باب مصر

الوسم: مصر

  • كيف استخدم المصري القديم القمح والشعير في معرفة نوع الجنين؟

    كيف استخدم المصري القديم القمح والشعير في معرفة نوع الجنين؟

    قبل آلاف السنين استطاع المصري القديم أن يعرف نوع الجنين، وهذا ما تذكره بردية “اللاهون”، التي تسرد طريقة معرفة ذلك من الشهر الأول للحمل.

    ومعرفة نوع الجنين هو  أمر توصل إليه العلم الحديث في القرن العشرين، وتحديدا في السبعينيات، إذ استطاع العلماء التوصل إلى معرفة نوع الجنين عن طريق جهاز “السونار”، وذلك عندما يبلغ الحمل الشهر الرابع أو الخامس تقريبا.

    يقول عبدالمنعم عبدالعظيم، رئيس مركز تراث الصعيد، باحث أثري، إن الفراعنة سبقوا علمنا الحديث بآلاف السنين بفضل المراقبة والتأمل، إذ إنهم أول من شخصوا نوع الجنين في أشهر الحمل الأولي، فكان يوضع إناء به حبات الشعير، وآخر به حبات قمح، ثم تبلل المرأه الحامل الأنائين ببولها ويترك لعدة أيام، فإذا نبت الشعير كان الجنين ذكرًا، و إذا نبت القمح كان الجنين أنثى، وإذا نبت الاثنين كان الحمل توأم، وإذا لم ينبت شيء كان الحمل كاذبًا.

    ويتابع عبد العظيم أن لبردية تسرد قصة أخرى توضح كيفية معرفة إذا كانت الأنثى ستنجب أم لا عند زوجها، وذلك عن طريق وضع لبن سيدة أنجبت ذكرا، ثم يخلط بعصير البطيخ، بعدها تشربه من تريد أن تعرف هل ستنجب أم لا، فإن تقيأت فستلد، وإن انتفخ بطنها ولم تتقيأ فإنها لن تنجب.

    ويضيف مدير مركز تراث الصعيد أن الفراعنه استخدموا أيضا “نوى البلح” كواق لمنع حدوث عمليات التبويض، وعرفت كوسيلة لمنع الحمل وتحديد النسل، لافتا إلى أن هناك بردية تسمى “هاريس” وتشمل جميع العمليات الخاصة بالطب.

    ويقول أحمد عبد القادر، مرشد سياحي، باحث أثري، إنه لا وجود لأي رسومات داخل المقابر أو على جدران المعابد توضوح أن الفراعنة شخصوا الجنين داخل رحم المرأة الحامل في شهورها الأولى، لكن هناك كتاب موجود يسمى “الطب المصري القديم”، يحكي كل ما توصل إليه المصريون القدماء في مجال الطب، ويتضمن تلك الوصفة لمعرفة نوع الجنين التي كان يستخدمها المصري القديم منذ آلاف السنين.

     

  • لهذه الأسباب نحن نتحدث اللغة القبطية

    لهذه الأسباب نحن نتحدث اللغة القبطية

    “وحوي يا وحوي.. خلاص بح.. امشي تاتا.. مفيش” مصطلحات يصعب حصرها، يستخدمها المصريون دون أن يعلموا أن لها أصولا لغوية تمتد إلى اللغة القبطية أو المصرية القديمة.

    والواقع أن الألفاظ لا تصنع لغة، أما الذي يصنع اللغة فهو النحو والصرف، وهو ما يذكره عصام ستاتي، الباحث في المصريات، في كتابه “اللغة المصرية الحالية”، إذ أبرز عدة قواعد نحوية وصرفية لها أصول من اللغة المصرية القديمة، فالأمر لا يقف عند ألفاظ فقط.

    اللغة القبطية القديمة

    قبل الحديث عن علاقة العامية المصرية الحالية بالقبطية، لا بد أن نعرف أن اللغة القبطية هي آخر مرحلة من مراحل تطور اللغة المصرية القديمة، بحسب مطبوعة أصدرتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونيسكو” عام 1979 وأعيد نشرها 2014 حملت اسم “التسامح في كلمات”.

    المطبوعة ذكرت أيضًا أن اللغة المصرية القديمة إحدى اللغات السامية في أصلها الهيروغليفي، على عكس اللغة القبطية التي اعتمدت على الأبجدية الإغريقية فيما بعد.

    وفي كتاب “القبطية العربية” يقول الدكتور فهمي خشيم، عميد كلية اللغات بطرابلس في الفترة 1988، يبدو من تتبع آثار هذه اللهجة “يقصد القبطية” أنها صارت لغة معترف بها ومستعملة في الحياة الدينية كما في الحياة العامة، أوائل القرن الثالث بعد ميلاد المسيح، واستمر استعمالها حتى القرن السابع عشر.

    مراحل حياة اللغة المصرية

    كتبت اللغة المصرية القديمة بخطوط أربعة هي: الهيروغليفي والهيراطيقي والديموطيقي والقبطي.. ولم تظهر هذه الخطوط في وقت واحد بل جاءت في إطار تتابع زمني طويل.

    الخطوط المصرية

    والهيروغليفية، هي أقدم لغات المصريين.. وهي كلمة يونانية مركبة من هيروس بمعنى مقدس وغليفو  بمعنى خط. وهي نفس ما أطلقه المصري القديم على لغته “نترخيرو”  أي الكلام المقدس.

    وبدأ استعمالها قبل التاريخ  واختفى التعامل بها تماما في أواخر القرن الرابع الميلادي.. ثم استعملت كنمط كتابة رسمي لتسجيل الأحداث على المعالم والنصوص الدينية.

    أما الهيراطيقية، فهي نوع من الكتابة المصرية القديمة، وكتبت برموز مبسطة للرموز الهيروغليفية. فهي طريقة مختصرة للكتابة للأغراض العملية.

    الديموطيقية

    والديموطيقية، هي أحد الخطوط المصرية القديمة، التي استخدمت في تدوين النصوص الدينية.. وأيضا نصوص تدريب الكتبة والرسائل والوثائق القانونية والتجارية لدى المصريين القدماء.

    أما القبطية فهي آخر مرحلة من مراحل المصرية القديمة.. واستخدمت صياغة اللغة المصرية بصفة عامة والخط الديموطيقي بصفة خاصة.

    وينبغي أن نشير إلى أن لفظ قبطي من الأصل قبط هي تحريف ايجيبتوس وتعني مصري.

    التطور اللغوي

    العصور الزمنية الطويلة التي مرت على مصر، أثرت بشكل ما على اللغة المصرية القديمة، وكان من نتائج ذلك التغيرات التي حدثت في قواعد الهجاء والصوتيات وقواعد النحو.

    وهنا لابد أن نشير إلى نوعين من التطور: التطوراللفظي، وهو ما يدخل على الكلمات من تبدل وتغير في النطق أو القلب والإبدال، والتطور الدلالي: وهو ما يجري على المفردة من تغير في المعنى، فتنصرف إلى معنى آخر قريب من المعنى الأول، وهو ما حدث في رحلة اللغة المصرية منذ نشأتها حتى وصولها إلى اللغة الحالية، بحسب علي فهمي خشيم في كتابه القبطية العربية.

    هل نستخدم قواعد النحو القبطية؟

    نعود إلى ستاتي، الذي يرى أن المصريين استطاعوا أن يخلطوا بين اللغة العربية والقبطية “اللغة المصرية في آخر أطوارها”، ليخرجوا لغة جديدة مولّدة تجمع بين قواعد اللغة القبطية وبعض ألفاظها وبين العربية ونطقها وألفاظها، إلى أن وصلت إلينا بشكلها الحالي بعد رحلة طويلة تعرضت فيه لتطورات عدة.

    اللغة المصرية القديمة

    الأدلة التي ساقها ستاتي ليثبت أننا نتحدث لغة بقواعد نحو قبطية كثيرة، منها أن اللغة المصرية القديمة في جميع خطوطها  لاتعترف بصيغة المثنى، وعلى نفس الأمر تسير لغتنا الحالية.

    المؤنث والمذكر

    كما أن المصري لا يفرق بين المؤنث والمذكر في الجمع، وهو ما يتفق أيضًا مع اللغة المصرية القديمة، وكذا في أسماء الإشارة فنحن لا نعرف إلا أسماء الإشارة: دي ودا ودولا، وهو ما يتطابق مع اللغة المصرية القديمة.

    وبالمناسبة فإن أصل دولا يرجح أن تكون اشتقت من دا للمذكر المحرفة من ذا العربية، ثم أضيف إليها الواو، التي تعبر عن الجمع  في المصرية القديمة ولتأكيد الجمع أضيف إليها “لا” القبطية التي تعني كثير.

    و يتبقى أن نقول أن أسماء الإشارة تأتي في اللغة المصرية القديمة بعد الاسم لا قبله، فنقول مثلا “الولد دا” لا “هذا الولد” كما يُقال في العربية.

    سبب قولنا “ماعرفش” 

    وقد عرفت المصرية  القديمة نوعين من الاسم الموصول، هما الاسم الموصول الخاص والاسم الموصول العام، فالاسم الموصول الخاص هو “نت” للمذكر و”نت-ت” للمؤنث و”نتو-نتي-و” للجمع، بالإضافة إلى اسم عام يستخدم في كل الأحوال هو “نت”بالهيروغليفي و”أي” بالقبطية.

    وفي لغتنا الحالية نستخدم اسمًا واحدا، وهو المكون من “أل” العربية و”أي” القبطية لتصبح “اللي”، لتخضع لغتنا إلى بنية القبطية.

    “ماعرفش” ماذا تعني

    وفي العامية المصرية عندما نريد النفي نضع الفعل بين  “ما” و”ش” لتصبح بنية الجملة المنفية  “ما+الفعل+ش” مثل: ماعرفش- مافهمش.

    أما الطريقة الثانية التي نستخدمها للنفي فهي وضع “مش” قبل الكلمة مثل مش عارف- مش أنا- مش رايح.

    سيدة مصرية تتعلم الكتابة بالعربية- 1962

    والرجوع إلى اللغة القبطية يدلنا على أنها “أي اللغة القبطية” استخدمت حرف نفي يُنطق “م” وأصله “ن” بمعنى لا أو ليس، أما “ش” فهي نفس نطق الفعل يقدر أو يستطيع بالقبطية، بالإضافة إلى أن طريقة النفي تلك تتوافق مع بنية النفي في المصرية القديمة، التي تضع الفعل بين أداتي نفي.

    العجيب أن العلامة المتممة للنفي “ش” في المصرية القديمة، وهي يدان مرفوعتان بجوار بعضهما تشبه الإشارة التي يفعلها المصري بيده عند النفي.

    “إزاي” و”إمتى”

    وفي اللغة المصرية يؤدي التنغيم دورًا مهما في الاستفهام والنداء بحسب نغمة الصوت، وبدلا من السؤال: هل ذهبت أو هل أكلت، نقول بالعامية أنت أكلت؟ وهو ما يتوافق مع القبطية.

    أما في السؤال عن السبب يمكن ان نسأل “إزاي” فهل  نعلم أن “ازاي” هي تحريف الكلمة القبطية  “إتاي”، التي كانت تستخدم في السؤال عن السبب أيضًا.

    أما عندما نسأل عن الوقت فإن لغة المصريين استطاعت أن تهضم متى العربية و”إتنا” القبطية التي تحمل نفس المعنى لتخرج كلمة جديدة هي إمتى، حتى هذه الكلمة أخضعها المصريون للغتهم القديمة.

    ونفس ما حدث مع “متى” حدث مع “من”، فقد أخضعها المصريون للكلمة القبطية “نيم” بمد الياء، لتصبح مين بعد دمج الاثنين.

    هل تعلم أن “بقى” محرفة من القبطية أيضًا؟            

    واللغة القبطية كانت تحتاج إلى وجود فعل الكينونة، وهو الذي قد يساوي “يكون” في العربية، فبدلًا من قولنا محمد طبيب بالعربية فإن القبطية تقولها محمد يكون طبيب، لن ينتهي الحديث عن فعل الكينونة.

    فعل الكينونة ذلك مهمته أن يجعل الجملة في زمن الاستمرار، وفي اللغة المصرية القديمة كان يُضاف “بي إي” إلى الجملة كفعل الكينونة لتكون تامة، ومع تطورها إلى اللغة القبطية أصبحت “بي أي”، تلك التي حرفها المصريون أيضا لتصبح بقى أو بأى بحسب ما ينطقها القاهريون، بقى دا كلام؟

    العامية المصرية.. لهجة أم لغة؟

    إن نظام النحو المصري ما زال محافظًا على حضوره بقوة في العامية لمصرية الحالية، والغريب أن هناك من الباحثين من حاول أن يثبت أن المصرية القديمة وثيقة الصلة بالعربية، بل ربما انحدرت من نفس المنبع.

    وهناك أيضًا من قدم دلائل جازمة تثبت أننا نتحدث لغة مولدة جديدة، هضمت العربية والمصرية القديمة، واحتفظت برونقها وشخصيتها، وهي ما نتحدثها.

    وعلى جانب، قد يبدو مواز، فإن هناك اهتمام قديم بالعامية المصرية بشكل خاص، من قبل الباحثين، على تنوعهم واختلاف ثقافاتهم.

    كتاب بالألمانية عن العامية المصرية

    وفي العام 1880 ألف المستشرق الألماني الدكتور ولهلم سبيتا أول كتاب بالألمانية عن العامية المصرية.. وأسماه “قواعد العربية العامية في مصر”.. وهو أول محاولة لدراسة العامية المصرية واستنباط قواعدها، مقترحًا استخدامها كلغة أدبية.

    لكن كيف نصنف العامية المصرية، ألهجة هي أم لغة؟

    بحسب الأستاذ الدكتور عبدالغفار حامد هلال، عميد كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، في كتابه “اللهجات العربية” فإن اللهجة إذا اتسمت بخصائص بارزة وتوافر لها ما يجعلها تستغني عن أصلها وتنضج قواعدها ونظمها الصوتية والتركيبية أمكن أن نسميها لغة.. لكن كيف وصلنا إلى العامية المصرية

    رحلتنا إلى العامية المصرية

    المعبود تحوت

    اعتقد قدماء المصريين أن لغتهم من مصدر إلهي، وتصورا أنه من المحال أن يكون هذا اختراع بشر.. واعتقدوا أن المعبود “تحوت” هو الذي اخترع لهم الحساب والطب والحكمة وكل العلوم والفنون.. وهو الذي وضع الكلمات الهيروغليفية.

    وفي بدء دخول العرب مصر، عانت اللغة العربية وظلت بطيئة الانتشار، وحتى عام 750 ميلادية.. كانت الدواوين تكتب بالقبطية

    ويذكر المقريزي أنه حتى عام 835 كان المأمون لا يتنقل في ريف مصر إلا ومعه مترجم.. وهو ما يتفق معه ابن عبد الحكم أيضا.

    اصطدام العربية بالقبطية

    أحمد رشدي صالح، الباحث في الفلكلور، في كتابه الأدب الشعبي.. يقول بعد الفتح الإسلامي اصطدمت العربية بالقبطية، لتتراجع العربية في بادئ الأمر.. ويقتصر التعامل بها على المعسكرات وعلى المناطق التي اختارتها القبائل العربية لتستقر فيها.

    والظاهر أن تراجع العربية اضطر العرب الوافدين إلى  تقريب لغتهم  بلغة الأهالي.. مستخدمين عبارات جديدة على العربية، نابعة من مصر.. ومتغاضين عن قواعد النحو، هذا ما يشير إليه صالح أيضًا.

    العصر الفاطمي وبداية الانطلاق

    ويبدو أن القرن الرابع الهجري هو البداية المنطقية لاختلاط القبطية بالعربية.. لتنتج لغة بين القبطية والعربية، وصفها المقدسي بأنها ركيكة ورخوة.

    ومع استقرار الخلافة الفاطمية في مصر انطلقت اللغة المصرية وتنوعت فنونها الفصيحة.. معتمدة على تراث شعبي احتوته اللغة المصرية وطورته.. فظهرت فنون السير والقصص  وفنون الموال والزجل والأغاني والعدّيد.. متعدية بذلك حدودها إلى أهالي البلدان المحيطة.

    على جانب آخر ظلت القبطية باقية في حديث الناس حتى عام  997 ميلادية، إلى أن أمر الحاكم  بأمر الله، فأبطل الكلام بها نهائيا، فكان المصريون يتجنبون الحديث بالقبطية أمام الحاكم وعسكره حتى لا يتعرضون لأذاهم، لتبدأ اللغة الجديدة في الانتشار.

    القبطية موجودة في القرى

    أما في القرى والصعيد فقد ظلت القبطية موجودة، ومن هنا حملت اللغة المولودة بالإضافة إلى تراكيبها النحوية والصرفية والصوتية عددًا لا حصر له من الكلمات، منها ما ينتمي إلى الخط المصري الأول الهيروغليفي.

    بالإضافة إلى ذلك فإنه في مرحلة من مراحل اللغة المولدة كان يقال الكلمة المصرية والعربية في آن مثل: خلاص بح- كل مم- امشي تاتا…، فضلا عن أسماء القرى والمدن والعواصم، من هنا يمكن أن نقول إننا نتحدث لغة لا لهجة، وثيقة الصلة بمصر القديمة.

    اقرأ أيضًا:

    كيف وصلت إلينا “اللهجة الصعيدية” من رحم “المصرية القديمة”؟


    اعتمد هذا الموضوع على المصادر والمراجع الآتية:

    • عصام ستاتي، اللغة المصرية الحالية، الهيئة العامة لقصور الثقافة 2016
    • سامح مقار، أصل الألفاظ العامية، الهيئة العامة للكتاب، ط 1، 2004
    • عبدالحليم نورالدين، اللغة المصرية القديمة، ط9، 2011، نسخة PDF
    • عبدالفغار حامد هلال، اللهجات العربية ص35 وما بعدها ط2، 1993
    • نفوسة سعيد، تاريخ الدعوة إلى العامية 1964، دار نشر الثقافة بالإسكندرية
    • أحمد رشدي صالح، الأدب الشعبي، دار النهضة، ط2، 1971
    • علي فهمي خشيم، القبطية العربية دراسة مقارنة بين لغتين، مركز الحضارة العربية 2003
    • التسامح في كلمات، مطبوعة أصدرتها اليونسكو عام 1997، أعيد طباعتها 2014، نسخة PDF
    • مصدر الصور: CAIRO 969-1969، مجلد نشرته وزارة الثقافة المصرية 1969، باللغة الإسبانية، بمناسبة مرور  ألف عام على بناء القاهرة.
  • المخول | أداة تخزين الحبوب.. من المصري القديم إلى الألفية الثالثة

    المخول | أداة تخزين الحبوب.. من المصري القديم إلى الألفية الثالثة

    كتب: محمد فكري

    بشنس يكنس الغيط كنس” هكذا يقول المثل المصري القديم، و”بشنس” هو أحد الشهور القبطية “9 مايو – 7 يونيو” الموروثة عن أجدادنا المصريين القدماء والمرتبطة بالزراعة، طبقًا للأرشيف المصري للحياة والمأثورات الشعبية. وفي هذه الفترة من ذلك الشهر تكون الحقول خالية من المحصول، والنبات القديم، بعد أن تم حصاده ونقله إلى المخول أو المقطوع.

    وبالرغم من دخولنا الألفية الثالثة وتطور طرق تخزين الغلال، يظل “المخول” أو “القاطوع” كما يطلق عليه في مدينة دشنا، شمالي قنا، وهو وسيلة تخزين الغلال الأساسية في كثير من قرى المركز.

    المخول يمتد لآلاف السنين

    لم تكن صوامع الغلال ابتكار هذا العصر، وإنما تمتد جذورها لمئات السنين منذ عهد المصريين القدماء، الذين دفعتهم الحاجة إلى تخزين الحبوب في سنوات الجفاف، وخصوصًا القمح إلى بناء صوامع تُخزن فيها وتحافظ على جودتها، وظلت هذه الصوامع هي الطريقة المُثلى لتخزين الحبوب في كل أراضي الشرق منذ زمن سحيق.

    يصف خالد محمد، مزارع، الشكل الهندسي للمخول قائلا “هو غالبا ما يكون دائري أو مربع الشكل، يبلغ ارتفاعه متر ونصف المتر إلى مترين، وله فتحتين في أعلاه لوضع الحبوب، وأخرى في الأسفل للسحب منها قدر الحاجة”.

    صناعة المخول

    ويتابع بأن المخول مصنوع من الطين المضاف إليه كميات قليلة من التبن أو روث البهائم.. وتستغرق عملية البناء من يوم إلى ثلاثة أيام على مراحل متعددة.. وتسمى كل مرحلة منها “طوف” حتى الانتهاء منه بنائه.. ويوضع بعد ذلك على أسطح المنازل أو أمام الغرف.

    ويقول محمود عبدالسلام، مدرس لغة عربية، إن سبب إطلاق لفظ المخول على صوامع الغلال في كثير من قرى الصعيد.. هو الارتباط اللغوي بين قولهم “كريم الأخوال”. ويوصف به الشخص ذو الأصل الطيب ونسبه الشريف.. ولما كان “المخول” تخزن فيه أثمن المحاصيل وهو “القمح” جاءت التسمية.

    مكونات المخول

    ويتابع عبدالسلام على الرغم من أن “المخول” كان يبنى من مواد ليست ذات قيمة.. إلا إن ذلك لم يمنع الأهالي من رفع قيمته حتى صاروا يضربون به الأمثال في الأصالة والشرف.. متذكرًا بعض الأمثال منها: عندما يقدم أحد النصيحة لبعض الشباب عند اختياره زوجة له بقوله: “كل في مخول نضيف”. ويعني به أن يتخير المرأة ذات الأصل الطيب والنسب الشريف.

    ويقول أحمد الراوي، مزارع- يبلغ من العمر 90 عامًا، منذ أن كنت طفلًا وأنا أرى هذه “المخاول” في قرانا.. لم تتغير شيئا عن الوقت الحالي.. ولا زلنا نخزن فيها حبوب القمح والذرة طول العام دون أن تفقد جودتها أو يصيبها السوس.

    وسائل للتخزين أخرى

    ويتابع لم يكن “المخول” فقط هو وسيلة التخزين الوحيدة في ذلك الوقت.. بل كانت هناك مخازن أخرى عبارة عن غرف تبنى من نفس مواد بناء “المخاول”.. وتخزن فيها الغلال وتكون خاصة بكبار المزارعين ممن يزرعون مساحات واسعة من القمح.

    ويضيف ياسر أحمد، مزارع، لقد تطورت وسائل تخزين الغلال عن ذي قبل، فلم يعد الكثير من المزارعين يعتمدون على المخاول في تخزينها مع ظهور المباني الحديثة والأجهزة المتطورة، والتي لا يتناسب معها وجود “المخول” المصنوع من الطين وروث البهائم،، مشيرًا إلى أن لجوء بعض  المزارعين إلى تخزين الحبوب في جوالات أو وضعها في غرف ذات أرضية أسمنتية أو من السيراميك.

    أنواع المخاول

    ويفرق ياسر بين نوعين من “المخاول” قائلا: “إن المخول لا يطلق على صومعة الغلال فقط، وإنما يطلقه بعض الأهالي على المكان الذي يوضع فيه الطعام للبهائم من أعلاف وغيرها، ويكون أقل حجما من مخول تخزين الحبوب”.

    ويرجع تمسك بعض أهالي القرى إلى تخزين الحبوب في هذه “المخاول” إلى ضيق الأحوال المعيشية وصعوبة بناء صوامع أو غرف تخزين حديثة من ناحية، ولتمسك بعض الناس بها، باعتبارها عادة توارثوها عن أجدادهم، من ناحية أخرى.

  • هيلا هيلا صلوا ع النبي

    هيلا هيلا صلوا ع النبي

    كتب- الحسين محمود:

    تصوير: أحمد دريم
    “هيلا هيلا صلي ع النبي” كلما سمعنا هذه الأغنية تأتي من بعيد بنغم حماسي مفعم بالقوة، نتأكد من أن هناك عمالًا أو “صنايعية” يشتغلون في أعمال البناء، فالغناء وكوب الشاي الحلو لا غنى عنهما للعامل.

    و رغم تردد صداها في الحقول و وسط عمال الحفر و البناء إلا أن أغاني العمل لم تكن منتشرة بشكل كبير.

    ظهرت أغانى العمل والعمال بوضوح في موسيقى فنان الشعب الشيخ سيد درويش، الذى وثق بفنه مهن اندثرت بالفعل مثل أغاني “الشيالين” و”السقايين”، و “العربجية”، وصاغ موسيقى من جمالها وصدقها أصبحت جزءًا من التراث المصري.

     

    و قد ذكرت د. إيزيس فتح الله في موسوعة أعلام الموسيقى العربية – جزء سيد درويش، أنه في بداية حياته وبعد أن توفى والده و هو صغير، عمل الشيخ سيد في أعمال عديدة من أجل مساندة أسرته، ومن ضمن هذه الأعمال كان البناء، وتذكر لنا الكاتبة كيف كان غناء الشيخ سيد وأغانية تمتع العمال وتحمسهم، حتى أن المقاول قرر أن يعين الشيخ سيد مسؤول الغناء للعمال وأعفاه من العمل الشاق.

    وبدأت أغاني العمل في الانتشار بشكل مسموع ومرئي في مصر بعد ثورة يوليو، وانطلاق أعمال البناء في السد العالي، وبعدها المشروعات الصناعية، وكتب عدد كبير من الشعراء مثل عبدالرحمن الأبنودي وصلاح جاهين، وفؤاد قاعود، وأحمد شفيق، وغنى عبدالحليم “يا بدلتي الزرقا” على ما يطلق عليه “أفارول” أو “عفريتة” وهو الزي الذي يرتديه عمال المصانع، كما غنت ليلى مراد “دور يا موتور”، و غنت شريفة فاضل “يا حلاوة الإيد الشغالة”، كما لحن و غنى محمد عبدالوهاب “دقت ساعة العمل الثوري لكفاح الأحرار”

    وهذه كلماتها:

    تعلن زحف الوطن العربي بطريقه الجبار
    والثوار هم الشعب والأحرار هم الشعب
    والثوار هم الشعب والأحرار هم الشعب
    عارفين المشوار”

     

    و بقدر الحماس الذي تحمله أغاني العمل لحث العمال على بذل مزيد من الجهد، أضافت الروح الوطنية لأغاني العمل نوعًا آخر من الحماس الثوري، والدفاع عن الوطن بالعمل، فكتب الشاعر صلاح جاهين قصيدته “أبو زعبل”، بعد قصف القوات الإسرئيلية لمصنع “أبو زعبل” للكيماويات، الذى كان يضم 1300 عامل، أثناء خروج العمال بعد “الوردية” الصباحية ومقتل عدد كبير منهم، فكتب:

    “إحنا العمال اللى اتقتلوا
    قدام المصنع في أبو زعبل بنغنى للدنيا ونتلو
    عناوين جرانين المستقبل وحدة صف الأحرار
    جبهة لكل الثوار”

    قد يمر نهار العمل طويلًا بدون غناء وكلمات “يديكم العافية” و”هيلا هيلا ..صلي ع النبي”، هكذا يقول محمد العماري أحد مقاولي البناء في صعيد مصر، مُضيفًا “حلوة صلاة النبي”.
    عمال البناء و “الصنايعية” ليسوا وحدهم من يغنون، فالبائعين الذين يحملون بضاعتهم لهم أغانيهم التي تخفف عنهم حمل البضاعة وتروج لها، فأورد الباحث مسعود شومان في كتابه “الموسوعة المصرية لأغاني الطفل”، أغاني لبائعي الحلاوة و النيفة وحب العزيز.

    ” هات البريزة يا وله
    هات البريزة
    أصل الحلاوة يا وله
    حلوة و لذيذة”

  • فؤاد حداد: خليك فاكر مصر جميلة

    في يوم التراث العالمي، نحتفل بشكل خاص به، وبالأيادي التي صنعته، والذاكرة الجمعية التي غزلته ضمن طقوس حياتنا اليومية.

    ونبدأ بأغنية لـ”والد الشعراء” فؤاد حداد:

    خليك فاكر مصر جميلة

    كان على راسها و لفة راسي

    شمس العصر مع البلاص

    إخلاصها يزود إخلاصي

    مصر جميلة

    خليك فاكر مصر جميلة

    كل الزرع حافظلي منابي

    كل الأرض بساط لجنابي

    عقد الحلو خرز عنابي

    مصر جميلة

    خليك فاكر مصر جميلة

    شفت الحلو عطف و لاغاني

    من بحر المواويل و الاغاني

    ولا حدش من باله لغاني

    مصر جميلة

    خليك فاكر مصر جميلة

    صنايعي دِقي ودقيقي عال

    منخول منقي يا مغربلين

    ربعي ربيعي والاعتدال

    طبيب طبيعي يا عطارين

    أصيل ومحدث تحت الهلال

    وبياضه مخلص يا نحاسين

    لما التجارب رمت السؤال

    تجديدي جاوب يا منجدين

    من غير تجاري ومن غير دلال

    بايع وشاري يا دلالين

    داخل حارتكم بماء ذَلال

    عيني اشترتكم يا سقايين

    وكتافي شالت لأجل العيال

    تاني وتالت يا عتالين

    وكان حنيني ولا يزال

    سقف يداريني يا بنايين

    والف وأحوِد والليل جبال

    والف وأحوِد والليل جبال

    يفنيها مِروِد يا كحالين

    خليك فاكر مصر جميلة

  • حكاية صورة| عندما نام “النحاس باشا” في محطة بني سويف

    حكاية صورة| عندما نام “النحاس باشا” في محطة بني سويف

    في ثلاثينيات القرن الماضي انتشر في الصحف القومية صورة للزعيم مصطفى باشا النحاس، رئيس حزب الوفد آنذاك، نائمًا على “دكة” في محطة بني سويف، بعد أن نال منه الإرهاق والتعب.

    النحاس باشا نائما في محطة بني سويف

    الصورة التقطتها مجلة المصور عام 1931، وبحسب أيمن عثمان، أحد المهتمين بالثراث، فإن الصورة أُعيد نشرها بعد ذلك بنحو 24 عامًا كتوثيق للكفاح الوطني.

    يقول عثمان رأيت الصورة لأول مرة في ريبورتاج نشرته مجلة التحرير عام 1955، عندما كان الرئيس الراحل أنور السادات رئيس تحرير المجلة، ثم أعيد نشر الصورة أيضًا في العدد التذكاري، الذي نشرته مجلة المصور بمناسبة مرور 90 عامًا على إنشائها.

    المؤرخ جمال بدوي (1934-2007) أشار أيضًا إلى الصورة  في كتابه “كان وأخواتها” (الجزء الأول صفحة 179- صدر عام 1986)، وبحسب ما ذكر بدوي فإن الصورة التقطت بعد أن هبط النحاس باشا إلى بني سويف في أبريل عام 1931، أحد أهم معاقل حزب الوفد في ذلك الوقت، بهدف حشد الناس ضد مقاطعة الانتخابات البرلمانية.

    كان النحاس باشا قد اختار بني سويف أول محطة له لحث الناس على  مقاطعة الانتخابات، بعد أن ألغى إسماعيل صدقي، رئيس وزراء مصر آنذاك، الدستور في ذات العام، ليعطي مساجة من الحكم المطلق للملك، ويعود صدقي لسياسة الحديد والنار، بينما رأى النحاس أن أفضل طريقة لمواجهة تلك السياسة هي مقاطعة الانتخابات.

    يقول بدوي: عندما هبط النحاس باشا، بني سويف، كانت محطة القطار أشبه بثكنة عسكرية، وبدأ الجنود  في التضييق عليه ورفاقه، كما منعوه من الخروج من محطة القطار، بينما طار خبر وصول النحاس في بني سويف، وتجمهر الناس أمام المحطة لاستقباله، غير أن القوات منعت دخول المحطة، فما استطاعت الجماهير دخولها ولا خرج الزعيم إليهم.

    ومرت 12 ساعة والنحاس ورفاقه، في محطة بني سويف، حتى غلبهم التعب ونال منهم الإرهاق، ليستلقي النحاس باشا على “دكة” في محطة القطار، ويستسلم للنوم.

    وما إن لاح الصباح حتى حمل الجنود النحاس باشا ورفاقه إلى القطار المتجه إلى القاهرة قسرًا، ليعود بهم من حيث أتوا، ويبدأ الزعيم رحلة أخرى بعد أن أُغلقت أمامه أول محافظة في الصعيد.

باب مصر