بمثابة الشخص المعطاء لوقته، والزميل الوفي الداعم. فقد اعتمدت عليه في اختيار الموضوعات البحثية بعد عرضها عليه، وعندما أجد قبولا منه لموضوع بعينه، أعتكف على دراسته، وبعد الانتهاء منه أذهب إلى عماد بأوراقي البحثية لعرضها عليه، وهنا أكون بمثابة الباحث المبتدئ أمام أستاذي الجامعي المتميز، حيث أحرص على تدوين ملاحظاته بدقة  وتنفيذها بالفعل، لأن ملاحظاته بالنسبة لي كانت بمثابة إضافة علمية وتميز للبحث. وهذا ما اعتدت عليه خلال إعداد جميع أبحاثي سواء كانت للترقية إلى الأستاذية أو ما بعدها. فلم يبخل أو يمل عماد الزميل من المساعدة العلمية والعطاء البحثي لي في أي وقت من أوقات عمله.

    ***

    هذا العطاء المثمر الإيجابي لم يتأثر أو ينقطع خلال توليه مهامه الإدارية بالمجلس الأعلى للثقافة، فكانت فترة عمله بالمجلس بمثابة إلقاء الضوء على جانب آخر من هذا العطاء، وهو التواضع مع زملاء دربه الوظيفي. وهذا ما لمسته عند زيارته لمكتبه الخاص بالمجلس الأعلى للثقافة من حسن الترحيب وكرم الضيافة، حيث كانت أبواب المجلس تفتح لاستقبال الزملاء بوجود موعد سابق يعلمه جميع أفراد الأمن وسكرتارية مكتبه. وفي حال زيارته في مكتبه بدون موعد سابق،  كان أيضًا يحسن الاستقبال والحرص على عدم انتظار ضيوفه في صالة الضيافة طويلًا.

    هذا العطاء والتواضع لم يتغير في شخصية عماد الزميل خلال توليه مهام حقيبة وزارة الثقافة. كما أن حصوله على لقب “الوزير” ثم “الوزير السابق” لم يغير في شخصيته التي اعتدنا عليها منذ كان معيدًا سنة 1983، والتي زادته احتراما وتقديرا بين زملاء الدرب الوظيفي.

    وأيضًا أضيف لشخصية عماد النقاء والتي لا يحمل بداخلها أي ضغينة، ولأننا جميعًا بشر يمكن أن نختلف في الرأي أو نتعرض لبعض المشاحنات ـ وإن كانت نادرة الحدوث ـ إلا أنها كانت تنتهي سريعا ولا تستمر طويلا.

    ***

    وكما كان عماد رفيق سنوات درب وظيفة العمل بالكلية، فقد أسعدني وكان ذلك من حسن حظي اللقاءات المتميزة مع الأم السيدة الفاضلة رعاية حلمي ـ رحمه الله عليها ـ بنادي المعادي وأحاديثها الممتعة والشيقة الجميلة بصحبة الأخت العزيزة الأستاذة الدكتورة نادية أبو غازي.

    وأخيرَا، شكرًا للدكتور عماد أبو غازي رفيق الدرب الوظيفي حيث كان ومازال خير الزميل والسند والأخ والأستاذ. متعك الله بالصحة والعافية.

                                                                                                         أستاذ الوثائق بكلية الآداب – جامعة القاهرة

    اقرأ أيضا:


    ليلى بهاء الدين تكتب: «كأني عدت إلى المنزل»

    د. سلمى مبارك تكتب: إنسان من الطراز النادر

    د. ياسر منجي يكتب: لأنه أبَى إلا أن يكون «عمادًا»

  • عماد أبو غازي يكتب: السينما في دراسات الوثائق والأرشيف

    عماد أبو غازي يكتب: السينما في دراسات الوثائق والأرشيف

    عرفت مصر السينما في فترة مبكرة جدًّا بعد ظهورها في العالم؛ فقد قام الأخوان لوميير الفرنسيان بأول عرض سينمائي عام لهما في ديسمبر 1895، وفي نوفمبر 1896 شهدت مدينة الإسكندرية أول عرض سينمائي، تلتها القاهرة ثم بورسعيد في 1898. ومن ثم بدأ إنشاء دور العرض السينمائي في عدة مدن في البلاد، فدخلت السينما كفن أجنبي وافد في البداية. كما قامت بعثتان للأخوين لوميير بتصوير أفلام في مصر في 1897 و1906.

    وقد شهد عام 1907 إنتاج أول فيلم سينمائي تسجيلي في مصر عن زيارة الخديوي للمعهد العلمي بمسجد المرسي أبو العباس بالإسكندرية، فدخلت مصر بذلك عصر صناعة السينما، على يد بعض الأجانب المقيمين في مصر. لكن الفترة ما بين 1912 و1927 شهدت دخول المصريين بقوة في عالم صناعة السينما، إنتاجًا وإخراجًا وتمثيلًا على يد بعض الهواة الذين أنتجوا أفلامًا تسجيلية قصيرة، ثم على يد الرائدين محمد كريم ومحمد بيومي، ثم عزيزة أمير. وتطورت صناعة السينما في مصر بسرعة مواكبة صناعة السينما في العالم، وبلغت أهمية هذه الصناعة الدرجة التي تشير معها بعض الدراسات إلى أن صناعة السينما احتلت المرتبة الثانية بعد صناعة الغزل والنسيج مباشرة في مرحلة مبكرة من تطورها.

    تطورت الصناعة في مصر من السينما الصامتة إلى السينما الناطقة ثم الفيلم الملون، وساهم في الصناعة عدد من الأجانب المقيمين في مصر. عَرفت مصر الفيلم الروائي القصير، والفيلم التسجيلي، أو الوثائقي، ثم الفيلم الروائي الطويل، كما عرفت الجريدة السينمائية المصورة، التي تعد مصدرًا مهمًّا لدراسة تاريخ مصر الحديث، وكانت جريدة “آمون” السينمائية أول جريدة سينمائية مصرية صامتة، بدأت في 1923، وكان الوفد المصري قد لجأ قبلها إلى شركة إيطالية لإنتاج أفلام وثائقية تسجل نشاط قادة الوفد، وتدعو للقضية المصرية، ثم ظهرت جريدة مصر السينمائية التي بدأت مع أستوديو مصر الذي أسسه طلعت حرب، ثم تولت الدولة إنتاجها في فترة لاحقة.

    ***

    إذن عرفت مصر منذ السنوات الأخيرة في القرن التاسع عشر السينما، وقد بدأت بالعروض، ثم إنتاج الأفلام. بدأ الإنتاج أجنبيًّا وسرعان ما تمصر، ودخلت الدولة فيه مع الستينيات. كما لعبت بعض الشركات الأجنبية دورًا في الإنتاج، وكانت هناك مشاركة كبيرة لأجانب مقيمين في هذه الصناعة. وشهدت مصر تجربة للقطاع التعاوني، كما ظهرت تجارب عدة للسينما المستقلة وللإنتاج المشترك الذي حصل على تمويل أجنبي.

    وفي 1960 دخلت مصر عصر التلفزيون بإنشاء التلفزيون العربي الذي بدأ في سنواته الأولى بقناتين أصبحتا ثلاث قنوات، ثم زاد عددها بشكل كبير في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وقد بدأ التلفزيون في مصر حكوميًّا تابعًا للدولة بالكامل، بل كان أحد أدواتها الأساسية في تشكيل الوعي والترويج للسياسات العامة لها، وقد ظل احتكار الدولة للبث التلفزيوني لسنوات طويلة، لكن مع اتساع نطاق ثورة المعلومات والاتصالات وظهور الفضائيات وأطباق الاستقبال، وافقت الدولة في مصر على السماح بإنشاء شبكات البث الإذاعي والتلفزيوني الخاصة وفق ضوابط محددة، وقد أضاف ظهور التلفزيون منذ مطلع الستينيات مادة فلمية غنية إلى جانب الأفلام السينمائية بأنواعها المختلفة.

    هناك كذلك مجال آخر استفاد من السينما؛ أعني: مجال التراث الثقافي بشقيه: التراث المادي الذي تخلف عن عصور الحضارة المصرية المختلفة، والفنون والحرف التراثية؛ فكلاهما استفاد من التطورات التي جاءت بها الثورات التقنية في القرنين الأخيرين، في مجال التوثيق والأرشفة. فقد استعانت مؤسسات حفظ التراث التابعة للدولة بالتقنيات التي ظهرت في القرنين الماضيين في إنتاج صور فوتوغرافية وتسجيلات صوتية ومواد فيلمية للمواد التراثية المختلفة، فخلف لنا هذا المجال مواد فيلمية أرشيفية احتفظت بها هذه المؤسسات.

    ***

    إننا إذن أمام إنتاج كبير من المواد الفيلمية ممتد لأكثر من مئة سنة، فهل نمتلك أرشيفنا القومي للمواد الفيلمية؟ وإذا كان هذا الكم الكبير من المواد الفيلمية المتنوعة ما بين المادة الوثائقية والأفلام التسجيلية وأعداد الجريدة السينمائية والأفلام الروائية، يشكل جزءًا من تراث مصر الفني، فمن المفترض أن يشكل مادة مصدرية غنية لدارسي تاريخ السينما في مصر، ومصدرًا للدراسات حول تاريخ مصر الحديث والمعاصر؛ لذلك فقد كان من المفترض أن نحافظ على هذا التراث السينمائي الثري ونحميه ونيسر إتاحته للباحثين، لكن واقع الحال خلاف ذلك.

    هناك إدارة تابعة لوزارة الثقافة تحمل اسم “الأرشيف القومي للسينما”، لكن هذا الأرشيف -إذا جاز لنا أن نسميه كذلك- تواجهه عقبات كثيرة بسبب المشكلات القانونية والإدارية والمالية، وأيضًا بسبب مشكلة غياب الوعي الأرشيفي والإدراك لأهمية وجود أرشيف قومي حقيقي للسينما، كذلك يمتلك التلفزيون المصري الحكومي مكتبةً للشرائط تضم موادَّ وثائقية شديدة الأهمية، لكنها لا تعكس التاريخ الحقيقي للتلفزيون المصري، فالكثير مما أنتجه التلفزيون منذ تأسيسه في 1960 لم يُحفَظ وأصبح تراثًا مفقودًا.

    نستطيع أن نقول: إننا نمتلك أرشيفًا قوميًّا للسينما على الورق، لكننا لا نمتلك على أرض الواقع مؤسسة أرشيفية تحفظ تراثنا السينمائي، لقد بدأ الاهتمام بإنشاء كيان مؤسسي لحفظ الإنتاج السينمائي عندما أسست “مصلحة الفنون السينماتيك المصرية” في 1956، وانتقلت بعد إلغاء مصلحة الفنون إلى مؤسسة دعم السينما عام 1964، وفي فبراير 1970 أصدر وزير الثقافة الدكتور ثروت عكاشة القرار الوزاري رقم 129 لسنة 1970 بإنشاء الأرشيف القومي للفيلم، وانضم الأرشيف إلى الاتحاد الدولي للأرشيفات السينمائية.

    ***

    ونظرًا لعدم الجدية في إيداع نسخ من الأفلام في الأرشيف صدر القانون رقم 35 لسنة 1975 ليلزم المنتجين والموزعين بإيداع نسخة 35 مم من كل شريط سينمائي من الإنتاج المصري أو المشترك لصالح الأرشيف القومي للفيلم. وعند إنشاء المركز القومي للسينما أصبح الأرشيف إدارة من إداراته، وألزم القرار الوزاري رقم 244 لسنة 1981 شركات الإنتاج بإيداع نسخة من أفلامها بالأرشيف، لكن الممارسة الفعلية لم تسفر عن تأسيس أرشيف حقيقي للسينما في مصر.

    تعاني مصر من مشكلات كبيرة فيما يتعلق بحفظ التراث السينمائي والمواد الفيلمية عمومًا، ليس أولها بيع أصول الأفلام السينمائية التي أنتجتها شركات الإنتاج الخاصة لجهات غير مصرية، فمنذ البداية لم يتم إعداد مكان ملائم لحفظ نسخ سالبة من الأفلام يحافَظ عليها من التلف، كما أن التزام المنتجين بإيداع نسخ من أفلامهم ضعيف، بل حتى مؤسسة السينما التابعة للدولة تقاعست في إيداع نسخ من الأفلام التي أنتجتها، والمحصلة أن الأرشيف لا يقوم بمهامه المنوطة به رغم مرور أكثر من خمسين عامًا على تأسيسه، وما يحتفظ به من أفلام أقل من نصف ما تم إنتاجه بالفعل، والكثير منها في حالة سيئة بسبب ظروف الحفظ غير الملائمة.

    ورغم أن هناك مطالبات متجددة من لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة منذ مطلع الألفية على الأقل لإنشاء أرشيف حقيقي للسينما ومتحف للسينما في مصر، ورغم صدور أكثر من قرار وزاري بتخصيص أماكن للمتحف والأرشيف والسينماتيك، ورغم مشروعات قدمها المسؤولون عن المركز القومي للسينما منذ 2009، ورغم الحصول على منحة تدريبية من فرنسا للتدريب على العمليات الفنية في أرشيفات السينما خلال 2011، فلم يحدث إلى الآن تقدم حقيقي في اتجاه إنشاء هذا الأرشيف.

    "غلاف

    المقررات الدراسية والدراسات الأكاديمية المرتبطة بأرشيفات المواد الفيلمية في مصر:

     انتقل الاهتمام بالوثائق وحفظها ودراستها إلينا في القرن التاسع عشر، تمثلت أول مظاهر الاهتمام في إنشاء الدفتر خانه العمومية سنة 1829 كأول مؤسسة أرشيفية حديثة في مصر، وفي النصف الثاني من القرن نفسه ظهرت أولى الدراسات الوثائقية أو المعتمدة على الوثائق، ثم بدأت الدراسة الأكاديمية لعلوم الوثائق في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي بتأسيس معهد الوثائق والمكتبات التابع لكلية الآداب بجامعة القاهرة، لكن الاهتمام بدراسة المواد الفيلمية كوثائق تأخر لسنوات تقارب ربع القرن.

    كانت البداية بإضافة مادة المصغرات الفيلمية في لائحة قسم المكتبات والوثائق اعتبارًا من سنة 1984، وكانت قاصرة على دراسة استخدام الميكروفيلم وغيره من أشكال المصغرات الفيلمية كوسيط تنقل عليه الوثائق التقليدية. وفي نفس اللائحة أصبح هناك مقرر دراسي لإدارة الأرشيفات المتخصصة، تغير اسمه من لائحة لأخرى، لكن محتواه ظل يدور حول دراسات الأرشيفات التي تحتفظ بوثائق ذات طبيعة غير تقليدية، ومن بينها أرشيفات المواد المسموعة والمرئية، ومنها بالطبع أرشيفات الأفلام بأنواعها. وتتركز الدراسة في هذا المقرر حول تعريف هذا النوع من الأرشيفات والعمليات الفنية التي تُجرَى فيها.

    ***

    لقد بدأت هذه المقررات الدراسية في برامج قسم المكتبات والوثائق بكلية الآداب بجامعة القاهرة، حيث كان القسم الوحيد على مستوى الجمهورية، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي توالى إنشاء أقسام المكتبات والوثائق والمعلومات في مختلف الجامعات المصرية، وتضمنت برامج الكثير منها مقررًا يدرس الأرشيفات المتخصصة، كما تتضمن برامج الدراسات العليا بشعبة الوثائق (الدبلومات والماجستير والدكتوراه) مواد دراسية ترتبط بدراسة الأرشيفات المتخصصة، وأرشيفات المواد المسموعة والمرئية.

    ويدرس المقرر -في آخر لائحة لشعبة الوثائق سيبدأ العمل بها اعتبارًا من العام الدراسي القادم 2024/2025 الموضوعات التالية: إدراك الفرق بين الأرشيفات المتخصصة والأرشيفات النوعية، وتطبيق العمليات الفنية المختلفة داخل الأرشيفات المتخصصة والنوعية بأنواعها المختلفة، والمقارنة بين أهم الخدمات المقدمة داخل تلك الأرشيفات، والتعرف على الجوانب القانونية المتعلقة بالإتاحة والاطلاع داخل الأرشيفات المتخصصة والنوعية، مع التركيز على دور التجارب الوطنية والدولية في مجال الأرشيفات المتخصصة والنوعية.

    وأضيف إلى المقررات الدراسية بالقسم مقرر فن السينما، وهذا المقرر واحد من مقررات الفنون والحضارة التي أقرها المجلس الأعلى للجامعات للاختيار من بينها، ويتضمن هذا المقرر التعريف بتاريخ السينما، ومفهوم السينما وأهميتها وأثرها على الفرد والمجتمع، ومراحل صناعة السينما، وعناصر تشكيل السينما، والسينما العربية وبخاصة المصرية، والمصطلحات السينمائية.

    ***

    وأنشَأَ قسم الوثائق والمكتبات وتقنية المعلومات بكلية الآداب بجامعة القاهرة منذ 2018 برنامجًا بينيًّا من ضمن برامج الدراسات العليا التي يقدمها يختص بتوثيق المواد التراثية، ومن ضمن مقرراته الدراسية مقرر يحمل عنوان أرشيفات المواد السمعية البصرية. ويهدف إلى أن يمتلك الدارس القدرة على التعامل مع المواد المسموعة والمرئية وحفظها وأرشفتها بشكل سليم، والتعامل مع البرامج المختلفة التي تساعد على رقمنتها وترميمها بشكل آلي، كما يتمكن من التعرف على تاريخ وطبيعة المواد الأرشيفية السمعية والبصرية، واكتساب المهارات التي يتم من خلالها متابعة أنشطة إدارة الأرشيفات السمعية البصرية.

    وتتناول محتويات المقرر عدة موضوعات، مثل: ظهور المواد السمعية والمواد البصرية، وتطورها كوسائط لنقل المعرفة والإبداع وحفظ التراث، ومفهوم الأرشيف السمعي البصري، وأنواع المواد السمعية والبصرية، أساليب حفظها وأرشفتها، الضوابط القانونية لإدارة أرشيفات المواد السمعية والبصرية، ومعايير عملها، والتحديات التي تواجه عملها، وإستراتيجيات مواجهتها، كما يتعرف على الأرشيفات السمعية البصرية على النطاق العالمي، ووضع الأرشيفات السمعية البصرية في مصر، وتتناول الدراسة أيضًا رقمنة الأرشيف السمع بصري.

    كذلك بدأ التفكير في استخدام المواد الفيلمية في التدريس، ففي إطار برنامج الماجستير بجامعة ليدز في المملكة المتحدة قدم باحث مصري التطبيق الأول لاستخدام الفيلم كوسيلة للتدريس في مقررات المكتبات عام 1987. كما بدأ الاهتمام بتسجيل رسائل للماجستير والدكتوراه تتناول المواد الفيلمية من مداخل مختلفة، كانت الدراسة الرائدة في هذا المجال، رسالة دكتوراه في شعبة المكتبات، تناولت مكتبة الشرائط بالتلفزيون المصري نوقشت في عام 1993، وتوالى بعد ذلك تسجيل الرسائل التي تتناول السينما من زوايا مختلفة، كما صدرت على مدار السنوات الثلاثين الماضية أبحاث أكاديمية تناولت موضوع أرشيفات المواد الفيلمية، كذلك بدأ الاهتمام في أقسام التاريخ بدراسات تعتمد على الفيلم السينمائي كمصدر للتاريخ.

    الثورة الرقمية ومستقبل أرشيفات المواد الفيلمية:

    يعيش العالم لحظة فارقة يعاد فيها تشكيل ملامح الحياة على كوكبنا، واللحظة ليست وليدة اليوم، بل حالة تحول وحراك ممتد لأكثر من خمسين عامًا؛ فقد دخل عالمنا منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي ما يمكن أن نسميه ثورة الاتصالات والمعلومات، التي قامت لبناتها الأولى على منجز المراحل الأخيرة من الثورة الصناعية.

    لقد شهدنا في العقود الخمسة الماضية تحولات فارقة في مسيرة البشرية، وشهد العقد الأخير من القرن الماضي تطورًا هائلًا في مجال المعرفة ووسائل اكتسابها بفضل إنجازات ثورة المعلومات المستندة إلى مـا تحقق من تقدم هائل في الاتصالات، والانتقال إلى حضارة الموجة الثالثة، ثم التحول بسرعة لما نسميه عصر مجتمع المعرفة.

    في ظل هذا التحول يأخذ دور الأرشيفات بشكل عام أبعادًا جديدة، فالأرشيفات بأنواعها المختلفة -بما فيها أرشيفات المواد الفيلمية- تعتبر مصدرًا من مصادر المعرفة، التي هي أساس القوة في العصر الراهن، لقد بات جوهر التنمية الإنسانية مرتبطًا بعملية توسيع الخيارات أمام الناس، الأمر الذي يعني إتاحة أكبر قدر من المعلومات أمامهم، ويشكل الأرشيف كمصدر من مصادر المعلومات الأساسية في المجتمع، نقطة من نقاط الارتكاز في هذه العملية، ففي العصر الجديد أصبحت التحولات على الصعيد الثقافي والمعرفي حاسمة في إنجاز التطور المنشود، فالمعرفة هي كلمة سر العصر الجديد، وقد باتت منتجًا إستراتيجيًّا في هذا العصر.

    ***

    لقد أضحى اقتحام مجتمع المعرفة والدخول إليه بقوة وجسارة ضرورة لازمة لتحقيق التنمية البشرية الشاملة والمستدامة، وكما ورد في تقرير التنمية الإنسانية العربية الأول الصادر في 2002، فإن فجوة المعرفة أصبحت تُعَد المحدِّد الرئيس لمقدرات الدول في عالم اليوم، بعد أن كانت فجوة الدخل هي التي تحدد قدرات الدول.

    وكما أكدت التقارير الخاصة بالمعلومات في العالم منذ مطلع الألفية، فإن الثقافة باتت تشكل روح التنمية، كما يشكل الإنتاج الثقافي للمجتمع وصناعاته الثقافية دعامة أساسية من الدعامات التي يقوم عليها مجتمع المعرفة، ويشكل توافر الإطار المؤسسي الملائم عنصرًا مهمًّا في عملية اكتساب المعرفة، كما يشكل توافر المعلومات وتدفقها عنصرًا أساسيًّا في هذه العملية.

    يضعنا العصر الجديد أمام إمكانيات واسعة غير مسبوقة في إنتاج المعرفة والوصول إليها، بما في ذلك إنتاج المواد الفيلمية بالطبع، وكذلك في قدرات العمل الأرشيفي. لكنه في الوقت ذاته يضع أمامنا تحديات كبيرة فيما يتعلق بمستقبل أرشيفات السينما، ومستقبل المادة الفيلمية عمومًا، وفي مجتمعنا الذي يعاني من مشكلات عميقة في أرشيفه القومي للفيلم، وفي مكتبة الشرائط في التلفزيون، بل في عمل الأرشيف بشكل عام تصبح التحديات أمامنا أكبر وأعمق.

    ***

    لقد انعكس التطور في مجال الاتصالات والبرمجيات بشكل واضح على واقع الثقافة بشكل عام في مختلف المجتمعات الإنسانية، وعلى عمليات الإنتاج الثقافي -بما في ذلك الإنتاج السينمائي- بصورة تجعل الاحتمالات المستقبلية الـواردة فيما يخص الأوضاع الثقافية مفتوحة.

    يتيح العصر الجديد أمامنا إمكانيات كبيرة؛ فيفرض العصر الرقمي قيمًا جديدة مرتبطة بالتحولات التي تفرضها البيئة الرقمية على حياة الناس، كذلك فإن للثورة الرقمية تأثيرها على اقتصاديات الصناعات الثقافية بما في ذلك صناعة السينما. لقد ظهر مفهـوم الصناعات الثقافية مع الثورة الصناعية، لكن الآن مع الثورة الرقمية وما يصاحبها من تطورات شهدت الصناعات الثقافية تحولات في شكل المنتج الثقافي ومحتواه.

    فقد انعكس هذا التطور على عمليات الإنتاج الثقافي في أكثر من اتجـاه، حيث دفعت الثورة الرقمية بالصناعات الثقافية إلى الأمام بقوة بما قدمته من إمكانيات كبيرة في إنتاج الثقافة ونشرها، مما أدى إلى ظهور مفـاهيم جديدة للإنتاج الثقافي مغايرة لتلك المفاهيم التي سادت منذ عصر الثورة الصناعية، حيث يؤدي التطور في تقنيات المعلومات والاتصالات إلى طمس الحدود بين المنتج المعلوماتي والمنتج الثقافي، وإلى تداخلهمـا مع المنتج الترفيهي. فأساليب الإنتاج وهياكله وعمليات التوزيع وظروف استخدام المستهلك للسلعة في الحالات الثلاث تكاد تكون متطابقة الآن.

    ***

    تتيح الثورة الرقمية إمكانات جديدة في إنتاج الثقافة وتلقيها، ليس فقط على مستوى الدول والمجتمعات، بل حتى على المستوى الفردي، فكثيرًا ممـا كان يعد صناعـات ثقافية أصبح من الممكن إنتاجه بتكلفة محدودة، وتوزيعه بشكل واسع النطـاق، بالاستعانة بالتقنيات الحديثة للحاسبات الآلية في الاتصالات ونقل المعـلومات عبر الإنترنت.

    فقد بات متاحًـا لنا أن نستخدم التقنيات الرقمية الحديثة في إنتاج الأفلام بتكلفة زهيدة نسبيًّا وبإمكانيات محدودة، وأصبح من الممكن -على سبيل المثال- أن ينتج المبدع عمله اليوم دون حاجة إلى منتج وموزعين، حيث يصوره بالكاميرات الرقمية، ثم يوزعه إلكترونيًّا ويتواصل مع منصات العرض، كما يحصل على العائد مباشرة كـذلك من خلال بطاقات الائتمان ووسائل الدفع الإلكتروني، أو على عوائد الإعلانات على المنصات المختلفة، وهذا يؤدي في المحصلة النهائية إلى منتج ثقـافي أقل سعرًا وأكثر انتشارًا.

    ومن هنا تغيرت تمامًا اقتصاديات الإنتاج الثقافي فضلًا عن إمكانية التفاعـل المباشر بين المبدع والمتلقي، لكن من الآثار السلبية للإمكانيات التي تتيحها الثورة الرقمية: أنها فتحت أبوابًا واسعة لانتهاك حقوق الملكية الفكرية، وقرصنة الأعمال السينمائية، بما يترتب على ذلك من نتائج مدمرة لاقتصاديات الصناعة.

    لكن ما تأثير ذلك كله على مجال الأرشيف؟

    المشكلة الأولى التي تواجهنا: هي حفظ التراث السينمائي الرقمي، فإذا كان العصر الرقمي يتيح لنا إمكانيات رقمنة التراث وإتاحته عن بعد بما يحقق الحفاظ عليه ماديًّا وتوسيع دوائر المستفيدين، فمن ناحية أخرى فإن العصر الرقمي يفرض علينا تحديات جديدة. فما مصير المنتج الثقافي الرقمي الذي سوف يصبح تراثًا بعد سنوات قليلة، إذا كنا لم ننجح إلى الآن في جمع التراث السينمائي التقليدي والحفاظ عليه، رغم أن جهات إنتاجه معلومة لنا، فما بالنا بهذا الكم الهائل من المواد الفيلمية الرقمية؟

    المشكلة الثانية: تتعلق بالتطور السريع في البرمجيات والوسائط الحاملة للمادة الفيلمية، لقد ظهرت منذ منتصف الستينيات إشكالية إطالة عمر محتوى الوسائط الإلكترونية مع البدايات الأولى لاستخدامها، والانتباه إلى أن التطورات المتلاحقة في البرمجيات وفي الوسائط تؤدي إلى فِقدان المحتوى، ومن هنا فلا بد من العمل على إطالة عمر المحتوى بنقله من وسيط إلى وسيط أحدث، وبتمكين البرامج الأحداث من قراءة المحتوى الذي استخدمت فيه البرامج الأقدم.

    المشكلة الثالثة: أن إنتاج المادة الفيلمية الرقمية أصبح متاحًا بسهولة للكافة، فلدينا طوفان من المواد الفيلمية الرقمية، وأصبح في قدرة كل واحد منا أن يكون موثقًا باستخدام كاميرا الموبايل، ورغم ما يضيفه ذلك من قوة للأفراد فإنه يضع مصداقية المادة المنشورة على المِحَك، فالعالم الرقمي مفتوح أمام الجميع بلا قيود.

    ***

    ومِن ثَم علينا إذًا أن نضع القواعد للتحقق من صحة المادة الفيلمية الوثائقية، مما أدى إلى ضرورة التوسع في مجالات دراسات الوثائق الفيلمية، وأضاف لها أبعادًا جديدة؛ منها: التعامل مع المادة الفيلمية الرقمية كما نتعامل مع الوثائق النصية الرقمية، من حيث نقدها وتحليلها؛ من أجل التأكد من صحة محتواها. ولا شك في أن المستقبل يحمل في طياته مشكلات أكبر مع التطور في مجال الذكاء الاصطناعي، مما يزيد من عبء التحقق من الصحة في الوثائق الفيلمية.

    خلاصة القول: رغم أن مصر عرفت العروض السينمائية بعد شهور قليلة من أول عرض سينمائي في باريس، ورغم أن مصر عرفت صناعة السينما منذ العقد الأول من القرن العشرين، وتطور فيها فن السينما واستقر منذ عشرينيات القرن الماضي، ورغم أن الخمسينيات شهدت إنشاء السينما تيك، والستينيات شهدت تأسيس أرشيف الفيلم، ورغم أن الدراسات الأكاديمية لأرشيفات المواد الفيلمية بدأت في ثمانينيات القرن العشرين، فالمسافة بين الواقع والمستهدف ما زالت بعيدة للغاية.

    مقاطع من دراسة طويلة للدكتور عماد أبو غازي عن «السينما والأرشيف» منشورة في كتاب «مرايا السينما» – بإذن خاص من دار المرايا.

    اقرأ أيضا:


    ليلى بهاء الدين تكتب: «كأني عدت إلى المنزل»

    ماجد نادر يكتب: «وزير هيمثل معاك؟!»

    د. محمد عفيفي يكتب: «عماد أبو غازي» مؤرخًا

    بسمة عبد العزيز تكتب: في مَحبة الحضور الهادئ الطاغي

    د. سلمى مبارك تكتب: إنسان من الطراز النادر

    د. أنور مغيث: مع «عماد»

    د. ياسر منجي يكتب: لأنه أبَى إلا أن يكون «عمادًا»

    كريم زيدان يكتب: المحب لما يعمل.. المخلص لما يعتقد

    وليد غالي يكتب: «النبيل»

باب مصر