باب مصر

الوسم: الفيوم

  • حوار| «أحمد مرسي»: لست رساما.. ولكني أضع تصورات للحيوانات المنقرضة

    حوار| «أحمد مرسي»: لست رساما.. ولكني أضع تصورات للحيوانات المنقرضة

    «توتسيتس رياننسيس» أحدث الحيتان المكتشفة التي كانت تجوب المياه المصرية منذ 41 مليون سنة. حيث تمكن فريق بحثي متخصص بقيادة عالم الحفريات المصري، البروفيسور هشام سلام، من تسجيل هذا الاكتشاف الجديد لجنس ونوع من أسلاف الحيتان المنقرضة في منطقة وادي الريان الصخرية بمنخفض وصحراء الفيوم.

    هذه ليست المرة الأولى لاكتشاف الفريق أنواعا نادرة من حفريات الحيوانات المنقرضة، لكن الجديد هذه المرة هو وضع الشاب المصري أحمد مرسي، عاشق الحفريات ومحب الديناصورات، صورة كاملة لشكل هذا الكائن.. «باب مصر» أجرى معه الحوار التالي.

    صف لنا ما هي طبيعة عملك في إعادة إحياء شكل أي حيوان منقرض؟

    أقوم بإعادة هيكلة للكائن المنقرض، عن طريق عمل صورة له تمكن غير المختصين  من وضع تصور ذهني له، لأن ما نكتشفه هو عبارة عن حفريات على صخور، لا يستطيع عامة الناس تخيل شكلها مثل العلماء المتخصصين الذين يمكنهم من خلال رؤية الحفرية أو العينة تخيل شكل الكائن الأصلي.

    أما عن دوري، فهو ينحصر في نقل وتوصيل ما يكتشفه العلماء إلى غير المتخصصين وكل من ليس لديه خبرة بعلم الحفريات. وذلك بقصد تصور شكل الكائن كما يراه العلماء. حيث أعيد صورة الحفرية لما كانت عليه في شكلها القديم منذ ملايين السنين.

    الفريق المصري مكتشف الحوت الجديد
    الفريق المصري مكتشف الحوت الجديد
    وما هي المهارات التي يجب أن تكون في الرسام أو من يقوم بمهمة إعادة بناء وهيكلة الحفريات؟

    لا يشترط فيمن يقوم بتلك المهمة أن يكون جيدًا في الرسم، وأنا نموذج لذلك حيث لا أحب الرسم ولا أجيده. لكن يجب أن يكون لدى من يقوم بهذا العمل خبرة ودراسة بشكل عام بعلم التشريح، وعلم الحفريات بشكل خاص. بالإضافة إلى ضرورة أن يكون متمكن من معرفة ما يوجد الآن من سلالات الحيتان وغيرها، ومعرفة الصلات والروابط التي تربطها بأسلافها في الأزمنة السحيقة.

    فالعملية تعتمد في جزء كبير منها على التخيل الذي تحكمه أسس تشريحية، يقوم على أساسها ببناء هيكل الحيوان المنقرض وتخيل شكله الذي يقارب شكله الطبيعي بنسب عالية. يضاف إلى تلك المهارات مهارة في غاية الأهمية، وهي مهارة البحث والدراسة. حيث احتاج إلى فترات طويلة حتى تظهر الأحفورة في شكلها النهائي. وذلك بعد أن أقوم بدراسة الأحفورة، ومعرفة طولها. وعلى سبيل المثال كانت الأحفورة المكتشفة للحوت “توتسيتس رياننسيس” تضم (الجمجمة والفك والأذن وأول فقرة عنقية) بينما باقي الجسم غير موجود. وهنا تأتي مهمتي في البحث والدراسة والتصور، والتوصل إلى معرفة أوجه الاختلاف بين هذا الحوت وغيره من الحيتان المكتشفة في السابق.

    تصور كامل لشكل الحوت المكتشف الذي عاش منذ 41 مليون سنة
    تصور كامل لشكل الحوت المكتشف الذي عاش منذ 41 مليون سنة
    ذكرت أن من يقوم  بإعادة الهيكلة ووضع التصور لابد أن يكون دارسا للتشريح والحفريات.. كيف اتجهت لهذا المجال برغم مؤهلك بكالوريوس تجارة؟

    منذ أن كنت صغيرًا كان لدي شغف بدراسة الحيوانات، وكنت مهتمًا بمعرفة التنوع البيولوجي، بشكل خاص حيوانات السافانا الإفريقية. ثم اكتشفت بعد ذلك عالم الديناصورات المنقرضة، التي كان لها السيطرة على كوكب الأرض لأكثر من 150 مليون سنة. وقد بدأ تعلقي بعلم الحفريات منذ أن شاهدت فيلم حديقة الديناصورات “Juassic park3” والذي ظهر فيه الديناصور المصري “SPinosaurur aegyptiacua”، وهو ما لم أكن أتوقعه. كما لم أكن أعرف أنه في مصر حفريات تؤسس للتاريخ الطبيعي. ومن هنا بدأت رحلة البحث حول الحفريات.

    فكرت في دراسة علم الحفريات في الخارج، إلى أن شاهدت بالصدفة فيديو لمحاضرة يلقيها الدكتور هشام سلام في علم الحفريات، شعرت وقتها بفرحة عارمة، وكنت وقتها في المرحلة الثانوية. قررت أن أزور قسم الحفريات بجامعة المنصورة وبمساعدة عائلتي بالفعل زرت الجامعة. وتعرفت على د. هشام سلام، ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلتي مع الحفريات ومع مركز المنصورة للحفريات. وتركت عملي عندما لاحظت أنه يؤثر على اهتمامي بعلم الحفريات ويأخذ من وقتي، وقررت أن أتفرغ تمامًا لهذا المجال.

    ولماذا لم تتجه إلى دراسة الحفريات من البداية؟

    في فترة الثانوية كنت ضمن فريق مركز الحفريات بجامعة المنصورة، وسافرت معهم لعدة أماكن في الواحات المصرية والفيوم من أجل اكتشاف الحفريات. وكنت أنتوي الالتحاق بكلية العلوم، لكني لم أوفق بسبب المجموع، وهو ما جعلني أشعر بالإحباط لبعض الوقت.

    لكن ما قدمه لي الدكتور هشام سلام من دعم، شجعني على مواصلة حبي وشغفي لدراسة الحفريات. لذلك أنهيت دراستي في كلية التجارة، ودرست دراسات حرة في علم التشريح والحفريات، بجانب كوني ضمن فريق مركز الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة.

    لماذا أطلقتم على الحوت الجديد اسم «توت عنخ آمون»؟

    من أطلق هذا الاسم هو الدكتور عبدالله جوهر، عضو الفريق العلمي “سلام لاب” ومؤلف أساسي في كتابة الورقة البحثية، حيث أطلق اسم “توت عنخ آمون” على جنس الحوت الجديد “توتسيتس” وذلك للتشابه بينهما. لأنه من خلال البحث اكتشفنا أن هذا الحوت مات في عمر الصبا مثل الملك توت.

    وبحسب ما قال الدكتور جوهر، فإن هذا الحوت المكتشف كان ملكًا للبحار القديمة في وقته، بالإضافة إلى إحياء ذكرى اكتشاف مقبرة الملك الصغير قبل قرن من الزمان. وأيضا بالتزامن مع اقتراب افتتاح المتحف المصري الكبير بالجيزة.

    بينما تم تسمية النوع “رياننسيس”، على شرف منطقة وادي الريان الصخرية بمنخفض الفيوم، التي اكتشفت حفرياته فيها، ليكون الاسم كاملا توتسيتس رياننسيس “Tutcetus rayanensis”.

    صور لحفرية الحوت الجديد المكتشف
    صور لحفرية الحوت الجديد المكتشف
    كيف ترى علم الحفريات في مصر، وما هي أشهر دول العالم اهتماما بهذا العلم؟

    لدينا في مصر أماكن لا توجد في العالم يمكن من خلالها البحث والتنقيب والدراسة، في الواحات البحرية والفيوم على سبيل المثال. كما أنه لدينا العلماء والمتخصصين، لكن الأمر شاق نسبيًا ويحتاج إلى جهد كبير. أما أشهر الدول وأماكن البحث والاكتشافات فتوجد في أمريكا الشمالية.

    وأرى أن هناك حلقات كثيرة مفقودة في علم الحفريات لاسيما ما يخص الحيتان، واعتقد أن وادي الريان ووداي الحيتان بصحراء الفيوم سيجيبا ويكشفا عن تلك الحلقات المفقودة والتي من ضمنها هذا الحوت الجديد.

    وما هي أمنياتك فيما يخص علم الحفريات؟

    على المستوى العام أتمنى أن يكون في مصر متحف كبير للحفريات، يضم ما تم اكتشافه، وما يتم اكتشافه. لأن تلك الحفريات لا تقل أهمية عن الآثار المصرية. وذلك لما لها من أهمية كبيرة في معرفة تاريخ ما قبل الإنسان وتطور الحياة. كما أتمنى أن يكون علم دراسة الحفريات ضمن الدراسة في الجامعات المصرية.

    أما على المستوى الشخصي فأتمنى أن أعثر على الحفريات الخاصة بالديناصور المصري، الذي كان يوجد في الواحات البحرية منذ ملايين السنين. وأن استمر في هذا المجال وأساهم بشكل ما في اكتشاف العديد والعديد من الحفريات التي تبهر العالم.

    توت عنخ آمون أصغر وأقدم أسلاف الحيتان المائية

    بحسب الورقة البحثية يعد هذا الحوت الجديد والذي أطلق عليه لقب “توت عنخ آمون” تيمنا بالملك المصري القديم. أحد أصغر وأقدم أسلاف الحيتان المائية. وقد تم اكتشاف حفريات هذا الحوت في عام 2013 ووثق الفريق هذا الاكتشاف في ورقة بحثية نشرت يوم الخميس الماضي 10 أغسطس 2023 في دورية كوميونيكيشن بيولوجي «Communications Biology»، الصادرة عن مؤسسة نيتشر «Nature» العالمية.

    وبحسب الفريق العلمي المكتشف فإن الحوت الجديد (توتسيتس رياننسيس) يساعد في إثراء المعرفة العالمية. ويضع تصور كامل لأسلاف الحيتان القديمة. كما يوضح أهمية الحفريات المصرية لفهم السجل التطوري لتلك المخلوقات المنقرضة والفريدة.

    اقرأ أيضا:

    «فيوميسيتوس أنوبيس».. سر جديد من واحة الفيوم عمره 43 مليون عاما

  • الخطة الكاملة لإنشاء أول محمية طبيعية للحيوانات البرية في وادي الريان| خاص

    الخطة الكاملة لإنشاء أول محمية طبيعية للحيوانات البرية في وادي الريان| خاص

    وقعت كل من محافظة الفيوم ووزارة البيئة ومؤسسة الأميرة عالية بنت الحسين، ومؤسسة فور بوز العالمية، بروتوكول تعاون، لإقامة مشروع ملاذ آمن للحيوانات البرية بمحمية وادي الريان.

    تفاصيل المحمية

    كشف الدكتور أمير خليل، مدير إدارة المشاريع في الشركة الدولية لحماية الحيوان «Four paws» تفاصيل المشروع المزمع تنفيذه خلال العامين المقبلين. إذ ذكر أنه يهدف لإنشاء محمية طبيعية في منطقة وادي الريان. لتصبح ملاذًا آمنًا للحياة البرية، وعلى مساحة ألف فدان «محمية وادي الريان هي من أقدم المحميات في العالم. وأول فيل كان داخل هذه المحمية، ويطلق عليه حاليًا اسم «فيل الفيوم».

    وتابع خليل: عاش الفيل هناك منذ ما يقرب من الـ250 مليون سنة. لكن نحن هنا يجب أن نعرف طبيعة المنطقة إذ كانت عبارة عن غابة تم تغطيتها بالمياه خلال العصور السابقة. لذلك نسعى لاستغلال مساحة الـ1000 فدان، والتي من المزمع تنفيذ المشروع عليها لتحويلها لغابة. شبيهة بمحمية المأوى التي قمنا بتنفيذها في الأردن، خلال السنوات الأخيرة الماضية.

    بيئة أصلية

    ويضيف: المحمية تهدف بشكل أساسي لحماية الحيوانات المعرضة للانقراض، أو تلك التي يتم مصادرتها من جانب الحكومة المصرية. مثل الأسود، والفهود، والضباع والحيوانات المفترسة الأخرى، كذلك فالهدف من إنشاء المحمية هو هدف تعليمي. أي من خلال تأسيس مركز تدريب للأطباء البيطريين للتعامل مع الحيوانات البرية. وكذلك التعامل مع العمليات الجراحية، الخاصة بالحيوانات. وذلك بالتعاون مع أطباء عالميين، مع توفير مركز تأهيل للتعامل مع هذه الحيوانات. كما سنهتم بتعليم الأطفال طرق وكيفية التعاون مع الحيوانات، وسيتمكنوا من مشاهدة الحيوانات المفترسة داخل بيئتها الأصلية.

    موقع المحمية
    موقع المحمية
    صراعات دولية

    يستطرد خليل: نسعى من خلال المشروع تنفيذ برامج تكاثر للغزلان المصرية، والتي كانت خلال فترات سابقة مهددة بالانقراض. لذلك فالمشروع سيتم تنفيذه على جزء صغير من مساحة المحمية والبالغ 1400 كم مربع. وسنراعي الجانب البيئي، خلال العملية، فالهدف من إنشائها ليس هدفًا ترفيهيًا في الأساس.

    كما أن هناك أيضًا أفكار مقترحة، مثل إنشاء متحف للحيتان والحيوانات المنقرضة بداخلها، لتعريف الزوار بهذه المنطقة الفريدة. فمصر تقع وسط منطقة مليئة بالصراعات الدولية؛ لذلك يمكن أن تصبح الحديقة ملاذ آمن للحيوانات المفترسة خلال السنوات المقبلة.

    ترحيب واسع

    يذكر د.أمير، أن المشروع تم رفضه منذ حوالي 20 عامًا، وذلك عندما قدمه لمحافظ الفيوم «لحسن الحظ أن المشروع هذه المرة لاقى ترحيبًا واسعًا، فنحن كما ذكرت نسعى من خلاله لإرجاع المكان كغابة كما كانت عليه من قبل، كذلك فنحن نعتمد على البعد البيئي في جميع مراحل المشروع، كاستخدام بيئة الصرف الزراعي، والقادمة من محافظة الفيوم، كذلك فالهدف الرئيسي من المشروع هو مراعاة الحيوان وأيضًا الطيور، من خلال تحويل الفيوم بأكملها لمحمية جاذبة لكافة الطيور المهاجرة وأيضًا الحيوانات.

    وبسؤاله عن وجه التعاون وكذلك الجهات المشرفة على العملية بأكملها أوضح أن التعاون سيتم بين مصر والمملكة الأردنية. ويقول:«الأردن نفذت مشروع مشابه خلال السنوات الأخيرة، فالفكرة بشكل عام ليست استثمارية أو اقتصادية لكنها فكرة إنسانية في المقام الأول، وتهدف للمحافظة على البيئة، بل واستعادتها مرة أخرى».

    مرحلة تجهيزية

    وبخصوص الوقت الفعلي لعملية البدء في المشروع أشار خليل إلى أنهم حاليًا في المرحلة التجهيزية لدراسة المكان بشكل كامل وأخذ إحداثياته «أعتقد خلال هذا الشهر سيتم إمدادنا بها من جانب وزارة البيئة، وأظن أن المشروع يمكن أن يتم الانتهاء منه خلال عامين، وهناك مستثمرين بالفعل رحبوا بالعمل في هذا المشروع».

    وبسؤاله عن مدى تعارض المشروع مع البعد البيئي الذي تحتفظ به محمية وادي الريان قال: «المشروع يهدف أصلًا للحفاظ على البيئة، من خلال تحويل المحمية لملاذ آمن للحيوانات، واستعادتها مرة أخرى، فالغزلان كانت موجودة بالفعل خلال السنوات الماضية، لكن نتيجة الصيد الجائر اختفت في نهاية الأمر.

    كذلك سيتم استعادة الشجر داخل المحمية، والمشروع بشكل عام يمثل مساحة صغيرة فقط من مساحة المحمية والتي تبلغ حوالي 2000 كم مربع. أي من الفيوم وصولًا لمحافظة بني سويف، فالمشروع فقط يقع على طرف المحمية. وقد يتم توسيعه بعد انتهاء المرحلة الأولى منه، لكنه كبداية أتمنى أن يرى النور قريبًا لأننا من خلاله سنساهم في الحفاظ على البيئة البرية وهي خطوة تأخرت كثيرًا، لكننا في نهاية الأمر لا نهدف لتغيير ملامحه، أو الاعتداء على أي من القيم التي يحملها هذا الموقع الفريد».

    اقرأ أيضا:

    د. أمير خليل: هكذا يكون تطوير حديقة الحيوان

  • يضم 312 قطعة أثرية.. جولة في متحف «كوم أوشيم» الأثري بالفيوم

    يضم 312 قطعة أثرية.. جولة في متحف «كوم أوشيم» الأثري بالفيوم

    على مشارف مدينة الفيوم وبالتحديد في قرية كرانيس، إحدى القرى الأثرية القديمة، يقع متحف “كوم أوشيم”. الذي يضم بداخله قطع أثرية هامة تم استخراجها من مناطق متفرقة بالفيوم وخارجها. يتكون المتحف من طابقين ويحوي مومياء من وجوه الفيوم الشهيرة. بالإضافة إلى أنه يعطي فكرة كاملة عن الفترات الحضارية التي مرت على مصر.

    كوم أوشيم

    يقول الدكتور ممدوح الشوكي، مدير المتحف لـ«باب مصر»: “المتحف أنشئ عام 1974، وكان عبارة عن صالة واحدة الهدف منها تسويق المنتجات المحلية ومنتجات الأسر المنتجة، لكن وجود المكان داخل المنطقة الأثرية بكرانيس، شجع هيئة الآثار وقتها على تحويل المكان إلى متحف، وعرض بعض القطع الأثرية التي تم استخراجها من المنطقة”.

    وتابع: في عام 1993 تمت توسعة مساحة المتحف وإضافة طابق علوي. وأصبح المتحف يحتوى على قطع أثرية من داخل وخارج الفيوم. لكن تعرض المتحف للغلق في فبراير 2006 من أجل تطويره، وأعيد افتتاحه في عام 2016. ويضم 312 قطعة أثرية تتميز بالتسلسل التاريخي، ويمثل سيناريو العرض المتحفي الحياة اليومية للمصري القديم في إقليم الفيوم، مثل الصناعات والأنشطة منها صناعة الأواني الفخارية والزجاجية، والنسيج، والزراعة، وبعض الأدوات المستخدمة في تلك الصناعات.

    متحف كوم أوشيم
    متحف كوم أوشيم
     الطابق الأول

    عند دخولك من باب المتحف، يقابلك تمثال من الجرانيت الأسود للمعبودة “سخمنت”، وهي من المعبودات المحاربات، التمثال على هيئة سيدة برأس أنثى الأسد، وتمسك صولجان من نبات البردي، وكأنها تحرس ما بداخل المتحف.

    هناك أيضا تمثال آخر من الحجر الجيري الأبيض لمعبودة الحب والجمال “أفروديت”، وهي خارجة من إحدى الأصداف البحرية، يعود تاريخه إلى القرن 3-4 ق م.

    يبدأ العرض المتحفي في الطابق الأول من المتحف بإحدى الفتارين التي تحتوي على مجموعة من الحلي، من قلادات وأساور وغيرها. تعود إلى عهد القدماء المصريين، الذين اهتموا كثيرًا بالزينة الشخصية والحلي المشغول من الذهب والأحجار الكريمة.

    فاترينة أخرى تحتوي على بعض أدوات التجميل من أمشاط، ومكاحل وبعض الزجاجات التي كانت تملئ بالزيوت العطرية، والتي كان يستخدمها النساء والرجال على حد سواء، بالإضافة لأحذية قديمة.

    أواني فخارية وأوعية زجاجية 

    وفي بداية المتحف  توجد مجموعة من الأواني الفخارية والتي يمتاز بها إقليم الفيوم منذ القدم والتي صُنعت من طمي النيل. وكانت تستخدم في تخزين الأطعمة والمشروبات والزيوت، فنجد بعض الأطباق الفخارية والزلع والقارورات مختلفة الأشكال.

    بجوار الأواني الفخارية، فاترينة أخرى تحتوي على مجموعة من الأواني الزجاجية، والتي كانت تستخدم في حفظ الزيوت ومستحضرات التجميل. بالإضافة لحفظ العطور والأصباغ والتوابل.

    يُعرض في فاترينة أخرى بعض المنسوجات التي اشتهرت بها الفيوم. حيث كان الكتان وصوف الأغنام وشعر الماعز وألياف النخيل، أكثر المواد المستخدمة في صناعة المنسوجات. ويشمل العرض أيضًا قطع من النسيج المزخرف بوحدات من الزهور، وبعض الأدوات المستخدمة مثل الإبر وغيرها.

    الزراعة والكتاب

    اشتهرت الفيوم منذ العصور الأولى بالزراعة، خاصة منطقة كوم أوشيم التي يقع بها المتحف، وقد تم العثور في هذه المنطقة على شون تخزين الغلال. بالإضافة إلى بقايا حبوب القمح والشعير، ويضم المتحف بعض الأدوات الزراعية التي تم العثور عليها في المنطقة، وأدوات تحضير الغلال.

    تماثيل التراكوتا والبرديات

    يوجد بالمتحف أيضا مجموعة من أوراق البردي، أشهر المواد المستخدمة للكتابة. بجانب الكتابة على كسرات الأواني الفخارية أو الحجر، وكانت الأقلام تصنع من البوص. أما الألوان فكانت تصنع من النباتات والأحجار الملونة.

    فاترينة أخرى بها مجموعة كبيرة من تماثيل “التراكوتا”، والتي كانت تنتشر بكثرة خلال العصر اليوناني الروماني، وكان يتم تصنيعها من الطين المحروق، وتوضح مظاهر الحياة اليومية. حيث تم صنعها لتصور الآلهة أو النساء أو الحيوانات. وكانت تستخدم كزينة في المنازل، وتقدم في النذور، بالإضافة لاستخدامها كألعاب للأطفال. وكان أشهرها المعبود حريوقراط وهو النسخة اليونانية من المعبود المصري القديم حورس الطفل.

    تماثيل التراكوتا
    تماثيل التراكوتا
    مومياوات وأيقونات نادرة

    قبل الصعود للطابق الثاني من المتحف، يمكن أخذ فكرة عن حضارة الفيوم العريقة، من خلال بعض اللوحات المعلقة التي تحتوى على بانوراما معلوماتية حول الفيوم وتاريخها.

    أما الطابق الثاني فيحتوي على بعض القطع الهامة، ومنها مومياء لسيدة داخل تابوت خشبي مغطى بطبقة من الجص الملون، والمومياء عليها كارتوناج مكون من قناع مذهب يغطي الوجه. وتوجد بعض الشرائح من البردي على الجسم، تعود المومياء للعصر المتأخر، والجزء العلوي من المومياء يمثل رأس سيدة ترتدي النمس المصري، والوجه ملون بالأصفر الداكن، والصدر مزين بزخارف هندسية ملونة.

    نشاهد مومياء أخرى لشاب تنتمي إلى بورتريهات الفيوم الشهيرة، المومياء ملفوفة في الكتان، وعليها طبقة سميكة من الصمغ لحماية جسم المتوفى، تعود للعصر القبطي. كما سنجد أيضًا على الحائط بورتريه يمثل أحد وجوه الفيوم، مصنوع من الخشب الملون. وبالطابق الثاني أيضًا بعض الأيقونات القبطية أغلبها يعود إلى القرن الثامن عشر، نظرا لإنتاج الأيقونات بكثافة في هذا العصر.

    مومياء من داخل متحف كوم أوشيم
    مومياء من داخل متحف كوم أوشيم

    يحتوى المتحف أيضا على أيقونة للقديس “يوحنا فم الذهب” تعود للقرن الثامن عشر، وأخرى للقديس “يوسف يحمل الطفل المسيح” رسم على خشب – كنيسة العذراء مريم الدمشرية – عام 1754م. بالإضافة لأيقونة القديس “استفانوس”، الذي كان ضمن الرسل السبعين للسيد المسيح، تعود للقرن التاسع عشر.

    هناك أيضًا بعض من الأواني الكاتونية، التي كانت تستخدم في حفظ أعضاء جسد الموتى أثناء التحنيط. وكل آنية تحتوى على غطاء مختلف الشكل يمثل أحد الوجوه الأربعة للمعبود حورس، يذكر أن الإناء لايزال يحمل ختم الشمع الأصلي، مما يؤكد أنه لم يفتح مطلقًا حتى الآن.

    كما يضم العرض بعض اللوحات الحجرية، تعود للقرن الرابع الميلادي وتحمل بعض النصوص والصور لأغراض جنائزية. وكانت توضع أمام القبور لتقديم القرابين لروح المتوفى. بالإضافة لوضعها بالمعابد لأغراض تذكارية، كما وضعت كشواهد للقبور من قبل المسيحيين، وكان يكتب عليها اسم المتوفى، وتاريخ الوفاة إضافة للأدعية.

    تطوير المتحف

    المتابع لتاريخ الفيوم وحضارتها، يلاحظ أن العديد من المتاحف في مصر وحول العالم مليئة بقطع مستخرجة من الفيوم، ويضم متحف كوم أوشيم القليل منها.

    وحول خطة التطوير وهل هناك بالفعل نية لذلك أم لا يقول مدير المتحف: “كل القطع الأثرية بداخل المتحف لم يتم استخراجها من الفيوم فقط، فهناك قطع من الفيوم وقطع أخرى من أماكن متعددة مثل المتحف المصري، والمخزن المتحفي وغيره. وقمنا بالفعل بعرض فكرة لتطوير المتحف قبل الثورة، وكان هناك العديد من الاختيارات لأماكن أخرى لبناء متحف كبير. على أن يبقى متحف كوم أوشيم كما هو داخل المدينة الأثرية لكن على شكل متحف وثائقي”.

    وتابع: لم تستكمل الفكرة بسبب قيام الثورة، وتغير الأمور. ومن ثم اتجهنا إلى تطوير المتحف الحالي فيما يسمى رفع كفاءة. وتم إعادة افتتاح المتحف عام 2016 بنفس المبنى والقاعتين. حيث يضم العرض الآن 312 قطعة والمخزون لدينا 1522 قطعة أثرية. وهناك خطة مستقبلية لتطوير المتحف من خلال التعاون بين وزارة الآثار ومحافظة الفيوم. حيث سيتم تغيير اسم المتحف ليكون “متحف آثار الفيوم”، وستكون جميع القطع الأثرية المعروضة مستخرجة من الفيوم فقط”.

    اقرأ أيضا

    الإهمال يضرب أقدم المدن المصرية.. «شيدت المدينة الزائلة»

  • الإهمال يضرب أقدم المدن المصرية.. «شيدت المدينة الزائلة»

    الإهمال يضرب أقدم المدن المصرية.. «شيدت المدينة الزائلة»

    تحت أكوام القمامة والحشائش تناثرت أطلال أهم المدن المصرية على الإطلاق. “شيدت” المدينة المعروفة باسم أرسينوي أو كيمان فارس أصل محافظة الفيوم. ذكرتها نصوص الأهرام منذ حوالي 4300 عام، وشهدت عصور وحضارات متتالية انتهت تحت قلاع المباني الخرسانية. ما يقارب 122 فدانا مساحة المدينة الأثرية التي تعج بالآثار الفرعونية والرومانية واليونانية والقبطية اختفت والباقي مهدد أيضا.. «باب مصر» يستعرض القصة.

    مدينة شيدت

    يقول الدكتور ناجح عمر علي، أستاذ الآثار والحضارة المصرية القديمة بجامعة الفيوم: “على أنقاض مدينة “شيدت” القديمة تم بناء منطقة كيمان فارس بالفيوم. ولم يتبق من المدينة سوى عشرات الأفدنة تم تشييد الجامعة والمباني المحيطة بها عليها. ولا يوجد من المدينة سوى بعض المواقع المتناثرة والمهملة مثل الموقع الذي يقع بجوار مستشفى الجامعة. وهو عبارة عن بقايا معبد يرجع لعصر البطالمة وبقايا أرضية حمام يعود لنفس الحقبة الزمنية”.

    وتابع: يعود تاريخ مدينة “شيدت” إلى العصر الحجري الحديث. حيث عرف المصري القديم الزراعة وارتبط بالأرض، وأصبحت هويته مصرية وذلك على حواف بحيرة قارون التي كانت تشغل كل محافظة الفيوم وكانت مركزها في ذلك الوقت، في الألف السادسة قبل الميلاد.

    واستطرد علي حديثه: مدينة “شيدت” تأسست في عصر الملك نعرمر، أول ملوك الأسرة الأولى، ومعناها الأرض المستخلصة أي المستصلحة من مستنقعات بحيرة قارون التي لم يتبق منها سوى 55 ألف فدانا حاليا.

    وتؤكد الوثائق الأثرية على عراقة وقدم “شيدت”. ففي عهد الملك “خع سخموي” في الأسرة الثانية، ورد اسمها على ختم يرجع لهذا الملك، عثر عليه في أبسدوس بسوهاج وأطلق عليها اسم “حور شيدت” أي المنتمية لحورس المعبود الرسمي لمصر.

    وفي الأسرة الثالثة أطلق على إقليم الفيوم اسم “أش رسيت” بمعنى البحيرة الجنوبية. وأطلق عليها في عهد “ني أوسر رع” اسم “نعرتت حنتت”، والذي يعني الشجرة السفلية، وفي نصوص الأهرام في عصر الأسرة الخامسة ذكرت شيدت مرتين.

    الدولة الحديثة

    أما في عصر الدولة الحديثة عصر الأسرات (18- 20) ذكرتها النصوص باسم “با يم”، بمعنى اليم أو البحيرة. وفي العصر المتأخر وردت في النصوص باسم ” واج ور”، بمعنى الأخضر العظيم إشارة إلى بحيرة قارون.

    وذكر أستاذ الآثار، أنه ازدهرت مدينة “شيدت” في العصرين البطلمي والروماني. وأطلق عليها اسم كروكوديلوس بمعنى مدينة التمساح، وتغير الاسم في عهد بطليموس الثاني وأطلق عليها إقليم “أرسينوي” وهو الاسم الأشهر لها  تكريما لأخت بطليموس الثاني.

    وتابع: أطلق عليها اسم “موريس” نسبة لبحيرة موريس المشتق من الاسم المصري “مر ور”. وعرفت في القبطية باسم بيوم وجاءت مشتقة من اسم “با يم” المصري القديم، حيث كانت مقرا للأساقفة الأقباط.

    ومع دخول الإسلام، تم هجر “شيدت” المدينة العريقة. حيث تم بناء المساجد على ضفاف بحر يوسف في الجانب الآخر من المدينة والتي تبعد عن شيدت. وقلبت “الباء” فاء في العربية، فأطلق عليها فيوم. ثم دخلت عليها “ال” التعريف فأصبحت تسمى الفيوم. وتم هجر المدينة حتى صارت مجرد أكوام من الحطام، واندثرت الآن ولم يعد لها أي أثر.

    يشار إلى أن الدكتور ناجح، قام بعمل حفائر خاصة بكلية الآثار، جامعة الفيوم في عام 2016 وحتى 2017 بمعاونة طلبة الكلية.

    ويقول عن موقع الحفائر: “الموقع المجاور للجامعة هو جزء باقي من مدينة شيدت، وتحديدا في العصر البطلمي. حيث يوجد بقايا جدار حجري عليه نقش خرطوش يعود للملك بطليموس. وعثرنا أثناء البحث في رديم وحفائر المدينة التي قامت به منطقة الآثار، على بعض اللقي الأثرية من عملات وتماثيل تراكوتا عليه وجوه من عهد البطالمة. بالإضافة لبعض الأواني الفخارية، ولا يزال الموقع قابل للعمل الأثري والبحث مرات أخرى، لاستخراج المزيد”.

    ويختتم حديثه بقوله: “لو كان هناك أدني اهتمام ما كان بُني قالب طوب أحمر في شيدت ولأصبحت مدينة سياحية عالمية، لكن للأسف هذا هو حالنا”.

    سلسلة تعديات

    بعد هجر مدينة “شيدت” إبان العصر الإسلامي، أصبحت المدينة عبارة عن تلال عالية متسعة. وبحسب ما ذكر علي باشا مبارك في أحد كتبه التي اهتمت بالتاريخ التي يقول فيها: “شيدت بلغت مساحتها نحو ألف فدان من التلال العالية، ويعرفها الأهالي باسم “كيمان فارس”، نسبة لتلك التلال”.

    وظلت شيدت أو أرسينوى الجميلة، عبارة عن أطلال وأكواما من الحجارة، تحكي تاريخ طويل تم تدميره حتى مطلع القرن العشرين الميلادي. حيث تم تحويل أجزاء كبيرة من المدينة المهجورة إلى أرض زراعية. وتم تقسيمها إلى حوضين (كيمان فارس الغربي، وكيمان فارس القبلي). وكل حوض ضم مجموعة من الأفدنة.

    وفي عام 1970 استلمت الأملاك الأميرية منطقة كيمان فارس. وانتقلت المدينة بعد ذلك للمحافظة عام 1980، مع الاحتفاظ بخمسة مواقع من المدينة القديمة “شيدت” تحتوي على بعض الآثار التي مازالت قائمة، وهم (معبد بطليموس، الحمام الكبير، الحمام الصغير، المعبد الشمالي معبد أمنمحات الثالث، الحمام الجديد).

    وبدأ البناء على أرض مدينة شيدت والتوسع العمراني. حيث استحوذت مباني جامعة الفيوم على مائة فدان، ونشطت حركة المباني والعمران من مساكن شعبية ومصالح حكومية، وحديقة وغيرها.

    معبد سوبك

    كان معبد “سوبك” أو المعبد الشمالي الذي بناه الملك أمنمحات الثالث منذ حوالي 3800 عام لعبادة الإله “سوبك” التمساح معبود الفيوم، سيئ للغاية. فقد ظلت أعمدة المعبد الكبير بمدينة “شيدت” باقية حتى العصرين الروماني واليوناني. وتم تفكيك المعبد وتكسير أعمدته التي بنيت من حجر الجرانيت الأسواني، وإعادة استخدامها في بناء المعابد الرومانية.

    وبالرغم من فناء المدينة بالكامل، إلا أن بعضًا من أطلالها مازال باقيا إلى الآن في الأراضي الزراعية، تحاوطه الوحدات السكنية بكيمان فارس. وتم نقل العديد من العمدان والتماثيل في مطلع الثمانينات إلى منطقة كوم أوشيم بمدينة كرانيس القديمة.

    وحول عملية النقل وتفاصيل حفر المنطقة، يقول أحمد عبدالعال، مدير عام آثار الفيوم الأسبق لـ”باب مصر”: “تم تعييني بمنطقة آثار الفيوم في مطلع الثمانينات بعد تخرجي في كلية الآثار جامعة القاهرة. لكن قبلها عملت بشكل مؤقت كمراقب تابع للآثار بمنطقة كيمان فارس.

    حيث بدأ وقتها العمل بها بقصد تحويلها إلى مناطق سكنية ومصالح حكومية. وكانت شركات خاصة هي المسؤولة عن الحفر، تحت إشراف من وزارة الآثار. وكان عمل المراقب يتلخص في مراقبة ما قد يتم العثور عليه من آثار أثناء الحفر، ويقوم بتبليغ الآثار والتحفظ عليها”.

    أرض المدينة

    وتابع عبدالعال: قبل أن تتسلم الأملاك الأميرية أرض “شيدت” في مطلع السبعينات، كان لابد من عمل حفائر لضمان أن الأرض لا يوجد بها أي آثار، لكن عملية التنقيب لم تتم بطريقة علمية صحيحة. فمن قام بالتنقيب هم طلبة المدارس الثانوية العسكرية وكان يطلق عليهم “الفتوة”، استعانت المحافظة ومنطقة الآثار بهم لعمل الحفائر. فهل يعقل أن طلبة المدارس الثانوية يقومون بالحفائر على مساحة أكثر من 500 فدان وهم لا يعلمون عن طريقة التنقيب والحفائر شيء!

    يكمل، بعد انتهاء الطلبة من عمل الحفائر، خرجت النتائج بخلو المنطقة من الآثار. ومن ثم تم تسليم المدينة عام 1970 بموجب محضر تسليم رسمي، وهو نفس المحضر الذي استلمت به المحافظة الأرض عام 1980 لعمل توسع عمراني مع الاحتفاظ بخمسة مواقع في حيازة الآثار.

    وأوضح: نعلم جيدًا أن المنطقة لازالت تحتفظ بآثار لم تكتشف بعد. وأن ما نُفذ بها من حفائر لم يُنفذ بطريقة علمية. لذا وقفنا دائما في الآثار ضد تعديات كثيرة. وكان بيننا وبين المحافظة العديد من القضايا، لكن البناء كان مستمرًا دون توقف في جامعة الفيوم.

    يقول عبدالعال: “أوقفت عمل المحافظة حفريات في أماكن كثيرة، وهو ما نتج عنه العثور على العديد من الأواني الفخارية، والعملات، والمسارج، وتماثيل التراكوتا، وبعض التماثيل الحجرية الكبيرة التي تم نقلها. ووصل الأمر أنني أوقفت بناء إحدى العمارات السكنية وبعد التنقيب اكتشفنا وجود بقايا لحمام روماني كامل، يوجد الآن بين المساكن”.

    ويعتقد أن منطقة المعبد الشمالي، والتي استخرجت منها تماثيل للملك رمسيس. وهو المعبد الذي بناه أمنمحات الثالث هي أهم المناطق، وأنها منطقة واعدة لا تزال تخبئ الكثير الذي يحتاج إلى الكشف عنه.

    إنقاذ المدينة

    ويردف عبدالعال: حاربنا كثيرًا لإنقاذ البقية الباقية من المواقع الأثرية الخمس الباقية، وقمت بعمل العديد من البلاغات أثناء إدارتي لمنطقة آثار الفيوم. منها بلاغات تعدٍ وبلاغات خاصة بالمياه الجوفية ومياه الصرف الصحي التي تغرق تلك المناطق وأدت إلى دمارها، وسرقة الأسوار الحديدية. وتدخلت النيابة الإدارية والرقابة الإدارية والعديد من الجهات.

    ويختتم حديثه بقوله: “منطقة كيمان فارس هي بؤرة ونقطة سوداء في ملف آثار الفيوم، ويجب تكاتف الجميع للحفاظ على ما تبقى من شيدت”.

     الكتل السكنية

    المواقع الأثرية الخمسة الباقية من مدينة “شيدت” تقع الآن داخل الكتل السكنية. لكن المتابع لتلك الأماكن، يرى ما بها من إهمال. فقد أصبح البعض منها مكبا للقمامة، وآخر تنمو به الحشائش.

    يقول الدكتور علي البطل، مدير عام آثار الفيوم: “استلمت العمل منذ قرابة ثلاثة شهور، ونعرف أن الأماكن الأثرية الموجودة بمدينة الفيوم تعاني من الإهمال لكن ذلك بسبب تداخلها وقربها من المباني السكنية. مما يجعلها عرضة لتعدٍ الأهالي وإلقاء القمامة والحيوانات النافقة”.

    وتابع: أما بالنسبة للمواقع الخمسة الباقية من مدينة “شيدت” -كيمان فارس حاليًا- فقد قامت الوزارة بترميم موقع الحمام الروماني الجديد آخر مساكن التعاونيات. وقامت لجنة من بعض الأثريين والمرممين ولمدة شهرين بعملية الترميم، وتنظيف المكان وإزالة الحشائش.

    وبالنسبة لموقع معبد رمسيس، فقد قام فريق الترميم وفريق الأثريين بمنطقة آثار الفيوم، بتنظيف المعبد، ومعالجة الكتل الجرانيتية وما بها من نقوش. وأوصت اللجنة المشكلة من الفريقين بضرورة نقل كتلة ضخمة من الجرانيت إلى المتحف المفتوح بكوم أوشيم، نظرًا لتضررها بسبب وجود المياه تحت السطحية. وتمت مخاطبة المحافظة والوزارة بذلك، وفور الموافقة سيتم النقل.

    ويكمل البطل، بالنسبة لموقع معبد بطليموس، جاري تكليف فريق عمل، ليقوم بإزالة الحشائش ونظافة المعبد. حيث إنه كلما نقوم بإزالة الحشائش تنمو مرة أخرى.

    وعن آخر المواقع وهو موقع الحمام الكبير الذي يمتلئ بأكوام القمامة ووجود الحيوانات. يقول البطل: “تقدمت محافظة الفيوم وجامعة الفيوم بطلبات لإنشاء مستشفى للأورام تابعة للجامعة على هذه المنطقة. وقامت المحافظة ببناء سور حولها لحمايتها من تعدٍ الأهالي، وجارى الآن الحصول على موافقة المجلس الأعلى للآثار”.

    واختتم مدير الآثار حديثه بقوله: “لإيماننا بأهمية المواقع الأثرية والحفاظ عليها. قامت الإدارة الحالية بإنشاء إدارة جديدة تسمى (إدارة الوعي الأثري). وتهدف لتنمية الوعي الأثري لدى المواطنين وطلبة المدارس. وتم عمل بروتوكولات تعاون مع كل من التربية والتعليم ومديرية الصحة. وذلك لإذكاء روح حب الآثار وتعميق الانتماء إلى تاريخ وحضارة الأجداد”.

    المدينة الزائلة

    كانت آخر التعديات على ما تبقى من “شيدت” منذ أعوام قلائل، بردم أحد المواقع الخمسة، وهو عبارة عن بقايا حمام روماني قديم يقع داخل حرم الجامعة، بالقرب من كلية السياحة. لكن فضلت الجامعة ووزارة الآثار ردمه وعمل حديقة أعلاه بدلا من إحاطته بسور لتعريف الطلاب به وبتاريخ المكان، الذي بنيت عليه مباني الجامعة، كي تُخفي آثار الجريمة للأبد.

    ” المدينة الزائلة”.. كتبت تلك الجملة على إحدى اللوحات بجوار ما تبقي من أعمدة وتماثيل بمعبد أمنمحات الثالث، بمنطقة كوم أوشيم. وبالفعل أصبحت “شيدت” مدينة زائلة. سواء عن عمد أو إهمال. والسؤال هنا هل ستصمد باقي المواقع الباقية أمام تلك التعديات، أم ستختفي مع الأيام؟

    اقرأ أيضا

    حوار| الدكتور باسم جهاد: العثور على مقبرة حجرية وبورتريهات للفيوم في منطقة فيلادلفيا

  • الثلاثاء.. تونس تشهد المعرض الختامي لمنحة «نقطة انطلاق»

    الثلاثاء.. تونس تشهد المعرض الختامي لمنحة «نقطة انطلاق»

    يقام بعد غد الثلاثاء بقرية تونس في محافظة الفيوم، المعرض الختامي لمنحة الإقامة الفنية «نقطة انطلاق» التي تنظمها مؤسسة ساويرس بالشراكة مع مركز الفيوم للفنون. يشمل المعرض عرض الأعمال التي أنجزها الفنانون الحاصلون على المنحة خلال مدة إقامتهم الفنية.

    وكذلك تنصيب تمثال ميداني بطول 13 مترا على شكل “حوت ما قبل التاريخ” تم صنعه من مواد معاد تدويرها. وخصصت محافظة الفيوم قطعة أرض على الطريق السياحي بالقرب من قرية تونس لوضع التمثال.

    نقطة انطلاق

    تقول ميس أبوحجاب، مديرة البرامج بمؤسسة ساويرس: “فخورون وسعداء بتقديم منحة الإقامة الفنية تماشيا مع أحد أهداف المؤسسة الإستراتيجية وهو تمكين وكلاء التغيير. حيث تدعم المنحة أول برنامج إقامات فنية من نوعه في مصر، والذي يوفر فرصة اكتشاف الفنانين والفنانات لقدراتهم الكامنة وتطويرها بشكل مكثف. من خلال العمل مع أحد المراكز الفنية الرائدة في مصر وهو مركز الفيوم للفنون”.

    وتابعت: لم يقتصر الأمر على حصول المشاركين على فرصة لتلقي الإرشاد من كبار الفنانين المصريين في مجالاتهم. ولكن تم إرشادهم أيضا من فنانين عالميين قاموا بزيارتهم في الفيوم.

    مجسم حوت ما قبل التاريخ
    مجسم حوت ما قبل التاريخ

    وأضاف الفنان محمد عبلة، مؤسس مركز الفيوم للفنون: “هناك تحول واضح في شعور الفنانين بالثقة في عملهم وفي التجارب التي استكشفوها. أتاحت الإقامة الفنية فرصة العيش والعمل مع فنانين آخرين ومساحة لتبادل الخبرات والتعلم من بعضهم البعض بشكل يومي. فمشاهدة الفنانين الشباب وهم يستفيدون من هذه التجربة ومتابعة تقدمهم هو تأكيد على أهمية الاستثمار في الأجيال الشابة”.

    اختيار الفنانين والفنانات الحاصلين على منحة الإقامة الفنية في الفيوم جاء على مرحلتين. تمت المرحلة الأولى بقيام لجنة من خبراء الفن في مصر بتقييم أعمال أكثر من 500 متقدم للمنحة، وترشيح 20 من أمهر المتقدمين. للمشاركة بأعمالهم في معرض جماعي أقيم في أكتوبر الماضي بالقاهرة. وشهدت المرحلة الثانية اختيار 4 منهم للحصول على منحة الإقامة الفنية بمركز الفيوم للفنون في مجالي التصوير والنحت. لفترة وصلت إلى 3 شهور. تكفلت المؤسسة بتغطية المصاريف.

    آراء المشاركين

    يقول الفنان أحمد مجدي، أحد المشاركين في المنحة: “ساعد المكان على استلهام الكثير من الشخوص والموضوعات التي تسمح بخوض تجربة العمل بحرية مطلقة متمركزة حول الاستمتاع بكل لحظة. وإقامة حوار رحب وخاص مع كل عمل دون النظر للنتيجة”.

    واتفقت معه في الرأي الفنانة دينا صموئيل، مشاركة أيضا في المنحة، والتي تحدثت عن دور طبيعة الفيوم في إعادة استكشاف وتجريب «بالتات» لونية جديدة مستلهمة من تأثير الضوء الطبيعي على التحليل اللونى للعناصر.

    كما أكدت الفنانة إنجي عمارة، تأثرها بمنطقتين وهما «كوم أوشيم والنزلة» البارزتان في إنتاج الفخار. حيث ركزت على تطويع الأواني الفخارية وخصيصا «البوكلة» التي تعد من أقدم الآنيات المخترعة بالعالم.

    ويقول الفنان إبراهيم صلاح، إن المتابعة والإرشاد من فنانين ذوي خبرة كبيرة كان بمثابة إضاءة ساعدته على تصور وإبداع أنواع وأحجام مختلفة من أعمال فن النحت التي لم يعتد تجربتها من قبل. علما بأنه لم يدرس الفن دراسة أكاديمية من قبل ولم يؤثر ذلك على اختياره بالمنحة ومشاركته بالبرنامج.

    عن مؤسسة ساويرس

    المؤسسة  تم إشهارها في عام 2001 بهبة من عائلة ساويرس كواحدة من أوائل الجهات الوطنية المانحة التي تتصدى للعديد من القضايا الهامة التي تواجه المجتمع المصري. وتعمل على خلق الفرص وتحفيز التغيير وتحقيق التنمية المستدامة القائمة على المعرفة وتبادل أفضل الخبرات والممارسات التنموية.

    على مدار أكثر من 20 عاما، نجحت المؤسسة في ترسيخ نهج العمل التنموي المستدام عوضا عن نهج الأعمال الخيرية. من خلال تبني المبادرات والأفكار الريادية وتحويلها إلى مشاريع تؤمن حياة كريمة لجميع فئات المجتمع المصري. وخصوصا الفئات الأكثر احتياجا، في مجالات التعليم والمنح الدراسية والثقافة والتمكين الاقتصادي والاجتماعي.

    خلال رحلتها في مسيرة التنمية المستدامة، استثمرت المؤسسة أكثر من 2 مليار جنيه مصري والتي استطاعت أن تؤثر في حياة ما يقرب من 700 ألف إنسان في مختلف محافظات مصر، مع التركيز على محافظات الصعيد.

     عن مركز الفيوم للفنون

    تأسس مركز الفيوم للفنون عام 2006 على يد الفنان المصري محمد عبلة. المركز مكرس لربط الفنانين محليا وإقليميا ودوليا من خلال إبداع الفن. يقوم بذلك من خلال توفير العديد من مساحات الاستوديو الكبيرة ومكتبة فنية ومناطق معيشة ومساحة مشتركة لتناول الطعام، مما يعزز التعاون بين المشاركين فيها.

    المركز هو أيضا موطن لأول متحف كاريكاتير في الشرق الأوسط. ويقع مركز الفيوم للفنون في قرية تونس بجانب بحيرة قارون في الفيوم.

    اقرأ أيضا

    «زمن الصبار».. معرض جديد للفنان التشكيلي محمد عبلة

  • حوار| الدكتور باسم جهاد: العثور على مقبرة حجرية وبورتريهات للفيوم في منطقة فيلادلفيا

    حوار| الدكتور باسم جهاد: العثور على مقبرة حجرية وبورتريهات للفيوم في منطقة فيلادلفيا

    أعلنت البعثة المصرية بمنطقة جرزا بالفيوم، منذ أيام، عن كشف أثري هام يعود للعصرين البطلمي والروماني، وذلك بمدينة فيلادلفيا القديمة. جاء هذا الكشف في موسم البعثة العاشر، حيث عثرت على نماذج لبورتريهات الفيوم بعد 114 عام منذ آخر اكتشاف لها. كما عثرت على أحد التماثيل النادرة بجانب اكتشاف مبنى جنائزي ضخم.. «باب مصر» أجرى حوارا مع الدكتور باسم جهاد، رئيس البعثة المصرية للحفائر بجبانة جرزا.

    في البداية حدثنا عن فيلادلفيا المدينة الرومانية التي تم الكشف الأثري بها؟

    تقع مدينة فيلادلفيا شرقي بحر وهبي في أول الطريق الموصل إلى جرزا شمال شرق الفيوم المعروف بـ”درب جرزا”. وقد سميت فيلادلفيا نسبة إلى بطلميوس الثاني “فيلادلفوس”، ومعنى فيلادلفيا هو “الحب الأخوي”.

    استصلح بطلميوس الثانى “فيلادلفوس” جزءا كبيرا من إقليم الفيوم حتى أصبح صالحًا للزراعة. مما جعل الفيوم أغنى ولاية تحت حكم البطالمة. كما أنشأ ضمن مشرع استصلاح الأراضي العديد من القرى بالفيوم. ومن المعروف أن الفيوم تعرضت لمشروع آخر كبير في عهد الدولة الوسطى في منطقة اللاهون، لاستصلاح الأراضي أيضًا. وكانت تلك المشاريع تتضمن شق الترع واستصلاح الأراضي، وهو ما تكرر في مشروع بطليموس الثاني في فيلادلفيا. حيث إن الترعة البطلمية التي شقها بطليموس لا تزال آثارها باقية إلى الآن، وهي موازية تمامًا لترعة بحر وهبي وعلى نفس الخط وتبعد حوالي 20م ناحية الشرق.

    بورتريهات وتابوت أثري معثور عليهم في الفيوم
    بورتريهات وتابوت أثري معثور عليهم في الفيوم
    لماذا قام بطليموس الثاني ببناء تلك القرى بالفيوم؟

    الهدف الأساسي هو توسيع الرقعة الزراعية. حيث استجلب بطليموس العديد من الموظفين والجنود الأجانب إلى مصر، من اليونان وروما وآسيا وغيرها، لكي ينضموا إلى الجيش. ولكي يضمن وجودهم واستقرارهم في مصر لفترات طويلة دون مغادرتها، ولإعطائهم مستحقاتهم، وضمان نفقات إعاشتهم. قام ببناء قرى جديدة لتسكينهم فيها بعيدًا عن العاصمة الإسكندرية، وقام بإعطائهم قطع من الأرض الزراعية المستصلحة. حتى يضمن اهتمامهم بزراعتها، بالإضافة لتأمين مصادر الغذاء لهم، ودفع رواتبهم وأجورهم. ومن خلال توريدهم للمحاصيل وتجارتهم يدفعون أيضًا الضرائب اللازمة، وبذلك تستفيد الدولة من أكثر من اتجاه.

    ومتى بدأ إنشاء فيلادلفيا وهل كان السكن بها قاصرًا على الأجانب فقط؟

    تم بناء قرية فيلادلفيا قبل القرن الخامس الميلادي. واختلط السكان الأصليين في القرية بهؤلاء الأجانب. وتم بناء القرية على غرار المدن الرومانية، من حيث تقسيم الشوارع وشكلها الذي يشبه لوحة الشطرنج. فقد كانت عبارة عن شوارع متقاطعة يتخللها بلوكات سكنية تضم من 9 إلى 10 منازل، وتعرف المنازل في تلك الفترة بالمنازل البرجية. حيث يكون مدخل المنزل ليس من الشارع لأن ما يفتح على الشارع هو البدروم، ويكون الدور الأول هو مدخل المنزل من خلال السلالم.

    كيف كان شكل فيلادلفيا؟ وهل كان تخطيطها يشبه الإسكندرية القديمة؟

    بالفعل كانت فيلادلفيا صورة مصغرة من الإسكندرية، وكانت تحت إدارة شخص يدعى زينون، الذي كان يدير أملاك وزير المالية أبولونيوس في فيلادلفيا، والتي كانت تقدر بـ10 آلاف أرورة أي ما يعادل الـ5 آلاف فدان زراعي في المنطقة نيابة عنه. وجلب زينون معه من الإسكندرية أمهر الفنانين، الذين أتوا بأفكارهم من العاصمة، ونقلوا كل ما كان في الإسكندرية من فنون وعمارة ورسم إلى المدينة الجديدة.

    نستطيع القول أنا ما اندثر واختفى من ملامح الإسكندرية القديمة، بسبب الزحف العمراني والمديني هناك. نراه الآن في مدينة فيلادلفيا بالفيوم. ويمكن من خلال الموقع الآن وضع تصور بشكل كبير عن مدينة الإسكندرية القديمة كون فيلادلفيا نسخة منها.

    لماذا لم تستمر تلك المدينة في البقاء؟ وماذا حدث كي يهجرها السكان بالرغم من الازدهار الذي حظيت به؟

    ازدهرت المدينة في القرن الأول والثاني قبل الميلاد، والقرن الأول الميلادي، لكن مع بداية القرن الثالث الميلادي وإلى القرن الرابع الميلادي، تم إهمال تطهير الترع ومد المياه. ثم انخفض منسوب المياه، ولم تعد هناك مياه للري وحدث تصحر للأراضي، وأصبحت غير صالحة للزراعة. لذا ترك السكان القرية وهجروها، ومع بداية القرن الخامس الميلادي أصبحت المدينة خاوية تمامًا.

    وقد أخبرتنا البرديات التي عُثر عليها بالمكان عن تاريخ القرية وما حدث لها، فهناك برديات تحمل نداءات إغاثة وشكاوى ومراسلات أرسلها سكان القرية إلى الحكام في الإسكندرية كي يقوموا بتطهير الترع، لأن هناك نقص في المياه.

    الدكتور باسم جهاد رئيس البعثة المصرية للحفائر
    الدكتور باسم جهاد رئيس البعثة المصرية للحفائر
    أعلنتم أنه تم العثور على بعض البورتريهات.. هل ما تم اكتشافه من بورتريهات سابقة يعود لهذا المكان أيضًا؟ ومتى بدأ الاهتمام بالبحث والتنقيب في المنطقة؟

    كانت المنطقة منسية بشكل تام إلى عام 1868، حتى أتى إلى المنطقة جامع أنتيكات من النمسا يدعى “جراف”. وقام بجمع عدد كبير من البورتريهات، والتي تم توزيعها بعد مماته عام 1930 على العديد من المتاحف حول العالم. وحصل متحف فيينا على نصيب الأسد من تلك البورتريهات. لكنه أخفى حتى وفاته المكان الذي عثر فيه على تلك البورتريهات التي جمعها من الفيوم.

    بعد وفاة جراف كان هناك تساؤل كبير في العالم، من أين جاءت تلك البورتريهات، لكن تم تحديد مكان يطلق عليه الروبيات بالفيوم على أنه مصدر البورتريهات. إلى أن أتى المهندس المعماري “اشتبلر” الذي ذهب إلى نفس المكان وعثر هو الآخر على العديد من البورتريهات. وقام برسم خريطة وحدد فيها المكان وكتب عليها “هذا هو المكان الذي أتي منه جراف بالبورتريهات”. وعندما نطابق تلك الخريطة القديمة بمنطقة جرزا التي تقع فيها قرية فيلادلفيا يتضح أنه هو نفس المكان.

    في عام 1898 جاء عالم المصريات والآثار الشهير “وليام ماثيو فلندرز بتري” والذي كان يعمل بمنطقة هوارة واللاهون بالفيوم. وقام بعمل مسح شامل للفيوم، لكنه لم يكتشف أن هذا الموقع هو فيلادلفيا، وأشار إليه أنه “كوم رقم 3”.

    وفي عام 1900 جاء اثنين من علماء الآثار والبرديات الشهيرين إلى المنطقة وهما “برنارد جرينفل، وآرثر هانت”. وعثرا أيضًا على بعض البورتريهات المعروضة الآن بالمتحف البريطاني. كما عثرا على بعض البرديات، ولأنهما علماء برديات عرفوا أن هذا الموقع يسمى مدينة فيلادلفيا.

    وفي عام 1908 أتي إلى المدينة عالمين من متحف برلين. نقبا في المدينة، وتمكنا من معرفة التخطيط الخاص بها لكنهما لم يتمكنا من التنقيب في منطقة الجبانة. حيث قامت الحرب العالمية الأولى، وسافرا ولم يعودا مرة أخرى، وحتى عام 2016 لم يأت أحد من العلماء إلى تلك المنطقة. فقمنا نحن كمصريين بتقديم طلب إلى اللجنة الدائمة للتنقيب للعمل في المدينة.

    بدأتم كبعثة مصرية في العمل بالمدينة منذ عام 2016.. فكيف صار العمل هناك وهل أنتم البعثة الوحيدة التي تعمل هناك حاليًا؟

    هذا هو الموسم العاشر للبعثة المصرية بالموقع. فقد قمنا في عام 2016 بالتقديم للجنة الدائمة، وبعد أن أخذنا الموافقة كان لدينا الإصرار على القيام بالعمل بشكل محترف وبجودة عالية. في البداية قمنا برسم خريطة للموقع لأول مرة. وقمنا بعمل مسح أثري لأكثر من موسم حتى نضع أيدينا على طبيعة الوضع والتاريخ والتتابع لمنطقة الجبانة على وجه الخصوص شرق الموقع.

    وجوارنا تعمل في الموقع بعثة فرنسية، لكنها تعمل بمنطقة المساكن بالقرية غرب الموقع. وقمنا بتحديد التتابع للتعرف على استخدامات الجبانة خلال القرون المختلفة، إضافة إلى معرفة التطور المعماري للمكان.

    وماذا كانت نتيجة العمل وما تم الكشف عنه الآن بالمدينة ومدى أهميته؟

    النتائج عظيمة ومبهرة، فقد عثرنا لأول مرة على مقبرة حجرية دائرية الشكل تعود للعصر البطلمي، وهي مصممة على عدة أدوار بها أماكن أو عيون للدفن يطلق عليها “اللوكاليات”. وقد تم العثور على مقبرة من هذا النوع في الإسكندرية ولكن في فترة لاحقة من العصر الروماني. لكن نتيجة الزحف العمراني بمدينة الإسكندرية لم يتم العثور على مقابر أخرى قديمة مثل مقبرة فيلادلفيا.

    عثرنا أيضًا على أكثر من عشرة مقابر من مقابر الكتاكومب، وهي عبارة عن مقابر جماعية، وبداخلها بورتريهات جديدة من بورتريهات الفيوم بعد ما يزيد عن 120 عام من آخر بورتريهات تم العثور عليها. والرائع في الموضوع أننا جميعا شاهدنا البرورتريهات بالمتاحف، لكن هذه هي المرة الأولى التي نشاهدها في مكانها الأصلي، وكيف كان شكلها بالموقع وشكل المقابر التي كانت موجودة بها. وتعد هذه المرة الأولى التي يعثر فيها فريق من العلماء المصريين على بورتريهات للفيوم بعد مرور 114 عاما من انقطاع البحث عنها، وحدث هذا أيضُا في سياق كشف أثري.

    عثرنا أيضًا على مجموعة كبيرة من أوراق البردي، تعكس العديد من نواحي الحياة المختلفة بالمدينة، من مراسلات وعقود ومعاملات مادية. من أول القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الثالث الميلادي. كذلك عثرنا على مجموعة متنوعة من التوابيت المختلفة يعود بعضها للنظام المصري القديم، الذي يحمل نصوص كتاب الموتى، ومنها ما هو على الطراز اليوناني، وفي أحد التوابيت اليونانية عثرنا على كنز هام للغاية. وهو تمثال تراكوتا أي من الفخار طوله 55سم للملكة “أزيس أفروديت” ولا يوجد منه سوى قطعتين على مستوى العالم. حيث يوجد تمثال بمتحف اللوفر والآخر بمتحف اﻟﻤﺘﺮوﺑﻮﻟﻴﺘﺎن. وهذا هو الثالث لهم، المدهش أن التمثالين الآخرين لا توجد معلومة حول أين وجدا، عكس ما عثرنا عليه نحن. بالإضافة إلى اكتشاف مبنى جنائزي بأرضية ملونة تحاكي الفسيفساء أو الموزايك، وكان عبارة عن مزار ديني.

    هل تعتقد أن المكان لم يكشف عن أسراره بعد وأنه به الكثير من البورتريهات وغيرها؟

    بالطبع قد يكون هناك المزيد والمزيد من الاكتشافات في الفترة القادمة، ليس بموقع مدينة فيلادلفيا فقط بالفيوم. بل هناك مناطق أخرى تعمل بها العديد من البعثات الأثرية، مثل البعثة التي تعمل بمنطقة فج الجاموس. وهناك البعثتان المصرية والفرنسية بجرزا، والبعثة الإيطالية بدمية السباع. والبعثة الألمانية بمدينة ثيلادلفيا أو بطن أهريد، والبعثة الروسية في دير البنات، البعثة الأمريكية في كوم أوشيم كرانيس وغيرها من بعثات تنتشر في المدن الرومانية القديمة والمناطق الأثرية بالفيوم.

    في وسط تلك البعثات الأجنبية المتعددة والمختلفة التي تنتشر في المواقع المختلفة كيف تصنف البعثة المصرية؟

    أرى أن البعثة المصرية من أهم البعثات التي تعمل بالفيوم، وتتكون البعثة من 8 أفراد، منهم متخصصين في الفخار، والمساحة والمتخصصين في العظام الآدمية  والحفائر والرسامين وغيرها. والصور توضح أن العمل تم بجودة واحترافية عالية، وقد يكون مستوى البعثة المصرية أعلى بكثير من بعثات أجنبية أخرى، وهذا الكشف الأخير قدم للعالم معلومات حول شكل النظام المعماري والإنساني بداية من القرن الثالث قبل الميلاد. ونشرنا العديد من المقالات العلمية حول هذا الموقع، ونحن بصدد نشر كتاب يضم عمل البعثة في الـ6 مواسم الأولى ونتائجها.

    نحن لا نحفر فقط، بل نحفر ونبحث ونستكشف ونوثق أيضًا ما قمنا به، حتى يرى العالم أجمع أن العلماء المصريين لا يقلون شيئًا عن علماء العالم، وأن بمصر والفيوم على وجه الخصوص به الكثير سيتم الكشف عنه في الفترات المقبلة.

    اقرأ أيضا

    «ثمار الحب»: أعمال فنية من النحت والجرافيك للفنانين عماد عزت وإنجي عبدالمنعم

  • فعاليات المسابقة السنوية «كاريكاتونس» للكاريكاتير والبورتريه الساخر

    فعاليات المسابقة السنوية «كاريكاتونس» للكاريكاتير والبورتريه الساخر

    افتتح الفنان محمد عبلة، مؤسس مركز الفيوم للفنون، معارض المسابقة السنوية الدولية للكاريكاتير والبورتريه الساخر “كاريكاتونس” في دورتها الثالثة، بمتحف الكاريكاتير بقرية تونس في الفيوم.

    مسابقة كاريكاتونس

    يقول إبراهيم محمد عبلة، مدير مركز الفيوم للفنون: “استقبلنا هذا العام 1200 عملاً فنيًا، من أكثر من 54 دولة أجنبية وعربية. وتم اختيار أفضل الأعمال من قبل لجنة دولية متخصصة. وضمت اللجنة كل من الفنانين (النرويجي فادي أبوحسان، والبرتغالي أنطونيو سانتوس، والكوبي يومنيس ديل تورو، والفنانة المصرية دعاء العدل، والفنان الكبير محمد عبلة مؤسس متحف الكاركاتير).

    وتابع: تتضمن المسابقة هذا العام محورين أساسيين، الأول عن الكاريكاتير وكان موضوعه لهذا العام تغير المناخ، والذي يأتي بالتزامن مع فعاليات المؤتمر الدولي للتغير المناخي cop27. أما المحور الثاني وهو فن البورتريه، وموضوعه عن الفنان المصري والعالمي جورج بهجوري.

    من الأعمال المعروضة
    من الأعمال المعروضة
    الفائزين في المسابقة

    وأضاف مدير مركز الفيوم للفنون، أنه فاز بجائزة لجنة التحكيم في فرع الكاريكاتير وقدرها 500 دولار الفنان الكوبي “آريس”. أما جائزة الجمهور في فرع الكاريكاتير والتي تمنح من خلال تصويت الجمهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي وقدرها 250 دولار فقد فاز بها “مظافر يولتشيبوف” من أوزبكستان.

    وجاءت جائزة لجنة التحكيم في فن البورتريه وقدرها 250 دولار، مناصفة بين الفنان الهندي شواتى جيكومر، والفنان الكوبي جورجى ليوس. وذهبت جائزة تصويت الجمهور وقدرها 250 دولار إلى الفنان الإيطالي مجناتي.

    معرض الفنان أيمن الغامدي

    ضمت احتفالية مركز الفنون بالفيوم، افتتاح معرض شخصي لفنان الكاريكاتير السعودي أيمن الغامدين، والذي افتتحه الفنان محمد عبلة أيضا.

    وعن المعرض يقول أيمن الغامدي لـ”باب مصر”: “تشرفت بالدعوة الكريمة من الزملاء من جمعية الكاريكاتير المصرية، للمشاركة بتلك الفعالية. كما أوجه شكر خاص لمركز الفيوم للفنون، والقائمين عليه على جمال تنظيم هذا الكرنفال. وأشكر جمعية الكاريكاتير المصرية، على حراكها الفني والثقافي الذي صنع الفارق عربيًا، وجعل الكاريكاتير هدف سامي لمعالجة كثير من القضايا الاجتماعية بالوطن العربي”.

    وتابع: لقد مارست رسم الكاريكاتير عبر صحيفة المدينة من عام 2010 وحتى 2016. ثم صحيفة الشرق، والآن بصحيفة اليوم، وشاركت بـ5 معارض دولية، وأكثر من 10 معارض عربية. وتعتبر مشاركتي بالفيوم هي الأولى، وأشارك بمعرض يضم أكثر من 20 لوحة.

    وأضاف، شاركت أيضًا في ملتقى الكاريكاتير الثالث والرابع والخامس والسادس الدولي بالقاهرة، وكذلك مشاركات فنية بدار الأوبرا بالقاهرة. لكنني سعيد جدًا هذه المرة بزيارتي لمتحف الكاريكاتير بقرية تونس بالفيوم، وهي الزيارة الأولى لي. فقد كانت لدي الرغبة في الالتقاء بأهل هذه المنطقة الشغوفين والعاشقين للفنون، ولما تزخر به الفيوم من مبدعين في شتى المجالات.

    مشاركة البسطاء

    وحول تخصصه في فن الكاريكاتير يقول الغامدي: “فن الكاريكاتير يمثل لي مشاركة البسطاء والمجتمع همومهم بشكل يومي، من خلال عمل ساخر يكون له أثر نقدي من أجل التقويم، وللوصول لأعلى معايير جودة الحياة”.

    وتابع: لفن الكاريكاتير في المملكة مستقبل مشرق وخلاق، لما يزخر به من مواهب شابه. بدأت تصنع أثر عبر الصحف الإلكترونية ومواقع التواصل بشكل ملفت. وهذا يعود للحراك الثقافي والفني الذي تقف خلفه وزارة الثقافة السعودية.

    بدأت الاحتفالية بمركز الفنون بالفيوم. حيث تم افتتاح معرض لمجموعة من الأعمال الفنية المتميزة والتي شاركت في مسابقة كاريكاتونس السنوية الدولية للكاريكاتير والبورتريه الساخر. ثم افتتاح معرض كاريكاتير من المكسيك، والذي يعد ضيف شرف الاحتفالية. ويتناول التغير المناخي. ثم أعقب ذلك افتتاح المعرض الشخصي لفنان الكاريكاتير السعودي أيمن الغامدي.

    كما حضر الافتتاح الفنان الكبير جورج بهجوري، وتانيا أجيار فرنانديز، سفيرة كوبا لدى مصر، وخوسيه أوكتافيو تريب، سفير المكسيك لدى مصر، ونخبة من فناني الكاريكاتير.

    اقرأ أيضا

    حوار| جمال فهمي: «الكون في فوضى عارمة»

  • مرآة عبده جبير: نرسيس في مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان

    مرآة عبده جبير: نرسيس في مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان

    تكاد رواية “مواعيد الذهب إلى آخر الزمان” أن تكون سيرة ذاتية لعبده جبير، لولا أنه تعمد أن يبعدها عن نطاق السيرة الذاتية. كأنه يؤكد على أن إخلاصه للكتابة يفوق إخلاصه لسيرته الذاتية. أو أن العمل الإبداعي مهما كان متخيلا لا يبتعد عن الواقع.

    التعمُّد في إبعاد سيرته عن روايته يظهر في صُورٍ كثيرة. يبدأ من اختيار اسم البطل “رفعت محمد” وشهرته “رفعت الجمال”، لكنه لا ينجح كثيرا. فبقدر ما يبعدنا عن الهدف يقربنا منه. لأن الكاتب يحرص في نفس الوقت على بقاء “شَعْرة معاوية”، التي تجعل حياته متصلة بالرواية، بل ويحولها ـ أحيانا ـ إلى حبل متين.

    يحدثنا ـ مثلا ـ عن البطل الذي لم يكتب الرواية. لكنه يفكر في أن يصبح روائيا، وأنه لم يقرأ سوى رواية واحدة هي “عطلة رضوان”. بالإضافة إلى كتب أخرى مثل قصة الحضارة.

    **

    الإشارة تأخذنا إلى هويته كمثقف. كما أن الرواية التي اختارها من بين روايات لا حصر لها، كانت لعبده جبير نفسه، ولو أراد إبعاد الرواية عن نطاقا السيرة الذاتية فعلا، لذكر روايةً لكاتبٍ سواه. ويبدو أن تلك الرواية هي الأقرب إلى قلبه، أو الٌأقرب إلى روح الرواية من أعماله القصصية الأخرى مثل: “تحريك القلب” أو “فارس على حصان خشبي” أو “سبيل الشخص” أو “الوداع تاج من العشب”… وغيرها.

    تدور الرواية حول مصري من أصلٍ صعيدي يعمل في الكويت. وهو ما يتطابق مع سيرة “عبده جبير” الذي عمل في الكويت مديرا لتحرير جريدة القبس لعشر سنوات تقريبا، لكن الكاتب يغير مكان العمل بحيث يناسب شخصية أخرى لا تنتمي إليه. فيظهر البطل بوصفه عاملا في وكالة للسمسرة واستيراد العمالة من الخارج (الفنيين من الرجال من مصر والهند وباكستان، والسكرتيرات من لبنان) كما يقول..

    طبيعة العمل المُتّخيَّل في الرواية تناسب ذلك العمل. لأنها تدور حول عالم المغتربين في الكويت، وتبعده عن التصريح الواضح بأنه يكتب سيرته الذاتية، وتؤكد تقديمه للرواية ومنحها الأولوية على حياته الشخصية. ومع ذلك يحضر العمل الحقيقي بشكل مراوغ، حيث يظهر البطل كمتابع للصحافة. ويقتبس مقاطع من الجرائد ليضفرها في الرواية. ومنها جريدة “القبس” التي كان يعمل فيها في الواقع. وهكذا يبتعد عن سيرته الذاتية بشكل متعمد في بعض التفاصيل. لأن هذا الابتعاد يفيد الرواية، مثل عمله المتخيل في وكالة السمسرة واستيراد العمالة التي يصفها بتجارة الرقيق الأبيض. ومع ذلك فهو يحافظ على خيوط تشدنا إلى هويته الحقيقية.

    **

    قراءة الرواية على اعتبار أنها سيرة ذاتية، أو جزء من سيرته الذاتية لا تتعارض مع كونها عملا فنيا يسمح بحضور الخيال. وكل التفاصيل التي يمكن اعتبارها خيالية لا تبدو بعيدة عن حياة الكاتب. لأن مساحة الخيال محدودة، وهناك تفاصيل كثيرة تجعلنا نشعر بوجود “عبده جبير” المؤلف في كيان بطل الرواية.

    أهم ما في الرواية لا يتعلق بأحداثها بقدر ما يتعلق بحالة الاغتراب الشديدة التي يعاني منها البطل. وتلك الحالة تعمق من شعورنا بأنه يكتب سيرته الذاتية بشكل أساسي، إن لم يكن يكتبها بشكل كامل.

    البطل في الرواية يركز على عدم التوافق مع الواقع، والبحث عن الخلاص في العزلة، وإقامة علاقات حميمة مع الذات. والتشبث بالقيم الفردية المناقضة للقيم السائدة أو المهيمنة. والكتابة من أجل الذات حتى لو توجهت صراحة للآخر، على النحو الذي يذكرنا بأسطورة نرسيس. وهو يشير للأسطورة بشكل خفي عندما يقول بطل الرواية:

    “أعترف لك يا ضحى بشيء مهم جدا خطر ببالي أن أحدثك عنه الآن، لا أعرف لم. هو أنني قد أكون الرجل الوحيد في هذا العالم الذي يحمل معه دائما في حقيبته مرآة صغيرة لا تفارقه، لزوم رؤية الوجه، دون أن تكون لديه ميول أنثوية”.

    **

    المرآة في حقيبة الرجل، قد تكون صورة غريبة في الواقع، أو تأخذنا إلى دلالة محددة هي الميول الأنثوية لذلك الرجل. لكنه على المستوى الداخلي للرواية هي رمزٌ من رموز البحث عن الذات أو التعلق بها كموقف من مواقف رفض العالم الخارجي، أو التعبير عن عدم التوافق معه.

    طريقة بناء الرواية نفسها تعمق الشعور بالسيرة الذاتية. بداية من اختيار الراوي الذي يتحدث عن نفسه، مرورا بالمقاطع التي أخذت شكل الرسائل الشخصية، والمواضيع التي يأخذها من الجرائد ومنها جريدة القبس. والملاحظات المدونة أسفل الصور الكثيرة التي قام بالتقاطها. واليوميات التي حرص على تدوينها في الأسبوع الأخير والملفات التي تحكي تفاصيل الناجين من حادث الطائرة والأتوبيس وكل ذلك يقلل المسافة بين الراوي بطل الرواية والمؤلف، ويحيل إلى فضاء السيرة الذاتية.

    هناك أيضا الأسماء التي تأخذ شكل الأقنعة لتوحي بالواقعية مع التمويه علي تلك الواقعية وربطها بالخيال مثل “سعاد حسني، مديحة حمدي، رشدي أباظة، أحمد رمزي، محود المليجي”. وكلها أسماء تُحِيل إلى عوالم خياليةٍ، لكنها لنفس السبب، توحي بأنه يتكلم عن أحداث حقيقية، ويجب ستر أبطالها من أجل حماية خصوصيتهم.

    **

    المثير هنا هو ارتباط الرواية بالسيرة في زمن لا حق لكتابة الرواية نفسها. حيث يشير الراوي في صفحة (131) وغيرها، إلى أنه اتخذ قراره بالرحيل من الكويت، ولم يعد في باله سوى أن يبني غرفة من الطين فيها أقل القليل من الأشياء، بعيدا عن المدينة الكبيرة، في بقعة صغيرة من ضفة النيل الغربية، بالقرب من مدينة أخناتون، إذا أمكن. وإذا تعذر فهناك نيبال، على حافة جبل، في قلب الغابة، حيث طقوس الروح على درب الخلاص.

    هذا ما حدث في الحقيقة، بعد عودة الكاتب من الكويت. رغم أنه لم يذهب إلى “المنيا” أو “نيبال”، لكنه لم يرجع إلى القاهرة التي شهدت سنوات تعليمه وتحققه الإبداعي. بل ذهب إلى منطقة في “الفيوم” تجمع بين “المنيا” و”نيبال” وعلى النحو الذي تتحقق فيه العزلة الإيجابية التي تهدف إلى الحفاظ على الذات لا مجرد الهرب من واقع مكروه.

    الرواية وإن لم تكن سيرة ذاتية في كل تفاصيلها، فهي سيرة ذاتية على المستوى الجواني المتعلق بالمشاعر والأفكار. ورغم بقائها في النهاية كعمل فني مُتّخيل، إلا أن حضور السيرة بهذا الشكل، يرفع درجة الصدق في الرواية ويقوي من حرارتها وعذوبة تدفقها.

    اقرأ أيضا

    مذبحة حدائق القبة: حكاية البلطجي النبيل (4-4)

  • لماذا اختفت احتفالات المولد الشعبية بالفيوم؟

    لماذا اختفت احتفالات المولد الشعبية بالفيوم؟

    هذا العام يأتي المولد النبوي بلا احتفالات شعبية في الفيوم، كما كان يحدث في الماضي. كما اختفت أيضا كل الاحتفالات بالموالد بطقوسها وعاداتها المتوارثة لسنين طويلة. ما ينطبق على الفيوم ينطبق على محافظات أخري، وتتعدد أسباب ذلك الاختفاء بين محافظة وأخرى.. «باب مصر» يبحث وراء تلك الظاهرة.

    احتفالات المولد قديما بالفيوم

    يقول الدكتور نبيل حنظل، الخبير السياحي، ومسؤول العلاقات العامة والسياحة في محافظة الفيوم، كانت مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي في الفيوم تنقسم إلى شقين ” رسمي، وشعبي”، حيث كان يتم الاحتفال رسميًا باستعراض كبير يشهده  محافظ الفيوم ومديرها، وممثلي الأزهر والاوقاف بالمحافظة، إضافة إلى كبار المسؤولين، الذين كان يطلون من شرفه في أحد المساجد الكبرى، وهى شرفه مسجد عبد الله بك المطلة على بحر يوسف، بينما تحتشد الجماهير على جانبى البحر يوسف وفي شرفات المنازل المحيطة لترى العرض، الذى كان يتجمع فى ميدان قارون ” السواقي حاليًا”، ويبدا من أمام مسجد عبد الله بك، يتقدمه قائد العرض ممتطيًا حصانه رافعا سيفه ليقدم التمام بجاهزيه العرض  وياخذ الأذن بالبدء.

    يتابع حنظل: كان العرض يتكون من عدة مجموعات تمثل الجهات المشتركة فيه وهى: ( العرض العسكرى والشرطى، ويتكون من قوات رمزية من الجيش ومعداته، وقوات رمزية أخرى من عناصر الشرطة وفرق الأطفاء، وفرق موسيقى الشرطة النحاسية وراكبي الخيول، وعرض العربات والحملات الميكانيكية  التي تخدم الإقليم، مثل عربات النظافه فى الوحدات المحليه، بالإضافة إلى عرض لعربات الزهور .

    الدكتور نبيل حنظل
    الدكتور نبيل حنظل

    يكمل حنظل: وتستعرض المؤسسات  الحكومية أنشطتها وتقديم تهانيها بالمناسبة من خلال، عربة تحمل ماكيت مزخرف يحمل شعارها، بينما يتم إذاعة بيان خدمات القطاع وإنجازاته من خلال ميكرفون مركب على عربة الزهور أو من خلال المطبوعات  التى توزع على الجماهير، كما تقدم الطرق الصوفية عرضًا يتقدمه حملة أعلامها، ثم يلي ذلك موسيقات  وطبول الطرق الصوفيه الراجلة أو الراكبة حيث كان بعض رجال الطرق الصوفية يركبون جمالاً يقرعون على طبول كبيره مزينة.

    ثم يأتي عرض الحرفيين، وكان يقدم طابور الحرفيين عرضا لنشاط كل حرفه  على عربة مزينة تحمل اسم الحرفي وعنوانه، وتستعرض مهارته من خلال ميكرفون السيارة،  والإعلانات التي توزع على الجماهيىرـ وغالبا ما يجتهد كل حرفي فى تزيين سيارته، وتقديم إعلانه بشكل فكاهي.

    المساجد تحتفل

    بجانب العرض الرسمي، كان يقام احتفال آخر  داخل المسجد بحضور كبار المسؤلين  والجماهير، وتوزع الحلوى على الحاضرين إلى أن تقام  الصلاة، لتبدأ بعدها حلقات الذكر حتى مطلع الفجر، أما خارج المسجد فكانت تنتشر أنشطة تجاربة مثل بيع حلوى المولد النبوي الشهيرة.

    يوضح حنظل:  وفي الجانب الثقافي كانت الصالونات الثقافية والمؤسسات والمدارس والنوادي الثقافية تحتفل بهذه المناسبة، ومن أبرز الشعراء الذين ألقوا قصائد في هذه المناسبة شعراء ندوة الأدب ومنهم  محمد كامل أمين ابن حنظل، مصطفى ابوهوله، عمر كيشار، محمد البسيوني  كمال عليوه، ومن أشهر الخطباء محمود مصطفى، أنور عبد التواب، محمود عبد الهادي  الشيخ عبد الله جبيلي، محمد ثابت، شمس الدين خفاجي المحامي.

    الدكتور أيمن عبد العظيم
    الدكتور أيمن عبد العظيم
    مشايخ الفيوم

    تضم الفيوم العديد من المشايخ، والذي كان الاحتفال بهم كل عام أشبه بكرنفالات شعبية، بجانب الاحتفال بالمولد النبوي، وبمرور الوقت اختفت تلك الاحتفالات، ومن أهم مشايخ الفيوم الذين كانت تقام لهم الاحتفالات بشكل سنوي، ويأتي إليها الأهالى من جميع قرى الفيوم هم: ( الشيخ الروبي، الشيخة مريم،  أبو الحارث، الشيخ الصوفي، وغيرهم الكثير)

    وعن أسباب اختفاء الاحتفالات بمولد هؤلاء المشايخ يقول الدكتور أيمن عبد العظيم، الباحث والمتخص في التراث، والذي صدرت له عدة كتب عن تراث الفيوم:

    أعتقد أن السبب الرئيسي في اختفاء تلك الاحتفالات يعود إلى التوسع العمراني وتطوره داخل الفيوم، حيث أن أغلب مقامات المشايخ في الفيوم تقع داخل الكتلة السكنية، في حين أن أغلب المحافظات تم التوسع العمراني في الظهير الصحراوى بها، لذا تختفي هذه الاحتفالات بها، عكس الفيوم التي كان اتساعها يتم حول البؤرة الأصلية القديمة، وكما هو معروف فإن تغير العمران دليل على التغيير الثقافي.

    اختفاء الداعمين

    يتابع عبد العظيم، هناك سبب آخر لأختفاء الموالد، وهو اختفاء الداعمين والذين كانوا ينفقون على الموالد من تحضير الأطعمة، استقبال مشايخ الطرق الصوفية، واذكر أن احتفالًا بالمولد النبوي كان يقام في” قرية غيضان” إحدى قرى الفيوم، وكان الأهالي يطلقون عليه ” مولد غيضان”، بسبب أن من كان ينفق كامل تكاليف إقامته بشكل سنوي هو ” الشيخ منصور غيضان” الرجل الأكثر ثراء في القرية، وهو الحال الذي كان له ما يشابهه في قرى كثيرة كان بها الكثير من الموسرين الذين بوفاتهم لم يوجد من يخلفهم.

    أحد الأسباب الهامة لاختفاء الموالد بالفيوم وبحسب عبد العظيم، كان ظهور الجماعات الدينية التي رأت أن هذه الممارسات ” بدعة وحرام”، ومع انتشارأفكار تلك الجماعات تآكلت ثقافتنا الشعبية مع الوقت ولا يخفي على أحد أن الفيوم عانت من الجماعات الإرهابية منذ الثمانينات وهو ما ساعد في اختفاء ظاهرة الاحتفال بالموالد الشعبية بها، أما لأسباب أمنية أو لأسباب تتعلق بتغيير ثقافة الكثير الذين تبنز فكر تلك الجماعات بالفيوم أو الخوف منهم.

    ضاع المولد

    ” اختفى المولد … كما اختفت معه كل المعالم التي تجاوزها الزمان، ودهسها المكان، وبقيت حلاوة ذكرياته مددًا لطعم ما  لم يعد حلوًا”، تلك الكلمات للدكتور نبيل الشاهد، أحد الكبار المتخصصين في دراسة سوسيولوجيا الظاهرة الدينية، وهو من أبناء قرية فيديمن، أحد أهم القرى التي كان يقام فيها أشهر موالد الفيوم مولد ” أبو الحارث” والذي كان يزوره الآلاف من أبناء الفيوم، والذي اختفى مثل غيره من الموالد الشعبية في الفيوم ، وحول ذكرياته مع المولد وأسباب اختفاءه يقول الشاهد:

    مولد (أبو الحارت) هكذا كان يقول الأهالي في قريتي فيديمين حيث يبدلون حرف الثاء بحرف التاء، تلك القرية التي عرفت وسط قرى مركز سنورس عن طريق هذا الشيخ الذي دفن في مقام تعلوه قبة، تميزه عن باقي المدافن التي اطلق عليها الجبل تمييزًا لها عن سائر المناطق في قريتنا، التي امتازت عن غيرها من القرى المحيطة بزراعة أشجار الفاكهة المشمش والزيتون، والعنب، والمنجة (هكذا أيضًا ننطقها، والتي جعلت كثافتها من قريتنا حديقة كبيرة، إن نظرت إليها من عل وجدت نفسك في جنة أرضية.

    خاصة وأن بحر سنهور (هكذا أيضًا نسمي كل الترع المتفرعة عن بحر يوسف) يشقها نصفين، جهة بحرية تطل على الطريق الواصل بين فيديمن وسنهور، وسكنتها عائلات أشهرها: الأخن، أبو زيد، الحداد، كليب، الكبير، في حين سكنت باقي عائلات القرية في الجهة الغربية، ومن عائلاتها: الشاهد، البطن، أبو سلام، الشيمي، سويدان، أبو هند، برغوت، النشار، سوادة، الربعاوى، خضير، وغيرها من العائلات.

    مقام الشيخ أبو الحارت

    كان مقام الشيخ أبو الحارت مسيجًا أعلى الأرض بقضبان من المعادن الفضية والزجاج اللامع، وأقمشة من الحرير الأخضر تحيط بأركان المقام الذي يتوافد عليه أصحاب الحاجات، طلبًا لقضائها، وخاصة من النساء اللاتي ينذرن نذورًا خاصة: للحبل وتسهيل الولادة ونجاة الأطفال من الموت والشفاء من الأمراض والحصول على العمل والسفر والزواج وغيرها من طلبات الأحياء الذين يعتقدون أن شفاعة الشيخ أبو الحارت الذي يزخر التراث الشفاهي الشعبي في الفيوم بما فعل من كرامات لكل من توسل به، يمكنها أن تحقق طلبهم.

    ويتابع الشاهد، لا توجد مراجع تاريخية أوكتب أدبية تقدم لنا أي ترجمة عن هذا الشيخ، ولا أحد يعلم لمن ينتسب، ولأي جهة يعرف، هو فقط الشيخ أبو الحارت الذي يقام الاحتفال بمولده في الخميس التالي لشم النسيم، المحدد بيوم الأثنين في بداية شهر مايو، تزامنًا مع عيد الفصح المسيحي، وبداية فصل الربيع، ليتضافر احتفال المسيحيين في الكنيستين البحرية والغربية في نفس قريتنا، مع احتفال المسلمين بمولد الشيخ، ولتصبح القرية في هذا الأسبوع مزرًا سياحيًا ومسرحًا فنيًا وسوقًا شعبيًا على طول شهر كامل استعدادًا للاحتفال بقدومهما، واستقبالًا للزائرين والبائعين والأقارب والأصحاب من القرى المجاورة.

    دكتور نبيل الشاهد
    دكتور نبيل الشاهد
    مسرح مفتوح

    ويتابع الشاهد، كان المولد علامة زمنية في حياة كل أهل فيديمين الذين يقرنون أحداث حياتهم بالمولد، (فالزواج كان قبل المولد اللى فات، أو بعد المولد بجمعتين، أو في الشتا اللي قبل المولد) وهكذا يكون التأريخ بالمولد علامة زمنية ثابتة في حياة الناس الذين يحرص من غادر منهم القرية على التواجد في جمعة المولد لرؤية من غاب أو عاد أو منعته الأحداث عن الالتقاء به طول العام.

    في المولد تفتح البيوت، وتجهز المضيفة، ويكنس التختبوش(مساحة مسقوفة مستطيلة أو مربعة الشكل تقع بين فناء البيت و حديقته الخلفية)، وتقام الولائم، وتذبح الذبائح، ويعود المسافرون، وتقام الأفراح، وتقرأ فواتح العرس، وترسل العشيان (هكذا ننطقها) وتشمل الأطعمة والخضروات والفواكه للبنات في بيوت أزواجهن، كما يشتري الخاطب علبة حلاوة كبيرة ليقدمها لخطيبته مع العروسة الحلاوة يوم الخميس وهو يهديها ويتناول الغدا، مواعداً لها على اصطحابها للزيارة والفرجة صباح اليوم التالي..

    وما يذبحه الجزارون في فيديمين في أسبوع المولد يضاهي ما يذبوحنه طوال العام، وعلى الجميع أن يأكل من الذبائح ويشتري، غريبًا كان أم زائرًا، لأنها أطيب من أي لحوم تقدم طول العام، لأنها ببساطة “لحمة الشيخ”، وفيها “حلاوة وطعامة مش في أي لحم”، بتعبير من سمعتهم من الرجال والنساء، لأنها باختصار لحمة مبروكة.

    ***

    وعن الألعاب في المولد يقول الشاهد، في المولد كل ألوان اللعب والترفيه والضحك والبهجة والمسرة، وقل ما شئت من ألفاظ الفرح والسرور التي يعبر بها الناس عن سعادتهم بالمولد، وخاصة من الأطفال والشباب والبنات الصغار اللاتي يذهبن، للجبل للمشاهدة والشراء، حيث تباع فيه أيضًا كل أنواع الحلوى وكل أنواع المشروبات، كما كان فيه العديد من الألعاب الجسدية والعقلية والمهارية ابتداء من:

    ضرب المدفع، لركوب المراجيح الكبيرة والصغيرة والزقزيقة الدوارة، والنشان “التصوويب ببنادق الرش على البمب المعقود بالأسلاك،  وإلقاء العملات المعدنية على علب السجائر، وبنك الملاليم، أو بنك الحظ، والذي كان عبارة عن مقامرة بالأموال بين صاحب البنك والزائر، أو لعب “التلت ورقات”، انتهاء بـ”الترك” الذي هو”السيرك” والذي كان عبارة عن مجموعة من الخيام الكبيرة التي تقدم فيها ألعاب: المهرج، والساحر، والغناء، واللعب بالنار، والتصويب بالسكاكين حول جسد فتاة، وفقرات الراقصات حيث كان الرقص الفرجة الأهم التي يحرص أغلب زوار المولد على مشاهدته بشكل متكرر، لقد كان ليل القرية التي تضاء شوارعها بنور الكلوبات  أشبه بمسرحًا مفتوحًا.

    الأن ذهب المولد وتوارت ذكرياته مع ضياع مكانه، بوصول الكهرباء للبيوت والشوارع، وحضور وسائل التكنولوجيا الحديثة، ومدن الملاهي والمناطق السياحية، وزيادة نسبة التعليم بين الناس، وانتشار ثقافة دينية دخيلة حرمت الاحتفال بالموالد، وكفرت من يزور الأولياء ويتقرب لهم، ومنذ سنوات تم بناء معهدًا دينيًا في ساحة الجبل الفسيحة لتكون نهاية المولد مع نهاية الساحة. واختفى المولد واختفت معه كل المعالم التي تجاوزها الزمان، ودهسها المكان، وبقيت حلاوة ذكرياته مددًا لطعم ما لم يعد حلوًا.

    اقرا أيضا:

    «عصيدة العسل الأسود ولحم الماعز».. أهم الأطباق في المولد النبوي بمطروح

  • من إسماعيل صدقي إلى عبدالناصر: تاريخ الفيوم في مجلاتها المدرسية

    من إسماعيل صدقي إلى عبدالناصر: تاريخ الفيوم في مجلاتها المدرسية

    عرفت الفيوم الصحافة المدرسية مبكرا. إذ أسس رفاعة الطهطاوي أول عدد من مجلة “روضة المدارس” عام 1870، وتوالت بعدها المجلات المدرسية مثل مجلة “الطلبة المصريين” عام 1909، ومجلة “مدرسة وادي النيل الثانوية” عام 1917، ومجلة “مدرسة الخديوي الثانوية” عام 1922.

    الصحف المدرسية بالفيوم

    يرجع تاريخ أول صحيفة مدرسية إلى مجلة “مدرسة الفيوم الثانوية”، التي صدر العدد الأول منها عام 1932. يقول المؤرخ إبراهيم مسيحة، الذي اهتم كثيرا بالصحافة المحلية في الفيوم: “لعبت الصدفة دورًا في الكشف عن تلك الصحيفة، حيث عثر على العدد الأول منها الأستاذ محمد ثابت أحمد، أحد رواد الصحافة المحلية بالفيوم. ففي الأربعينات عندما كان طفلا، وجد العدد لدي بائع للفول السوداني واللب، ولحبه للقراءة اشترى تلك الصحيفة بعشرة مليمات. بالرغم من ضياع بضع ورقات منها، إلا أن الجزء الذي تبقى حفظ لنا تاريخ تلك الصحيفة، والتي أصبح محمد ثابت بعد ذلك أحد كتابها عندما التحق بالمدرسة الثانوية”.

    صفحات من المجلة المدرسية

    تنوعت المقالات والمواضيع داخل المجلة المدرسية. حيث تضمنت الافتتاحية كلمة لناظر المدرسة، وحركة تنقلات المدرسين، وأسماء أوائل الطلاب. ثم توثيق لزيارة إسماعيل باشا صدقي، رئيس مجلس الوزراء للمدرسة يوم 19 مايو 1932 بصحبة محمد حلمي باشا، وزير المعارف.

    وتكونت هيئة تحرير المجلة من الطلاب: هنري إبراهيم، عوض خليفة السيد، رمزي إسرائيل، حسن خالد، ميشيل محروس. بالإضافة لـ20 طالبا قاموا بالمشاركة والكتابة.

    يقول “مسيحة” عن تلك الصحيفة: “اللافت للنظر أن طلاب المدرسة قاموا بتحرير الصحيفة بلغات مختلفة، وهي الفرنسية والإنجليزية، والعربية. فنجد الطالب كمال فهمي يكتب مقالة عن الصناعة في مصر باللغة الفرنسية. وهناك مقالة للطالب محمود سامي البوهي عن تأثير الصحافة باللغة الإنجليزية. كما شدني أن هناك مقالا علميا للطالب محمد عبدالمنعم صالح، الذي كان بالصف الخامس علمي عن “التلفزيون”. فقد تناول المقال شرح دقيق لهذا الاختراع الذي كان وقتها من العجائب، ولم تسمع عنه مصر إلا بعدها بأعوام”.

    أخبار الفيوم

    وتابع: حمل لنا العدد الأول أيضًا العديد من أخبار الفيوم وقتها، فهناك مقالا للطالب محمد أنور حسن تحت عنوان (جهود الشباب)، أعلن فيه عن تأسيس مشروع يهدف إلى فتح سوق بالقاهرة لمنتجات الفيوم. حيث ساهم طلبة الجامعة من الفيوم في رأس مال المشروع بمبلغ مائتي جنيه. قسم على أربعمائة سهم، قيمة السهم الواحد خمسون قرشًا يمكن دفعها مرة واحدة أو على خمس دفعات. وكانت مدة الاكتتاب 6 أشهر تبدأ من أول يناير إلى نهاية يونيه 1933. وقد استعان الطلبة ببعض من رجال الاقتصاد لتنفيذ المشروع.

    وفي عددها الصادر عام 1950، رصدت الصحيفة المدرسية على صفحاتها الصناعات التي تشتهر بها الفيوم. وتناولت تاريخ الحركة التعاونية في الفيوم ونشأتها عام 1924 وتأسيس أول جمعية تعاونية بقرية دفنو. وتم تحت تأثير الحاجة لتصدير الموالح، تأسيس أول جمعية تعاونية لمنتجي الفاكهة بالفيوم بمديرية الفيوم عام 1932. وكان العدد الأخير للمجلة عام 1951. حسب ما ذكر المؤرخ إبراهيم مسيحة.

    وكانت الشاعرة غادة نبيل قد عثرت على أحد أعداد هذه المجلة في أوراق والدها، وقد كتبت عنها مقالا في جريدة  الجمهورية عام 2007 وصفتها فيها بأنها ليست صحيفة مدرسية أو مجلة حائط بالمعنى المعروف، بل هي أفخم وأرفع مطبوعة ثقافية عند مقارنتها بصحف متخصصة، وأشادت بالمستوى الراقي للطلاب.

    مجلة المشاعل

    “أننا أدباء ولكننا نريد أن نعبر عما يختلج في نفوسنا. وقد نخطئ في النحو، وقد لا يبلغ كلامنا غاية الإجادة، ولكننا لا نخطئ في تعريف رسالتنا”. كانت تلك الكلمات هي المقال الافتتاحي في مجلة “المشاعل” التي أسسها مجموعة من طلبة مدرسة الفيوم الثانوية على نفقتهم الخاصة عام 1944. وقد أشار الطلاب من خلال عناوين المجلة عن محتواها عبر ثلاثة عناوين وهي: (ستكتب فيه أقلام جديدة، مقالات قيمة للأساتذة، نقد لأساتذة المدرسة). وقد غلب على المقالات داخل العدد الطابع الأدبي والفلسفي، والعديد من المعلومات العامة.

    بعد توقف مجلة مدرسة الفيوم الثانوية عن الصدور عام 1951. أعيد إصدارها مرة أخرى في عام 1956، وتضمن العدد خطابا من الرئيس جمال عبدالناصر تم إرساله عبر مجلس الوزراء، حمل العديد من الوصايا الوطنية للطلاب.

    مجلة مدرسة التوفيق الثانوية

    مجلة أخرى كان لها تأثير قوي على طلابها، وهي مجلة مدرسة التوفيق الثانوية القبطية للبنين، التي تأسست عام 1898م. وصدر العدد الأول من مجلتها عام 1950، بإشراف جماعة الأدب والصحافة بالمدرسة. وقد كانت تلك المجلة تضم منذ بدايتها العديد ممن أصبحوا فيما بعد رواد الصحافة المحلية بالفيوم مثل: إبراهيم زكي الفيومي، الذي كان رئيس تحرير جريدة قارون المحلية فيما بعد. والدكتور نبيل حنظل، أحد رواد الصحافة المحلية والسياحة بالفيوم.

    يقول الدكتور نبيل حنظل، عن المجلة التي كان يرأس تحريرها وقت أن كان طالبا بمدرسة التوفيق الثانوية القبطية للبنين، كما كان مسؤولًا عن تصميم غلاف المجلة طيلة فترة دراسته بالمرحلة الثانوية: “في رحلتي الدراسية كنت مرتبطًا دائما بالنشاط الصحفي. حيث كنت أقدم برنامج الإذاعة المدرسية، وإلقاء كلمة المدرسة في طابور الصباح، والمشاركة والإشراف على إصدارات مجلة الحائط التي تصدر شهريًا أو في المناسبات. وكنت رئيس تحرير مجلة المدرسة التي كانت تصدر سنويًا  في نهاية العام الدراسي. وكانت المجلة تهتم كثيرا بالحوارات الصحفية سواء مع الشخصيات العامة، أو الأهالي مثل الصيادين على بحيرة قارون وغيرهم”.

    وتابع: تأثرت كثيرا بجريدة المجتمع المحلية التي كانت تصدر في الفيوم ويرأسها والدي الشاعر والصحفي المعروف بـ”ابن حنظل”. فقد كنت أحضر الندوات التي كان يعقدها والدي بالجريدة وكانت تضم شعراء وكتاب ونجوم مجتمع بجانب الأهالي من الفيوم، لذا كانت لدي خبرة عملية في التحرير الصحفي. كما كان تشجيع والدي وأساتذتي في المدرسة جعلني اهتم أكثر، وحصلت على العديد من الجوائز المدرسية من المنطقة التعليمية وقتها.

    مجلات أخرى

    إلى جانب مجلتي مدرستي التوفيق والمدرسة الثانوية، كانت هناك أيضًا مجلات لمدارس ثانوية أخرى مثل: مدرسة الفيوم الثانوية الصناعية، التي صدر العدد الأول من مجلتها في عام 1939. وتلتها مجلة مدرسة الفيوم الثانوية للبنات. ثم مجلة مدرسة الفيوم الإعدادية الحديثة الذي صدر العدد الأول منها في عام 1957م.

    أما مدرسة المحمدية الإعدادية للبنات، فكانت لها تجربة مختلفة، فعلى العكس من كافة المدارس التي كان يصدر عنها مجلة سنوية، أصدرت مدرسة المحمدية عددين في العام. صدر العدد الأول من المجلة في عام 1957. وكانت المجلة تصدر عن جماعة الصحافة بالمدرسة. وفي الكلمة الافتتاحية للعدد الذي صدر من المجلة في عامها الرابع عام 1961. تمت الإشارة إلى الإقبال الشديد من الطالبات على الكتابة في المجلة بعد توزيع العدد الخاص بنصف العام الأول.

    وتناولت الافتتاحية اعتذارا من أسرة التحرير للطالبات قالت فيه: “لقد أقبلت زميلاتنا من الطالبات على الكتابة في هذا العدد إقبالًا بالغًا، وكان هذا الإقبال نتيجة طبيعية بعد توزيع العدد الأول. لهذا كانت المقالات والكلمات ومختلف ألوان النشاط الصحفي، متعددة متزايدة. وأصبحت في مجموعها أكثر مما تتسع له هذه الصفحات القليلة والمحدودة. فنشرنا في هذا العدد ما استطعنا.. ونحن نشكر ونعتذر لباقي الزميلات اللاتي لم يتمكن من نشر كلماتهن”.

    اقرأ أيضا

    صحافة مدارس قوص: من خط اليد إلى الكومبيوتر

    مجلة مدرسة دشنا الإعدادية بنين: 20 طالبة في مدرسة للبنين فقط!

    «صاحب العزة» في مجلات مدارس طنطا

باب مصر