باب مصر

الكاتب: شهاب طارق

  • ملف| «جليلة القاضي».. 75 عاما في مواجهة القبح

    ملف| «جليلة القاضي».. 75 عاما في مواجهة القبح

    لا يمكن اختزال د. جليلة القاضي – احتفلت أمس بعيد ميلادها الخامس والسبعون – في كونها فقط أستاذة للتخطيط العمراني بجامعات باريس. لكنها -أيضا- أديبة، وسياسية، ومفكرة، وصاحبة «نكتة»، والأهم من هذا كله أنها صديقة حقيقية لكل من اقتربوا منها.

    لا تكرر جليلة أبدًا حكاياتها مرتين، فهي تحمل معها الكثير من القصص والحكايات التي تتعرض لها عادة صدفة في حياتها الممتدة بين باريس والقاهرة، والتي عادة ما تنقلها بأسلوبها عبر صفحتها الشخصية على «الفيسبوك». وفي المقابل تعرضت جليلة خلال رحلتها الممتدة في الدفاع عن القاهرة للكثير من الذكريات المزعجة لكنها لم تعرف اليأس أبدًا خلال هذه الرحلة فقد اعتبرت دائمًا أن الدفاع عن القاهرة «واجب مقدس» لذلك نجحت محاولتها في الحفاظ على جزء كبير من هوية المدينة التي ترى أنها تتبدل يوميًا.

    ***

    تقول دائما إن إيمانها بمبادئ ثورة يوليو أيضًا دفعها لرفض كافة أشكال الظلم، وقد تولد هذا الإحساس لديها نتيجة إحساسها بالظلم الذي تعرضت له والدتها بعد انفصالها عن والدها. تقول: «تنامى هذا الإحساس داخلي، ودفعني لأكون إنسانة ثائرة ومتمردة بشكل دائم؛ متمردة على عدم المساواة، وعلى كافة أشكال الظلم الاجتماعي؛ لذلك تبنيت الأفكار الاشتراكية في نهاية الأمر».

    ترى جليلة دائمًا أن المخطط العمراني لا بد أن يكون على دراية تامة بالسياسة والاقتصاد وأن يشتبك بشكل كامل مع واقعه، فهي تدرك تمامًا أن العمران ليس ماديًا فقط بل أسلوب حكم، لذلك فقد مارست التخطيط من منطلق كونه «قضية»، واعتبرت الأمر جزء من نضالها. فهي تعتبر أن فساد العمران جزء من فساد الحكم. لذلك فقد فتح التخطيط العمراني لها آفاقًا جديدة. «شعرت أنني وجدت ما كنت أبحث عنه، وقد أشبع التخطيط رغبتي الأساسية في ممارسة السياسة، فالمخطط العمراني لا بد أن يكون على دراية تامة بالسياسة والاقتصاد وأن يشتبك معهم، ومن الضروري أن يكون له توجه سياسي كامل، نظرًا لنوعية المشروعات التي يقدمها لمجتمعه. فهو إما ينفذ مخططًا لخدمة مصالح رؤوس الأموال العقارية والمستثمرين، وإما ينفذ مخططًا لتحقيق عدالة مكانية للصالح العام».

    هنا نحتفل في هذا الملف مع أصدقاء جليلة بعيد ميلادها الخامس والسبعون. حول رحلتها ومشوارها مع الفن والأدب والعمارة والتخطيط. يتحدثون معنا عن صداقتها وأسرارها وحكايتها الممتدة.

    اقرأ أيضا:

    جليلة القاضي: المتمردة الساخرة

    أمنية عبدالبر تكتب: جليلة، أستاذتي وصديقتي

    د.داليا الشرقاوي تكتب: علمتني الجرأة في التجوال

    جليلة القاضي.. ضد التيار

    كريم بدر يكتب: السيدة الأنيقة

    طارق المري يكتب: الجليلة بنت القاضي

    مونيكا حنا تكتب: «جليلة».. مثلي الأعلى

    عمرو عصام يكتب: لمصر لا لجليلة

  • بين دمشق والقاهرة: أين دفنت السيدة زينب؟

    بين دمشق والقاهرة: أين دفنت السيدة زينب؟

    أقيمت مؤخرا ندوة بدار المرايا تحت عنوان: «السيدة زينب: حي الأساطير والوقائع والتاريخ الملتبس»، والتي قدمتها الدكتورة زينب أبو المجد، أستاذة تاريخ الشرق الأوسط بجامعة أوبرلي. تهدف الندوة إلى استكشاف جوانب جديدة من حياة السيدة زينب، والبحث في الروايات المختلفة المتعلقة بمكان وفاتها ودفنها.

    إشكاليات

    وخلال الندوة، قالت أبو المجد إن هناك العديد من السرديات حول وفاة السيدة زينب، منها رواية تقول إنها دفنت في دمشق، وأخرى في القاهرة. فقد تعايشنا دائمًا مع التاريخ الملتبس والروايات الكثيرة التي زعمت وجود السيدة زينب في القاهرة ودمشق. لذلك أردت البحث عن إجابة حول هذا السؤال للتعرف على سبب الالتباس الذي يزعم أنها مدفونة هنا وهناك.

    وتتابع: هناك إشكالية أخرى، وهي أن مصر دولة سنية، لكن عدد المنشآت التي تعود لآل البيت بداخلها كثير. ولذلك فإن تعاطي المسلمين السنة مع منشآت آل البيت لا يختلف كثيرًا عن تعاطي الشيعة معها، فيما عدا فكرة مجالس الحسينيات والزينبيات ومثل هذه الممارسات التي تتم في العراق ولبنان وإيران. فالألغاز والحكايات التي تحوم حول السيدة زينب تتجاوز تاريخ المسجد والمنطقة كلها. إذ أن قبر«زينب» يقع كبناية إشكالية في قلب صراع الماضي والحاضر.

    ففي مصر يمكن دراسة المقام من مداخيل عدة كالعادات والثقافة الشعبية، أو من خلال التعرف على التاريخ المعماري للمقام والمسجد، أو تحليل المجتمع المحلي والسكان المجاورين للمقام. وهذه كلها مداخل مهمة، لكن بشكل شخصي، فأنا مهتمة بمدخل التاريخ السياسي للمقام، الذي يمد خيطًا بين أحداث جرت في سنة 62 هجريًا، أي تاريخ وفاة السيدة زينب، وأحداث تجري اليوم في عصرنا الحالي.

    كتابات المقريزي

    وتستطرد أبو المجد: لم يقم المقريزي في كتاباته بذكر مقام السيدة زينب ضمن المزارات التي كتب عنها في خططه. فقد جاء المقريزي بعد ثمانية قرون من وفاة «زينب». بينما تحدث عن مشاهد السيدة نفيسة والسيد زين العابدين. يخبرنا مثلًا عن قصة مقتل الحسين، لكنه لا يذكر أن «زينب» جاءت إلى مصر. وبالتالي لم تكن المنطقة الموجودة اليوم تعرف باسم «السيدة زينب»، بل كان اسمها هو «خط السباع». وقد أنشأ الظاهر بيبرس في هذه المنطقة قناطر منقوشة بسباع من الحجارة، لذلك سميت بهذا الاسم. وقبل ذلك، عرف الحي باسم «الحمراء القصوى». أي أن المقريزي لم يذكر عنها شيئًا، ولو كان الفاطميون يعرفون أنها في مصر لكان الأولى لهم بناء مقامًا لها.

    أما بالنسبة للجبرتي، الذي عاصر فترة الحكم العثماني في مصر، فيخبرنا أن أول من فكر في بناء مقام خاص بالسيدة زينب كان الأمير المملوكي عبد الرحمن كتخدا سنة 1760 ميلاديًا؛ أي بعد ألف عام من وفاتها. وبعد ذلك، جرى ترميمه على مدار السنوات التالية. لكن الشاهد هنا أن المنطقة حتى وقت الجبرتي لم تعرف باسم السيدة زينب، إذ كان اسمها أيضًا قناطر السباع، تمامًا كما ذكر المقريزي.

    وبعد مائة عام من ذكر الجبرتي، جاء علي باشا مبارك وأطلق على القناطر في كتاباته اسم قناطر «السيدة»، وعرف الشارع باسم السيدة زينب. لكن حين تحدث الجبرتي عن تاريخ إنشاء الضريح ذكر أنه قد تم تنفيذه في فترة لاحقة على وفاة المقريزي. بينما تحدث أيضًا علي مبارك عن محاولة الدولة خلال عهد أسرة محمد علي باشا في إدماج الحي مع الأحياء الأخرى الموجودة داخل القاهرة، وضبط سكان الحي بعد أن ازدات أهميته بالنسبة للدولة.

    د. زينب أبو المجد
    د. زينب أبو المجد
    طقوس شعبية

    وتضيف أبو المجد: بخصوص تاريخ بناء مسجد السيدة زينب في دمشق فهو على نفس الدرجة من الضبابية، فالمقام موجود في ريف دمشق. ويقال إنه جرى بناءه سنة 500 هجريًا، أي بعد أكثر من أربعة قرون من وفاتها. فإنشاء المقام جاء بعد زوال العصر الفاطمي، وبالتالي، فإن الفاطميين الذين حكموا دمشق والقاهرة لم يهتموا ببناء مقام لها في مصر أو الشام. وفي سنة 1367 ميلاديًا، أوقف نقيب الأشراف في الشام ما يملكه من أوقاف لتجديد المقام. وتمر خمسة قرون أخرى في الشام، ويأتي رجل اسمه السيد موسى، فيبني حائطًا حول المقام. ثم قرر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني إعادة بناء قبة المقام. إلى أن بدأ المسجد في خمسينيات وستينيات القرن الماضي يأخذ الشكل الذي هو عليه الآن؛ أي عندما قام الأثرياء والتجار الإيرانيون بإعادة ترميمه وزخرفته وتوسعة الصحن.

    وتكمل: خلال الحكم البعثي العلماني لسوريا، توسع المقام بشكل أكبر، وتزايد عدد سكان المنطقة، وفتح حافظ الأسد المقام للحجاج الشيعة لزيارته سنويًا، وظهر ذلك جليًا عقب الثورة الإيرانية في الثمانينيات، وأيضًا خلال عهد بشار الأسد. وقد تطورت الطقوس الشيعية والاحتفالات في أعقاب الثورة السورية ومع استعانة بشار الأسد بالإيرانيين.

    روايات مختلفة

    وتستطرد أستاذة تاريخ الشرق الأوسط: لمعرفة أصل القصة حول مكان دفن السيدة زينب، سواء في الشام، أو القاهرة، أو غيرهما من المدن، يجب العودة أولًا لسنة الوفاة؛ أي سنة 62 هجريًا. فقد أصر الحسين على اصطحاب سيدات آل البيت إلى الكوفة، وخرجت معه أخته زينب بنت علي. وهناك حاصر عسكر يزيد الحسين وآل البيت في كربلاء وقتلوا كل الرجال، وأخذوا النساء والأطفال إلى قصر يزيد. أي أن هناك عاما كاملا عاشته السيدة زينب في ظل هذه الظروف ما بين عام 61 هجريًا وتاريخ وفاتها 62 هجريًا.

    تختلف الروايات، فهناك من يقول أن مواجهة حادة حدثت بين «زينب» و«يزيد» بعد أن وصلت إلى بلاطه في دمشق، وأنها أرسلت لحريم القصر. وجرى تخصيص جنازة للحسين هناك وبكته هي وسيدات بني أمية. ثم ذهبت للمدينة أي وسط أهلها من الهاشميين، وتوفيت هناك وسط أهلها بالمدينة المنورة. وهذه الرواية تتفق مع المنطق، لكن المعضلة أن منطقة البقيع لم يكن معروفا بداخلها قبر للسيدة زينب.

    أما بالنسبة للرواية الثانية، فهي تقول إن زوجها عبد الله بن جعفر كان على علاقة جيدة بالأمويين، وكان له بستان قرب دمشق، وأن زينب ذهبت معه هناك ودفنت بالقرب من البستان، أي في ريف دمشق. وربما يكون هو الموضع نفسه الذي بني فيه المقام بعد وفاتها بنحو ربعمائة عام بدمشق. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الدافع وراء عودة السيدة زينب مرة أخرى إلى دمشق التي حكمها يزيد؟ فهذه الرواية لا تتفق أبدًا مع المنطق.

    مكانة «زينب» السياسية

    وتكمل أبو المجد: هناك رواية أخرى ثالثة تقول إن السيدة زينب عندما عادت إلى المدينة مرة أخرى أخذت تحرض الناس على يزيد؛ وبناء عليه، طلب يزيد من والي المدينة أن يخلصه منها، فأرسلها إلى مصر في الفسطاط وأسكنها في منطقة الحمراء القصوى. ويقال إنها دفنت في بيت مسلمة بن مخلد، وهو أحد الأنصار لكنه انحاز لصف معاوية وكان واليًا على مصر. لكن المعضلة الأخرى هي: لماذا لم يوضع لها شاهد قبر يحمل اسمها إذا كانت قد توفيت بالقاهرة؟ ولماذا لم يبنٍ لها الفاطميون ضريحًا كما فعلوا مع أخيها الحسين؟ ولماذا انتظروا طيلة هذه القرون الطويلة لبناء ضريح لها؟ لذلك، فالإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن حلها أبدًا.

    فضلًا عن وجود مسألة أخرى، وهي: ما الأهمية السياسية لزينب حتى يصبح مقامها مثارًا لهذا الجدل في دمشق، وبخاصة أن هناك اهتمامًا كبيرًا من شيعة إيران، ولبنان، والعراق؟ فمكانة السيدة زينب السياسية تنبع في الأساس من كونها قد اصطحبت أخاها الحسين في المسيرة التي انتهت بقتله. وقد صحبته بدون زوجها أو أولادها، رغم رفض زوجها عبد الرحمن بن جعفر لهذه المسيرة. ولمَا حملت أسيرة لدمشق، حاول رجل أخذ أخت لها غير شقيقة تدعى فاطمة كجارية. وهنا حدث سجال بين زينب ويزيد وفقًا لما ذكره الطبري في كتاباته. وقد ألمحت له أنه بهذه التصرفات قد خرج من الدين، وهنا غضب عليها وقال لها إن من خرج عن الدين هم أبوها وأخيها؛ أي عليَّ وحسين. لذلك، فهذه هي مكانة زينب السياسية. فنتيجة لهذا الحديث الذي أضاف له علماء الشيعة فيما بعد المزيد والمزيد من التفاصيل والحكايات. إذ حولوها في نهاية الأمر إلى خطبة عصماء.

    وتختتم «أبو المجد» حديثها وتقول: “أكبر الألغاز حول السيدة زينب هو قبرها، لكن بالتأكيد هناك الكثير من الألغاز الأخرى والأساطير التي تخلط الواقع بالخيال. وهذا ما سأعمل على تفسيره خلال الفترة المقبلة”.

    اقرأ أيضا:

    «دوريس أبو سيف» في القاهرة.. عن الفن الضائع والمدينة التي تأكل نفسها

  • في ختام «عمارة البلد».. خبراء ومتخصصون يقدمون الإجابة: ما بدائل الهدم داخل المدينة القديمة؟

    في ختام «عمارة البلد».. خبراء ومتخصصون يقدمون الإجابة: ما بدائل الهدم داخل المدينة القديمة؟

    تصوير: أحمد طه

    ضمن ختام فعاليات حملة «عمارة البلد هوية لا تستحق الهدم» أقيمت، أمس، ندوة بعنوان «تراث المدينة» والتي نظمها موقع «باب مصر» بمبنى قنصلية بالقاهرة.

    الندوة التي قدمها الصحفي محمد شعير، رئيس تحرير موقع «باب مصر»، استضافت كلًا من الدكتورة جليلة القاضي، أستاذ التخطيط العمراني بجامعات باريس، والدكتور عباس الزعفراني، عميد كلية التخطيط العمراني الأسبق، والدكتور مصطفى الصادق، الباحث في تاريخ الجبانات، والدكتورة أمنية عبد البر، المهندسة المعمارية والمرممة.

    ختام حملة عمارة البلد هوية لا تستحق الهدم
    ختام حملة عمارة البلد هوية لا تستحق الهدم

    الدكتورة جليلة القاضي أستاذة التخطيط العمراني تحدثت عن بعض المشاهدات بين مدينتي القاهرة وباريس. وتحديدًا القاهرة الخديوية. تقول: “إذا كنا نعتبر أن من بنى القاهرة القديمة أصله «حلواني» إذن فمن بنى القاهرة الخديوية هو في الأصل «فرنساوي». فكثير من أحياء القاهرة الخديوية خططتها مهندسون فرنسيون، كما أن هناك العديد من المهندسين المعماريين الفرنسيين قد ساهموا في معمار المدينة. إذ أشرفوا على عملية تصميم العمارات السكنية في كلًا من باريس والقاهرة. وهذا ما نلاحظه بالنسبة للتشابه بين النمطين المعماريين واللمسات الفنية المستخدمة في باريس والقاهرة”.

    تأثيرات متبادلة

    وتضيف جليلة: “بسبب هذا التشابه ظهرت العديد من العناصر المعمارية والتأثيرات المتبادلة من مصر القديمة. إذ انعكس ذلك بالفعل على العناصر المعمارية التي تزين الميادين العامة في باريس. بالإضافة إلى انتقال هذه التأثيرات لأسماء الشوارع هناك. فكثير من أسماء الشوارع جرى تسميتها بأسماء مصرية. نجد مثلًا أنه في باريس يوجد ميدان وممر يحملان اسم القاهرة، وشارع باسم «أبو قير» وآخر باسم «النيل». وهذا دليل على وجود تأثيرات متبادلة بين المعماريين الفرنسيين ومدى إعجابهم بمدينة القاهرة خلال تلك الفترة”.

    خلق رأي عام مجتمعي

    وتكمل: قضية تراث منطقة وسط البلد بالنسبة إليَّ يختلط عادة فيها الذاتي بالموضوعي، وهي تتعدد عبر مستويات متعددة. بداية بالمستوى المعيشي، والمهني، والأكاديمي. فقد حرصت على رصد التغيرات والتطورات التي جرت داخل القاهرة وباريس. إذ أعمل دائمًا على توثيق تراث المدينتين في محاولة مني لخلق رأي عام مجتمعي للحفاظ على هذا التراث. أما على المستوى الأكاديمي والمهني فأعمل على نقل المعرفة وخلق جيل قادر في التعرف على تراثه. أما على المستوى المجتمعي فنشر الوعي بقيمة التراث أصبح ضرورة ملحة في هذه الفترة.

    ختام حملة عمارة البلد هوية لا تستحق الهدم
    ختام حملة عمارة البلد هوية لا تستحق الهدم د. جليلة القاضي
    اعتداءات مستمرة

    وبخصوص مقترحاتها للقاهرة قالت إن القاهرة الخديوية لابد أن يتم تحسين الفراغ العام داخلها من خلال إنشاء محاور للحركة. فضلًا عن ضرورة إعادة الترام للمدينة، وتشجيع الناس على التنقل والحركة باستخدام الدراجات كونها صديقة للبيئة. كما ينبغي ترميم وإعادة استخدام بعض المباني داخلها. فقد تعرضت وسط البلد في الثلاثين عامًا الأخيرة للعديد من التحولات ففي تسعينيات القرن الماضي بدأت عمليات ترميم للمباني العامة داخل وسط البلد وظهرت اتجاهات حقيقية للحفاظ على المدينة. والفترة ما بين زلزال 1992 وحتى قيام ثورة 2011 يمكن أن نطلق عليها اسم العصر الذهبي للحفاظ على تراث وسط البلد.

    لكن ما بعد 2011 فيمكن أن نطلق عليه لفظ «عصر الظلمات». إذ تبدل حال المدينة وسيطر الباعة المتجولون عليها. كما حدث بين عام 2014 و2018 صحوة أخرى في إعادة إحياء المنطقة وتحسين فراغها العام لكن للأسف تعاني المنطقة من عام 2018 وحتى الآن مآساة حقيقية، فقد تبدلت المدينة بشكل كامل، وجرى الاعتداء عليها. وانتشر الباعة الجائلون مرة أخرى داخل شوارعها.

    وتكمل «جليلة»: في المقابل فداخل باريس جرى إعادة ترميم وبناء نوتردام في زمن قياسي فنجاح تجربة ترميم نوتردام كان بفضل تحمس الرعاة العالميين. إذ إن هناك الكثير من المؤسسات التي ترعى التراث. هذه المؤسسات موجودة بالفعل في البلدان الأوروبية المتقدمة، منذ عصر النهضة، لأن هناك اهتمامًا كبيرًا بالحفاظ على تراث المدن. كما أن هناك دور مهم يقع على منظمات المجتمع المدني، هذه المنظمات مهمتها هي رصد كافة المخالفات والاعتداءات على التراث. وهذا ما نتمنى أن يحدث أيضًا في السنوات المقبلة داخل القاهرة.

    ختام حملة عمارة البلد هوية لا تستحق الهدم
    ختام حملة عمارة البلد هوية لا تستحق الهدم
    أهمية المناطق الخضراء

    الدكتور عباس الزعفراني عميد كلية التخطيط العمراني الأسبق تحدث من جانبه عن أهمية التشجير داخل المدينة قائلًا: “لسنوات طويلة كانت هناك نقاشات مفتوحة حول أهمية الحفاظ على التراث وتعظيم الاستفادة منه لكن فجأة وبدون مقدمات طرحت أسئلة مغايرة حول مدى أهمية الحفاظ على التراث. بل ظهرت الكثير من الأصوات التي تنادي باستبداله بأنماط جديدة”.

    ويضيف: في بداية القرن الحالي بدأنا التفكير بشكل جدي في أهمية زيادة المناطق الخضراء الموجودة داخل القاهرة وتشجير شوارعها. لكننا تفاجئنا في السنوات الأخيرة أنه بدلًا من زيادة نسب المساحات الخضراء أنه جرى إزالة الموجود منها واستبدالها بكافيهات. فعندما طرح مشروع القاهرة 2050 صدمت لأنني عرفت أن غرض المشروع هو إزالة الجبانات والمقابر غير المسجلة في الآثار وتحويل أجزاء منها لفراغات عامة ومحاور مرورية. وهذا ما حدث مؤخرًا.

    ويكمل «الزعفراني»: خلال عملي في لجنة الجبانات طرحت حلولًا لتحويل المياه الجوفية الموجودة داخل منطقة الجبانات واستخدامها في عمليات ري الأشجار وزيادة جمال المنطقة. لكنني واجهت معارضة من البعض، وهنا قررت الانسحاب من اللجنة وخسرت المعركة لكنني أرضيت ضميري بعدم المشاركة في هذا المشروع.

    ختام حملة عمارة البلد هوية لا تستحق الهدم
    ختام حملة عمارة البلد هوية لا تستحق الهدم الدكتور عباس الزعفراني
    إعادة التفكير

    وعن أهمية التشجير داخل المدينة. يقول: “عمليات التظليل داخل المدينة تساهم في تقليل معدلات درجات الحرارة. كما أن التشجير يلقي بظلاله على المباني، وهو أمر يساعد في تقليل الأحمال على التكييفات داخل المنازل. وهناك حسابات تقول إن فاتورة الكهرباء يمكن أن تنخفض بمعدل من 50 إلى 100 جنيه شهريًا إذا تواجد الشجر أمام العمارات. وبالتالي قد لا نكون مضطرين لتخفيف الأحمال. كما أن زراعة الأشجار المثمرة داخل العمران نقطة كارثية”.

    هذه الثمار يتم تلويثها بسبب انتشار عوادم السيارات، فضلًا عن فرص إصابة السكان بسبب محاولات رمي وقطف الثمار من جانب السكان والمارة بطرق عشوائية. قد ينتج عنها إصابات خطيرة. لذلك يمكن توفير أشجار منتجة للأخشاب داخل المدينة. فضلًا عن أن تشجير المدينة يساهم في توفير المليارات. فالقاهرة تعاني من ظاهرة تسمى بالـ«جزر الحرارية» وهي ظاهرة ينتج عنها زيادة في معدلات درجات الحرارة في الصيف داخل القاهرة عن محيطها بنحو 6 درجات مئوية كاملة. وهي أمور تدفعنا جميعًا لإعادة التفكير في تشجير المدن مرة أخرى.

    ختام حملة عمارة البلد هوية لا تستحق الهدم
    ختام حملة عمارة البلد هوية لا تستحق الهدم الدكتور مصطفى الصادق
    محاولات توثيق

    الدكتور مصطفى الصادق المهتم بتاريخ وتوثيق الجبانات تحدث من جانبه عن تنوع الأنماط المعمارية داخل جبانات القاهرة. إذ رصد خلال الندوة عمليات الهدم التي جرت داخل منطقة المقابر خلال السنوات الأخيرة. يقول: “لم يعطونا أي فرصة لتوثيق هذه المدافن من الداخل فقد تبنوا الهدم ومنعوا أي محاولة للتوثيق. والمشكلة أنه يتم عادة رفض أي عملية تسجيل لهذه المقابر في الآثار رغم أن قانون الآثار لعام 1983 يجيز تسجيل الرفات البشرية”.

    ختام حملة عمارة البلد هوية لا تستحق الهدم
    ختام حملة عمارة البلد هوية لا تستحق الهدم الدكتور مصطفى الصادق

    ويكمل «الصادق»: على أرض الواقع فهذا لم يحدث. فخلال عام 2020 بدأت عمليات إنشاء محور جيهان السادات، وخسرنا في المقابل العديد من المقابر الهامة مثل مقبرة عالم الآثار عليّ بك بهجت، ومدفن الفنان أحمد عبد القدوس، وإحسان عبد القدوس. وفي عام 2021 تم البدء في عمليات تطوير صلاح سالم من محور جيهان السادات وحتى الفسطاط بطول 6 كيلو مترات. حيث جرى تحويل المنطقة لمنفعة عامة ومنها جبانات المجاورين، وباب الوزير، وسيدي جلال، وسيدي عمر، والطحاوية، والسيدة نفيسة، والإمام الشافعي!

    ويضيف: يمكن الاستفادة من منطقة الجبانات بدلًا من هدمها. فقد تم حذف العديد من المقابر ذات الطراز المعماري مميز خلال الفترة الأخيرة تمهيدًا لهدمها. وبالفعل تم تسوية العديد من المقابر والأحواش وتسويتها بالأرض، وهذه المناطق تنتظر الهدم خلال الفترة المقبلة!

    ختام حملة عمارة البلد هوية لا تستحق الهدم
    ختام حملة عمارة البلد هوية لا تستحق الهدم الدكتورة أمينة عبد البر
    عمليات صعبة

    الدكتورة أمينة عبد البر المهندسة المعمارية تحدثت عن بداية تعاملها مع المدينة القديمة والتي بدأت في عام 2003. تقول: “دائمًا ما كنا نعمل على المباني المسجلة في عداد الآثار من خلال المنح الدولية المعنية بحماية التراث وتوثيقه. لكن بشكل عام فعملية الحفاظ على التراث المسجل معقدة وصعبة وتحتاج لكثير من الجهد. لأننا كمجتمع مدني لا تقدم لنا سوى المنح الدولية. وقد استطعنا من خلال المؤسسة المصرية لإنقاذ التراث إقناع وزارة الآثار بتوفير مبنى أثري. وهو بيت الرزاز بهدف إعادة استخدامه مرة أخرى. هذا البيت الذي بناه السلطان قايتباي في أواخر القرن الـ15، وخلال عام 2020 فكرنا في ترميم المنزل بعد انهيار أجزاء منه”.

    وتكمل «أمنية»: رغم أنه يوجد داخل المدينة العديد من المباني التراثية القديمة إلا أنه يمكن إعادة التفكير في استخدامها واستغلالها بصورة جيدة والتفكير في طرق لجذب السكان المحليين. فهذه المناطق التاريخية تحمل قيمة مضاعفة؛ لذلك يجب إعادة التفكير والاستفادة من هذه المنازل.

    اقرأ أيضا:

    «دوريس أبو سيف» في القاهرة.. عن الفن الضائع والمدينة التي تأكل نفسها

    عن السينما والفن وتوثيق المدينة في ختام حملة «عمارة البلد»

    ننشر الصور الفائزة في مسابقة التصوير في ختام حملة «عمارة البلد»

  • «دوريس أبو سيف» في القاهرة.. عن الفن الضائع والمدينة التي تأكل نفسها

    «دوريس أبو سيف» في القاهرة.. عن الفن الضائع والمدينة التي تأكل نفسها

    تصوير: أحمد طه

    أقيمت هذا الأسبوع ندوة للدكتورة دوريس أبو سيف، أستاذ كرسي الفنون الإسلامية بكلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن، التي نظمها موقع «باب مصر» بمبنى القنصلية بالقاهرة، وذلك ضمن ختام فعاليات حملة: «عمارة البلد: هوية لا تستحق الهدم».

    تحدثت «أبو سيف» في البداية عن أسباب اتجاهها لدراسة التاريخ والفن الإسلامي بدلًا من الدراسة في باريس كما كانت تنوي. انتقال دوريس إلى ألمانيا وهي في الـ18 من عمرها كان السبب الذي دفعها لذلك. عقب حصولها على شهادة الثانوية العامة، انتقلت لألمانيا رفقة زوجها سنة 1964. تقول:«وجدت في ألمانيا اهتمامًا كبيرًا بالظروف السياسية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط؛ لذلك شعرت أن معلوماتي عن المنطقة التي عشت فيها طفولتي غير مكتملة. كانت معرفتي بها منقوصة لحد بعيد». خلال هذه الفترة قررت دوريس التعرف عن قرب على ثقافة وتاريخ الشرق الأوسط، وكان لزوجها الألماني الراحل جيرهارد بيهرينز الفضل الأكبر في ذلك، إذ درس اللغة العربية خلال إعداده لدراسة الدكتوراه، التي كانت حول الشريعة الإسلامية. لذلك أرادت دوريس التعرف على تاريخ مصر بعد أن لاحظت أن زوجها يعرف عنه أكثر منها، وهو ما دفعها لدراسة التاريخ الإسلامي في جامعة هامبورج بألمانيا.

    الدكتورة دوريس أبو سيف، أستاذ كرسي الفنون الإسلامية بكلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن
    الدكتورة دوريس أبو سيف، أستاذ كرسي الفنون الإسلامية بكلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن
    ليلى إبراهيم

    عقب عودتها من ألمانيا تأثرت دوريس بأستاذتها ليلى علي إبراهيم، التي قالت عنها: «ليلى إبراهيم إنسانة استثنائية وغير عادية، فقد علمت الكثير من الطلبة، وتخصصت في الآثار الإسلامية. ورغم أنها لم تكن أستاذة في الآثار الإسلامية، لكن ساعدها على ذلك ثقافتها الغزيرة ومعرفتها بالفنون والآثار الإسلامية، وقد أرادت مشاركة هذه الثقافة معنا. هذه الثقافة التي اكتسبتها من والدها عليّ باشا إبراهيم؛ لذلك أتمنى أن يخرج كتابًا عنها كونها أثرت في جيل كامل من محبي الآثار والتاريخ الإسلامي».

    رسالة الدكتوراه

    كانت رسالة دوريس الأولى للدكتوراه حول تاريخ الأقباط خلال القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20. تقول: “بعد الانتهاء من رسالة الدكتوراه، كان من الصعب جدًا العثور على وظيفة في ألمانيا أو حتى في مصر، بسبب خصوصية موضوع الرسالة. حين عدت إلى مصر في سبعينيات القرن الماضي، حاولت البحث عن عمل داخل جامعة القاهرة. ووقتها لم تعترف أصلًا جامعة القاهرة بالدكتواره التي حصلت عليها من هامبورج. وعرضوا عليّ في المقابل تدريس اللغة الألمانية، لكنني رفضت العرض. أردت حينها الالتحاق بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بهدف دراسة الفن الإسلامي، وكان الموضوع في بداية الأمر مجرد شغف. لذلك بدأت إعداد رسالة ماجستير حول الفن الإسلامي. وتفاجأ الناس بقراري لدراسة الماجيستير كوني حاصلة على درجة الدكتوراه. لكنني أردت الاستفادة من الدراسات المتاحة في الجامعة الأمريكية؛ لهذا غيرت تخصصي من التاريخ إلى الفن الإسلامي».

    الفن الضائع

    وحول دراستها الأخيرة الخاصة بالملابس في العصر المملوكي واهتمامها بهذه الجزئية قالت: “لم يكن لديَّ اهتمام كبير بالملابس أو النسيج، لكن لفت نظري الموضوع حين قرأت المراجع والحوليات العربية الخاصة بهذه الجزئية، فهذه الحوليات لم تخل أي صفحة داخلها من الحديث عن الملابس، وقد شدني الموضوع؛ لذلك كتبت عنه. وكتابي لم يكن حول الملابس وحدها لأن ملابس العصر المملوكي قليلة جدًا وتكاد لا تذكر. لكن مع تطور المجتمع المملوكي لاحظت أن الاهتمام بالملابس المملوكية كان كبيرًا جدًا؛ لذلك تبحرت فيما كتبه المؤرخين في تلك الفترة، فالملابس كانت هي مرآة للعصر والمجتمع المملوكي”.

    وعن أسباب ندرة الملابس المملوكية قالت: «كالعادة إحنا القديم بنرميه. وهذا عكس تعامل الأتراك مع الملابس العثمانية في إسطنبول، فجميع ملابس السلاطين موجودة حتى هذه اللحظة، بل ويتم ترميمها والاهتمام بها ودراستها بشكل كامل، بينما لا نملك أي شيء يخص ملابس العصر المملوكي. (تضحك دوريس) تقريبًا معندناش ولا جلابية واحدة من العصر المملوكي. لكن حاليًا ينوي متحف اللوفر تخصيص معرض عن الفن المملوكي، وقد طلبوا مني كتابة مقال عن الفن الضائع. تلك الفنون التي لم تعد موجودة لدينا الآن بشكل مادي، لكننا نتعرف عليها من خلال صفحات المؤرخين. وهذا الأمر ينطبق على الملابس المملوكية التي أعتبر أنها بمثابة فن ضائع».

    مدينة تتآكل

    وفيما يخص ندرة المقالات الجيدة التي تنتج عالميًا حول مدينة القاهرة والخاصة بالفترة الفاطمية والمملوكية، ترى دوريس أن الإنتاج التأريخي الخاص بالعمارة في مصر قليل جدًا الآن. تقول: «لم يخرج خلال السنوات الأخيرة شيء جيد في هذا الجانب. لا أعرف سبب ذلك، لكن على المستوى الشخصي، ابتعدت عن مجال العمارة لأنني «اتسددت نفسي» اتسدت نفسي لأنني أتابع اليوم ما يجري داخل مدينة القاهرة، وأشهادها وهي تتآكل، وتضيع معالمها بشكل متسارع. وجميع هذه الأمور دفعتني للتوقف عن الكتابة عن عمارة القاهرة. وأظن أن الجو العام أيضًا لا يشجع عن الكتابة حول هذا الجانب».

    ترجمة الأعمال إلى العربية

    أما فيما يخص أسباب العزوف عن ترجمة أعمالها إلى اللغة العربية حتى هذه اللحظة. رغم ترجمتها لليابانية والألمانية والصينية، قالت دوريس: “هناك محاولات حاليًا لنشر كتابي «الجمال في الثقافة العربية»، لكن المشكلة أن مثل هذه الترجمات تحتاج لمشروع ترجمة كبير نظرًا لعدد الصور الضخم في هذه الكتب. وبالتالي فسعره لن يناسب السوق المصري. وما أتمناه هو ترجمة كتابي «قاهرة المماليك» لكن هذا الكتاب لا يمكن أبدًا ترجمته بدون استخدام الصور الموجودة داخله في النسخة الإنجليزية».

    صقلية.. حلقة الوصل

    وعن دراستها التي صدرت عام 1998 بعنوان «صقلية.. الحلقة المفقودة في تطور عمارة القاهرة» والتي أعادت تقديمها عام 2018. قالت دوريس إن الصقليين لم يتركوا شيئا تقريبًا من العصر العربي. فقد جرى محو كل شيء تقريبًا، بعكس إسبانيا التي احتفظت بالعمارة الإسلامية الموجودة داخلها. لكن بشكل عام فصقلية حكمها العرب الفاطميين.

    وأضافت: “هناك تأثيرات مشتركة بين صقلية والقاهرة، لكن بأي حال من الأحوال لا يمكننا الجزم بمدى هذه التأثيرات وحجمها. لكن ما تحدثت عنه في مقالي حول صقلية هو أنني حاولت إثبات التأثيرات المتبادلة بين أجزاء من عمارة القاهرة الفاطمية وصقلية. وحتى بداية عصر المماليك البحرية. وخلال فترة الحروب الصليبية ورغم وجود حرب بين المسلمين والصليبيين إلا أن هناك تأثيرات ظلت متبادلة بين كلا القوتين. وكان هناك تبادل على كافة المستويات بينهما هذا التبادل نلاحظه في استمرار العلاقات الفنية، والثقافية، والتجارية بين القوتين المتصارعتين”.

    تأثيرات متبادلة

    وحول مشروعها القادم قالت إنها مهتمة حاليًا بدراسة تطور الرسومات الهندسية خلال العصر البيزنطي وحتى القرن الـ12 الميلادي. تقول دوريس: “أريد مناقشة هذا الموضوع من ناحية تاريخية وذلك لمعرفة تطور الرسومات الهندسية وصولًا للطابع الإسلامي الواضح. فالفنون الهندسية الإسلامية جاءتنا من فترة ما قبل الإسلام وهي مستمدة من العصر الروماني والبيزنطي. لذلك أريد تقديم هذا الموضوع خلال الفترة المقبلة”.

    التفاعل مع القضايا العالمية

    وفي نهاية الندوة، وجهت دوريس نصيحتها للباحثين المهتمين بمدينة القاهرة. وقالت: “أهم شيء الاطلاع على ما يتم إنتاجه في العالم من دراسات، وهذا يجعل من الضروري تعلم الإنجليزية. كذلك يجب أن يعرف هؤلاء الطلبة أن العلم الآن أصبح عالميًا ولا يقتصر فقط على منطقة جغرافية بعينها، ولا يقتصر أبدًا على مصر. إذ إنه لا يوجد علم قومي أو مصري. لذلك يجب أن نكون على إطلاع بما يتم إنتاجه على مستوى العالم. وهو أمر لا يقتصر أيضًا على الدراسات التي يتم إنتاجها في أوروبا وأمريكا. بل ما ينتج أيضًا في الصين واليابان وآسيا. إذ إن هناك حاليًا اهتمامًا كبيرًا في اليابان بالدراسات المملوكية.

    وتابعت: ومن ناحية عالمية فهناك موضوعات معينة باتت تشغل جميع المؤرخين والمتخصصين. وحتى وإن اختلفت تخصصاتهم الدقيقة والمناطق الجغرافية التي يتعاملون معها. لذلك لابد أن نعطي لأنفسنا فرصة التجاوبمع الأسئلة التي يطرحها العالم.ومن الضروري أيضًا التفاعل مع مثل هذه القضايا العالمية. وهو أمر يتطلب منا جميعًا دراسة اللغات الأجنبية والاطلاع على ما ينتج في الغرب. لأن الاكتفاء بالمصادر المصرية والعربية لم يعد كافيًا.

    اقرأ أيضا:

    عن السينما والفن وتوثيق المدينة في ختام حملة «عمارة البلد»

    ننشر الصور الفائزة في مسابقة التصوير في ختام حملة «عمارة البلد»

    اليوم.. ختام فعاليات حملة «عمارة البلد.. هوية لا تستحق الهدم»

  • د. عباس الزعفراني:  أرضيت ضميري بانسحابي من لجنة «الجبانات» (2-2)

    د. عباس الزعفراني: أرضيت ضميري بانسحابي من لجنة «الجبانات» (2-2)

    يعود تعلق د. عباس الزعفراني بمدينة القاهرة إلى  والده الراحل الدكتور محمد عباس الزعفراني أستاذ التخطيط العمراني بجامعة الأزهر. كان الأب أستاذا للتخطيط أيضا، رسالته للماجستير حول إعادة تخطيط المناطق التاريخية، وهي الرسالة الأولى التي تناولت هذا الجانب سنة 1968. يحكي : «أتذكر في سبيعينيات القرن الماضي كان يصحبنا لجولات داخل القاهرة التاريخية، وفي إحدى المرات أمسكت بالكاميرا الخاصة بي لألتقط صورة لمنطقة الغورية. لكنني انتظرت انصراف الناس لالتقاط الصورة . عاتبني أبي وقتها وقال لي: يا ابني هو الجامع يبقى ليه لازمة من غير الناس؟ إنت في القاهرة الفاطمية لازم تصور الجامع بالناس لإن قيمته الحقيقية هي الناس، والناس اللي بنوه هما اللي عايشين حواليه، بعكس الهرم لأن اللي بنوا الهرم خلاص ماتوا وسابوه. لكن احنا جوة مدينة لسة جواها حياة علشان كدا لازم تصور المدينة بناسها».

    أخذ عباس الابن هذه النصيحة بمحمل الجد، إذ تركت داخله وقعًا كبيرًا في نفسه. وبدأ يلتفت للوحات المستشرقين والرحالة، ولاحظ أن لوحاتهم ما هي إلا تسجيل لحياة هؤلاء الناس الذين عاشوا داخل المنطقة. يقول: عرفت وقتها أن قيمة القاهرة التاريخية هي قدرتها في الحفاظ على عادات سكانها وتوارث الأنشطة الموجودة فيها طيلة هذه القرون. صحيح أن هذه المباني من الناحية المعمارية أقل من الأهرامات لكن حياتيًا أكبر منها لأنها لا تزال تؤدي وظيفتها كما هي تمامًا.

    هنا نستكمل الجزء الثاني من حوارنا مع الدكتور عباس الزعفراني عميد كلية التخطيط الإقليمي والعمراني بجامعة القاهرة الأسبق، والذي نخصصه حول الحلول البيئية المطروحة لمدينة القاهرة التاريخية، وكذلك الطرق والحلول المثُلى للتعامل مع المدينة المهددة، وأيضًا رؤيته حول مشروع القاهرة 2050.

    • الحكومة تتعامل مع القاهرة القديمة وكأنها عبء ثقيل.. ما هي الطريقة المُثلى للتعامل مع المدينة؟

    من المفترض النظر للقاهرة القديمة بشكل مختلف. القاهرة تحتاج للكثير من الدراسات للتعامل معها. مشكلتنا الأساسية أننا نتعامل مع المناطق المختلفة الموجودة في حيز القاهرة بطريقة واحدة. هذه الطريقة تتم في أغلب الأحوال عبر عمليات إحلال وتجديد، وهذا خطأ كبير. فكل حي داخل القاهرة القديمة يختلف عن الآخر. سأعطي لك مثالًا لتقريب الصورة. منذ سنوات قامت الحكومة بهدم منطقة الدويقة، ونقل السكان لمنطقة الأسمرات، وبالمناسبة كان لابد من إزالة الدويقة كونها منطقة خطرة من الناحية العمرانية. لكن المشكلة أن البديل الذي تم توفيره لهؤلاء السكان لا يتناسب مع طبيعة عملهم الأصلية. أغلب هؤلاء كانوا يعملون في مهنة رعي الأغنام والماشية.

    لكن السؤال الذي كان ينبغي أن يطرح من جانب المسئوليين هو: كيف يمكن لشخص أن يصطحب هذه الماشية للدور السادس في العقار الجديد المخصص له؟ كان لابد من توفير البديل الذي يراعي حياة هؤلاء السكان، وظروف معيشتهم الخاصة. لكن للأسف فقد جرى تخصيص وحدات سكنية لهؤلاء لا تتناسب مع ظروف حياتهم أو معيشتهم؛ أي أننا في النهاية تسببنا في إحداث نقلة كبيرة لحياة هؤلاء السكان الجدد لكنهم في المقابل لم يستطعوا استيعاب أو مجاراة هذه النقلة بأي حال من الأحوال.

    • إذن ما هي الحلول المطروحة في هذه الحالة؟

    ينبغي عدم إنتاج وحدات سكنية داخل القاهرة القديمة شبيهة لنمط الوحدات السكنية الموجودة في منطقة مدينة نصر. والحل ليس بوضع المشربيات على شرفات المنازل، لإعطاء شكل تاريخي للمبنى الحديث. القاهرة التاريخية تختلف بشكل تام عن المناطق الأخرى، فالعقار الواحد يتم استخدامه في العديد من الأنشطة. يستخدم للسكن والأنشطة التجارية، وغيرها من نشاطات. لذلك علينا التوقف عن تكرار إنتاج الوحدات السكنية الشبيهة بالإسكان الاجتماعي ووضعها داخل حيز القاهرة التاريخية. القاهرة التاريخية لها لغتها المعمارية الخاصة، وهدم أجزاء منها واستبدالها بأنماط أخرى خطأ كبير لأن هذه المدينة لها نسيجها الخاص. هذا النسيج يجب تركه كما هو، حتى إن لم يكن الأفضل بالنسبة لنا، لأن علينا المحافظة عليها بصورتها كما هي، فالتراكمات التاريخية هي التي حافظت على استمرار المدينة طيلة هذه القرون، وهي وحدها القادرة على جذب السائح الأجنبي، ولا يمكن تعويض هذه القيم بالمال.

    • هل تعتقد أن غياب الشفافية في التعامل مع القاهرة التاريخية صعبَّ المسألة؟

    بالتأكيد. فحالة القلق التي تم تصديرها بسبب غياب الشفافية أمر كارثي، كثير من الناس باتوا يخافون الهدم، ويخافون من تغيير نمط حياتهم العمراني، وهذه الممارسات التي تتم بصورة يومية داخل القاهرة لن تفيد أحد. يجب استعادة الثقة بين الناس والمسئولين، وينبغي إعادة التفكير في كل ما حدث. هذا الأمر ينطبق على المناطق التاريخية، والمقابر، وكل ما له قيمة تراثية، لأن الحل البديل الذي يطرحه المسئوليين بمثابة حل أراه وهميًا، لأن الهدم بهدف جلب المليارات والاستثمارات هو حل مؤقت وسيضاعف الأزمة في المستقبل القريب.

    • لكن في المقابل الحكومة واضحة فهي تريد تحويل المدينة لمتحف مفتوح.. كيف تنظر لهذا المصطلح أصلًا، هل يمكن تقبله داخل مدينة القاهرة؟

    القاهرة ليست متحفًا مفتوحًا واستخدام هذا المصطلح خطأ كبير أيضًا. القاهرة مدينة حية، لها قيمها، وعادتها الاجتماعية. قيمتها اكتسبتها أصلًا من تراكم عادات أهلها، وأنشطتهم. وهي كالكائن الحي. سوق النحاسيين وسوق القماش في الأزهر يؤدون نفس وظيفتهم منذ أكثر من ألف عام. ولن تجد أي مدينة أخرى في العالم تؤدي نفس الوظيفة طيلة الـ10 قرون. هذا مستحيل أن تراه في أي مكان آخر في العالم؛ لذلك ليس منطقيًا تحنيط المدينة، كما يحاول البعض الترويج.

    • أنت مهتم بالتصميم البيئي.. لكن الروايات الرسمية تحذر دائمًا من خطورة المياه الجوفية الموجودة داخل القاهرة وتحديدًا منطقة المقابر.. إذا توقف الهدم هل تعتقد أنه سيحدث تحلل ذاتي للمدينة بسبب المياه الجوفية المحيطة بالمواقع التراثية؟

    هناك حلول كثيرة للتعامل مع المسألة. المياه الجوفية  لا تسبب أي خطر ما دامت لا تتحرك صعودًا أو هبوطًا، لأنها في هذه الحالة تؤثر على الأساسات، وتحرك التربة بل وتهدد بسقوط العقار. بينما المياه الجوفية الثابتة لا تسبب مشاكل كبيرة مقارنة بالمياه المتحركة. وتخفيض المياه الجوفية يتطلب التعامل معها ببطء شديد حتى لا ينهار المبنى، ويجب أن يتم الأمر بصورة تدريجية؛ لذلك فالحل هو عمل صرف مغطى لسحب المياه ومن ثم صرفها. والمصرف الطبيعي الموجود داخل القاهرة هو نهر النيل. أما الحل الثاني فهو استخدام هذه المياه  في أنشطة زراعية. القاهرة لديها نقص شديد في المساحات الخضراء، ولم نصل أصلًا للحد الأدنى العالمي المطلوب؛ لذلك فالحل هو سحب المياه الجوفية وري الحدائق. وهذا الحل يعني أننا سنحل المشكلة بشكل مزدوج؛ أي سحب المياه الجوفية، وتشجير المدينة بمساحات خضراء غير متوفرة. فالحكومة تتبنى حاليًا مشروع المليون شجرة لكن السؤال هو كيف يمكننا توفير المياة اللازمة لهذه الكمية من الأشجار؟

    والإجابة هو أنه يمكن استغلال المياه الجوفية وسحبها لري تلك الأشجار. وهذا الحل يبدأ من خلال تكثيف زارعة الأشجار داخل المناطق التي تحوي على كميات كبيرة من المياه الجوفية. وهناك حل آخر وهو الحفر والوصول لمناسيب المياه الجوفية وإظهارها على السطح. وهذا الحل سيحول تلك المناطق لعنصر جذب جديد داخل المدينة. لأننا بذلك سنحول أجزاء منها لبحيرات صغيرة شبيهة ببحيرة عين الصيرة. وهذه البحيرات ستساهم في رفع القيمة العقارية للمنطقة. فالمسطحات المائية عادة ما تعطي قيمة اقتصادية كبيرة للمنطقة المحيطة بها. وهو الأمر الذي ينطبق على هولندا مثلًا، لأن أغلب مدنها تقع تحت مستوى سطح البحر. وهي محاطة أيضًا بالمياه الجوفية؛ لذلك فقد جرى إحاطتها بشبكات من المصارف الشبيهة بالمصارف الزارعية في الأرياف. هذه المصارف تعطي قيمة اقتصادية أكبر للمدينة، لأنها أضافت للمدينة عنصرا جماليا، وقد حولت هولندا هذه المصارف لمورد اقتصادي مهم، كما أن التشجير ساهم في عمليات سحب كميات المياه الجوفية؛ ومن ثم تبخر المياه.

    • خلال عضويتك للجنة الجبنات وضعت مقترحًا شبيهًا للتعامل مع المنطقة.. ما هو المشروع؟

    اقترحت عمل مجرى مائي موازي لطريق عين الصيرة، عبر حفر خندق عميق لكشف المياه الجوفية وتحديد منسوبها. مع تشجير المنطقة بشكل كثيف، ومن خلاله يتم سحب المياه الجوفية. وهذه الحديقة مهمتها تصريف المياه الجوفية، إما من خلال التبخر أو من خلال سحب المياه. المياه الجوفية نستطيع التعامل معها بسهول عندما تتكشف لنا على السطح، إذ يكون من السهولة التعامل معها هندسيًا، وسحبها؛ لذلك فالمشروع الذي أردت تنفيذه كان حل مثالي للتعامل مع المقابر، وكان يمكن تتطبيقه بسهولة على المنطقة ككل. وقد قمت بالفعل بعرض التجربة الهولندية الشبيهة في التعامل مع مثل هذه الأزمة. لكنني في النهاية لم أعرف إذا تم أخذ بالمقترح أم لا. لأنني انسحبت من اللجنة بعدها بفترة قصيرة جدًا. انسحبت من اللجنة وعلاقتي بها انتهت تمامًا لأنني شعرت أنني أديت مهمتي على أكمل وجه، وأنني بقرار الانسحاب قد أرضيت ضميري.

    • هل يمكن تكرار هذه التجربة في المعز والقاهرة القديمة خصوصًا أنها تعاني أيضًا من مشكلة المياه الجوفية؟

    من الصعب تكرارها داخل المنطقة لأن الكثافة العمرانية بداخلها مرتفعة جدًا، لكن يمكن إعادة إنتاج التجربة ناحية باب النصر وباب الفتوح بالقرب من مقابر باب النصر. فشارع المعز كان بداخله بستان كافور الإخشيدي. وداخل موقع هذا البستان تم تشييد القصر الشرقي والغربي للقاهرة القديمة. لكن الملاحظ أن هذا الموقع؛ أي بين القصرين يقع داخل أقل منسوب في القاهرة الفاطمية. ورغم هذا لم تظهر هذه المشكلات قديمًا نظرًا لأن المنطقة كانت عبارة عن حدائق وبساتين وقد قام الشجر بعملية سحب المياه الجوفية لأعلى. لكن مع تطور المدينة خصوصًا في العصر المملوكي فقد جرى استبدال المنطقة بالكامل وظهرت المنشآت الدينية داخلها، وهنا بدأت المشكلة، لأنه لم يعد هناك تشجير؛ وبالتالي لم تكن هناك أي فرصة لسحب المياه الجوفية وصرفها كما كان يحدث من قبل.

     

    أما بالنسبة لقرافة المماليك فهي ليست معرضة لمشكلات المياه الجوفية حتى الآن. المشكلة -من وجهة نظري- أن هناك  تحيز واضح ورغبة في هدم الجبانات، والمياه الجوفية ليست المشكلة. كما يمكن تعديل نظام الدفن داخل المنطقة ليصبح على السطح بدلًا من الغرف الموجودة تحت الأرض؛ لذلك أعتبر أن تصدير فكرة أن سبب الأزمة هي المياه الجوفية ما هو إلا حجة لهدم المقابر. والمياه الجوفية كلمة حق يراد بها باطل. وأظن أن الهدف من هذا كله تنفيذ مقترح مشروع القاهرة 2050. هذا المقترح يستهدف لإبقاء القليل من المقابر وإحاطتها بالحدائق والفنادق. مع إزالة المقابر التي يرى البعض أنها عديمة القيمة. وهو مقترح أعتبر أن استكماله بمثابة جريمة كاملة. لأن به جرأة لم تحدث من قبل، كونه يستهدف إزالة مقابر ومساكن بداخلها ملايين المصريين. وهذا المخطط له بعد لا إنساني أصلًا ورغم أن المشروع قد تم اقتراحه منذ أكثر من 20 عامًا إلا أن هناك إصرار غريب على تنفيذه.

    ***

    فإعادة تخطيط حياة 2 مليون إنسان أمر يصعب تحقيقه. ولو أرادت الصين تنفيذه لعجزت، وهو مشروع تخريط وليس تخطيط. كان من الضروري معرفة القيمة العالية لمدينة القاهرة، لأن المشروع هذا سيقلل من قيمتها أصلًا. لا يمكن تحويل القاهرة لدبي، القاهرة مدينة حية، وحقيقية. وإذا أردنا إعادة إنتاج مدينة دبي فعلينا الذهاب للصحراء والبناء داخلها نماذج عمرانية ومعمارية شبيهة. كما يمكن إعادة النظر في فكرة إقامة الأجانب طويلة المدى، وأقصد هنا إقامة المتقاعدين في أوروبا داخل مصر خلال فترة الشتاء، ويمكن توجيه هذه الأمور لضمان تدفق العملة الصعبة.

    • ما هي المدن التي يمكن تطبيق هذه الأفكار داخلها؟

    مدينة العلمين الجديدة هي المكان الأنسب. العلمين مدينة قادرة على جذب ملايين السكان، وتستطيع أن تصبح أهم مدينة في مصر، بل وأهم من الإسكندرية، لكن ما يعطل ذلك إن الحكومة تراها مدينة للاستثمار العقاري وللسياحة المحلية والخليجية، ولا تتعامل معها كونها مدينة متكاملة. من الضروري التركيز على الجانب الصناعي والملاحي لهذه المدينة، والتركيز على التجارة داخلها. والعلمين من وجهة نظري فرصها أكبر من الإسكندرية. الإسكندرية مدينة ضيقة ومخنوقة ورغم نجاحها إلا إن مشكلتها أنها ليس لديها فرصة للامتداد بعكس مدينة العلمين. والحل هو استغلال ميناء العلمين وتحويله لميناء تجاري. أما المنطقة الصناعية داخل العلمين فينبغي لتركيز عليها بشكل أكبر، مع ضرورة استقطاب الصناعات الأوروبية الكبرى داخلها. خصوصًا أن أوروبا تواجه عجزًا كبيرًا في سوق العمل نتيجة نقص الطاقة والعمالة البشرية.

    والعلمين قريبة جدًا من أوروبا وهي أقرب من الصين وبنغلاديش. صحيح أن هناك اتجاه لتصبح المغرب هي دولة تصنيع للسيارات الأوروبية. لكننا في المقابل يمكن أن نستغل العديد من الصناعات الأخرى وتوفير مصانع قادرة على مساعدة الطلب الأوروبي. فالمنطقة المحيطة لا تملك هذه المقومات المصرية. ليبيا مثلًا عدد سكانها قليل للغاية، وكذلك تونس. أما الجزائر فلها عداء شديد مع أوروبا؛ لذلك أمام أوروبا دولتين فقط وهما مصر والمغرب. ولهذا أرى أنه يجب البدء فورًا في عمليات نقل الصناعات الأوروبية داخل مصر، والعلمين هي الجزء الأفضل، وبالمناسبة فالعلمين أفضل من دبي بمراحل. أما شرقًا فأنا متحمس لمدينة شرق بورسعيد وهي قادرة أن تصبح أكبر ميناء في العالم لأنها تمتلك المقومات الكاملة وأتصور أنه يجب التوسع في هذه المنطقة.

    • أخيرا.. ما الأثر السلبي القريب والبعيد لعمليات قطع الأشجار داخل القاهرة؟

    أضرها بشدة، وزاد من درجات حرارة المدينة، الشجر له دور مهم في عملية التبريد. نسب التشجير العالية داخل المدن تساهم في استقرار درجات حرارة المدينة. وغياب التشجير يجعلنا نواجه ظاهرة الجزر الحرارية؛ أي ارتفاع درجات حرارة المدينة بشكل أكبر من محيطها العمراني. وهذا ينطبق على مدينة القاهرة لأن درجة حراتها أعلى من محيطها بمعدل خمس درجات؛ لذلك مع كل شجرة يتم إزالتها سيرتفع المعدل. وقطع الشجر يساهم في زيادة مشكلات الأمطار.

    لأن الشجر يقوم بسحب مياه الأمطار عبر الجذور؛ وبالتالي لا تصل المياه بشكل كبير على الإسفلت. إذ إن تساقط الأمطار على الإسفلت مباشرة يعني ظهور مشكلات جديدة نتيجة عدم تصريف مياه الأمطار؛ أي أن مياه الأمطار سوف تتجمع داخل نقطة بعينها وتتحول في نهاية الأمر لبركة مياه. وبالفعل لاحظنا ظهور هذه المشاكل خلال السنوات الأخيرة. في الماضي كانت الأرض بها أجزاء مسامية تتشرب المياه. وقد قمت بمعالجة المشكلة في جزء من منطقة التجمع الخامس من خلال تصريف المياه داخل الجذر الوسطى في بعض الشوارع بدلًا من وصولها للمنازل كما كان يحدث.

    اقرا أيضا:

    د.عباس الزعفراني: القاهرة لم تتحلل بعد وعلينا إعادة تخطيط المدن الجديدة (1-2)

  • د.عباس الزعفراني: القاهرة لم تتحلل بعد وعلينا إعادة تخطيط المدن الجديدة (1-2)

    د.عباس الزعفراني: القاهرة لم تتحلل بعد وعلينا إعادة تخطيط المدن الجديدة (1-2)

    تفتح وعيه على القاهرة خلال المرحلة الثانوية، إذ بدأ وقتها استيعاب المدينة والتعرف عليها بشكل كامل. نشأ الدكتور عباس الزعفراني في حي مدينة نصر عام 1966، الذي كان في ذلك الوقت «بلا ناس» تقريبًا، لكن سرعان ما تبدلت المدينة وأصبحت «لا تخلو من الناس». يقول: «حين انتقلنا إلى القاهرة في بداية الأمر وجدنا صعوبة بالغة في شراء طلبات البيت. كنا نضطر للذهاب لمنطقة العباسية لشراء متطلباتنا، أذكر -مثلًا- أنني كنت في الرابعة من عمري أعبر طريق النصر بمفردي، نظرا لندرة مرور السيارات داخل المنطقة».

    بعد سنوات قليلة، قرر الانتقال إلى المنطقة الثامنة بمدينة نصر تجنبًا للزحام الذي وصل للمدينة. يقول: «أعدنا اكتشاف الحياة في هذه الفترة. المدينة تبدلَّت تمامًا، وأصبحت محاطة بالصخب من كل اتجاه. لم ننتقل إلى التجمع الخامس كما فعل أغلب جيراننا، لأننا أدركنا أن تجربتنا مع مدينة نصر ستعاد داخل التجمع الخامس».

    يرى الزعفراني- عميد كلية التخطيط الإقليمي والعمراني بجامعة القاهرة الأسبق – أن المدن بشكل عام لها دورة حياة طبيعية تبدأ من الطفولة إلى الشباب ثم الشيخوخة. يقول «هذه الأمور استوعبتها وأدركتها منذ فترة مبكرة من حياتي، فالمدينة كائن حي كامل يتغير دائمًا بمرور الوقت، والعمران هو قصة حياة مدينة، ويرتبط أيضًا بقصة حياة البشر».

    في هذا الحوار الممتد -على مدار حلقتين- مع الدكتور عباس الزعفراني، أستاذ التصميم البيئي،  نسلط الضوء على رؤيته حول التغيرات العمرانية في القاهرة، وحلول التعامل مع القاهرة التاريخية، خاصة بعد مشاركته في اللجنة التي كلف رئيس الوزراء وزير التعليم العالي بتشكيلها في عام 2023 لتقديم الاقتراحات حول منطقة المقابر، قبل انسحابه.

    • كمخطط عمراني.. هل تعتقد أن المدن تتحلل بمرور الزمن؟

     المدن يُقاس عمرها عادة بالعقود والقرون، والمدن الجديدة هي جزء من مدينة القاهرة. وهذه المدينة الضخمة تُنتج ضواحي جديدة من وقت لآخر، وهي سمة تظهر عليها منذ إنشائها، وهو ما نلاحظه من خلال التراكم التاريخي الذي حلّ بالمدينة منذ إنشاء الفسطاط، ثم العسكر، ثم القطائع، ثم القاهرة الفاطمية، وهكذا. إلى أن جاء الخديوي إسماعيل وقرر الانتقال للقاهرة الخديوية، ثم عبد الناصر الذي وضع حجر الأساس لمدينة نصر لتصبح عاصمة لمصر. وقد نجحت الفكرة حيث انتقل الناس للعيش فيها، لكن عبد الناصر لم ينجح في تحويلها عاصمة لمصر.

    وقد ظهرت التجمعات العمرانية الحالية داخل القاهرة، مثل الشروق والعبور والقاهرة الجديدة والسادس من أكتوبر والشيخ زايد وغيرها من مدن، وصولًا إلى العاصمة الإدارية الجديدة. وأرى أن المدن تمر بالعديد من “قفزات التطور العمراني”، وهي التي كانت تحدث في الماضي مرة كل مائة أو مائتي عام، لكن حاليًا أصبحنا نسير بشكل أسرع. لذلك لا أعتبر أن المدن تتحلل بمرور الزمن، بل تتوسع بشكل أكبر، وهذا يمنحها عمرًا أطول.

    • كثيرون يتحدثون أن الحلول العمرانية أصبحت شبه معدومة في التعامل مع المشاكل السكانية والعمرانية داخل مدينة القاهرة.. هل تتفق مع وجهة النظر هذه، وما هي الحلول؟

    لأكون صادقًا، أرى أن الحلول الفورية معدومة، لكن الحلول بعيدة المدى ليست صعبة. هنا يجب الالتفات إلى أن مشاكل المدن والعمران لا يتم حلها بشكل فوري، بل تحتاج إلى عقود من الزمن. الاستعجال في الحلول هو ما يقودنا لتكرار الكوارث. وأظن أنه يجب الآن الاستعداد لتخطيط المدن التي نشأت بفعل العشوائية وإعادة تخطيطها، فهي لها عمر قد يستمر لنحو 50 أو 100 عام. المهم هنا هو إعادة تخطيط البنايات القديمة، فتح الشوارع، وزيادة نسبة المساحات الخضراء. هذه الحلول ستقلل الضغط عن المدينة تدريجيًا وتساهم في حل مشكلة العمران، بشرط عدم تكرار التجارب السابقة.

    • كيف ظهرت المشكلة.. البعض يُلقي باللوم على الدولة.. هل تتفق؟

    المشكلة ذات أبعاد معقدة. وكما قلت، يجب وقف إنتاج العشوائية بشكل كامل، وتقليل الطلب عليها. العشوائيات ظهرت في الأصل عندما توقفت الدولة عن إنتاج إسكان محدود الدخل منذ سنة 1960 وحتى عام بداية القرن الحالي. النظام القديم السائد كان يعتمد على إنتاج إسكان بدون تدخل حكومي، لكن منذ الخمسينيات بدأت الحكومة في تثبيت نسب الإيجارات، ومنعت أي محاولة لطرد الساكن من المنازل المؤجرة، وهنا توقف الناس عن الاستثمار في العقارات. وبدأت الحكومة تبني فكرة الإسكان الشعبي. لكنه توقف بحلول عام 1967 بعد أن تم تركيز المجهودات على استعادة سيناء.

    لكن في المقابل ارتكبت الحكومة خطأ عندما قررت تثبيت نسبة الإيجارات، وقد رفض الناس استكمال أية أعمال خاصة بالتشييد، نظرًا لعدم جدواه. ونتيجة لهذا الوضع الصعب لجأ الناس إلى فكرة التمليك، ومع ارتفاع أسعاره، نشأت ظاهرة البناء العشوائي في الأراضي الزراعية وغيرها. الحكومة تغاضت عن هذه الممارسات، لأنها لم تجد حلًا للمشكلة. وقد نجحت العشوائيات لدرجة أنها أصبحت نشاطا اقتصاديا متكاملا. كما أن قانون الإيجار الجديد أوقف التوسع في الاستثمار في البناء، وبدأت الدولة في تخطيط مدن جديدة تكون بعيدة عن العمران القائم. لكن ذلك لم يلبي احتياجات الكثير من السكان، لذلك استمر الوضع كما هو عليه.

    • إذن.. وما هي مشكلات المدن الجديدة؟

    من وجهة نظري، المشكلة الأساسية تكمن في أن المدن الجديدة كانت مخصصة فقط للطبقات العليا والمتوسطة العليا. أما الطبقات المتوسطة الدنيا ومحدودو الدخل فقد تم تجاهلهم.

    • وما الحل لمنع تكرار هذه الأخطاء خصوصًا مع توسع الحكومة في إنشاء العديد من المدن الجديدة خلال الفترة الماضية؟

    الحل هو إنتاج إسكان مخطط لمحدودي الدخل، لأن المدن الجديدة من المفترض أن تستوعب كافة الطبقات الاجتماعية لتحقيق التكامل فيما بينها. وليس منطقيًا عزل محدودي الدخل عن هذه المدن. يجب أن نتخلى عن هذه النظرة الطبقية. نحن الآن ما زلنا في نفس المأزق لأننا نقوم ببناء مجتمعات عمرانية وإسكان يخص الطبقات فوق المتوسطة.

    أما بالنسبة للسكن المدعوم فيجب التخلي عن فكرة بناء وحدات سكنية تحتوي على ثلاث غرف وأن تقتصر فقط على غرفة واحدة أو اثنتين. التخلي عن غرفة واحدة سيمكننا من زيادة أعداد الوحدات السكنية؛ وبالتالي استيعاب قدر أكبر من الناس. وهذا هو المطلوب في الوقت الحالي. كما يجب تخطيط مناطق كاملة لمحدودي الدخل. وهذه المناطق يمكن إنتاجها وفقًا لطريقتهم الخاصة لكن مع ضرورة وضع اشتراطات بعينها، ومخططات تضمن عدم تكرار سيناريو إنتاج العشوائية.

    والمشكلة أن عدد المدن التي أُنتجت في الفترة الماضية والمخططة لمحدودي الدخل قليل جدًا. والإسكان الاجتماعي الذي تنتجه الحكومة هو مخصص للطبقات المتوسطة وليست الدنيا، أما الإسكان الذي يشرف عليه القطاع الخاص فهو مخصص للطبقات العليا؛ لذلك أرى أن الطبقات الدنيا ليس لديها أي فرصة للانتقال للمدن الجديدة، ولهذا أيضًا سيستمر الطلب على العشوائيات ما دمنا لم نضع حلولًا.

    ومن الضروري إعادة النظر في تخطيط المدن الجديدة، وعدم عزلها عن الطبقات الدنيا. نحن ننتج حاليًا منازل لأشخاص يريدون الاستثمار فقط وليس السكن، وهي بمرور الوقت تتحول لوحدات سكنية مغلقة غير مسكونة؛ لذلك على الحكومة التخلي عن الفكرة. صحيح أن أعمال البناء والتشييد تضمن تقليل نسب البطالة في المجتمع. وصحيح أن الناس حاليًا لا يشتكون من البطالة. لكنهم في المقابل يشتكون الغلاء. وعلى أية حال لم يعد هناك الآن احتياج لاستمرار عمليات البناء المخصصة للطبقات العليا.

    • لكن وقف عمليات البناء معناه أن نسب البطالة المرتفعة في المجتمع ستعود مرة أخرى، أي أن حل المشكلة سيصدر لنا المزيد من الأزمات الأخرى.. هل تعتقد ذلك؟

     أولًا يجب أن نعرف أننا لا نعاني من عجز في الوحدات السكنية، بل هناك فائض كبير يتجاوز احتياجنا. وفقًا لبيانات الإحصاء، هناك فائض في المنازل بمعدل 37%. الحل هو تقليل حركة البناء في المدن الجديدة والتركيز على إنشاء مصانع ومشروعات تهتم بقطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والبحث العلمي. لأن التعويل على الأجانب لشراء العقارات ليست ظاهرة جيدة، وهي أمور تقودنا لما يطلق عليه مصطلح الفُقاعة العقارية، وهو وضع خطير يجب أن نتفاداه؛ لذلك ينبغي توجيه أموال الناس للاستثمارات المنتجة التي توفر فرص عمل حقيقية كالمصانع وغيرها.

    • كيف تُقيم تجربة العاصمة الإدارية الجديدة؟

    كنت أتمنى لو نُوقشت فكرة العاصمة الإدارية بشكل أوسع. كنت أفضل توجيهها جنوبا إلى شمال الصعيد، مثل المنيا أو غرب بني سويف. أما إذا أردنا إبقاءها قريبة من القاهرة، فإن الفيوم كانت الاختيار الأنسب، نظرا لبعدها عن الحدود الدولية والتوترات السياسية.

    وهذه المنطقة التي أقيمت عليها العاصمة الإدارية تقع بالقرب من منطقة الكيلو 101 التي تواجد فيها الصهاينة وقت الثغرة، وهي قريبة من قناة السويس، محل مطمع وصراع دائم بين القوى الكبرى في العالم. لذلك في ظني أنه كان من الضروري مراعاة هذه الأمور، حتى لا تصبح العاصمة مهددة في أي وقت من الأوقات. فالعواصم يجب أن تكون في العمق، وليست قريبة من السواحل.

    • وكيف يمكن أن تنجح التجربة؟

    علينا الآن بناء مناطق صناعية كبيرة داخل العاصمة الإدارية، وإنشاء أحياء سكنية للعمال ومحدودي الدخل، كي لا يقتصر دورها على النشاط الخدمي فقط. فالعاصمة الإدارية قريبة من الموانئ، مما يتيح لها أن تكون مدينة صناعية متقدمة تخدم على التصدير.

    لكن أظن أنه في الوقت الحالي لن يتم الالتفات لهذا الحل، لأن عزل العاصمة الإدارية يعد أكثر أمانا للدولة المصرية، كي لا يتم شلها في أي وقت، كما حدث خلال أحداث يناير 2011. مع ذلك أعتقد أن فترة عدم الاستقرار السياسي لم تعد موجودة مثل الماضي. وأقصد هنا أن الدولة حين فكرت في إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة كانت تمر بلحظة عدم استقرار سياسي، وهذه اللحظة قد انتهت. لذلك من الممكن إعادة التفكير في ساكني العاصمة الإدارية الجديدة وإعادة تخطيطها لضمان نجاح التجربة.

    اقرأ أيضا:

    محمد حمزة: هدم المقابر لن يتوقف.. و«العناني» غير مؤهل لمنصب مدير اليونسكو

  • محمد حمزة: هدم المقابر لن يتوقف.. و«العناني» غير مؤهل لمنصب مدير اليونسكو

    محمد حمزة: هدم المقابر لن يتوقف.. و«العناني» غير مؤهل لمنصب مدير اليونسكو

    حبه للتاريخ بدأ منذ مرحلة مبكرة، حيث لاحظ أساتذته موهبته خلال المرحلة الابتدائية، وبسبب ذاكرته «الحديدية» أطلقوا عليه لقب «أبو التاريخ». أما تعلقه بالآثار فقد بدأ أثناء الجولات التي كان يقوم بها رفقة عائلته. كان والده يصحبه وأسرته من محافظة الغربية إلى القاهرة لحضور مولد سيدنا الحسين.

    يقول: «كنت أتركهم وأقوم بجولات داخل القاهرة القديمة. عرفت جميع الدروب والأزقة. وزرت معظم آثار القاهرة والجيزة، وساعدني في ذلك معرفتي وخلفيتي التاريخية لهذه الأماكن القديمة. لذلك، عقب المرحلة الثانوية، قررت دراسة الآثار». ورغم حبه للتاريخ، إلا أنه اختار التخصص في الآثار. وكان سبب ذلك رغبته في معرفة الجانب المادي للمدينة، فهو لم يرد أن يكون حبيسًا داخل المكتبات، بل أراد أن ينطلق ويتعرف على الجانب المادي للمدينة.

    في البداية، كان حمزة يرغب في الالتحاق بقسم المصريات، لكنه قرر في نهاية الأمر دراسة الآثار الإسلامية بعد خلاف نشب بينه وبين أستاذه رمضان عبده، وقد تدخلت الدكتورة سعاد ماهر، عميدة كلية الآثار بجامعة القاهرة آنذاك، وسمحت له بالتحويل لقسم الآثار الإسلامية، الذي عُين فيه معيدًا فيما بعد، ثم قرر أن يخصص رسالته للماجستير حول منطقة القرافة، والتي تعد من أوائل الدراسات الأثرية في العالم التي لفتت الانتباه إلى هذه المنطقة. يقول: «أردت تقديم رسالة عن القرافة لأنني تعلقت بالمنطقة منذ مرحلة مبكرة من حياتي، كنت أزورها بشكل مستمر مع عائلتي في القاهرة، أبهرتني المدينة وصرت مع الوقت أحد مجاذيب قرافة القاهرة».

    هنا نحاور الدكتور محمد حمزة الحداد، العميد السابق لكلية الآثار بجامعة القاهرة، وأحد أبرز المدافعين عن تراث مدينة القاهرة. نتحدث معه حول رؤيته لما يحدث داخل المدينة التي باتت مهددة.

    • في عام 2015 تم تكليفك من جانب وزير الآثار ممدوح الدماطي لرئاسة لجنة لتسجيل جبانات القاهرة. لكن رغم صدور القرار، إلا أنه لم ينفذ، بل كانت هناك محاولات من جانب بعض مسؤولي الآثار خلال فترة مصطفى وزيري باتهام اللجنة فيما آلت إليه وضع الجبانات. ماذا حدث؟

    أولًا، أنا من طالبت بتشكيل لجنة تسجيل القرافة، وأردت تسجيلها بشكل كامل باعتبارها موقعًا أثريًا شاملا، وليست مجرد مباني أثرية كما يحاول بعض الآثاريين التهرب الآن من هذه الجزئية. الأمر الثاني أنني نجحت في تشكيل اللجنة بعد أن أصدر الوزير ممدوح الدماطي وقتها قرار التشكيل. لكن المشكلة أن اللجنة لم تفعل. لم تجتمع اللجنة أصلًا، وكانت هناك حجج وتأجيلات مثل أن الأوضاع الداخلية لا تسمح بدراسة المنطقة على الأرض، فضلًا عن حجة عدم توفر الميزانية.

    كنت دائمًا أتحدث مع الوزير في اجتماعات مجلس الإدارة، وكان يعتذر عن عقد أعمال اللجنة لحين استقرار الأوضاع وتوفير الميزانية. وعندما جاء “العناني” لوزارة الآثار تم “دفن” القرار، إذ جرى استبعادي من مجلس الإدارة عن عمد. وتغير رئيس القطاع الدكتور محمد عبد اللطيف، وكذلك الأمين العام؛ وبالتالي أصبح القرار مجرد ورقة داخل الدرج. أما من يحاولون مهاجمتي فهؤلاء يحاولون دفن رؤوسهم مثل النعام تمامًا.

    لماذا لم يُفعلوا قرار اللجنة مرة أخرى؟ ولماذا لم يشكلوا لجنة أخرى؟ ولماذا وافقوا على قرارات الهدم أصلًا؟ وبالمناسبة، أنا من نشرت القرار على الفيسبوك، حيث لم يكن أحد يعرف أي شيء عن الورقة من الآثاريين. العراقيل الإدارية بالكامل كانت من جانب وزارة الآثار. كان من المفترض تحديد آلية عمل اللجنة والبدء في تنفيذ القرار، لكن الأمر لم ينفذ. وعندما جاء خالد العناني إلى وزارة الآثار، أعاد تشكيل مجلس إدارة المجلس الأعلى للآثار بهدف استبعادي من المجلس.

    • وما سبب اختيار طالبة بكلية الآثار ضمن أعضاء هذه اللجنة؟

    أريد إيضاح هذه الجزئية: هذه الطالبة هي في الأساس مفتشة آثار وليست طالبة، وقد استعنا بها في اللجنة كون أن رسالتها للماجستير عن المنطقة، ووضعنا اسمها للتنسيق مع “التُربية” التي تعرفهم جيدًا، ولترتيب الأمور. فهذه المقابر ليست في حيازة الآثار بل الأوقاف. وخلال الفترة المقبلة سيتم مناقشة رسالتها للدكتوراه وموضوعها أيضًا عن منطقة القرافة.

    • إذن على من تقع مسؤولية هدم منطقة القرافة؟

    موضوع هدم القرافة ليس جديدًا، بل ظهر في سبعينيات القرن الماضي عندما رأت محافظة القاهرة أن الحل هو الهدم بسبب تكدس المساحات داخل المدينة. لذلك أرادوا حل المسألة من خلال هدم وتطوير الجبانات، وإنشاء مسارات وطرق جديدة. وقد دافعت الصحافة عن أية عمليات هدم داخلها، خصوصًا بعد تسجيل القرافة على لائحة التراث العالمي. ورفضت اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية وقتها أية عمليات هدم داخل القرافة. أما الآن، ومع التنمية المستدامة، ورؤية مصر 2030، وسرعة تنفيذ المشروعات، فقد تم اعتبار الوقت مناسبًا لتنفيذ المشروع، واعتبار أن أجزاء من هذه المنطقة تقع ضمن المنفعة العامة؛ أي يحق للدولة إزالة ما تشاء داخلها.

    • وما الحل للتعامل مع القاهرة في الوقت الراهن؟

    الحل هو استحداث قانون للآثار والتراث الموحد، مع تبعية هذا القانون لجهة إدارية واحدة لمحاسبتها. الأمر الثاني، لابد من إجراء تعديل على قانون المنفعة العامة، وإضافة فقرة وهي: عندما تتعارض المنفعة العامة مع التراث يجب البحث عن بدائل وحلول مبتكرة لا علاقة لها بالموقع الأثري. نحن لسنا ضد التطوير أو التحديث، ولكن عندما يتعارض الأمر مع موقع تراثي أو أثري، فيجب احترام الموقع، ما دامت هناك بدائل وحلول.

    • لكن الدولة شكلت لجنة للبت في أمر الجبانات..

    وماذا حدث؟ تم هدم الجبانات في النهاية ولم يؤخذ برأي اللجنة. أنا كنت أحد أعضاء اللجنة في بداية الأمر، وأضافوني على جروب الواتساب بالفعل. لكن ما حدث هو أنهم فجأة، وبدون مقدمات، قرروا إبعادي، وحذفوا الجروب. وقد اتصلت بي مديرة مكتب وزير التعليم العالي أيمن عاشور واعتذرت، وقالت إن اللجنة سيقتصر دورها على أساتذة الهندسة والعمارة والتخطيط. وأبلغتني أنه سيتم تشكيل لجنة من الآثاريين وأنني سأصبح رئيسًا لها. لكن علمت بعدها أن وزير التعليم العالي لم يرد إدخال أي من الآثاريين في اللجنة تجنبًا لـ«وجع الدماغ!».

    • تعتقد أن هناك تحاملًا على مسؤولي الآثار؟

    لا يوجد أي تحامل. الآثار هي من تعطي الموافقات بالهدم، إذ يتعاملون مع الجهات الرسمية ويمررون لهم قرارات الهدم بدعوى أنها مناطق غير مسجلة! وهذا تضليل واضح وصريح. المنطقة ليست مجرد مباني أثرية، بل هي موقع أثري بالكامل، وهي مثل منطقة الأهرامات. وقانون المنفعة العامة ينص على أنه من الضروري استشارة وزارة الآثار، ولها المسؤولية الكاملة في الحكم على أثرية الموقع من عدمه قبل إجراء أية أعمال هدم.

    لذلك، نحن أمام كارثة حقيقية. المشكلة أن كلًا من أمين عام الآثار السابق مصطفى وزيري، وكذلك أسامة طلعت رئيس قطاع الآثار الإسلامية، سمحوا ومرروا كل قرارات الهدم. هؤلاء لم يبادروا بأية حلول، الأمين العام أراد تنفيذ أجندة الهدم للحفاظ على الكرسي الذي سحب منه في وقت لاحق.

    • لكن هذه القيادات تبدلت ولم تعد في الصورة..

    لم يحدث شيء جديد. تفائلنا في البداية بوجود مجموعة جديدة، لكن على أرض الواقع، سمحوا باستمرار عمليات الهدم. وبالمناسبة، هدم المقابر سيستمر ولن يتوقف، إذ يجرى حاليًا إبلاغ الناس بضرورة إخلاء المقابر لاستمرار الهدم في منطقة الإمام الشافعي. فضلًا عن تبني القيادات الجديدة لفكرة تحويل المباني الأثرية لقاعات أفراح، وبالمناسبة، ما يجري الآن بخصوص استغلال المواقع هو استمرار لنهج قيادات الآثار السابقة. ربما على الأرض كانوا مختلفين في بعض النقاط، لكن على أرض الواقع، قام كلاهما بدور تكاملي؛ أي اتبعوا نفس النهج. والشيء الوحيد الذي يجمع بينهم أنهم لا يملكون أي رؤية حقيقية. هؤلاء تخلوا عن مسؤوليتهم الحقيقية للحفاظ على مناصبهم. إذا أردت أن تعرف حجم الكارثة، عليك الذهاب لمنطقة القلعة لمشاهدة ما جرى. فقد حولوها بالكامل لقاعات أفراح.

    • والحل؟

    الحل هو تسجيل كل المواقع غير المسجلة في منطقة الجبانات خاصة أن المنطقة مُسجلة على لائحة التراث العالمي. ولكن، تواجه هذه الخطوة رفضا من وزارة الآثار بحجة عدم رغبتها في تحمل مسؤولية الترميم بسبب نقص الميزانيات. والحل الثاني، هو التراجع عن مشاريع “إعادة الاستخدام” الفجة. ينبغي أن تُطرح هذه المشاريع على لجان علمية متخصصة لوضع دراسات ورؤى حقيقية حول الطريقة الأمثل لاستخدام المواقع الأثرية.

    • هل استعانت بك القيادة الجديدة للمشورة؟

    لا، رغم أن جمال مصطفى، رئيس القطاع الجديد، تواصل معي في البداية وطالبني بتشكيل لجنة من الأساتذة ووعدني بعدم التدخل في أعمالها. وقد رشحت له ثمانية أساتذة من غير المتعاونين مع المجلس الأعلى للآثار. وحتى الآن لم يصدر القرار، وأظن أنه أراد معرفة الأسماء الجيدة من الأساتذة لاستبعادهم لاحقا من أي أعمال داخل الآثار. حاليًا يتم تحييد جمال عبد الرحيم عن الصورة، وإحلال الدكتور أحمد الشوكي بدلًا عنه، وكذلك الدكتور محمود رشدي، والدكتور سامح البنا.

    • كيف تقيم الدراسات الأثرية داخل كليات الآثار؟

    هناك أزمة، سببها التوسع الكبير في كليات الآثار، وقد سبق أن حذرنا من الكارثة، لكن لم يلتفت إليها أحد. وعندما كنت عضوًا في مجلس إدارة المجلس الأعلى للآثار، وخلال فترة عمادتي لكلية الآثار بجامعة القاهرة، تقدمت بمشروع لاقتصار عدد كليات الآثار على ثلاثة فقط: واحدة في القاهرة، وأخرى في الدلتا، وأخرى في الصعيد. مع تجميد قسم الآثار في كليات الآداب. وقد تحمس الدكتور خالد العناني للفكرة وتواصلنا مع وزير التعليم العالي والبحث العلمي، لكن المشروع ظل حبيسا في الأدراج ولم يُنفذ منذ عام 2016. وتفاجئنا أن كليات الآداب تحولت مع مرور الوقت إلى كليات آثار. لذلك أعتبر أن التوسع في إنشاء كليات الآثار كان خطأ فادحا وجريمة في حق البلد، لأن مثل هذه القرارات ساعدت على ارتفاع نسبة البطالة والعاطلين في المجتمع.

    • خلال وقت عمادتك لكلية الآثار بجامعة القاهرة ركزت على التوسع في الأقسام المتخصصة.. ما أهمية التركيز على التخصصات الدقيقة؟

    التوسع في الدراسات المتخصصة ضرورة ملحة الآن، وهي ليست رفاهية، فالأجانب تفوقوا لأنهم ركزوا على مثل هذه التخصصات. لكن للأسف نحن في مصر لا نهتم بهذه الأمور؛ لذلك أردت التأسيس لهذه المدرسة داخل كلية الآثار وتكثيف هذه النوعية من الدراسات.

    • ما مشاكل عدم وجود تخصصات دقيقة؟

    القانون القديم جعل التخصصات فضفاضة. على سبيل المثال، ستجد مصطلح “أستاذ الآثار الإسلامية” أو “أستاذ الترميم”، وهي أمور أفضت بنا إلى كوارث. لأن الأساتذة المرممين قد يكون تخصصهم الدقيق هو ترميم المعادن، لكن هذا لا يمنحهم الحق في وضعهم على رأس لجان أثرية لترميم الهرم مثلًا. صحيح أن الترميم هو اختصاصهم، لكن تخصصهم الدقيق لا يتناسب أبدًا من المهمة التي كلفوا بها، وقد تلاعب المجلس الأعلى للآثار لسنوات طويلة ووضع غير المتخصصين على رأس اللجان الأثرية؛ لذلك أردت أن أضع حلًا لهذه المشكلات، من خلال التخصصات الدقيقة.

    قمت بتقسيم تخصصات كلية الآثار الإسلامية لعدة أقسام، منها: العمارة، والفنون، والتصوير، والكتابات، والمسكوكات. لذلك أرى دائمًا أن جزءا من أزمة الجبانات الحالية تقع على مسؤولية هؤلاء غير المتخصصين ممن كلفوا بهذا الملف. ستجد مثلًا أن رئيس اللجنة المعنية بالجبانات حاليًا تخصصه الدقيق حول التصوير الإسلامي في الهند، وهو لا يعرف الكثير عن الآثار المصرية الإسلامية. وستجد معاونوه في اللجنة أحدهم متخصص في منطقة آسيا الوسطى وتحديدًا أوزبكستان، وهذا ليس منطقيًا.

    • لكن دعني أختلف قليلًا.. هؤلاء أيضًا ورغم أن تخصصهم الدقيق ليس الجبانات أو الآثار في مصر، لكنهم على علم ومعرفة بالدراسات الأثرية المصرية بحكم إشرافهم على رسائل علمية بشكل مستمر!

    فاقد الشيء لا يعطيه، هناك خلط كامل في المفاهيم وهذه هي سبب الكارثة التي نعانيها الآن في الجامعات المصرية.

    • أخيرًا.. ما هي فرص ترشح «العناني» لمنصب اليونسكو؟

    أظن أن ترشيحه منذ البداية كان خطأ. ومن الممكن أن يصل إلى منصبه بحكم قوة الدولة المصرية، لكنني أصر على رأيي بأنه ليس مؤهلًا لهذا المنصب، ولم يكن مؤهلًا لإدارة وزارة بحجم الآثار. وقد ارتكب أكبر خطأ في حياته عندما دمج الآثار مع السياحة؛ لذلك أطالب بفصل الآثار عن السياحة.

    اقرأ أيضا:

    نزار الصياد: القاهرة تعيش مأساة (1-2)

  • نزار الصياد: القاهرة انتهت ومن الظلم اتهام ثورة يناير بإفساد حالة العمران (2-2)

    نزار الصياد: القاهرة انتهت ومن الظلم اتهام ثورة يناير بإفساد حالة العمران (2-2)

    يصف د.نزار الصياد عمليات إزالة جبانات القاهرة التاريخية بالكارثة الحقيقية، مؤكدا أن غياب الشفافية في التعامل مع الأمور قادتنا لهذه النهاية المأساوية. يقول:«لو تم إخطارنا أن هدف الهدم هو ربط المحاور المرورية بالمدن الجديدة، لأصبح لدينا مرجعية لفهم وتقييم ما يحدث داخل القاهرة بشكل واضح وصريح ودون لبس». وأضاف أنه كان من الممكن تفادي عمليات الهدم إذا تم تقديم حلول حقيقية للتعامل مع المنطقة، لكن ذلك لم يحدث أيضا.

    هنا نستكمل الحديث مع المؤرخ العمراني الدكتور نزار الصياد، أستاذ العمارة والتخطيط وتاريخ المدن بجامعة كاليفورنيا بيركلي. حيث يقدم لنا صورة أشمل حول تراث مدينة القاهرة والتحديات التي تواجهه خلال الفترة المقبلة.

    • كيف تقيم ما حدث داخل جبانات القاهرة التاريخية خلال السنوات الأخيرة؟

    كان يمكن تفادي ما حدث في الجبانات من خلال تقديم حلول حقيقية. صحيح أن المحاور المرورية -ربما- يكون لها تأثير إيجابي من حيث تقصير المسافات. لكنها في نفس الوقت لم تأخذ في اعتبارها أهمية التراث. لم تؤخذ البدائل الحقيقية التي طرحت للتعامل مع هذه المحاور بعين الاعتبار. كان من الضروري وقف عمليات اختراق الجبانات، لكن ذلك لم يحدث. وهذه الحلول كان يمكن طرحها أمام الجميع، ولكن المشكلة الرئيسية هي أن الدولة لم تتعامل بشفافية مع الناس.

    • وماذا عن المهندسين الذي قاموا بتصميم هذه المحاور؟ هل يقع عليهم مسؤولية؟

    المشكلة في مصر معقدة وتحتاج إلى تفكيك، فنحن بمرور الوقت أصبح  مشكلة في نوعية ولاءات المهنيين الذين يعملون مع هذه المشاريع. هؤلاء ولاؤهم فقط للمقاولين والجهات التي يعملون معها، وهم يفتقدون أي ولاء قد يكون لصالح التاريخ أو التراث. نحن نفتقد في مصر الحوارات المجتمعية والمهنية. عندما نسأل أصدقائنا المهندسين ممن شاركوا في هذه النوعية من المشروعات، يقولون لنا: «احمدوا ربنا إننا قدرنا نطلع بالنتيجة دي!» قد يكون ذلك صحيحًا بالمناسبة لكن ما حدث جريمة كاملة. جريمة لأنه تم اختراق وتجاهل كل القوانين المحلية.

    مثلًا، جهاز التنسيق الحضاري لديه القوانين، لكنه لا يملك الضبطية القضائية ولا يملك أي سلطة لوقف هذه النوعية من المشروعات، فضلًا عن أن رأيه استشاريًا فقط. لذلك يرى البعض أن الجهاز موجود لاستكمال الصورة ليس أكثر ولا أقل. أما على أرض الواقع، فليس لديه أي سلطة حقيقية. فقد وضع الجهاز معايير للتعامل مع كل منطقة تحمل تراثًا، ولكن في نهاية الأمر ‏لم تُفعل أي من هذه المعايير على أرض الواقع.

    • كثيرون يلقون باللوم على الثورة وتبعاتها على العمران، خصوصًا مع إنتاج العشوائيات بصورة أكبر. هل تعتقد أن ثورة يناير يتم استخدامها كشماعة للإخفاقات المستمرة؟

    ثورة يناير 2011 لم تكن سببًا رئيسيًا في وضع العمران الحالي، وإن كان البعض قد استغل حالة الانفلات للتمادي في البناء العشوائي، ولكن من الظلم توجيه الاتهام إليها. قبل الثورة، ‏كتب البعض عن القاهرة كمقبرة أو قنبلة على وشك الانفجار، وهناك آخرون اعتبروا أن القاهرة كمدينة قد انتهت تمامًا.

    وأنا الآن لست متفائلًا أبدًا بمستقبل المدينة. ومع زياراتي الكثيرة لمصر خلال السنوات الأخيرة، اكتشفت أن كثيرا من المؤرخين والمهتمين بتراث المدينة هم أصحاب وعي حقيقي. بجانب اهتمامهم وإيمانهم بالأشياء التي يقومون بها. لكن رغم هذا كله، فإن تأثيرهم على أرض الواقع قليل. وأنا هنا لا أتحدث عن كبار المعماريين. لكن أقصد الشباب ومنهم مثلًا أعضاء “سيرة القاهرة” -مبادرة شعبية تجمع المهتمين بتراث القاهرة-. فالحالة الثقافية والمعلوماتية التي خلقوها داخل المدينة لم تكن موجودة في زمني، أي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. لكن ما دفعهم للتحدث عن المدينة بهذه الصورة هو إدراكهم أن تراثها أصبح مهددًا بصورة لم تحدث من قبل، لذلك أرادوا توثيقه والمحافظة عليه.

    وهؤلاء لديهم وعي حقيقي، لكن المثقفين لم يهتموا بهذا النوع من الموضوعات في سبعينات القرن الماضي. لكن في نهاية الأمر ورغم هذا الوعي الذي خلقه هؤلاء الشباب، فإن تأثيرهم كان محدودًا. وأقول محدودًا لأنه كان من المفترض أن يتم استثماره بصورة أكبر، وأن يخلق رأيا عاما حقيقيا قادرا على إجبار الحكومة على المحافظة على تراث المدينة.

    • لماذا نجحت الكثير من التجارب الأوروبية في الحفاظ على المدن القديمة، ولماذا لم تنجح تجربتنا حتى الآن؟

    الاهتمام بالتراث في أوروبا بدأ في القرنين الـ18 والـ19، وهو اهتمام لم يكن وليد اللحظة. كان معظم أعضاء لجنة حفظ الآثار العربية (أنشأت بأمر من الخديوي توفيق سنة 1881 بهدف الحفاظ على الآثار الإسلامية في مصر) من الأجانب. وكان لديهم إدراك بالتغيرات التي حدثت داخل أوروبا خلال نصف قرن من الزمان. هذه التغييرات أدت للحفاظ على تراث مدن كاملة مثل: فينيسيا وفلورنس وسيينا، وغيرها من المدن. لقد أعادوا صياغة هذه المدن بالصورة التي أصبحت عليها اليوم، ووضعوا قوانين صارمة للحفاظ على مدنهم والتزموا بالقوانين.

    لكننا في المقابل، لم نلتزم بالقوانين التي وضعناها. وعندما رحلت لجنة حفظ الآثار العربية عن مصر، لم يلتفت أحد إلى قيمة التراث، ولم نكمل ما بدأته تلك اللجنة. ولكن نظرًا لتعاملهم مع الثقافة المصرية، لجأ أعضاء اللجنة لفرض قيم الحفاظ وطبقوها بشكل إجباري على السكان المحليين، لذلك قرروا إبعاد هؤلاء السكان عن محيط الآثار، وهذا الأمر بالمناسبة خلق حالة من العداء مع التراث من جانبهم. يجب أن ندرك أن اللجنة لم يتم تشكيلها بسبب وعي شعبي، كما حدث داخل أوروبا، بل كان تشكيلها بناء على قرار سياسي من جانب الخديوي، الذي أراد الحفاظ على تراث البلد التي يحكمها. وهو كان هدفا سياسيا أيضًا.

    إذن فنحن أمام حالة مختلفة تمامًا عن الحالة الأوروبية، لأن الحاكم لم يكن لديه هدف شعبي، والشعب أيضًا لم يكن مهتمًا بالتراث، ولذلك لم نكن مهيئين لتقديم النموذج الأوروبي في الحفاظ على التراث القديم. ورغم ذلك، أرى أنه لولا لجنة حفظ الآثار العربية، لما أصبحت لدينا اليوم قاهرة العصور الوسطى، إذ أن أعضاء اللجنة أعادوا خلق هذه المدينة. ولولاهم، لكنا محاطين الآن بأطلال المدينة القديمة. وأرى أن أعضاء اللجنة عملوا في فترة مثالية، وحافظوا على القاهرة القديمة، ورغم اختلافنا معهم في بعض النقاط، إلا أننا مدينون لهم بالحفاظ على المدينة القديمة.

    • إذن كيف تنظر للترميمات الحديثة، خصوصًا ما حدث على سبيل المثال مع جامع الحاكم بالمعز؟

    جامع الحاكم جرى ترميمه وفقًا لرؤية البهرة، وقد غيروا فيه الكثير من الأمور. وعندما جاء كريزويل إلى مصر كجندي في الجيش البريطاني، فتن بالتراث المصري وقام بالتدريس في الجامعة الأمريكية، حتى أصبح من أبرز من درسوا علم الآثار الإسلامية. وضع كريزويل تصورا للجامع الحاكم وفقًا للأنماط المعمارية التي تعود لنفس الفترة. وعندما أراد البهرة ترميم المسجد، رمموه وفقًا لهذا التصور. لذلك أرى أننا اليوم أصبح لدينا جامع «كريزويل» وليس «الحاكم». وأنا لست معترضًا على ما جرى مؤخرًا، لأن هذه هي سُنة تغيير المباني. فالبهرة أعطوا لجامع الحاكم حياة أخرى، فقد عاصرت الجامع عندما كان عبارة عن خرابة ومحاطًا بالقمامة من كل جانب. إعادة بناء جزء من المبنى الذي كان موجودًا من قبل، واستنباط الباقي منه أمر لا يمكن رفضه بأي حال من الأحوال.

    • ولكن وفقًا لهذا التحليل، ربما فُقد عنصر الأصالة في نهاية الأمر. هل تقبل مثلًا إعادة بناء قبة مستولدة محمد عليَّ التي هدمت مؤخرًا؟

    لا، لست مع إعادة بنائها، وهناك نقطة يجب توضيحها. أنا لست مع إعادة بناء أشياء هدمت بالكامل، لكنني مع فكرة إعادة بناء أجزاء بعينها، واسترجاعها إذا كنا نملك جزءًا كبيرًا من المبنى الأصلي. وهو أمر حدث مع جامع الأقمر، حيث تم استكمال جزء منه، بهدف إرجاعه لحالته الأصلية.

    وقد فعل صدام حسين الأمر ذاته في مدينة بابل بالعراق، لكن الفارق أن صدام حسين كان يمتلك فقط جزءًا بسيطًا من أطلال المدينة، فقام ببناء الجزء الأكبر منها بشكل متخيل، وهذا خطأ كبير. الحجارة الأصلية تم ختمها بختم نبوخذ نصر، ولكي يتم التفرقة بين القديم والجديد وضع صدام حسين ختمًا يحمل اسمه على الحجارة الجديدة. لكن اعتراضي الأساسي هو أن صدام أعاد بناء أجزاء مخترعة وغير حقيقية، وأظن أنها ستصبح في المستقبل جزءا من التراث.

    • هل تعتقد أننا ننتج اليوم في مصر عمارة جيدة؟

    نحن لا ننتج عمارة جيدة. لكنني أظن أنه في المستقبل سيتم النظر لمكتبة الإسكندرية، والمتحف المصري الكبير، وربما المحكمة الدستورية الموجودة في المعادي، بنظرة من الاحترام والتقدير. أما بالنسبة للبيوت والأشكال السكنية الحالية، فلا أظن أن هذه المباني قادرة على التعبير عن أي قيمة حضارية. فأنماط السكن عادة ما تعكس ثقافة الشعب، وما ننتجه حاليًا لا يعكس أي ثقافة سواء كانت محلية أوقومية.

    • إذن هناك أزمة في التعامل مع التراث حاليًا؟

    لا توجد أزمة فقط في التعامل مع التراث داخل مصر، بل هناك أيضا عدم اكتراث بالتراث، والمهتمون بهذه النوعية من القضايا لا يملكون السلطة، أو الوقت، أو الموارد التي تمكنهم من توسيع النقاش وتحويله إلى اهتمام شعبي. فالقاهرة القديمة أرى أنها انتهت بالفعل، وما حدث في الجبانات خير دليل على ذلك.

    • وما الحل؟

    أرى أن دمج وزارة السياحة مع وزارة الآثار كان خطأ. كما أن تعيين شخص من قطاع السياحة ليكون المسؤول الرئيسي عن الآثار يعتبر تناقضًا كبيرًا. ‏فمهمة المسؤول عن الآثار يجب أن تكون الحفاظ على وصيانة الآثار ‏لخدمة الهوية الوطنية والتاريخ، بينما مهمة مسؤول السياحة هي تسليع الأثر لجلب السياح، والمهمتان قد لا تتوافقان في الكثير ‏من الأحيان، وخاصة في الظروف الاقتصادية الصعبة. لذلك، أتمنى دمج الآثار مع الثقافة مرة أخرى، لأن ذلك سيكون حلًا مناسبًا.

    • أخيرًا.. كثيرون يسألون أين هي اليونسكو مما يحدث؟ هل فقدت اليونسكو مصداقيتها؟

    لم تعد للمنظمات الدولية أي سلطة على أرض الواقع. ‏فهذه المنظمات تخشى أن يكون لها رأي حقيقي. وبسبب سيطرة الدول الكبرى عليها، أصبح دورها محدودًا. وهذه أمور لم تكن لتحدث من قبل. فمصر في ستينيات القرن الماضي كانت دولة ذات ثقل محدود نوعًا ما على المستوى العالمي، لكنها لعبت دورًا مهمًا، ولولاها لما سمعنا عن اليونسكو. فقد وضعت مصر اليونسكو على خريطة التراث العالمي بسبب ما حدث في أبو سمبل. ولولا هذا المشروع لما عرف العالم اليونسكو. لكن الآن أصبح اليونسكو أشبه بجهاز التنسيق الحضاري. كلاهما عاجز عن الحفاظ على التراث تحت ضغوط التنمية والاستثمار.

    اقرأ أيضا:

    نزار الصياد: القاهرة تعيش مأساة (1-2)

  • نزار الصياد: القاهرة تعيش مأساة (1-2)

    نزار الصياد: القاهرة تعيش مأساة (1-2)

    يرى د. نزار الصياد أن «القاهرة» تعيش في هذه اللحظة مأساة نتيجة للتحولات التي تحدث داخلها. إذ يعتبر أن قيم المدينة التاريخية قد فُقدت بمرور الوقت. يقول: «لا يمكن استخدام لفظ آخر سوى المأساة، فالمدينة تبدلت معماريًا وعمرانيًا وتراثيًا». القيم التي فقدتها المدينة يرى نزار أنها بدأت تتلاشى تدريجيًا منذ سبعينيات القرن الماضي، لكنه هنا لا يلقي باللائمة على الانفتاح الاقتصادي الذي جرى خلال تلك الفترة، إذ يعتبر أن الانفتاح كان حتميًا لا مفر منه. «الانفتاح حدث في كل مدن أوروبا الشرقية، والصين، والاتحاد السوفيتي، لكنه في مصر قادنا في النهاية إلى العشوائية، العشوائية التي أرى أنها موجودة أصلًا لدى الشعب المصري وخصوصًا في تعامله مع العمران».

    في هذا الحوار الذي ننشره في جزئين، نلتقي مع المؤرخ العمراني الدكتور نزار الصياد، أستاذ العمارة والتخطيط وتاريخ المدن بجامعة كاليفورنيا بيركلي. نتحدث معه في الجزء الأول حول رأيه في التوسعات العمرانية الجديدة التي تشهدها المدن المصرية، وكذلك رأيه في أزمة الإسكان والزيادة السكانية والحلول التي يمكن تقديمها، في ظل أزمة يبدو أنها تتفاقم. أما الجزء الثاني من الحوار، والذي ننشره غدا الخميس، فنخصصه عن القاهرة القديمة وفرص بقاء طبقاتها التاريخية في ظل استمرار أعمال «التطوير» داخل المدينة المهددة.

    • في البداية.. كمعماري ومؤرخ، كيف تقيم ما يحدث داخل القاهرة ومصر بشكل عام خصوصًا على المستوى العمراني؟

    عندما أقوم بقراءة كتابات المقريزي وابن إياس، أعزي نفسي. فالمقريزي في كتاباته يتحسر على المباني القديمة التي صارت أطلالًا. لذلك أرى أننا نعيش اليوم نفس المرحلة. والقاهرة طوال تاريخها تعيش الأمر ذاته؛ أي أن هناك مباني داخلها يصل فيها عمرها إلى النهاية. هذه النهاية قد تكون طبيعية أو بشرية، مثلما يحدث في القاهرة الآن. فقاهرة القرن العشرين مثلًا لم تعد موجودة وتم إقصاؤها بشكل شبه كامل. والنظام النيوليبرالي الذي جاء مع الانفتاح الاقتصادي، وخصوصًا خلال فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، أضر بالعمران. الدولة وقتها لم تهتم أصلًا بهذا الجانب. أما الآن فقد رأت الدولة أن الحل هو بيع الأصول المهمة، وهذه الأصول في الأغلب أراض. وهذا حدث في وقت سابق بصورة مختلفة فحسب الله الكفراوي وكذلك محمد إبراهيم سليمان، باعا الساحل الشمالي كله لأغنياء مصر، ولا أجد  مثل آخر حول البحر المتوسط قامت فيه دولة  بمثل هذه الطريقة، لأنه ليس من المنطقي خصخصة الشواطئ المصرية بهذه الصورة الفجة.

    • ما الذي يمكن أن نفهمه من هذا التحليل؟ وما تأثير ذلك على المصريين؟

    يعني أن المجتمع أصبح مختلفًا. وأننا غيرنا من توقعات الطبقات الاجتماعية فيما يتعلق بقدرة السيطرة على مناطق عمرانية معينة. إذ أصبح الساحل الشمالي كله عبارة عن ساحل خاص لمجموعة من الأفراد. وهو أمر لم يحدث مثلًا في الساحل الشرقي لمصر؛ أي البحر الأحمر. لم يحدث نظرًا للبعد الجغرافي لهذا الساحل وطوله، بعكس الساحل الشمالي القريب نسبيًا من القاهرة. لذلك أرى أن حال العمران في مصر بصفة عامة، والقاهرة بصفة خاصة، سيء جدًا.

    • لكن الدولة منذ سنوات تحاول القضاء على العشوائيات.. هناك مدن كاملة جرى إنشاؤها خلال السنوات الأخيرة.. هل تعتقد أن الدولة نجحت في تعاملها مع العمران والإسكان أيضًا؟

    الدولة لم تنجح في هذا الملف، وهو أمر لن يحدث أبدًا. قلت لك من قبل إنني كمخطط عمراني أرى أن القاهرة وصلت لنقطة اللاعودة، وأنه من الصعب والمستحيل حل أزماتها العمرانية الموجودة. تتحدث عن المدن والتوسعات العمرانية التي حدثت في السنوات الأخيرة؟ أرى أن هذه التوسعات خاطئة. لأن الدولة في السنوات الأخيرة كانت تنظر للإسكان باعتباره «Real estate» ؛ أي استثمار عقاري. وأي تخطيط عمراني سليم يجب أن ينظر إلى الإسكان من منطلق متكامل، وأن تراعى الأماكن التي يقطنها الناس، والأماكن والمدن التي يعملون داخلها، وكذلك المدارس، والأندية التي يرتادها السكان؛ أي يجب تلبية احتياجات السكان. وهي أمور للأسف لم تراع في تخطيط بعض المجتمعات الجديدة. كل ما فعلته الدولة هو تخصيص أراضي ومساحات شاسعة، وبيعها للناس.

    أما بالنسبة للإسكان الاجتماعي، فهذه الوحدات السكنية تباع بسعر مقبول، لكنها تبعد كثيرًا عن المدن الكبرى والعاصمة. وقد وقع اختيارها بعناية. فإسكان محدودى الدخل لن تجده مثلًا في العلمين الجديدة، أو الجلالة، أو العاصمة الإدارية. لأن هذه الطبقات الاجتماعية وهؤلاء السكان غير مرغوب في أن يتواجدوا بشكل دائم داخل هذه المدن. لكن في المقابل قررت الدولة إنشاء مدن مثل: أكتوبر الجديدة، وحدائق أكتوبر، وهي مدن تبعد عن مدينة أكتوبر نفسها. لكن مشكلة هذه المدن أنه لم يتم مراعاة قاطنيها. ولنفترض أن شخصًا قرر الانتقال للعيش داخلها، فمتوسط المواصلات التي ستكلف هذا المواطن «محدود الدخل» للذهاب لعمله ستتراوح بين الـ100 والـ150 جنيهًا. فضلًا عن عدم وجود فرص عمل حقيقية داخل هذه المناطق الجديدة، وعدم تخطيط الخدمات الموجودة بالمنطقة؛ لذلك فهذه المدن تصبح مدن أشباح في نفس اللحظة التي يتم فيها الإعلان عن إنشائها.

    د.نزار

    • دائمًا يتحدث المتخصصون عن مشكلة الإسكان والزيادة السكانية لكن دون أي حل حقيقي.. كيف يمكن أن نخرج من هذه الأزمة؟

    في مصر لدينا مشكلة إسكان لم يتم حلها، ولم يتم التفكير أصلًا في حلها، بجانب أننا لم نقدم حلولًا مثل الصين أو الهند بالنسبة للتعامل مع الحد من الإنجاب، والحكومة بدورها تحاول إيجاد مدن جديدة لاستيعاب هؤلاء السكان الجدد. لكن المشكلة أنه لم يتم التفكير في إيجاد فرص عمل أو حياة اجتماعية حقيقية لهؤلاء السكان المحتملين الجدد. كل ما قامت به الدولة هو أنها استثمرت في بيع الأراضي لتحويل المدن إلى أراضي للاستثمار العقاري. والمصريون يفضلون دائمًا شراء العقارات لأنها بالنسبة إليهم استثمار آمن. لكنه في الحقيقة استثمار ميت.

    نحن لدينا في مصر أكثر من 7 ملايين وحدة سكنية نصف تشطيب أو بدون تشطيب فارغة، وهذه الوحدات ينتظر أصحابها اليوم الذي سيبيعون فيه وحداتهم. وهذه النسبة لا تشمل المباني العشوائية المماثلة. ‏وهذا الرصيد السكني كفيل بتوفير السكن لملايين من الأسر التي بحاجة إلى الإسكان.

    • لكن رغم هذا، فإن أسعار العقارات داخل مصر في تزايد.. لماذا تنتج هذه الظاهرة؟

    لأن لدينا سوقا مصطنعا وغير حقيقي. أسعار العقارات عمومًا يحددها سوق العرض والطلب. ونحن الآن لدينا طلب كبير لكن المعروض فعلاً من هذا الرصيد السكني قليل للغاية؛ لذلك فهناك زيادة غير منطقية في الأسعار كون أن المعروض قليل للغاية إذا ما قارناه بالنسبة الإجمالية للوحدات المغلقة والوحدات نصف تشطيب او بدون تشطيب.

    • وما الحل؟

    الحل هو ‏إصدار قوانين شبيهة بقوانين التأميم.

    • ماذا تقصد بالتأميم؟

    ما أقصده ليس تأميمًا حرفيًا كالذي قام به عبدالناصر. التأميم يجب أن يتم من خلال تعويض الملاك بصورة عادلة. أو إيجاد وسيلة أخرى لتعويضهم؛ فهؤلاء يرفضون عرض منازلهم للبيع انتظارًا للفرصة المناسبة. لكن هذا الحل يجب أن يتم طرحه بشكل حقيقي، لأن الحكومة لا يجب أن تظل يدها مكبلة، فقد أعطت الفرصة الكاملة وسمحت ببناء هذه الوحدات؛ لذلك لابد من تقديم حل لعرض هذه الوحدات السكنية للبيع لحل أزمة الإسكان. لأنه إذا زاد العرض، سينخفض الطلب؛ وبالتالي سنكون أمام أرقام منطقية وعادلة للبيع. وقد قررت الحكومة وقف البناء في مناطق رسمية مكدسة مثل المهندسين، ونتيجة لهذه القرارات، قرر الكثيرون التوقف عن بيع العمارات القديمة. لأنهم ينتظرون اليوم الذي يعود فيه البناء مرة أخرى. نحن الآن أصبح لدينا نوع من الشلل التام في حركة العقارات داخل القاهرة. بالإضافة إلى الشلل التام الذي سببه قانون الإيجار القديم، فقد تحولت الكثير من هذه الوحدات إلى منازل فارغة نظرًا لأن أصحابها الأصليين انتقلوا لمناطق أخرى منذ سنوات. لذلك أرى أن الوضع سيستمر ما دامت الحكومة عاجزة حتى الآن عن حل هذه المشكلة، وهذا التدخل يجب أن يكون شجاعًا.

    • هل تعتقد أن المناخ الحالي قادر على تقديم معماريين شباب جيدين؟

    بالتأكيد لا. المشكلة الآن أن المصريين وصلوا لدرجة من الاستسلام لم تحدث من قبل، وأدركوا أن لا شيء بيدهم. قرأت مقالًا مؤخرًا يشرح هذه المسألة لأحد علماء الاجتماع الذي قدم تحليلًا واقعيًا للنقطة التي وصل إليها المصريون. وقد خلص المقال إلى أن هناك حالة انسحاب كاملة لكثير من المصريين من الحياة الاجتماعية. أما الجزء الثاني من المصريين، فقد قرروا الاستفادة من الوضع القائم. والمشكلة أن كثيرا من المصريين لا ينتمون أصلًا لهذين المعسكرين. لكن في نهاية الأمر أصبحوا هامشيين وغير موجودين إطلاقًا، وأصبحوا خارج المعادلة. لذلك ينطبق  الأمر ذاته على المعماريين. هناك من يحاولون، وهناك من يلبون ما يطلب منهم للاستفادة الكاملة.

    • وهل تعتقد أننا ننتج عمارة جيدة؟

    لا، إذ لا يوجد أي مرجعية لهذه المشروعات. فمعظم المشروعات الجديدة لم تنتج نتيجة أي نقاش مجتمعي حولها، ولم يترك للمصريين أي فرصة لإبداء الرأي فيها أو أي شيء يخصها.

    • لكن منذ نشأة القاهرة على يد جوهر الصقلي «الصقلبي»، لم يتم مناقشة السكان المحليين في أي من قرارات البناء داخلها، وهذا الأمر أيضًا ينطبق أيضًا على المدن التاريخية الباقية حتى اليوم في العالم!

    نحن الآن في القرن الواحد والعشرين، ووضعنا يختلف عن الماضي. فالمدن العظيمة التي خرجت للنور سببها هو حرفية تصميم المباني وتشكيل العمران، وهذه الحرفية انتهت تمامًا في الزمن الحالي. أريدك أن تنظر إلى المدن الجديدة في دول العالم الأول أو حتى دول العالم الثالث التي تقوم بدراسات الجدوى، مثل: ماليزيا، والبرازيل، وإندونيسيا. فهؤلاء جميعًا قرروا إنشاء عواصم جديدة لهم، ولكنهم فكروا في أشكال مناسبة تلائم طبيعة دولهم. وقد وقع الاختيار على المعماريين القائمين على إنشاء هذه العواصم وفقًا لمعايير صارمة تتوافق مع طبيعة هذه البلدان وثقافة الناس.

    لكن في حالة العاصمة الجديدة، نحن لا نعرف من خططها، ولا نعلم مرجعية هؤلاء المعماريين. لا أعرف، مثلًا، السبب في اختيار الميادين داخلها بهذه الصورة، ولا الرسائل التي أراد المعماري إيصالها. عندما تذهب للعاصمة، ستجد أن الوصول إلى الحي الحكومي يتطلب المرور على ميدان البنوك. لكن عند التفكير في الأمر من ناحية فلسفية، ستتساءل وتقول: ما الرسائل التي أرادوا إيصالها من هذا الميدان قبل الذهاب إلى الحي الحكومي؟ وهي أمور يمكن أن ينظر لها باعتبارها مقصودة. لكنني أظن أنها غير مقصودة، لأن التخطيط تم بعدم شفافية ؛ وبالتالي فمثل هذه القرارات ليست مبنية على أي مرجعية يمكن من خلالها الاختلاف معها أو حتى مساندتها.

    اقرأ أيضا:

    د.سهير حواس: قرارات وقف هدم الجبانات «وهمية»!

  • للحفاظ على الراحة الأبدية.. ما هي أخلاقيات دراسة المومياوات القديمة؟

    للحفاظ على الراحة الأبدية.. ما هي أخلاقيات دراسة المومياوات القديمة؟

    خلال فعاليات النسخة الـ24 من مؤتمر الآثاريين العرب، الذي أقيم مؤخرًا بمدينة الشيخ زايد، تم التطرق إلى عدة قضايا حيوية تتعلق بالتراث العربي، وأبرزها ما طرحته الدكتورة سحر سليم، رئيس قسم الأشعة التشخيصية بكلية القصر العيني، إذ عرضت، رفقة الدكتور محمد الكحلاوي، رئيس اتحاد الآثاريين العرب، العديد من الممارسات التي يتبعها الغرب حاليًا لتفريغ الحضارات القديمة. كما تم استعراض التاريخ الطويل للدول الأوروبية في سرقة تراث المجتمعات خلال فترة الاستعمار، بالإضافة إلى محاولتهم المستمرة حتى وقتنا هذا لتقديم رؤيتهم الخاصة حول الحضارات القديمة، باعتبارهم حراسًا للهوية والتراث الإنساني!

    ألقت الدكتورة سحر سليم ندوة بعنوان «الحفاظ على الراحة الأبدية.. مراعاة حقوق وكرامة المومياوات القديمة». وأشارت خلال ندوتها إلى أن هناك فرقًا بين المومياء والهيكل العظمي، فالمومياوات القديمة تحتفظ بالأنسجة الرخوة كما هي، وهو أمر لا يتوفر في الهياكل العظمية. وقد ظهرت فكرة التحنيط في العديد من الحضارات القديمة، في آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية، إذ إن هناك تحنيطا طبيعيا، وهو يعني أن الطبيعة هي من حفظت هذه المومياوات، وقد لعبت الصدفة في هذه الحالة الدور الأبرز. وهناك في المقابل عوامل بشرية للتحنيط، مثل ما فعلته الحضارة المصرية القديمة بأجساد المتوفين من خلال عمليات التحنيط المعقدة.

    قدسية الرُفات القديمة

    وأضافت سليم: لا يجب النظر أبدًا إلى المومياوات كونها قطعًا أثرية، أو كونها أشياء تباع وتشترى وتعرض للناس، إذ ينبغي الحفاظ على كرامة هؤلاء. فالحضارات الإنسانية تعاملت مع الرفات بشكل مختلف. والثقافة الأمريكية الأصلية القديمة، مثلًا، لم تكن تؤمن بالبعث، لكنهم كانوا ينظرون إلى أسلافهم باعتبارهم مرشدين روحانيين، لهذا اعتبروا أن حماية الرُفات جزء من ضمانة سلامة أرواحهم. وهذا الأمر ينطبق على حضارة الإنكا في بيرو، إذ اعتبروا أن للرفات سلطة روحية ودينية كبيرة. أما بالنسبة للحضارة المصرية القديمة فقد آمن المصريون القدماء بالبعث، وأرادوا تحنيط المومياوات لترسيخ عقيدتهم الدينية وتأكيدًا لارتباطهم بيوم البعث والخلود؛ لذلك أرادوا إتقان التحنيط لضمان أن يذهب المتوفي لعالمه الآخر على أكمل وجه وصورة. فقد اعتبروا الموت بمثابة مشروع للحياة وقد حنطوا أيضًا حيواناتهم الأليفة التي اعتبروا أن لها قدسية هي الأخرى.

    صناعة الموت

    وأكملت: استطاع المصريون القدماء توظيف قدراتهم ومهارتهم المتخصصة في كافة الجزئيات لإعداد المتوفي للعالم الآخر. فالتحنيط صناعة كاملة ويتطلب إتقانا كاملا لتوظيف المواد الكيميائية لمنع وصول البكتيريا والحشرات لجسد المتوفي. كما يتطلب التحنيط إتقان صناعة النسيج، والحلي، والنجارة التي تستخدم لصناعة التوابيت والتمائم. كما أن اختيار موقع الدفن كان يتم بعناية شديدة، وكان هذا الموقع لابد له أن يكون مقدسًا. فهؤلاء قرروا بمحض إرادتهم الدفن داخل هذه المواقع المقدسة؛ لذلك من المفترض احترام رغباتهم. فالمقابر القديمة بنيت لتظل مغلقة، بهدف الحفاظ على الراحة الأبدية للجسد. لكن للأسف التاريخ لم يراع هذه الجزئية، وهناك تاريخ طويل من عدم احترام المومياوات القديمة.

    وتابعت «سليم»: ظهرت سرقات المقابر منذ العصور القديمة، لكن تظل السرقات الحديثة هي الأبشع كونها حدثت بشكل واسع خلال القرنين الـ18 والـ19، فقد راجت تجارة بيع المومياوات القديمة خلال هذه الفترة. وظهر اللصوص الأجانب من الدبلوماسيين وغيرهم من التجار. كما تم تحويل الكثير من المومياوات إلى بودرة وطحنها واستخدامها كوقود للبواخر والسفن! واستخدمت المومياوات في التلوين والرسم، وهذا حدث في القرن الـ20 إذ رسمت العديد من اللوحات باستخدام بودرة المومياوات المصرية بعد طحنها. وفي مدينة ليفربول الإنجليزية أرادوا بيع آلاف المومياوات، لكن محاولتهم لم تنجح؛ لذلك قاموا بجمع المومياوات وتحويلها إلى سماد للأراضي الزراعية! لذلك، فهذه الأمور يجب معالجتها والتراجع عنها.

    د.سحر سليم
    د.سحر سليم
    أخلاقيات دراسة المومياوات

    وأضافت سحر: تم استخراج بقايا الحضارات القديمة لعدة قرون دون مراعاة حقوق هذه الثقافات المحلية. فالمنقبون، والدبلوماسيون، مارسوا أدوارًا لسرقة الآثار القديمة دون أي موافقة من السكان المحليين والأحفاد. لذلك لابد من استرداد حقوق الحضارات القديمة. فدخول العلم في مسألة الدراسات الأثرية ساهم في عمليات النبش عن المقابر القديمة بشكل أوسع؛ لذلك يجب أن تكون هناك أخلاقيات موضوعة لدراسة المومياوات القديمة. ويجب أن يتم استشارة الدول المصدرة للرُفات حتى إن كانت هذه الرفات موجودة في الخارج. ويجب ألا تؤدي الفحوصات للتدمير، مع ضرورة أن يشارك عضو من البلد المصدرة للرفات الأصلية. وبالنسبة لحق عودة الآثار، يجب تحفيز المطالبات الشعبية وتكثيف الضغط على المتاحف الأجنبية لاسترداد هذه القطع الأثرية.

    استخدامات خاطئة

    الدكتور محمد الكحلاوي، رئيس المجلس العربي للآثاريين العرب، نوه بأن العالم العربي مستباح، إذ اعتبر أنه لا يوجد من يتصدى للاختراقات الكبيرة التي تتم في العالم العربي. يقول: “ما يحدث الآن هو تشويه للحضارات بهدف إخراجها من صورتها الأصلية وتقديم رؤى خاطئة عنها. فخطورة ما ذكرته الدكتورة سحر سليم، هو أن العمل، مثلًا، على الرُفات من قبل الأجانب والمستشرقين قد يقودهم لإعادة إنتاج رُفات حديثة بشكل مستنسخ وتقديمها لنا باعتبارها الأصل. وهو أمر خطير جدًا ويحدث بالفعل الآن بسبب تقدم التكنولوجيا. فنحن ننساق وراء الغرب من خلال التطبيقات الحديثة والرقمنة، وهي أشياء نتبناها الآن. لكن بالنسبة لعلم الآثار فهذه الأمور يمكن استخدامها في عمليات الحفظ والصيانة والبحث. لكننا للأسف نستخدمها بشكل خاطئ. فعندما نضع القطع الأثرية ضمن متاحف افتراضية، فهذا أعتبره خطأ. فالآثار يجب أن يتم وضعها في بيئتها الأصلية؛ لذلك لابد من إعادة التفكير في فكرة المتاحف الافتراضية. لأنه من العيب أن يتم عرض القطع الأثرية لتعرض في متاحف افتراضية!”.

    وسائل مفسدة

    وأضاف الكحلاوي: المتاحف الافتراضية تقودنا للإبهار بالتقدم التكنولوجي، لكنها وسائل مفسدة للتاريخ؛ لذلك أنا مهتم دائمًا بفكرة «حقوق الحضارة». لأنني أظن، ومع تراكم خبرتي، أن الغرب يتعمد تخريب عالمنا العربي بمنهجية طويلة النفس. كنت شاهدًا على إحدى المحاولات الخاصة بفتح منح أجنبية للدراسات المتعلقة بالنوبة. فالجامعات المصرية ليس لديها أقسام للدراسات النوبية، إذ يتم دراستها ضمن تخصص علم المصريات. لكن بمرور الوقت تنبهنا أن الجامعات الأجنبية تقدم تسهيلات غير طبيعية لدراسة هذا التخصص. وما أقصده هنا أن الغرب أرادوا فصل النوبة عن الحضارة المصرية.

     جانب من المناقشة
    جانب من المناقشة
    أجندة الغرب

    ويكمل الكحلاوي: الآثار العربية كلها تعيش حالة خطرة، وقد سبق ورفضنا طويلًا سياسة خروج القطع الأثرية لعرضها في الخارج، وحاربنا مرارًا لمنع هذه الأمور، لكن على الجانب الآخر كان البعض ممن يقدسون الدولار يصفوننا بأننا أناس رجعيون لا نفقه شيئًا وأننا بذلك نضيع الملايين على البلد. لكن ما حدث أنه في إحدى المعارض الخارجية تم إرسال قطع نادرة لليابان للعرض، ومنها كرسي الناصر محمد بن قلاوون. لسوء الحظ تعرض المتحف لزلزال، وتهشم الكرسي بشكل كامل. بعد هذه الكارثة وعدت اليابان بترميم هذه القطع الأثرية، وبالفعل أعادوا الكرسي لنا مرة أخرى. لكنني لست متأكدًا الآن من كونه النموذج الأصلي أم لا! وأتحدى أي إنسان أن يثبت أنه الكرسي الأصلي من عدمه. فنحن مستوردون للتكنولوجيا التي أنتجتها الحضارة الغربية، والغرب هم من يصنعون البصمة التي يتم من خلالها توثيق الأثر، وهذا الغرب يمكنه بكل سهولة تطويع هذه البصمة وفقًا لأجندته. لذلك علينا تثقيف الأجيال للتعامل مع هذه الممارسات التي تمثل خطورة داهمة على حضارتنا.

    تزوير التاريخ

    ويستطرد: الأفروسنتريك على سبيل المثال، يرفضون أي حديث من جانبنا حول النصوص القرآنية، لكن في المقابل، فإن العدو الإسرائيلي يتحدث أيضًا بالنص التوراتي ويفرضه علينا. فإسرائيل تحاسبنا اليوم على تراثنا العربي، وتنسبه لنفسها بناء على نصوص توراتية. ولو أراد أي عالم آثار إطلاق مصطلح «علم الآثار القرآني» لاتهموه بالجنون. فاليهود يعرفون جيدًا كيف يروجون لمعلوماتهم وتأصيلها حتى لو كانت مزورة، بينما نحن نعجز عن تسويق معلوماتنا حتى وإن كانت موثقة، وصحيحة.

    اقرأ أيضا:

    أعلنته اليابان ونفت مصر إقامته.. قصة معرض «توت عنخ آمون وملوك الشمس الذهبية»

باب مصر