باب مصر

الكاتب: شهاب طارق

  • «مدن وخلفاء».. عن نشأة المدن التي حكمها العرب في صدر الإسلام

    «مدن وخلفاء».. عن نشأة المدن التي حكمها العرب في صدر الإسلام

    لسنوات عديدة ظل يتردد كثيرًا لفظ «المدينة الإسلامية»، إلا أننا لازلنا حتى اليوم لم نعثر على أي مدينة يمكن أن ننعتها باسم “إسلامية” فرغم أنه مصطلح أطلقه المستشرقون منذ منتصف القرن الـ19 وبداية القرن الـ20، إلا أنهم سرعان ما تخلوا عنه لأنهم أدركوا أنه غير دقيق، لكنه في المقابل، لاقى قبولًا واسعًا ووجد المناخ المناسب لانتشاره بصورة كبيرة من جانب البعض وأصبح له الكثير من المروجين والمدافعين عنه، خاصة في السنوات الأخيرة، لذلك حاول الدكتور نزار الصياد، أستاذ العمارة والتخطيط وتاريخ العمران في جامعة كاليفورنيا، تأصيل المسألة، وبدأ يتتبع تطور ونشأة المدن في العالم العربي والإسلامي حتى قدم لنا في النهاية العديد من التصورات حول هذه المدن التي أنشأت في صدر الإسلام.

    المدينة الإسلامية

    أقيمت بجاليري ضيّ بالمهندسين – الأسبوع الماضي- مناقشة كتاب “مدن وخلفاء” والصادر عن دار نشر مرايا، للدكتور نزار الصياد، والذي قال: “إن الاهتمام بفكرة “المدينة الإسلامية” ظهر خلال سبعينيات وثمانينات القرن الماضي، فحينها كان هناك اهتمامًا كبيرًا بالأمر لكني عندما بدأت دراسة الأمر وجدت أن لفظ “المدينة الإسلامية” لم يكن مستعملًا أبدًا من جانب العرب واللفظ لم يظهر في اللغة العربية حتى نصف القرن العشرين، وظهر في اللغات الألمانية، والفرنسية، والإنجليزية بحلول منتصف القرن الـ19 وبداية القرن الـ20، فما حدث هو أن كثير من المستشرقين حين جاءوا لهذه المناطق، بدأوا البحث فيها، ومن دراستهم للمناطق المختلفة في البلاد التي حكمها المسلمون بدأوا يشعروا أن هناك مدينة مختلفة لكن تفسيرهم هذا كان أرجع المدينة للدين”.

    وتابع: رغم أن هذه المدينة كانت مكونة من عوامل كثيرة جدًا؛ لذلك حين بدأت أبحث عن هذا الأمر، وجدت أن هناك نمطًا معينًا لتلك المدن، وهذا النمط هو الذي جعلني أحدد شكل تلك المدن، ووصلت إلى أن هناك ثلاثة أشكال للمدن في بداية دخول الإسلام وهي؛ مدن بناها العرب كمعسكرات في بداية دخول الإسلام، ومدن أخرى استولى عليها العرب، ومدن أخرى بناها من خلفوا العرب من العجم كقصور، والتي مع الوقت أصبحت مدن مهمة وعواصم.

    لذلك يؤكد على رفضه مصطلح المدينة الإسلامية أو العمارة الإسلامية، ويطرح تساؤلًا ويقول: “لماذا لم نتحدث مثلًا عن المدينة البوذية أو المدينة المسيحية؟”، فهو يرجع الأمر إلى أن هناك بعض العناصر التي نشأت في مناطق معينة خلقت تجانس، استساغها الناس داخل هذه المنطقة وبدأوا ينظروا إليها باعتبارها تعبر عنهم وعن هويتهم، لذلك فهو يرفض المصطلح ويطلق مصطلح آخر وهو “المدن التي يقطنها المسلمون” أو “المدن التي خلقها مسلمون”.

    تعلم اللاتينية

    يوضح الصياد، رغم أن الكتاب صدر منذ حوالي ثلاثين عامًا، إلا أنه كان مختلفًا عن جميع الكتب التي صدرت خلال تلك الفترة في شيئين رئيسيين، منها أن الكثير من القصص التي صادفتها أثناء إعدادي للكتاب كانت مختلفة، بل وتوصل لخلاصة مختلفة تمامًا؛ لذلك حاولت أن استخدم معظم هذه القصص، لكني اعتمدت أكثر على القصص التي تتوافق بين وجهات النظر المختلفة لكن بدون إسناد؛ بمعنى أن هناك شخصين كتبوا عن واقعة واحدة، ولكن لكل منهم استدلال مختلف عن الآخر.

    ويشير إلى أن الأمر الثاني الذي قمت به هو أنني حين بدأت أدرس تلك المدن في بداية صدر الإسلام جاءني أستاذي وطلب مني الاعتماد على مصادر أخرى بجانب المصادر العربية، لذلك طلب مني أن أتعلم اللاتينية، وكان الهدف حينها أنني إذا ما واجهت واقعة معينة فحينها أقوم بفحصها من جانب المصادر العربية التي وصفها العرب في ذلك الوقت، وبين السكان الأصليين الذين عايشوا تلك الفترة؛ فمثلًا سكان دمشق عندما دخلها العرب كانوا تحت الحكم البيزنطي وبالتالي كانوا لا يتحدثون العربية واللغة الأساسية كانت اللاتينية، وبالتالي تعلمتها حتى أعرف ما كتب عنها من جانب السكان الأصليين الذين عاشوا فيها.

    يضيف، كتاب مدن وخلفاء يتعامل مع 12 مدينة منهم 6 مدن أساسية مثل، البصرة والكوفة، والذين نشأوا في البداية  كمعسكرات، أما دمشق وحلب فقد ظهروا كأمثلة للمدن المحتلة، أما القاهرة وبغداد فقد ظهروا كأمثلة للمدن التي لم تنشأ في البداية كمدن، لكنهم مع الوقت تحولوا لعواصم للخلافة، وهنا يجب أن نفرق بين أمرين فالعرب استخدموا تعبيريين؛ “دار هجرة” والثاني هو “الأمصار”، فكلمة أمصار اشتقها العرب من كلمة مصر، لأن الجزيرة العربية كانت تخلوا من مدن أو قرى كبيرة الحجم، لذلك فستجد في المراجع أن الكوفة والبصرة والفسطاط، كانوا في الحقيقة دار هجرة؛ أي مكان قرر الخليفة أن يهاجر إليه سكان الجزيرة العربية، كنوع من أسلمة تلك البقاع، وهذا حدث تحديدًا في البصرة والكوفة بالعراق، إذ كان هناك نموذج مثالي للمدن اعتبره هؤلاء القادة والذين أصبحوا ولاة بعد ذلك للمدن، إذ كان الشكل النمطي للمدن هو المدينة المنورة، ومع الوقت أصبح هناك اختلاف، وحدثت مواجهة مع شعوب أخرى لها اهتمامات مختلفة وطريقة تفكير أيضًا مختلفة، لذلك تعامل عمر بن الخطاب بمنتهى الحذر إذ فرض قيود لعدم تغيير الشكل النمطي للمدن في ذلك الوقت.

    ومن الأمثلة على ذلك أن الخليفة عمر بن الخطاب كان قد رفض أن يبني سعد بن أبي وقاص دار للإمارة، فسعد فعل ذلك لأنه رأى أن ديوان كسرى بالمدائن والذي يقع بالقرب من دمشق هو من أعظم مباني الدولة الساسنية التي احتلها العرب، لذلك فهو أراد مضاهاة تلك الأبنية التي كان لا يزال يعيش في أجوائها، لذلك أراد مضاهاتها وبدأ ببناء دار الإمارة بالحجر، لكن الناس وصفوه بأنه “قصر سعد” فبلغ لعمر هذا الموضوع، وأرسل له وأمره أن يغلقه، فعمر في ذلك الوقت كان يعارض فكرة بناء القصور أو ما شابه ذلك لكن بعد ذلك تغيرت دمشق عن هذه الصورة التي فرضها عمر، في أقل من 50 سنة.

    فالوضع تغير في عهد عثمان بن عفان، والذي أعطى للولاة جزء من الحرية وفقًا لرؤيتهم وأصبحت إرادة الولاة أهم في تشكيل هذه المدن، لذلك فهذه المدن يمكن أن نقول أنها مدن عربت ولم يكن الهدف أن تكون إسلامية، والتغيير الذي حدث يوضح أن هناك تغيير في النزعة القبلية، مقابل النزعة العربية التي وجدت بعد ذلك.

    المدينة المثالية

    خلال الندوة التي أدارها الشاعر محمد حربي قدم طرحًا وعرضه على “الصياد” لإبداء رأيه فيه؛ حول فكرة المدينة المثالية “رمز الله على الأرض” كما رآها المستشرقون في بغداد والتي يمكن اعتبارها رمزًا لصراع “الدائرة والمربع” في الثقافة العربية، والتي تتمثل حركة الطواف حول الكعبة باعتبار أن حركة الطواف تمثل حركة الكائنات في الكون، والتي ذكرتها إحدى الدراسات المهمة التي تحدثت عن رمزية الطواف، وبين المربع الذي هو أساس المدينة الأوربية.. وتساءل حربي هل هذا الصراع يمثل حقيقة بناية بغداد والتي بنيت بشكل دائري في البداية؟

    الدكتور نزار الصياد قال إن هذه الطرح كان في الأصل فكرة استشراقية، فالمستشرقون حاولوا تفسير الإسلام بطرق رمزية، ففكرة الطواف حول الكعبة، هو فعل يقوم به المسلمون كطقس من طقوسهم، لكن ترجمة الأمر من خلال مجموعة من الجماعات كشكل عمراني هو أمر غير مقنن، فلا يوجد في الإسلام ما يستدعى ذلك، لكن قد يكون الشيء الوحيد الذي يمكن أن أتقبله عمرانيًا، ويمثل هذه الفكرة هو مركزية الجامع أو المسجد، فالمسجد أمر مهم جدا في الإسلام لذلك يمكن أن نتقبل الأمر، لكن هنا يجب أن نلاحظ أن لغة العمارة بالنسبة إليّ ليس لها علاقة بالإسلام كدين بقدر ما لها علاقة بثقافة الشعوب المختلفة؛ فالإسلام دخل جنوب شرق آسيا في القرن الـ13، لكن إلى منتصف القرن الـ20 لم تكن المساجد هناك تضم قباب أو مآذن، فثقافة البناء في هذه المنطقة لم تكن تستدعي بناء المئذنة والقبة عند إنشاء المساجد، لكن مع توفر وسائل الاتصال والحداثة، جعل الأمر يتغير وبدأت الدول في إنشاء قباب ومآذن في مدنهم.

    عمارة المماليك

    يتحدث الصياد عن العمارة المملوكية بانبهار شديد، إذ يعتبر تلك الفترة أن العمارة قد وصلت لمستوى لم تصل إليه من قبل، فهو يرى أنه أمر غريب أن يصبح عبيد حكام، لكنه يقدم عظا تفسيرات لهذا الأمر؛ إذ إنهم أعدوا كي يصبحوا محاربين، ومع انتهاء حكم شجر الدر، وصل هؤلاء المماليك إلى الحكم واستطاعوا أن يخلقوا نظامًا عسكريًا جديدًا ورغم أنهم مماليك وعبيد، إلا أنه كان يحق لهم أن يمتلكوا عبيدًا، فمن كان يمتلك أكبر عدد من المماليك هو من يستطع الوصول إلى الحكم في نهاية الأمر، ففترة حكم المماليك؛ سواء المماليك البحرية أو البرجية، أولوا اهتمامًا كبيرًا بالعمران بل وأدركوا أهمية العمارة، إذ أرادوا ترك بصماتهم، لذلك فالعمارة الإسلامية في مصر وصلت لأزهى عصورها في عهدهم، وذلك لأنهم استطاعوا استقدام أعظام البناء من كل المناطق التي سيطروا عليها، بالإضافة إلى أنهم كان عندهم تذوق في الاختيارات، واستطاعوا أن يصلوا لمستوى جمالي لم يستطع أحد الوصول إليه ولا حتى العمارة العثمانية.

    عمارة العشوائيات

    تطرق الصياد لجزئية أخيرة في حديثه تخص القاهرة علاقة القاهرة بالمدن الجديدة التي أنشأت في الماضي القريب، إذ أنه كتب عن الأمر في ثمانينيات القرن الماضي، وحينها كان هناك تناقض في المشروعات، أدى لاعتراضه على بناء مدن تبعد عن القاهرة بحوالي 10 كيلو مترات فقط كالسادس من أكتوبر، وفي نفس الوقت بدأت الدولة حينها في بناء مدينة العاشر من رمضان والعامرية والسادات، بمسافة تبعد عن القاهرة بحوالي 105 كيلو مترات كي يخف الضغط عن القاهرة، وبالتالي فالذي حدث هو أن العاشر من رمضان كان متخيل لها أن تصل سنة 2020 لـ4 ملايين نسمة والسادات 3.5 مليون نسمة، لكن الذي حدث هو أن كلا المدينتين اليوم لا يتعدى عدد سكانهم النصف مليون نسمة فقد زادت القاهرة تمركزًا بناء وزادت مشاكل القاهرة أكثر، “فأنا لست ضد بناء مدن جديدة بالطبع ولكني أعترض على تعارض الخطط الأفكار، لأن الأمر أدى في النهاية إلى نمو العشوائيات بصورة كبيرة داخل القاهرة نفسها، لذلك إذا أردت أن تعرف عما يعبر عن العمارة الموجودة في هذا الوقت بشكل نظري؛ فهي عمارة العشوائيات، إذ إن 65% من المحيط العمراني بالقاهرة الآن هو العشوائيات، لكني لا أنظر للعشوائيات بنفس النظرة السيئة التي ينظر إليها البعض، لأن من واقع دراستي فما نطلق عليه اليوم اسم vernacular architecture كانت في الأصل عشوائيات ومع الوقت تطورت إلى أن أصبحت لها جماليات معينة، لكن السؤال هل سيحدث الأمر نفسه بالنسبة للعشوائيات الموجودة في مصر؟ الإجابة من وجهة نظري لا”.

    أما المهندس عصام الشربيني، مترجم الكتاب، تحدث عن أن “مدن وخلفاء” لازال محتفظ ببريقه رغم أنه كتب منذ ثلاثين عامًا، وقال: عند ترجمتي لهذا العمل أردت أن احترم القارئ الذي يقرأه، فحاولت أن أصل إليه الفكرة التي يحويها الكتاب بكل بساطة، كي يستوعبه الكثيرون.

    اقرأ أيضا

    خبراء الآثار يجيبون: هل نودع قناطر ابن طولون؟

  • «النواب» يرفض إقامة محطة صرف صحي على موقع تل البلامون بالدقهلية

    «النواب» يرفض إقامة محطة صرف صحي على موقع تل البلامون بالدقهلية

    رفضت لجنة الثقافة والإعلام والآثار بمجلس النواب، إقامة محطة معالجة لمياه الصرف الصحي ومصنعًا لتدوير القمامة، على منطقة تل البلامون الأثري بمحافظة الدقهلية، وذلك لمكانته الأثرية؛ إذ طالبت  اللجنة بضرورة وضع تصور لاستغلال منطقة التل بما يحقق قيمة مضافة للمنطقة.

    طلب إحاطة

    كان النائب أشرف الشبراوي، قد تقدم بطلب الإحاطة لرفض إقامة المشروع بتلك المنطقة، إذ طالب بالاستمرار في أعمال التنقيب مع تحويل المنطقة الأثرية لمزار سياحي.

    وقالت النائبة ضحى عاصي عضو المجلس وعضو لجنة الثقافة والآثار والإعلام لـ«باب مصر»: “رفضت إقامة أي منشأة على موقع تل البلامون لأنه من المواقع الأثرية النادرة، إذ أن قيمة تل البلامون ليست فقط في الآثار الموجودة بداخله ولكن في موقعه والذي هو دليل على العواصم القديمة لمصر”.

    وأضافت: للأسف هناك حالة من عدم الوعي عند البعض إذ يعتبرون أن التعدي على الأراضي الأثرية أمرًا مباحًا، ويرغبون في استغلال تلك الأراضي، لذلك نحن نرفض الأمر لأن تلك المواقع الأثرية ليست ملكنا وحدنا، بل هي ملك للأجيال القادمة، لذلك فالأولى أن نعد خطة لتطوير تلك المواقع الأثرية، وإذا لم نتمكن من تطويرها فيجب علينا أن نحافظ عليها -على الأقل- كي تتسلمها الأجيال القادمة، لا أن نشطب تلك المواقع الأثرية التي هي عبارة عن سلسلة من الحلقات تعبر عن الحقب التاريخية المتتابعة على تاريخ مصر الأثري.

    أوضحت عاصي أنه خلال المناقشة تم التطرق لعدة نقاط أخرى منها: أن وزارة الآثار كان من المفترض هي التي ترفض رفع تلك المناطق من قوائم الآثار أو إقامة مشاريع عليها، لكن الذي يحدث مؤخرًا هو العكس، إذ أن الوزارة تقوم بشطب المباني الأثرية بدلًا من ترميمها رغم أن اللجان المختصة التابعة للوزارة ترفض تلك العملية بالكامل داخل تقاريرها؛ وعلى سبيل المثال شطب منزل عبد الواحد الفاسي بحارة السبع قاعات القبلية بمنطقة الموسكي، بعد أن صرف على عملية ترميمه أكثر من ٢٠ مليون جنيه، وكذلك الحمام العثماني بقنا الذي تم شطبه أيضًا رغم أن اللجان المتخصصة أوصت بترميمه، وكذلك قصر ميخائيل لوقا الزق بأسيوط وكذلك العديد من المباني الأثرية الأخرى التي رفضت اللجان شطبها من عداد الآثار، بالإضافة لواقعة هدم طابية فتح الفاطمية بأسوان، وقناطر ابن طولون وغيرها من الأماكن والآن تل البلامون.

    توصيات اللجنة

    في النهاية خرجت توصيات اللجنة بعد أن استمعت لرد وزارتي الآثار والتنمية المحلية ومحافظة الدقهلية حول استخدام منطقة تل البلامون لإقامة مشروع محطة معالجة الصرف الصحي ومصنع لتدوير القمامة، وانتهت اللجنة برفض مشروع الصرف الصحي بالتل الأثري المذكور، وكذلك أوصت بقيام وزارة السياحة والآثار بوضع تصور لاستغلال منطقة تل البلامون الأثري بما يحقق قيمة مضافة للمنطقة على أن يتم عرضه على اللجنة مرة أخرى.

    الجدير بالذكر أن محافظة الدقهلية من المحافظات الهامة في الوجه البحري، حيث تحوي ثلاث عواصم هامة من عواصم أقاليم مصر السفلى، متمثلة في تل المقدام، وتل الربع (منديس)، وتل البلامون، بالإضافة إلى أنها تحوي العديد من التلال والمواقع الأثرية الهامة، والتي قُسمت إلى تلال شمال، وتلال جنوب، وتلال شرق.

    تل البلامون

    ويعد تل البلامون من أهم التلال الموجودة بالوجه البحري، إذ كان عاصمة للإقليم السابع عشر من إقليم الوجه البحري وسمى في اليونانية باسم “ديوسبوليس بارفا” أي مدينة الإله زيوس وكان إله هذه العاصمة أنوبيس ثم حورس ثم آمون رع، من الحفائر التي أجريت بتل البلامون حفائر كلية الآداب، جامعة المنصورة عام 1979م تحت إشراف د. فرانسيس عبدالملك غطاس، وحفائر المتحف البريطاني برئاسة د. جيفري سبنسر منذ عام 1991م وحتى عام 2009م.

    وقد ذكر التل لأول مرة في عهد الملك “تحتمس الثالث”، حيث عثر على آثار هامة تحمل اسمه، وكذلك “رمسيس الثاني”، بالإضافة إلى أنه عثر على أساسات معبد يرجع لعهد الملك “نختانبو الأول” من الأسرة الثلاثون، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الفخار، والذي يؤرخ إلى العصرين اليوناني والروماني، كما عثر على عملات معدنية ترجع للعصر الروماني.

    اقرأ أيضا

    مياه الصرف الصحي تضرب جامع «الأقمر» بشارع المعز

     

  • حكاية ورشة خشب عمرها 120 عامًا بالدرب الأحمر

    حكاية ورشة خشب عمرها 120 عامًا بالدرب الأحمر

    رغم ارتفاع درجة الحرارة، إلا أن العمل مستمر داخل ورشة خشب الحاج حسن يونس، والتي يمتد تاريخ إنشاؤها لأكثر من 120 عاما بمنطقة الدرب الأحمر. أطقم شماسي الشواطئ وأورم الجزارة والمناضد والأطباق الخشب أبرز ما يصنعه العمال داخل الورشة حسب متطلبات سوق العمل.. «باب مصر» يلتقي بأصحاب الورشة.

    ورشة خشب

    بعد الانتهاء من موسم عيد الأضحى المبارك، والذي جاء بمثابة فرصة لتنفيذ مئات من “أورم الجزارة” التي يقبل عليها الجزارين، يتفرغ الصنايعية بالورشة لتصنيع “شماسي الشواطئ”، لذلك تتحول الورشة لخلية نحل يتسارع فيها الجميع لإنجاز مهامهم وتلبية احتياجات السوق.

    بمجرد أن تطأ قدمك ورشة الأخشاب تشاهد “خيري” -أحد الصنايعية الموجودين بالورشة- جالسًا على ركبتيه وممسكًا في يده بمنشار كهربائي يحاول من خلاله تقطيع جذع شجرة، وهي العملية الأولى التي تتم بعد استقدام الخشب من مصادره الأولية، إذ يساعده أغلب العمال في تحريك الجذع الضخم، بعد جلبه من المخزن الذي يحوي مخزون الورشة من الخشب، وهي المنطقة التي يطلق عليها محمد أسامة -أحد ورثة المصنع- اسم “الغابة”.

    مكنة قص

    بعد هذه العملية يتم تحويل الجزء الذي تم قطعه إلى حجرة أخرى داخل الورشة والمسؤول عنها “سعد”، وهو أحد العمال بالورشة، إذ يساعده صنايعي آخر ويقوما بتقطيع الخشب والبدء في تشكيله، من خلال وضعه على مكنة “قص”، وهي عملية تبدو معقدة إذ أن كلاهما يضعان قطعة من الخشب داخل المكنة، ليقوما بتشكيلها كما يريدون في نهاية الأمر.

    تكريت الخشب

    على الجانب الآخر يقف محمد غازي، بملامحه الجادة أمام المخرطة، ممسكًا بـ”المزراب” بين يديه، إذ تتطاير حوله “نشارة الخشب” في حركات دائرية في الهواء قبل أن يتمكن في النهاية من تنفيذ عمله وتشكيل الخشب حسبما يريد، وتحويله من مجرد قطعة خشبية صلبة، إلى عمل فني بديع.

    يحكى محمد غازي تفاصيل عمله، مشيرًا إلى أن بدايته في مهنة الخراطة بدأت منذ أكثر من 35 عامًا قبل أن يتركها لحوالي 13 عامًا، قام خلالها بالعمل في الكثير من المهن، إلا إنه قد قرر أن يعود مرة أخرى للخراطة، تلك المهنة التي يقول عنها إنه أحبها كثيرًا.

    ويشرح غازي ما يقوم به تحديدًا في هذه الورشة قائلًا: “أنا هنا أقوم بعملية “تكريت” للخشب وبعد هذه العملية أقوم بتحديد الخشب وتشكيله بالشكل الذي أريده، من خلال “المُزراب” وفي النهاية يخرج من بين يديّ العمل الذي أريده”.

    يعتبر غازي أن مهنته موهبة قد منّ اللّٰه بها عليه، إذ يحفظ شفرات داخل عقله ومن خلالها يستطيع تشكيل الخشب وخرطه كما يريده الزبون في نهاية الأمر.

    وبعد الانتهاء من هذه العملية يقوم غازي بإدخال القطعة المشكلة لغرفة “محمود عباس”، وهو صنايعي “منشار” ويعمل على مكنة التفتيح بالورشة، وهو – حسبما أخبرنا – حاصل على ليسانس الحقوق من جامعة الأزهر، ويعمل بالمهنة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي؛ أي عندما كان في الصف الثالث الإعدادي.

    ويضيف، أنا أقوم هنا بعملية تفتيح للخشب وهي المرحلة شبه الأخيرة من عملة صناعة الشماسي بعد مرحلة التربيع والتدوير على المنشار.

    فقر في العمالة اليدوية 

    توارث العمل داخل ورشة الحاج حسن أجيال عدة، لكن الصناعة لم تعد بالشكل البدائي التي كانت عليه في سنواتها الأولى، إذ أنهم أدركوا حتمية تطويرها لمواكبة التطور الذي حلّ على الصناعات اليدوية رغبة منهم في مجاراة ظروف السوق.

    يقول محمد أسامة – أحد ورثة ورشة الحاج حسن يونس-: اتجهت للعمل بورشة جدي بعد تخرجي في كلية الإعلام، إذ قام والدي وأعمامي باستكمال ما بدأه جدي بعد وفاته، فالمصنع هنا عبارة عن خشب شجر نأتي به من أماكن متفرقة داخل مصر خاصة الصعيد، وعندما يأتي إلينا نقوم بتقطيعه بالمنشار الكهربائي، وبعد ذلك نبدأ بتشكيله كما نريد فأحيانا نقوم بصناعة أطقم الشماسي، وأحيانا نصنع منه أورم الجزارة، أو المناضد، وكذلك نصنع أطباق الخشب وهي التي يقتنيها أهالي ليبيا والشام واليمن لأنها أطباق تراثية وشعبية بالنسبة إليهم، فنحن نشكل الخشب كما يحدده لنا الزبون ونبدأ بالعمل بناء على ذلك. هذه المهنة نعمل بها منذ أكثر من المائة عام وتوارثناها جيلًا بعد جيل، ومع الوقت نحاول تطوير المجال من خلال استخدام الأدوات الحديثة.

    ويضيف أسامة: العملية معقدة، فحين يأتي إلينا الخشب نقوم بتقطيعه من خلال المنشار لكن طريقة تقطيعه تختلف، وفقًا للعمل المطلوب، فمثلًا عند صناعتنا لأطقم الشماسي نقوم بتقطيعها بشكل طولي ثم نقوم بتربيعها، ثم نذهب بها إلى المخرطة، وبعد هذه العملية نذهب بقطعة الخشب ونضعها على مكنة التفتيح، ثم نعيدها إلى المخرطة مرة أخرى لتنتهي العملية عند هذا الحد.

    وتابع: بالنسبة للأطباق الخشب التراثية فنحن نقوم بتقطيع الخشب بالمنشار في البداية ثم إلى المخرطة، وبعد ذلك نقوم بتفتيئه، ثم تفريغه؛ ومن ثم صنفرته، وبعد ذلك نقوم بتزييته كي يصلح للاستخدام ونفس الأمر بالنسبة لأورم الجزارة، حيث إننا نشكل الخشب، ومن ثم نقوم بخرط الرجول وتركيبها وصنفرتها كي يستطيع الجزار العمل عليها.

    ويستكمل حديثه: يعمل معنا عشرة عمال أغلبهم هنا منذ سنوات كثيرة قد تصل لـ٢٥ سنة لكننا نعاني من العديد من المشاكل نظرًا لصعوبة المهنة، حيث نواجه مشكلة في العمالة وهي مشكلة تعاني منها أغلب الحرف الآن نظرًا لأن الأيدي العاملة غالبًا ما تتجه إلى المهن السهلة مثل “التوكتوك” لذلك لا نستطيع أن نزود من هذه العمالة لأن كل الذين يأتون إلينا يريدون العمل السهل الذي لا يبذل فيه أي مجهود، كما أننا هنا نحاول أن نطور من المهنة من خلال استخدام وسائل حديثة، فجدي في البداية كان يستخدم وسائل يدوية، لكن بعد ذلك قام والدي وأعمامي باستخدام وسائل أحدث، فاستطاعوا تنفيذ أشياء جديدة مثل الأطباق والديكورات والكراسي، ثم بعد ذلك حاولنا تطوير الأمر، إذ يأتي إلينا حاليًا طلبة الفنون الجميلة والتطبيقية كي يستخدموا المواد الخام التي نمتلكها ويشكلوها كما يريدون فنحن عبارة عن حلقة أولية لمهن أخرى كثيرة.

    اقرأ أيضا

    «محمود خضر»: حكاية قفاص يواجه الاندثار

  • مياه الصرف الصحي تضرب جامع «الأقمر» بشارع المعز

    مياه الصرف الصحي تضرب جامع «الأقمر» بشارع المعز

    لم يكف العاملون بمنطقة آثار الجمالية خلال اليومين الماضيين عن محاولة إنقاذ جامع الأقمر، بعد أن ضربته مياه الصرف الصحي، وحاوطته المياه من الخارج، فرغم تمكن العاملون بشارع المعز، من صرف المياه، إلا أن الحادثة لم تكن هي الأولى خلال السنوات القليلة الماضية، إذ لم يقدم حتى الآن حل جذري لعلاج الأمر، خاصة أن مشروعات الترميم، والصرف التي تمت بالمنطقة تمت منذ سنوات قليلة.

    جامع الأقمر

    قال مصدر – فضل عدم ذكر اسمه- لـ«باب مصر»: إن الحادثة ليست هي الأولى التي تتم بالمنطقة التاريخية وهو المشروع الذي صرف على تحديث بنيته التحتية مليارات الجنيهات في عهد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، إذ أن هذه الواقعة باتت متكررة بالمنطقة، فقد حدث الأمر نفسه من قبل بمجموعة قلاوون، فنحن عندنا مشكلة كبيرة يجب أن تحل، لأن جميع الآثار الإسلامية الموجودة في مصر تحتاج لمشاريع صرف عملاقة لأن رشح المياه يؤثر على الأثر بطبيعة الأمر.

    وأضاف المصدر، هذه المرة ليست هي الأولى التي يحدث فيها الأمر بشارع المعز فمنذ سنتين ضربته مياه الأمطار بكثافة، وهو الأمر الذي أدى لمشاكل عدة، لجأ العاملون خلالها بإزاحة المياه بواسطة “المسّاحات” وهو أمر كان من المفترض أن يتم تداركه بعد حدوث الأمر.

    انخفاض المسجد

    فيما قال المهندس الاستشاري طارق المُري موضحا الأمر: إن جامع الأقمر معرض لمثل هذه الأمور نظرًا لأنه منخفض عن سطح الأرض، وأن المشكلة ربما يكون سببها هو توقف عمل البيارة الرئيسية الموجودة مع تقاطع الأزهر مع المعز.

    والأمر الثاني الذي رجحه “المُري” هو عدم تنظيف بلاعات صرف المياه، إذ أن مشروع الصرف الصحي الموجود بالمنطقة كان يتم بطريقة سليمة، وصرف فيه ملايين من الجنيهات، لكن مشكلتنا هي عدم الصيانة الدورية لمثل هذه الأمور والتي بالطبع تؤدي إلى تراكمات كثيرة، لذلك الإنجاز ليس في إزاحة هذه المياه، لكن يجب أن يتم اتخاذ إجراءات دورية لحل المشكلة من خلال تنظيف البلاعات وإزالة الأتربة من عليها، حتى لا تؤدي مثل هذه الأمور لكوارث في المستقبل.

    اقرأ أيضا

    سقوط رفرف ميضأة السلطان حسن: هل نقول وداعا لهرم مصر الإسلامية؟

  • خبراء الآثار يجيبون: هل نودع قناطر ابن طولون؟

    خبراء الآثار يجيبون: هل نودع قناطر ابن طولون؟

    خلال الأسبوع الماضي تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا تشير لتدمير أجزاء من سور قناطر ابن طولون الأثرية، وهي الخطوة التي رفضها الكثيرون خاصةً وأن مسلسل هدم وشطب الآثار الفريدة لا زال مستمرًا. فبعد أن هدمت بعض الآثار مؤخرًا ومنها طابية فتح الأثرية بأسوان تم تدمير أجزاء من قناطر ابن طولون. لم تعلق الوزارة عن كلتا الحادثتين، حتى الآن، وهو الأمر الذي استنكره الجميع، خاصة وأن التصريح الوحيد الذي صدر عن الوزارة حول تلك الإجراءات كان من جانب وزير الآثار والذي تساءل حينها وقال: “هل عليّ ترك بعض الحجارة لأنها مسجلة آثار؟”

    حرم الأثر

    يقول عماد عثمان، كبير باحثين ومدير آثار شرق القاهرة: “خلال شهر أكتوبر الماضي، نشرت صورة لم يفهما أحد حينها، حيث وضعت بها يافطة مكتوب عليها “كوبري عين الصيرة” وتحت هذه اليافطة، موجودة بقايا عقود قناطر ابن طولون، فحينها أدركت أن تلك المنطقة سيحدث بها مشروع جديد، وتخوفت من أن تصاب القناطر جراء الأعمال الإنشائية بالمنطقة”.

    واستطرد: قناطر بن طولون مقسمة الآن لجزأين جزء موجود بالبساتين ناحية كوبري الدائري وفيه برج المأخذ، والجزء الثاني منها يقع أسفل الكوبري الدائري، والذي يستخدم حاليًا كموقف للتكاتك، لكن الكارثة الكبرى أن هناك حاليًا توسعة جديدة للكوبري الدائري، وهذه التوسعة من ستؤدي لعواقب وخيمة، إذ أن الطريق الجديد سيمر فوق القناطر، وبالتالي فالسور لن يتحمل اهتزاز المعدات والأعمال الإنشائية، وسينهار بنسبة 100% نتيجة لتلك الأعمال، وهذه مرحلة مستقبلية ستحدث بباقي الأجزاء المتبقية إذ لم يتم تداركها، كذلك فالسور حتى الوقت الحالي تستخدم بعض أجزائه كمواقف للسيارات والتكاتك كما ذكرت من قبل، أما ما حدث مؤخرًا هو أن بقايا العقود والتي كانت ممتدة لمسافة مائة متر تقريبًا، تأثرت بسبب الأعمال الجارية فالعقود التي شاهدتها منذ حوالي أربعة شهور بهذا الموقع لم تعد موجودة في الوقت الحالي، وباتت متواجدة على الأرض بعد هدمها.

    ويوضح عثمان خطورة الوضع، ويقول: إن العمال العاملين بمنطقة الكوبري أقاموا سلم خشبي ومن خلاله يصعدون للكوبري وهذا السلم محتك بجسم الأثر، لذلك من الطبيعي أن تسقط هذه الحجارة لأنها من الطوب الآجر، كذلك فالمنطقة تحوي على أجولة أسمنت مرصوصة بارتفاع خمسة أمتار ومسنودة على جسم السور، مما أدى لتدمير بعض العقود وسقوط أجزاء كبيرة من سور القناطر، بالإضافة إلى أن أعمال المعدات الثقيلة أدت لتدمير أجزاء كبيرة من السور نتيجة الاهتزازات والارتجاجات التي تحدثها.

    ويضيف، هناك مشكلة أخرى تتعلق بورش الرخام الموجودة بالمنطقة، لأنهم يضعون بلوكات الرخام ويسندونها على بقايا العقود، وبالتالي فعقود السور معرضة للانهيار، كذلك سائقي التوكتوك قاموا بعمل فتحات من خلاله وقطعوا السور حتى يتمكنوا المرور منه بدلًا من المرور حوله، لكن المتبقي من السور حاليًا هو الجزء الذي قامت لجنة حفظ الآثار العربية بترميمه وتقويته حين اكتشفوا السور عام 1893، لذلك خصصوا ميزانية للحفاظ على أخر ما تبقى منه وخاصةً برج المأخذ، ومن الواضح جدًا عملية ترميمه، ولكني أخشى أن يتم تدمير باقي أجزاء سور القناطر الموجودة، نتيجة الزحف العمراني الجديد، فالمشكلة هنا أنه لم يتم التعامل مع حرم الأثر، وهذا خطأ وزارة الآثار لأنها لم تنفذ القانون الذي في حوزتها، فكان يجب أن ينبهوا مقاول المشروع وأن يشرفوا على العمل في هذه الأجزاء، لأن من يعمل في هذا الموقع من الممكن ألا يعرف أنه يتعامل مع منطقة آثار، وبالتالي فالمتسبب عن الأمر هي الوزارة، لذلك أرى أن الحل هو عمل صيانة لباقي الأجزاء المتبقية والحفاظ عليها من خلال تدعيم وترميم العقود المتبقية، بالإضافة إلى ضرورة مراجعة جميع المشاريع الجاري عملها بالمنطقة، لأنهم لا يتعاملون مع قطع الطوب فهذا أثر فريد ونادر.

    مشروع ترميم

    الدكتور محمد حمزة، عميد الأسبق لكلية الآثار جامعة القاهرة يرى أن بقايا القناطر في الوقت الحالي هي الموجودة عند برج المأخذ، المعروف باسم مجرى الإمام أو بئر أم السلطان بالبساتين، إذ كان المأخذ يقوم بوظيفة وهي أخذ المياه من بركة الحبش، والتي كانت تعد منطقة من متنزهات مصر والقاهرة، وكانت المياه تأتي إليها عبر قناة تسمى بني وائل، بجانب بركة الشعبية، لكن بعد ذلك تم ردم بركة الحبش، وحل محلها الآن ما يعرف باسم البساتين، وأثر النبي، ودار السلام، وقد كانت تمتد القناطر كما أثبتت دراساتي من برج المأخذ، وحتى مشهد آل طباطبا، فكانت هذه القناطر تقوم بري أرض القرافة بأكملها، وقد صرف بن طولون حوالي 140 ألف دينار، وفي رواية أخرى 40 ألف دينار، وكانت هذه القناطر من العجائب في ذلك الوقت، بسبب أنها أول قناطر تبنى في مصر، فمجرى العيون الحالي كان استلهامًا من قناطر ابن طولون، التي بلغت من الإعجاز لدرجة أن الشعراء نسبوا بناءها إلى الجن، إذ لم يتخيلوا أن البشر قادرين على تشييد مثل هذا البناء.

    ويقول: لكن في العصر الحديث، ومع التكدس السكاني تعرضت القناطر للإهمال وللتعديات، كما أن بعض سكان المنطقة قد قاموا بأخذ طوب منها لتشييد منازلهم، فأصبح الباقي منها على أجزاء متفرقة، إلا أن برج المأخذ ظل كما هو متماسكًا، وقد تقدمنا بالكثير من الطلبات في الماضي للحفاظ عليها وترميمها، وبعد الثورة ازدادت الأمور سوءًا، لكن المشكلة اليوم أنهم يقوموا بإنشاء إحدى الكباري الجديدة والتي تصل في النهاية إلى ناحية بحيرة عين الصيرة، وللأسف تم هدم أجزاء منها نتيجة هذا الفعل وهدم التخطيط له، وأنا اعتقد أن القناطر ستزال بأكملها خلال الفترة المقبلة إذ ما استمر صمت قطاع الآثار الإسلامية، لأنه للأسف لا يوجد تنسيق بين الجهات المعنية بالتنفيذ، مع غياب دور الوزارة، والمجلس الأعلى للآثار وكذلك قطاع الآثار الإسلامية، أضف إلى ذلك عدم شفافية الوزارة، وأنا أتساءل دائمًا لماذا مسلسل شطب وهدم الآثار الإسلامية لا ينتهي؟، فكان يجب أن يتم توفير مشروع لترميمها، لا أن تهدم، خاصة أنها ثاني أقدم أثر في مصر بعد مقياس النيل، إذ ترجع لسنة 259 هجريًا.

    العمارة المدنية

    ويقول الدكتور محمد عبدالستار عثمان، نائب رئيس جامعة سوهاج الأسبق وأستاذ العمارة الإسلامية: “إننا حين نفقد أثرًا فنحن نفقد حلقة من السلسة، ففي بعض الأحيان حين تكون هناك حلقة مفقودة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعطي تصورًا كاملًا عن تلك الحقبة، فإذا كان الجامع يمثل العمارة الدينية في العصر الإسلامي، فهذه القناطر تمثل المنشآت المائية في العمارة المدنية، إذ إن الحاكم في هذه الفترة كان هو المسؤول عن توصيل المياه لكافة أرجاء المدينة، لذلك قام ابن طولون بإنشائها، وأنا أرى أن أهميتها تفوق أهمية سور مجرى العيون، نظرًا لأنها تمثل بدايات العمارة المائية في العصر الإسلامي وتحديدا في مصر، وقد أنشأت قبل مجرى العيون بقرون، لذلك فالحل هو الحفاظ على أخر ما تبقى منها، وعلى الوزارة أن تناقش الأمر كي تتفادى المشروعات القائمة بمنطقة قناطر بن طولون، بالإضافة إلى ضرورة الاستعانة بذوي الخبرة الموجودين بقطاع الآثار الإسلامية”.

    حلول توافقية

    وقدم الاستشاري طارق المري، بعض الحلول لإنقاذ ما تبقى من القناطر، إذ قال إن أول شيء يجب عمله هو تحديد الموقع والأجزاء المتبقية من القناطر، وذلك بعمل حفائر بالموقع، وعلى ضوء ذلك يمكننا عمل حرم لهذه القناطر، بحيث يتم تسويرها، كي لا يقوم أحد بالاعتداء عليها، وفي اعتقادي أننا يمكننا عمل قبو زجاجي للسور لحمايته من العامة، ومن وجهة نظري فإعادة بناءها لن يفيد شيئًا، فما يهم هو الحفاظ على أخر ما تبقى منها، من خلال الحفائر، لكني لا أحبذ إعادة إنشاءها، لأن ذلك سيضيع قيمتها الأثرية، أما ترميم الأجزاء المتبقية، فهو لا يحتاج لدراسات كثيرة إذ ما توفرت الإرادة لترميمها، وتوثيقها، للحفاظ على أخر ما تبقى منها، لذلك أتمنى أن يتم تقديم حلول توافقية حول الأمر وأن تستجيب الوزارة لتلك المطالبات.

  • الصور الأولى لسقوط سقف منزل «عثمان طبق» الأثري برشيد

    الصور الأولى لسقوط سقف منزل «عثمان طبق» الأثري برشيد

    أعلنت وزارة الآثار، أمس الجمعة، سقوط سقف حجرة بالدور الثاني بمنزل «عثمان طبق» الأثري بمدينة رشيد. وقال أسامة طلعت رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية «إن السقف الذي سقط اليوم حديث تماما، إذ تم عمله أثناء ترميم المنزل عام 2000، وهو من الخشب الأبيض الحديث، وأوضح أنه قد تم تكليف الادارة المركزية للترميم بقطاع المشروعات بالمجلس الأعلى للآثار بمعاينة المنزل وعمل اللازم نحو إعادة تركيبه على ما كان عليه».

    وقد تواصل «باب مصر» مع منطقة آثار رشيد حول هذه الواقعة، والتي رفضت الإدلاء بتصريحات صحفية حول الأمر. وقد حصل «باب مصر» على صور حصرية تشير لحجم الكارثة التي حدثت في المنزل والذي يعود للعصر العثماني، حيث سقط سقف المنزل بالكامل، والذي بدأت لجنة حفظ الآثار العربية بتسجيله ضمن منازل رشيد في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.

    صورة نادرة للمنزل الأثري من مجموعة حفظ الآثار العربية
    صورة نادرة للمنزل الأثري من مجموعة حفظ الآثار العربية

    منزل عثمان طبق

    الغريب أن هذه الواقعة ليست الأولى التي تحدث برشيد فخلال عام 2017 سقط سقف منزل رمضان الأثري، بطريقة مماثلة لما حدث مع منزل طبق الأثري، إذ إنه في عام 2000 تم عمل مشروعات أثرية برشيد لترميم بعض البيوت من خلال شركة المجموعة المتحدة لترميم وصيانة الآثار، وقد ذكر مصدر بقطاع المشروعات وقال: إن منازل رشيد التي جرى ترميمها في تلك الفترة لم تكن تمر على مكاتب استشارية، وهو الأمر الذي أدى لاستخدام مواد رديئة عند عملية الترميم، إذ استخدم عند ترميمه هو والبيوت المماثلة في تلك الفترة، الخشب الأبيض الذي لا يمكن وضعه عند إنشاء سقف منزل أثري إذ إنه أضعف كثيرًا من الخشب العزيزي، والذي يتميز بالقوة والصلابة.

    جدير بالذكر أنه خلال الفترة الماضية تداول الكثيرون صورًا تشير لوجود خلل في ترميمات رشيد خاصةً في العشرين سنة الأخيرة، وهو الأمر الذي ينبأ بكارثة قادمة إذا لم يتم حلها، حيث طالب الكثير من المختصين بضرورة مراجعة المشاريع التي وافق عليها قطاع المشروعات بوزارة الآثار خلال تلك السنوات، وذلك لمنع كوارث قادمة قد تحدث.

    اقرأ أيضا

    سقوط رفرف ميضأة السلطان حسن: هل نقول وداعا لهرم مصر الإسلامية؟

  • د.محمد الكحلاوي: وزارة الآثار ليست وزارة للاستثمار

    د.محمد الكحلاوي: وزارة الآثار ليست وزارة للاستثمار

    أنفق حياته مدافعًا عن الآثار في كافة أنحاء الوطن العربي، عادة ما ينتظر ويتمهل كثيرًا قبل أن يبدي رأيه في أي قضية تخص الآثار،لكنه هذه المرة قرر أن يتخلى عن صمته، واصفا ما يحدث لكثير من الآثار من شطب وهدم بالكارثة، التي يجب أن يتم تداركها. إنه الدكتور محمد الكحلاوي، رئيس الاتحاد العام للآثاريين العرب، وأستاذ الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة، الذي يري أن وزارة الآثار قد ظلمت حين تم دمجها مع وزارة السياحة، وعلى المسؤولين أن يعوا أنها ليست وزارة للاستثمار فهي معنية بصون وحفظ الآثار وترميمها فقط، وإلى نص الحوار:

    كيف استقبلتم نبأ هدم أجزاء من قناطر أحمد بن طولون؟

    كنت أتوقع أن يحدث ذلك، وما حدث بقناطر ابن طولون ذكرني بما حدث في مشروع القلعة، حين أرادت هيئة الآثار أن تتلاعب كي تثبت أن هذا الموقع الأثري يقع خارج نطاق حدود القاهرة التاريخية، لذلك قلنا وقتها إن قلعة صلاح الدين وما حولها واقعة داخل حدود القاهرة التاريخية، وحينها أثرنا المشكلة مع اليونسكو، وأرادت هيئة الآثار المصرية أن تستعين بخرائط جديدة حتى تخرج القلعة من نطاق القاهرة، فرجعت للخرائط القديمة التي كانت بحوزتي وأثبتنا أن القلعة واقعة في نطاق القاهرة التاريخية.

    نفس الشيء حدث أيضًا مع قناطر ابن طولون، فأنا عضو في لجنة التخطيط بمجلس الوزراء، وعندما عرض علينا مشروع تحديد حدود القاهرة التاريخية كي يقدم لليونسكو، رأيت المشروع فتحفظت على الأمر لأني أدركت أن قناطر ابن طولون وضعت خارج حدود القاهرة التاريخية، ووقتها علمت أن هذه المنطقة واقعة تحت وطأة مشروع استثماري، أو مشروع حكومي جديد، لذلك فالقاهرة التاريخية كان يجب أن يحدد نطاقها من الجنوب إلى الشمال، فالقاهرة التاريخية بمكوناتها هي أصلا مدينة إسلامية وبدايتها مع تأسيس الفسطاط، التي حوت بداخلها الكنائس والمعابد اليهودية، وبداية عمران القاهرة معروف إذ تبدأ من الفسطاط، ثم العسكر، ثم القطائع، وصولًا إلى القاهرة، ثم إلى العباسية، حتى تصل إلى جزيرة العرب، وهي حدود ممتدة، لذلك حاولوا تقطيع تلك الحدود، فرجعت للخرائط واكتشفت أن قناطر ابن طولون ليست واقعة في نطاق القاهرة التاريخية، وعلمت أن الكباري التي نفذت بعين الصيرة يمكن أن تهدد مشاهد فاطمية في منتهى الأهمية، وقد تهدد التراث المعماري القديم للقاهرة التاريخية ككل، ومنها القرافات التي هي جزء لا يتجزأ من التكوين ومن النسيج العمراني لهذه المنطقة التاريخية، لذلك هناك الكثير من المشكلات.

    د.محمد الكحلاوي.. تصوير: أحمد هاتف
    د.محمد الكحلاوي.. تصوير: أحمد هاتف

    كما أن هناك تلاعب يتم في بعض المناطق من أجل إخراجها لتتوافق مع المشاريع الاستثمارية، والأمر ينطبق على قناطر ابن طولون، فإهمالها تم عن عمد منذ سنوات بعيدة وذلك حين قام أهالي بئر أم السلطان، باستخدام حجارة قناطر أحمد بن طولون، لتشييد البيوت العشوائية الموجودة بالمنطقة، فجميع أساس بيوت هذه المنطقة مسروق من قناطر بن طولون، وهيئة الآثار بدلًا من ترميمها في السابق تركتها للنهب والسلب لأهل المنطقة، وقد كتبت شكوتين في الماضي للدكتور زاهي حواس بخصوص هذا الأمر، لكن في النهاية لم يتم الاستجابة، حتى تبقى منها اليوم القليل، وهو الذي صمد أمام الزحف العمراني الجديد، وبالطبع تأثر هذا الجزء بالأعمال الحديثة التي تمت بالمنطقة، لذلك أنا أدركت سبب إخراج قناطر ابن طولون من القاهرة التاريخية، لأنها لو بقيت داخل حيز القاهرة التاريخية، لما استطاع أحد أن يقترب منها بأي حال من الأحوال.

    هل هناك حل لإنقاذ القناطر؟

    بالطبع هناك حل، لكن إذا توفرت الإرادة، فيمكن الحفاظ على أخر ما تبقى من تلك القناطر، لأنها ليست “حجارة”، وما يجب أن يدركوه أنه مبنى هندسي، يوضح عقلية المهندس المصري ودوره في الحضارة الإسلامية ككل، والتي انعكست عبقريته على تصميم  مقياس النيل وعلى قناطر ابن طولون، ونفس الأمر على قناطر السلطان بيبرس وصلاح الدين، ففكرة إنشاء برج للمأخذ كانت فكرة عبقرية، إذ إنه شيد لكي يحمل المياه، بدون كهرباء وبدون استخدام آلات رفع حديثة، وذلك عن طريق التلاعب بارتفاعات ومناسيب القناة، حتى تصل في نهاية الأمر إلى المنطقة المراد توصيل المياه إليها، وهذا العمل بالطبع في غاية الإبداع، وهو توثيق للإبداع الذي يخص علم هندسة المياه، ومثل هذه الأمور تدرس في العالم كله الآن، وهي التي تخص أساليب جر المياه في العمارة القديمة، ومصر من الدول التي كانت رائدة في هذا الأمر، لأننا أبدعنا في هذا المجال، ونحن أمام مبنى نادر يؤكد على التحضر الذي وصلت إليه مصر منذ أكثر من ألف سنة.

    فالحفاظ على هذه القناطر ليست مكرمة من أحد، لكنه حق لهذا الشعب الذي أبدع، ولهذا يجب أن نبحث عن كيفية جعلها مزارا سياحيا، أسوة بسور مجرى العيون، والذي شكرت الحكومة لأنها أزالت العشوائيات المحيطة به، لكني بعدها فوجئت ببناء مشروع سكني آخر بنفس المنطقة، بالإضافة إلى أن المنطقة تعاني حتى اليوم بسبب استخدامها كمقلب للقمامة، رغم تلك الملايين التي دفعت لترميم السور الأثري، إذ أن الأمر يخص سلوك البشر فنحن يجب أن نرمم البشر قبل الحجر، لأن ما دون ذلك سيصبح هباء، فتخيل أن المنطقة تستخدم حتى اليوم كمقلب للرتش والقمامة وبعدها تضطر الوزارة لاستقدام المحافظة لإزالة هذا الرتش، ومن ثم يأتي اللودر لإزالتها، والذي بالطبع يحتك بجسم الأبراج لسحب الرتش، وبالتالي نضطر بعد ذلك لترميمها بملايين الجنيهات، ولهذا أنا أتأسى وأتأسف على ما آلت إليه الآثار الإسلامية، في وقت ينادي فيه الرئيس بإعادة تأهيل المناطق الأثرية، لكن في المقابل أجد عملية تخريب لمواقع آثار إسلامية كان يجب أن تحظى باهتمام المسؤولين، لأنها من المواقع النادرة، ومنها قناطر ابن طولون، التي لا نملك لها مثيل.

    أين تكمن المشكلة؟ في الوزارة أم في الوعي؟

    المشكلة كي نفهما عن قرب سببها أن وزارة الآثار ظلمت مع وزارة السياحة، فأنا أول من طالبت بوجود وزارة للآثار بعد حريق المسافر خانة، وحينها أجرى معي الصحفي إيهاب الحضري بأخبار الأدب حوارًا صحفيًا.

    وطالبت من خلاله بضرورة وجود وزارة للآثار في مصر وكنت أتمنى أن تستحدث وزارة باسم “الآثار والتراث القومي” لا أن تدرج مع السياحة، لذلك من يتولى حقبة الآثار يجب أن يتعامل مع القيمة؛ على سبيل المثال فالفلاحين كانوا يجلسون على حجر رشيد دون أن يلتفتوا لأهميته، لأنه بالنسبة لهم مجرد حجر لكن بالنسبة لمن عثر عليه فهو كنز، استطاع من خلاله فك اللغات القديمة، وكذلك فالمصريون حين اكتشفوا أوراق البردي كانوا يستخدمونها في إشعال الأفران البلدي، لكن المتعلم الوحيد الذي أدرك أهمية هذا الورق أخذ تلك اللفائف وباعها للقنصلية النمساوية.

    للأسف هناك الكثيرين لا يعرفون قيمة ما تملكه مصر، من جواهر الحضارات المصرية، بشقيها الفرعوني والإسلامي، لكن الإشكالية التي حدثت حين ضموا الآثار مع السياحة، أنهم حاولوا دمج الآثار في مشاريع الاستثمار وهذا خطأ فادح، لأن الآثار تقع ضمن التنمية المستدامة، وهناك أهداف واضحة بالنسبة للآثار يجب أن يتم تطبيقها بجانب عدة معايير منها؛ “إعادة التأهيل، والترميم، والصيانة، والحفاظ” وليس من ضمن تلك المعايير كلمة “تطوير” وهي الكلمة التي أعيد استخدامها خلال الوقت الحالي، فهي كلمة مطاطة أضرت بالآثار كثيرًا على مدى التاريخ، وبسببها تم الإضرار بجامع عمرو بن العاص والذي أصبح لا يمت للآثار بأي صلة، وكذلك جامع الأزهر الذي اسميه “بجامع المقاولين العرب” لأنهم ألغوا الكثير من معالمه، ووقتها ذهبت أنا والدكتور صالح لمعي، لنحذرهم من أن اليونسكو قد ترفع مسجد الأزهر من قائمة التسجيل العالمية، وذلك لأنهم أدخلوا الحديد والأسمنت، بجانب المواد الحديثة، وهذا الأمر ما كان له أن يحدث، وذلك لأن الشركات العاملة في هذا المجال هي شركات مقاولات عامة وليست متخصصة، لذلك فالآثار لها حرمة، وليست أداة لاستحلابها، فحين ترعى بشكل جيد، حينها يمكن الاستفادة منها.

    هل هذا يدلل على وجود خلل في مستوى إدارة الوزارة؟

    بالطبع هناك خلل، لذلك على وزارة الآثار في الوقت الحالي أن تعي أنها ليست وزارة للاستثمار، وأنها وزارة معنية بصون وحفظ الآثار وترميمها، أما أن تتخلى عن الآثار بهذا الشكل سواء من خلال هدمها أو شطبها فهذا عبث، ما كان أبدًا أن يحدث ويسأل عن الأمر من تسبب فيه، فطوال حياتي لم أر آثار تهدم مثل ما يحدث اليوم، ففي ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي كانت الآثار تنقل ولا تهدم، رغم أنهم حينها لم يكن لديهم تطبيقات أو علوم حديثة، لكنهم كانوا مصممين على عدم هدمها، إلى أن ظلت موجودة حتى اليوم بفضل المهندسين، والذين لولاهم لما بقيت زاوية فرج بن برقوق حتى اليوم، ولهذا ففكرة الإزالة والهدم والشطب، كلها أشياء جديدة نسمع عنها لأول مرة، وبدلًا من الهدم والشطب كان على الوزارة أن تحدث قائمتها وتسجل مباني أثرية جديدة مرّ عليها أكثر من مائة عام، وهذا بحكم القانون، الذي يلزمهم بالتسجيل.

    لذلك أؤكد أن هناك خلل كبير يجب أن يعالج، وهو ينذر بخطورة داهمة خلال المرحلة المقبلة، لهذا أتمنى من رئيس مجلس الوزراء أن يتدخل لحل الأمر، لأن ما يحدث هو بمثابة قضية أمن قومي، فالتطاول على الآثار الإسلامية أصبح مباح من جانب مسؤولي الوزارة، لذلك  أناشد رئيس مجلس الوزراء مرة أخرى أن يتدخل وأن يستجيب لمناشدتي، كما استجاب من قبل حين طلبت منه أن تتراجع وزارة الآثار عن نقل الحمام البطلمي بسيناء، لوضعه في متحف شرم الشيخ.

    هل الأثر يجب أن يحمل زخارف، فهناك جدل حدث خلال الأيام الماضية بخصوص الأمر، إذ استنكر الكثير تصريحات وزير الآثار التي تفيد بضرورة أن يحمل الأثر زخارف كي يُسجل؟

    مع احترامي لوزير الآثار، لكن علينا ألا نخلط بين أمرين، كنت قد أشرت إليهم، فالأثر قيمته ليست في زخارفه، فكما ذكرت لك فالورق البردي وحجر رشيد، لم يكن يعنوا أي شيء بالنسبة للناس العادية، فقيمة الأثر في التراب، وفي الأطلال، فمثلًا لو ذهبت إلى اليمن لتشاهد سد مأرب، ستجده عبارة عن مجموعة من الأحجار، ولا يوجد به أي زخارف، وكذلك الأهرامات فهي لا تحوي أي زخارف، لكن قيمتها في الحجارة نفسها، فعلم الآثار يهتم بالحجر نفسه، لكن الذي يجب أن يهتم بالزخرفة هو التنسيق الحضاري، وليست الآثار، فهو يهتم بالزخارف العالية ويضعها كمعيار لتسجيل مبانيه.

    أما الآثار فالوضع يختلف لأنها تأخذ قيمتها وعمقها من بعدها التاريخي، وهناك الكثير من المباني عندنا كانت خالية من الزخرفة لكنها تمثل قيمة رائعة، لحقبتها التاريخية، فليس مقبول أن يتم التضحية بأثر عمره مئات السنين لأنه لا يحمل زخارف، وهنا السؤال الذي يجب أن يوجه؛ “هل أبوالهول يحمل قيمة زخرفية؟”، الإجابة بالطبع لا، فهل يستطيع أحد أن يشطب أبوالهول من عداد الآثار لأنه لا يحمل زخرفة؟، فهذا أمر غير مقبول ولا يمكن يستوعبه عاقل، لذلك أنا أدعو الوزارة مرة أخرى بوقف هدم وشطب الآثار، لأنها قضية أمن قومي، لن يتم السكوت عليها، وعليهم أن يبحثوا عن حلول لترميم تلك المباني بشكل عاجل.

  • «أتريبس».. العمل مستمر في المعبد الذي لم يبح بكل أسراره

    «أتريبس».. العمل مستمر في المعبد الذي لم يبح بكل أسراره

    تواصل بعثة جامعة توبنجن الألمانية أعمالها في الصيانة الدورية لمعبد أتريبس بالشيخ حمد بسوهاج وتنظيف المنطقة المحيطة به وخاصة منطقة مساكن الكهنة، وذلك بالتعاون مع مرممي وزارة الآثار في مصر. وكانت أعمال الاكتشافات التي قامت بها البعثة بالتعاون مع المجلس الأعلي للآثار أدت إلى الكشف عن المعبد الرئيسي الذي افتتحه الدكتور خالد العناني، وزير السياحة والآثار، في فبراير الماضي، بينما لا يزال هناك معبدان آخران تحت الرديم.. «باب مصر» يحاور البعثة الألمانية التى بدأت العمل في المشروع منذ عام 2003 للإجابة على العديد من الأسئلة التى ظلت محل تساؤل لدى علماء المصريات منذ فترات بعيدة والتي تخص موقع أتريبس، والذي ربما لم يبح عن كافة أسراره بعد.

    معبد أتريبس 

    يقول الدكتور رمضان بدري، أستاذ الآثار المصرية بجامعة توبنجن الألمانية: إن موقع أتربيس يقع عند سفح الجبل، على الضفة الغربية لنهر النيل، وهو على بعد حوالي 7 كيلو مترات جنوب غرب مدينة سوهاج (حوالي 200 كيلو متر شمال الأقصر)، والتي كانت قديمًا إحدى المدن التابعة للإقليم التاسع من أقاليم مصر العليا، وهو الإقليم الذي كانت عاصمته في أخميم الواقعة في مواجهة أتريبس مباشرة على الضفة الشرقية لنهر النيل، ويمتد الموقع الأثري على مساحة حوالي 300 ألف متر مربع، وقد استمرت فترة بناء وزخرفة معبد أتريبس لأكثر من 200 عام، إذ بدأ تشييده وتزيين حجراته الداخلية في عهد الملك بطليموس الثاني عشر (81-58 و55-51 ق.م)، وهو أحد آخر ملوك أسرة البطالمة ووالد الملكة كليوباترا السابعة. في حين ترجع زخرفة الأروقة والأعمدة والجدران الخارجية المحيطة إلى عهود الملوك الأباطرة الرومان تيبريوس (14-37م)، وكاليجولا (37-41م) وكلاوديوس (41-54م)، حيث انتشرت ألقابهم ومناظرهم في مناظر المعبد، كما عُثر أيضًا – ولكن بشكل أقل- على ألقاب عدد آخر من الملوك الأباطرة الرومان، وهم فيسباسيان (69-79م)، وتيتوس (79-81م)، ودوميتيان (81-96م)، وهادريان (117-138 ق.م).

    وتابع: لكن مع انتشار الديانة المسيحية في نهاية القرن الرابع الميلادي، ودخول مرسوم الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس الأول وجراتيان وفالنتينيان الثاني حيز التنفيذ في عام 380 قبل الميلاد، توقفت كافة طقوس العبادة في المعابد المصرية ومن بينها معبد أتريبس الذي بني إلى جواره دير للراهبات، ومن ثم أعيد استخدام بعض حجراته لتصبح بعضها ورش عمل مخصصة لصبغ المنسوجات، وفي حجرات أخرى تم العثور على أواني تخزين مطمورة في الأرضية، كما استغلت بعض المواضع الأخرى كحظائر للحيوانات أو كأماكن لأفران الفخار، بالإضافة إلى ذلك، تم في فترة لاحقة، بناء كنيسة أمام مدخل المعبد مباشرة.

    ويضيف بدري، بعد الفتح الإسلامي لمصر عام 642م، تغيرت الأنشطة رويدًا رويدًا وهُجر الدير وتحولت حجرات المعبد إلى مواضع لإلقاء المخلفات، وهي المخلفات التي عثر من بينها على بقايا فخارية وزجاجية، إلى جانب بقايا حصائر وسلال ومنسوجات وأدوات وحلي، بالإضافة إلى كتابات على أجزاء من البردي. كما تم استخدام العديد من الحجرات كحظائر للأغنام والماعز، وهو ما تم الاستدلال عليه اعتمادًا على التركيز الكبير للفضلات في طبقات معينة أثناء الحفر، وفي أواخر العصر الروماني، تم بناء حظيرتين من الطوب اللبن في الفناء الغربي وفرن للخبز في الرواق الشرقي. وربما تعرض المعبد، أو على الأقل أجزاء منه، لحريق كبير حيث توجد آثاره على جدران بعض الحجرات، وفي القرون التالية امتلأ المعبد بالحطام والأحجار المتساقطة من الأسقف وأعلى الجدران والأعمدة، حتى عمق 3 أمتار في بعض الأماكن، بالإضافة إلى ذلك، تم الكشف عن قدر هائل من كسرات الحجر الجيري التي لا تعد ولا تحصى، ناتجة عن أعمال تدمير خلال فترة العصور الوسطى، إذ تم إعادة تدوير لعدد من تلك الأحجار المتساقطة، عبر إعادة النحت والتقسيم طبقًا لاحتياجات استخداماتها في مواضع جديدة.

     معالم أتريبس الأثرية

    ويضيف أستاذ الآثار: لا نملك تاريخ محدد نستطيع من خلاله أن نحدد بداية الكشف عن معالم أتربيس، لكن ربما بدأ ذلك مبكرًا، على سبيل المثال عمل جون بالموقع جاردنر ويلكينسون (في عام 1825م)، ونيستور لوت (1839م) والبعثة الروسية بقيادة كارل ريتشارد لِبسيوس (1845م)، إلا أن تلك الحفائر لم تكن منظمة أبدًا، إذ كانت أول حفائر عملية منظمة لمعابد أتريبس كانت بقيادة عالم الآثار الإنجليزي فلِندرز بتري واستمرت 6 أسابيع في موسم (1906م-1907م)، والذي استطاع خلالها الكشف عن المعبد الرئيسي، وذلك كجزء من مشاريع المدرسة البريطانية للآثار في مصر (BSAE)، وحينها كان هدفه هو وضع تصور لتخطيط المعبد، وهو ما نجح في تنفيذه على الرغم من قصر مدة العمل، وتم نشر النتائج التي توصل إليها في تقارير الـ(BSAE)، وبعد انتهاء الحفائر، أعاد بتري ردم المعبد للحفاظ عليه من التدهور بسبب عوامل التعرية المتعددة، وتوقف العمل بالمنطقة لسنوات كثيرة إلى أن تولى المجلس الأعلى للآثار، بقيادة المرحوم أ.د يحي المصري، مدير عام آثار سوهاج آنذاك، مهام استكمال أعمال الحفائر للكشف عن باقي عناصر المعبد الرئيسي من عام 1981م إلى عام 1996م، وخلال تلك المدة تم إعادة حفر ثلثي المعبد فقط.

    واستكمل حديثه: إلا أن المشروع استكمل مرة أخرى في عام 2003، وذلك عندما أطلقت جامعة توبنجن الألمانية مشروع حفائر وتوثيق وترميم لمعبد أتريبس بالاشتراك مع المجلس الأعلى للآثار، وبالاشتراك مع الألماني أ.د كريستيان لايتس، رئيس قسم المصريات بجامعة توبنجن، وكان الهدف من المشروع في جوهره هو تنفيذ حفائر أثرية، ودراسة لغوية لمعبد أتريبس وتاريخه، والذي استخدم منذ العصر البطلمي مرورًا بالعصر القبطي وصولًا للعصر الإسلامي، لذلك ركز المشروع على إعداد بحث كامل وشامل يتضمن حفظ ونشر للمناظر والنصوص المكتوبة ومراحل بناء المعبد الكبير، وهو المعبد الذي تم تكريسه للإله “مين رع” وزوجته “ربيت” وابنهما الطفل “كولنتيس”، وقد تشكل فريق العمل من عدد من المتخصصين، سواء في علم المصريات أو الصيانة والترميم أو المعماريين، من ألمانيا ومصر وبولندا وفرنسا، وكان التحدي الأكبر في ذلك الوقت هو التعامل مع ما يقرب من 400 كتلة حجرية متساقطة من الأسقف وأعلى الأعمدة والجدران، والتي يصل وزن الواحد منها لعدة أطنان، وكان لابد من نقلها خارج المعبد لاستكمال أعمال الحفائر، لذلك تم الاستعانة بفريق الإدارة الهندسية بتفتيش آثار الأقصر بقيادة الريس جمال الغصاب وفريقه، والذي نجح في رفع الكتل من المعبد، من خلال الاعتماد على المزج بين طرق الرفع التقليدية وتكنولوجيا الوسادات الهوائية. وبعد أن رفعت الكتل تم توثيقها ودراستها وتخزينها بالقرب من المعبد، وبمجرد نقلها، استأنفت أعمال الحفائر بشكل جدي في عام 2012م، وهي الأعمال التي استمرت حتى موسم 2020م وأسفرت عن الكشف عن كافة عناصر المعبد الرئيسي ومهدت لافتتاحه أمام الزوار، كما قامت البعثة المصرية الألمانية المشتركة بإعداد المعبد للزيارة عقب الانتهاء من كافة أعمال الحفائر والتوثيق والترميم. وزودته بلوحات شارحة اشتملت على تقنية الـQR.

    ينهي بدري حديثه ويقول: إن الفضل أيضًا في إنجاز هذا المشروع يعود لآثاري المجلس الأعلى للآثار الذين تولوا قيادة المشروع منهم؛ أ.د يحي المصري، والدكتور منصور بريك، والدكتور محمد البيلي، وعبدالحكيم كرار، وهاني ابو العزم ومحمد ابو اليزيد وحاليا محمد عبد البديع ، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر العليا، وبمشاركة من الآثاريين رفعت فراج وماجد كراس، ود.محمد عبدالعزيز، ود. سامح شفيق والموجي محمود سليم وأشرف عكاشه وسيد عبد الرحمن

     زخارف معبد أتريبس

    يتحدث البروفيسور كريستيان لايتس، رئيس قسم المصريات بجامعة توبنجن، عن عمله بالموقع. إذ يوضح أنهم خلال عملهم استطاعوا الكشف عن أمور هامة منها على سبيل المثال؛ أن جدران وأسقف المعبدة مزينة بالكثير من النصوص الهيروغليفية المتميزة والمتنوعة، والتي يصل عددها حوالي 1300 نص مصاحب لمناظر المعبد الدينية والطقسية، والعديد من هذه النصوص ليس له مثيل في أي معبد آخر، ومن ثم فالأمر مفيد جدًا للمهتمين باللغة وبالديانة المصرية في تلك الفترة المتأخرة، مما يعد إضافة قوية إلى علم المصريات.

    ويضيف: من بين هذه النصوص ذلك الخاص بالمعبود “مين” والموجود في رواق الأعمدة الشرقي، إذ يتألف من 110 سطرًا، ويمتد على الجدار بطول 21 مترًا، وهو في حالة حفظ أفضل من النسخ الأقدم التي ترجع إلى عصر الرعامسة، كما أن نصوص المعبد موزعة على 34 حجرة منفذة بشكل جمالي بالنقش البارز في الأماكن الداخلية والمغطاة، بالنقش الغائر في الأماكن الخارجية المفتوحة. وأضيفت طبقة من الطلاء على النقوش، سواء كانت مناظر أو كتابات هيروغليفية، حيث تم استخدام ستة ألوان أساسية؛ الأبيض (من المستخلصات النباتية) والأسود (من الصدأ) والأحمر والأصفر والأخضر والأزرق (جميعها من المستخلصات المعدنية).

    يرى البروفيسور كريستيان أنه لم يتم تطبيق الألوان في محاولة لمحاكاة ألوان الحياة الحقيقية للأشياء الموضحة في المناظر والعلامات الهيروغليفية، ولكن تم استخدامها وفقًا للرمزية الدينية لكل لون. على سبيل المثال، كان للون الأخضر ارتباطات بالخصوبة والتجديد والولادة، وكان يستخدم على هذا النحو لجلد المومياوات والإله أوزوريس، حيث ولدوا من جديد في العالم السفلي. كما صور جزء كبير من المناظر القرابين والطقوس التي يؤديها الملك للآلهة، إذ يقدم قرابين من الطعام والمجوهرات والعطور، بالإضافة إلى المزيد من الهدايا غير المادية كالحياة والدوام، وفي نهاية الجدران تتزين من أسفل بمناظر معبودات النيل والحقول ومعبودات الأقاليم، وكذلك تقدم الهدايا إلى المعبد، بالإضافة إلى مناظر أخرى توضح تقديم أواني تحوي على مكونات مختلفة، على سبيل المثال البخور.

    ثالوث المعبد المقدس

    تم تكريس المعبد لثالوث أتريبس وهم “مين رع”، وزوجته “ربيت” وابنهم الطفل “كولنتيس”. عُبِد “مين رع” أيضًا في إقليم أخميم، وكان ممثلًا للخصوبة، ومن ثم يُصوَّر في هيئة بشرية ذات قضيب منتصب، فوق رأسه تاج يتألف من قاعدة تعلوها ريشتان طويلتان، وترتفع إحدى يديه إلى أعلى. أما عن “ربيت” معبودة أتريبس، فقد تمثلت في هيئة بشرية برأس أنثى الأسد، إذ عُبِدت في هذا المعبد بوصفها ابنة رع وإلهة الشمس، مثلها مثل الإلهات الأخرى المعروفة بهيئة أنثى الأسد، على سبيل المثال “سخمت”، على رأسها قرص الشمس، بالإضافة إلى حية الكوبرا التي تقوم بدور الحماية. يُصوَّر “كولنتيس” عادةً كطفل جالس وإصبعه على فمه، وشعره على النمط التقليدي لمرحلة ما قبل البلوغ (خصلة الشعر الجانبية).

    عمارة المعبد

    يشرح البروفيسور كريستيان لايتس عمارة المعبد، ويقول: إن الواجهة الأمامية (A) ذات الستة أعمدة حتحورية مدمرة الآن ولم يتبق منها إلا القليل، وفي الأصل كان لكل عمود من أعلى أربعة وجوه للمعبودة حتحور، كل وجه يتجه نحو واحد من الاتجاهات الأربعة، ومن أسفل كانت هناك ستائر معمارية أو جدران قصيرة تربط الأعمدة. ومن المفترض أن تكون الصالة الثانية (B) الواقعة خلف الصالة الأمامية هي صالة الأعمدة Hypostyle، لكن أعمال الحفائر لم تثبت ما يؤيد ذلك الافتراض.

    وخلف ذلك توجد صالة القرابين (C1)، وتتزين جدرانها بنقوش تظهر الإله الثور “منيفس” الذي حضر إلى المذبح. خلف ذلك توجد قاعة تاسوع الآلهة المقد (C2)، ومنها يمكن الدخول إلى قلب المعبد، حيث حجرات قدس الأقداس الثلاث (D1-D3)  والتي ترتبط كل واحدة منها بأحد معبودات ثالوث أتريبس المكرس له المعبد.

    ويحيط بقدس الأقداس D3 حجرات صغيرة تستخدم كمخازن لأدوات المعبد. ففي مخزن المواد (E4) كان يتم إيداع الملابس والزيوت المخصصة لطقوس العبادة، إذ إن إحدى النصوص المنقوشة على جدران تلك الحجرة يُقرأ:

    “قام -أي بطليموس الثاني عشر- ببناء هذا الأثر الجميل لوالده مين رع، سيد أخميم، ملك الآلهة. قام ببناء حجرة الملابس لأمه العظيمة ربيت، عين حورس في الغرب، من أجل تجميل جلالتها بهذه الأقمشة. عسى أن تكون المكافأة بالنسبة للملك خلال مدته التمتع بالحياة والقوة وتمام الصحة والفرحة الأبدية على عرش حورس مثل رع”.

    وفي حجرة بلاد بونت وما يسمى بحجرة أرض الآلهة، نقشت مناظر لأشجار البخور والمر، وهو المكان الوحيد الذي تم العثور فيه على مثل هذه النقوش من مصر القديمة بأكملها. وتصف النصوص المصاحبة كيفية استخراج المر والبخور والزيت والخشب من الأشجار المختلفة وتقييم الجودة النسبية والتناسق والرائحة ومكان المنشأ، بالإضافة إلى وصف استخداماتها وأكثر من ذلك بكثير. لذا كانت تسمى حجرة بونت والحجرات المجاورة باسم المعمل أو المختبر، والتي وصفت في نقش على النحو التالي: “قام -أي بطليموس الثاني عشر- ببناء حجرة بونت، المزينة بالكامل بأشجار المر، لأمه العظيمة، ربيت، عين حورس في الغرب. قام بتزويد المعمل بعدد لا يحصى من الأخشاب الكبيرة ذات الرائحة الحلوة لوالده أي الإله مين رع..”.

    ومن جانبه يوضح محمد عبد البديع مدير الجانب المصري للبعثة أن المعبد ينفرد بوجود ميزة معمارية أخرى، تتمثل في مجموعة من ثلاث مقاصير ذات مداخل ناحية الشمال وهي K1-K3، جميعها محاط برواق الأعمدة (L1-L3)، الذي يتألف من 26 عمودًا ذات تيجان نباتية رائعة، فنحن انتهينا الآن من أعمال الكشف عن المعبد الرئيسي، وتصل أبعاده إلى 75×45 مترًا، بينما لا يزال هناك معبدان آخران تحت الرديم، لكن خلال الفترة المقبلة تستكمل البعثة أعمالها في الصيانة الدورية للمعبد وتنظيف المنطقة المحيطة به وخاصة منطقة مساكن الكهنة، وذلك بالتعاون مع مرممي وزارة الآثار في مصر.

    اقرأ أيضا

    كشف الإسماعيلية الأثري: هل تعيد كتابة تاريخ العصر الصاوي؟

  • كشف الإسماعيلية الأثري: هل تعيد كتابة تاريخ العصر الصاوي؟

    كشف الإسماعيلية الأثري: هل تعيد كتابة تاريخ العصر الصاوي؟

    مثلما قادت الصدفة إلى اكتشاف حجر رشيد، صدفة أخرى ربما تقود للكشف عن أسرار العصر الصاوي. الأسبوع الماضي، بينما كان أحد المزارعين في الإسماعيلية يجهز أرضه استعدادا لموسم زراعي جديد، توقف الفأس أمام جسم صلب، وأخذ يكرر الأمر بحرص شديد في هذه المرة، إلى أن تكشفت له قطعة حجرية مستطيلة الشكل، فأخذ ينظفها، حتى ظهرت نقوش قديمة كتبت بالهيروغليفية، وحينها أبلغ زملاءه؛ ومن ثم أبلغوا صاحب الأرض الذي توجه فورًا لإبلاغ شرطة السياحة والآثار بمديرية الإسماعيلية، وبعد أن حضرت لجنة فنية لمعاينة القطعة المكتشفة، تبين أن الحجر المكتشف قد يكون بداية لإعادة تأريخ فترة هامة من العصر الصاوي، إذ أوضحت اللجنة المشكلة أثرية اللوحة، وحفر عليها اسم الملك (واح- إيب- رع- أبريس) خامس ملوك الأسرة الـ26، وتم توصيف اللوحة بأنها لوحة عسكرية صممت لغرض عسكري، يخص الحملات العسكرية التي كانت تتم ناحية الشرق، لذلك فالكشف قد يضيف للتاريخ عدة نقاط، خاصةً وأن هذه الفترة تحديدًا لعبت مصر فيها دورًا محوريًا بين القوى العظمى في الشرق القديم.

    كشف الإسماعيلية 

    الدكتور محمد عبدالمقصود، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للآثار، والذي عمل أغلب فترات حياته في حفائر وبعثات الآثار بسيناء، يحدثنا عن أهمية هذا الكشف، ويقول: “لهذه اللوحة أهمية كبيرة إذ إنها للملك واح إيب رع إبريس، وهو أحد ملوك الأسرة الـ26، فالآثار التي تخص هذا الملك قليلة للغاية، لكن ما يهمنا هنا أن هذه اللوحة تؤكد على أن هذا العصر كان عصرًا للازدهار العسكري، وكان هناك حراك عسكري كبير بالمنطقة، واللوحة المكتشفة هي من اللوحات الحدودية، التي كانت تستخدم لتحديد الحدود المصرية، فمثلًا كانت توضح بداية ونهاية الحدود الشرقية التي تبدأ من القنطرة شرق، وحتى رفح المصرية، وهذه المنطقة مرتبطة بشمال سيناء، وتحديدًا طريق حورس، لأنها نقطة البداية والانطلاق للدفاع عن حدود مصر، وكانت هناك مجموعة قلاع لحماية هذا المدخل”.

    وتابع: أتوقع أن يعثر على لوحات أخرى بالمنطقة -على بعد كيلو أو اثنين من الموقع- أي في المسافة التي تقع بين القنطرة شرق وبين المكان الذي عثرت عليه هذه اللوحة، لأن تلك النقطة كما أشرت كانت نقطة للانطلاق نحو الشرق القديم، والدليل على ذلك أن اللوحة مكتوب عليها اسم «سارو»، التي كانت منطقة تحصينات دفاعية في عصر الأسرة 26 وعصر الدولة الحديثة، وعصر الهكسوس، وعصر الدولة الوسطى، وهي نقطة الانطلاق للجيش، ويعني ذلك أن الحملة العسكرية التي قام بها الملك أبريس قد مرت بالموقع العسكري «سارو»، لذلك فهي لوحة تخص التاريخ العسكري.

    اللوحة الأثرية المكتشفة
    اللوحة الأثرية المكتشفة

    ويوضح عبدالمقصود، أن العثور على تلك اللوحة هو بمثابة مقدمة للعثور على لوحات أخرى في المستقبل، لأن هذه هي اللوحة الثانية التي يتم العثور عليها مدون عليها اسم الملك أبريس، والذي يعد من الملوك المحاربين، والذين حاولوا تأمين مدخل مصر الشرقي، في عهد الأسرة الـ25، لكن يجب أن نلاحظ أن هذه اللوحات كانت توضع في مناطق نائية وغير مستخدمة، وبالتالي فهي تقع في مواقع غير أثرية، وكان يتم وضعها كلوحة إرشادية قبل تلك المعارك؛ أي أن وضعها كان يتم في أرض فراغ، لذلك فهي مجرد بداية فقط لاكتشاف المزيد من تلك اللوحات الهامة.

    عواقب وخيمة

    ويقول الدكتور حسين عبدالبصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية: “إن الملوك القدامى كانوا عادة ما يقوموا بعمل لوحات تذكارية لحدث ما قاموا به، والذي عادة ما يكون حدث عسكري أو لوحة على الحدود أو تحقيق انتصار ما، لكن في عهد الملك واح- ايب- رع- أبريس، وتحديدًا عصر الأسرة 26 والعصر الصاوي، بدأنا باستعادة أمجادنا، وبدأنا نتوسع في الشرق الأدنى القديم، والتحمنا مع القوى الكبرى، وحدثت صدامات كبرى بين مصر والبابليين، والآشوريين والفرس؛ وانتهت هذه الأسرة بانتصار الفرس (526) ق.م وهزيمة الملك بسماتيك الثالث آخر ملوك الأسرة، أما الملك أبريس فقد ذكر في التوراة، وعرف عنه بدخول حروب الشرق الأدنى القديم، وأهمية هذه اللوحة تحديدًا هي أنها تؤكد على أننا كنا جزء من تلك الصراعات، فقد عثر عليها عند طريق حورس الحربي، والذي سلكته جميع الحملات العسكرية في كافة الحروب.

    يضيف عبدالبصير أن الكشف الأثري الهام سيضيف للتاريخ العسكري، وكذلك سيمكن من الاقتراب أكثر من تلك الحقبة التي تخص الملك أبريس، الذي تولى الحكم بعد والده الملك بسماتيك الثاني، وكانت هذه فترة حرجة في التاريخ المصري القديم، والذي بدوره تدخل بشدة في الشؤون الفلسطينية، وتحديدًا جنوب فلسطين دعمًا ومناصرة للحاكم الماريونت البابلي المدعو “زاداكيه” حاكم مدينة القدس، وذلك تشجيعًا له على الثورة على الحكم البابلي، غير أن الأمر جاء بعواقب وخيمة، وكان من سببها أن دفعت القدس الثمن غاليًا بعد أن قام الملك البابلي المشهور نبوخذ نصر الثاني بحصارها لمدة عامين كاملين، مما أدى إلى سقوط مدينة القدس في عام (587) ق.م، وعندما جاء أبريس واح إيب رع خلفًا أخذ نفس نهجه في سياسته تجاه فلسطين، إذ شهدت فترة حكمه مشكلات عسكرية داخل البلاد وكذلك خارج البلاد، لكن حدث تمرد على حدود مصر الجنوبية وتحديدًا على حامية أسوان، فتم قمع هذا التمرد، وإقناع الجنود المتمردين بالعودة إلى أرض مصر، بعد أن كانوا قد تركوا مكان الحامية في أسوان واتجهوا جنوبًا إلى النوبة، وبعد ذلك أرسل الملك أبريس جيشه إلى ليبيا بقيادة القائد المصري أحمس أو أمازيس، نتيجة قيام هجمات من جانب الإغريق والذين هاجموا ليبيا، فقام الملك المصري الملك إبريس واح إيب رع بإرسال ذلك الجيش دعمًا لليبيا ومساندة لها ضد تلك الهجمات الغازية. غير أن الجيش المصري عانى من ذلك التدخل، ونشبت به حركة تمرد ضد الملك إبريس واح إيب رع.

    وتابع: انتشرت الحرب الأهلية في أرض مصر بعد عودة الناجين من تلك المعركة، فدبت الحرب الأهلية بين الجنود المصريين الوطنيين والجنود المرتزقة من الأجانب الذين كان يعتمد عليهم ملوك الأسرة السادسة والعشرين الصاوية في تكوين الجيش ابتداءً من الملك المؤسس بسماتيك الأول، وبعد ذلك تم اختيار قائد عسكري من الجيش المصري كي يقود التمرد ضد الملك إبريس واح إيب رع، ووقع الاختيار على القائد أحمس أو أمازيس، وتم قتل الملك إبريس واح إيب رع، وانتقل الحكم إلى ذلك القائد العسكري الذي يعد من خارج سلالة الأسرة الحاكمة ولا يحمل الدم الملكي، غير أنه قام بتأدية الطقوس الواجب إتباعها على جثمان الملك القتيل الملك إبريس، وتم دفنه في المقابر الملكية في عاصمة الأسرة الصاوية بمدينة سايس في وسط الدلتا المصرية، لذلك فالكشف الأخير سيساعدنا في الاقتراب أكثر من حياة الملك أبريس، خاصةً معاركه التي خاضها.

    ولهذا تقدمت بطلب رسمي للأمين العام للمجلس الأعلى للآثار بطلب رسمي، لنشر هذه اللوحة، بصفتي متخصص في العصر الصاوي.

    اقرأ أيضا

     كشف الأسرار مستمر في «تونة الجبل».. هكذا كانت اكتشافات بعثة «فؤاد الأول»

  • إعادة اكتشاف «چون رويير» بمساحة شلتر بالإسكندرية

    إعادة اكتشاف «چون رويير» بمساحة شلتر بالإسكندرية

    ربما كان العثور على مخطوطات المصمم الفرنسي «چون رويير» أمر أشبه بالمستحيل إذا ما فكر أحدهم البحث والتنقيب للعثور على مخطوطاته الأصلية تلك، فقد قادت الصدفة هذه المرة السيدة چنيانا هيريرا، القنصل العام الفرنسي بالإسكندرية، للعثور على مخطوطات التصميمات الأصلية لغرف القنصلية، بعدما كانت حبيسة أدراج القنصلية، والتي تعود لأربعينيات القرن الماضي، وهي من تصميم الفرنسي جون رويير.

    وبمناسبة الاحتفال بالذكري الـ110 على تأسيس القنصلية الفرنسية بالإسكندرية، أقامت مساحة شلتر للفنون معرضًا فنيًا تحت عنوان «اكتشاف رويير»، في الفترة من 4 حتى 18 يونيو الجاري، إذ يأتي المعرض كنتاج ورشة عمل استمرت شهرين فتحت القنصلية الفرنسية أبوابها لفناني الإسكندرية مانحة إياهم فرصة الاتصال بتراث مدينتهم، وذلك لاستعادة ومعالجة ذلك التراث بأشكال أخرى جديدة.

    استدعاء رويير

    استوحى المشاركون – خلال الحفل – أعمالهم من روح المخطوطات الأصلية لصاحبها المصمم الفرنسي «جون رويير»، إذ عرضت 15 مخطوطة أصلية من تصميمه، والتي تم إعدادها في فرنسا من قبل المرممة «إيزابيل دريو لا روشل»، وهي المخطوطات التي استوحى من خلالها المشاركون أعمالهم والتي ضمت حوالي 40 عملًا تقدم بهم 18 فنانًا، وتنوعت تلك الأعمال بين «الفوتو كولاج والرسومات والأكواريل والفيديو آرت والألعاب الإلكترونية أيضًا».

    وعن اكتشاف هذه المخطوطات، تقول چنيانا هيريرا، القنصل الفرنسي لـ«باب مصر»: كنا نقوم ببعض الترتيبات في البدروم السفلي للقنصلية، والذي كان يحوي العديد من الغرف، وهنا وجدنا شيء قديم للغاية بالمكان فتحناه ولم نكن نعرف ما بداخله، لكننا أدركنا أن ما بين أيدينا هو شيء نادر وهام، على الرغم من أننا لم نتعرف عليه، كذلك تساءلنا حول ما إذا كانت تلك المخطوطات أصلية أم لا، فطلبنا حضور خبراء من فرنسا كي يتعرفوا على تلك المخطوطات وعندما أتوا قالوا إنها مخطوطات أصلية، وتحتاج لعملية ترميم، فهذا الأمر كان من سبيل الصدفة ولم يحاول أحد من قبل العثور على تلك المخطوطات لأنه لم يكن أحد يعلم بوجودها بالقنصلية.

    وتابعت: حين فكرنا بإقامة هذا المعرض أردنا أن نُعرف الناس بـ«رويير» خاصةً أنه لم يكن معروف عند الناس، لذلك أردنا مع مساحة شيلتر أن نستدعيه مرة أخرى من خلال المشاركين، ومن هنا بدأوا في البحث عن حياته وأعماله، وأبدوا اهتمام واضح حول أعماله، وأعتقد أن اكتشاف رويير لن يقف عند ذلك الحد لأننا نحتاج أن نقترب منه أكثر، فأنا لا أعرف ما إذا كان قد تأثر بالشرق من خلال أعماله أم لا، وأعتقد أن الأمر يحتاج لمؤرخ متخصص، لكن ما أعرفه أن رويير قد قرر أن ينشأ مكتبًا لشركته في مصر والأمر قد يكون دليلًا على  تأثره بثقافة مصر، التي ربما أثرت على أعماله فيما بعد، لكني كما ذكرت أعتقد أن الأمر يحتاج لدراسات من جانب المؤرخين كي يوضحوا لنا الأمر.

    وذكرت شيماء رمزي، مديرة شلتر، أن أهمية المعرض تأتي في تسليط الضوء على نقطة مهمة للغاية وهي أن مدينة الإسكندرية كانت مصدر إلهام مهم، وهذا ما انعكس عند الكشف عن مخطوطات چون رويير داخل القنصلية الفرنسية بالإسكندرية، لذلك نحن أردنا أن تكون المخطوطات هي مصدر إلهام من خلال إتاحتها للفنانين الشباب كي يعيدوا استخدامه ويعيدوا تطويره عبر نظرتهم لرويير، لذلك لم نرد فقط اكتشاف خبايا المدينة لكننا أردنا أن نوثق أحداثًا مرت بها المدينة من خلال الفن والإبداع وذلك بمشاركة الفنانين الشباب، وقد تم اختيار المشاركين من خلال الدعوة على مواقع التواصل الاجتماعي والتي عرضنا من خلالها فكرة المشروع، إذ لاقى الأمر تفاعلًا كبيرًا، وتم الإشراف على المشروع من جانب لجنة فنية من المختصين لتقديم الدعم لهؤلاء الشباب.

    وأضافت، شلتر يسعى لإبراز جوانب خفية من مدينة الإسكندرية، وهذا ما يحاولون عمله، لكن الأمر يحتاج لمجهود نظرًا لأن المكان نفسه ظل مغلقًا لأكثر من 40 سنة، إلى أن اكتشف في عام 2017، وأخذنا نجهزه لمدة سنتين حتى عام 2019، فقد ظل المكان نفسه مخبئًا طوال تلك السنوات، وبالتأكيد نحن نعمل على الكشف عن الجوانب الخفية من المدينة، لأنها مليئة بالكثير من القصص التي تستحق الالتفات إليها بشكل كبير.

    جولة داخل المعرض

    ربما تكون الصدفة قد لعبت دورها مرة أخرى، فمساحة شلتر للفنون كانت مخبئًا أثناء الحرب العالمية الثانية وتم اكتشافه عام 2017، وبالتالي يمكننا القول أن شيلتر ورويير ظلا شتيتين لسنوات طويلة إلى أن تم العثور عليهم مرة أخرى، إذ ينتميا لنفس الحقبة التاريخية تقريبًا، فخلال حفل الافتتاح قابلنا نماذج مختلفة من الشباب المشاركين في المعرض إذ اتفقوا جميعًا على فكرة واحدة وهي؛ «استعادة رويير»، لكن جميعهم رأوا رويير بشكل مختلف عن الآخر، وهذا ما أضفى للمعرض تنوعًا أثرى الجانب الإبداعي والفني.

    زياد فاوي أحد المشاركين في المعرض أثناء حديثه معنا قال: “إن العنصر الأساسي هو رويير، لأننا أردنا إعادة إحياؤه، وكل حسب تخصصه، وأنا كفنان تشكيلي ركزت على الأثاث الذي كان يصممه رويير، وقد تخيلت أن الأثاث هذا هو عبارة عن شخص وليس جماد، لذلك أردت أن أتخيل أن هذا الجماد قد يكون له مشاعر خاصة بهِ، يكتسبها من هؤلاء الذين يجلسون عليه وبالتالي يكوّن شعور خاص به، وهذا ما قصدته وما أردت أن أسجله من خلال اللوحات الخاصة بي، فإحدى اللوحات تخيلت من خلالها أن الكرسي بعدما ترك وحيدًا لفترة طويلة من الزمن قرر في النهاية أن يجلس بدلًا من أن ينتظر الناس ليجلسوا عليه، لذلك أنا كما ذكرت لك أردت أن أقوم بعملية شخصنة للأثاث، وفي إحدى اللوحات الأخرى قمت باستغلال بعض الفراغات الموجودة في تصميم الكرسي وتخيلت أن له عين تنظر من تلك الفتحات وتشاهد الجالسين والمارين عليه”.

    أما رحمة علاء، فتقول: حين سمعت عن المشروع وعن اسم رويير بدأت بالقراءة عنه، فوجدت أنه كان شخصًا مرحًا وشجاعًا، لأنه استطاع أن يأخذ قرار شجاع في حياته عندما قرر تغيير مجال عمله  في سن الـ29 من عمره، إذ كان يعمل في التجارة فقرر أن يتركها وبدأ يعمل في التصميم، وهذا ما لامس مع شخصيتها لأنها فعلت الأمر نفسه في نفس سنه تقريبًا، لذلك أرادت أن تقترب أكثر من شخصية رويير فرسمته وهو في مراحله الأولى من عمره وكذلك عندما صار شابًا، وهذا ما حاولت أن تعكسه من خلال أعمالها، وقد قدمت رحمة افتراضًا من خلال أعمالها مفاده؛ ماذا لو لم نعثر على مخطوطات رويير وبدلًا من أن نعثر عليها عثر عليها  فأر، ليكتب نهايتها، فهو سيجدها وجبة دسمة، وبالتالي لن نتمكن أن نتوصل لتلك المخطوطات ولن نسمع عنها أبدًا.

    ويوضح عبدالرحمن محمود، فنان تشكيلي مشارك بالمعرض، أنه بدأ المشاركة في المعارض منذ ما يقرب من السنتين، لكن عندما عرضوا عليه فكرة المعرض والتي تخص رويير أرادوا منهم أن يضعوا تصورًا نحو هذا العمل الفني. ويقول: أميل إلى رسم الشكل الإنساني لهذا بدأت أبحث في وجوه الناس الموجودة بالشارع فوجدت أن أشكالهم مختلفة وكذلك أزياءهم، فبدأت أوفق بينهم من خلال عمل فني، ووظفت الأمر لأني أرى أن الأثاث الذي يستخدمه الأغنياء ممكن أن يستخدمه الفقراء لأنه ليس حكرًا على الفقراء، وقد صمم چون رويير أثاث موجه لطبقة معينة وهي الطبقة الملكية في مصر، لذلك أردت دمج الطبقة العاملة البروليتاريا مع تصاميم رويير من خلال الدمج والمزواجة بين تلك الفئتين.

    أما سلمى الحسيني، مهندسة معمارية، تقول: في البداية حاولت التعرف على رويير باعتباره مهندس ديكور لذلك أردت أن أطلع على أفكاره في التصميم لأنه مصدر إلهام بالنسبة إلىّ، فركزت على عنصر الإضاءة في أعماله والبساطة التي كان يضفيها على عمله، وهذا ما أردت أن أنفذه خلال عملي، لأني أردت أن أقترب أكثر منه وهذا ما انعكس على الاسكتشات التي حاولت رسمها، فأنا أرى رغم أن ورشة العمل امتدت لشهرين فقط، إلا إنها أضافت الكثير بالنسبة إليّ.

    واتفقت معها في الرأي ريهام محمد، فهي ترى أن رويير كان يهتم بالبساطة فحين جاءتهم التصميمات الخاصة برويير أرادت أن تستخدم Line art لأنها لاحظت أن رويير كان مهتمًا بالبساطة من خلال تصميماته، وهذا أيضًا ما حاولت أن تطبقه من خلال عملها.

    وقبل أن ننهي جولتنا بالمعرض قابلنا مؤمن محمود وهو مهندس معماري مشارك بالمعرض، إذ بدا تصميمه مختلفًا، فقد قدم افتراضًا دعمه بالـVR والتي من خلالها قدم فكرته، ويقول: حين بدأت الاطلاع على اسكتشات رويير بدأت تتولد عندي فكرة وبدأت أقدم سيناريوهات حول شكل المكان عندما قدم إليه رويير، وبدأت أتخيل كيف أن محيط المكان من الممكن من أن بتأثر بالعوامل المؤثرة، لهذا فقد أردت أخذ الناس إلى رحلة عبر الزمن لنرى التغيرات التي كانت من الممكن أن تحدث للمكان لو أن شخص يوناني اشتراه وعاش فيه خلال فترة الخمسينات من القرن الماضي، إذ رأيت أن هناك تفاعل ما سيحدث، لأنه عادة ما تتأثر عملية التصميم بالعوامل المحيطة بها، ويتفاعل الناس مع هذا التصميم ويضيفون إليه أو يطرحون منه، ليناسب متطلباتهم فمدينة بحجم الإسكندرية كانت قائمة على التعددية الفكرية والثقافية. وقد ضمت العديد من الجنسيات والديانات والتوجهات، لذلك قدمت تساؤل مفاده؛ «ماذا لو اشترى هذا المنزل شخص يوناني يعيش ويعمل في الإسكندرية خلال فترة الخمسينيات، وماذا لو انتقلت ملكية المنزل لرجل مصري تزوج ويبلغ من العمر حاليًا 71 عامًا؟»

باب مصر