باب مصر

الكاتب: شهاب طارق

  • د.سهير حواس: قرارات وقف هدم الجبانات «وهمية»!

    د.سهير حواس: قرارات وقف هدم الجبانات «وهمية»!

    تعلقها بالتراث والحكايات بدأ منذ طفولتها، فقد لازمت سهير حواس جدتها التي كانت دائمًا تستدعي الحكايات القديمة لتقصها على الحفيدة، التي أغرمت أيضًا في طفولتها بجمع التذكارات القديمة، وهي العادة التي ورثتها من والدها المعماري الراحل زكي حواس.

    لكن تعلقها بتراث مدينة القاهرة بدأ عقب زلزال 1992. كانت المعمارية الدكتورة سهير حواس وقتها ضمن أعضاء اللجنة التي عاينت آثار القاهرة التي ضربها الزلزال. تقول: «كانت مهمتنا تحديد مقدار التلف الذي أصاب المباني، وهنا بدأت علاقتي بالآثار، إذ أردت التعمق في القراءة حول هذه المنشآت القديمة».

    خلال تلك الفترة، بدأت تتعمق بشكل أوسع في فهم المدينة. لكنها تعلقت بمنطقة وسط البلد تحديدًا دون غيرها. ذلك أن والدها كان دائمًا يصحبها معه يوميًا وهو في طريقه إلى مكتبه بوسط البلد، ويحدثها عن حكايات المدينة وتفرد التراث الموجود داخلها. كان ذلك بالتزامن مع عمله على مشروع للارتقاء بالبيئة العمرانية من جانب الهيئة العامة للتخطيط العمراني، إذ جرى تكليفه بالإشراف على منطقة وسط البلد.

    ***

    تقول: «اتربيت في هذا المكان، لازلت أتذكر أن والدي كان يصحبني ويحكي لي تاريخ المنطقة والتحولات التي حدثت داخلها. عملت مع والدي في هذا المشروع، وعندما توفي سنة 2000، وجدت نفسي مسؤولة عن فريق العمل لتسليم المرحلة النهائية منه. وبالتوازي مع عملي في المشروع بدأت عمليات رصد دقيقة لتوثيق المنطقة، كان الهدف من هذا كله هو استكمال مسيرة أبي الراحل. أردت أن أبعث له رسالة مفادها أنه لم يمت وأنني سأكمل من حيث انتهى. لذلك، أغلقت الباب على نفسي، وعملت لسنوات حتى خرجت موسوعة القاهرة الخديوية، إهداءً لروحه. كانت هذه هي المرة الأولى التي يطلق فيها اسم القاهرة الخديوية، وقد تبنت الحكومة الاسم. وبعدها، تمت دعوتي للمشاركة في تأسيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، وأصبحت من المحظوظين لأنني كنت من ضمن الفريق الذي قام بإعداد القوانين الخاصة بحماية التراث المصري، وقد وضعنا الاشتراطات المتعلقة بالتعامل مع المدن التاريخية القديمة، وكان هذا هو الدور الرسمي الذي لعبته في الحفاظ على التراث».

    تعتبر الدكتورة سهير حواس، أستاذة الهندسة المعمارية والتصميم العمراني بجامعة القاهرة، أحد أبرز المدافعين عن مدينة القاهرة. كان دفاعها المستمر عن تراث المدينة نابعًا من منطلق «الغيرة» بسبب ما تفقده المدينة يوميًا من كنوز ترى أنه لا يمكن أبدًا استعادتها. في هذا السياق، نتحدث معها حول وضع المدينة في الوقت الراهن، ورؤيتها لعمليات الهدم المستمرة داخل المدينة «المهددة».  

    رئيس مجلس الوزراء وعد مؤخرًا بوقف أية أعمال هدم داخل جبانات القاهرة القديمة.. هناك مطالبات حاليًا بإعادة بناء هذه المباني مرة أخرى.. هل توافقين؟

    لا أوافق على الفكرة. فكرة إعادة البناء ليست مقبولة بالنسبة إليَّ لأن المبنى بذلك سيفقد عنصر الأصالة الذي عرف به. فضلًا عن أن العمال والصناع المهرة الذين شاركوا في عمليات البناء لم يتبق منهم أحد؛ لذلك فإعادة البناء تعني أننا أمام مبنى مصطنع وغير حقيقي. بالإضافة لصعوبة تنفيذ الأعمال الأصلية التي جرَّت على المبنى. كالكتابات الجميلة التي كتبها الخطاطون، والمقرنصات، وغيرها من أمور فنية من الصعب إعادة تنفيذها مرة أخرى. بالإضافة إلى غياب التوثيق الكامل لهذه المباني؛ لذلك أرى من الصعب تطبيق الفكرة على أرض الواقع.

    وما الحل؟

    الحل إعادة المقتنيات التي جرى نقلها وإعادتها لمكانها الأصلي مرة أخرى، بجانب وقف أي عمليات هدم داخل المنطقة.

    وما هو دور كل من وزارة الآثار والتنسيق الحضاري في هذه الفترة؟

     دورهما هو وقف عمليات الشطب، وإخراج الجبانات التراثية من السجلات الرسمية. فضلًا عن ضرورة عدم اعتماد أي قرار قد ينتج عنه إخراج أيًا من الجبانات، مع إعادة تسجيل المباني التي أخرجت مؤخرًا. كذلك من الضروري الاستمرار في تسجيل الجبانات. فقد رصدنا داخل التنسيق الحضاري كل مناطق الجبانات المتميزة، وأرسلنا القوائم للمحافظة، كي يتم تسجيلها من جانب لجان الحصر، وتم بالفعل تسجيل عدد كبير منها. لكن في المقابل، تم إخراج العديد منها أيضًا تمهيدًا لهدمها.

    وأرى أنه من الضروري المحافظة على المدينة بشكل كامل، وعلى نسيجها العمراني، لأن تدمير وتمزيق هذا النسيج بالمحاور المرورية والشوارع الجديدة يعني أن المدينة ستأكل نفسها؛ وبالتالي، فهذا النسيج العمراني لن يكون له أي معنى إذا تم اختراقه.

    منذ عام تم تشكيل لجنة للبت في أمر الجبانات بناء على أمر رئاسي.. هل تعتقدين أن جزءا من حل مشكلة الجبانات سيكون من خلال إعادة تفعيل اللجنة مرة أخرى أم أنه من الضروري تشكيل لجنة جديدة؟

    كفانا تشكيل لجان. لجنة الرئيس قالت بشكل صريح أنه لا جدوى من المشروع المزمع تنفيذه، وقد قدمت حلولًا حقيقية للمسألة برمتها ورفضت هدم الجبانات. ولكن في النهاية تم تجاهل ما أقرت به اللجنة. فقد تم إيقاف أعمال الهدم ظاهريًا، لكن على الأرض استمرت عمليات الهدم، وهذا ما ظهر جليًا خلال أعمال هدم قبة مستولدة محمد علي باشا. أدركنا حينها أن قرار وقف الهدم كان وهميًا.

    قبة حليم أثناء الهدم
    قبة حليم أثناء الهدم
    دائمًا يتم الترويج لرواية مفادها أن جبانات القاهرة التاريخية محاطة بالمياه الجوفية.. كيف يمكن حل هذه المشكلة؟

    هناك حلول بالتأكيد. علم الهندسة لا يعرف المستحيل، ولا يعجز عن تقديم حلول. وهذه حجة أرى أن الهدف منها دائمًا تمرير فكرة الهدم. فقد هُدمت الكثير من المقابر التراثية، ولم نر أي نقطة مياه وقت الهدم، وهذا يعني أن الهدف من ترويج هذه الرواية هو تمرير قرارات الهدم. الأولى ترميم هذه المقابر، لأن القاهرة التاريخية بالكامل تعاني من المياه الجوفية، وهذا لا يجعلنا نطالب بهدم القاهرة بالكامل! فطريقة الهدم آلمت كل مصري، وكانت «فجة». من الضروري أيضًا إعطاء تفاصيل حول المشروع المزمع تنفيذه بالمنطقة، لأننا حتى الآن لا نعرف أيًا من هذه المخططات ولم يطلع أي شخص عليها.

    لننتقل إلى نقطة أخرى تتعلق بترميم تماثيل أسود قصر النيل، التي أثارت جدلًا خلال الفترة الأخيرة.. كانت لك تجربة في ترميم هذه التماثيل منذ فترة.. كيف كانت التجربة؟

    المشروع بدأناه في عام 2015 بتمويل من البنك الأهلي المصري بمبلغ ثمانية ملايين جنيه. وقد رممنا كل من كوبري قصر النيل، وكذلك تماثيل أسود قصر النيل الأربعة، وتمثال سعد باشا زغلول. استعنا بخبراء ترميم من وزارة الآثار كون هذه التماثيل كانت مسجلة ضمن الآثار، فضلًا عن خبرتهم العالية في ترميم التماثيل البرونزية. أما كوبري قصر النيل فقد أشرفت على ترميمه ولم نستعن بوزارة الآثار، كونه لم يكن مسجلًا في حوزتهم.

    ماذا اكتشفتم أثناء عملية الترميم؟

    خلال أعمال ترميم كوبري قصر النيل، وجدنا أن هناك ثلاثة أعمدة من الكوبري تم سرقتها في وقت سابق؛ لذلك، أعدنا الأعمدة باستخدام نفس المواد الأصلية. كما كشفنا عن الزاوية المعدنية الأصلية للرصيف، وقمنا برصفه بنفس مستوى المنسوب الأصلي. ورممنا أيضًا سور الكوبري وأزلنا كافة طبقات الطلاء التي شوهته لسنوات. أما بالنسبة لتماثيل كوبري قصر النيل، فقد قمنا بتحويطها بسواتر قماشية، واستخدمنا مواد دقيقة لإزالة التشوهات والأتربة من التماثيل، خاصة بعد أن لاحظنا الكثير من الكتابات والرسومات عليها. وقد راعينا أثناء عملية الترميم الاحتفاظ بطبقة «الباتينا»، وهي طبقة التراكم التاريخي التي تحافظ على علامات الزمن بالنسبة للتمثال.

    إذن كيف تابعتِ الجدل الذي أثير مؤخرًا بخصوص تماثيل كوبري قصر النيل؟

     أحد أسباب الجدل هو أن مرممي الآثار لم يقوموا بتغطية التماثيل وقت صيانتها. وهي أمور كان يجب الالتفات إليها عند الترميم لأنها تركت انطباعًا سيئًا لدى الجميع، حيث ظهرت طبقة لامعة بعد إزالة الأتربة من على التماثيل، مما دفع الناس للاعتقاد بأن التماثيل قد «دهنت». لذلك، أرى أنه كان من الضروري تغطية التماثيل حتى الانتهاء من العملية بشكل كامل. أما الحكم على ما حدث فيجب أن يترك للمتخصصين في الترميم، ويجب أن يتم الإعلان أيضًا عن المواد التي جرى استخدامها أثناء عملية الترميم ومعرفة نسب التركيز التي تم وضعها.

    لكن الوزارة قالت في بيان لها إن تماثيل كوبري قصر النيل لم تكن مسجلة أصلًا في عداد الآثار..

    انزعجت عندما سمعت هذه التصريحات. أعتقد أن الوزارة وقعت في خطأ كبير بعدم الاعتراف بأثرية التماثيل. إذا كانت هذه التماثيل غير مسجلة، فلماذا بادر مرممو الآثار بترميمها في وقت سابق من المشروع الذي أشرفت عليه؟ أتذكر أنه قد أشرف على عملية الترميم كل من الدكتور ممدوح عودة والدكتور غريب سنبل، الذي شارك برأيه في أجزاء كثيرة من المشروع، وكلاهما يعملان في وزارة الآثار. إذن، تصريح وزارة الآثار يدين الوزارة لأنهم يعترفوا من خلاله بوجود تقصير في عدم تسجيل هذه التماثيل التي تعود للقرن الـ19. لذلك، أتساءل: لماذا تحاول وزارة الآثار دائمًا تبرئة نفسها بحجة عدم التسجيل؟

    يبدو أن هناك إشكالية دائمًا حول ترميم وتنظيف التماثيل الموجودة في الميادين العامة.. في رأيك، ما الجهات التي يجب أن تتولى عملية الترميم والصيانة والنظافة؟ 

    أرى أن هناك جهتين يجب أن تتوليان مسألة الحفاظ على وتنظيف هذه التماثيل، وهما: المحليات، والهيئة العامة للنظافة. تمتلك الهيئة سيارات مخصصة يمكن للعمال من خلالها تنظيف هذه التماثيل بصورة دورية، باستخدام وسائل ملائمة للتنظيف. ويجب أيضًا أن يتم الموضوع بصورة دورية كتنظيف التماثيل كل أسبوعين على حد أقصى. للأسف، هذه الأمور لا تنفذ على الأرض. يجب أيضا إعداد فنيين للتعامل مع هذه التماثيل وتنظيفها بصورة سليمة. وأنا هنا أطالب بضرورة وجود منظومة كاملة تكون مهمتها تنظيف التماثيل القديمة الموجودة داخل المحافظات. أما بالنسبة لترميم وصيانة هذه التماثيل، فيجب أن يترك الأمر للمتخصصين.

    كيف تنظرين لمستقبل القاهرة، وتحديدًا منطقة وسط البلد؟

     أتمنى أن تتوقف جميع أعمال الهدم داخل المدينة، وأن يتم الحفاظ عليها كما هي. القاهرة هي الأصل، حتى لو نفذنا غيرها من المدن. أما بالنسبة لمنطقة وسط البلد، أعتقد أنني نجحت في لفت الانتباه لهذه المنطقة التي ظلت لسنوات طويلة مهملة ومهمشة. وبمرور الوقت، أصبح يلتفت إليها رجال الأعمال للاستثمار داخلها، وهذه أمور جيدة بطبيعة الحال. وأعتقد أنه يمكن في المستقبل إعادة المنطقة إلى شكلها الذي أراده منشئها الخديو إسماعيل، باعتبارها “باريس الشرق”.

    أما بالنسبة للتحديات التي تواجه المنطقة، فإن عودة السكان للمدينة أصبح مطروحًا، خصوصًا أن الاشتراطات داخلها تمنع تحويل أنشطتها الداخلية لنشاطات قد تضر بالمباني. أظن أنه بمرور الوقت سيعود السكان مرة أخرى للمدينة، وهذا حدث بالفعل في السنوات الأخيرة.

     هل تعتقدين أنك حصلت على التكريم اللائق بمسيرتك؟

    تفاجأت بحصولي على جائزة الدولة التقديرية. قبلها بعام، كنت مرشحة ولكنني لم أفز، كما أنني لم أتقدم للجائزة، بل تم ترشيحي لها، لم أنتظر يومًا تكريمًا، لأنني وهبت عمري لمدينة القاهرة، ولم أنتظر في يوم أي مقابل. أنا مدينة لهذا البلد لأنني تعلمت داخله، وأعتبر بصدق أن مصر لها الفضل الأكبر عليَّ. رأيت كيف أن والدي ضحى بكل شيء في سبيل العمل داخل مصر؛ لذلك لست مهتمة بالتكريمات. ما يهمني فقط هو أن أترك بصمتي داخل القاهرة.

    أخيرًا، ما هو مشروعك القادم؟

     حاليًا، أعمل على مشروع يطرح سؤالًا أراه مهمًا: كيف كانت تبدو مدينة القاهرة في بدايات القرن الـ20؟ أتمنى أن أنجز هذا الكتاب. مع مرور الوقت، ومع تقدم سنوات عمري، بدأت أشعر أن هناك نوعا من التزاوج بين الروح والمدينة. أصبحت مقتنعة تماما بأنني مسؤولة عن الحفاظ على القاهرة. لذا، فمكتبي وكتبي وأبحاثي كلها عن القاهرة. أصبحت القاهرة هي مشروع العمر بالنسبة إليَّ. بمرور الوقت، اندمجت روحي مع المدينة وتراثها وأصالتها، وكل هذه الأمور تداخلت جميعًا بداخلي.

    اقرأ أيضا:

    دعوى قضائية من وزارة التضامن لإغلاق «أتيليه القاهرة»

  • بالمستندات| بعد تجاهل تسجيل «الجبانات».. مديرة منطقة الإمام الشافعي تعتذر عن منصبها

    بالمستندات| بعد تجاهل تسجيل «الجبانات».. مديرة منطقة الإمام الشافعي تعتذر عن منصبها

    حصل «باب مصر» على مستند رسمي من المجلس الأعلى للآثار يشير إلى اعتذار رانيا الشيوي عن منصبها كمدير عام منطقة آثار الإمام الشافعي.جاء هذا الاعتذار نتيجة تجاهل وزارة الآثار طلباتها المتكررة بتسجيل المدافن الأثرية في المنطقة، التي تعرضت للهدم مؤخرا.

    وقف الدفن

    ووفقًا للمستند الرسمي، فقد أرسلت رانيا الشيوي خطابا للدكتور ضياء زهران، رئيس الإدارة المركزية لآثار القاهرة والجيزة، تشير فيه إلى اتخاذ محافظ القاهرة قرارًا برقم 2557 لسنة 2024 بوقف الدفن في المقابر الواقعة في نطاق محور صلاح سالم.

    وأكدت الشيوي في خطابها المرسل بتاريخ 21 إبريل الماضي، أن المقابر الأثرية الواقعة بالمنطقة لن يتم المساس بها. وأشارت صراحة إلى أن موقع منطقة الإمام الشافعي يقع ضمن نطاق القاهرة التاريخية. أي أنه مدرج داخل حدود اليونسكو كتراث عالمي، وأن المنطقة تخضع بالكامل لاشتراطات المدينة التاريخية.

    كما ذكرت أيضًا أن المنطقة، المهددة بالهدم، تحتوي على العديد من المباني غير المسجلة، والتي تتمتع بطابع معماري مميز. وأشارت في خطابها إلى قرار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار بتاريخ 4 مارس 2024، الذي كلف من خلاله بتشكيل لجنة مراجعة تخص مقابر الصحابة والصالحين. وكذلك المقابر غير المسجلة الواقعة في منطقتي شرق القاهرة والإمام الشافعي.

    خطاب رسمي لاعتذار رانيا الشيوي
    خطاب رسمي لاعتذار رانيا الشيوي

     

    توصية بالتسجيل 

    وأضافت الشيوي أن محضر اللجنة التي شكلها الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار أوصى بتسجيل الآثار الموجودة بالمنطقة لتصبح مزارًا جيدًا ضمن مسار الصحابة والصالحين.

    نتيجة لاقتراب الهدم من المنطقة، طالبت مديرة منطقة الإمام الشافعي من رئيس الإدارة المركزية للقاهرة والجيزة بسرعة انعقاد اللجنة للنظر في المباني ذات الطراز المعماري المتميز الموجودة بمنطقة الإمام الشافعي، والتي ينطبق عليها شروط التسجيل «على وجه السرعة!».

    اعتذار رسمي!

    عقب هذه الواقعة، انتظرت مديرة منطقة آثار الإمام الشافعي الرد الرسمي لسرعة تسجيل المقابر الأثرية الواقعة بالمنطقة. ومع اقتراب أعمال الهدم داخل المنطقة وتجاهل خطاباتها لتسجيل المقابر المهددة، قررت في أغسطس الماضي الاعتذار رسميًا عن منصبها. في خطاب أرسلته للأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد إسماعيل. حيث أوضحت فيه أن قطاع الآثار الإسلامية تحت رئاسة الدكتور جمال مصطفى أصبح بدون رؤية واضحة. وأضافت في خطابها أن قرارها جاء بعد محاولات تعجزيها، وأنها لا تقبل بـ«الفشل»!

    اقرأ أيضا:

    بعد هدم مقابرها.. هل تخرج «القاهرة» من قائمة التراث العالمي لليونسكو؟

  • تجارب متنوعة.. كيف يمكن إعادة استخدام المباني التراثية؟

    تجارب متنوعة.. كيف يمكن إعادة استخدام المباني التراثية؟

    أقيم مؤخرًا بمركز الهناجر للفنون معرض وندوة بعنوان «حياة جديدة لتراث قديم: توجهات لإعادة توظيف المباني التاريخية في مصر». نظمت الندوة لجنة الفنون التشكيلية والعمارة بالمجلس الأعلى للثقافة بالتعاون مع الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، حيث تم استعراض تجارب معاصرة لإعادة استخدام وتوظيف المباني التراثية وتأثيرها في تنمية المجتمع المحلي.

    أدار الندوة الدكتور جلال عبادة، أستاذ العمارة والتصميم العمراني بكلية الهندسة جامعة عين شمس، الذي أشار إلى تعدد تعريفات التراث في مصر. وقال: “نملك داخل مصر الكثير من المباني الأُثرية التي تخضع لقانون الآثار، وأخرى تراثية تخضع لقوانين التنسيق الحضاري، ومبان تراثية غير مدرجة على قوائم التنسيق الحضاري، وأخرى قديمة أو منسية، وأخرى تخص العمارة الشعبية. جميع هذه التعريفات والمسميات تستدعي إعادة النظر في تعريف التراث الوطني أو القومي، والنظر إليها بشكل أوسع من القوانين واللوائح الحالية. نحن نستهدف إحياء الأماكن الميتة عبر توجهات تهدف في الأساس إلى دمج التاريخ في الحياة اليومية المعاصرة”.

    محاولات دمج التراث

    وأضاف عبادة: “من الضروري الحفاظ على القيمة التراثية والتاريخية والأثرية للمبنى التراثي مع ضمان استمرارية الحياة داخله. هذه الحياة تتطلب التجديد والإبداع، وتتطلب أيضًا تقديم نظرة مستقبلية للمبنى. لذلك، يجب طرح سؤال دائم:

    كيف يمكن للتحديات التصميمية للمعماريين أصحاب الرؤى أن تتوازن مع القيمة الحفاظية لتلك المباني، خصوصًا أن كثيرا منها تخضع لقوانين الآثار واتفاقيات عالمية؟ كما يجب إعادة النظر في نواحي جديدة تخص دمج التراث ضمن الحياة المعاصرة. هناك نقطة مهمة وهي أن استمرار الحياة الجديدة يتطلب تجديدا وإبداعا تصميميا، لأن الأمر لا يقتصر على فكرة الحفظ أو تجميد التراث. فهناك فارق بين تجميل التراث ودمجه في الحياة المعاصرة”.

    بيت يكن والرزاز

    من جانبه، تحدث الدكتور علاء حبشي، أستاذ الهندسة بجامعة المنوفية ومدير بيت يكن، عن محاولات لإعادة تأهيل وترميم بيت الرزاز وبيت يكن الواقعين في القاهرة التاريخية. حيث أوضح أنه خلال العمل على ترميم بيت الرزاز، وجدوا العديد من الطبقات التاريخية التي مرت على المنزل، وعثروا مثلًا على مقابر للفاطميين، نتيجة وقوع المنزل خارج أسوار القاهرة الفاطمية؛ وبالتالي استخدمت في الماضي أرضه كمقابر للمسلمين الفاطميين. لذلك، قرروا إعادة دفن هذه المقابر وحفظها أثناء الترميم.

    وأضاف حبشي: “مرت القاهرة بالعديد من التحولات بسبب أزمة المباني الآيلة للسقوط والتي ظهرت عقب زلزال 1992، ونتيجة للتطور الكبير الذي حدث، ومع ظهور مواثيق الاستدامة، ظهرت ممارسات جديدة للتعامل مع المباني التراثية. وهو الأمر الذي حاولنا مراعاته عند إعادة استخدام بيت يكن على سبيل المثال، إذ قمنا بمراعاة القيمة البيئية والاجتماعية للمنزل مع إعادة استخدامه بما يخدم تلك القيم”.

    توظيف مباني البريد

    المهندس المعماري معاذ أبوزيد تحدث عن تجربته الخاصة بإعادة تأهيل وتوظيف مباني البريد، وقال: “بدأنا المشروع سنة 2022. وأردنا من خلاله فهم رمزية اللون الأخضر الذي يمثل البريد المصري مثل مكتب البريد السريع في العتبة، ومكتب بريد مغاغة، وأسيوط، والأقصر”.

    واستطرد حديثه: “مبنى البريد السريع بمنطقة العتبة يحمل قيمة تاريخية عالية؛ لذلك أردنا الاحتفاظ به من الخارج. مع مراعاة صياغته بشكل كامل من الداخل لمواكبة المستقبل من خلال التصميم. رجعنا مثلًا للخرائط القديمة وتتبعناها، فنحن لم نرد أصلًا خسارة أي متر داخل المبنى، وفي المقابل أردنا تطبيق احتياجات البريد، وهو الأمر الذي نحاول دائمًا وضعه في اعتبارنا خلال إعادة استخدام المباني القديمة”.

    يضيف: “قمنا بمراعاة حركة الشوارع وسبل استغلالها في المستقبل، فالمنطقة لديها مشكلة الباعة الجائلين، لكننا راعينا وجودهم داخلها، وتفادينا فكرة تضييق الخناق عليهم، لأننا ندرك أنه من الضروري مراعاة هؤلاء في أي مشروع داخل المدن”.

    واستكمل أبوزيد: “بالنسبة لمشروع مغاغة، كان المبنى مبنيًا بالطوب الأحمر، وقد صدر له قرار إزالة، لكننا وجدناه يحكي الكثير من الحكايات المرتبطة بالمدينة؛ لذلك قررنا ترميمه، وقد وضعنا العديد من الإضافات داخله، لكننا ربطناه بالماضي، فالزائر يستطيع التفرقة بين الجزء الجديد والقديم، وهذا يعطي للزائر مساحة لفهم العلاقات التي تربط الماضي بالحاضر”.

    إسنا ومحاولات الإحياء

    تحدث المعماري والمخطط كريم إبراهيم، رئيس مجلس إدارة شركة تكوين لتنمية المجتمعات المحلية، عن تجربته داخل مدينة إسنا، التي حاول من خلالها إعادة إحياء تراثها المادي وغير المادي. ويقول: “لا يوجد منهجية واضحة حتى الآن بالنسبة للتعامل مع إعادة الاستخدام والتوظيف. فهناك منهجيات ونقاط واضحة تخص الترميم وإدارة المواقع.

    لكن مع الخبرة المتراكمة، لاحظنا وجود عدة جوانب للمبنى، ومنها قيم التميز والقيم التراثية للمبنى. أحد الإشكاليات التي تواجهنا هي إعادة الاستخدام. ما يهمنا هو الحفاظ على قيم المبنى التراثية؛ وبالتالي نحاول دائمًا سد الفجوة، خصوصًا تلك الخاصة بفكرة إعادة استخدام المباني التراثية أو التاريخية”.

    ويضيف إبراهيم: “واجهنا العديد من التحديات داخل مشروع إسنا. فهي مدينة بداخلها تراكم تاريخي نادر لا يوجد له شبيه داخل مصر. فقد حافظت إسنا على نسيجها العمراني وتقاليدها بصورة مستمرة حتى الآن. لذلك، لم نعتمد على فكرة إعادة الاستخدام فقط، بل قمنا بعمل دراسة تعرف باسم «سلاسل القيمة للسياحة الثقافية». وقد أردنا خلالها فهم جوانب الطلب بالنسبة لقطاع السياحة داخل المدينة. وبالتالي حاولنا التوفيق بين ما تتيحه مباني إسنا لخلق تجربة مختلفة”.

    واستطرد: “مبنى وكالة الجداوي على سبيل المثال، كان شاهدًا على الدور التجاري الذي لعبته إسنا منذ العصر المصري القديم، وحتى وقتنا هذا. إسنا مركز إقليمي مهم للتجارة باعتبارها البوابة الجنوبية نحو إفريقيا. من التحديات التي واجهتنا هي رغبتنا في جذب الزيارات السياحية للمدينة. لأن السياح كانوا يأتون إليها لمدة نصف ساعة فقط، بهدف زيارة معبد إسنا؛ لذلك أردنا جذب السياحة بشكل أكبر”.

    إعادة توظيف المباني

    وعن المشروع يقول المعماري إبراهيم كريم: “رممنا ما يقرب من 20 موقعًا داخل إسنا وطورنا 17 منشأة اقتصادية داخل المدينة. ومنها بيت «يونان» الذي يمثل طرازا خاصا ظهر داخل إسنا في بدايات القرن الـ20 لكنه اندثر في أربعينيات القرن الماضي. وقد أعدنا تطوير واجهة المنزل. أما الدور الأرضي فقد جهزناه ليصبح مطعمًا للأكلات التراثية داخل المدينة. لأننا لاحظنا غياب هذا النوع من المطاعم.

    كما نفذنا مسابقة بين سيدات المدينة استطعنا خلالها التوصل إلى 25 وصفة أصلية تخص مأكولات مدينة إسنا وحدها. وقد دربنا السيدات لإنتاج هذه الوصفات؛ لذلك قررنا في النهاية استخدام المكان كأول مطعم يدار من جانب سيدات إسنا. وهو يعتبر أول منشأة اقتصادية داخل المدينة”.

    اقرأ أيضا:

    بعد هدم مقابرها.. هل تخرج «القاهرة» من قائمة التراث العالمي لليونسكو؟

  • بعد هدم مقابرها.. هل تخرج «القاهرة» من قائمة التراث العالمي لليونسكو؟

    بعد هدم مقابرها.. هل تخرج «القاهرة» من قائمة التراث العالمي لليونسكو؟

    تعيش منطقة الإمام الشافعي بالقاهرة منذ أشهر عمليات هدم مستمرة طالت معظم مقابرها التاريخية.لكن مشهد هدم «قبة نام شاذ»، والدة الأمير محمد عبدالحليم باشا، ابن محمد علي باشا والي مصر، والتي يعود تاريخ إنشائها للقرن الـ19، أثار غضبًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي. لم تكن واقعة الهدم هذه الأولى، ولن تكون الأخيرة، فهي مجرد حلقة بسيطة من سلسة الفقد التي تتعرض لها جبانات القاهرة التاريخية خلال السنوات الأخيرة.

    في المقابل، جرى تجاهل وتهميش آراء أغلب المتخصصين، الذين قدموا طلباتهم بشكل متكرر حول ضرورة وقف عمليات هدم جزء أصيل من تراث القاهرة المدرج على لائحة التراث العالمي لليونسكو. وعلى الجانب الآخر، اكتفت كل من وزارة الآثار والثقافة بالصمت تجاه ما يحدث. فكلاهما تعمدا في السنوات الأخيرة شطب وحذف العديد من المباني الأثرية والتراثية الواقعة في نطاق الجبانات. وبدلًا من الدفاع عن هذه المباني، قرر المسؤولون في الوزارتين الصمت بدعوى أن ما يحدث في المنطقة من أعمال هدم هدفه تنفيذ «مشروعات قومية!»

    لا مكان للحجر

    الدكتور محمد حمزة الحداد، عميد كلية الآثار الأسبق بجامعة القاهرة، قال إن هدم قبة نام شاذ قادين بمنطقة الإمام الشافعي دليل على أننا نعيش اليوم في عصر لا مكان فيه للحجر. فهذه القبة تحديدًا تعود جذورها لبدايات القرن الـ19، وهدمها مؤامرة على التراث المصري. وبحكم الدستور المصري هي جريمة مكتملة لا تسقط بالتقادم.

    وأضاف عضو مجلس إدارة المجلس الأعلى للآثار الأسبق: “لم يعد هناك أي فائدة، الآن يمكن أن نقول إن منطقة القرافة باتت هي والعدم سواء، فقد دمرت بشكل كامل. وفي ظل غياب الآثار والتنسيق الحضاري، وتنصلهما من دورهما، فالحل هو تقديم استقالاتهم بشكل فوري، لأن القانون كان في صفهم لكنهم تقاعسوا عن القيام بمهامهم”.

    حلقة مفرغة

    ويكمل: “هذه الحكومة تضم متخصصين كنا ننتظر منهم الدفاع عن الجبانات، لكن ذلك لم يحدث. فوزير التعليم العالي، الدكتور أيمن عاشور، مهندس ومعماري، وكان رئيسًا للجنة الجبانات التي كلفها رئيس الجمهورية بالنظر في شأن المقابر ووضع مقترحات. لكن في نهاية الأمر لم يسمح لهم بإبداء أي رأي حقيقي، وبالتالي نحن ندور في دائرة مفرغة. وفي النهاية، لا يتم الأخذ برأي الأغلبية، أي شخص عاقل هيطالب بضرورة الإبقاء على الجبانات”.

    أما بالنسبة لأساتذة الجامعات، خصوصًا المتخصصين في الآثار، فإنهم يلتزمون الصمت أيضًا، لأن كثيرا منهم يتعاونون مع الوزارة من خلال اللجان الأثرية. لذلك، لماذا ننتظر منهم الحديث أو الدفاع عن الجبانات، والمطالبة بتسجيلها؟ هؤلاء اكتفوا بتمرير جميع المشروعات الكارثية. أما الوزارة، فهي تستدعي أصلًا أساتذة غير متخصصين بدعوى أن تخصصهم هو الآثار الإسلامية.

    وهذا المعنى فضفاض، لأن علم الآثار الإسلامية بحر لا يمكن أبدًا اختزاله. فهناك متخصصون في الفنون، والمسكوكات، والعمارة. لكن ما تقوم به الوزارة هو الاستعانة مثلًا بأستاذ في الفنون أو المسكوكات ليبدي رأيًا في العمارة، وهذا أمر لا يمكن أن يستوعبه عاقل.

    وضع مؤسف

    وعن مستقبل القاهرة قال: “لم يعد هناك قاهرة، القرافة سيتم هدمها بشكل كامل، وستبقى عبارة عن طرق وكباري وبعض الشجر. وسيتم الاحتفاظ فقط ببعض المقابر القليلة المنتقاة. «المقابر هتكون شبه البُقع في المنطقة»، كما سيتم هدم أغلب مقابر نُخبة مجتمع مصر في القرن الـ19 خلال الفترة المقبلة، ومنها قبة محمود باشا الفلكي وغيرها من المقابر الفريدة”.

    أما عن الحلول فقال: “لم يعد هناك حل، الحل هو إقالة كل من وزير الثقافة، ووزير الآثار، وأمين عام المجلس الأعلى للثقافة، والآثار أيضًا، ومديري المناطق الأثرية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري. للأسف، هذا وضع مؤسف لم يحدث من قبل، ولم نر أو نسمع أبدًا عن هدم مبنى تراثي بهذه البشاعة. فالقبة انتزعت وهدمت بشكل بربري، بشكل لم يفعله التتار أو المغول. كان من الممكن نقل وفك هذه القباب والمقابر والتراكيب، لكن للأسف نحن نعلم مصيرها، إذ سيتم سرقتها وتهريب أغلبها”.

    وعن القبة قال إنها تعود للقرن الـ19، وهي تعود لمستولدة محمد على باشا، واسمها نام شاذ قادين، وهي والدة الأمير محمد عبدالحليم باشا ابن محمد علي، الذي أرسله محمد علي باشا رفقة أبناءه سنة 1844 إلى فرنسا بإشارة من سليمان باشا الفرنساوي. وقد ذهبوا جميعًا للمدرسة الحربية في فرنسا، وبعدها انتقلوا لمدرسة التطبيقات الحربية. وكان من ضمن خريجي هذه البعثة محمد صادق باشا، الذي أصبح فيما بعد لواء أركان حرب وتوفي سنة 1902، وهو أيضًا أول من استخدم الكاميرا في تصوير مكة والمدينة والحرمين الشريفين في العالم سنة 1861.

    طراز مصري فريد

    أما بالنسبة لأهمية القبة، قال حمزة إنها دليل على استمرار الطراز المصري الإسلامي في عمائر القاهرة الجنائزية خلال القرن الـ19 والنصف الأول من القرن الـ20. سواء في تخطيطها أو منطقة انتقالها من الداخل والخارج، أو في قطاع خوذتها وما تزدان به من نقوش زخرفية بديعة في الجزء الأسفل منها. فضلًا عن التراكيب الفنية والنقوش الكتابية التي تزخر بها القبة. مما يجعلها طرازًا فنيًا ومعماريًا متميزًا كان يجب الحفاظ عليه هو وأمثاله.

    وفي النهاية تساءل الحداد: أين الهوية الوطنية؟ وأين وزير الثقافة الذي يقدم نفسه على أساس أنه فنان تخرج من كلية الفنون الجميلة!

    انتهاك القوانين

    من جانبه، تحدث مصدر مطلع بأعمال لجنة الجبانات التي شكلها رئيس الجمهورية، والذي فضل عدم الكشف عن اسمه، وقال: “إحنا بقالنا سنين بنكلم نفسنا. مصر الآن رشحت رئيسًا لليونسكو وهو خالد العناني. لكن السؤال كيف يحدث ذلك ونحن ننتهك أصلًا قوانين التراث العالمي؟ وكيف يمكن أن نعول على إمكانية فوز مرشح مصر وسط هذه الظروف المؤسفة؟”.

    وأكمل: “أغلب هذه المقابر والأحواش تم تسجيلها خلال السنوات القليلة الماضية ضمن قائمة حصر المباني التراثية المتميزة التابعة لجهاز التنسيق الحضاري. وبسبب رفض رئيس اللجنة، الدكتور مدحت الشاذلي، أستاذ العمارة تكنولوجيا البناء بكلية الهندسة جامعة القاهرة، الإمضاء على قرار حذف هذه المقابر، قرروا إعفاءه من التوقيع، ومرروا القرار دون الرجوع إليه!”.

    مدينة مهددة

    وأضاف: “الدولة الآن ضد الدولة، فهذه المباني المهدمة تقع داخل نطاق منطقة تراث عالمي. وهي محمية بقوانين اليونسكو، وجميع حالات الهدم تخالف كل المواثيق والأعراف الدولية. فقد طلبت القاهرة في اجتماع اليونسكو العام الماضي في مدينة الرياض تقليص مساحة القاهرة التاريخية، لكن اليونسكو رفض الطلب. وطالب بضرورة إشراك المجتمع المحلي في أي قرار يخص القاهرة، لكن على أرض الواقع لم يحدث الأمر. ولم تتم أي مشاركة شعبية من الأساس. كما تقدم الكثير من أعضاء مجلس النواب بطلبات إحاطة، لكن لم يتم مناقشة أي منها بشكل جدي. لذلك، فالقاهرة الآن باتت مهددة من وضعها على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر!”.

    واستطرد: “اللجنة خرجت باقتراحات لكل التفاصيل الخاصة بالمنطقة، ووضعت الحلول الممكنة للتعامل معها. وتمت الموافقة عليها بالفعل، لكن في النهاية تم التراجع عنها وتنفيذ المشروع القديم. كان مشروعنا يهدف إلى توفير بديل حقيقي عن الطريق المزمع تنفيذه الذي يهدف لاختراق الجبانات. وقد وضعت رؤية شاملة، لكن في نهاية الأمر تم تجاهل ما قمنا به”.

    تحويلها مزارات

    الباحث في التراث، الدكتور مصطفى الصادق، قال إنه لم يتخيل أبدًا أن يتم الهدم داخل هذه المنطقة التي لا مثيل لها. نظرًا لكونها تحمل نقوشًا وكتابات ورسومات لكبار الخطاطين والفنانين.

    ويضيف: “كان من الممكن نقل القبة، أو الاستفادة منها وتحويلها لمزارات. لكن في نهاية الأمر تم إسكاتنا عندما تحدثنا عن ضرورة الحفاظ على المقابر التاريخية. حيث تم تشكيل لجنة لكن تبين في النهاية أن الغرض من اللجنة هو إسكات الناس. لأنهم في نهاية الأمر قرروا التضحية بتراث مصر، من أجل محور مروري لسنا بحاجة إليه أصلًا”.

    يذكر أن موقع «باب مصر» كان قد حصل على صورًا وفديوهات قبل عملية هدم القبة بيوم تشير لعمليات نقل للتراكيب الرخامية الموجودة داخل القبة. حيث لم يتبين حتى الآن المكان الذي ذهبت إليه التراكيب الرخامية، سواء بسرقتها أو بنقلها بشكل رسمي لمكان آخر!

    ماذا حدث داخل لجنة الجبانات؟

    يذكر أن لجنة الجبانات التي شكلها الرئيس السيسي كانت قد أثبتت عدم جدوى هذه المشروعات المزمع تنفيذها بمنطقة القرافة. إذ أثبتت الدراسات أن مقترح المشروع سيوفر فقط دقيقتين لحركة مرور السيارات. لذلك رأت اللجنة ضرورة الحفاظ على موقع الجبانات مع عدم المساس بها بأي شكل من الأشكال، والتخلي عن المشروع بشكل كامل. كما اقترحت اللجنة تخصيص مسارات زيارة داخل الجبانات. مع مراعاة عدم المساس بأي من المقابر الموجودة داخل المنطقة. كما طرحت العديد من الحلول حول مشكلة المياه الأرضية «المجاري» الموجودة بالقرافة، والتي تهددها بشكل كامل منذ سنوات. إذ اتفقت على ضرورة معالجة مشكلة المياه الأرضية بشكل كامل.

    ورأت اللجنة أيضًا أنه من الضروري الاكتفاء بما تم بالمنطقة خلال السنوات الماضية، والاكتفاء فقط بالجزء الذي جرى هدمه خلال السنوات الأخيرة واستخدامه كطريق. مع عدم المساس بأي جزء داخل المنطقة، والمحافظة عليها بشكل كامل كما هي. فوفقًا لدراسة الجدوى أيضًا، فإن المنطقة باتت قادرة على استيعاب حركة السيارات بشكل كامل. وبالتالي لا يوجد أي ضرورة لاستكمال المشروع الذي كان من المزمع تنفيذه. وكانت من ضمن الاقتراحات والبدائل تخفيف الضغط على شارع صلاح سالم، وتزويد الضغط على محور الحضارات، وطريق النصر، مع توفير مسارات خدمة داخل الجبانة الجنوبية، ناحية قبة رقية دودو، باعتباره مدخلا دينيا للقادمين إلى هذه المنطقة حتى الإمام الشافعي، والإمام الليث، وغيرها من مقابر هامة داخل المنطقة. وأشار أن اللجنة لم تناقش خلال اجتماعاتها وضع الجبانة الشرقية.

    قرر أعضاء اللجنة في نهاية الأمر تقديم استقالتهم إلى رئيس مجلس الوزراء، احتجاجًا على الهدم وعدم الأخذ بالحلول التي تقدموا بها لحماية المقابر التراثية.

    اقرأ أيضا:

    إلى أين يتجه التراث؟ غضب بسبب هدم «قبة حليم» التاريخية

  • حديقة الزهرية التراثية.. تأهيل أم تدمير؟

    حديقة الزهرية التراثية.. تأهيل أم تدمير؟

    حملت الأيام الأخيرة الكثير من التخوفات بشأن مصير حديقة الزهرية التراثية بالزمالك، حيث تداول المهتمون بالشأن التراثي والبيئي منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تشير إلى اقتراب غلق الحديقة بالكامل تمهيدًا لتطويرها خلال الفترة المقبلة.

    أثارت كلمة «تطوير» قلق المهتمين، مما دفعهم للتردد على الحديقة خلال الأيام الأخيرة، خوفًا من أن تلحق بمصير العديد من الحدائق العامة التي أزيلت الكثير من أشجارها ومسطحاتها الخضراء، واستبدلت بمئات من بلاطات الإنترلوك والمسطحات الإسمنتية، مع إحاطتها بعشرات الكافيهات والمطاعم.

    من جانبه علم موقع «باب مصر» أنه قد جرى أمس الثلاثاء تسليم حديقة الزهرية التراثية للجنة جرد تابعة لرئاسة الجمهورية، تمهيدًا لإعادتها لرونقها التاريخي مرة أخرى – على حد وصف الجهات الرسمية -.

    ووفقًا لمديرة الحديقة الدكتورة إحسان الديب، فإن اللجنة المكلفة بالإشراف على عملية الجرد طمأنتهم. إذ أوضحت أن الهدف من المشروع هو إعادة الحديقة لسابق عهدها. أما بخصوص مقترحات التطوير، فقالت إنه حتى الآن لا يوجد أي رد عن هذا الأمر: «هذه الخطوة سابقة لأوانها». لكنه تم التأكيد خلال الاجتماع بأنه سيتم الأخذ بالآراء، وفتح باب النقاشات بين المتخصصين والمهتمين بملف البيئة. وأيضًا السكان المحليين وبين الجهات التنفيذية للخروج بصيغة مرضية للجميع.

    قلق وتأكيدات

    وأضافت مديرة الحديقة: لا تزال حديقة الزهرية حتى الآن تحتوي على مجموعة نادرة وفريدة من النباتات والأشجار منذ عهد الخديو إسماعيل. لكن في المقابل، نحن مطمئنون بشكل عام بسبب تأكيد المسؤوليين على عدم المساس بالحديقة التاريخية، فضلًا عن عدم وجود أي نية لإغلاقها. إذ سيسمح للجمهور بزيارتها طوال أيام الأسبوع دون أي غلق.

    المهندس محمد أبو سعدة، رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، قال إنه حتى هذه اللحظة لم يقدم للجهاز أي مشروع  حول إعادة تأهيل الحديقة التراثية، وكذلك طرق التعامل معها. حيث أكد أنه من الضروري الاستعانة برأي الجهاز كجهة استشارية عند التعامل مع الحدائق التراثية المسجلة، وهي الخطوة التي لم تحدث حتى الآن بالنسبة لحديقة الزهرية.

    ضرورة إيجاد قانون

    المحامي البيئي أحمد الصعيدي وصف قرار عدم غلق الحديقة بالـ«مطمئن»، إذ اعتبر أنه سيعزز من مبدأ الشفافية، خصوصًا أن التطوير سيكون أمام أعين الناس. لكنه في المقابل طالب بضرورة أن يكون هناك مشاركة مجتمعية كاملة لعملية رفع كفاءة الحديقة. حتى لا يتم تحويلها في نهاية الأمر لكافيهات ومطاعم.

    وأضاف: للأسف، التعامل مع الحدائق التراثية في مصر يفتقد للكثير من الأمور، أولها غياب بعض المواد الدستورية التي من المفترض وجودها. وهي المتعلقة بضرورة إيجاد قوانين موحدة للتعامل مع الحدائق العامة والأشجار. يقول: «لازم يكون فيه قانون واضح، علشان يعرف المسؤولون طرق التعامل مع الحدائق والأشجار. لأن المسؤولين مش لاقيين قوانين يقدروا من خلالها يتعاملوا مع الحدائق، وخصوصًا التراثية منها».

    ويكمل الصعيدي: من وجهة نظري لا بد من تفعيل قوانين التنسيق الحضاري وغيرها من قوانين الأجهزة المنوطة. ولكن للأسف، هذا لا يحدث على الأرض، لأنه عادة ما يتم التضحية بالأشجار النادرة لصالح الفرص الاستثمارية غير المدروسة.

    وينهي حديثه: أدعو جميع المواطنين للتردد على هذه الحدائق بصورة مستمرة. وكذلك أتمنى من الدولة الاستجابة لأية محاولة قد ينتج عنها أي تدمير أو تشويه لقيمة هذه الحدائق. مع ضرورة التأكيد على وجود تشريع موحد للتعامل مع المساحات الخضراء الموجودة داخل مصر.

    ماذا نعرف حديقة الزهرية؟

    جاء ذكر حديقة الزهرية في رسالة الدكتوراه التي قدمها الدكتور ناصر الكيلاني، بعنوان: «حدائق القاهرة في عصر أسرة محمد عليّ». إذ ذكر من خلالها أن الخديو إسماعيل قررَّ جلب هذا العدد الهائل من النباتات والأشجار من داخل أقطار عديدة. كالهند والصين وجزر آسيا الجنوبية وأواسط السودان وأمريكا الجنوبية، ووضعها داخل حديقة الزهرية. حيث بلغت النباتات التي استوردها أكثر من مليون شتلة لثلاثة آلاف نوع نباتي. وقد قام تجار متخصصون بجلبها مباشرة من مواطنها الأصلية، أو عن طريق معارض النباتات المتخصـصة التى كانت تقام في أوروبا في ذلك الوقت.

    ويضيف: صدرت أوامر بتخصيص خمس عربات من السكك الحديدية لنقل النباتات التى تم استيرادها لحدائق الأزبكية وحدها. وذلك من ميناء الإسكندرية إلى القاهرة، وكانت تنقل بدورها إلى حدائق «الزهرية» أولاً. حيث يتم أقلمتها مع الظروف المناخية والتربة المصرية قبل غرسها في أماكنها بالحدائق المختلفة. وقـد استعان الخديو إسماعيل بأشهر علماء النباتات وخبراء تنسيق الحدائق من أوروبا ليجعل مـن حدائق مصر متاحف نباتية.

    تسمية الحديقة

    أما بخصوص تسمية الحديقة باسم الزهرية، فذكر الكيلاني أن إنشاءها كان داخل موقع مخصص كمشتل للزهور، التي استعملت فـي تنسيق الزهريات، وموائد الحفلات في فترة حكم الخديو إسماعيل 1868م. وكان المهندسـون جابى ودوشان ودلشفالرى مكلفين بإنشاءها. وكانت مساحة الحديقة 49 فداناً. وفي عـام 1871م أنشأ بها مشتل وروضة الزهور، وخصصت أماكن لتربية النباتات ذات العناية الخاصة. وأقيمت بها الصوب الزجاجية المدفاة لأكثار نباتات المناطق الحارة والنباتات الورقية والمائية، واشـتملت أيضاً على صوب خشبية.

    وفي سنة 1917م، ضمت الحديقة إلى وزارة الزراعة لتكـون مركزاً لأقلمـة وإكثـار وتوزيع النباتات بين الهواة، وكذلك إقامة معارض الزهور. وقد خططت الحديقة في ذلك الوقـت بمعرفة المستر براون، والمستر ولنجهام، وأعيد تخطيطها عام 1930م، بواسطة المهندسين عبدالحميد وفا وإبراهيم ومصطفى محرم ومحمد دراز وحسانين السيد. واستمر هذا التخطيط حتى الآن. حيث أصبحت مساحة الحديقة الآن 8 أفدنة وبداخلها 4 صوب زجاجية مـساحتها 4 آلاف متر مربع. وصوب خشبية مساحتها 200متر مربع. ومن أقسام الحديقة حديقة للورد بها 150 صنفا، ومشتل للأشجار والشجيرات، ومبنى به معامل، ومكتبة للبحوث.

    اقرأ أيضا:

    مقبرة محمود سامي البارودي وقبة ومسجد «الفلكي» على قوائم الهدم خلال أيام

  • مقبرة محمود سامي البارودي وقبة ومسجد «الفلكي» على قوائم الهدم خلال أيام

    مقبرة محمود سامي البارودي وقبة ومسجد «الفلكي» على قوائم الهدم خلال أيام

    وافق وزير الإسكان شريف الشربيني على إخراج مجموعة من المدافن الفريدة داخل نطاق حي الخليفة والمقطم من سجل المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز، بعد موافقة جهاز التنسيق الحضاري. ومن أبرز هذه المدافن: مدفن الشاعر ووزير الحربية الأسبق محمود سامي البارودي، وحوش الفريق إسماعيل سليم باشا، وحوش عائلة ذو الفقار، وحوش عائلة العظم السورية.

    وحصل موقع «باب مصر» على مستند رسمي برقم 1045 لسنة 2024 يؤكد قرار الحذف الذي صدق عليه الوزير بتاريخ 16 سبتمبر من الشهر الحالي. جاء القرار بناء على ما ورد من محافظ القاهرة في 27 أغسطس الماضي بشأن توصية قدمتها اللجنة الدائمة لحصر المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز بالمنطقة الجنوبية. ومن المفترض أن يُنشر المستند -خلال الأيام القادمة- في الوقائع المصرية، ويتضمن حذف مدافن: حوش الفريق إسماعيل سليم باشا، وحوش رشوان باشا عبد الله، وحوش عائلة ذو الفقار الحكيم، ومدفن محمود سامي البارودي، ومدفن زهرة هانم، وحوش عائلة ثابت، وقبة وجامع محمود باشا الفلكي، ومدفن أحمد شفيق باشا، ومدفن إبراهيم الهلباوي، وحوش عائلة العظم السورية.

    تساؤلات حول الجبانات

    الدكتورة جليلة القاضي، أستاذة التخطيط العمراني بجامعات باريس، قالت إن هذا القرار يطرح العديد من التساؤلات، حيث كان مقررًا منذ فترة حذف 37 حوشا في المنطقة وإزالتها. لذلك، تتساءل: هل هذه هي المجموعة الأولى من ضمن الـ37 التي كان من المفترض إزالتها، أم حدث تراجع واكتفوا فقط بـ10 مباني؟

    وأضافت: للأسف، التنسيق الحضاري هو من سمح بالتفريط في المباني المميزة، لأن ذلك حدث بموافقة من جانب بعض مسؤولي الجهاز، إذ كان من الأولى لهم الدفاع عن هذه الأحواش التي قرروا شطبها.

    وأكملت: “الهدم في شارع الإمام الشافعي عمومًا غرضه تنفيذ محور مروري في المنطقة يربط بين الشرق والغرب من ناحية بحيرة عين الحياة، وصولا إلى شارع صلاح سالم، ثم طريق الأوتوستراد. هذا بالإضافة للرغبة في توسعة شارع الإمام؛ ولذلك يتم هدم وإزالة أحواش كاملة أو جزء منها لاعتراضها عملية التوسعة، ومن بينها حوش ومسجد الفلكي على سبيل المثال”.

    وعن خطورة القرار قالت: “القرار يعني تشويه القاهرة التاريخية، وتشويه الهوية البصرية للجبانات، فهذه المنطقة عرف عنها تناسق أحواشها الفريدة، وهذا النسيج يتم هدمه الآن واستغلال مساحاته. فهي المنطقة الأجمل ضمن نطاق الجبانات، وكان الأولى تنفيذ المشروع داخل المنطقة السكنية المحيطة بالمنطقة، لأنها أصلا تم بنائها بشكل عشوائي وسط المقابر، إذ استغل السكان الانفلات الأمني الذي حدث في أعقاب ثورة يناير، مما نتج عنه تكثيف عمراني شديد. لذلك كان الأولى إزالتها، وعدم تدمير الجبانات بهذه الصورة”.

    اعتراضات

    من جانبه علم «باب مصر» أن بعض من أعضاء اللجنة الدائمة لحصر المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز قد قرروا الامتناع عن الموافقة على السماح بحذف هذه المباني المميزة، إلا أنه لم ينظر إلى أي من هذه الأصوات، وتقرر في النهاية السماح بحذفها.

    اقرأ أيضا:

    إزالة ترب باب النصر لبناء «جراج» متعدد الطوابق!

    من جديد.. معاول الهدم تستأنف إزالة الجبانات التاريخية بعد وقف الدفن بها

  • بعد واقعة مطرانية ملوي.. هل يعيش التراث القبطي أزمة؟

    بعد واقعة مطرانية ملوي.. هل يعيش التراث القبطي أزمة؟

    مؤخرًا، تم تداول صور على وسائل التواصل الاجتماعي لعمليات هدم لمطرانية ملوي التراثية (تم تشييدها عام 1927) بعد أن تقرر إعادة بنائها مرة أخرى بغرض التوسعة والتجديد. عملية الهدم الأخيرة لم تكن سوى حلقة بسيطة من سلسة الفقد التي يتعرض لها التراث المصري في السنوات الأخيرة.

    واقعة مطرانية ملوي لم تكن الأولى، وربما لن تكون الأخيرة. ففي عام 2021، تم انتقاد طريقة التعامل مع دير درنكة بأسيوط، إذ اعتبرت أعمال «التطوير» وقتها تشويهًا صريحًا، لتراث قبطي بات يفقد قدرًا كبيرًا من أصالته.

    المتخصصون في التراث اعتبروا أن ما يسمى «تطوير» يتم دون أي مراعاة للقيم التي يحملها هذا التراث المتفرد، واعتبروا أن للموضوع أبعادا أخرى عديدة، من بينها «بيزنس» كبير ينتج عن هدم هذه المباني بغرض إعادة بنائها مرة أخرى وفقًا لرؤية «المقاول».

    متخصصون يشرحون

    طرح «باب مصر» الأمر على المتخصصين لتوضيح رؤيتهم حول ما يحدث، ومعرف الهدف منه، وكذلك اقتراحاتهم لتجنب ذلك في الأعمال المستقبلية.

    ذكر الدكتور عاطف نجيب، أستاذ القبطيات بجامعة القاهرة ومعهد الدراسات القبطية، أنه في مارس 2021 تم تشكيل لجنة باباوية باسم «اللجنة البابوية للعناية بالكنائس القديمة»، وكان أحد أعضائها مع مجموعة كبيرة من المتخصصين مثل: الدكتور سامي صبري، أستاذ العمارة بجامعة القاهرة وعضو اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية سابقًا، والدكتور عادل المنشاوي، أستاذ العمارة بالأكاديمية البحرية بالإسكندرية، والدكتور إسحاق عجبان، مدير معهد الدراسات القبطية، والمهندس عاطف عوض، عضو هيئة التدريس بمعهد الدراسات القبطية، والدكتور داود خليل مسيحة، أستاذ العمارة بمعهد الدراسات القبطية.

    مطرانية ملوي
    مطرانية ملوي
    لجنة على الورق!

    يضيف نجيب: “حتى الآن لم تجتمع اللجنة، ولم يفعل قرار تشكيلها. لذلك، أرى أن التراث القبطي في السنوات الأخيرة يعيش أزمة نتيجة الرغبة المتسارعة في تغيير كل ما هو قديم. كنت قد اعترضت وقت تطوير دير درنكة في أسيوط، لأن ما حدث داخله لم يكن ترميمًا بل تشويهًا. فاللجنة البابوية للعناية بالكنائس القديمة لم تنعقد لأن هناك ببساطة «فيه ناس مش عايزة اللجنة تشتغل». ولا يريدون أن نكون «الصوت العالي» لأنهم يعرفون مطالبنا وهي: ترميم المباني الأثرية والتراثية، والاحتفاظ بالمواقع التراثية. وكان من الممكن أن نكون حائط صد أمام أي تجاوز؛ لذلك لم يرد أحد أن تباشر اللجنة عملها”.

    هوية تتبدل

    يرى أستاذ القبطيات أن أزمة التعامل مع التراث القبطي تشبه أزمة التعامل مع التراث الإسلامي. يقول: «التراث بشكل عام يعيش أزمة حقيقية، وما يهم كلًا من مسؤولي الكنيسة والأوقاف هو تجديد الأماكن الدينية، دون مراعاة طابعها التراثي أو الأثري. ولا أجد لذلك سببًا. فالهوية المصرية تتبدل، وهي مهددة بصورة لم تحدث من قبل، بدءًا بالعمارة الإسلامية والمسيحية، وصولًا إلى ما يحدث من عمليات هدم لمقابر القاهرة التاريخية. ولا حياة لمن تنادي».

    وعن الاقتراحات، يرى «نجيب» أنه من الممكن الاحتفاظ بالمباني التراثية وعمل ما يشبه التوسعة للموقع. مع الاحتفاظ على أصله. يقول: “أعرف أن الكنيسة في كثير من الأحيان ترغب في زيادة الطاقة الاستيعابية للكنائس القبطية، نتيجة الرغبة في زيادة عدد الأنشطة الكنسية، وتحسين الخدمات المقدمة، ومواكبة العصر. لكن لا يجب أن يتم ذلك على حساب المواقع التراثية. فمبنى مطرانية ملوي كان من المستحيل تسجيله في عداد الآثار، نظرًا لأن قانون الآثار يتم تفسيره من جانب مسؤولي الوزارة بشكل مختلف. فشرط المائة عام فضفاض، لأن الآثار كجهة تعتبر أن المقصود بالقانون هو تسجيل المباني التي تجاوزت الـ100 عام من وقت صدور القرار؛ أي لابد أن يكون الأثر مبنيا وقائمًا قبل عام 1883، حتى يسري القرار، ومن ثم تسجيله. وبالتالي، فأي مبنى لا ينطبق عليه هذا الشرط من المستحيل تسجيله كأثر”.

    أزمة وعي

    الدكتور إبراهيم ساويرس، أستاذ اللغة القبطية بجامعة سوهاج، يرى أن سبب الأزمة هو غياب الوعي داخل المجتمع. يقول: “كلنا مقصرون، والمشكلة أن كلًا من «الآثار» كجهة و«الكنيسة» ككيان غير قادرين على التعايش سويًا. هناك معوقات كبيرة في التعامل بين الجهتين، ولذلك يجب وضع أسس لطريقة التعامل، لأن استمرار الوضع بهذا الشكل سيخلق مشكلات كبيرة”.

    ويضيف: “الأمر الثاني أننا نمتلك داخل مصر عشرات الكليات الإكليريكية، وعشرات المدارس الموجودة خارجها في مختلف دول العالم. ورغم هذا العدد، إلا أنهم غير مهتمين بتدريس التراث القبطي المادي، فضلًا عن غياب دراسة الفنون المسيحية وتطورها. لذلك ليس مستغربًا أن نجهل تطور الفنون والعمارة القبطية. وسينصلح الحال إذا ما قررنا تعليم الناس قيمة التراث القبطي. وما دام هناك جهل بقيمة ما نمتلكه، فستظل الأزمة. فعادة ما أذهب للتدريس في الكليات الإكليريكية وأنصح بتدريس التراث القبطي المادي، لكن لا أحد يستمع إليّ. القليل فقط من يستجيبوا لهذه الرؤية”.

    بيزنس كبير

    يوضح ساويرس أن الموضوع أوسع من فكرة الحفاظ على التراث، إذ يعتبر أن الأمر عبارة عن «بيزنس كبير». يقول: “هناك مبالغ باهظة تدفع في تطوير المباني الدينية، وفيه ناس كتيرة بتستفيد من العملية. لذلك، رفع الوعي في هذه الحالة صعبة جدًا وتكاد تكون مستحيلة. فقد بذلت مجهودات كبيرة، لكن هذه المجهودات لا يمكن مقارنتها بالبيزنس الذي يحدث. لأنه اقتصاد كامل، وهناك من لهم مصلحة في استمرار هذه العمليات التي يطلقون عليها اسم «التطوير». فالمبالغ التي يتم دفعها لا يمكن لأحد أن يتخيلها”.

    يتابع أستاذ اللغة القبطية: “وصلَّ الأمر في بعض الأحيان إلى الرغبة في تغيير الأيقونات القديمة التي تجاوز عمر بعضها 150 عامًا داخل الكنائس، بدعوى التطوير. أصحاب هذه المدرسة لا يريدون الحفاظ على التراث، ولا يهمهم أصلًا. ما يهمهم هو تحقيق أكبر قدر من الربح. فتغيير هذه الأيقونات مثلًا واستبدالها سيفتح باب رزق جديدا للمقاولين والفنانين. لذلك، يصبح من الضروري استبدال القديم بالحديث ما دام سيستفيد البعض من ذلك. وهذه ليست أيادِ خفية، بل أياد واضحة تمامًا كضوء الشمس.”

    ويختتم حديثه ويقول إن عملية رفع الوعي القبطي بطيئة جدًا ومعقدة؛ لذلك يرى أنه من الضروري دعمها من جانب قادة الكنيسة المصرية، وإلزام الناس بدراسة التراث القبطي، كي يحترموا خصوصية وتفرد مبانيهم الدينية التي يمتلكونها.

    اقرأ أيضا:

    تهريب المخطوطات القبطية: الطريق إلى الحلم الأمريكي 

    «طابية الدخيلة».. التفاصيل الكاملة

  • «طابية الدخيلة».. التفاصيل الكاملة

    «طابية الدخيلة».. التفاصيل الكاملة

    أثار هدم «الحوض الجاف» بطابية الدخيلة في غرب الإسكندرية، جدلا واسعا حول مصير المنطقة بأكملها، خاصة وأن الحوض يمتد تاريخه لفترة المماليك وكان جزءا من سلسلة الطوابي الدفاعية خلال حقبات مختلفة.

    طابية الدخيلة

    علم موقع «باب مصر» من مصدر مطلع داخل وزارة الآثار -فضل عدم ذكر اسمه- أن منطقة الدخيلة دخلت بالفعل ضمن مخطط «تطوير ميناء الدخيلة». وأضاف: ما جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن هدم طابية «الدخيلة» أغلبها معلومات تفتقد للدقة. مشيرا إلى أن الطابية غير مسجلة في عداد الآثار، ولم تمس حتى هذه اللحظة.

    واستطرد المصدر: الجهة المالكة للأرض سلمت الموقع لهيئة ميناء الدخيلة. ولم يكن معروفًا أن الموقع يضم منشآت أثرية. مثل: المدفعين الأثريين الموجودين داخل المنطقة. ومنطقة الحوض الجاف «الأثرية». وأثناء استلام الموقع جرى رفع المدفعين لنقلهما. لكن للأسف تم تكسير أربعة مداميك تخص الحوض الجاف الموجود بالمنطقة، لكن يمكن ترميمهم واستعادتهم مرة أخرى، ولن يتم نقلهما.

    وأضاف: بمجرد أن علمت الآثار بما يحدث تحرك المسؤولين على الفور. وتم اتخاذ القرار مع الجهات المعنية بوقف كافة الأعمال داخل المنطقة لحين التنسيق مع وزارة الآثار. ونوه بأنه سيتم ترك الحوض الجاف في مكانه، ولكن سيتم نقل المدفعين إلى منطقة «كوم الناضورة»، وفقًا لقرار كان قد اتخذ في وقت سابق.

    طابية الدخيلة
    طابية الدخيلة
    إعادة صياغة قانون حماية الآثار

    أستاذ الآثار الإسلامية الدكتور خالد عزب، شرح لنّا أهمية الطوابي التي تضمها المنطقة. يقول: “أنشأ محمد عليّ باشا مجموعة من الطوابي بدءًا من دمياط وصولًا إلى مدينة الإسكندرية. كما نالت الطوابي اهتمام الخديو إسماعيل، نظرًا لقدرتها على حماية حدود مصر. وكان لها دورًا كبيرًا في مواجهة الأسطول الإنجليزي. فالطوابي هي امتداد للأربطة، والأبراج، والقلاع القديمة”.

    وعن عدم تسجيل طابية الدخيلة في عداد الآثار، أوضح أنه كان من المفترض تسجيل جميع الطوابي الموجودة في الإسكندرية وغيرها من طوابي مواقع أثرية.

    واستطرد عزب: لن يمنع أحدًا الآثار من تسجيل مواقع ترقى للتسجيل، فقد سبق تسجيل طابية «كوسا باشا» في منطقة أبو قير، وغيرها من القلاع مثل: «قلعة صلاح الدين» في القاهرة، ولم يعترض أحد على الآثار، وتم تسجيلهم بالفعل.

    يرى أستاذ الآثار أنه من المفترض إعادة صياغة قانون حماية الآثار مرة أخرى. يقول: “نستطيع أن نقول إن مصر بأكملها أرض أثرية، فمنطقة التجمع الخامس مثلًا تضم بداخلها الغابة المتحجرة، والعديد من المواقع التي يرجح أنها ترجع لعصور ما قبل التاريخ. لذلك نحتاج لتعديل قانون الآثار ليتواكب مع متطلبات المجتمع”.

    دور وظيفي

    الدكتور محمد الكحلاوي، أستاذ الآثار الإسلامية ورئيس المجلس العربي للآثاريين العرب وعضو المجلس الأعلى للتخطيط التابع لمجلس الوزراء، تساءل: لماذا تبرر الآثار تقاعسها عن تسجيل هذه المواقع الفريدة طوال تلك السنوات؟ كل شيء يحدث الآن سببه الرغبة في التطوير، وهذا التطوير يحدث بدون دراسة وهو يتجاهل القيم التراثية للمواقع الأثرية.

    وأضاف: الآثار كجهة تعترف أن الموقع غير مسجل، لكنها في نفس الوقت لا تريد تسجيله. فهذه ليست مجرد منشآت أثرية لكنها مواقع مكتملة. أي أنه من المفترض تسجيلها كاملة فطوابي الإسكندرية كانت قد بدأت عملية تشييدها بداية من العصر الوسيط أي المملوكي وحتى العصر العثماني.

    لذلك أعتبر أن كلا من الحكومة والآثار يضللان نفسهما. ولابد من محاكمة كل من تقاعسوا عن عدم تسجيل الموقع طوال هذه السنوات. تسألني عن المدفع كونه مسجلًا ضمن الآثار؟ سأشرح لك المسألة كاملة. فالتعامل مع المنطقة يجب أن يتم وضعه في السياق التاريخي. فنقل المدافع سيقلل من القيمة الأثرية للمدافع، وأيضًا من قيمة الموقع. ووضعها داخل المنطقة كان بهدف واضح؛ وبالتالي نقلها سيلغي من قيمتها لأن الأثر مرتبط بموقعه الأثري.

    وهذه المدافع لها دورا وظيفيا، إذ كانت تستخدم كمدافع طويلة المدى من خلال وضعها على «تبة» عالية حتى لا تدخل سفن الأعداء للميناء؛ وبالتالي فنقلها من مكانها سيعد تغييرًا لوظيفتها، لأن قيمتها من قيمة الموقع التي وضعت داخله.

    اقرأ أيضا:

    تدمير «الحوض الجاف».. لكن «الطابية» لا تزال بخير!

    سلسلة عاشت الأسامي|”طابية الدخيلة” من حصن إلى “خرابة”

  • هل تتدخل الآثار لإنقاذه؟.. الجامع العمري في قوص مهدد بالانهيار

    هل تتدخل الآثار لإنقاذه؟.. الجامع العمري في قوص مهدد بالانهيار

    لعبت الصدفة مؤخرًا دورًا كبيرًا في اكتشاف واقعة تنقيب عن الآثار أسفل الجامع العمري بمدينة قوص بقنا. إذ أثبتت محاضر المعاينة الرسمية وجود احتمالية لانهيار بعض من أجزاء الجامع الذي يعود للفترة الفاطمية. وزارة الآثار بدورها اكتفت بإرسال لجان معاينة للموقع، دون أن تتخذ طوال الفترة الماضية أية إجراءات لإنقاذ الجامع الأثري.

    الواقعة الأخيرة ذكّرت المهتمين بالتراث والآثار بعمليات الهدم التي استمرت لسنوات في محيط الحمام العثماني الأثري بقنا، والتي لم تتخذ وزارة الآثار حينها أية خطوات جادة لدرء الخطورة عن الحمام الأثري أو اعتماد مشروع لترميمه. لتقرر في النهاية شطبه من عداد الآثار الإسلامية ومن ثم هدمه بشكل كامل.

    بداية الواقعة

    يحكي محمد الصاوي، مفتش آثار منطقة قوص للآثار الإسلامية (كبير مفتشين منطقة آثار قنا سابقًا) بداية الواقعة ويقول: “البداية عندما تلقيت مكالمة هاتفية من أحد المواطنين يبلغني فيها بوجود مجموعة من الأشخاص يقومون بالحفر أسفل المسجد العمري بقوص”. وقد أبلغه المتصل وقتها أن الحفر سيؤدي حتمًا لسقوط الجامع نتيجة الحفر أسفل الحائط.

    ويضيف الصاوي: قمت بالاتصال ببعض المسؤولين الذين نصحوني بالتغاضي عن الأمر. لكنني صممت على رأيي لرغبتي في معرفة حقيقة ما يجري. وبالفعل تواصلت مع الدكتور جمال مصطفى، رئيس قطاع الآثار الإسلامية، وأبلغته بالواقعة. وقرر تشكيل لجنة بعضويتي لمعاينة الوضع على الطبيعة. فعندما ذهبنا للموقع لم تظهر أية آثار للحفر داخل الجامع، لذلك قمت باستدعاء المواطن صاحب البلاغ الذي أرشدني بنفسه لمكان الحفر. وبعد المشاهدة على الطبيعة انتقلت معه إلى النيابة وبدأت أشرح لوكيل النيابة خطورة الموضوع، وحررت محضرًا رسميًا برقم 2646 إداري مركز قوص.

    محمد الصاوي، مفتش آثار منطقة قوص للآثار الإسلامية
    محمد الصاوي، مفتش آثار منطقة قوص للآثار الإسلامية

    ويستطرد: النيابة أبلغتنا بضرورة عمل معاينة من جانب المجلس الأعلى للآثار، لكن إجازات عيد الأضحى حالت دون إرسال قرار النيابة للوزارة. فضلًا عن تقاعس بعض موظفي الوزارة عن إنجاز التقرير في وقتها.

    وأكمل: فوجئت باتصال من أحد المواطنين يبلغني من خلاله أن التنقيب على الآثار عاد في نفس الموقع؛ أي أسفل حائط المسجد العمري بقوص. وهو أهم أثر إسلامي داخل منطقة قنا التي لم يتبق داخلها الكثير من الآثار الإسلامية وخصوصًا بعد أن تم شطب وهدم الحمام العثماني الأثري بقنا.

    لذلك وبصفتي مأمور ضبط قضائي بتفتيش آثار قوص توجهت في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل للموقع. وبعد أن تأكدت من واقعة التنقيب طلبت الشرطة، وبالفعل اتجهت قوة أمنية للموقع من مركز شرطة قوص، وقاموا بالقبض على شخصين وهرب ثلاثة أشخاص آخرين. وتم اصطحاب الشخصين لديوان الشرطة وتحرير محضر رقم 2646 إداري مركز قوص. وإحالتهم للنيابة العامة التي أمرت بتشكيل لجنة من المجلس الأعلى للآثار.

    استمرار الحفر

    ويتابع الصاوي: للأسف أخطأ الخطاب طريقه إلى مكتب الآثار «المصرية» بقنا وليست «الإسلامية». وبدأت أعمال المعاينة من جانب لجنة غير متخصصة في الآثار الإسلامية. إذ استخدمت اللجنة كلمات «فضفاضة» مثل أن الحفر -ربما- يكون بغرض التنقيب خلسة للآثار. رغم أنه من الواضح تمامًا أن الحفر كان بغرض التنقيب خلسة، وذلك من خلال القطع العرضي بعد النزول من المستوى الرأسي، وذلك لاستمرار الحفر بقطع أفقي للوصول في نهاية الأمر للحائط الخاص بالمسجد العمري. وقد تم هدم سبعة مداميك بالحائط الخاص بالمسجد الأثري والدخول بعد كسر الحائط مسافة لا تقل عن ثلاثة أمتار ونصف.

    ويقول: بناء على ما ذكرته من تعمد الحفر بهدف السرقة، تقدمت بشكوى للنيابة الإدارية ضد أعضاء اللجنة المشكلة. وقمت بإرسال تلغراف للنائب العام، بسبب الاستعانة بلجنة غير متخصصة. وعليه فقد شكلت النيابة العامة لجنة متخصصة من الآثار الإسلامية. مع الاستعانة بتفتيش منطقة آثار «قوص» كونها صاحب الولاية والإشراف على المسجد.

    رشح المياه
    رشح المياه

    اللجنة أقرت بوجود أعمال حفر داخل المسجد، مع وجود إتلاف لحائط الجامع. وتمت إحالة القضية لمحكمة الجنايات. لذلك أطالب من القطاع وبشكل فوري بضرورة درء الخطر عن المسجد، وبشكل عاجل. فبعد عمليات الحفر ظهرت كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي والمياه الجوفية، والتي تهدد بانهيار المنزل الموجود بداخله الحفر. وبالتالي المنازل المجاورة، وكذا الحائط المشترك بين تلك المنازل والجامع الأثري. كما أنه من الممكن ونتيجة للكسر الذي أحدثه التنقيب أن تدخل منه المياه وتتسرب إلى أرضية المسجد؛ وبالتالي انهياره بالكامل.

    ماذا نعرف عن الجامع العمري؟

    وفقًا لموسوعة مساجد مصر وأولياؤها الصالحين، فقد ذكرت الدكتورة سعاد ماهر، أستاذ الآثار الإسلامية الجامع العمري بقوص، أنه من أشهر مساجد مدينة قوص وأقدمها، فهذه التسمية لا تعني بالضرورة أنه يعود لعمرو بن العاص، ولكنها تعني أنه أقدم مسجد في المدينة نسبة إلى أن الجامع العمري بالفسطاط هو أقدم مساجد مصر. ويرجع تاريخ هذا المسجد إلى العصر الفاطمي إلا أن التغيرات والتجديدات التي أدخلت عليه أفقدته الكثير من معالمه الأصلية. فقد تم تغيير الكثير من عقوده الداخلية في إيوان القبلة من خلال العمارة التي قام بها محمد بك قهوجي سنة 1333هـ. كما أن التجديد الذي حدث للمئذنة أفقد الجامع وجهاته الرئيسية.

    كما يوجد في هذا الجامع منبر على جانب كبير من الأهمية. إذ أنه يعتبر من أقدم منابر مصر. المؤرخة فقد أنشئ سنة ٥٥٠ هجريًا، وهو من خشب الساج الهندي المحفور حفرًا بارزًا والمزخرف بالحشوات المجمعة التي بدأت تظهر في أواخر العصر الفاطمي في القرن السادس الهجري.

    وقد سجل تاريخ المنبر على لوحة تذكارية فوق باب المنبر. وفي منتصف البائكة الثالثة في إيوان القبلة يوجد محراب يرجع تاريخه إلى العصر الملوکي، وزخرفت واجهته بزخارف جصية قوامها عناصر نباتية وهندسية بديعة التكوين. وتشبه زخارف هذا المحراب زاوية زين الدين يوسف بالقاهرة وكذا المحراب المملوكي في جامع عمرو بن العاص. ويحيط بالمحراب كتابة بالخط الثلث المملوكي نصها: «إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ». وحول طاقية المحراب قوله تعالى «قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا».

    مقصورة من الخشب

    وفي النهاية البحرية للبائكة الرابعة والخامسة من إيوان القبلة توجد مقصورة من الخشب الخرط على جانب عظيم من الأهمية. فالجانب الشرقي من المقصورة باق على صورته الأولى، ويتكون من حشوات بها زخارف محفورة حفرًا عميقًا وكذا الجانب الغربي. وكذا باب المقصورة مكون من حشوات سداسية الشكل يحيط بها من أعلى وأسفل أشرطة من خشب الخرط الذي انتشر استعماله في العصر المملوكي.

    وداخل هذه المقصورة يوجد كرسي مصحف مصنوع من الخشب المصنوع بطريق الحشوات المجمعة والمطعم بالعاج والصدف. ويحيط بالكرسي شريط من الكتابة بالخط النسخ المملوكي. وتتكون الكتابة من آية الكرسي والنص الآتي: أمر بإنشاء هذا الصحف المبارك المقر الكريم العالي المولى الأميري الأجل عز الدين خليل المالكي الناصري أعز الله أنصاره محمد وآله. ومن المرجح أن يكون منشئ المحراب المملوكي بالبائكة الثالثة بإيوان القبلة؛ أي أنها جميعها ترجع إلى أوائل القرن الثامن الهجري.

    ويوجد أمام المحراب المملوكي عمود من الرخام تعلوه (طبلية) خشبية عليها نصان من الكتابة الكوفية، نقلت إلى متحف الفن الإسلامي بالقاهرة. وقد قام بتحقيقهما وقراءتهما جاستون فيت. فوجد أن الكتابة تحتوي على تاريخ سنة 473هجريًا. كما عثر على اسم سعد الدولة سارتكين المتولى قيادة الجيوش الفاطمية في ولاية قوص وثغر أسوان المحروس. لذلك أرجح أن منشئ هذا الجامع هو بدر الدين الجمال أمير الجيوش في عهد الخليفة المستنصر بالله سنة 473 هجريًا. وذلك على يد سعد الدولة سارتكين قائد جيوش المنطقة. وفي سنة 550 هجريا أمر الصالح طلائع وزير الخليفة الغائر بعمل المنبر المبارك.

    قبة المسجد

    ومن الأجزاء الهامة بهذا المسجد كذلك القبة الموجودة في الركن الشمالي الشرقي للمسجد، وهي منفصلة عن المسجد ويتوصل إليها من دورة المياه. وتقوم القبة على أربعة عقود بطلوها في الأركان صفا من المقرنصات، مما حول المربع إلى مثمن أقيمت فوقه القبة. أما من الخارج فالقبة مضلعة، ويتخلل هذه الأضلاع فتحات على شكل نجمة سداسية. وقد أنشأ هذه القبة، كما جدد بعض أجزاء المسجد مقلد بن على بن نصر. وأثبت أعماله هذه في لوح رخامي مثبت في نهاية الجدار الشرقي. نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وعلى آله نبيه الطيبين الطاهرين. أمر بتجديد هذا الجامع المبارك العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى مبارك بن كامل بن مقلد بن على بن نصر بن منقذ الناصري الفخري في شهور سنة ثمان وستين وخمسمائة).

    ويحتوي الجامع على لوح تذكاري آخر مثبت على باب الميضأة، قد نقش في وسطه شكل مشكاة. ثم كتب تحته اسم المقرئ الشيخ الصالح جمال الدين محمد التاجي، وتاريخ وفاته سنة 717 هجريًا.

    ومن الإصلاحات التي أجريت لهذا المسجد تلك العمارة التي قام بها الأمير محمد كاشف سنة 1333 هجريًا. وقد أثبت الأمير عمارته للمسجد في ثلاثة مواضع، أحدها في صحن الجامع والثاني على باب الميضأة. أما الثالث فقد ثبت على المدخل الرئيسي للمسجد. ويعتبر مسجد قوص أكثر مساجد الجمهورية احتواءً على اللوحات التذكارية التي تثبت كل إضافة أو إصلاح أو ترميم.

    اقرأ أيضا:

    «وحيد الماردنلي».. دافع عن مقابر العائلة.. ودفن بعيدا عنها

  • «وحيد الماردنلي».. دافع عن مقابر العائلة.. ودفن بعيدا عنها

    «وحيد الماردنلي».. دافع عن مقابر العائلة.. ودفن بعيدا عنها

    «وحيد الماردنلي» يبدو الاسم غريبا لدى كثيرين، لكنه ليس كذلك لدى عشاق القاهرة، والمدافعين عن تراثها وتاريخها. صاحب الثمانين عاما، الذي غيبه الموت منذ أيام، خاض – بصحبة الكثير- معركة من أجل الحفاظ على «جبانات القاهرة» التاريخية، وحاول إنقاذ مقبرة عائلته ذات الطراز المعماري الفريد، لكن حتى رحيله، لم يتحقق ما أراد، بل كانت المفارقة أن عائلته فشلت في دفنه في هذه المقبرة بالقرب من والدته، كما كان يتمنى.

    عاش الماردنلي ما يقرب من أربعين عاما، متنقلا بين المدن الأوروبية، بحكم عمله، وفي السنوات الأخيرة قرر العودة للاستقرار في القاهرة. لم يكن حلم العودة إلى المدينة كما تخيله. إذ فوجئ بما يحدث داخل الجبانات من أعمال هدم، وجد مقبرة عائلته «الفريدة» وغير المسجلة ضمن تعداد الآثار مهددة هي الأخرى لتعارضها مع أحد المحاور المرورية الجديدة المتوقع تنفيذها.

    بداية الرحلة

    ومن هنا بدأ رحلة لإنقاذ مقابر العائلة، ونسى تمامًا أن عمره قد اقترب من الثمانين، فسكن في كثير من الأوقات حوش عائلته خوفًا من اللحظة التي يذهب فيها لزيارة أمه ليجد أن قبرها قد هدم، أو سرقت بعض تراكيبه الرخامية كحال معظم المقابر المحيطة. أمسك في كثير من الأحيان عصاه لـ«يهش» بها لجان «المحافظة والحي» فأجهض محاولاتهم المستمرة لدخول الحوش والتعرف على التركيبات الرخامية الفريدة الموجودة بداخله.

    خلال هذه الفترة القصيرة تعرف “وحيد” على محبي التراث. إذ تعامل مع الجميع وكأنهم أبناؤه. دافع حتى آخر يوم في حياته عن حوش «العائلة» ولم يفوت أي فرصة، أملًا في وقف بلدوزر الهدم. حتى أدرك في أيامه الأخيرة أن محاولاته المستمرة لوقف هدم حوش العائلة ستفشل في النهاية، ورغم ذلك لم يفقد الأمل. في إبريل الماضي قرر محافظ القاهرة وقف الدفن بالمقابر الواقعة بمحور صلاح سالم، ونقل الرُفات إلى منطقة العاشر من رمضان. هنا أدرك “وحيد” أن القدر لن يمهله أكثر من ذلك، وأن الطفل الصغير عليه أن ينام بعيدًا عن أمه؛ لذلك قررت عائلته دفنه في قبر آخر يمتلكه زوج أخته بمقابر الخفير.

    «باب مصر» التقى مع رفاق الماردنلي في الدفاع عن جبانات القاهرة.. تحدثوا عن بعض من أحلامه، وحكاياته، وأسراره.

    وداعًا يا فتى أحلامنا

    تعرفت الدكتورة جليلة القاضي، أستاذة التخطيط العمراني بجامعات باريس، على وحيد الماردنلي منذ أكثر من 50 عامًا. إذ تتذكر أنها عرفته في ستينيات القرن الماضي، فلم تكن معرفتهما مباشرة، إذ لم يتقابلا إلا مرة واحدة خلال تلك الفترة.

    تقول د.القاضي: كانت شقيقات وحيد سميحة الكبرى، وشويكار الصغرى زميلاتنا في مدرسة «ليسيه باب اللوق»، والأخيرة كانت معي في نفس الفصل الدراسي منذ انتقالي من مدرسة الراهبات إلى مدرسة البعثة العلمانية الفرنسية. كان ذلك في السنة السادسة الابتدائية. لم تكن شويكار من صديقاتي، كنا على النقيض التام، هي من أسرة نزعت الملكية أراضيها تحت شعار تصفية الإقطاع، أما أنا فوالدي كان من الضباط الأحرار الذين ثاروا. إلا أننا لم نكن أعداء، وفي مرة أحضرت صورة لشقيقها، كان وسيمًا وصار فتى أحلامنا. لم أكن أتصور أننا سنلتقي بعد كل تلك السنين.

    وتكمل د.القاضي: التحق وحيد بمجموعة إنقاذ جبانات القاهرة التي أسست عام 2021، وتولى الاتصال بأصحاب الأحواش لحثهم على رفع قضايا رفضًا لإزالة أحواشهم القيمة. وكان يطالبهم بالصمود وعدم نقل الرفات، وقام بدور محوري في الدفاع عن الجبانات. وأصبح أحد فرسان المجموعة وأنشطهم، رغم مرضه وكبر سنه.

    أما دفاعه عن حوش أسرته الملكي، فيمكن القول أنه ملحمة فردية، إلى جانب لجوئه للقانون ليثبت حق الأسرة مع كل قرار يصدر، ومخطط ينشر. فقد دافع عن الحوش بجسده حتى آخر لحظة، فكان يذهب هناك، ويمكث بالأيام ويمنع دخول أيًا من اللجان التي كانت تذهب لفحص التركيبات الرخامية الثمينة تمهيدًا للاستيلاء عليها. كان وحيد يعلم أنه لن ينال أبسط حقوق المواطنة؛ أي الدفن في مقبرته العائلية. فما أقسى هذا الشعور الذي يجعلك غريبًا في بلدك. لذا مات مقهورًا محسورًا، وتركنا ونحن نجتر هزيمتنا في الحفاظ على هذا الموقع التراثي الفريد، وعجزنا عن مواساة وحيد.

    محاولات تحييد البلدوزر

    المعماري عمرو عصام انطلق من الأمثال الشعبية كجزء من الحكاية عن وحيد بك. يقول: «كل واحد ليه نصيب من اسمه». فهذا المثل المصري الأصيل عادة ما نُردده عندما نصادف هؤلاء ممن تتوافق سماتهم الشخصية مع أسماءهم. فتجربتي الشخصية تتفق بدرجة كبيرة مع هذا المثل إلا من بعض الاستثناءات القليلة، والتي كان من بينها المرحوم وحيد الماردنلي أو وحيد بك كما اعتدت أن أناديه واعتاد هو أن يسمع مني.

    تعرف «عصام» على وحيد بك في خريف 2021م من خلال مجموعة إنقاذ جبانات القاهرة التاريخية، والتي تكونت بشكل تطوعي تمامًا. وعبر ثلاث سنوات متواصلة – وبجد وتجرد شديدين – لا تزال المجموعة تحاول وتقاوم بكل الطرق والمسارات السلمية توثيق التراث الجنائزي المتفرد وتسليط الضوء على حتمية الحفاظ على هذا المكون التراثي الهام باعتباره جزءا أصيلا من التراث المصري بشكل عام.

    ويقول: لم يكن وحيد بك «اسمًا على مسمى» كما يُخبرنا المثل المصري الأصيل، بل بالعكس كان مُحاطًا دائمًا بأناس وأصدقاء من أعمار متباينة وخلفيات متعددة. حكى لي عن تجربته الطويلة في ألمانيا ومتى شعر بضرورة العودة إلى مصر. وعن تاريخ ومدفن عائلته الممتد منذ منتصف القرن التاسع عشر وما يجسده من قيم معمارية وفنية وجمالية.

    مشكلة الجبانات

    واستطرد حديثه: جمعنا أكثر من لقاء، وتناقشنا مرات عديدة. كنا نتفق مثلًا على جوهر مشكلة الجبانات باعتبارها مشكلة مؤسسية وهيكلية في الأساس نتيجة تداخل العديد من الجهات فضلًا عن تضارب المهام والاختصاصات. كان مثلي يؤمن بأن الإصلاح عملية طويلة ومعقدة في بلادنا، لذا كانت خطواته حثيثة وثابتة بدءًا من اللجوء إلى القضاء المصري للحفاظ على مدفن عائلته وما يحمله من قيم وما يمثله من أهمية وانتهاءً بالإجراءات القانونية التي اتخذها قبل وفاته بشهور قليلة لتأسيس جمعية أهلية للحفاظ على الجبانات. والتي دعاني إلى الانضمام لهيكلها التأسيسي.

    كان يفكر ويعمل بشكل مؤسسي وجماعي، وليس كأحد ملاك المدافن أو الأحواش ينظرون تحت أقدامهم، ولا يهمهم من القضية برمتها إلا إنقاذ رفات عائلاتهم وتحييد البلدوزر بعيدًا عن ممتلكاتهم الخاصة. على النقيض من ذلك كان وحيد بك يعمل مع الكل من أجل الكل، ضاربًا لنا جميعًا المثل في الإيثار والتجرد وضرورة التآلف من أجل المصلحة العامة لهذا الوطن.

    وحيد الماردنلي بصحبة الدكتور مصطفى الصادق
    وحيد الماردنلي بصحبة الدكتور مصطفى الصادق
    أمنية لم تحدث

    يحكي الدكتور مصطفى الصادق، أستاذ الطب المتفرغ بقصر العيني والمهتم بتاريخ وتراث جبانات القاهرة التاريخية، عن بدايات تعرفه على «الماردنلي» فقد تقابلا في ديسمبر عام 2021 وتحديدًا منذ أن بدأت مشكلات هدم المقابر. يقول: “كان وحيد بك مسؤولًا عن مقبرة عائلته التي تعود لجده محمد باشا فاضل الدراملي. فكنت دائمًا ما أتردد على مقبرته، وأتمنى زيارتها والدخول إليها. فقد عاش الراحل طوال عمره متنقلًا بين العواصم الأوروبية بسبب طبيعة عمله، وكنت دائمًا ما أجد صعوبة في الدخول للمقبرة بسبب امتناع حراسها. لذلك طلبت منه دخول المقبرة، وسمح لي بزيارتها، ووجدت بداخلها ما يقرب من ثماني تركيبات رخامية في غاية الجمال.

    ويضيف الصادق: كان لطيفًا معنا دائمًا، فعندما بدأت مشكلات المقابر، بدأنا حملة للدفاع عن جبانات القاهرة. وقام بدوره برفع قضايا لوقف الهدم، فحوش عائلته يتعارض مع التوسعات المرورية التي تريد الحكومة تنفيذها. وهذا الأمر يثير عندنا الكثير من الأسئلة، لأنها منطقة غنية جدًا بالمقابر الهامة، فبجوار حوش عائلته يوجد قبر قاسم باشا فهمي، وقبر محمد باشا راتب ساردار الجيش المصري. وبجواره قبر فاطمة الشامية زوجة شريف باشا الكبير، وبالقرب من قبرها مقابر عائلة العظم، وهي تنتمي لأول رئيس لجمهورية سورية بعد الاستقلال.

    لذلك كانت إحدى أمنياته أن ينجح في الدفاع عن قبر عائلته، ورغم سنه إلا أنه لم يدخر أي جهد في الدفاع عنها، فعالج مثلا مشكلة المياه الجوفية الموجودة بالحوش، وتمنى أن يدفن بالقرب من قبر أمه، لكن مع الأسف الشديد، فقد منع الدفن في هذه المنطقة، تمهيدًا لهدمها، واضطر أخوه أن يدفنه في مقابر عائلة زوج أخته، بمقابر الخفير.

    «الباشا الأخير»

    سارة حسن الباحثة في تراث جبانات القاهرة تبدأ حكايتها عن «عم وحيد» كما تحب أن تناديه دومًا من النقطة التي تنتهي منها حكاية مصطفى الصادق. إذ تتحدث عن مشاهد توديع الماردنلي فتقول: في مراسم الجنازة، تدخل أحد الرجال فجأة مقاطعا آخر دعوات الشيخ الأزهري. كان الرجل وقتها متلهفًا عاجزًا عن كتم المحبة؛ ليسرد الرجل دعوات من صميم معرفته الشخصية بالباشا الأخير، وحيد عبداللطيف الماردنلي، ساردًا إياها بصدق باكيًا بحرقة ومبكيًا الجمع معه. وأخذ التأمين على دعائه يرتفع إلى السماء، كأن ذلك الدعاء صيغة إفصاحٍ وإخبار وليس دعاءً يستمطر الرحمات فحسب، دعاء مبرزًا أهم سماته. وهي إدخال السرور على قلوب الناس، وكلمة آمين هي التأكيد من الحضور الشهود على ذلك.

    وتضيف: بانقضاء الجنازة وكافة المراسم، وقفت مع ابنة أخرى من عداد أبنائه وبناته الشغوفين بالقاهرة التاريخية وهي ياسمين كريّم. فقد كان يُخيل إليَّ أن كل رسالة أراد أن يخبرني بها قيلت وطويت وقد انقضى زمنها. فإذ بها تخبرني أنه اعتاد الحكي لها في كل مكالمة عني بافتخار، مزكيًا أمرًا أقوم على إنجازه، ولم أكن أعلم قط أنه انتبه إليه.

    نظرت نحو المدفن، القائم على حواف ترب الغفير، وأنا أقول في ذهني، رحمة الله عليك من يشيع من؟ ترافقنا بكلماتك الطيبة وتشجيعك إلى دروب الحياة، عقب تشييعنا لك إلى بوابة العالم الآخر.

    تشاركنا الاهتمامات سويًا

    يتحدث المصور الفوتوغرافي كريم بدر عن الاهتمامات المشتركة التي اكتشفها حين التقى بالماردنلي. يقول: “عاد وحيد بك من ألمانيا بعد أن عمل هناك لمدة أربعين عامًا ليحافظ على تراث عائلته العريق. كان صديقًا لكل محبي التراث والحكايات، فتح بيته، ووقته لكل محبيه وأصدقاءه من الشباب الذين داوموا على زيارة منطقة قرافة الإمام الشافعي. حيث يقع هناك مبنى ومدفن عائلته والذي أسسه جده الأكبر محمد فاضل باشا الدراملي في منتصف القرن الـ19. لكن على جانب آخر كان لي حظ التواصل معه في مواضيع أخرى متعددة. عرفت منه مثلًا أن عمه كان الصحفي الشهير توفيق الماردنلي والذي توفي شابًا. كثيرًا ما ذكر اسم عمه في مجتمعات محبي الموسيقى والفن، حيث كان صديقًا لعبدالوهاب، ونجيب الريحاني.

    كما تشاركنا أنا ووحيد بك صورًا لبعض مقتنياتي من الصحف القديمة التي جاء فيها ذكر تاريخ عائلته. وتشارك معي بدوره صورًا لمقتنياته من وثائق، وصور، وأراشيف عن أصدقاء عمه من أهل الفن. كما أخبرني أن عمه هو من أقام التعارف بين محمد عبدالوهاب، والمخرج محمد كريم. وبناء عليه تم تصوير فيلم «الوردة البيضاء» وهو أول أفلام عبدالوهاب والذي تم تصوير أجزاء منه داخل عزبة عائلة الماردنلي”.

    ويضيف كريم: كان الراحل رجلًا دمث الخلق، عالي الذوق، مهذب الحديث. وكان من المدافعين عن التراث الثقافي لمنطقة قرافة الإمام الشافعي في مواجهة مشاريع تهدد قيمتها التاريخية.

    خسارة فادحة

    عرف إبراهيم طايع وهو الباحث في تراث الجبانات وحيد بك الماردنلي منذ بداية أزمة الجبانات التي شهدتها منطقة القرافة خلال السنوات الأخيرة. فكان دائمًا ما ينادينه بلقب «الصعيدي الجدع». يقول: “عرفته شخصية جميلة ومحترمة وترسم البسمة على وجوه «كل اللي بيقعد معاه» فقد كان يتميز بخفة الظل، بجانب شخصيته القوية، فهو محارب شرس في الحق. وهذا ما ظهر في دفاعه عن التراث ووقوفه ضد الهدم والإزالات في القرافة ورفضه ما يحدث. فقد رفع عدة قضايا لمنع هدم حوش جده محمد فاضل باشا الدراملي”.

    أما عن آخر أمنياته يقول طايع: “كانت أمنيته قبل وفاته، هو أن يدفن في حوش جده في المكان الذي أحبه وحافظ عليه. فقبل وفاته بشهور قام بأعمال ترميم، وردم وشفط للمياه الجوفية، بجانب زراعة حديقة المدفن، وهذا كله على نفقته الشخصية”.

    كما كان ينوي تأسيس جمعية للحفاظ التراث، وكانت ستضم محبي التراث، ولكن لم يمهله القدر استكمالها. ففي أيامه الأخيرة كان يعاني من مشاكل صحية دخل على إثرها المستشفى. لكن هذا لم يمنعه من الاستمرار في قضيته الرئيسية وهي الدفاع عن مقابر عائلته. فقبل وفاته بأيام جمعتني مكالمة تليفونية تحدث إليّ عن القضية التي رفعها لإنقاذ الحوش من الإزالة. وعن مدى حزنه مما يحدث، وإصراره على استكمال ما بدأه حتى آخر لحظة من حياته. لذلك فقد خسرنا بوفاته شخصا محبا للتاريخ والتراث.

    الحارس النبيل

    ترى المعمارية سالي رياض أن التراث الحضاري المصري فقد حارسًا استثنائيًا برحيل وحيد بك. تحكي سالي عن بداية تعرفها على الماردنلي. وتقول: “التقيت وحيد عبداللطيف الماردنلي في رحلة توثيق جبانات القاهرة التاريخية. التي كان له دورا محوريا في محاولة الحفاظ عليها بالوسائل القانونية والحراك المجتمعي. فقد كان من أهم حراس القاهرة التاريخية. فكلما تجولنا أشار لنا إلى أناس مروا من هنا، وكأنه عاش ألف عام، فقد احتفظ بذاكرة حاضرة، رغم تجاوزه سن السبعين. فهو يحفظ الأسماء، والأنساب، والسير الذاتية. فقد عاش رحال طاف العالم شرقًا، وغربًا، وشمالًا، وجنوبًا. وظلت هويته المصرية هي السمة الواضحة فقد كان خفيف الظل وحازم الرأي، معطاء. فإذا بدأ معركة لن يسلم الراية البيضا أبدا. ظل في السنوات الأخيرة يحارب من أجل الحفاظ على المقابر التاريخية الفريدة”.

    وتضيف: يظل وهج شخصية وحيد بك الماردنلي ممتدا، فالجانب الإنساني جعل علاقتنا ممتدة. كان يلقبني ويقول لي«ابنتي» فأنا برحيله فقدت أبًا، وصديقًا، نقيًا، وأنا دائمًا سأظل ممتنة لتلك المحبة التي غمرتني. إلا أنني أشعر بغصة بسبب خبر الرحيل. فقد مرَّ الوقت ثقيلًا، وبدت مراسم الوداع ثقيلة علينا جميعًا، وسيشهد الله علينا في النهاية سيشهد أنه حاول حتى آخر نفس من أنفاسه.

     الماردنلي أمام حوش عائلته
    الماردنلي أمام حوش عائلته
    من هو وحيد الماردنلي؟

    ولد في التاسع من يناير 1946 بحي جاردن سيتي بالقاهرة، فهو ابن للسياسي المصري والبرلماني عبداللطيف الماردنلي، أحد أعضاء حزب الوفد. تعرض للاعتقال بعد ثورة يوليو 1952. أما أمه فهي السيدة ليلى هانم إبراهيم فاضل الدراملي.

    أما عن مقبرته فهي تعود لجد الأسرة «محمد فاضل» باشا الدراملي حاكم الصعيد لمدة عشرين عامًا. وصاحب القصور في قنا، هو ابن أحمد أغا الدراملي أحد قادة الجيش مع إبراهيم باشا بن محمد علي. وهو حفيد محمود باشا الدراملي آخر والي عثماني على اليونان، وحفيد السلطان العثماني أحمد الثالث. وفي هذه المقبرة دفنت السيدة نفيسة هانم بنت محمد فاضل، وهي والدة خديجة هانم الدراملي حرم محمد سعيد باشا ذوالفقار رئيس الوزراء. ووالدة الفنان التشكيلي محمود سعيد رائد فن المدرسة المصرية الحديثة في الفنون التشكيلية، وزينب هانم ذوالفقار أم الملكة فريدة.

    تبلغ مساحة المقبرة التاريخية 900 متر، وتضم 300 شجرة. أما شواهد القبور بداخلها فقد تميزت التراكيب الرخامية بداخلها بفنون الخط العربي لكبار الخطاطين مثل حافظ زكي، وسيد إبراهيم.

    اقرأ أيضا:

    موقع أثري أم مباني أثرية.. هل تُلبي لجنة «القلعة» طلبات المستثمر؟

باب مصر