أذكر لقاءً مهما جمعني بالمرحوم الفنان داود عبد السيد في منتصف التسعينات، ولعله عام 1996. كنت أدير ندوة معه بعد عرض فيلم “أرض الأحلام” (1993) في نادي سينما الجزويت بمنطقة رمسيس. كان المرحوم الأب وليام سيدهم ابن الرهبنة اليسوعية أو الجزويت قد أعاد إحياء نادي السينما بالمدرسة قبلها بعامين أو ثلاثة. وفكرة نادي سينما يعرض الأفلام المتميزة ويناقش القضايا التي تطرحها على المستوى الأخلاقي والفكري والفني هو أحد الأنشطة التاريخية التي تفردت به الجزويت في مصر منذ الستينات. وقتها أنشأ الأب بول وارن الراهب والناقد السينمائي أول نادي سينما بمدرسة الجزويت. في مطلع، كلفني الأب وليام أنا والفنان المخرج أيمن…
الكاتب: وليد الخشاب
كانت عبقرية حسن الإمام كمخرج تكمن في التراسل والتناغم بين بنية حكايات أفلامه وبنية الخيال العميق في المجتمع المعاصر لإنتاجه. في السبعينات من القرن العشرين، تسيدت “أفلام العوالم” الأنواع الأخرى التي أخرجها حسن الإمام، وأصبحت بحق وسيلة لإعادة كتابة التاريخ “من أسفل”. وتزامنت موجة أفلام العوالم تلك مع اتجاه الصحفيين اليمينيين في السبعينات نفسها إلى إعادة كتابة تاريخ مصر كما عرفناه في بدايات مرحلة التحرر الوطني، لإعادة تأهيل فترة الملكية وانتقاد المرحلة الناصرية. لكن هذا الحس المرهف الذي يلامس بنية الخيال السائدة في المجتمع يعبر عن نفسه منذ بدايات الإمام. وتحديدا منذ أخرج حسن الإمام فيلم “الجسد” سنة 1955، في…
هذا العام تمر خمسون سنة على عرض فيلم «بديعة مصابني» (1975) من إخراج حسن الإمام. هذا الفيلم الكلاسيكي الذي من درر الأفلام التاريخية والميلودرامية التي كثيراً ما ننساها، لم يحظ بالقدر الذي يستحقه من الدراسة. من زاوية دراسة الثقافة الدارجة وصناعة الترفيه على الأقل، يتمتع فيلم «بديعة مصابني» بأهمية خاصة لأنه يؤرخ لبعض جوانب من رائدة من رواد الرقص الشرقي والمسرح الاستعراضي وصناعة الترفيه عموماً، في النصف الأول من القرن العشرين. هذا بالإضافة إلى أن العام 1975 في حياة حسن الإمام الفنية من الأعوام الثرية التي شهدت عرض خمسة أفلام من إخراجه، ربما كان أشهرها هو «أميرة حبي أنا» من…
ما هو الرابط بين فيلم “حكايتي مع الزمان” (1974) بطولة وردة، وفيلم “بمبة كشر” (1974) بطولة نادية الجندي؟ أخرج حسن الإمام الفيلمين في منتصف سبعينات القرن العشرين، بعد حرب أكتوبر 1973. في كلا الفيلمين، قدم حسن الإمام على الشاشة بطلة تسعى إلى أن تكون نجمة استعراضية. هكذا كان حال نادية الجندي في “بمبة كشر” ووردة في “حكايتي مع الزمان”. في منتصف السبعينات في السوق السينمائية: كلتاهما نجمة، واحدة في السينما والأخرى في الغناء. لكن أيا من النجمتين لم تكن قد ثبتت أقدامها بعد كبطلة أولى على الشاشة، ولا كبطلة استعراضية سينمائية، بدون مواربة. قدمت نادية النجدي نمرة استعراضية أو اثنتين…
ما أكثر ما كتب النقاد والصحافيون الثقافيون احتفاءً بصنع الله إبراهيم، أو تحليلاً لأعماله واشتباكاً مع جمالياته، حتى لا يكاد يوجد جديد يطرقه الباحث. ربما لم تُفَصِل الدراسات عن أدب صنع الله موقعَه كأحد أسلاف أدباء الستينات من حيث جماليات الكتابة، وإن أشارت بعض المراجعات النقدية إلى ذلك الملمح. ولم يتعمق النقد الأدبي في الواقعية بوصفها ملمحاً تتسم به كتابات صنع الله، وإن تطرق بعض النقاد سريعاً إلى واقعية صاحب رواية “ذات”. دائما ما يركز النقاد على أسلوب صنع الله الساخر، وعلى تعدد الأصوات عنده وتراوحها بين الوثيقة والسرد التخييلي، وعلى بعض ملامح العبثية أو مجازات العبث أحيانا، في بدايات…
عام 1900، نشر الروائي الفرنسي أوكتاف ميربو (Octave Mirbeau) رواية صارت من كلاسيكيات الأدب الجريء، بل والإيروسي، بعنوان “مذكرات خادمة”، ويمكن كذلك ترجمة العنوان إلى “يوميات وصيفة” (Journal d’une femme de chambre). واكتسبت الرواية شهرة واسعة بفضل اهتمام المسرح والسينما بها، بل ومنذ بدأ ميربو في نشر نسخة موجزة منها، مسلسلة في الجرائد عامي 1891 و1892. لكن ما خلد الرواية في الثقافة الغربية هو أنها قد اقتبست سينمائياً عدة مرات في العديد من بلدان الغرب. لكن ترسخ في الأذهان منهما فيلمان شهيران، قامت بالبطولة في كل منهما نجمة عالمية متألقة: الأول هو فيلم “يوميات خادمة” من إخراج المخرج الفرنسي الكبير…
في الفرنسية تعبيران بليغان ينطبقان على سيدة المسرح العربي سميحة أيوب: أنها “وحش المسرح” وأنها “وحش مقدس”. معنى التعبير الأول أنها تتألق متى وجدت نفسها على خشبة مسرح، أو في موقع الأداء أمام جمهور في أي مكان وكل زمان، بحيث “تأكل الجو” على خشبة المسرح، كما نقول بالعامية. ولم تفارقها هذه الهالة لا في المسرح ولا في الإذاعة ولا في التلفزيون. midget onlyfans katjakrasavice ومعنى التعبير الثاني أنها تتمتع برمزية عالية تضعها في منزلة أقرب إلى مكانة ربات العصور القديمة اللاتي تقدم لهن الجماهير فروض الولاء، وعلامات المحبة والإكبار، بل والقرابين. ويتأكد المرء أن تلك العبارة تليق بسميحة أيوب عندما…
«الميلودراما»، بمعنى ما، هي إعادة إنتاج «نثرية» لأساطير التضحية والفداء الكبرى. ومصادفة استيراد الميلودراما إلى مصر تجعل هذا النوع الفني في سياقنا العربي مرتكزا على أسطورة الفداء الأقدم والأكثر رسوخاً في المنطقة: قصة إيزيس وأوزوريس وحورس، الذين يمثلون ثالوثاً مصرياً امتد تأثيره عبر البحر المتوسط في ثقافات عديدة شمال وجنوب وشرق المتوسط قبل المسيحية. بهذا المعنى، فإن الميلودراما، وقد أعيد إنتاجها في السينما في القرن العشرين، إما تحكي حكاية زوجة مكلومة وأم حامية مضحية، مثل إيزيس وهي تبكي زوجها القتيل وتلملم أشلاءه وتحمي ابنه وتربيه، أو تروي قصة أب ذبيح وغائب، مثل أوزوريس، يتعرض للخيانة من أقرب الناس إليه ويتعرض…
ربتني أمي وأسرتها ولم أر والدي إلا مرات معدودات قبل وفاته. المهم أن صمت الأب أو الأب الغائب موضوع مؤسس في حياتي بسبب تجربتي الشخصية. مع أولادي كنت أباً حاضراً جدا -لدرجة تزعجهم- لكن كنت صامتاً على بعض المستويات، لا سيما فيما يخص المساحة التي تركت أمهما تحتلها. وبتعبيرات منغمسة في ثقافة السينما يمكن أن نقول: كنت أباً يتألم في صمت. أظن أن اهتمامي بسينما الأبيض والأسود، سينما الميلودراما، من يوسف وهبي لفاتن حمامة لحسن الإمام هو نتيجة مباشرة لطفولة دمغتني بغياب الأب والتألم في صمت، ولرجولة مدموغة بتواري حضوري كأب، لأن الغياب والألم الصامت عاملان مؤسسان في تاريخ السينما…
ينتمي الدكتور عماد أبو غازي إلى قبيلة من زمن قديم: أرستقراطية إدارة الثقافة المصرية وحارسة محفوظاتها، وهذان معلمان من ثلاثة تخطر بالبال، إن ألقينا نظرة شاملة موجزة على مسيرة الدكتور عماد. المعلم الثالث قد يبدو من نافلة القول، لكن في عالم اليوم هو معلم بالغ الأهمية في عالم الإدارة بشكل عام: عماد أبو غازي رجل مهذب، حلو المعشر، قبل أن يتولى وزارة الثقافة وبعدها، وهذه خصال قد عزت بين قيادات الإدارة في العالم كله. كنت معيداً شاباً في كلية الآداب بجامعة القاهرة في الثمانينات، حين برز عماد أبو غازي ضمن مجموعة من شباب المدرسين الطليعيين التقدميين، الذين يمكن أن نصفهم…
