Subscribe to Updates
Get the latest creative news from FooBar about art, design and business.
الكاتب: . .
في عام 1971 ترك صنع الله إبراهيم برلين حيث كان يعمل صحفيا إلى موسكو في منحة لدراسة السينما. وسجل صنع الله تفاصيل هذه السنوات في روايته «الجليد». في موسكو تزامل صنع الله مع المخرج السوري محمد ملص، حيث سكنا سويا في العرفة 403 في بيت طلبة معهد السينما بموسكو، وقد كتب صنع الله أول أفلام ملص عن تجربة السجن، وشارك في التمثيل أيضا، وهو الفيلم الذي كان مشروع تخرج كليهما. سجل ملص يومياته في موسكو، ونشرها في كتاب «مذاق البلح» ليقدم فيها بورتريها عذبا لصاحب «تلك الرائحة»، بوتريه لروائى خاص، حيث جاء صنع الله إلى موسكو ليكتب، يكتب فقط كان…
على الرغم من أن الظروف لم تتح لي أن أقترب من صنع الله إبراهيم كثيرا، ولم نكن أصدقاء في الحقيقة، إلا أنني كنت أكن له محبة خاصة، ليس فقط بوصفه كاتبا، بل وعلى المستوى الإنساني أيضا، بسبب اختياراته ومواقفه المستقيمة الحادة على الدوام وفي كل الظروف، حتى لو اختلفت معه. مثلا يمكن القول باطمئنان شديد إن روايته “تلك الرائحة”، التي كتبها قبل ما يزيد على نصف القرن، تعد نقلة كيفية للرواية العربية من دون أي مبالغة. هي انجاز الباهر لجيل الستينات، حيث أسقطت الرواية السائدة من عليائها، وقدمت بلاغة مغايرة وجرأة غير مسبوقة، سواء على مستوى اللغة الحادة العارية الخالية…
يحكى صنع الله إبراهيم في واحدة من طبعات تلك الرائحة عن لحظة خروجه من المعتقل التي تزامنت مع انشغاله بالعثور على صيغة ما ملائمة للكتابة، وقادرة على احتواء هواجسه وأفكاره ومشاعره تجاه نفسه والعالم. كان قد بدأ وهو سجين كتابة بعض القصص القصيرة عن طفولته. وبعد خروجه من السجن، بدأ يسجل يومياته، لتكون مادة لكتابة قادمة، ربما، أو لتسجيلها خشية التبدد، في سياق خروجه من المعتقل واضطراب حياته. لكنه مصادفة عرضها على يوسف إدريس، الذي كان يختار قصصًا لكتاب جدد، ويقوم بتقديمها في مجلة الكاتب. وبحدس الكاتب القلق تجاه الأشكال المستقرة من السرد، أدرك إدريس أنه أمام “عمل فني”، لا…
لما غضب مني محمود الورداني، الروائي الهادئ مثل بحيرة، لم أسترح قبل استرضائه ونوال عفوه، لأنني اكتشفت أن الذين أحبهم منذورون للطفولة، وبسبب الخوف منهم والخوف من الحرية، أحسست أن قلبي ينفرط أمامي مثل الشارع الجديد، وفي أثناء اجتيازي هذا الشارع، رأيت أبي ورأيت أمي في لباسين بلون واحد، ورأيت المازني يمشي بمفرده، وأدونيس وأنسي الحاج يطردان معًا الآلهة من الجنة، ورأيت سعدي يوسف يحشو جيوبه بقصائده العالقة في حجارة البصرة ليقذف بها الأنظمة كلها، ورأيت الشيوعي المصري أحمد القصير يهتف ضدي وضد الورداني وضد صنع الله إبراهيم، آنذاك ظهر صنع الله ثم سمعت صوتا يهتف بي: إياك أن تخونه…
ليس من السهل أن يتحدث الكاتب عن تجربته، فهو عندما يفعل، يكون كمن يشق طريقه وسط غابة من الأغصان المتشابكة، يحتاج تخليصها من بعضها بعضاً إلى جهد وبراعة، فضلا عن تعيين نقط البدء. وربما كانت العوامل الخارجية المؤثرة في مسيرة الكاتب، خير مدخل لهذا الحديث. فهي أقل استعصاء، فضلاً عن أنها عادة ما تكون مشتركة بين عدد من الكتاب، بل جيل منهم بأكمله. فلم أكن أنا وحدي الذي تفتح وعيه على غليان بداية الخمسينات، وشهد مولد التيار الواقعي الجديد في الشعر والقصة والرسم والنحت والموسيقى. ها هي برجوازية جديدة فتية تستولي على السلطة بواسطة الجيش، وتشتبك في صراع ضار مع…
لقد حاولت بكل جهدي أن أتجنب الحديث في هذا الموضوع، لسبب بسيط، هو إيماني بأن روايتين أو ثلاثاً لا تصنع كاتبا، ولا يمكن الحديث عن التجربة الروائية إلا من خلال كم من الأعمال. لكن كان من الضروري أن أشارك في هذا الملتقى الهام، ولما كنت قد ابتعدت قاصدا عن النشاط النظري والنقدي، فلم يعد أمامي، إلا الخوض مرغما في هذا الحديث. وليس هنا، على ما أعتقد، مجال لتناول الظروف والعوامل التي دفعتني إلى كتابة الرواية، وهو على أي حال موضوع طرق كثيرا في أطره العامة المتماثلة من جانب عدد كبير من الكتاب الكبار في مختلف أنحاء العالم، بحيث يصعب على…
كنت أستمع لمحاضرة بالإنجليزية للباحثة الألمانية أنجيليكا نويفيرت، وقدمتها في مركز الدراسات الإسماعيلية بجامعة آغا خان بلندن هذا العام، عن الدرس الأدبي للقرآن، وأفكر في حالة عدم الاهتمام بمدرسة الشيخ أمين الخولي بجامعة فؤاد الأول في دراسة الموضوع، وفي كل المحاضرات التي سمعتها لها عن الدرس الأدبي لا تشير لهذه الجهود. وفي موضع من مواضع المحاضرة، ذكرت اسم نصر حامد أبوزيد، منطوقا بكيفية نطقة في اللهجة المصرية، وليس منطوقا بكيفية نطق اللغة الفصحى. أبوزيد، الذي أعده آخر حلقة من حلقات مدرسة الخولي للدرس الأدبي للقرآن الكريم، المدرسة التي تم محاربتها في أربعينات القرن العشرين، وتم القضاء على جهودها في قسم…
التاسع من مايو، يوم ميلاد «جيمي»… ثمانون عامًا على ميلاد الشاب صاحب الألف عام. وكأنه أبى أن يأتي إلى الدنيا في تاريخ عادي، فتزامن تاريخ ميلاده مع لحظة انتهاء الحرب العالمية الثانية، ليظل علامة حاضرة كاشفة عن ميلاد ذلك الشاب غير العادي. قطعا، كل أب هو استثنائي في أعين امتداده من الأبناء، لكن الغيطاني.. جيمي، كان استثناء الاستثناء. مشاعر متضاربة انتابتني قبل كتابة هذه السطور: من ناحية، شعور عميق بالرغبة في استحضار السيرة، ربما تتاح لي فرصة لقائه في الخيال.. ومن جانب آخر، خوف من شعور الفقد غير القابل للجبر، فقد مضت عشر سنوات منذ الاحتفال بعيد ميلاده السبعين في…
أسرتني لسنوات طويلة «دفاتر التدوين» لجمال الغيطاني. بدأت قراءتها، وقراءته، بعد أيام قليلة من يوم بلوغي الثلاثين، فأثارت في نفسي الكثير من الأسئلة والتداعيات. بدأت وقتها بقراءة “دفتر التدوين الخامس”، وراوغتني الأسئلة، هزمت كل ما أتصوره يقينا، العنوان بليغ: ” نثار المحو”. حين تنظر ورائك في سنواتك التي هربت: “المحو”، وما تبقى في ذاكرتك هو مجرد “نثارا”: نثار ذكريات، أشخاص، أماكن، مواقف، مشاعر، وجوه ألوان… أهذا هو كل ما يبقى؟ ما يكتبه الغيطاني في دفاتر تدوينه- وهو إمتاع خالص- لا يدفعك فقط إلى التفكير أو التساؤل، بل أيضاً إلى أن تنظر لحياتك بطريقة مغايرة: أن تفكر أن كل يوم من…
«أن يتشارك الجميع في نشر الثقافة والفنون».. أمرا ليس بالسهل أو العادي، لكن بمجرد النظر، تجد بالفعل أن جميع أهالي قرية «دوامة» التابعة لمركز فاقوس في محافظة الشرقية، يتشاركون على اختلاف أعمارهم في تنظيم «ملتقى دوامة للفنون» في دورته الثانية. من مدخل القرية وحتى خيمة الملتقى، أو «الشادر» كما يطلق عليه البعض، ترى أهلها سعداء جدا وهم يستقبلون ضيوفهم- حسب ما يرددون دوما- وبيوتهم مفتوحة أمام زوار الملتقى، كما يشارك أطفالهم في تنظيم الفعاليات. ملتقى دوامة للفنون هيثم عبد ربه السيد، مدرس اللغة الإنجليزية – أو “مستر هيثم” كما يلقبه أطفال القرية – هو أيضا كاتب للأطفال وحكاء، وصاحب مبادرة…
