باب مصر

الوسم: مصر

  • «يونس الدوادار».. قبة قاهرية وذكرى غزاوية

    «يونس الدوادار».. قبة قاهرية وذكرى غزاوية

    بعض الأماكن تحمل ذكرى أصحابها، وأحيانا تحكي قصة مكان وما يحمله من ذكريات البشر والحجر. لكن هناك أماكن تحكي ما هو أكثر، تلخص قصة شعب وحكاية أمة، وتنسج بخيوط ذهبية نسيج لا ينقطع بين مكانين بصورة تغنيك عن كثرة الكلام. ومن هذه الأماكن تلك الخاصة بالأمير المملوكي يونس الدوادار، الذي كتب بمنشآته قصة تربط بين القاهرة وقطاع غزة، مدينة العرب الكبرى وشقيقتها الصغرى. فعندما تسمع أخبار العدوان الوحشي على القطاع الآن، سيمر على مسامعك اسم مدينة خان يونس. وفي القاهرة الباكية على ما يجري في الفلسطينيين، تجد قبة يونس بالقرب من قلعة صلاح الدين محرر القدس، فهنا حكاية أولها القاهرة وآخرها غزة.

    كانت مصر والشام دولة واحدة في عصر سلاطين المماليك، وقت الانتصارات الكبرى على الصليبيين والمغول وردهم بعيدا عن بلاد الشام وتطهيرها من الحركة الاستيطانية التي ألقت بها دول أوروبا على سواحل المسلمين، وكانت فلسطين وغزة في قلب هذه المعمعة. لذا أصبحت حمايتها من الأهمية بمكان، كونها نقطة الدفاع الأخيرة عن الأراضي المصرية، ونقطة تجمع الجيوش المصرية النهائية قبل الانطلاق لحماية أرض الشام من أي عدوان صليبي كان أو مغولي. لم يكن غريبا أن تلقى غزة وما يجاورها اهتماما خاصا من السلطة المركزية في القاهرة التي حولتها إلى نيابة أي إقليم إداري قائم بذاته. وتوالت المنشآت المملوكية تعمر في المنطقة الإستراتيجية الرابطة بين مصر والشام، وكان من نتيجة هذه الحركة أن ظهرت مدينة خان يونس.

    ***

    تعود خان يونس بذكرى تأسيسها إلى الأمير المملوكي يونس النوروزي الدوادار، الذي توفي في سنة 791هـ/ 1389م. وكان أحد أهم أمراء دولة السلطان الظاهر برقوق. إذ عينه الأخير في منصب الدوادار الكبير، وتعني بحسب الترجمة الحرفية حامل الدواة. وهي وظيفة تضمن لصاحبها القرب الشديد من السلطان، والقيام عنه بعدة وظائف إدارية متشعبة. سواء الإشراف على الرسائل والفرمانات السلطانية، والخروج على رأس الجيوش المملوكية، والإشراف على الأوقاف والأحباس. وهي مهام ضمنت لصاحبها مكانة كبيرة خصوصا في عصر المماليك الجراكسة.

    وعرف يونس الدوادار بأعمال الخير، إذ يقول عنه المقريزي، مؤرخ القاهرة، في كتابه (السلوك لمعرفة دول الملوك) بأنه كان “كثير المعروف، صاحب نسك من صوم كثير وصلاة في الليل، مع وفور الحرمة، وقوة المهابة، والإعراض عن سائر الهزل، ومحبة أهل العلم والدين وإكرامهم”. واستغل الأمير يونس النوروزي ما تغله عليه مهام منصبه من عوائد ضخمة في إقامة منشآت ذات صبغة تجارية ودينية. فجاءت منشطة للحياة العمرانية في مصر والشام، ويعدد المقريزي، منشآت يونس الدوادار: “وله بالقاهرة قيسارية وربع، وله تربة بقبة النصر، وتربة خارج باب الوزير، ومدرسة خارج دمشق، وخانا جليلا خارج غزة، وعدة أحواض سبيل بديار مصر والشام”.

    قبة يونس الدوادار
    قبة يونس الدوادار

    ورغم أن تربة يونس الدوادار في صحراء المماليك وتربته الأخرى في باب الوزير لا تزال كل منها قائمة حتى يوم الناس هذا. وتحمل ذكرى هذا الأمير المملوكي وتحافظ عليها في ذاكرة القاهرة التاريخية، إلا أنه لم يدفن في أي من التربتين. إذ قتل في إحدى المعارك بين فرق المماليك المتناحرة على السلطة في بلاد الشام، ولم يستدل على قبره، وإن قيل إن رأسه المقطوع دفن في مدرسته بدمشق. ويقال إنه قال عندما قدم للقتل، “الحمد لله عشنا سعداء ومتنا شهداء”. ويعلق ابن حجر العسقلاني على هذا المصير قائلا: “وكان قد بنى تربة معظمة بمصر وأخرى بالشام، فلم يقدر دفنه في واحدة منهما”.

    ***

    لكن رغم أن جسد يونس الدوادار ضاع أثره، ورأسه لا يُعلم موقعه على وجه الدقة. إلا أن التاريخ كان أكثر عطفا على يونس الدوادار. فحفظ له ذكرى لا تزال تعيش في القاهرة وقطاع غزة على حد سواء. فلا تزال بقايا قبته والخانقاه التي بناها في صحراء المماليك قائمة حتى يومنا هذا. كما تثير قبة تربته في باب الوداع الإعجاب إذ تعود إلى طراز القباب السمرقندية القليل الوجود في القاهرة. ويوجد بقاعدة هذه القبة كتابة تاريخية تحمل النص التالي: “أمر بإنشاء هذه التربة المباركة من فضل الله تعالى وجزيل عطائه المقر العالي الأمير الكبيري الأجلي المحترمي المخدومي الشرفي يونس النيروزي الدوادار الملكي الظاهري”.

    أما أهم ما حفظ لنا ذكرى الأمير يونس، فهو الخان الذي بناه في نيابة غزة في عام 789هـ/ 1387م. لاستقبال المسافرين وضيافتهم. مستغلا الموقع كمحطة للقوافل التجارية بين مصر والشام. وكجزء من خطة الدولة المملوكية لتعمير هذه المنطقة الإستراتيجية والتي تقع في نقطة تقاطع العديد من الطرق التجارية والحربية. لذا مارس خان يونس دوره بكفاءة في خدمة الحجاج والمسافرين والتجار وطلبة العلم. كذلك لعب الخان دورا كمحطة بريد بين مصر والشام. ولاشك أن نجاح الخان في لعب هذه الأدوار ساعد في ميلاد حركة عمرانية من حوله. إذ تجمع الناس وبدأوا في السكنى بجواره ومع الوقت ظهرت إلى الوجود مدينة خان يونس.

    قلعة يونس
    قلعة يونس

    ويصف سليم عرفات المبيض في كتابه عن غزة، خان يونس قائلا: “زود هذا الخان الذي اتخذ شكل المربع (طول ضلعه 85.5 متر)، بأبراج في أركانه الأربعة، ومسجد بمئذنة مازالت بعض بقاياها ماثلة لليوم. وكان يضم عدة قباء بعضها يشتمل على غرفة، والآخر على غرفتين أو ثلاثة وفناء صغير لكل قبو… ولهذا الخان باب رئيسي مازال حتى اليوم، يتوسط الجدار الوحيد الأمام فقط”. ويرجح المبيض أن يكون بناء خان يونس تالي لبناء أقدم يعود إلى عصر السلطان الظاهر بيبرس. لوجود شعار الأسدين المتواجهين على أحد أقواس باب الخان، وهو شعار شهير للظاهر.

    ***

    وهناك العديد من الكتابات التاريخية على الخان ترجعه إلى يونس الدوادار. منها: “أوقفه المقر الشريف العالي المولوي الأميري الزعيمي المثاغري الشرفي ظهير الملوك والسلاطين والفقراء والمساكين. أمير المؤمنين التقي يونس النوروزي الدوادار لمولانا السلطان الملك الظاهر أعز الله تعالى أنصاره وضاعف جزاءه”. ولوجود اسم السلطان الظاهر برقوق على النص التأسيسي للخان الذي بني في عصره وعلى يد أحد كبار رجال دولته. عرف المكان في العصور التالية باسم (قلعة برقوق).

    ونتيجة حالة الرواج التجاري المصاحب لعصر سلاطين المماليك. تحول الخان إلى نقطة جذب واستقطاب لأهالي القرى المحيطة به، التي قررت الاستقرار بجواره. خصوصا مع توفير الخان فرصة للتجار والربح للأهالي بتقديم الطعام ومنتجاتهم لمن يتردد عليه من المسافرين. لذا نمت المنطقة سريعا وتحولت إلى مدينة قائمة بذاتها. بل أن نمو مدينة خان يونس أثر سلبا على مدينتي رفح ودير البلح القريبتين. إذ أصبحت خان يونس المركز الرئيسي لمنطقة جنوب غزة، ومركز النشاط التجاري في المساحة التي تشغل حاليا جنوبي قطاع غزة.

    قلعة خان يونس
    قلعة خان يونس

    ودخلت خان يونس التاريخ مرة أخرى في العصر الحديث، كشاهد أمين على مذابح العصابات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني. إذ ارتكب جيش الاحتلال مجزرة وحشية في مخيم خان يونس. خلال يومي 3 و12 نوفمبر 1956، لتصل الحصيلة النهائية لأكثر من 500 فلسطيني. لتكون مدينة خان يونس بتاريخها الذي يتجاوز 600 عام شاهدا على واقع شعوب المنطقة. فعندما كانت كلمتهم واحدة والوحدة شعارهم كان الازدهار وطرد الاستيطان الأوروبي وميلاد خان يونس. ولما تفرقوا أيدي سبأ، عاد الاستيطان مجددا في صورة عصابات الصهيونية. وكانت المذابح في حق خان يونس وأهلها أمس، والقصف الجوي الوحشي ضدها اليوم.

    اقرأ أيضا:

    غزة.. مدينة فلسطينية بروح مصرية

  • د.عاصم الدسوقي: الغرب خضعوا للعاطفة اليهودية.. وعلى العرب استخدام القوة| حوار

    د.عاصم الدسوقي: الغرب خضعوا للعاطفة اليهودية.. وعلى العرب استخدام القوة| حوار

    كشفت عمليات الإبادة الجماعية التي يقوم بها جيش الاحتلال الإسرائيلي بقطاع غزة، عن عجز المؤسسات العربية في فرض روايتها على المجتمع الدولي رغم الحقيقة التاريخية بأن فلسطين أرض عربية. في المقابل أظهرت الحرب نوايا إسرائيل في تصفية القضية الفلسطينية إما بالنزوح أو التطهير العرقي والإبادة.

    الدكتور عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، أحد من كتبوا وحللوا الصراع العربي الإسرائيلي. حيث رصد عبّر العديد من مؤلفاته ومنها: «الصهيونية والقضية الفلسطينية في الكونجرس الأمريكي 1943- 1945» محاولات الغرب وكذلك الصهيونية لتوطين اليهود داخل فلسطين، وإصرارهم على تفريغ الأرض من أصحابها.. «باب مصر» أجرى معه الحوار التالي لمعرفة رأيه كمؤرخ في الحرب الأخيرة التي يتوقع الكثير أنها ستغير من طبيعة الصراع.

    كمؤرخ كيف تنظر حاليًا للصراع داخل فلسطين.. هل تتوقع أن ينتهي قريبًا؟

    لا.. هذا الصراع القائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين سيظل قائمًا ولن ينتهي قريبًا. لأن الفكر اليهودي ثابت لا يتغير، فالوسائل هي عادةً التي تتغير، لأنهم لا يتخلون أبدًا عن فكرة الدولة اليهودية وتحديدًا منذ أن كتب تيودور هيرتزل كتابه «الدولة اليهودية» سنة 1896. فوسائلهم والألفاظ التي يستخدمونها والمصطلحات هي فقط التي تتغير. فمثلًا مصطلح «التطبيع» جرى الترويج له باعتبار أننا أولاد دين واحد؛ أي أبناء إبراهيم. فالهدف من إطلاق هذه المصطلحات هو السيطرة على الناس ثقافيًا في المقام الأول.

    الصراع الأخير كشف قدرة الاحتلال على توظيف الإعلام العالمي لصالحه.. كيف لعبت إسرائيل هذا الدور طوال تاريخهم من خلال نقل السردية اليهودية؟

    اليهود للأسف مستمرون بنفس منهجهم في السيطرة على وسائل الإعلام العالمية. وهنا يجب أن نعرف أن هناك هدف ثابت ووسائل متغيرة. فالغرب ينظر للمواطن الشرقي أو العربي باعتباره مواطن بسيط؛ أي يمكن استمالته عاطفيًا في أي وقت، عن طريق مدحه في البداية ومدح فكره وتاريخه، وتراثه، إلى أن «ينتفخ» من المديح. ومن ثم البدء في عملية فرض طلبات الغرب على الشرق، من خلال عبارات تحتمل أكثر من معنى. وهذه أساس المشكلة -من وجهة نظري- لذلك فقد عادى الغرب دائمًا الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، لأنه عرف خططهم. وبالتالي لم يقدروا على استمالته وقرروا مهاجمته. فالعرب في الوقت الحالي وللأسف الشديد ينالون المديح من إسرائيل، لأن إسرائيل تريد توقيع معاهدات التطبيع وذلك من أجل خدمة مصالحها. والمأساة للأسف الشديد بدأت من عندنا في مصر؛ أي عندما وقعنا على اتفاقية كامب ديفيد.

    د.عاصم الدسوقي
    د.عاصم الدسوقي
    لكن لماذا هذا الدعم الذي تقوم به وسائل الإعلام العالمية لإسرائيل؟

    سأحكي لك موقفًا.. في عام 1977 ذهبت لأمريكا لثلاثة أشهر، وكنت هناك في إحدى الحلقات الدراسية. وقد ألقيت محاضرة بعنوان «كيف يفهم غير المصريين تاريخ مصر الحديثة؟». وحينها جئت بثلاثة مقررات من الكتب عن تاريخ مصر الحديثة، وبدأت أتصفحها لأعرف كيف يتناولون تاريخ مصر، وبدأت أكتب نقدي عن الأمر. وقلت إن هذه الكتب لا تتحدث عن التاريخ العام أو الأوضاع السياسية والاجتماعية، لكنها تبحث في الأقليات والطوائف لكي تخدم السياسة.

    فهم حين يصفون مصر يقولون شمال إفريقيا، وعندما يصفون العالم العربي يقولون الشرق الأوسط. وبدأت أتحدث عن هذه الجزئيات، وعندما انتهيت فُتح المجال للمناقشة، وهنا تحدث أحد الطلبة وقال إنني استعنت بمؤرخين من الدرجة الثانية. وحينها قلت له ماذا تعنى بمؤرخين درجة أولى وثانية هل هذا موجود؟ فإذا كنت قد استعنت بمؤرخين درجة ثانية كما تذكر فمن هم في الدرجة الأولى كي ترشح لي كتاباتهم. وهنا ترك القاعة وخرج غاضبًا، وبعد انتهاء المحاضرة خرجت فوجدت عميد الكلية يستفسر مني عما حدث مع طالب يدعى «دانيال بايبس» فقد أتى وقال لي: «أنت جايب ناس تشتمنا فى بيتنا؟». فحكيت له ما حدث وسألني عميد الكلية «أنت متعرفش إنه يهودي؟» وحينها قال لي إننا هنا في أمريكا نميز بين المسيحي واليهودي بالاسم.

    وعندما عدت إلى مصر وجدته في مداخلة مع الـCNN يسب العرب. وهذا لا يعني أنه لا يوجد طلبة هناك محبين لمصر وللعرب بل بالعكس يوجد هناك الكثيرين لكنهم لا يتحدثون. وهذا ما ذكره لي «جان وود» عميد الكلية عندما قال لي: «نحن نكرههم، لكننا لا نقدر عليهم» فوقتها كانت رئيسة الجامعة امرأة يهودية. ولذلك فقد رفضت أن أكمل هناك بعد أن عرضوا علىّ لأني وجدت أن طبيعة الحياة هناك صعبة، فهم متحكمون في كافة الأمور داخل هذه البلدان.

    كمؤرخ.. كيف تنظر لاتفاقية «أبراهام» التي وقعتها الدول العربية مع إسرائيل خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي ترامب؟

    كما قلت لك هم أرادوا من خلال هذه الاتفاقية تحويل العرب من أعداء لأصدقاء. وذلك كي يضمنوا عدم دخولهم مع العرب في أية صراعات، ومن ثم القبول بفكرة الاحتلال الإسرائيلي على فلسطين. من خلال إعطاءهم جزء من الأراضي العربية الفلسطينية، باعتبار أن كلنا أبناء دين واحد.

    هناك اقتراح يتردد داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية بترحيل سكان غزة إلى مصر.. هل هذا هو الهدف النهائي لهذا الصراع وما الحل الذي يجب اتخاذه لمنع هذا الإجراء؟ 

    من الممكن أن يحدث الأمر بالفعل طالما أنه لا يوجد موقف عربي مضاد حقيقي لهذه المسألة. فالمواقف الدولية سواء التي يتم اتخاذها من جانب الأمم المتحدة أو مجلس الأمن كلها في يد إسرائيل. وأوراق اللعبة بأكملها معهم، وأي مشروع مقدم يهدف للوقوف أمام الطموح الإسرائيلي سيتم استخدام الفيتو فورًا لمنع تمريره. وهذه أصل المشكلة، لأن اليهود تحكموا منذ سنوات طويلة بكافة بلدان العالم. فقد خضع الغرب للعاطفة اليهودية.

    ومن هنا انتهت المسألة بالنسبة إليهم. فوزير الخارجية الأمريكي «بلينكن» أعلن صراحة دعمه لليهود باعتباره ابن لأب وأم يهود. وقد ظهرت صوره بشكل واضح في وسائل الإعلام العالمية وهو يبكي على ما حدث لإسرائيل خلال السابع من أكتوبر الماضي. وكذلك فالرئيس الأوكراني زيلنسكي يهودي الديانة، وهو صهيوني. وأيضًا رئيسة وزراء إسرائيل السابقة جولدا مائير كانت أوكرانية الأصل، وجورباتشوف الذي فكك الاتحاد السوفيتي كانت زوجته يهودية أيضًا. ما أعنيه هنا هو أن اليهود بشكل عام يتحكمون في شكل الصراعات العالمية. لذلك على الدول العربية رفض مشروع نقل سكان غزة لسيناء بشكل حقيقي. كما أن هذا الرد لابدَّ أن يكون من خلال رفض العدوان الإسرائيلي على فلسطين، ومواجهة هذا العدوان باستخدام القوة، وذلك طالما أن القانون الدولي والمنظمات الدولية في غيبة مما يحدث من قتل الآلاف في فلسطين وتهجير مئات الآلاف من أبناء هذا الشعب.

    د.عاصم
    د.عاصم
    من وجهة نظرك كيف تحلل عملية «طوفان الأقصى» التي قامت بها حماس؟

    حماس قامت بهذه العملية لأن هناك ضغط إسرائيلي مستمر على الفلسطينيين وكذلك أهالي قطاع غزة. فهي لم تجد حلًا إلا عبرّ شن هذا الهجوم الرادع، وذلك لوقف إسرائيل عن فكرة الاستيلاء على شمال غزة، لأن هذه الفكرة ظلت قائمة عند اليهود في فلسطين. كذلك فإصرار إسرائيل على تحويل سكان غزة إلى سيناء هو جزء من تطبيق مشروع الشرق الأوسط الكبير، فهذا المشروع يهدف لتقسيم البلدان العربية إلى 73 دولة بدلًا من 22. وهذا التقسيم مبني على أسس طائفية وعرقية، ومذهبية. فمصر على سبيل المثال داخل هذا المشروع تم تقسيمها إلى خمس دول، وسيناء هي إحدى تلك البلدان التي يريدونها. لذلك فخطوتهم الأولى لتنفيذ المشروع هو تفريغ غزة من سكانها، وسحبهم نحو مصر.

    خطوة حماس كانت جيدة، لكنهم للأسف الشديد وقفوا وحدهم، ولم يؤيدهم العرب، الذين تخلوا عنهم بسبب التطبيع. وهذا تمامًا ما أرادته إسرائيل عندما وقعت هذه الاتفاقيات مع البلدان العربية. أي تنحية العرب جانبًا، كي يضمنوا عدم اتحاد العرب في مواجهة إسرائيل.

    لكن في المقابل هذا الهجوم لاقى ترحيبًا كبيرًا من جانب إيران وحزب الله.. كيف تنظر لطبيعة هذا الوئام.. هل الدعم الإيراني يمكن أن يفيد القضية؟

    بالتأكيد.. لأن هذا الصراع اتخذ الشكل الديني من خلال دعم إيران وحزب الله. فهذا الحزب معروف أنه شيعي، وهو ارتكاز أيضًا لإيران الشيعية؛ لذلك فموازين القوى قد تختلف، لكنها لن تثني إسرائيل عن المضي قدمًا في مشروعها، لأنها مدعومة كما ذكرت من أمريكا والقوى الغربية والمنظمات الدولية. لذلك فوقوف إيران وحزب الله مع القضية الفلسطينية أمر إيجابي لأنه يخدم قضية العرب بشكل أساسي.

    اقرأ أيضا:

    فلسطين.. قضية تفضح بشاعة النظام الدولي وإفلاسه

    الدرس انتهى لموا الكراريس

    الأرشيف الفلسطيني: من يكتب حكايته يرث أرض الكلام

    رسالة مفتوحة من المثقفين العرب لمثقفي الغرب: لنتحاور من أجل فلسطين

    حوار| محمد الكحلاوي: على العرب الاهتمام بتمويل البحوث التاريخية حول فلسطين

    د.بهجت قبيسي: فلسطين أرض عربية ولا مكان بداخلها لليهود المتصهينين|حوار

  • غزة.. مدينة فلسطينية بروح مصرية

    غزة.. مدينة فلسطينية بروح مصرية

    العلاقة بين مصر وغزة لا تقف عند حدود الجغرافيا، ولا تُختصر في وقائع التاريخ فما بينهما خليط من هذا وذاك. فعبر صفحات التاريخ كانت الجغرافيا حاضرة، وعبر خرائط الأخيرة كانت حركة البشر بين مصر وغزة مستمرة لا تعرف معنى الحدود ولا تهتم بتقسيمات الدول والحكومات. ربما لهذا تعيش غزة في الوجدان المصري. وتمثل مصر الأم الحنون والمنبع الذي ينهل منه أهالي غزة مفردات حياتهم وتفاصيل ثقافتهم اليومية. لذا كان ولا يزال ما يجمع أكبر مما يفرق. وقد يكون في استعادة بعض صفحات التاريخ هنا إنعاشا للذاكرة العابرة للحدود، وتعريفا بسر الألم الذي يعيشه الشارع المصري على وقع ما يحدث في غزة من عدوان إسرائيلي وحشي. وسبب تعلق الغزاويون بمصر وانتظار عونها دون غيرها.

    غزة مدخل مصر من جهة الشرق، هذه حقيقة جغرافية يعرفها الجميع. لكن ما هو معروف يلقي بأثره على واقع العلاقة بينهما. فالروابط التي تشد غزة لمصر من المتانة بحيث أنها لا تُقطع ولا تعرف الانفصام. فالمدينة القديمة التي تعود لثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، كانت مركزا متقدما لتجارة جزيرة العرب. والتي تحمل ما تتحصل عليه من تجارة الهند إلى غزة ومنها إلى مصر. أهم ما يحمله التجار كان التوابل المستخدمة في طقوس الكهنة المصريين المعقدة. لعبت غزة إذن دور الوسيط التجاري مع مصر. فربطت نفسها بها منذ أقدم فصول التاريخ بحسب عارف العارف في كتابه (تاريخ غزة).

    “كانت غزة ولا تزال حلقة الاتصال بين مصر والشام… ولطالما اعتبرت في التاريخين: القديم والحديث المخفر الأمامي لمصر… ولهذا كانت ولا تزال موضع اهتمام جميع الملوك والسلاطين والغزاة والفاتحين الذين اعتلوا عرش النيل من أيام الفراعنة حتى يومنا هذا”. يقول عارف العارف في كتابه الصادر في أربعينيات القرن العشرين. لذا صار طبيعيا أن تخوض مصر الكثير من معاركها في غزة أو قربها.

    ***

    واحدة من أشهر هذه المعارك كانت معركة رفح التي جند فيها البطالمة الفلاحين المصريين لأول مرة منذ قرون فحققوا النصر سنة 217 قبل الميلاد. ولم يختلف الوضع رغم اختلاف الزمان، فعندما حارب الأيوبيون تحت قيادة عليا للسلطان الصالح نجم الدين أيوب، دفاعا عن الأرض ضد مشروع الاستيطان الصليبي في موقعة غزة سنة 642هـ/ 1244م. كان النصر على الصليبيين إيذانا بإفشال محاولتهم لغزو مصر من بوابة تلك المدينة المفتاحية في إستراتيجية الدفاع عن بلاد النيل. ولم يكن غريبا بعد ذلك، أن تكون غزة النقطة التي تتجمع فيها جيوش سلاطين مصر في طريقهم إلى بلاد الشام دفاعا عنها ضد الصليبيين والمغول.

    الاهتمام بغزة تجلى في العصر المملوكي. إذ قررت الحكومة المركزية في القاهرة إفراد غزة بنيابة مستقلة، أي أن تكون مقرا لنائب عن السلطان، وهو في هذه الحالة أحد أمراء المماليك الكبار، إيمانا بأهميتها الإستراتيجية لمصر. وجاء ذلك في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، وتحديدا في العام 711هـ/ 1311م، أي في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون.

    ويقول المؤرخ المصري ابن تغري بردي في كتابه (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة)، عن ذلك القرار: “حتى أن مدينة غزة هو الذي [أي الناصر محمد] مصرها، وجعلها على هذه الهيئة، وكانت قبل ذلك كآحاد قرى البلاد الشامية، وجعل لها نائبًا… ولم تكن قبل ذلك إلا ضيعة من ضياع الرملة”. ورغم أن لفظ (مصرها) يوحي بأنه جعلها مصرية، لكن المقصود بمصطلحات العصر المملوكي أنه جعلها مصرا أي مركز حضري بمعنى مدينة مقر نيابة. ورغم ذلك يبقى لوقع الكلمة معناه الشاعري الذي يحيل للعلاقة بين مصر وغزة.

    ***

    نجد أن معظم المناطق التي ترددها وسائل الإعلام الآن حاضرة في المصادر المصرية المملوكية التي تتكلم عن حدود نيابة غزة. والتي تضم بيت جبرين، وبيت لاهيا ودير البلح ورفح وأسدود وغيرها من المواقع ذات البعد التاريخي العربي. بينما شكلت القبائل العربية الكتلة السكانية للمدينة، وهي ذاتها القبائل التي تنقلت بين فلسطين ومصر، فتناسلت فروعها هنا وهناك. لتحمل علامة اتصال لا تنمحي بين شعب واحد يتواجد في قطرين، لكن أحكام التاريخ والجغرافيا أبت إلا الوحدة لهما.

    هذا التداخل التاريخي الجغرافي أوجد وحدة ثقافية كنتيجة طبيعية للتداخل السكاني واستمرار حركة التجارة بين غزة وشقيقتها الكبرى مصر. وهذا ما يقره عارف العارف بكل فخر قائلا: “كان المصريون أهم عنصر من عناصر السكان الذين استوطنوا غزة على مر الأحقاب. وإذا كنت في شك من قولي هذا فما عليك إلا أن تقلب صفحات التاريخ، أو تقوم بجولة قصيرة في شارع من شوارع غزة في هذه الأيام: تشابه في الرداء واللهجة. وفي العادات والعنعنات، وفي الأفراح والمآتم، وفي السحن وتقاطيع الوجه، وفي الأبنية والمآكل، وفي كل شيء”.

    إذا ذهبنا من التاريخ إلى الآثار، وجدنا قصر الباشا أحد أهم الآثار الإسلامية في غزة. وهو في أصله بناء مملوكي يعود لفترة حكم سلاطين المماليك في مصر والشام، عندما كانتا دولة واحدة وغزة كالغرة في الجبهة، وهمزة الوصل وقناة الربط بين الإقليمين الكبيرين. هنا نجد بيت مبني على الطراز المملوكي الذي تجد مثيله في القاهرة ودمشق. إذ يعود في الأغلب إلى عصر السلطان الظاهر بيبرس، المؤسس الحقيقي لدولة سلاطين المماليك، والذي يزين رنكة أو شعاره القصر الذي استخدم كمقر لنائب السلطنة المملوكي ثم مقرا للباشا العثماني. والشعار عبارة عن أسدين متقابلين، ومن الطريف أن هذا الشعار ذاته كان موجودا على قناطر السباع التي كانت موجودة في حي السيدة زينب بقلب القاهرة. أما قصر الباشا فلا يزال قائما وهو الآن يحتضن متحف للمدينة، وهو يعد أقدم معلم أثري قائم في المدينة.

    ***

    أما الجامع العمري الكبير بالمدينة فيحكي قصة مشابهة لقصص كثيرة في مدن مصر. إذ جرت العادة في صعيد مصر وريفه أن أقدم جامع له طابع أثري في المدينة يطلق عليه لفظ الجامع العمري. لذا ترى العديد من الجوامع المصرية القديمة والتي تم تجديدها في عصور متتالية تحمل اسم العمري، وهي ظاهرة ممتدة لغزة والكثير من مدن وقرى الشام ما يعكس نوعا من أنواع الوحدة الثقافية بين القطرين.

    هذا التمازج الحضاري الذي جعل من غزة قطعة من مصر أكثر منها قطعة من الشام، عبر عنه الرحالة الفرنسي فولني الذي زار المدينة في الحقبة العثمانية في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي. إذ يقول: “فهذه البقعة تشبه أراضي مصر بشكلها المنبسط والنخيل القائم عليها، فتربتها وهواؤها يماثلان هواء مصر وتربة شواطئ النيل. حتى أن السكان هم مصريون بقوامهم وعاداتهم ولهجتهم ولون بشرتهم أكثر مما هم سوريون”.

    هذا التداخل الحضاري والثقافي والبشري والاقتصادي أوجد حالة من حالات الارتباط القوية. التي لا يمكن أن تقف أمامها عوائق خصوصا عندما تكون مصطنعة. ربما يكمن في هذا التاريخ الطويل الجينات التي تدفع بكل غزاوي إلى النداء باسم مصر. وهي نفسها الجينات التي تحمل المصري على أن يتألم لكل ما يحدث في غزة. هذه علاقة لا يمكن أن تختصر في علاقات جيرة رغم أهميتها وثقلها، ولا الروابط الاقتصادية والإستراتيجية رغم حضورها وعمقها. هي علاقة ممزوجة بكل هذا وأكثر. ما يجعلها محفورة في الذاكرة الجمعية هنا وهناك، علاقات تمازج وانصهار كامل. ففي النهاية غزة مدينة فلسطينية لكن روحها مصري.

    اقرأ أيضا:

    فلسطين.. قضية تفضح بشاعة النظام الدولي وإفلاسه

  • كواليس التحقيق لاسترداد مصر جداريتين أثريتين من فرنسا

    كواليس التحقيق لاسترداد مصر جداريتين أثريتين من فرنسا

    تمكنت مصر من استرداد جداريتين أثريتين كانت قد تمت سرقتهما وتهريبهما خارج مصر. وذلك بعد جهود مستمرة قام بها النائب العام المصري حمادة الصاوي، ووفد رفيع المستوى من مكتبه، وبالتعاون مع السلطات الفرنسية.

    مصر تسترد جداريتين مسروقتين

    تسلمت مصر الجداريتين خلال حفل استرداد أقيم في مقر السفارة المصرية في باريس. وحضر الحفل عدد من المسؤولين المصريين والفرنسيين. وتعد الجداريتين جزءًا من تراث الحضارة المصرية القديمة. وتمثل قيمة عالية من الناحية التاريخية والثقافية.

    تأتي هذه الاستردادات ضمن جهود مصر المتواصلة لاستعادة آثارها المنهوبة والتي تم تهريبها خارج البلاد. والتي تعد جزءًا من تراثها الثقافي الهام. وتؤكد هذه الجهود على أهمية حماية التراث الثقافي والحفاظ عليه.

    جدارية أثرية مسروقة استردتها مصر من فرنسا
    جدارية أثرية مسروقة استردتها مصر من فرنسا
     اتهامات بتهريب آثار مصرية منهوبة

    لكن هناك الكثير من الأسئلة عن تاريخ الجداريتين في مصر، وكيف خرجتا من مصر، وكواليس التحقيق بشأنهما لإثبات أنهما مسروقتان، ومصير التاجر بائع القطعتين. خاصة أنه تواجه صناعة الفنون في فرنسا صدمة جديدة بعدما تم توجيه اتهامات لتاجر فنون فرنسي بتهريب الآثار المصرية المنهوبة.

    وفي قضية قضائية جارية في باريس، طالب المدعي العام بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ وغرامة قدرها 100 ألف يورو على ديدييه ورمسر، صاحب معرض L’Etoile d’Ishtar.

    ترجع كواليس هذه القضية إلى اتهام ورمسر بتهريب الآثار المصرية المنهوبة. واستخدام مستندات مزورة لإنشاء أوراق إثبات مزيفة لهذه القطع قبل أعوام. وبحسب تقرير نشر في صحيفة “ذي آرت نيوز بيبر” في سبتمبر 2022، كان من أن يتم إعادة القطع الأثرية التي تم الاستيلاء عليها إلى مصر.

    وطالبت حينها المحكمة الفرنسية توقيع عقوبات صارمة لردع كل التجار المتورطين في بيع آثار مسروقة. حيث تعتبر هذه القضية جزءًا من سلسلة من فضائح تهريب الآثار المصرية. وتم اعتقال العديد من الأشخاص وملاحقتهم بتهمة الاتجار غير المشروع في الآثار المنهوبة.

    تاريخ الجداريتين المسروقتين

    يرجع تاريخ الجداريات التي اشتراها ورمسر في عام 2003 بموقع مقبرة الأسرة السادسة في سقارة. ويشمل قبر الكاهن “هاو” أو “هاو نفر”، ونجحت السلطات في معرفة تاريخهما بعدما تقدم عالم المصريات فاسيل دوبريف. الذي قاد أعمال التنقيب في الموقع في عام 2001.

    وبحسب شهادته أمام المحكمة. وفقًا لبيان قانوني من الحكومة المصرية، فإن الحجارة المنقوشة قد تم نزعها من واجهات مصليات المقابر عندما استؤنفت أعمال الحفر في أكتوبر 2002. ومع ذلك، جادلت محامية Wormser، Anne-Sophie Nardon، بأنه لم يكن بإمكان المدعى عليه معرفة أن القطع نُهبت. نظرًا لعدم تقديم شكوى جنائية من قبل الدولة المصرية حتى عام 2014.

    لكن دوبريف لم يبلغ عن السرقة على الفور لأنه لم يستطع إثبات ذلك. لكن في عام 2013، اشترى متحف الفنون الجميلة في بودابست عتبة تحمل اسم هاو وزوجته. وقدم المتحف الوثائق التي حصل عليها من التاجر البريطاني روبرت وايس لإثبات أن العمل الفني تم بيعه في عام 1974 من معرض ميثولوجيس الباريسي.

    وخلص المحققون إلى أن الأوراق كانت مزيفة، وقال المتحف في سبتمبر 2022، إنه سيحترم التزامه المحتمل بالتعويض. لكنه لا يزال يتوقع من مصر تقديم الدليل على النهب، وكان طلب المتحف سببا في تحرك مصر في القضية.

    وبحسب الصحيفة، صرح ممثل حكومي بأن مصر انتظرت الحكم النهائي في 18 أكتوبر قبل تقديم مطالبة رسمية بالتعويض لمتحف بودابست. لكن التاجر البريطاني روبرت وايس رفض التعليق على الأمر.

    جدارية أثرية مسروقة استردتها مصر من فرنسا
    جدارية أثرية مسروقة استردتها مصر من فرنسا
    المتورطون في بيع آثار مصرية منهوبة

    ووفقًا للوثائق القضائية، فإن وايس باع القطعة الأثرية للمتحف بالشراكة مع التاجر الفرنسي “ديفيد غزلباش” الذي اشترى الجداريتان من معرض ورمسر، وفي مارس، وجهت إلى غزلباش تهمة الاحتيال الجماعي في التحقيق في آثار متحف اللوفر أبوظبي، وأجبر على إغلاق معرضه.

    وفي شهادته، أشار ورمسر إلى تورط خبير الآثار والتاجر كريستوف كونيكي في هذه القضية، وذكرت المحامية آن-صوفي ناردون، الممثلة القانونية لورمسر، أن كونيكي قدم الجداريتين للبيع في عامي 2012 و2013 من خلال دار المزادات “بيير وبيرجي – Pierre Bergé & Associés، حيث كان يعمل كخبير. وبحسب آن-صوفي ناردون، فقد ادعت كتالوجات المزاد في كلتا الحالتين أن القطع قد تم بيعها في باريس في منتصف السبعينيات، ولكن كونيكي لم يطلب أبدًا رؤية أي مستند يوضح مصدرها.

    ولاحقا أقر ورمسر أمام المحكمة بأن الجداريات الأثرية التي اشتراها جاءت من مقبرة سقارة وأنه يجب إعادتها إلى مصر، وأفاد بأنه اشترى ست قطع من القبر بحسن نية تامة من شركة Finatrading المملوكة لرجل الأعمال السويسري إيف. بوفييه، والتي باعت القطع مجمعة إلى 11 قطعة بمبلغ 10000 يورو قبل أن يتم إعادتها إلى معرض ورمسر.

    وتم استبعاد ثلاث قطع من القضية بسبب انقضاء فترة التقادم. لكن أثارت الصفقة تساؤلات المحامي الذي يمثل الحكومة المصرية عما إذا كانت تحوي “بعض الدوائر المالية الخفية”.

    ووفقًا للسجلات، فقد اشترى “جاليري لايتوال دو ايشتار أو “نجمة عشتار”، L’Etoile d’Ishtar Gallery، بين عامي 2003 و2005 ما يصل إلى 90 قطعة أثرية تم نقلها من سويسرا بواسطة “آرت ترانسيت – Art Transit”، وهي شركة أخرى مملوكة لبوفييه.

    وأشار ورمسر إلى أنه توقف عن الشراء من شركة “فينا تريدينج – Finatrading” لأنها فشلت في تقديم مستندات الأصل الحقيقية، وقال بوفييه إنه لا يستطيع التعليق على كل المبيعات أو كواليسها لأنه لا يستطع الوصول إلى أرشيفات الشركة المحفوظة في آسيا.

    الحكم النهائي لاسترداد 5 قطع 

    وفي الوقت نفسه لم يتم توجيه اتهامات لبوفييه من قبل الشرطة الفرنسية، ولم يتم استجوابه. ولم يتم توجيه أي تهم ضد وايس، أو غزلباش، أو كونيكي، وبالتالي فإن ورمسر هو الوحيد الذي واجه التهم.

    وفي 18 أكتوبر الماضي، صدر حكم بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ وغرامة قدرها 50 ألف يورو لتاجر التحف الفرنسي ديدييه ورمسير، بتهمة بيع خمسة جداريات نُهبت من قبر كاهن في سقارة بعد اكتشافها من قبل عالم آثار فرنسي في عام 2000.

    وفي 25 أكتوبر، قررت المحكمة الجنائية في باريس إعادة القطع الأثرية الخمسة إلى مصر، بما في ذلك الآثار التي اشتراها جامع إيطالي بحسن نية. وأكد ماثيو بواسافي، المحامي الذي يمثل الحكومة المصرية، على أهمية الحكم لأنه يعترف بقانون 1983 الذي يحمي التراث الثقافي في مصر.

    اقرأ أيضا:

    كنز مخبأ أسفل جامعة أيرلندية.. ما قصة الآثار التي استردتها مصر؟

  • مي الإبراشي تحصل على جائزة الأمير كلاوس الهولندية

    مي الإبراشي تحصل على جائزة الأمير كلاوس الهولندية

    حصلت المهندسة مي الإبراشي على جائزة الأمير كلاوس الهولندية، والتي تمنح كل عامين لـ6 أفراد رائدين شاركوا مع مجتمعاتهم المحلية بأعمال إبداعية ملهمة، وقد تم اختيارهم من ضمن 94 مرشحا من جميع دول العالم.

    وكتبت الإبراشي على حسابها الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: “ممتنة لصندوق الأمير كلاوس على هذا التكريم. وأيضًا لدعمهم الرائع على مر السنين. بالطبع، هذه الجائزة ليست لي وحدي فقط، ولكنها لفريق مجاورة بأكمله”.

    جائزة الأمير كلاوس

    الجدير بالذكر أن “مجاورة” هو مكتب هندسي وجمعية أهلية في آن واحد، وهو معني بالتراث المعماري. وكذلك يهدف لإشراك المجتمع المحلي في عمليات الترميم، وإقامة الورش العملية والنظرية في أمور عديدة تتعلق بتطوير البيئة الحضرية. ويقع مقر “مجاورة” في حي الخليفة وتتميز الجمعية بإشراك سكان الحي في أنشطتها المختلفة. كما ساهمت بشكل أساسي في ترميم ضريح الإمام الشافعي في الإمامين. د. مي حصلت على الجائزة مع خمسة مرشحين آخرين يا مي.

    ووفقًا للموقع الإلكتروني لجائزة الأمير كلاوس، فقد ذكر أن الجائزة تم منحها من قبل هيئة تحكيم مستقلة وقدمت للفائزين الذين يمثلون مجموعة متنوعة من المجالات، سواء من الهندسة المعمارية والشعر، والفلسفة، وصولا إلى الفنون المرئية وفنون الأداء، فهم يكرسون عملهم لمعالجة القضايا السياسية والبيئية، وطبيعة الهوية وحقوق الإنسان في أشكال تشارك وتمكن مجتمعاتهم من تحقيق الأهداف.

    وقد فاز كل من مي الإبراشي من مصر، وأيلتون كريناك، البرازيل، وماريا ميدرانو من الأرجنتين، ولويس مانويل أوتيرو ألكانتارا من كوبا، وكذلك حسن دارسي، المغرب وأخيرًا السنغالي آلان جوميس.

    ووفقًا للموقع الرسمي فقد تم كتابة أسباب منح الجائزة لهؤلاء ومنها جاء:

    مي الإبراشي

    مهندسة مهندسة معمارية مصرية يركز عملها على المشاركة المجتمعية من خلال الحفاظ على التراث وإعادة تأهيله وحفظه وإعادة تعريفه. فقد تمكنت من خلال عملها من إحداث فرق حقيقي داخل المجتمعات، التي غالبًا ما تكون مهمشة، والتي تعيش في وسط القاهرة التاريخية فقد خلقت خطابًا مضادًا نتيجة تركيز الحكومة الحالية على التوسع الحضري والتجديد، وقد خلقت شعورًا جديدًا بالأمل والفخر. للمجتمعات التي تعمل معها.

    أيلتون كريناك

    زعيم محلي ومدافع عن البيئة وفيلسوف وشاعر وكاتب من البرازيل. ويعتبر أحد القادة العظماء لحركة السكان الأصليين البرازيليين، وهو حاليًا أستاذ فخري في الجامعة الفيدرالية، فقد نجح في توفير مساحة آمنة للقيادة المحلية ليتم تطويرها في جميع أنحاء البلاد. وهو غالبًا ما يشار إليه على أنه مرشد وقائد للأجيال الشابة من القادة والنشطاء والسياسيين من السكان الأصليين. فقد لعب دورًا رئيسيًا في تطوير منظمات السكان الأصليين التي ظهرت خلال السنوات الماضية.

    لويس مانويل أوتيرو ألكانتارا

    فنان كوبي ومدافع عن حقوق الإنسان ينتقد أداؤه الظروف التي يواجهها العديد من الكوبيين. وهو يقود مجموعة San Isidro الجماعية – وهي مجموعة فنانين تعزز حرية التعبير والحقوق الثقافية. وهو أحد مؤسسي متحف المعارضة، وهو موقع إلكتروني ومشروع فني عام لاستعادة المعارضة والاحتفال بها.

    ويستخدم الكانتارا الفن والتعبير الثقافي للطعن في الانتهاكات المستمرة لحرية التعبير من قبل الحكومة الكوبية. وفي أعماله المبكرة، ابتكر منحوتات لأشكال بشرية وحيوانات وشخصيات من الكتب المصورة باستخدام مواد تم إنقاذها. وقد استخدم النحت لخلق “نسخة واقعية من الواقع”. ومع ذلك، في تطوير ممارسته، أراد أن يكون له تأثير ملموس أكثر مع فنه و”البحث عن عمل يساهم في الواقع الذي يعيش فيه”. وقد قادته الرغبة إلى فن الأداء والتعبير الفني الفردي الذي ينقل النقد الاجتماعي والسياسي المعقد والمثير للسخرية.

    وواجه الكانتارا الاضطهاد المستمر بسبب أدائه. وقد تمت مصادرة أعماله واحتجازه قسرا عدة مرات. وأثار اعتقاله المستمر احتجاجات وبيانات تضامن من الفنانين العالميين الذين يدعمون نضاله الذي لم يتراجع من أجل حرية التعبير الثقافي في كوبا.

    ماريا ميدرانو

    كاتبة وشاعرة ومحررة أرجنتينية. بالإضافة إلى ممارستهم الفنية والشعرية، وتعد ناشطة في مجال إلغاء عقوبة السجن ومؤسس مشارك لـ YoNoFui، وهي منظمة غير ربحية تعمل مع النساء المسجونات سابقًا والأفراد من المجتمع في مشاريع الفنون والحرف.

    حسن درسي

    فنان تشكيلي من الدار البيضاء، يعمل على تعزيز التفكير النقدي حول الأماكن العامة والمواطنة في مدينة مليئة بعدم المساواة الاقتصادية، وفي دولة ذات حريات تعبير محدودة.

    وقد طور دارسي ممارسة تتمحور حول التذهيب والأماكن العامة.

    في عام 1995 شارك في تأسيس مختبر ثقافي يجمع بين المفكرين والفنانين والصحفيين والطلاب وعامة الناس لمناقشة دور الفن في المجتمع. سواء بشكل فردي أو جماعي، وقد أنتج مشاريع فنية مهمة في تاريخ الفن المعاصر داخل المغرب.

    ومن أبرزها مشروع L’Hermitage park (2002-2008) الذي ركز على حديقة L’Hermitage المهجورة التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية في الدار البيضاء. وقد قام بذلك جنبًا إلى جنب مع المجتمع الذي يعيش في المنتزه وما حوله، وقد صاغ خطة لإنشاء مساحات مجتمعية لرواية القصص والفن والراحة. في سلسلة من التدخلات الفنية، وقد حول أجزاء مختلفة من الحديقة إلى مساحات رائعة حقيقية، فقد أعاد درسي تعريف الفن في السياق المغربي من خلال إشراك الجمهور المغربي الأكبر من خلال معارضه.

    آلان جوميس

    مخرج وكاتب سيناريو سنغالي فرنسي يستكشف عمله الهوية والاختلافات والروابط التي تحدد العلاقة بين إفريقيا الناطقة بالفرنسية والشتات. وهو مؤسس مركز Yennenga المخصص للسينما، ويلعب جوميس دورًا مهمًا في الترويج للسينما ورعاية المواهب المحلية في السنغال وإفريقيا، ومن خلال عمله يعالج تعقيدات الهوية والغربة والوكالة المستمدة من تجاربه الشخصية التعامل مع ازدواج الجنسية والبحث عن الانتماء. اشتهر التي تصور قصص المهاجرين الشباب من أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى، بينما تستكشف موضوعات الغربة.

    اقرأ أيضا

    «عمارة الفقراء»: هل فشل مشروع ترميم قرية حسن فتحي بالقرنة؟

  • متاهة القبح في مصر: عقل المقاول وعقل المعماري (2/2)

    متاهة القبح في مصر: عقل المقاول وعقل المعماري (2/2)

    في هذا المقال يواصل المفكر الكبير نبيل عبدالفتاح الكتابة عن أسباب الفوضى المعمارية العشوائية وسيطرتها على الحالة المصرية، والحاملة للقبح في الشكل والطرز والبناء وما وراء هذه الفوضى. ويستكمل هنا الأسباب التي تقف وراء ثقافة القبح المعماري، والأنماط العشوائية في البناء.

    ثانيا: ثقافة العمارة القبيحة، ابنة أزمة دولة القانون الحديث

    كانت قاهرة القرن التاسع عشر والإسكندرية من ثمار التحديث السلطوي المادي، والخروج من دائرة القاهرة، والإسكندرية القديمة، وللرؤى السلطوية للخديوي إسماعيل واستعادة الطرز والتخطيط العمراني لمدينة باريس التي أفتتن بها، ومحاولة نقل بعض طرزها في البناء، وإقامة الحدائق، وتنسيقها على النمط الباريسي!

    من ناحية أخرى كانت جزءًا من عمليات بناء الدولة الحديثة. ومتطلباتها من العمارة وتخطيط المدن. وأيضا من الهندسات القانونية والاجتماعية الحديثة.

    المدينة الحديثة هي أحد تجليات التنظيم القانوني الحديث في النظم الإدارية، في التراخيص للبناء، وفي ترقيمها، وفي تخطيطها، وفي الطرق، والكباري… إلخ.

    كان تطبيق القانون وفاعليته يعتمد على التوازن في المصالح المتصارعة. وأيضا على إجراءات تطبيقه وعلى الجزاءات الرادعة حال الإخلال به، وتجاوزه من قبل المخاطبين بأحكامه في جميع مجالات القانون، وتفاصيل الحياة.

    ظل تطبيق القانون فاعلا نسبيا إلى عهد الستينيات من القرن الماضي، حتى هزيمة يونيو 1967 وما بعد، وتزايدت ظواهر الفساد في الوظيفة العامة. وفي بعض عناصر الأجهزة المعاونة للقضاء، وفي قطاعات تنفيذ القانون في الدولة على نحو بات ظاهرة مستمرة ومتفاقمة، ويمكن أن نطلق عليها المسألة القانونية في مصر. من خلال ضعف فعالية القانون وردعه وتنظيمه للمراكز القانونية، وللمصالح المتصارعة. وفي تحايل الجموع الشعبية على تطبيقه، مع بعض الفاسدين في جهاز الدولة.

    **

    كانت سياسة التشريع توضع من منظار مصالح السلطة السياسية الحاكمة، وظهيرها الاجتماعي. ومن ثم لا تراعى المصالح الأخرى، ومشكلات المعسورين، على نحو فتح المجال للمبالاة بالقوانين، وتجاوزها من خلال آليات الرشا.مع تزايد الانفجارات السكانية، تضخم المجتمع، وأصبح قادرا على فرض ما يراه بعضهم إزاء النظام الضريبي، وتراخيص البناء، والخروج على التنظيم المروري، وغيرها من تفصيلات الحياة اليومية. مع تراجع خطط التنمية، والأخطر تشكيك الجماعات الإسلامية السياسية، والسلفيين في شرعية الحكم، والقانون، واعتباره خارج نظام الشريعة الإسلامية.

    وتمددت هذه الدعاوى مع بروز أنماط من التدين الشعبي تبرر الخروج على القانون في مقابل اللغة الدينية في الخطاب اليومي، وأداء الطقوس الدينية والسلوك المناقض لها تماما…. إلخ. هذا النمط من الازدواجية، والمخاتلات في السلوك الاجتماعي أدى إلى إعاقة شعبية لقانون الدولة.

    من هنا ازداد دور شركات المقاولات الكبرى، ومن الباطن في نشر القبح في البناء، وتجاوز الأطر القانونية، والإجرائية المحددة.

    **

    سيطرت التجاوزات في البناء على شكل وطرز المعمار التي باتت قبيحة، وتفتقر إلى هوية الأمكنة التاريخية، والبيئة، وثقافة المكان، ومحمولاته الرمزية والجمالية.

    يبدو أن العقل الأداتي للسلطة السياسية، الناصرية، والساداتية، والمباركية، ومصادر تجنيدها الأساسية في تشكيلات الحكومات المتعاقبة، من التكنوقراط، والبيروقراطية لم يكن من حيث تكوينها الوظيفي، والاحترافي حاملة لرأسمال خبراتي، أو تصورات تتعلق بالثقافة المعمارية، وطرزها، وجمالياتها، ومدارسها المختلفة، وعلاقة التشكيلات المعمارية بالبيئة وثقافة المكان وتاريخه.

    وكان جل اهتماماتها يتركز على مواجه المشكلات الخاصة بضرورة مواجهة أزمات السكن المتزايدة وتخفيض حدتها في ظل التغير في السياسيات الاقتصادية، والإسكانية. للتقليل من معدلات الغضب الاجتماعي واحتوائه حتى لا يتحول إلى غضب شعبي يؤثر على استقرار النظام والسلطة السياسية الحاكمة.

    هذا العقل الأداتي لا ينظر كثيرا إلى المستقبل البعيد في معالجة المشكلات الكبرى من جذورها، ومعها المشكلة الفرعية، أو الأساسية المرتبطة بها. ومن ثم هو عقل جزئي، وظرفي في معالجاته، ولا يهتم بالثقافة المعمارية، ويركز فقط على أبنية الاستعراض السلطوي في البنايات الرسمية، وبعض الميادين العامة، وترميم بعض القصور القديمة التي ورثها النظام من مرحلة ما قبل يوليو 1952م. أو بعض المناطق السكنية الحديثة مثل مدينة مصر في المرحلة الناصرية، والمساكن الشعبية في بعض المناطق في القاهرة والإسكندرية والمحافظات. ليعدها من إنجازات النظام الاجتماعية، أو المدن الجديدة حول القاهرة في عصري السادات ومبارك.

    **

    ثمة نزوع لدى العقل الأدائي السلطوي، والبيروقراطي، إلى بناء المناطق الجديدة والمدن الجديدة مع تحرير السياسة السكانية والإسكانية وتركها لآليات قوانين العرض والطلب، وإحداث تعديلات في قوانين إيجار الأماكن لتصبح الإيجارات القديمة تعتمد على عقود الإيجار الجديدة. والأهم تشجيع ملكية الأراضي في المناطق الجديدة، وفي شراء الوحدات السكنية للشركات الخاصة، أو ملاك العقار. وهو ما أصبح القاعدة لعقود عديدة بالنظر إلى الاعتماد على مدخرات العاملين المصريين بالخارج، وشيوع اتجاه عارم نحو التملك العقاري كمركز توظيف المدخرات، والمضاربة على أسعار المنازل، والوحدات السكنية، من ناحية أخرى تنشط الشركات للبيع بالتقسيط لهذه الوحدات، والفيلات في المدن الجديدة.

    الولع بالاستثمار العقاري لدى الشركات، والأفراد أدى إلى تركز الاستثمار المالي في العقارات. في ظل التسهيلات المصرفية، والحكومية في بيع الأراضي بأثمان بخسة، بل وتحويل طبيعة الاستثمار من زراعي إلى عقاري بتواطؤ من السلطة في عهد مبارك.

    في ظل هذه الظروف السياسية، والمالية والاستثمارية كان العقل الأداتي السلطوي يميل إلى الاستثمارات العقارية في مناطق جديدة ذات طابع سياحي. مثل الساحل الشمالي الذي تحول إلى ما سبق أن أطلقنا عليه منذ عديد العقود إلى مقلب زبالة معماري، في تخطيطه العشوائي. وفي طرز البناء لتكون مصيفا لأسبوعين أو أكثر سنويا لطبقة رجال الأعمال، والأثرياء الجدد، ورأسمالية المحاسيب. والعناصر الفاسدة في جهاز الدولة البيروقراطي، والمقيمين للهجرة المؤقتة في البلدان النمطية لسنوات طويلة!

    تحولت هذه المناطق بالساحل الشمالي، إلى دوائر لاستعراضات هذه الفئات اجتماعيا. وتعبيرًا عن القيم الاستهلاكية المترفة، والمفرطة تعبيرًا عن مكانتهم، وسلطتهم المالية أو نفوذهم.

    ثالثا: من العقل المعماري إلى عقل المقاولين إلى عقل المعماري المقاول

    الفوضى المعمارية في الساحل الشمالي، وطرزها المعمارية، في المدن الجديدة، وفي الأبنية الجديدة بالقاهرة وساحل الإسكندرية.. وغيرها. وفي المحافظات لا تعود فقط إلى آليات الفساد السلطوي لدى بعض الموظفين العموميين، وإنما إلى توظيف عقل المقاولين الذي فرض نفسه على عمليات تصميم. وإنشاء وشكل البنايات والمدن الجديدة وأحيائها، والمعازل الجديدة التي لجأ إليها رجال الأعمال، والأثرياء الجدد للسكنى، بعيدا عن الفوضى المرورية، وصخب المدن الكبرى التاريخية، ولانعزالهم عن حركة التفاعلات اليومية مع جموع المواطنين. وذلك بحثا عن الخصوصية، والهدوء، وإشباع حاجتهم السوسيو- نفسية، ورغباتهم الجامحة في التميز الاجتماعي عن غيرهم من المواطنين العاديين. وأنهم ممثلو طبقة متميزة في المجتمع لها حياتها الخاصة، وهو ما قامت شركات المقاولات الكبرى بتلبية هذه الحاجة النفسية لهم.

    هذه المعازل السوسيو- نفسية لفئات صعدت اجتماعيا، بناءً على مصادر متعددة وآليات للصعود الاجتماعي لأعلى- بعضها غير معروف مصادره – تحولت إلى علامات على العزلة عن المجتمع ومشاكله.

    **

    لاشك أن عقل المقاولين أيا كانت مستوياتهم وتاريخهم، لا يهمهم فقط ثقافة المكان، وبيئته، ولا هويته، ولا طرزه المعمارية. وإنما ما يهمهم هو تعظيم الربحية إلي مستويات عالية. ومن ثم فرضوا عقليتهم على مكاتب، والشركات الهندسية والمعمارية. وبعضهم بات يفتقر إلى ثقافة وتكوين المعماريين الأجانب والشوام والمصريين الكبار الذين قاموا ببناء الأبنية العلامات في القاهرة والإسكندرية، قبل 1952. وبعدها حتى هزيمة يونيو 1967.

    من هنا استمرارية وممارسات عقل المقاولين ظل مسيطرا على عقل المهندسين المعماريين. بحيث أصبح عقل المقاولين هو المهيمن في التخطيط، والطرز. دون إيلاء أهمية للإبعاد الجمالية، والوظيفية للأنسجة المعمارية والفراغات، في علاقاتهم بالطرق، والمواصلات، وتطورها المستقبلي. وهو ما تكشف عن بعض العشوائية. التي كشفت عنها بعض مكونات البنية الأساسية، وازدحام الطرق، والكثافة المرورية بين المناطق، والعاصمة أو الإسكندرية، أو في مناطق الاصطياف بالساحل الشمالي.

    من الملاحظ أن هيمنة طرائق تفكير العقل المقاول– السرعة في التفكير السطحي البسيط، واتخاذ القرار، والتنفيذ، وعدم مراجعة التصميمات، وفق أسس فنية، أو بالنظر إلى الاعتبارات الخاصة بالمستقبل. من حيث كثافة المرور، والانفجار السكاني المطرد، والآخذ في الاعتبارات خبراء الطرق، والكباري، والسكان، واحتمالات الاستثمار في مناطق قريبة أو بعيده من المشروع في الآجال المتوسطة والبعيدة، وإهمال الجوانب الجمالية من حيث الطرز، وهوية وثقافة المكان… إلخ–.

    تجاوزات العقل المعماري، سيطرت أيضا على العقل البيروقراطي الإداري والسلطوي الذي لا يهمه سوى محض الإنجاز السريع. لتحقيق هدف الاستعراض السياسي أمام الجمهور. وهو أمر بالغ الخطورة ستظهر مخاطرة فيما بعد. عندما يعاد النظر في مثل هذه المشروعات الإنشائية للبنية الأساسية.

    رابعاً: اللامبالاة بالتراث المادي

    تبدو ظاهرة خطيرة في عالم البناء في مصر، ألا وهي عدم الاهتمام بالتراث المادي، وإهماله. بل والميل إلى هدمه لصالح بعض المشروعات الخاصة بالبنية الأساسية. وأبرزها هدم بعض المقابر التراثية لعدد من مشاهير الشخصيات العامة في مصر. التي لعبت أدوارا مهمة في تاريخ البلاد السياسي والثقافي، وبعضها شكل رموزا على حركة التجديد شبه الحداثي في البلاد.

    تبدو خطورة ذلك في عدم مراعاة العقل الأداتي. ومعه العقل المقاولاتي للرموز التي يحملها التراث المادي. على الرغم من الاتفاقيات الدولية لليونيسكو في حماية هذا التراث المادي، واللامادي.

    إن النظرة على مقابر “بير لاشيز” في فرنسا تبدو باهرة في الحفاظ على التراث المادي. حيث تضم مشاهير فرنسا في السياسة، والفنون والآداب والفلسفة والعلوم الاجتماعية والطبيعية. بحيث تحولت إلى مركز سياحي كوني، على قوائم الشركات السياحية مع البانتيون حيث مراقد عظماء فرنسا الكبار.

    تبدو المكانة مثيرة للقنوط، واليأس. وأيضا تشير إلى الفجوات بين دولة متقدمة، وبين دولة تعاني من التخلف التاريخي أو تراجع مستويات تطورها.

    خاتمة

    لاشك أن العقل الأداتي السلطوي البيروقراطي ساهم تاريخيا في إنتاج العقل المقاولاتي، وتحييد العقل المعماري، الذي أثر كثيرا في إشاعة ثقافة القبح لصالح بعض العشوائية التي تمددت كثيرا خلال عقود طوال من القرن الماضي إلى الآن!

    إن إهمال الجوانب الخاصة بالتخطيط، والتنظيم العمراني في ظل الانفجارات السكانية، أدى إلى حالة من الفوضى المعمارية والعمرانية. حتى في الأحياء التي كانت توصف بالراقية– التي تقطنها الأثرياء والمشاهير. حيث تمددت فيها المقاهي والمطاعم وصخب الأمكنة المزدحمة، وبعض من الفوضى للعابرين داخلها!

    في التخطيط العمراني والطرز المعمارية والتصميمات الجمالية، ليس المطلوب الأناقة المفرطة المكلفة اقتصاديا في أحياء ومدن الأثرياء الجديدة، ومنازلها، وأيضا في الإسكان الشعبي، والمتوسط. وإنما مراعاة عديد من الاعتبارات وعلي رأسها الوسط الاجتماعي، وعلامات الهوية الثقافة المتغيرة وتحولاتها. وأيضا استلهام البنية التحتية للمكان، وبعض من التراث المعماري، وتجديده من خلال المعماريين المبدعين، والفنانين التشكيلين ذوي الرؤى، والتخيلاتك الجديدة والاستثنائية. وعدم الاعتماد علي الأساليب السائدة من المحسوبية والوصولية، وغيرها، أو هؤلاء الذين ينقلون في خفه، أعمال فنانين غربيين إلي أعمالهم، وتنفيذها على نحو ما حدث من بعضهم في محطة مترو كلية البنات. وهو ما أحدث غضبا شديدا على مواقع التواصل الاجتماعي الرقمية.

    **

    ثمة حاجة إلى مراجعات للعقل الإداري، والعقل المعماري، التابع الذي يسيطر على شركات المقاولات الكبرى، والمتوسطة والصغرى، التي حولت الأنسجة المعمارية إلى كتل أسمنتية متشابهة، وقبيحة. وجعلت منها متاهات للفوضى، والقبح، من ناحية أخرى نلاحظ الاعتداءات المستمرة على الأشجار، والحدائق على نحو يمثل اعتداء على البيئة.

    والأخطر الاعتداء على الفراغات العامة داخل وحول الأنسجة المعمارية. على نحو تمثل معه محاصرة للمجال العام الاجتماعي والسياسي!

    إن نظرة مقارنة مع تطور البنيات الأساسية، والفراغات، في الدول الأكثر تطورا، تشير إلى الاهتمام بالمساحات الخضراء، والفراغات العامة، في ظل تطورات تكنولوجية، ورقمية فائقة التطور. أثرت على العقل التخطيطي للمدن، والعقل المعماري، وإبداعاته وتخييلاته الاستثنائية. في هذا الصدد يمكن رصد أعمال المعمارية البريطانية ذات الأصول العراقية “زها حديد”.

    العقل المعماري يتطور وفق تطور العلوم الهندسية، والثورات العلمية الثقافية، والخيال، المبدع المؤسس على المعرفة، لكبار المعماريين في عالمنا. بينما يسيطر العقل المقاول على المعماري والأداتي السلطوي.

    من هنا نجد بعضا من الولع السلطوي بالأبنية الأسمنتية الكبرى المقامة في مدن الملح في السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت. حيث الانفصال بين ثقافة المكان، وهويته الثقافية، وبين الكتل الأسمنتية الضخمة، المراد من خلالها، إثبات التطور في مجتمعات نفطية ميسورة. لكن أوضاعها الاجتماعية السياسية لا تزال بعيدة عن هذا العالم المشيد أسمنتيا في مدن الملح بتعبير عبدالرحمن منيف!

    اقرأ أيضا

    متاهة القبح في مصر: عقل المقاول وعقل المعماري(1/2)

  • متاهة القبح في مصر: عقل المقاول وعقل المعماري(1/2)

    متاهة القبح في مصر: عقل المقاول وعقل المعماري(1/2)

    يبدي بعض المثقفين على قلتهم في مصر، بين الحين والآخر، آراء ومشاعر السخط، والحزن على تدهور ثقافة العمران في المدن، وتخطيطها وفوضاها. وفي بعض الأحيان حول الطابع العشوائي الذي يمثل شخصية البناء بالأسمنت والطوب الأحمر في القرى، ومدن المحافظات المريفة.

    غالبا ما يتم استدعاء، وسط المدينة الكوزموبوليتانية للإسكندرية، وقاهرة القرن التاسع عشر- القاهرة الخديوية- ومعها تخطيط الطرق، والأنماط المعمارية الأوروبية المستعارة من المرجع المعماري الأوروبي. وتذكر أسماء المعماريين الإيطاليين والأجانب الفرنسيين، وبنائهم لبعض المساجد الشهيرة، ومعهم بعض المهندسين الشوام، والمصريين.

    يبدو وسط المدينة كمركز للذاكرة المعمارية، ومخيالها الجمالي في إطار التخطيط العمراني للأنسجة المعمارية، والفراغات، ونمط المقاهي الأوروبية على النمط الفرنسي، أو المقاهي الشعبية!

    **

    لا يقتصر الأثر على الأبنية، وأماكن اللهو، إنما أماكن العبادة- المساجد والكنائس، وغالبا ما تثير بعض الأفلام القديمة، الأبيض والأسود. هذا الحنين للمدينة، وجمالياتها، ونظام الزى الغربي الأنيق للسيدات، والرجال، والأطفال، حنين مشوب بالأسى، والحزن، والشكوى من ضياع الحالة الحضارية في البناء الجميل، والسلوك الاجتماعي للفئات الاجتماعية الوسطى- العليا، والوسطي- الوسطى، وطبقة الأفندية التي صعدت مع ثورة 1919 وما بعد!

    هناك أيضا الحنين إلى مدينة الإسكندرية. وصور لكروت البوستال القديمة للمدينة الكوزموبوليتانية، التي وصفها الممثل الفرنسي الشهير “إيف مونتان” عام 1951، بأنها أجمل من مرسيليا!

    العالم الكوزموبوليتي المتعدد الثقافات المتفاعلة والمتعايشة داخل فضاءات المدينة، لازال جزءا من بعض الذاكرة الجماعية للأجيال كبيرة السن التي اعتراها. وهن الشيخوخة، وتحولات السياسة والثقافة والاجتماع المصري طيلة أكثر من سبعين عاما مرت بالبلاد، وتقلباتها واضطراباتها، والتغير الاجتماعي الذي شمل ثقافة المدينة، والسلوك الاجتماعي للقاطنين فيها أو العابرين لنزهة صيفية، أو إنجازا لعمل. حيث تحولت إلى مدينة مريفة، وكتل أسمنتية قبيحة على شواطئها، وكباري معلقة، وانتهاك لحرمة البحر، وشواطئه وفضاءاته، وتخييلاته للمارة والعابرين والمصطافين.

    نظرا لهجرة الريفيين من المحافظات القريبة، أو القادمين من صعيد مصر سعيا وراء الرزق. وهي كتل اجتماعية يسرت على الحركة السلفية تمددها. ودعواها الدينية الشكلية، والطقوسي والمحافظة. والمتشددة في تأويلاتها الوضعية الموروثة من السرديات التاريخية التأويلية لبعض من مدارس الإسلام السني!

    أثناء هدم سينما فريال في قنا -تصوير شريف نبيل
    أثناء هدم سينما فريال في قنا -تصوير شريف نبيل
    **

    تشوه الأنسجة المعمارية، ترافق مع السلوك الاجتماعي الريفي، والقيم القدرية المحمول عليها، جعل الأنسجة المعمارية، ونظام الزى تقدم صورة نقيضه لعالم المدينة الكوزموبوليتانية التاريخية التي تبددت. ورحلت عن عالمها المعماري العشوائي، والقبيح. إلا بعض من بقاياها، يتم هدمه من قصور، وفيلات. كنتاج لتفشى الفساد في الوظيفة العامة، أو لبناء الفنادق والعمارات العالية التي تبنى لتطل على البحر المتوسط. وتزيد القبح المعماري المسيطر في المدن الكبرى.

    تبدو ظاهرة ترييف المدن، جزءا من الاستقطاب الحضري، والهجرة من الأرياف إلى المدن سعيا وراء الرزق. وهي ظاهرة بدأت بشائرها، وعلاماتها في أعقاب الحرب العالمية الأولى، والثانية، واتسع نطاقها بعد 1958 في عهد نظام يوليو 1952. وبعد هزيمة يونيو 1967. ثم في العقود الثلاث الأخيرة من القرن الماضي، والعقدين الماضيين من القرن الحادي والعشرين.

    أدى اتساع ظاهرة التريف، إلى هجرة المتعلمين أيضا في ظل اتساع قاعدة التعليم مع نظام يوليو. ورغبة خريجي الجامعات والمعاهد العليا، والمعاهد الفنية. وذوي التعليم المتوسط في الحياة داخل هوامش القاهرة والإسكندرية علي نحو أدى إلى اتساع مناطقها العشوائية.

    **

    من ناحية أخرى تمدد العشوائيات في المدن الريفية بالمحافظات المختلفة كنتاج للهجرة إليها من القرى، وأيضا لعودة العمالة المصرية المؤقتة من السعودية والخليج والعراق وليبيا. وتفشى ظاهرة البناء دون ترخيص، واللجوء إلى بعض الإجراءات لتسوية أوضاع الأبنية غير المرخصة. والأخطر البناء على أراض زراعية على نحو ما حدث منذ عقد السبعينيات وكأن ظواهر البناء العشوائي، وسمت شكل العمارة القبيحة، واللاتخطيط العمراني. هو عالم الطرز المعمارية العشوائية السائدة في البلاد الذي يكشف عن فساد متسع في بعض الوظائف العامة. من قبل الموظفين العموميين، وأيضا المشاركة الجماهيرية الواسعة– من فئات اجتماعية مختلفة– في ظواهر الفساد الاجتماعي، وداخل أجهزة الدولة!

    هي ظواهر نبه إليها بعض الكتاب، والخبراء مذاك، وإلى الآن. ودونما ردود أفعال جادة من الحكومات المتعاقبة. أدى أيضا لجوء أجهزة الدولة إلى آلية التصالح، ودفع بعض المصاريف والتعويضات إلى اهتزاز فكرة دولة القانون، وهيبته لدى الجمهور. وهي ظاهرة بالغة الخطورة في جهاز الدولة، ولدى الجموع الشعبية الغفيرة، والفئات الوسطى– الوسطى، والوسطى العليا!

    من الظواهر العشوائية في سياسة جهاز الدولة المختص بالإنشاءات، والعمران، والطرق والكباري، والبنية الأساسية، غياب الدراسات المستقبلية، والمتكاملة بين التخصصات المختلفة، من مهندسي الإنشاءات، وخبراء الطرق والمرور، ودراسة الكثافات المرورية المستقبلية وتطوراتها المحتملة. مع ظواهر الانفجارات السكانية المستمرة، والمستقبلية، والجوانب الجمالية، والتخطيط العمراني، والعلاقة بين البنية الأساسية في منطقة ما، وبين الفراغات والأنسجة المعمارية والجوانب المرتبطة بالنمو في الاستثمارات….. إلخ والجوانب البيئية.

    هدم حديقة الهابي لاند ونادي السكة الحديد بالمنصورة - من مبادرة انقذوا المنصورة
    هدم حديقة الهابي لاند ونادي السكة الحديد بالمنصورة – من مبادرة انقذوا المنصورة
    **

    اعتبارات متعددة تحتاج إلى دراسات متكاملة من خبراء مشهود لهم بالكفاءة، والخبرة، والنظرة المستقبلية، والرقابة على أعمال التشييد، والتنفيذ وإقرار ما تم وفق المواصفات الفنية التي تمت الموافقة عليها مسبقا. لأن بعض التسرع والخفة والفساد في التنفيذ. بدت في عديد الحالات السافرة، ولا تحتاج التي خبرات لبيان ذلك، وخاصة في رصف الطرق والكباري!

    ثمة نزوع لدي السلطة السياسية من عصر السادات إلى مبارك، تنحو إلي إعطاء امتيازات لبعض النوادي المهنية للنقابات، والنوادي الرياضية الكبرى، منافذ لها علي شاطئ نهر النيل لبناء نوادي نهرية. وهو ما شكل مساهمة في تلوث بيئة النهر، من بعض المخلفات، والأخطر حجب النهر من عيون الغالبية العظمى من المصريين إلا من خلال الكباري الكبرى علي النهر بالقاهرة.

    ومن ثم قصر التمتع بالنيل على فئات اجتماعية ذات امتيازات عن غيرها من المواطنين؟ أو التحول إلى إقامة مقاهي. أو مطاعم غالية الثمن علي الشاطئ. أو ما أطلق عليه “ممر أهل مصر” وذلك بدفع رسم للدخول لا تستطيع الأسر المعسرة أن تدفع هذه الرسوم!

    **

    من هنا يبدو بوضوح المساس بمبدأ المساواة بين المواطنين المنصوص عليه في النظام الدستوري المصري!

    السؤال الذي نطرحه هنا ما هي أسباب الفوضى المعمارية العشوائية وسيطرتها على الحالة المصرية، والحاملة للقبح في الشكل والطرز والبناء وما وراءها؟

    ثمة عديد الأسباب فيما وراء ثقافة القبح المعماري، والأنماط العشوائية في البناء يمكن رصدها فيما يلي:

    أولا: البناء العشوائي ظاهرة قديمة:

    يبدو الشائع التركيز في المخيال الجماعي للأجيال الأكبر سنا على نمط المدينة الكوزموبوليتانية في القاهرة، والإسكندرية، والمنصورة، وغيرها. جزءا من الخيال شبه الجمعي للنخب، وبقاياها. وشكلا بين أشكال القنوط إزاء الحاضر المعماري المشوه، والارتحال السوسيو/ نفسي إلى ثقافة المدينة الحديثة، قبل ترييفها وعشوائيتها!

    ثمة احتفاء، وولع بمواقع صور القاهرة، والإسكندرية في المرحلة شبه الليبرالية والتوثيق المادي لكلا المدينتين، وعالم الأناقة في نظام الزى للرجال، والنساء، وشكل الطرق. والفراغات بين الأنسجة المعمارية، ومعها دور السينما، وإعلانات الأفلام الأجنبية والمصرية، وصالات الشراب واللهو. وشكل السيارة الخاصة والمركبات العامة، والترام، ومحال بيع الملابس والسلع والأثاث مثل شيكوريل، وصيدناوي، وبونتريمولي. وبيع المصنوعات المصرية، ومحال بيع المشغولات الذهبية……. إلخ. هي حالة سوسيو نفسية، وبعضها سوسيو- سياسي ينطوي على نقد الناصرية، ونظام يوليو 1952 التسلطي.

    إحدى العوامات الكيت كات قبل الهدم
    إحدى العوامات الكيت كات قبل الهدم
    **

    ظاهرة تمجيد الماضي أو ما أطلق عليه في اللغة الدارجة “حلاوة زمان”. وغالبية هؤلاء من الطبقات الوسطى العليا، أو الوسطى- الوسطى، وبعض المثقفين من أبناء المدن! وممن صعدوا اجتماعيا في ظل نظامها! ومع هؤلاء بعض الأقباط ممن يرون في الناصرية فرطت في تقاليد 1919 السياسية، والاجتماعية. بخصوص الحقوق الدينية، والمساواة، والمشاركة السياسية.

    من هنا نحن إزاء ظاهرة أزمات سوسيو – سياسية، وسوسيو – نفسية من الأجيال الأكبر سنا. من الخمسينيات إلى ما بعد!لأنها كانت بعضا من بقايا ذاكرتهم. أو حياتهم في المدينة وأحيائها، وجزءً من استعادة هذا الماضي.

    أما أبناء الفئات المعسرة من العمالة البسيطة، وصغار الموظفين، والبرجوازية الرثة– غالبا كانت القاهرة الخديوية، والإسكندرية في مركزها، وحول الشواطئ. وبعض إحيائها جزءا من بعض حياتهم اليومية في العمل. أو التنزه في أوقات الفراغ، إلا أنهم لم يعرفوا الحياة في العمارات الخديوية، ومثيلاتها في الإسكندرية. وإنما تركزت حياتهم في قاع المدينة، وأحيائها الفقيرة، وامتداداتها العشوائية. ومن ثم كانت هذه الأحياء المكتظة بالميسورين والوافدين من الأرياف سعيا وراء الرزق. هي حياتهم ونمطها المغاير في القيم وبعض أشكال السلوك الاجتماعي السائد داخلها.

    **

    كانت العشوائيات العمرانية داخل حارات المدينة. وأحيائها الشعبية، تعبيرًا عن الحاجة الوظيفية للسكن. وليست جمالياته أو تخطيطه العمراني.

    ظاهرة القبح المعماري لسكن الفقراء في المدن كانت هي الأبرز. مع بعض البيوت ذات الطابع الإسلامي الموروث من عصور سابقة من حيث البناء، والفراغ من الداخل، والشبابيك المطلة على الداخل، والمشربيات على الشوارع الضيقة، والتي تميزت بجمالها المعماري الموروث. والمعبر عن نظام القيم المحافظة، والذكورية، ونظام الزى، المحدود للمرأة في الأحياء، ومكوثها في المنزل لأداء أدوارها الوظيفية في إطار نظام الأسرة الذكوري!

    هذا النمط من الطرز المعمارية، كان يسود أحياء مصر الإسلامية حول الأزهر، والحسين، والسيدة زينب.. إلخ والأحياء المجاورة لهم.

    كان السكن معبرا عن هوية المكان ونظامه القيمي، وذكوريته المهيمنة. من ثم كانت أدواره الوظيفية متسقة مع ثقافة المكان، من المساجد التاريخية التراثية الجميلة، وأيضا المحال، وأيضا ضمن الحارات!

    ظلت الأحياء في القاهرة القديمة رهينة مبادرات الأهالي في البناء، والتراخيص، والعشوائية. في ظل بناء القاهرة الخديوية، وتنظيمها في عصر إسماعيل باشا وما بعد حتى المرحلة شبه الليبرالية!

    **

    مع تمدد المدينة إلى أحياء جديدة في مصر الجديدة والدقي والعجوزة والجيزة. ثم حلوان والمعادي، كانت هذه الأحياء مخططة عُمْرَانِيًّا، ودخل إليها بعض التطورات في الطرز المعمارية الجديدة. وفي العلاقة بين الكتل العمرانية، والفراغات في ظل انتقال الفئات الوسطى إلى هذه المناطق. وبعض التعدد الديني والثقافي في إطار ثقافة التعايش وتفرعاتها من المرحلة شبه الليبرالية. مع سيطرة الزى المديني للرجال والنساء والأطفال مع بعض من الزى الشعبي- كالجلباب– لبعض من يعملون في هذه الأحياء.

    مع ثورة يوليو 1952، والهجرة إلى المدن. تزايدت أعداد الريفيين في القاهرة والإسكندرية، مع تزايد أعداد السكان، تزايدت مشكلات المعروض من السكن خاصة في ظل التعديلات المتعاقبة على قانون إيجارات المساكن. ثم قلة المعروض من الوحدات السكنية وتمدد عقد الإيجارات بقوة القانون. ثم دخول الدولة إلى مجال بناء المساكن الشعبية كما كان يطلق عليها للتخفيف من حدة الأزمة السكانية، واستيلاء شركات التأمين على بعض العمارات التي تم تأميمها في الأحياء الراقية.

    كان لجوء الدولة لبناء المساكن الشعبية من أجل استيعاب بعض الطلب على السكن نقطة تحول في تغلب الاعتبارات العملية في البناء. وخاصة مع شركات المقاولات من الباطن من القطاع العام. وتغلب عقلية المقاولين على عقلية المهندسين المعماريين والإنشائيين في تصميم هذه الكتل السكنية وفق تأثر بعض ما كان يتم في الدول الاشتراكية. أو ما كان يطلق عليه بنمط أسنان ستالين “stalin teeth” أو العمارة الستالينية أو الكلاسيكية الاجتماعية ما بين عامي 1933م، وعام 1955م. مع تأسيس الأكاديمية السوفيتية للعمارة في عهد خروشوف. وكان استخدامها استعاري. لأنها عمارة ذات طابع وظيفي يرمى إلى إسكان العمال، والموظفين محدودو الدخل. وهو ما أدى إلى نقص المعروض من الوحدات السكنية للقطاع الخاص.

    **

    من هنا تمددت المناطق العشوائية داخل المدينة، وعلي هوامشها في ظل فساد بعض الأجهزة المحلية، والبناء دون ترخيص، وعدم الاهتمام بالاعتبارات الهندسية، أو التخطيطية، وبالطبع الطرز المعمارية، وجمالياتها، وهوية المكان!

    لاشك أن ذلك أدى إلى فوضى معمارية لا نظير لها، خاصة بعد هزيمة يونيو 1967. وبعد حرب أكتوبر 1973، والهجرة إلى النفط، وتزايدت عمليات البناء العشوائي دون ترخيص، بطول البلاد وعرضها، والاعتداء على الأراضي الزراعية، والبناء عليها على خلاف القانون.

    مخيلة زمن المدينة الجميلة في طرزها المعمارية. ونظام الحياة والسكن هو تعبير عن الحنين لتاريخ المدينة الحديثة، ونسيان الوجوه الأخرى، خارج مراكز المدينة، ونسيان عالم قاع المدينة وهوامشها، وعمارتها العشوائية، ومعها الفضاءات العشوائية في مدن المحافظات والقرى!

    اقرأ أيضا

    مدخل لعالم الشاعر عبدالحفيظ طايل: شعرية الهذيان (3-3)

  • تحت التهديد.. ما مصير الآثار المصرية في أوكرانيا؟

    تحت التهديد.. ما مصير الآثار المصرية في أوكرانيا؟

    الكنوز الأثرية لمتحف «أوديسا» أقدم متاحف أوكرانيا مهددة بالتدمير تحت القصف الروسي. ومن بين كنوز المتحف ما يقرب من 800 قطعة مصرية في العرض، و500 أخرى فى المخازن. ما مصير هذه القطع..وكيف يمكن حمايتها؟ «باب مصر» يستعرض الأمر.

    الكنز المصري

    يستقبل متحف أوديسا الأثري التابع للأكاديمية الوطنية للعلوم في أوكرانيا وأقدم متحف أثري في أوكرانيا، الزائر، بمجموعة متنوعة من الآثار تشمل عصور وحضارات مختلفة. بدءا من آثار العصر البرونزي والتماثيل اليونانية عند بداية المتحف مرورا بمنحوتات الحدائق، حتى يتم الوصول إلى “الكنز”. كما يُطلق عليه إدارة المتحف وهي لمعروضات المصرية القديمة. ووفقا لحساب تقديري عن إحتمالية قصف المتحف، فإنها مهددة بالخطر إثر الحرب المندلعة بين روسيا وأوكرانيا.

    من المعروف أن المتحف يعرض مجموعة الآثار المصرية القديمة المُقدر عددها بحوالي 800 قطعة. تصفه أوكرانيا بأنها مجموعة لا تقدر بثمن وأنها مفتاح أي بحث مصري. ولكن ما لا يعرفه الكثيرون أن متحف أوديسا يضم 500 قطعة مصرية قديمة أخرى غير معروضة، منها: 4 مومياوات، 11 تابوتا، جزءا من جدار مقبرة، 8 مسلات جنائزية، 11 تمثالا، حوالي 100 قطعة من الأوشبتي، زخارف خزفية، تمائم، جعارين، أواني فخارية، صناديق لمستحضرات التجميل، مفتاح، مسند للرأس، أحذية جلدية، عينات من أنسجة وغيرها من المصنوعة اليدوية.

    هل تمتلك أوديسا آثار مصر قانونيا!

    هذه القطع لم يرها أيا من الزوار من قبل. إذ ظلت حبيسة مخازن المتحف لفترة تزيد عن اثنتى عشر عقد. مما يدفع بالشك في مدى أحقية المتحف في الحصول عليها. إذ أنه حال امتلاك المتحف أوراق ثبوت ملكيتها يمتلك الحق في عرضها، ولكنها حتى الآن لم تُعرض من قبل. بالإضافة إلى عدم التأكد من صحة بيانات المتحف عن عددها وهل هي تزيد عن 500 قطعة أم لا.

    حصل «باب مصر» على نسخة باللغة الأوكرانية من التقرير العلمي الأخير الصادر عن اجتماع هيئة رئاسة الأكاديمية الوطنية للعلوم في أوكرانيا بتاريخ الرابع من ديسمبر 2019. وأوضح مدير متحف أوديسا د. بروياكو إيجور فيكتوروفيتش الكثير من معلومات عن تاريخ الحصول على هذه القطع ودرجة حمايتها.

    هذا التقرير كان مخصص لإحدى مجموعات متحف “أوديسا”. وهي مجموعة الآثار المصرية القديمة،، التي تستحق اهتماما خاصا لعدة أسباب أبرزها قيمتها العلمية. إذ أجمع كل العلماء في أوكرانيا أنها المجموعة الوحيدة صاحبة أعلى قيمة، وتتكون من أكثر من 800 قطعة.

    يتناول التقرير مجموعة واسعة من القضايا المتعلقة بتاريخ التكوين وحالة المجموعة المصرية القديمة، والمخزنة في متحف أوديسا، بإعتبارها أكبر مجموعة من الآثار في أوكرانيا.

    وعند الوصول إلى إشكالية أوراق ثبوت ملكيتها كتب مدير المتحف عن بعض القطع:

    “في عام 1894 تلقت الإمبراطورية الروسية 6 صناديق تحتوي على كنوز مصرية. من بينها 5 توابيت و49 قطعة أثرية، مرفقة بوثيقة تثبت شراءها. ولكن حتى الآن لم يتم عرض هذه الوثيقة سواء في المتحف أو عبر أي جهة أوكرانية. تمت ترجمة وإعداد الوثيقة للنشر والتعليق عليها في الثمانينيات من قبل عالم المصريات السوفيتي أود بيرلف، ولكنها محفوظة في أرشيف ولاية أوديسا ولم يتم نشرها بعد”.

    كيف نسترد الآثار المصرية؟

    يضع هذا الجزء من التقرير الكثير من الاحتمالات، عن سبب عدم عرض القطع أو الوثائق حتى الآن، وهل وفي حالتي الحرب وامتلاك الوثائق، أو توقف الحرب وعدم امتلاك المتحف وثائق الملكية هل يحق لمصر المطالبة باستردادها. إذ يقدر عددها إجمالا حوالي 1300 قطعة آثار مصرية؟

    وفي هذا الشأن، يوضح د.محمد الشهير، الخبير القانوني والمحكم الدولي، أن الجهة المسؤولة قانونا هي إدارة الآثار المستردة بوزارة السياحة والآثار. من خلال التعاون مع منظمة اليونسكو، والجهات المعنية في الدولة الموجود بها الآثار.

    مشيرا إلى أنه توجد حالتين يتم التصرف على أساسهما. ففي حالة خروج الآثار المصرية ووصولها بطريق غير مشروع. فإن المادة الثالثة عشر من اللائحة التنفيذية لقانون حماية الآثار تنص صراحة على عدم سقوط الحق في إقامة دعوى استرداد الآثار المهربة للخارج بالتقادم أيا كانت. وبمجرد نهائية الحكم الصادر بإستعادة الآثار، يمكن التواصل مع جهات إنفاذ القانون بالدولة المعنية لتسليم الآثار المهربة إلى الدولة المصرية. ويتم تنسيق هذه العملية من خلال السفارة المصرية في الدولة المضيفة.

    أما عن الآثار المصرية الموجودة بالمتاحف الأوكرانية، يوضح أن إستعادتها يحتاج لجهود دبلوماسية أكثر من النواحي القانونية. فعلى الرغم من حالة الخطر المحدق التي تهدد هذه القطع الأثرية بسبب النزاع المسلح الدائر هناك. إلا أنه يمكن للدولة المضيفة أن ترفض إعادة القطع الأثرية تحت دعوى قدرتها على الحفاظ على هذه الآثار. أو عن طريق القول بأن المتاحف تلعب دورا مهما كمستودع للإنجازات الثقافية للجنس البشري. خاصة وأن موافقة الدولة الأوكرانية في هذه الحالة سيمنح مصر قرينة قانونية تمكنها من المطالبة بالآثار الأخرى المنتشرة في المتاحف الأوروبية.

    اتفاقية «لاهاي»

    ومع ذلك يمكن للدولة المصرية أن تستند إلى اتفاقية «لاهاي» المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية، المبرمة في عام 1907، التي قررت مبدأ حصانة الممتلكات الثقافية، حتى في حالة الحصار أو القصف. ويضيف المحكم الدولي أنه بإعتبار أن حماية الممتلكات الثقافية هو حق من الحقوق العالمية لحماية ذاكرة الشعوب وضميرها الجماعي وهويتها، ولكن أيضا ذاكرة وهوية كل فرد من الأفراد الذين يشكلونه، وهذا الحق له أصله في قواعد القانون الدولي الإنساني.

    فضلا عن الاستناد إلى اتفاقية «لاهاي» لحماية الممتلكات الثقافية في حال النزاع المسلح التي تم إبرامها في عام 1954. ويوضح أن المادة الثانية عشر منها أجازت نقل الممتلكات الثقافية إلى إقليم آخر، بناءً على طلب الطرف المتعاقد صاحب الشأن، لوضع الآثار تحت حماية خاصة وفقا للشروط المنصوص عليها في هذه الاتفاقية.

    وفي حالة رفض الدولة المضيفة التي تقع الحرب على أرضها عقد اتفاقية خاصة لنقل الآثار وحمايتها. فيمكن للدولة المتضررة في هذه الحالة أن تطلب حل النزاع بطريق التوفيق، أو أن تطلب معاونة هيئة اليونسكو.

    حماية الآثار خلال الحروب

    المطالبة بالآثار المصرية مازال أمرًا غير محتمل تنفيذه، خاصة.إذ اتخذت السلطات الأكرانية قرارا بتأمين المتاحف ونقل القطع الأثرية المعروضة إلى مكان أكثر مكانا، وعن تجربة حماية الآثار خلال الحروب. يروي د. يوسف كنجو، الباحث في معهد دراسات آثار الشرق القديم، جامعة توينجن في ألمانيا تجربته كمدير سابق لمتحف حلب الوطني والإجراءات التي اتخذها لتأمين المتحف خلال الحرب السورية.

    من خلال تجربته على حماية الآثار السورية، يوضح كنجو لـ«باب مصر» أن هناك إجراءات يتم اتخاذها مباشرة عند بداية الحرب وإن أمكن قبل ذلك. منها الإخلاء السريع للمجموعات الأثرية من مكانها في العرض المتحفي إلى المستودعات، التي يجب أن يتم تحصينها بشكل كبير. مثل عمل جدران من الأسمنت المسلح ووضع أكياس الرمل، إغلاق جميع الأبواب والنوافذ المؤدية إلى المتحف والمستودعات بأبواب حديد.

    ويتوقع أن إدارة متحف “أوديسا” عن مكان أكثر أمانا خارج المتحف لنقل المجموعات المصرية إليه. على أن تتوفر فيه شروط الأمان والحفظ. ويضيف: “يمكن نقل القطع الأثرية خارج البلاد إذا وافقت السلطات المسؤولة على ذلك”.

    رحلة الآثار من مصر إلى أوكرانيا

    ولكن في حالة التأمين وموافقة السلطات على نقلها خارج أوكرانيا، فإن المجموعة المصرية ستظل في حالة تنقل منذ اللحظة الأولى التي تم العثور عليها حتى الآن. إذ يرجع تاريخ جمع هذه المجموعة إلى القرن التاسع عشر. كان أساس هذه المجموعة عبارة عن عدد من الآثار المصرية القديمة، التي تم التبرع بها إلى المتحف في عام 1826 وعلى وجه الأخص لمديره آنذاك «جان بول»، واسمه الحقيقي «إيفان بافلوفيتش» (1831 -1772) عالم الأثريات وأحد أوائل الباحثين في الآثار الكلاسيكية لجنوب أوكرانيا وشبه جزيرة القرم.

    تضمنت المجموعة العديد من القطع المصرية القديمة المميزة. ويعود تاريخ جمعها إلى أربعينيات القرن التاسع عشر. حيث تم تجديد المتحف بشكل أساسي اعتمادا على القطع التي جلبها معهم الأطباء الذين زارو مصر لمهمة إنسانية، وهي مساعدة السلطات المحلية والمؤسسات الطبية المصرية في مكافحة الطاعون الذي انتشر وباءه من بلد لآخر.

    وهكذا حتى عام 1843، حين تبرع رئيس الخدمات الطبية الفرنسية «ستيب كلوت باي» بجزء من جدارية مزخرفة. فيما تبرع الأطباء «فراشكو» و«أومانيتس» بـ3 قطع أثرية أخرى. وفي عام 1846 تبرع الأرشمندريت بورفيري بمومياء محنطة واثنين من طائر أبومنجل مُحنط، و6 قطع أثرية كان قد حصل عليه خلال رحلته إلى مصر، التي دونها لاحقا في كتابه الأشهر «رحلة عبر مصر والأديرة» المنشور في عام.

    200 تابوت هدية من عباس حلمي الثاني

    ذكر مدير المتحف في تقريره العلمي عن أصول المجموعة المصرية، واقعة لم يتم التأكد من صحتها، وهي ارتباط هذه الآثار أيضا بالواقعة الشهيرة للخديوي عباس حلمي الثاني. حين أهدى 17 دولة أوروبية بعد تنصيبه، أكثر من 200 تابوت خشبي معبأ بالآثار وذلك في عام 1893. ولم يتضح حتى الآن ما هو السبب.

    ولكنه أوضح مكانهم الحالي، هذه القطع قامت اللجنة في منطقة أوديسا التعليمية بتوزيع القطع الأثرية المُستلمة بين العديد من متاحف الجامعات. ثم نقلهم إلى متحف “جامعة نوفوروسيسك” المعروفة حاليا بجامعة أوديسا الوطنية الحديثة. وتم تضمينهم في مجموعة متحف أوديسا الأثري فقط في عام 1923.

    بالإضافة إلى هذه القطع الأثرية يضم المتحف الآن القطع الأثرية التي أهداها الخديوي عباس حلمي الثاني، والتي جاءت لأول مرة إلى المتحف الأثري بجامعة «سانت فلاديمير» في كييف ثم إلى متحف ولاية كييف التاريخي. وفي عام 1959 تم نقله إلى متحف أوديسا الأثري وكان هذه آخر إضافة إلى مجموعة المتحف خلال الحقبة السوفيتية.

    آثار مصرية – ملكية خاصة!

    في عام 1923 تم تجديد المتحف بمجموعة كبيرة من الآثار المصرية، والتي تم جمعها في منتصف القرن التاسع عشر في مصر من قبل طبيب مشهور يدعى «ريشيليو ليسيوم أرتيمي رافالوفيتش»، والذي سافر في أنحاء مصر خاصة في مناطق الدلتا لتكوين مجموعته الخاصة، والتي لم تفقد أهميتها حتى الآن.

    تم تسجيل مجموعته الخاصة ضمن المؤسسة، التي تحمل اسمه «مؤسسة رافالوفيتش». وتضم أكثر من 100 قطعة أثرية. وتتكون من مجموعة تمائم وبقايا نباتية ومسند للرأس، ووعاء من المرمر وتمثال صغير ملكي وأواني صخرية، بالإضافة إلى وعاء من الألباستر ذو تاريخ مجهول.

    استمرت الإضافات إلى هذه المجموعة. وفي ثلاثينيات القرن العشرين لم يستلم المتحف سوى بعض القطع من الآثار المصرية، كانت أهم مساهمة في متحف أديسا الأثري في هذه الفترة، هي القطع الأثرية من مجموعات الدكتور «أغسطس» والبروفيسور «س. سيمينوف زوسر». ومنها تماثيل بازلت وصلت إلى المتحف في عام 1938 كما مدون في بطاقتها بالمتحف.

    القيمة العلمية  للآثار المصرية

    هذه المجموعة من الملكيات الخاصة مازالت غير معروضة أيضا. وعن سبب عدم عرضها أوضح مدير المتحف -في تصريحات سابقة- أن متحف أوديسا أصبح أكثر تواضع مقارنة بغيره من المتاحف والمؤسسات الإقليمية، من حيث علم الآثار والتاريخ القديم. وقال: “من المؤسف سماع ملاحظات بعض الزوار وخاصة الأجانب عن تواضع متحفنا”.

    وعن القيمة العلمية ودراسة تاريخ المجموعة، تم تسجيلها بناء على معلومات أصلية ترجع إلى تقارير «بيرني» المكتوبة عن دراسة القطع لاأثرية من مجموعة المتحف إلى عام 1839، عندما رسم الفنان كارلو بوسيلي رسومات تحدد مكان استخراج بعض القطع وتاريخها. لكن أول وصف تفصيلي للمجموعة المصرية من متحف أوديسا الأثري قد قام به عالم المصريات الروسي البارز «بوريس تورايف» في عام 1912. وفي ذلك الوقت كان عدد القطع حالي 300 قطعة فقط.

    وفي ثلاثينيات القرن الماضي، تمت دراستها من قبل «سرجيوس دونيش» الذي جمع المعلومات عنها في شكل كتالوج. ولكن على حد وصفه في تقريره العلمي، فإن المخطوطة ضاعت. وتم التوصل إلى تاريخ عدد محدود من هذه القطع بواسطة علماء مصريون ولكن الكثير منها ما زال مجهولا. وفي عام 2007 تعرف وفد مصري بقيادة أحمد رضا، مدير إدارة ترميم الآثار في متاحف شمال سيناء حينها على تاريخ عدد من القطع الأثرية.

    اقرأ أيضا

    تجارب من دول أخرى: كيف تحافظ الحكومات على تراث المدن؟

  • «مونيكا حنا»: جميع الوثائق تؤكد أحقية مصر في استعادة «نفرتيتي»

    «مونيكا حنا»: جميع الوثائق تؤكد أحقية مصر في استعادة «نفرتيتي»

    هل يحق لمصر المطالبة برأس نفرتيتي؟ كان هذا السؤال محورا للمحاضرة التي ألقتها منذ أيام الدكتورة مونيكا حنا، عميد كلية الآثار بالأكاديمية البحرية، تحت عنوان «عودة نفرتيتي» بالتعاون مع مؤسسة مجراية للتدريب وتطوير الفنون. إذ طالبت بضغط شعبي مصري على الحكومة الألمانية في ظل وجود وثائق تاريخية تؤكد أحقية مصر في استرداد التمثال بعد تعثر المفاوضات التي تمت مع الجانب الألماني. «باب مصر» يستعرض قصة خروج رأس نفرتيتي وكذلك المعارك التي خاضتها الحكومات المصرية المتعاقبة لاستعادتها.

    موازين القوى

    قالت مونيكا إن الاستعمار سرق التراث الإفريقي بشكل عام. فهناك إحصائيات تقول إن التراث الإفريقي الموجود داخل القارة لا يتعدى سوى 30%. أما النسبة المتبقية فهي موزعة على متاحف العالم، كذلك فموازين القوى تختلف بشكل كبير فعلى المستوى الأكاديمي تمت سرقتنا. إذ أننا غير قادرين على الكتابة أو النشر عن تاريخنا، لأنه بنسبة 90% من الكتب المقدمة عن الحضارة المصرية القديمة تصدر من جانب دوائر غربية، لكننا كمصريين نحاول تقديم أبحاث خاصة بنا، لكن بشكل عام فموازين القوى مختلف حتى الآن.

    وتحكي عن المتاحف داخل أوروبا إذ تشير إلى أنها عبارة عن سلطة ثقافية استعمارية تقوم بوظيفة إمبريالية؛ لذلك فهناك ضرورة ملحة لاسترجاع رأس نفرتيتي من أوروبا وكذلك القطع الأثرية الأخرى. إذ أن بداية الاستعمار الثقافي لمصر بدأ مع نابليون عندما دخل واصطحب علمائه. فقد كان يتخيل نفسه امتدادا للإسكندر الأكبر. لكنه أراد الإيحاء أننا مجتمع يرفض التنوير، وهذا التصور ظهر تحديدا من خلال اللوحات التي رسموها، والتي حاولوا من خلالها تقديم المواطن المصري باعتباره رجعيا يرفض أي تحديث داخل مجتمعه، وذلك لأننا رفضنا فمرة الاحتلال الفرنسي.

    نفرتيتي
    نفرتيتي
    انتصار مزعوم!

    تضيف حنا: عندما خسرت فرنسا الحرب أمام بريطانيا في معركة أبوقير البحرية، أخذت بريطانيا بعض القطع الأثرية كغنيمة حرب ومنها حجر رشيد، والذي يعرض حاليا في المتحف البريطاني. لكن بعد أن خسر نابليون الحرب حاول التغطية على هزيمته فأعلن عن كتاب وصف مصر وادعوا أنهم قد انتصروا ثقافيا، من خلال التعرف على حضارة مصر القديمة التي لم يكن يعرفوا عنها شيئا.

    وحين جاء محمد عليّ إلى الحكم لم يكن مهتما بمصر، بل كان اهتماما نابعا من حبه لعائلته. فقد صدر أول قرار للحفاظ على الآثار سنة 1831، لكنه في الوقت نفسه كان يعطي للإنجليز والفرنسيين وأصدقائه ما يريدوه من آثار مصرية. فقد فعل ذلك لأنه احتاج دعم الدول الأوروبية عندما واجه السلطان العثماني.

    تأزم العلاقات

    وتستطرد: عندما جاء الخديوي إسماعيل بدأ عملية التطوير، لكنه في السياق ذاته اهتم بالتراث المصري. وكذلك المقربين منه مثل رفاعة الطهطاوي الذي أراد تعليم المصريين التاريخ المصري القديم. نتيجة معرفته بالولع الذي شاهده عند الغرب بهذه الحضارة. وفي سنة 1912م تم العثور على رأس نفرتيتي لكن قبل الاكتشاف بستة أشهر تم إصدار أول قانون لحماية الآثار. إذ تم العثور على التمثال بإيعاز من رئيس المعهد الألماني للدراسات الشرقية في برلين. وتم العثور على الرأس وخرجت إلى ألمانيا في نوفمبر سنة 1912، لكن بعدها بفترة تم اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون وهنا حدثت غيرة بين الألمان والإنجليز بسبب رغبة الإنجليز في نقل المقبرة.

    لكن هنا حدث حراك ثقافي إبان ثورة 1919، فقد ظهرت أصوات تنادي بإلغاء قانون “القسمة” وقد طالبوا بإبقاء الآثار المكتشفة داخل مصر، لكن في هذا الوقت عرضت ألمانيا رأس نفرتيتي داخل المتحف ردا على بريطانيا التي اكتشفت مقبرة توت عنخ آمون. وهنا بدأ الصحف المصرية الكتابة عن فكرة تمرير خروج رأس نفرتيتي. وحدث رفض شديد، ودخلت مصر في مفاوضات مع ألمانيا لاستعادة الرأس مقابل تنازل مصر عن تمثالين لصالح الألمان.

    وقد فشلت هذه المفاوضات في المرة الأولى بسبب هلتر. فقد اعتبرت الصحف المصرية أن مكتشف الرأس عالم المصريات لودفيج بورشاردت “حرامي”. وهنا بدأ بورشاردت يرد على هذه الاتهامات وذكر أن القطعة في محضر “القسمة” لم يتم رفض تسليمها للجانب الألماني، وقد بدأت تتأزم العلاقات في تلك الفترة.

    فشل المفاوضات

    تشير حنا إلى أن المصريين دائما ما اعتبروا أن رأس نفرتيتي قد “سرقت”. إذ أن القانون أثناء تلك الفترة كان يمنع حفر “الأفراد” ويسمح للجهات العلمية في عملية التنقيب. وكان بورشاردت على علم بالقوانين المصرية التي كانت تمنع التحايل على القانون. فالقانون نفسه كان ينص على أن عملية بيع القطع الأثرية هي ملك للحكومة المصرية، ويجوز لها شراء أي قطعة ترى أنها تحتاجها مقابل دفع أجرة الحفر، لكن الذي حدث أنه تحايل على القانون.

    ففي أواخر العشرينات وبداية الثلاثينيات حدثت نقاشات كما ذكرت على مستوى الرأي العام، لكن على مستوى الحكومة لم يتم الضغط على الجانب الألماني بالقدر الكافي. فعندما وصل هتلر للحكم، كان الشعب الألماني وقتها، يرفض بشدة باسترجاع الرأس. وقد أرادت مصر تجنب دخول أي سجالات سياسية مع ألمانيا. إذ تركت مجال التفاوض لرجال الآثار، وفشلت المفاوضات في النهاية.

    نفرتيتي وهتلر

    وتحكي مونيكا عن مرحلة أخرى عاشتها مصر في رحلة المحاولة لاستعادة الرأس “عندما جاء الملك فؤاد للحكم أراد ذات مرة. وقبيل الاحتفال بعيد الجلوس على العرش أن يحتفل بعودة التمثال إلى مصر. وهنا يجب أن نلتفت إلى أن رغبته في استعادة الرأس لم يكن نابعا من إيمانه بالقضية الوطنية باعتبار أن الرأس مصرية وتمثل التراث الثقافي لمصر، بل إنه أرادها كنوع من الوجاهة السياسية واحتفالا بعيد جلوسه على عرش مصر.

    ونكتشف أن الحكومة الألمانية التي كانت منقسمة لحكومتين، أحدهما في بروسيا والأخرى في الرايخ. فقد وافقت الحكومة الألمانية في بروسيا على استعادة الرأس باعتبار أن الحصول عليها كان خطئا. بينما رفضت حكومة الرايخ بقيادة هتلر عملية تسليم القطعة. فقد وافق هتلر في البداية ولكنه في النهاية رفض تسليم التمثال. وعندما زار الملك فؤاد برلين، رفضت الصحافة النازية فكرة تسليم رأس التمثال لمصر، نتيجة أنه كان يفكر في إقامة متحف ألمانيا الكبير والذي يضم داخله جميع الآثار المسروقة من الحضارات التي كان يحتلها. فقد أراد وقتها أن تكون نفرتيتي هي مركز لهذا المتحف”.

    رأس نفرتيتي

    وقد كتبت الصحف الفرنسية كذلك أن رأس نفرتيتي ستظل سجينة عند هتلر. لكن بدأت تظهر حركة نسوية داخل مصر تنادي بضرورة عودة الرأس مرة أخرى لأرض الوطن باعتبارها امرأة تمثل الهوية النسوية لنساء مصر. وبعد هزيمة هتلر ظهرت مطالبات حكومية من جانب مصر تطالب باستردادها. وقد خاطبت الخارجية المصرية العديد من دول العالم للضغط على ألمانيا. وقد دمر المتحف الذي كانت داخله الرأس نتيجة الحرب لكنها لم يصبها شيئا. في سنة 1946 توقفت المفاوضات فجأة، لكن ظل المثقفين داخل مصر والكتاب على استحياء يطالبون باسترداد الرأس.

    تقول حنا: إن رأس نفرتيتي هي جزء من الحركة الفنية لمصر. فقد تم استدعائها كثير في الأعمال الفنية، وظهرت كذلك بعد ثورة يناير 2011 في الميادين العامة باعتبارها “رمز”، فالألمان دائما ما يزعمون أنها لو كانت موجودة داخل مصر لعانت إهمالا كبيرا لكني أراه حق يراد به باطل.

    ضغط شعبي

    تتطرق مونيكا حنا لقضية أخرى تخص توقف المفاوضات مع ألمانيا بعد سنة 1946. إذ ترجع الأمر إلى أن ألمانيا كانت جزءا من الصراع العربي الإسرائيلي فهي “ترجح” أنه لم يتم تقديم طلب لألمانيا لاستعادة التمثال في تلك الفترة باعتبارها طرفا في المعادلة. إذ كانت تمد الدول العربية بالسلاح “أرى أيضا أن رأس نفرتيتي يجب أن تعامل معاملة التراث اليهودي الذي كان موجود داخل ألمانيا. فجميع اليهود يستطيعون الآن استرجاع التراث اليهودي الذي يرجع لأجدادهم وهم بدورهم ينقلوه داخل إسرائيل وقتما أرادوا.

    وتضيف: لدينا وثائق تؤكد موافقة حكومة ألمانيا الموجودة في بروسيا بطلب استعادة الرأس. ومن المفترض أن نرتكز على القانون الدولي، لأن خروج الرأس منذ البداية كانا خرقا للقانون المصري. وتوجد هذه الوثائق في  دار الوثائق القومية، وقد تم الاطلاع عليها بمشاركة الفريق البحثي المشارك معي، وأيضا بمساعدة من الدكتور خالد فهمي، الذي قدم لنا الدعم والمساعدة”. وتضيف: نحتاج لرأي عام مصري لاستعادة الرأس لأننا بدونه لن نستطيع استرجاعها. فالغرب يعتبر دائما أننا كمصريين لسنا مهتمين بتراثنا ولا نحافظ عليه. وبالتالي علينا أن نثبت العكس.

    ومصر حتى الآن لم تتقدم بملف حقيقي لاستعادة الرأس من ألمانيا. وبدوره يجب أن يتم ضغط شعبي من قبل الشعب المصري للضغط على ألمانيا. ويجب أن يتم تقديم حوار ثقافي بين دول الشمال والجنوب”.

    اقرأ أيضا

    «أرشيف شبرا»: مينا إبراهيم والبحث عن المدينة القديمة

  • ما الذي يمكن أن تخبرنا به رقمنة التعدادات السكانية للمصريين في القرن الـ19؟

    ما الذي يمكن أن تخبرنا به رقمنة التعدادات السكانية للمصريين في القرن الـ19؟

    في  مارس الماضي أعلنت أكبر قاعدة بيانات سكانية على مستوى الأفراد في العالم IPUMS عن إصدارها بيانات تاريخية جديدة متاحة للعامة، لعدد من سجلات التعداد السكاني عدة دول حول العالم. تصدرت مصر القائمة باثنين من سجلات التعداد السكاني من القرن التاسع عشر لسنة 1848 و 1868 في عهد محمد علي باشا والخديوي إسماعيل. بفضل البيانات التي جمعها ورقمها الدكتور محمد صالح، أستاذ الاقتصاد في جامعة تولوز كابيتول بفرنسا.

    البيانات عبارة عن 6592 سجل مكتوب بخط اليد محفوظة في دار الكتب والوثائق القومية، تحتوى على معلومات للأفراد الذين عاشوا في عصر محمد علي والخديوي إسماعيل في الريف أو في الحضر. مثل الاسم والموقع وملكية السكن ونوع السكن والعلاقة برب الأسرة والدين والجنس والمنشأ ومكان العمل.

    نهضة إدارية في عصر محمد علي باشا:

    أهمية هذا الإصدار الجديد تكمن في أن معرفتنا بسكان الشرق الأوسط قبل الاستعمار محدودة ذلك أنه معظم  المصادر المتاحة كانت للضرائب أو للمساحة  التي عادة ما تقتصر على شرائح معينة للطبقة الأكثر ثراءً، بالتالي هي ذات فائدة محدودة للديموغرافيا التاريخية المهتمة بمعرفة الخصائص العامة للسكان.

    كان يُعتقد قبل اكتشاف صالح لهذه السجلات أن سلسلة التعدادات المصرية الحديثة بدأت في عام 1882 قبل بضعة أشهر من الاحتلال البريطاني، مثل كل التعدادات التاريخية المماثلة لنفس البلدان النامية الأخرى التي أجريت في ظل الاستعمار مثل الهند البريطانية.

    د. محمد صالح
    د. محمد صالح

    يسرد لنا محمد صالح في مقالته التي نشرها في دورية Taylor & Francis أن هذه التعدادات ربما هي أقدم التعدادات الحديثة في الشرق الأوسط ومن بين الأقدم من أي دولة غير عربية. حيث تختلف هذه التعدادات عن التعدادات العثمانية المعاصرة للقرن الـ19 التي سجلت عدد الذكور البالغين فقط للضرائب وأغراض التجنيد العسكري.

    وفقا للمؤرخ التركي كمال كاربات، تم إجراء أول إحصاء عثماني لأجزاء معينة للإمبراطورية سنة 1831 ولكنه كان تعداد الأسر، ثم تم إجراء التعداد الثاني 1844 وكان للذكور البالغين، وحين قررت الإمبراطورية أن تشمل النساء في تعدادها كان في عام 1893، لكن صالح يخبرنا أن التعدادات المصرية في عهد محمد علي وإسماعيل كانت للجميع. حيث أمر محمد علي باشا بإجراء تعداد وطني فيقول: “إن إجراء التعداد يعود بالنفع على الوطن ومن يدرك مزاياه يجتهد في سبيل تنفيذه بالجسد والروح”.

    مسح ضوئي لسجل قرية بيجيرم وكفر الشيخ منصور محافظة الغربية 1847
    مسح ضوئي لسجل قرية بيجيرم وكفر الشيخ منصور محافظة الغربية 1847
    كيف كنا قبل الاستعمار:

    بدأت الاستعدادات من قبل الجيش في جمع معلومات سكان الريف، ثم امتدت هذه العملية إلى سكان المدن في عام 1847. لكن ظلت هذه التعدادات تقتصر على وحدات جغرافية متفرقة. وكان على مصر أن تنتظر ما يقرب من عشرين عاما حتى تحصل على ثاني تعداد واسع النطاق في (1865-1869) في عهد الخديوي إسماعيل. على الرغم من أن التعداد الثاني أكثر توسعا إلا أنه لم يشمل جميع السكان في مصر.

    وعلى الرغم من ذلك هناك مشكلة قابلت صالح تتعلق بمدى حصر التعداد الفعلي للسكان في مصر. في عام ١٨٤٨، ذلك أنه نسبة السكان التي تم حصرها نحو ٩٢٪. وأغلب المحافظات تم حصرها في ١٨٤٨ بما فيها جنوب الصعيد والواحات والعريش والقصير. لكننا سنجد أن تعداد محافظة الغربية أغلبها مفقود وكذلك السويس. وفي ١٨٦٨ نسبة الحصر كانت أقل بكثير وهذا يرجح أن الدولة لم تستكمل التعداد لسبب ما أو أنها استكملته لكن السجلات فقدت. لكن نتيجة لهذين التعدادين تم إنشاء قوائم موحدة سجلات التعداد على المستوى الفردي.

    سنجد عدة أمثلة يشاركها معنا صالح في مقاله عبارة عن جزء من البيانات الفردية من واقع السجلات التي تم ادخالها لتكوين قاعدة بيانات للسكان على مستوى الأفراد في ١٨٤٨ و١٨٦٨. لكن نظرا لضخامة عدد السكان نحو ٤ ونصف مليون نسمة في ١٨٤٨ كان من المحتم أخذ عينة ممثلة للسكان في جميع المحافظات.

    ***

     

    المعلم أنطونيوس لوقا: ذكر، حر، سليم البدن، رب أسرة، 40 عاما، داخل سيطرة الحكومة، قبطي مسيحي، من أبوتيج في أبوتيج أسيوط، كاتب في دائرة الجمارك في بولاق.

    العنوان: 15 حارة العزبة من درب الجنينة “شياخة” يوسف علم، “حي” الأزبكية، محافظة القاهرة.

    نوع المسكن: وقف أقباط.

    مردوخ يوسف: ذكر، حر، قوي الجسد، رب أسرة، 25 سنة/ داخل سيطرة الحكومة، يهودي، من القاهرة، صائغ ذهب.

    العنوان:35 حارة اليهود القارئين “شياخة” الخضر إبراهيم “حي” باب الشعرية

    محافظة القاهرة.

    نوع المسكن: بيت مملوك لورثة إبراهيم خضر.

    سلمان عبدالرحيم: ذكر، حر، قادر، رب أسرة،45 سنة داخل سيطرة الحكومة، مسلم، من طوخ- قنا، مزارع.

    العنوان: منزل سلمان عبد الرحيم حصت ناصر عليوة، قرية طوخ، محافظة قنا.

    أيضا تتخذ هذه السجلات أبعادا ونظاما حديثا، ذلك أنه يوجد سجلات تخص المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين والفارين من قراهم لمدن وقرى أخرى دون إذن الحكومة، والذين يسكنون في المقاهي والحمامات والأكواخ.

    فنعرف أن 70% من سكان القاهرة والإسكندرية عاشوا في منازل مقابل 16% عاشوا في منازل منخفضة وأكواخ والساحات والغرف الفردية.

    بينما 7% عاشوا في مساكن متعددة الأسر وحوالي 3% عاشوا في مواقع الإنتاج وأماكن العمل مثل المقاهي والحمامات.

    رقمنة التعدادات السكانية التاريخية بالعينة هو أمر معتاد في البحث العلمي. تم أخذ عينات عند رقمنة التعدادات الأمريكية التاريخية. حجم العينات المصرية ٨٠ ألف فرد في كل من ١٨٤٨ و١٨٦٨. هذه العينة تمثل ٨-١٢٪ من سكان القاهرة والإسكندرية ونحو ١٪ من سكان المحافظات. بالمقارنة العينات الأمريكية في القرن ١٩ تترواح بين ١ و٥٪ من السكان.

    من الذي ألهم محمد علي باشا:

    يتساءل محمد صالح في بحثه عن سبب إجراء الحكومة المصرية تعدادا لسكانها في هذا الوقت. يخبرنا أنه لا إجابة محددة لمثل هذا السؤال لكنه يفترض أن مثل هذا الفعل مهم للتحكم/ السيطرة على المواطنين مثل كل التعدادات السابقة والمعاصرة التي قدمت على أساس تحصيل الضرائب والتجنيد العسكري والعمل بالسخرة للمشاريع العامة. لكن ما يعيق هذا الافتراض هو حصر الإناث والأطفال وإدراج مثل هذه المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، تكهن صالح أن السبب في ذلك أن الفكرة جاءت مع الطلاب الوافدين من البعثات التعليمية في أوروبا في النصف الأول من القرن الـ19 وكانت مناسبة لسياق لنهضة محمد علي باشا. ويخمن أن الفنيين الأوروبيين الذين كانوا يعملون في الإدارة المصرية في ذلك الوقت ربما لعبوا دورا في هذه العملية.

    إعادة رسم الخريطة:

    توفر العينات التي تم ترقيمها حديثا لعامي 1848 و1868 مصدرا ثريا لمعلومات عن السكان المصريين في القرن الـ19 يمكن أن تفيد الباحثين في تخصصات مختلفة دراسة أنماط الخصوبة والوفيات والزواج والهجرة.

    أيضا علماء قياس مستوى الحياة ومؤرخي الشرق الأوسط للاستفادة من العينات الرقمية في فحص الرق والتحديث والتعليم. كما يمكن لعلماء الأنساب الاستفادة من هذه العينات في استكشاف تاريخ العائلات في مصر. كما يمكن للباحثين في العلوم المكانية لمدن الشرق الأوسط إعادة بناء خريطة مكانية مفصلة للمدن المصرية في القرن التاسع عشر.

    تفتح عينات هذا التعداد عن إمكانيات جديدة تماما لدراسة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لمصر والشرق الأوسط في هذه الحقبة.

    مصادر:

    1- مقال محمد صالح عن رقمنة التعداد السكاني لمصر في القرن الـ19

    https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/0161544

    2- مصدر أوامر محمد علي باشا للتعداد

    https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/13530199708705646?src=recsys

    اقرأ أيضا

    «زمان»: معرض رقمي لأفيشات الأفلام من العصر الذهبي للإسكندرية

باب مصر