باب مصر

الكاتب: شهاب طارق

  • مدينة الحدائق.. إعادة اكتشاف «جاردن سيتي»

    مدينة الحدائق.. إعادة اكتشاف «جاردن سيتي»

    «جاردن سيتي.. المدينة الحدائقية اسم ومعنى» كتاب جديد صدر مؤخرا عن الجهاز القومي للتنسيق الحضاري. يستعرض الكتاب حكاية نشأة حي جاردن سيتي وتطوره، ويعرض قصص ازدهاره، وخفوته، وقوته، وضعفه من خلال التعريف بسكانه وأشكال عمارته وعمرانه. إذ تميزت العمران بداخله بكثير من خطوط التلاقي بين البشر والحجر، مبرزة لقيم تضفي روح ذكرى أعلام وشخصيات مؤثرة عاشت في الحي التراثي بداخل قصور ومبان احتضنت أفكارهم وشهدت أحداث كفاحهم الوطني على مختلف المستويات.

    تسمية الحي

    على الرغم من أن تسميه الحي الأجنبية توحي بأننا أمام صورة نمطية تحاول مجاراة العمران الأوروبي. لكنه في الحقيقة حي مصري أصيل وفريد- كما يصفه محمد حسام الدين إسماعيل في مقدمة الكتاب- إذ حوى عمرانه وعمارته عقولًا غيرت وجه مصر خاصة في النصف الأول من القرن العشرين. عندما كان موطنًا للعديد من رجال الحكم والسياسيين والاقتصاديين أصحاب التأثير الملموس في إدارة الدولة “نحن لسنا أمام صورة مجردة لجمال زخرفي ومعماري صامت، ولكن أمام حكاية تستحق أن تروى، وهوية معمارية أكبر من أن تُطمس، وقيمة أقوى من أن تتوارى”.

    التاريخ والتطور

    يبدأ الكتاب في حكي كيف كان هذا الحي. إذ عرف قديما بـ”الميدان الناصري”، الذي أنشائه السلطان الناصر محمد بن قلاوون في عام 1314م. قد غرست فيه الأشجار وأحيط بالبساتين والمتنزهات، وكان من أجمل الميادين الموجودة في القاهرة لأنه يطل على النيل؛ لذا كان السلطان يركب إليه من القلعة في يوم السبت من أيام الأسبوع، وتستمر زيارته للمكان لمدة شهرين حتى تنحسر مياه النيل.

    وكان الموكب السلطاني إلى الميدان الناصري فخمًا عظيمًا. يستعرض فيه قوته وجنوده. إلا إنه خلال العصر العثماني وحتى الحملة الفرنسية على مصر مع نهاية القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، تعرضت عدة مناطق بمدينة القاهرة إلى الخراب ومنها “جاردن سيتي” وأصبحت تلال وركام مبان. ليبدأ محمد علي باشا وأسرته ورجال دولته في خطة شاملة للتعمير وإعادة البناء.

    خصوصية المكان

    لم تكن الخصوصية التي يتمتع بها الحي طوال تاريخه وليدة الصدفة. إذ يرجع الكتاب أن نشأة الحي كمركز حيوي جديد يتشكل فيه حكام مصر من أبناء وأحفاد إبراهيم باشا قد جعله نقطة مهمة لجذب الأعيان والإقطاعيين والسفراء والقناصل والحاشية؛ ليكونوا قريبين من مركز صناعة القرار. وهو الأمر الذي أدى للمساعدة في تنمية منطقة وسط البلد المعروفة بالقاهرة الخديوية وسرعة تعميرها خصوصًا المنطقة الواقعة بينه وبين سراي عابدين، والتي يقع فيها مقر الحكم مما أظهر نشاط متميز في الأحياء الحديثة المحيطة به الحركة الاقتصادية.

    كذلك وفر انعزال جاردن سيتي وخصوصية حدها الطبيعي الذي وفره لها النيل في إعطاء الحي بعض الخصوصية والتميز الإضافيين. وهي العوامل التي جعلت حي جاردن سيتي في كل عصوره هدفًا للسكنى من قبل الطبقة الثرية في المجتمع المصري.

    مجتمع كبار رجال الدولة

    يرجع الكتاب سبب تواجد أغلب رجال الدولة بداخله إلى عدة نقاط؛ فنتيجة موقع المكان “جاردن سيتي”، والذي كان تأسيسه على يد إبراهيم باشا، وبعده إسماعيل، برز دورهما في جعل المنطقة شديدة الجذب. إذ أنشأت داخلها مقرات إدارة الدولة. خاصة في المنطقة المحصورة بينها وبين سراي عابدين، ومع تقلبات النظم التشريعية والتوجه نحو الملكية الدستورية أصبح ظهور السياسيين والأحزاب بها حتمي بصفتهم ممثلي الشعب لتقلد المناصب القيادية والتنفيذية بحكم دساتير البلاد الحاكمة في فترة ما قبل يوليو 1952م. مما جعل “جاردن سيتي” عاصمة داخل العاصمة، فتمركزت فيها الوزارات والمجالس التشريعية والأحزاب. لذا فكما اختار معظم الفنانين السكن في حي الزمالك. اختار معظم السياسيين “جاردن سيتي” لتكون محل إقامتهم، ليكونوا بالقرب من مصنع الأحداث.

    مجتمع الاقتصاديين

    واكب الحي بدايات القرن العشرين. إذ ازدهر بصورة كبيرة، ومع بدايات خروج اليهود من أحيائهم المغلقة إلى الأحياء الجديدة، نتيجة الفكر الليبرالي الذي ساد مصر في تلك الفترة، ونتيجة علاقاتهم الجيدة بحكام مصر والطبقة الأرستقراطية في مصر من مصريين وأجانب. بالإضافة إلى ما حققوه من ثراء اقتصادي ناتج عن مشروعاتهم الاقتصادية الناجحة. مما جعل اندماجهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية مرحبًا بها على جميع الأصعدة.

    ومنها اتجه اليهود إلى العيش بجاردن سيتي. وبنوا لهم الفيلات والعمارات السكنية والمبانى الخدمية لأفراد الطائفة اليهودية مثل قصر موسى قطاوي “قوت القلوب” وغيره الكثير. الأمر الذي يؤكد على أن الحي قد شهد تسامح وتعايش بين جنسيات وديانات مختلفة. إلا أن جاردن سيتي كان التعايش هناك مؤسس على أنهم جميعا طبقة من الأثرياء الذين يمتلكون زمام السياسة والاقتصاد في مصر. كلهم ينتمون إلى تلك الطبقة الاجتماعية فلا يفرق بينهم جنسية أو ديانة. واتخذت عمارتهم خط طرازي متوافق مع الطراز الأوروبي السائد في هذه الفترة بمدينة القاهرة.

    ما بعد ثورة يوليو

    يتطرق الكتاب لشكل الحي التاريخي والتغيرات التي حدثت به خاصة بعد ثورة يوليو 1952. إذ شهد الحي الكثير من التحولات الاجتماعية. فبدأت أنماط عمرانية جديدة في الظهور على أرضه بداية من المباني متعددة الاستعمالات. وقد استبدلت أنماط الإسكان الفاخر والتي والمتمثلة في الفيلات، بالشقق الفاخرة. الأمر الذي أدى لحدوث اختلافات في التركيبة السكانية بالمنطقة. ويمكن قراءة ذلك بوضوح في سطوة عمران الحداثة بأشكاله المجردة والبعد عن الزخرفة.

    وامتد هذا التغيير وتأكد مع الثورة، وما لحقها من هجرة للأجانب بعد بيع أغلب ممتلكاتهم. وهو الأمر الذي ساهم في حدوث خلل في التركيبة السكانية التي كانت سائدة، وانفصالًا بين الأنماط العمرانية والأشكال المعمارية. مما أدى لهدم بعض المنشآت ذات الطرز والتكوينات المعمارية الزخرفية واستبدالها لاحقًا بعمارات سكنية شاهقة، وفنادق كبيرة على طراز الحداثة المُجرد. مع عدم أخذ الخصوصية التخطيطية لمنطقة جاردن سيتي في الاعتبار.

    عمارة جاردن سيتي

    قدم الباحثون في الكتاب توصيف للطرز المعمارية المميزة للحي. إذ استخلصوا أن الخط الزمني للطرز تماثلت مع نظيراتها الأوروبية عند بداية القرن العشرين. وأهم ما يميز الطرز بالحي، هو تجانسها التكويني من حيث استخدام “الموتيلات” المطورة من الأنماط الكلاسيكية وصولا للأنماط الزخرفية الحديثة وحتى مراحل التجريد الحداثي. وقد ظهر بجاردن سيتي العديد من الطرز المعمارية المعبرة عن توجهات سكانها أهمها؛ “الطراز الكلاسيكي المستحدث” و”الطراز الإحيائي الكلاسيكي”. إذ يظهران بصورة متوازنة في “جاردن سيتي” التي تتميز مبانيها بزخارف مستوحاة من الفن اليوناني الروماني. فهذا الطراز دائمًا ما يميل مريدوه إلى تبجيل القيم الثقافية والفنية.

    طرز أخرى

    وبجانب هذا الطراز غلب الطراز التلقيطي، بجانب الطراز القوطي المستحدث، وكذلك طراز الباروك المستحدث. وهو طراز معماري ظهر مع نهاية القرن التاسع عشر كطراز إحيائي لعمارة الباروك، التي كانت تنتشر في أوروبا في القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر.

    وقد ظهر كذلك بالحي “الطراز الإسلامي المستحدث” في محاولة لبث إشارات روحية بطريقة حديثة عن طريق استيراد أشكال وزخارف من العمارة الدينية. بغرض خلق طراز أطلق عليه في فترة النصف الأول من القرن العشرين بالطراز “الواعي”. لتبني بعض المعماريين المصريين لهذا الطراز كخط دفاعي يعبر عن هويتهم ضد التوسع في استخدام الطرز الأوربية. إذ يعمل على بث الروح للمتلقيين والمستخدمين من خلال إحياء القيم الزخرفية المرتبطة بالعمارة الإسلامية ومُريدي هذا الطراز من السكان دائما ما يميلون إلى الخصوصية الشكلية وإبراز هويتهم العربية والإسلامية بأشكال مستوحاة من هذه الثقافة.

    ذاكرة المدينة

    الكتاب يعد هو الثاني في سلسلة «ذاكرة المدينة» التي بدأت بإصدار كتاب «جزيرة الزمالك.. القيمة والتراث» الذي صدر عن الجهاز القومي للتنسيق الحضاري. وشارك في تحريره فريق بحثي تحت إشراف محمد حسام الدين إسماعيل، أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة عين شمس.

    وشارك في إعداده د.إسلام عاصم عبدالكريم، رئيس قسم الإرشاد السياحي بالمعهد العالي للسياحة وترميم الآثار بأبي قير، والدكتورة هايدي أحمد شلبي، مديرة الإدارة العامة للحفاظ على المباني والمناطق التاريخية، والدكتور إسلام أحمد عبدالقدوس، مدرس الهندسة المعمارية بالمعهد العالي للهندسة والتكنولوجيا بالبحيرة، وكذلك كريمة نصر، المدرس المساعد بجامعة عين شمس، وإسراء حميدو أبوزيد، باحثة ماجستير بجامعة عين شمس، ورشا عبدالعزيز، الباحثة بوزارة الآثار.

    اقرأ أيضا

    «البشر والحجر».. تجارب ذاتية تعيد اكتشاف وجوه القاهرة

  • جدول فعاليات مؤتمر تراث القاهرة والمختبر الحضري بالإسكندرية

    جدول فعاليات مؤتمر تراث القاهرة والمختبر الحضري بالإسكندرية

    حدثان ثقافيان تشهدهما الإسكندرية والقاهرة اليوم. يجمعهما البحث عن خطط لتنظيم المدن وكيفية الحفاظ عليها. الأول يتمثل في المختبر الحضري الثالث بالإسكندرية. والثاني هو المؤتمر السنوي الأول “تراث مدينة القاهرة بين الواقع والمأمول”. ومن المقرر استمرارهما خلال اليومين الماضيين.. «باب مصر» يلقى الضوء على فعاليات الحدثين.

    المختبر الحضري الثالث

    تقيمه مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية بالإسكندرية، بمساحة شلتر بداية من اليوم وحتى 1 أكتوبر. ويناقش المؤتمر قضايا متعددة تخص المجتمع الحضري من جانب نخبة من الأكاديميين المتخصصين. في محاولة لتوليد حلول حضرية سريعة في سياق التحضر السريع، بالإضافة إلى خلق حوار بين مجموعات مختلفة، الأمر الذي سيساعد على فرص التنمية الحضرية الناجحة والمستدامة.

    النسيج الحضري

    في اليوم الأول من أعمال المختبر، يلقي البروفيسور بيتر ارلنفاينمن، كلية العمارة بروزنهايم- ألمانيا، محاضرة عامة عن علم البيئة العميقة. ويليه في اليوم الثاني حلقات نقاشية تحت عنوان: “كيف تقرأ المدينة.. النسيج الحضري والمجتمع”. إذ تقدم خلالها الدكتورة مي يحيى، الأستاذ المساعد بالأكاديمية البحرية محاضرة أخرى بعنوان “قراءة في النسيج العمراني للإسكندرية: موجز تاريخ التنقل الحضري والمواصلات في المدينة”.

    ويليها محاضرة أخرى، لشيماء رمزي، مدير مساحة شلتر بعنوان: “دور الفن في المدن والأماكن العامة”. ويتبعها محاضرة بعنوان “الحياة الجيدة.. لماذا يجب أن توفرها لك المدن؟”، للمعماري مصطفى أبوالعلا. ويتبعها في الثالثة مساءً محاضرة للمخطط العمراني عبدالرحمن حجازي بعنوان “إمكانية كهربة الميني باص في المدن الإفريقية: القاهرة ونيروبي وكيب تاون”. وفي نهاية اليوم تقام ورشة عمل حول والتي تطرح سؤالًا رئيسيًا مفاده: “كيف يمكننا تحليل المدينة”.

    التنقل الحضري

    في اليوم الثالث، تحمل الجلسات عنوان “النقل والتنقل الحضري”. إذ تقدم د. ياسمين قنديل الأستاذ المساعد بالأكاديمية البحرية، محاضرة بعنوان “التجديد الحضري والنقل لتقليل الاعتماد على السيارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويليها أخرى في العاشرة صباحًا بعنوان “خطة التنقل الحضري المستدام” للباحث عبدالرحمن حجازي. وبعده ورشة عمل للباحثة ياسمين قنديل نحو التنقل الحضري المستدام.

    ويعقب ذلك محاضرة للمهندسة المعمارية فريدة وحيد من جامعة نوتنجهام بعنوان: “التنقل في عصر AR  VR”. وفي الثالثة مساءً يقدم الباحث عبدالرحمن المليجي محاضرة بعنوان: “علم البيانات للتنقل والنقل”. وينهي اليوم الدكتور أحمد الدرغمي، المتخصص في مجال البيئة والتنمية، بورشة عمل عن “النقل منخفض الكربون والتنقل الكهربائي”.

    الاستدامة الحضرية

    يأتي اليوم الرابع تحت عنوان “الاستدامة الحضرية والمحافظة على مركز المدينة”. إذ تلقي الدكتورة دليلة الكرداني، أستاذ العمارة بكلية الهندسة جامعة القاهرة بعنوان: “حفظ التراث كمعيار  للعمران المستدام”. ويليها محاضرة حول “المرونة المناخية في السياق الحضري” للمخطط العمراني الدكتور تامر الشيال.

    وبعدها محاضرة عن “تكامل إدارة النفايات المستدامة في المدن” للمتخصص والباحث البيئي محمد كامل. وأخرى بعنوان “التدخل في مدننا؟ الاستدامة الحضرية والحفاظ على المدينة”، للدكتور نبيل الهادي من جامعة القاهرة.

    وفي ختام اليوم تقام ورشة عمل من جانب المخطط العمراني، أحمد عبدالغني بعنوان “تصميم الأماكن العامة والبيئة الملائمة للعيش”.

     المدينة البيئية

    ويأتي اليوم الخامس بعنوان “تصميم المدنية البيئية”. إذ يلقي الدكتور نبيل الهادي محاضرة بعنوان “هل تبحث عن مستقبل لائق لمدننا؟”. ثم يتحدث الباحث كريم إبراهيم في محاضرة بعنوان “المساحات العامة الخضراء للتخفيف من حدة تغير المناخ”. ويليها أخرى للمهندس المعماري الدكتور محمد مهنا حول “دور المؤسسات الثقافية”.

    ويليها أخرى حول مجموعات العمل والملاحظات في الأماكن العامة. يقدمها الدكتور مجدي الصباغ. وفي اليوم الأخير من الأعمال تقدم النتائج والتوصيات المقترحة والتي توصل إليها الخبراء من خلال النقاشات المختلفة.

    مؤتمر القاهرة

    وفي القاهرة تقيم دار الكتب والوثائق المؤتمر السنوي الأول بعنوان “تراث مدينة القاهرة بين الواقع والمأمول”. ويستمر المؤتمر على مدار اليوم وغدا. إذ يسعى المؤتمر لتسليط الضوء على تراث مدينة القاهرة من خلال عدة محاور؛ منها التراث المادي لمدينة القاهرة. وكذلك التراث وترسيخ الهوية في ظل التنمية المستدامة، والتراث اللامادي لمدينة القاهرة.

    فعاليات المؤتمر

    تبدأ أولى فعاليات المؤتمر بجلسة افتتاحية لكل من الدكتورة إيناس عبدالدايم، وزيرة الثقافة، والدكتورة نورا عبدالعظيم، مقرر المؤتمر، والدكتور أيمن فؤاد سيد، رئيس المؤتمر، والدكتورة نيفين محمد موسى، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية.

    وتبدأ أولى الجلسات بعنوان: “إسهامات مؤسسية”. إذ تدور حول التجارب الخاصة بالحفاظ على تراث مدينة القاهرة. ويرأسها الدكتور عبدالحميد مدكور، أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة.

    ويتحدث فيها الدكتور أحمد الشوكي، وكيل كلية الآثار للدراسات العليا والبحوث بكلية الآثار جامعة عين شمس، تحت عنوان: “تطوير متحف الفن الإسلامي”. ويليها كلمة الدكتورة هايدي أحمد شلبي، المشرف على الإدارة العامة للحفاظ على المباني الخارجية والمناطق التاريخية بالجهاز القومي للتنسيق الحضاري، وتتحدث عن تجربة “عاش هنا”.

    ويتحدث محمود عبدالباسط، مدير عام مشروع تطوير القاهرة التاريخية، ثم المهندسة هانيا ممدوح، المشرف على الوحدة الهندسية بمشروع تطوير القاهرة التاريخية. وتتحدث هي الأخرى عن مشروع تطوير القاهرة التاريخية.

    وتنتهي الجلسة الأولى بكلمة للدكتورة أمل جمال، رئيس الإدارة المركزية للشباب بوزارة الشباب والرياضة سابقًا عن إسهامات الإدارة العامة للحفاظ على تراث القاهرة.

    التراث المادي

    في الساعة الـ2 ظهرًا تبدأ الجلسة الأولي من أعمال المؤتمر بعنوان: “التراث المادي وطرق الحفاظ عليه”، ويديرها الدكتور أحمد مجاهد، رئيس قسم الدراما والنقد بكلية الآداب جامعة عين شمس. ويتحدث فيها الدكتور حسين إبراهيم العطار، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بمعهد الدراسات النوعية بالجيزة عن “تراث القاهرة المعماري في العصر العثماني: وكالة نفيسة البيضا نموذجًا”.

    وتقدم الدكتورة شيماء عبدالفتاح محمد، مدير إدارة تسجيل الآثار بقطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية، دراسة بعنوان “التطور الحضاري والعمراني لقلعة الكبش”. ويليها الدكتور كريم محمد حمزة، مدرس التاريخ والآثار الإسلامية، بجامعة دمنهور بعنوان: “النقوش الكتابية كوسيلة تواصلية على العمائر الدينية في مدينة القاهرة حتى نهاية العصر المملوكي”.

    ثم يلقي حمدي محمد علي عثمان، معلم كبير بالتربية والتعليم سابقًا، دراسة بعنوان “الدرب الأحمر بين الماضي والحاضر”. وينهي الجلسة إبراهيم فاضل الناصري بعنوان: “عمائر تكريتية في خارطة القاهرة التاريخية”.

    آثار مدينة القاهرة

    تأتي الجلسة الثانية بعنوان “آثار مدينة القاهرة والدراسات الحديثة”، ويديرها رئيس الجلسة: الدكتور أمين عبدالله الرشيدي، رئيس قسم الآثار بجامعة الفيوم. ويتحدث الدكتور محمد حسام الدين إسماعيل، أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة عين شمس عن “جزيرة الزمالك”.

    وبعدها تلقي الدكتورة سهير زكي حواس، أستاذ العمارة بكلية الهندسة جامعة القاهرة، عن “القاهرة الخديوية”. ثم تتحدث دكتورة مي السيد محمد، مدير عام بقطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية عن “استدامة التراث المعماري الإسْلامي: بيمارستان السلطان المؤيد أبي النصر شيخ المحمودي نموذجًا”.

    ويتحدث الدكتور محمد إبراهيم عبدالعال، المدرس بكلية الآثار الإسلامية بجامعة عين شمس، عن دراسة بعنوان: “أضواء جديدة على أسوار مدينة القاهرة الشمالية في ضوء الاكتشافات الأثرية الحديثة (باب النصر نموذجًا)”.

    وتنهي الدكتورة نورا عبدالعظيم، الباحث بمركز تحقيق التراث بدار الكتب والوثائق القومية، الجلسة بتقديم دراسة حول “التراث العمراني لمدينة القاهرة بين الماضي والحاضر (البيوت الأثرية نموذجًا)”.

    التراث والتنمية

    في اليوم الثاني من أعمال المؤتمر تأتي الجلسة الأولى بعنوان “التراث والتنمية المستدامة”. ويرأسها الدكتور عبدالكريم جبل، أستاذ العلوم اللغوية بكلية الآداب جامعة طنطا. ويتحدث فيه الدكتور فتحي صالح، مستشار رئيس الوزراء لشؤون التراث وسفير مصر لدى منظمة اليونسكو سابقًا عن “قصة مدينتين القاهرة– باريس تراث معماري مشترك”.

    ويليه حديث للدكتور أيمن فؤاد سيد، أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، بعنوان “المستشرقون ودراسة القاهرة”. وبعدها يتحدث الدكتور عبدالعزيز صلاح سالم، رئيس قسم الآثار الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة عن “التراث الثقافي العالمي بمدينة القاهرة”.

    وتتحدث جيهان حسن مصطفى، مدير عام فرع ثقافة القاهرة الهيئة العامة لقصور الثقافة، عن التراث وترسيخ الهوية لبناء الإنسان وتطوير العشوائيات بمدينة القاهرة في ظل أهداف التنمية المستدامة. وينهي الجلسة الدكتور مصطفى يسري عبدالغني، الباحث في العلوم الاجتماعية، بحديثه عن “دور السياحة في توظيف التراث الثقافي كمدخل للتنمية المستدامة”.

    ترسيخ الهوية

    تأتي الجلسة الثانية في اليوم الأخير من أعمال المؤتمر بعنوان “التراث وترسيخ الهوية”. ويرأسها الدكتور محمد أحمد إبراهيم، أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة بني سويف، ويتحدث فيها الدكتور شريف علي الأنصاري، كبير باحثين بمركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية عن “التحفة السعدية (شرح كليات القانون، لابن سينا)”.

    ويليه الدكتور محمد السيد إسماعيل. ويتحدث عن “بيئة الحديث القاهرية في عهد المماليك البرجية”. وبعده يتحدث الدكتور محمد الديب، رئيس الجمعية المصرية لفنون الأرابيسك والمشربية، عن مشروع تسجيل المشربيات في القاهرة التاريخية.

    ويليه حديث من جانب محمد مجدي الجزيري، الباحث بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية، بجامعة الأزهر، عن “مظاهر اهتمام الخديوي عباس حلمي الثاني بالجامع الأزهر الشريف”.

    تراث القاهرة اللامادي

    تأتي الجلسة الأخيرة من أعمال المؤتمر بعنوان: “التراث اللامادي لمدينة القاهرة”. ويديرها الدكتور أحمد مرسي، أستاذ الأدب الشعبي، بكلية الآداب جامعة القاهرة. ويتحدث فيها الدكتور أحمد سعيد زيدان عن “تاريخ الحرف اليدوية في مدينة القاهرة منذ بداية عصر محمد علي”.

    ويليه الدكتور محمود محمد خلف، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية المشارك بالجامعة الإسلامية بمينسوتا. ويتحدث عن “الخولانيون ودورهم العلمي في مصر منذ الفتح الإِسلامي حتى سقوط الدولَة الفاطمية”. ثم تقدم مروة الشريف، الباحثة بمركز تحقيق التراث بدار الكتب والوثائق القومية بحثًا بعنوان: “حركة التأليف في القاهرة المملوكية: حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة نموذجًا”.

    ثم يليها  الباحث في القنون الشعبية بأكاديمية الفنون مصطفى كامل. ويتحدث عن “مبادرة يالا على الورشة نموذجًا”. وتنهي الجلسة الدكتورة سهى محمود أحمد بحديثها عن “آليات صون التراث غير المادي لمدينة القاهرة”.

    اقرأ أيضا

    «البشر والحجر».. تجارب ذاتية تعيد اكتشاف وجوه القاهرة

  • «البشر والحجر».. تجارب ذاتية تعيد اكتشاف وجوه القاهرة

    «البشر والحجر».. تجارب ذاتية تعيد اكتشاف وجوه القاهرة

    أقيم الأسبوع الماضي ببيت المعمار المصري حوار مفتوح عن تراث المدينة والمجتمع تحت عنوان «القاهرة.. البشر والحجر»،  إذ تحدث أربعة من المؤثرين عن تجاربهم مع المدينة من زوايا متعددة في محاولة منهم للكشف عن أوجه القاهرة المتعددة. أدار النقاش الباحث عبدالعظيم فهمي، والدكتورة فاطمة كشك.

    اكتشاف القاهرة

    في البداية تحدث حسن حافظ، باحث في التاريخ، عن القاهرة ذات الطبقات المتعددة، لذا لا يمكن أبدًا حصرها داخل نطاق واحد، فهي مدينة لها ألف باب وألف زاوية يمكن لأي فرد أن يكتشف زاويته لتحديد علاقته بها كمدينة. يقول: «من حسن حظي أن مدخلي لمعرفتها هو كتب الخطط. والتي ركزت على تاريخ الحجر والبشر بجانب تاريخها العمراني. فالقاهرة من وجهة نظري هي أهم مدينة في التاريخ الإسلامي كله. وعن طريق علاقتي بالكتب بدأت افهم تراث القاهرة وعمرانها، فرجعت لكتب المقريزي والمؤرخين بجانب المستشرقين الذي تحدثوا عن المدينة.

    قصر من الذهب الخالص

    يضيف: وبدأت أبحث عن القصر الفاطمي الموجود بشارع المعز والذي ذكر في الكثير من الكتب، لكنني حين نزلت إلى الشارع لم أجد القصر بالطبع، فقد اختفى منذ ما يقرب من 700 سنة. لكن عن طريق الإشارات بدأت بعملية استرجاع لهذا القصر، فوجدت أن بوابته الرئيسية كانت تقع عند مدخل بيت القاضي. وقد شيد هذا الباب من الذهب الخالص، وكثيرًا ما كان يبهر الرحالة الأجانب الذين اهتموا بالقاهرة. لذلك أنا وجدت من خلال هذه الكتب ومن خلال المحاولات بدأت أفهم تشكيل هذه المدينة. إذ أرى أنه كل خمسين عاما تكتسب القاهرة طبقة جديدة، وهذه الطبقة الجديدة لا تمحي القديمة. بل تتجاور وتعيش معها، كنوع من أنواع التوأمة والاستمرارية، وهذا ما يفسر لنا تعدد الآثار مختلفة العصور الموجودة جانب بعضها البعض، فشارع المعز يحوي على مجموعة متنوعة من الطبقات التاريخية المتجاورة، والتي تعكس حالة من التفرد داخل تاريخ هذه المدينة، والتي لم تتوقف عن النمو أبدًا».

    فن الخطط

    تحدث حافظ عن فن الخطط إذ يقول: بداية هذا الفن مرتبط بمصطلح الخطة وهو “الشارع” في مفهومنا. لكن المسلمين الأوائل كانوا يستخدمونه كحي كامل لمجموعة قبائل ويقسمونها فيما بينهم. فأول من تحدث عن خطط الفسطاط كان المؤرخ ابن عبدالحكم، وقد تحدث في كتابه «فتوح مصر وأخبارها» عن خطط القاهرة، وعن دخول العرب لمصر واستقرارهم فيها، وقد قدم لنا مادة متخصصة عن المدينة وعن تخطيتها بحيث يكون جامع عمرو بن العاص ودار الإمارة والسوق الرئيسي هما قلبا المدينة. وسيظل هذا التكوين سمة بارزة في جميع المدن الإسلامية بعد ذلك، وقد جاء بعده أبو عمرو الكندي والذي ألف كتاب عن خطط الفسطاط بشكل منفصل، وهذا الأمر يجعلنا نتساءل «لماذا أصبحت الخطط هي ولع مصري على عكس مؤرخي العالم الإسلامي؟»، لكن الأمر يجعلنا ننتبه إلى شيء هو أن المصريين كانت لديهم نزعة قومية ظهرت من خلال كتابات المؤرخين.

    ذاتية مصرية

    وهذه النزعة كانت تؤهلهم لشعور متضخم بالذات والاهتمام بكل ما هو مصري. من خلال الاعتماد على مجموعة من الأسانيد المستسقاة من القرآن والتي تحدثت عن مصر، وكذلك الآثار الفرعونية التي كانت محل انبهار الرحالة الذين جاءوا إلى مصر بمن فيهم الخليفة المأمون والذي انبهر بالأهرامات، وحاول أن يهدم الهرم الأكبر كي يكتشف الكنوز الموجودة أسفله. لكن ما أود أن أقوله أن هناك وعي ظل عند المؤرخين المصريين أن هذا البلد تحديدًا له نوع من الخصوصية، ويحتاج لعناية خاصة من المؤرخين، على عكس المؤرخين الشوام أو العراقيين، فالمصريين اهتموا بالذاتية، وهذا من ضمن أسباب ازدهار فن الخطط، وتحديد كل معالم المدينة وأنشطتها الثقافية والتجارية والاقتصادية، وهذا اَلْوَلَع ظهر جميع المؤرخين المصريين.

    ازدهار الفسطاط

    يواصل حافط: «حين جاء المؤرخ بن زولاق، والذي أرخ للمدينة بعد أن تطورت وتضخمت، قسم المدينة لعدة تقسيمات، ومن هنا كتب عن العسكر والفسطاط، والتي كانت في ذلك الوقت تعتبر هي المدينة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية الأولى لمصر، لكن مع دخول الفاطميين لمصر في منتصف القرن الرابع الهجري، تحولت مصر إلى دار خلافة وأصبحت دولة إمبراطورية، وشيد الفاطميون مدينة أسموها بالمنصورية، إلى أن جاء الخليفة المعز لدين الله وغير واستبدل اسمها بالقاهرة، والتي أصبحت مدينة ملوكية مغلقة ممنوع على العامة دخولها، ومع ذلك ظلت الفسطاط هي المدينة الأولى لمصر، ويعد أخر المؤرخين الذين اهتموا بخطط الفسطاط هو القاضي القضاعي، والذي تكلم عن الفسطاط في عز توسعها وازدهارها، قبل أن تحدث الشدة المستنصرية والتي أدت إلى خراب الدولة المصرية في العصر الفاطمي، إلى أن جاء بعدة عدة مؤرخين اهتموا بتقديم تأريخ للقاهرة.

    مبادرات شخصية

    يتطرق حافظ إلى جزئية أخرى متحدثا عن عمليات التحول التي تتعرض لعملية تحول كبيرة، وبغض النظر عن تقييمنا لهذا التحوّل، فحاليا تهدم بعض البنايات ويعاد بناؤها مرة أخرى ولكن دون توثيق كامل، وهذا ما يجعلنا من الضرورة أن نتبنى مبادرات شخصية، أو من خلال المجتمع المدني لتوثيق هذه الأماكن وتسجيلها بشكل عشوائي، كي يكون عندنا في المستقبل ذاكرة صوتية ومصورة لهذه الأجزاء التي أعيد البناء فيها، وهذا ما يتطلب منا أن نوثق القاهرة اليوم بشكل مختلف، وتسجيل كل معالمها بشكلها الحالي، للاحتفاظ بها للأجيال القادمة، كي نوصل لهم روح المدينة وفلسفة بنائها.

    معادل للتاريخ

    يحكي المؤرخ حامد محمد حامد عن بداية تعلقه بالمقابر حين كان طفلًا وخاصة تلك الموجودة بصلاح سالم، فيقول: مع الوقت شعرت أن المقابر يمكن أن تكون هي المعادل الموضوعي للتاريخ، ووقتها كنت أعتقد أن التاريخ هو تاريخ المشاهير فقط، ومن هنا كانت بدايتي مع قرافة القاهرة، فالمقابر تشبه التاريخ المصري كله بتسلسله فنهاية الإنسان ليست بموته، لكن هناك علاقات تنشأ بعد الموت مثل علاقات الجيرة التي تنشأ بين بعض القبور.

    القرافة في القرن التاسع عشر
    القرافة في القرن التاسع عشر
    الليالي

    ويضيف: في أطروحتها للدكتوراه تحدثت د.سهر القلماوي عن ألف ليلة وليلة، وفي بحثها قالت إن “الليالي” كتبت في أقطار إسلامية كثيرة، لكنها في النهاية تبلورت في القاهرة، وبالنسبة إليّ فأنا أنظر للقاهرة باعتبارها المدينة الحاضنة لألف ليلة وليلة، لكني لا أجد شيئا أغرب في القاهرة من “قرافة القاهرة” فالمؤرخين والرحالة حينما جاءوا إلى مصر تحدثوا عن أن القرافة هنا اختلفت كثيرًا عن أي مكان آخر، فمنهم من ذكر أن القرافة الكبرى كانت مثل الإسكندرية في الحجم، ومنهم من ذكر أن القرافة الصغرى كانت مثل حمص، فابن بطوطة على سبيل المثال ذكر أن القرافة في مصر كانت من أهم متنزهات أهل القاهرة، وأن الناس كانوا يبيتون ويسهرون بداخلها، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه هو “لماذا أهتم المؤرخين بذكر قرافة القاهرة تحديدًا؟” فهذا معناه أنها اختلفت عن أي مكان آخر.

    غراس الجنة

    وهذا يجب أن نرده للتصور الإسلامي عن الموت، فهذا التصور جاء بطريقة مختلفة عن الديانات الأخرى من خلال فرض تصورات مفادها؛ أن الموتى يسمعون داخل قبورهم، وأنهم يشعرون مثلنا، ويستأنسون بمن يزورهم، فجميع الأقطار الإسلامية تعاملت مع هذه النصوص باعتبارها نصوص تسليمية، لكن هنا في مصر أرادوا تقديم شيء مختلف، والبداية كانت من خلال حديث دار بن عمرو بن العاص والمقوقس، فقد أراد المقوقس أن يشتري سفح المقطم بـ70 ألف دينار، لكن ابن العاص رد عليه بضرورة أن يرجع للخليفة عمر وبالفعل رد عليه عمر وأراد أن يستفسر من عمرو بن العاص، عن سبب عرض هذا المبلغ الضخم لشراء سفح المقطم، وهنا رد عليه المقوقس أنه وفقًا لكتاباتنا فنحن نؤمن أن هذا المكان هو “غراس أهل الجنة” وهنا رد عليهم عمر وأمرهم بدفن المؤمنين من المسلمين بها، ما دامت هي غراس لأهل الجنة. وهذه الصيغة الإسلامية المستقاة من هذه الثقافة هي التي أنتجت لنا القرافة بهذا الشكل، من خلال وجود أماكن للاستراحات وكأننا نجلس في روضة من رياض الجنة؛ حسب ما تم تأصيل الفكرة إسلاميًّا، والتي أنتجت لنا القرافة بهذا الشكل ذات الطبيعة الخاصة، ولهذا انبهر بها جميع الرحالة الذين جاءوا إلى مصر.

    أعراق مختلفة

    الباحث في تاريخ القاهرة محمد قدري تحدث عن أن تجربته الخاصة بدراسة القاهرة بدأت بشكل غريب إذ أنه منذ ثلاثة أعوام لم يكن عنده نفس الشغف بالقاهرة، لكن بدأ اهتمامه حينما كان في دورة تدريبية بالهند، ووقتها شاهد الآثار الإسلامية المغولية الموجودة هناك، وقد شاهد “قطب منار” والذي ينسب لقطب الدين أيبك يقول: قلت داخل نفسي إن هذا الاسم سمعته من قبل، وبعد ذلك حكوا لنا قصة راضية سلطانة وخلافها مع أخيها فيروز شاه، وعندئذ بدأت أشعر عن أن هذه الأسماء ترددت على مسامعي من قبل.

    حملة الراية

    يضيف: حين عدت للقاهرة، بدأت جولاتي مع المؤرخ أبو العلا خليل، وبدأت أتتبع الأعراق التي أتت للقاهرة، فوجدتهم حوالي 50 عرقا مختلفا. إذ غير الفتح العربي مصر وأصبحنا نفكر ونتنفس اللغة العربية وأصبح أغلبيتنا من المسلمين، وأصبحت هناك الكثير من الأعراق والأجناس المختلفة التي دخلت مصر واستوطنتها. فمنهم من جاءوا من هضبة التبت وعاشوا وكونوا حيا لهم داخل القاهرة، إلى أن ذابوا في المجتمع المصري. لكن البداية كانت مع فتح مصر حين جاء 8 آلاف جندي، ودخل بعدها حوالي 12 قبلية عربية واستوطنوا مصر وعاشوا فيها، وهم قبائل يمنية. ومع عصر الولاة جاء إلينا عقبة بن عامر الجهني، والمدفون في شارع سيدي عقبة بالقاهرة الآن، وقد كان من حملة الراية، وحكم مصر لمدة ثلاث سنوات. ويختتم مداخلته بالتأكيد على مصر مرّ عليها الكثير من الأعراق والتي انصهرت داخل المجتمع المصري فصرنا جميعًا ننتمي لهذا الوطن.

    نظرية القاهرة

    سارة حسن كاتبة سيناريو تحدثت عن أن القاهرة يمكن الإحاطة بها من جانب كتاب السيناريو، من خلال زيارتهم الميدانية لها بصفة دائمة في مرحلة الكلية، وليس شرطًا أن يرجعوا لمتخصص لأن كاتب السيناريو حينما يتمكن من أدواته سيستطيع وقتها من إخراج عمل جيد، دون الرجوع للمتخصصين إلا من خلال نقاط استشارية قبيل الانتهاء من كتابة السيناريو لمناقشة بعض الأمور. توضح: “هنا أنا لا أقصد الاستغناء لمجرد الاستغناء عن المتخصصين، لكن أود أن يكون هناك فهم صادق ونابع عن تورط حقيقي مع فكرة موجودة على أرض الواقع، وذلك لأن التاريخ والآثار علم من الضروري تعميم دراسته والاشتباك معه على أرض الواقع وبخاصة؛ طلبة السينما”.

    نجيب محفوظ
    نجيب محفوظ
     البيئة المحفوظية

    ترى أن للقاهرة خصائص معينة مختلفة تمامًا عن أي مدينة أخرى، فهي عبارة عن أوتاد روحانية بجانب الخيال الشعبي والقصص التي تدور حول هذه الأماكن، وهذا الأمر هو ما يجب أن تتم تغطيته وتسجيله بشكل جيد.

    فقد تحدثت عن بداية تعلقها بالقاهرة منذ فترة طويلة، لكنها بعد ذلك تعلقت بالبيئة المحفوظية التي خلقها محفوظ في رواياته، فحين دخلت قسم السيناريو بمعهد السينما تعلقت حينها بالبيئة الروائية التي خلقها محفوظ داخل روايته ونظرًا لتعلقها بالقرافات، فقد انشغلت بالإجابة عن سؤال مفاده؛ “لماذا دفن محفوظ أبطاله داخل قرافة باب النصر في روايته؟”

    حديث الصباح

    تضيف: هذه القرافة هي في الأساس فاطمية وأول من دفن فيها هو أمير الجيوش بدر الدين الجمالي، وهناك حالة بين الحرافيش- من وجهة نظري- وبين الفاطميين لامسها محفوظ، ولعله تأثر بقصة اختفاء الحاكم، فقد اختفى أيضًا عاشور الناجي في روايته مثلما اختفى الحاكم بأمر اللّٰه فجأة. وفي روايته قشتمر دفن أبطاله داخل قرافة باب النصر أيضًا. وقد اكتشفت من خلال زيارتي الميدانية، أن حديث الصباح والمساء والتي كتبها محفوظ كانت بدايتها من القرافة.  فيزيد المصري حينما جاءه شخص يدعى “سيدي نجم الدين” أشار عليه بتشييد مدفن له بجواره، فحين نزلت اكتشفت أن ضريح نجم الدين هذا هو ضريح حقيقي.

    اقرأ أيضا

    خبراء يجيبون: ما هي اشتراطات البناء في القاهرة التاريخية؟

  • «سواحلنا»  مشروع يوثق تراث العجمي المجهول

    «سواحلنا» مشروع يوثق تراث العجمي المجهول

    «سواحلنا» مشروع متميز قدمته رنا أمين للتخرج من كلية الفنون الجميلة جامعة الإسكندرية. حاولت من خلال هذا المشروع أن  تلقي الضوء على الجزء الغربي المنسي من مدينة الإسكندرية. تحديدا منطقة العجمي رغبة منها في البحث عن تراث المكان، وإظهار جماليات المدينة القديمة. كما حاولت توثيق بعض العادات الاجتماعية هناك، وأماكن أثرية في طريقها للزوال، وسكان المكان سواء المتصوفة المغاربة، وصولًا إلى الجنسيات الأوروبية التي سكنت شواطئ العجمي خاصة الجالية اليونانية، لذلك كان مشروعها نقطة انطلاق للبحث عن الجزء المفقود من منطقة تراثية لم تلق حتى الآن الحظ الوافر للعودة لأصولها التاريخية التي مرّت بها. «باب مصر» يلقي الضوء على تفاصيل المشروع.

    الأدب والرسم

    بدأت علاقة رنا أمين بالرسم في سن مبكر. وقد صاحب ذلك تشجيع أسري. تقول: أدين بالفضل لأسرتي،  إذ حرصوا على دعمي أنا وشقيقتي منذ الطفولة عن طريق تزويدنا بمجلات الأطفال. قررت شقيقتي دراسة الأدب، بينما اخترت أنا الرسم. دائمًا ما كنت أرسم أغلفة المجلات، أو حتى اخترع مجلة وأقوم بتصميمها كاملةً، كما ساعدتني مدرستي علي الرسم، فكنت دائمًا ما أتقدم للمشاركة في المسابقات بداخلها.

    بداية الرحلة

    لم تنقطع رنا عن الرسم طوال فترة دراستها، إلى أن وصلت  لمرحلة الثانوية العامة.  تقول: وضعت ضمن أولوياتي كلية الفنون الجميلة. ولكن رغم تفهم أسرتي لما أحب، إلا أنهم رغبوا في أن ادرس في إحدى الكليات العلمية. وقد أهلني مجموعي للدراسة في كلية العلاج الطبيعي. لكن كان من الصعب بالنسبة لي أن اتخيل نفسي أدرس في مجال غير الذي أحبه. فاقتنعت الأسرة بدراستي للفن وقدمت في الكلية. كان اختيار القسم الذي سأدرس فيه هو المهمة الصعبة.  تركت قسم الديكور في أول يوم دراسة، لأني لم أرد أن أتجه للرسم الهندسي، وقررت أن أدخل قسم “فنون عام” وحصلت على تقدير في السنة الأولى أهلني أن أدخل قسم “الجرافيك”.  ومن هنا بدأت رحلتي داخل الكلية.  فأنا لم أرد أن أتحول للتصاميم الإلكترونية، الذي قد تنسيني الرسم. حاولت تحقيق التوازن بحيث أكون مطلعة على السوفت وير والأساليب الحديثة، وكذلك الرسم اليدوي. فاخترت شعبة “رسوم النشر” وحين دخلت الشعبة بدأت أرى اتجاه هذا القسم فزاد إعجابي به. كانت الدراسة في القسم فرصة جيدة أستطيع من خلاله تحقيق عائد مادي وفي نفس الوقت أقوم بفعل الشيء الذي أحبه. لذلك بدأ اهتمامي يزيد بالرسم الصحفي، وصولًا إلى مشروع التخرج وهو مشروع “سواحلنا”.

     

    تغيرات بصرية

    تستطرد: أود أن أشير لشيء وهو أن مشاريع التخرج في قسم “رسوم النشر” يجب أن تُبنى على نص.  بمعنى أن الطالب يأتي بنص أدبي أو علمي، لأي رواية ويبدأ بإعادة صياغة للرسوم المصاحبة لها، أو تقديم رسوم جديدة لها. وبدأت وقتها في البحث عن اهتماماتي، ووجدت أنني مغرمة برسم الأماكن والمدن. فعندما كنت في السنة الثانية اطلعت على نوع من الرسم يسمى بـ”الرسم الحضاري” واشتركت في عدة جروبات وكنا نرسم معالم الإسكندرية.

    وفي فترة الكورونا زاد تعمقي بالأمر، وركزت على توثيق المدن بشكل عام ومدينتي بشكل خاص وتحديدًا منطقة العجمي. التي عشت فيها، فعائلتي جاءت لهذه المنطقة سنة ١٩٨٥، وارتبطت بها كثيرًا، ودائمًا ما كنت ألحظ تغيرات بصرية كثيرة، خاصة بعد ثورة يناير. إذ تغير الشكل المعماري للمنطقة بسبب البناء العشوائي. لذلك أردت أن أحكي عن العجمي وأن أوثقها. لكن بعد ذلك توسعت فكرة المشروع وأردت توثيق الجزء الغربي للإسكندرية بأكمله بدءًا من القباري، ثم الورديان ومينا البصل والدخيلة والعجمي. كان ما يشغلني هو تعريف الناس بتلك المناطق.

    تراث المدينة

    بعد أن قررت رنا تنفيذ فكرة المشروع بدأت البحث عن وسيط نشر يناسب فكرة المشروع. حيث أرادت إلقاء الضوء على عدة نطاق منها تراث المكان سواء الأماكن التاريخية بالمدينة أو الآثار الغير معروفة هناك وغير المسجلة. توضح: أردت أن أظهر جماليات المكان، وتخيل شكل الحياة في الماضي. حيث  عرف عن العجمي أنها كانت مصيفًا فبدأت أتخيل شكل الناس الذين ارتدوا على المكان. وأردت أن أتحدث عن حكايات عائلتي، خصوصًا عائلة والدتي والتي سكنت منطقة القباري. كانوا من أصول مغربية.

    أردت أن أحكي كل هذا، من خلال وسيط نشر الجريدة هو الشكل المناسب الذي يمكن أن أخرج مشروعي النهائي من خلاله. مع ملاحظة أن الجريدة تحوي على أبواب داخلية، مما يمكنني من تقسيمها داخليًا لعدة موضوعات، بدلًا من حصرّها. لذلك أردت نقل صورة بصرية كاملة عن غرب المدينة، فبدأت أتعرف على وسيط نشر الجريدة سواء من خلال؛ مقاستها، أو إخراجها الفني، وأنواع الورق، واطلعت على جرائد محلية ودولية، وكذلك عملية تصميمها، وقد قسمت الجريدة لموضوعات شتى منها؛ المواصلات في المدينة، مثل الترام الأصفر الذي ظهر قديمًا بالماكس، وقد أتحت صفحتين من الجريدة وتحدثت خلالهم عن تراث المدينة وعن الشيخ أحمد العجمي، الذي يعد أحد تلامذة الشيخ المرسي أبو العباس والذي هو من أهم أعلام الإسكندرية وكانا كلاهما ينتميان للمغرب، وتحدثت كذلك عن طابية الدخيلة، التي للأسف لم تدرج في عداد الآثار الإسلامية حتى الآن، إذ تنتمي لعصر المماليك، وللأسف أصبحت الآن مكب للنفايات.

    رنا أمين
    رنا أمين
    حكايات المكان

    تستطرد رنا حديثها وتقول: بدأت أحكي عن شاطئ العجمي واستعنت بكتابات لأفراد من اليونان وعرب عاشوا بالعجمي، كذلك قمت بعمل لوحتين منفصلتين عن الجريدة لبائع سمك يبيع السردين باعتباره من أجود أنواع السردين بالإسكندرية. وفي لوحة أخرى رسمت رجل بدوي يتمشى بقدميه على شاطئ العجمي باعتبار أن البدو هم الشيء الوحيد الثابت حتى اليوم بالنسبة لسكانها.

    ألحقت رنا بالجريدة بكتيب، ووضعت داخله كل شيء لم تستطع وضعه في الجريدة الرئيسية تحديدا الصر القديمة. توضح: استعنت بصور قديمة لعائلتي بطابية الدخيلة، وقمت بإعادة تلوينها. وبدأت أدرج حكايات عن المنطقة، مثلًا عمة أمي التي تزوجت رجلًا من خفر السواحل. وهو الأمر الذي جعلها تسكن  الطابيات العسكرية، إذ إنها تنقلت بين العديد من الطابيات، حتى وصلت إلى طابية الدخيلة، التي اختلفت فيها شكل الحياة هناك. فدائمًا ما كنت أسمع العديد من الحكايات عن هذا الموقع من عائلتي لكني لم تتح لي الفرصة لتوثيقه، فالكتيب ساعدني في الأمر بصورة كبيرة.

    اقرأ أيضا:

    مشروعات فنون جميلة الإسكندرية.. مواهب شابة تحتاج الدعم

  • مشروعات فنون جميلة الإسكندرية.. مواهب شابة تحتاج الدعم

    مشروعات فنون جميلة الإسكندرية.. مواهب شابة تحتاج الدعم

    حازت العديد من مشروعات التخرج بكلية الفنون الجميلة جامعة الإسكندرية إشادات عدة. تنوعت الأفكار من جانب الطلبة، الأمر الذي أدى في النهاية لمعالجة قضايا هامة دائمًا ما تواجه المجتمع.. «باب مصر» يلتقي أصحاب هذه المشروعات في محاولة للتعرف على أبرز أعمالهم التي قدموها هذا العام.

    “مختلف” لمواجهة التنمر 

    أحبت دنيا جمال الرسم منذ أن كانت طفلة. تقول: “لم أتخيل نفسي في أي كلية غير فنون جميلة، فقد كان يستهويني رسم البورتريهات للأشخاص منذ سن صغير داخل بيتي بمنطقة العجمي بالإسكندرية، ولكنها كانت جميعها محاولات بدائية. ومع الوقت أتقنت هذا الفن، خاصة في المرحلة الثانوية أعجبتني كثيرا فكرة التصوير، فكنت أصور المناظر الطبيعية. فيما بعد اتجهت لتصوير الأشخاص بمساعدة والدتي التي كافأتني على مجموعي في الثانوية العامة واشترت لي كاميرا”.

    من هنا جاءت نقطة التحول الحقيقية، إذ تحول التصوير من مجرد هواية إلى فن احترفته وأتقنته. ومن هنا قررت الالتحاق بالكلية التي تمنيتها طوال حياتي، لكن ليس من باب الرسم، بل بسبب التصوير. تضيف: “شعرت وقتها بانبهار وشغف تجاه الرسم، بسبب حبي للتصوير، فاخترت قسم الجرافيك حتى أثقل موهبتي بالجانب الأكاديمي. ولكن ما شجعنى على دخول هذا القسم بالتحديد أنه كان يقدم مادة عن الكاميرا والتصوير، لذلك تحمست للقسم وقررت التسجيل فيه”.

    أرادت دنيا في مشروع تخرجها القيام بحملة ضد التنمر، وأسمت مشروعها “مختلف”، من خلال حملة توعية ضد ما يعانيه الأشخاص بسبب التنمر، ومواجهته وتشجيع الأشخاص على تقبل أنفسهم، ومواجهة ما يعانوه داخل المجتمع من مشكلات يتعرضون إليها بشكل يومي.

    ثقافة الاختلاف

    وبالرغم من تركها الرسم، لكن حبها لفن البورتريه لم يغب عنها، فقررت مرة أخرى استدعاءه لكن ليس من خلال الرسم، بل من خلال التصوير، إذ إنها قبل تخرجها بعام كامل أعدت فكرة المشروع داخل ذهنها، فأرادت تشجيع الأشخاص الذين يحملون صفات تبدو مختلفة في الشكل، وأرادت منهم أن يدركوا أن اختلافهم هذا هو نقطة تميز وليس العكس، كذلك أرادت توجيه رسالة مفادها، التوقف عن إطلاق أحكام مسبقة على الأشخاص بسبب الشكل، فأرادت خلال عملها أن يستوعب الناس ثقافة الاختلاف لذلك أطلقت اسم “مختلف” على مشروعها.

    وقد استخدمت فن البورتريه من خلال تصوير مجموعة من الناس، وقامت بتصويرهم مع إضفاء إليهم حالات مختلفة مثل: “البهاق، والنمش، والبشرة السمراء” ومن خلال الكاميرا قررت توضيح تفاصيل قد تبدو غائبة عن الكثيرين. من بين التفاصيل أن هؤلاء الأشخاص مميزين جدًا، ولا ينبغي عليهم أن يخجلوا، بل عليهم أن يتقبلوا أنفسهم. كذلك أرادت من خلال الصورة تقديم كل فرد بطريقة مختلفة من خلال التعبير عن حالات معينة من حالات الاختلاف، التي توضح أسباب التنمر، وذلك تشجيعًا لهؤلاء كي يواجهون ما قد يتعرضون إليه من تنمر داخل المجتمع، كما قامت من خلال مشروعها بتصميم مجلة جمعت بداخلها الصور، وأضافت لكل حالة نبذة حتى يفهم الناس طبيعة تلك الحالات كي يتعاملوا معها بشكل طبيعي.

    توضح دنيا: إن هذه الفكرة لاقت استحسانًا كبيرًا من جانب أستاذة الكلية. طكا أن كثيرين ممن يتعرضون لحالات التنمر تواصلوا معها وأوضحوا لها أن المشروع عاد عليهم بالنفع والإيجاب. وهي تنوي في المستقبل أن تستكمل فكرة التوعية المجتمعية، ضد التنمر، كي يكون لها تأثير إيجابي داخل المجتمع.

    الحنين إلى الطفولة

    لم تنس روان محمد طفولتها، إذ ظلت دائمًا تحن إليها لكنها أدركت أنها لن تعود، فأرادت استعادة تلك الذكريات من خلال مشروعها بقسم التصوير.

    ظهرت علاقة روان بالرسم مبكرًا، إذ دائمًا ما كانت حريصة على الاشتراك في مسابقات الرسم بالمدرسة، وكانت تنتظر حصة الرسم طوال فترة الأسبوع. وحين كانت تجلس لتشاهد الكرتون كانت تنبهر برسوماته وبحركاته، لذلك انعكس الأمر عليها إذ رسمت الكثير من الشخصيات الكرتونية في عمرها المبكر. وكان لوالدتها الدور الأكبر في اكتشاف موهبتها حين وجدتها ترسم وتقلد إحدى الرسومات، ووقتها قررت أن تصطحبها كي تنمي تلك الموهبة. فتعلمت أساسيات الرسم، وظلت تشجعها طوال حياتها -رغم أن الرسومات أحيانًا ما تكون غير جيدة- (حسبما تقول روان)، وظلت والدتها تشجعها وكانت تتمنى دائمًا أن تلتحق ابنتها بكلية الفنون الجميلة.رحلت الأم حين كانت روان في الصف الأول الثانوي، فتمسكت روان بحلم أمها المؤجل وتحمست للكلية حتى أصبحت هدفًا لها. وتمكنت من اجتياز  اختبارات الكلية وحينها غمرت بالسعادة لأنها حققت حلمها وحلم والدتها.

    ليت الشباب يعود يوما

    علاقة روان بطفولتها ظلت شبه مستمرة، إذ كانت دائمًا ما تحن إلى ذكرياتها مع الطفولة وملابس تلك الفترة، فهي تحكي موقف وقد تبدلت ملامحها لضحك مختلط بخجل قليل، وتقول إنها حتى الآن لا تزال -أحيانًا- تشتري بعض ألعاب الأطفال، وتشعر بالشعور ذاته الذي كان ينتابها في طفولتها، لذلك فهي لم تر أنسب من هذه الفكرة لتنفيذ مشروعها، الذي قدمته من خلال بيت شعري شهير للشاعر أبوالعتاهية حينما قال: “فَيا لَيتَ الشَبابَ يَعودُ يَوما فَأُخبِرُهُ بِما صَنَعَ المَشيبُ”.

    تكمل روان حديثها: بين صوت موج البحر والسماء التي تعلونا وتعلوا معها أحلامنا وتوقعاتنا للمستقبل تأتي الأيام لتدمر كل حلم جميل قد رأيناه يومًا في أحد أيام الصبا، تلك الأيام التي عشنا فيها بلا هموم كنا نصنع مراكب ورقية لتكون أكبر إنجازًا لنا، ونحافظ على دميتنا وشعرها وملمسه الحريري، لأن الإنسان بطبعه مسؤول لا محالة.

    لكن بين مسؤولية صغيرة ومسؤولية كبيرة طاقة قد تنفذ مع الأيام التي تحرمنا بمشغولياتها من ملمس الرمال الدافئ الذي تشعر به أقدامنا، فتشعر كما أنها اتصلت بالعالم الذي وُلدت منه في الأساس، تلك الرمال التي صنعنا منها قصورًا لم نسكنها وكانت الخزينة لألعاب لم نعتبرها مجرد سراب، بل أعطيناها من روحنا جزءً لتشاركنا أجمل أيام في عمرنا.

    فكرة المشروع

    تشرح فكرة المشروع باستفاضة وتقول: هناك شيء ثابت في جميع اللوحات التي رسمتها بالمشروع، إذ إن هناك عروسة متواجدة في جميع اللوحات، وهذه العروسة كانت دائمًا ما ترافقني حين كنت صغيرة، وكنت دائمًا ما أصطحبها معي في جميع الأماكن، لذلك أردت أن ترافقني أيضًا في مشروع تخرجي، أما بالنسبة لبقية الألعاب الموجودة في الرسمة فهي موائمة لجو البحر الذي استعنت به نظرًا لأن طفولتي كانت وسط هذه المناظر.

    كما أنني أردت من خلاله أن أعطي إحساسًا بالجو الحالم، كما استعنت بأشياء مشتركة بين أغلبنا مثل العروسة “الكرومبة” إذ إنني أردت أن ارسم أشياء مشتركة بين جميع الناس، كي يصل إليهم إحساس الدفء والحنان للطفولة، كذلك استخدمت لعبة “النحلة” و”البلي” لأنهم يشكلون وجدان أغلب هذا الجيل.

    “بيرم والناس” 

    تعلقت ريم علاء الدين بالرسم منذ عمر مبكر، وانبهرت خلال طفولتها بشخصيات ميكي، وكانت حصص الرسم المدرسية هي المفضلة بالنسبة إليها.  حينها لم تكن فكرة الدخول لكلية الفنون الجميلة من ضمن اهتمامها، إذ أرادت الالتحاق بكلية الألسن. إلا أنها قررت أن تتقدم لاختبارات القبول بكلية الفنون الجميلة، وبالفعل تم قبولها والتحقت بالكلية، فبدأت تكتسب مهارات جديدة، وحاولت التطوير من إمكانياتها.

    دخلت ريم قسم الجرافيك شعبة رسوم النشر. وفي إحدى المرات طلب منها تنفيذ رسوم تعبيرية لنصوص شعرية، إذ أرادت وقتها البحث عن شيء جذاب، تستطيع تقديمه للناس، فاتجهت إلى الشعر العامي. وكان هذا أيضا مشروعها للتخرج.  لأنها رأته “الأقرب” بين كافة طبقات المجتمع، واستقرت في النهاية على تنفيذ أعمال “بيرم التونسي” خاصة أنه من مواليد مدينة الإسكندرية. ويشكل رمزًا من رموز الإسكندرية واختارت عنوانًا لمشروعها وهو “بيرم والناس” والذي استسقته من أعمال بيرم. من خلال المشروع حاولت التعبير عن أحوال الناس في زمانه، وتوضيح المعتقدات التي آمنوا بها ممثلة في قصيدة “ضريح السيدة” والتي تعود لمقام السيدة زينب.

    كتاب الفنان

    كذلك أرادت توضيح ما يعانيه الناس في زمانه وحتى الآن والتي جاءت في قصيدة “النشالين”، وأرادت أيضًا توضيح عادات المجتمع في ذلك الوقت فاستعانت بقصيدة “لوكاندة الحاج سالم”، التي من خلالها تحدث بيرم عن عادات الناس داخل مجتمعه.

    خلال الفترة الحالية توشك ريم على الانتهاء من كتاب “الفنان”، وفيه قدمت رسومات لفنانين قدامى مثل إسماعيل يس، وأسمهان ومحمد فوزي وغيرهم، وهم شخصيات تعاملوا مع بيرم، حتى أنه قد كتب لهم أشعار ومونولوجات. إذ نفذت رسم هذه الشخصيات داخل شكل “طوابع بريد” فهي أرادت من خلالها تمثيل فترة تعرض بيرم خلالها للنفي بسبب غضب الملك فؤاد عليه، خاصة أنه كتب قصائد ساخرة ضده، وما كان لبيرم من وسيلة إلى أن يلجأ للبريد فتعاقد مع جريدة هزلية تدعى “الشباب” ومن خلالها نشر شعره.

    “نوبيان” وإحياء التراث 

    ينتمي أحمد الديب لعائلة فنية، إذ تخرج والده وأخته من كلية الفنون الجميلة، وقد تعلق بالرسم منذ صغره نتيجة تأثره بهما، والتحق بعد انتهاءه من المرحلة الثانوية بكلية الفنون الجميلة، ومن ثم قسم الجرافيك. أثناء إعداده لمشروع تخرجه أراد أن يكون عن النوبة، وتوثيقها من خلال الرسومات. اعتبر تراث النوبة تراثا متفردا، غير موجود في مكان آخر، وكذلك بسبب الطبيعة الجغرافية هناك وعادتهم ورموزهم المستخدمة حتى داخل بيوتهم.

    ومن هنا تكونت فكرة المشروع، إذ أراد في نهاية الأمر رسم صور عن النوبة وأراد التعبير عنها من خلال أسلوبه الخاص. استخدم الفنان الأحجبة النوبية، وأبرز علاقة أهل النوبة بالحيوانات والتماسيح، من خلال تقنيات الرسم الديجيتال. كما حاول المعالجة الجيدة للأمور، واستخدم الرموز النوبية وكان اللوجو عبارة عن سمكة نوبية، وبدأ في وضع تيمة للمشروع مستوحاة من هذه الرموز تعبيرا عن هوية النوبة. وبعد أن انتهى من وضع التيمة اختار مجموعة بوسترات عن طريق الرموز النوبية، عبر الطنبور النوبي، وبدأ معالجة البوستر مستخدما الموسيقى النوبية.

    مهرجان نوبيان

    حاول الديب خلال مشروعه “مهرجان نوبيان” إبراز أهمية الأحجبة النوبية التي عادة ما تعبر عن ثقافة النوبة، فاستخدم اللون الأخضر الصريح والأزرق. وأثناء إعداده للألبومات أراد إبراز أهمية العمارة النوبية والأبجدية النوبية القديمة، وكذلك القبائل النوبية. وقداستخدم رمزًا لها وهي “الأبجدية النوبية”. كما دعا إلى إقامة مهرجان للثقافة النوبية والترويج له في يوم النوبة العالمي الموافق 7 يوليو من كل عام. أراد أن يكون المهرجان جاذبًا للسياحة لتعريف الناس بثقافة النوبيين من خلال تقديم الفن النوبي، وإبراز الثقافة النوبية. خاصة مع اختفاء الكثير من المزارات النوبية في الاختفاء، لذلك أراد إعادة استدعاء تراث النوبة خلال المهرجان، وقد وضع خريطة لأماكن المهرجان مثل مدينة سهيل وغرب سهيل، والمتحف النوبي، لأنها أماكن تعبر عن هوية المكان.

    اقرأ أيضا

    إعادة إحياء إسنا.. الصور الأولى لـ«وكالة الجداوي» بعد ترميمها

  • إعادة إحياء إسنا.. الصور الأولى لـ«وكالة الجداوي» بعد ترميمها

    إعادة إحياء إسنا.. الصور الأولى لـ«وكالة الجداوي» بعد ترميمها

    افتتح وزير السياحة والآثار ظهر اليوم، وكالة الجداوي الأثرية بإسنا في الأقصر، بحضور السفير الأمريكي جوناثان كوهين، وذلك بعدما ظلت الوكالة الأثرية مهملة عدة سنوات وسط مطالبات دائمة بترميمها، وتمت عملية الترميم من خلال مشروع “RECHA” الذي يسعى لمشاركة أفراد من المجتمع المحلي بإسنا، لإعادة تراثها الثقافي إلى الخريطة السياحية، وخلق فرص عمل، بالإضافة إلى زيادة الإيرادات والفوائد الاقتصادية للمجتمع المحلي.

    مشروع RECHA

    المشروع بتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، وهو يسعى لإعادة اكتشاف الأصول التراثية الثقافية للمدينة، والتي بدأت في التدهور والنسيان، وذلك بعد بناء قناطر إسنا الجديدة عام 1994، والتي سمحت بمرور البواخر النيلية بشكل أسرع، فبدأ السكان ترك المنطقة بحثًا عن فرص عمل، فتدهورت المدينة التاريخية، ومن هذا المنطلق سعت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لإعادة إحياء المدينة، من خلال تصميم وتنفيذ وترويج خطط تحقق النهج والتوازن في الحفاظ على التراث الثقافي، والمتطلبات السياحية، واحتياجات التنمية المحلية بالمشاركة مع وزارة السياحة والآثار ومحافظة الأقصر.

    تاريخ الوكالة

    تشكل الوكالة بانوراما أثرية مع معبد إسنا الروماني ومئذنة الجامع العتيق، وهي نموذج فريد لبقايا آثار إسنا، وقد أنشأت في وسط المدينة بالقرب من معبد الإله خنوم بإسنا، وظلت الوكالة محطة للقوافل التجارية السودانية، والتبادل التجاري بإسنا بين مصر والسودان، وقد أنشأها حسن بك الجداوي، الذي كان مملوكًا لعلي بك وهو أحد أفراد حاشية محمد بك أبوالذهب، وتولى إمارة إسنا بالاشتراك مع مراد بك، في عهد الحملة الفرنسية وأطلق عليه لقب جداوي لأنه كان يتولي إدارة جدة، وهي مكونة من طابقين الأول كان للدواب، والثاني خصص لإقامة التجار بداخله.

    إحياء إسنا

    بدأ مشروع إعادة إحياء إسنا، منذ أكتوبر عام 2016، ومن المفترض أن يستمر حتى سبتمبر من عام 2024، بتكلفة إجمالية تقدر بـ8 ونصف ملايين دولار، والمستهدف منه هو الحفاظ على الأصول التراثية والثقافية، وتطويرها وإعادة استخدامها داخل المدينة والمنطقة المحيطة بها لتحسين التجربة السياحية للزائرين، بالإضافة إلى وضع خطة لإطلاق مدينة إسنا والترويج لها بعلامة تسويقية تستند إلى أصول التراث الثقافي الفريدة والمتنوعة داخل المدينة، وقد تم ترميم مناطق الجذب السياحي الرئيسية في مدينة إسنا، بما في ذلك 7 مبانٍ ذات أهمية تاريخية، ومعصرة الزيوت التقليدية القديمة، و10 ورش للنسيج، وسوق القيسارية القديم، بجانب وكالة الجداوي، والتي كانت تمر بها القوافل التجارية منذ القرن الثامن عشر، كما تم إطلاق برنامج للتوعية بالتراث المحلي لتعريف أطفال وشباب مدينة إسنا بتراثهم الثقافي، وقد شارك في البرنامج أكثر من 2200 مشارك، بجانب بناء قدرات 93 من الحرفيين أبناء المجتمع المحلي، والتدريب على مهارات الحرف اليدوية (منتجات النسيج وسعف النخيل والإكسسوارات والأعمال الخشبية) ومراقبة الجودة والتسويق بالتعاون مع اثنتين من المنظمات غير الحكومية المحلية.

    اقرأ أيضا

    بناء على طلب الآثار: القصة الكاملة لهدم قصر أندراوس بالأقصر

  • بناء على طلب الآثار: القصة الكاملة لهدم قصر أندراوس بالأقصر

    بناء على طلب الآثار: القصة الكاملة لهدم قصر أندراوس بالأقصر

    بعد معركة استمرت 13 عاما، وعشرات اللجان التي أشارت إلى أهمية المبنى وتاريخه ودوره في الحركة الوطنية المصرية، فضلا عن تقارير هندسية أكدت إمكانية ترميم المبنى والاستفادة منه. رغم كل هذا صدر القرار، عكس كل التوقعات والأمنيات. حيث  بدأت أمس عملية إزالة قصر توفيق باشا أندراوس بالأقصر أحد أبرز القصور ذات الطراز المعماري المتميز في صعيد مصر.  من صاحب القرار؟، ولماذا تم اتخاذه؟

    حاول «باب مصر» الوصول إلى الحقيقية. في البداية نفي مسؤولين في وزارة الآثار معرفتهم ببدء عملية إزالة القصر، وأن ما يحدث عبارة عن إزالة الركام المحيط بالقصر تمهيدًا لافتتاح طريق الكباش بالأقصر، وبعد هذه المحاولة حاولنا التواصل مع الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، فلم نتلق أي رد على اتصالاتنا، فحاولنا الوصول إلى مسؤولين في محافظة الأقصر.

    مجلس مدينة الأقصر

    أكد العميد طارق لطفي، رئيس مجلس مدينة الأقصر، لـ«باب مصر» صحة قرار الهدم موضحا: “تم اتخاذ القرار نتيجة مذكرة تم رفعها من وزارة الآثار لمحافظ الأقصر، أكدت أن القصر مهدد وبه شروخ، وأنه يقع في أرض ضمن حوزة الآثار، لذلك طالبوا في المذكرة باستقدام لجنة لمعاينته، وبالفعل اهتم المحافظ بالأمر وشكل العديد من اللجان وآخرهم لجنة المنشآت الآيلة للسقوط، وقد أقرت اللجنة أن القصر معرض للهدم، بسبب قدمه وعدم ترميمه لسنوات، لذلك اتخذت اللجنة قرار الإزالة، وتم رفعه والتصديق عليه من جانب المحافظ، وتكليف أحد المقاولين بعملية الهدم”.

    وأضاف: «البلاغ الذي تقدمت به الآثار جاء بسبب أن القصر يقع داخل حرم معبد الأقصر، وبالتالي يحجب بانوراما المعبد من الجانب الغربي ناحية النيل، لذلك استجابت المحافظة لطلب الآثار، وبدأت أعمال الإزالة منذ أمس الأحد، ولن تستغرق العملية أكثر من ثلاثة أيام على أقصى تقدير، وقد تم تشكيل لجنتين؛ الأولى لجرد محتويات القصر، والتي كانت عبارة طاقم أنتريه قديم، وثلاجة، وغسالة وأشياء أخرى تم التحفظ عليها في مخازن المدينة لحين وصول الورثة، لتسليمها إليهم. أما اللجنة الثانية فهي معنية بمباشرة الأعمال الجارية من قبل المقاول أثناء عملية الهدم».

    وتابع: كان من الصعب إعادة ترميم القصر فنحن استقدمنا العديد من اللجان وجميعهم أكدوا استحالة الأمر، فتركه بهذا الشكل قد يؤدي لحدوث كارثة، نظرًا لأنه يطل على الناحية الشرقية من ممشى الكورنيش، لذلك اتخذنا إجراءات سريعة لعملية الهدم.

    ذاكرة وطنية

    كانت تلك الوقائع الذي ذكرها رئيس مجلس مدينة الأقصر هي الحلقة الأخيرة من سلسلة معارك بدأت منذ أكثر من 13 عامًا حينما حاول البعض هدم القصر، إذ إنه في عام 2009 كلف وزير الثقافة فاروق حسني، لجنة فنية لمعاينة مسكني “أندراوس باشا” و”ويسي أندراوس” بالأقصر، وذلك بعد وجود مطالبات عدة لهدمهما وضمهم لحرم معبد الأقصر، وقد رفض وقتها الدكتور صابر عرب رئيس اللجنة الأمر، واقتبس إحدى العبارات التي تبرز دور أندراوس باشا في الحركة الوطنية وكتب: “فهتف سعد زغلول يحيي توفيق أندراوس”، وتحدث عن دعم توفيق أندراوس للحركة الوطنية المصرية الذي كان قصره بمثابة بيت للأمة في مدينة الأقصر، وتساءل عرب وقال: «لماذا حافظنا على مسجد أبو الحجاج، بينما نقرر إزالة منزل أسرة أندراوس؟»

    وأضاف في قرار الرفض أنه لا يصلح بأي حال من الأحوال أن نزيل مبنى يعد بمثابة الذاكرة الوطنية للمدينة، وهناك أكثر من حل للإبقاء على المبنيين، إذ أنه لا يحدث في أي بلد يحافظ على تاريخه أن يقدم على إزالة مبني له هذه رئيس اللجنة.

    مخالفة الدستور

    الدكتورة سهير حواس، أستاذ العمارة والتصميم العمراني بجامعة القاهرة، والتي كانت عضوة ضمن اللجان التي عاينت القصر قالت في حديثها لـ«باب مصر»: حين عاينا القصرين كان أحدهما يستخدم كمقر للحزب الوطني، والثاني عاش بداخله بنات أندراوس، وفي عهد الدكتور سمير فرج عندما كان محافظًا للأقصر كانت هناك محاولات لهدم القصرين، وذلك لاستكمال مشروع يخص تطوير المنطقة المحيطة لمعبد الأقصر، وبعد ذلك حدث اعتراضات على هدمهما، بسبب تاريخهم الطويل وارتباطهم بحقبة زمنية هامة تخص تاريخ مصر، خاصة أن سعد زغلول حين عاد من المنفى تم استقباله داخل إحدى القصرين، ودار حوله الكثير من الحكايات التي تخص أندراوس باشا وبناته، كما أن القصر كان يحوي على أثاث نادر وقطع فريدة بداخله، لذلك شكلت اللجنة واعترض وقتها الجهاز القومي للتنسيق الحضاري على عملية الهدم، وكنت رئيسًا وقتها للإدارة المركزية في الجهاز، ومن ضمن أعضاء اللجنة التي شكلت لمعاينتهما، وجلست مع أبناء أندراوس، وشاهدت القصر من الداخل، وزرت القصر المجاور له، والذي استخدم مقرًا للحزب الوطني، وفي النهاية رفضت اللجنة هدم القصرين وكتبنا مبررات واضحة في التقرير، ومنها أنه لا يجوز المساس بالقصرين، لأنهما يمثلان حقبة تاريخية هامة، وبعدها تم تشكيل لجنة أخرى مع استبدال بعض أعضاءها وكنت عضوًا في هذه اللجنة أيضًا، ورفضت اللجنة عملية الهدم هي الأخرى، وبعد ذلك شكلت لجنة ثالثة، رغم أن اللجنة الثانية كانت تضم أعضاء في غاية الأهمية مثل الدكتور صابر عرب، الذي شغل منصب وزير الثقافة ودار الكتب والوثائق في وقت ما، ورغم هذا تم استقدام لجنة أخرى وتغيير جميع الأعضاء ولم أكن عضوًا فيها، ووافقت على هدم القصر الذي شغله الحزب الوطني، وخسرنا أحد أهم القصور الموجودة في الأقصر، وتركوا القصر الآخر الذي يتم هدمه في الوقت الحالي، وهو القصر الذي قتل بداخله بعد ذلك بنات أندراوس باشا، لذلك أنا اتساءل لماذا لم تتحرك الدولة لحماية القصر، الذي كان من المفترض أن يتم تطويره وإعادة توظيفه وتحويله متحف؟

    دافعنا عن القصر

    وتابعت حواس: أنا حزينة على ما يحدث لأننا دافعنا عن هذا القصر لسنوات والآن في طريقه للزوال هو الآخر، رغم رفض اللجان لعمليات الهدم، فأعضاء هذه اللجان لازالوا أحياء وموجدين بيننا اليوم، والتي كانت تضم الدكتور طارق والي، والدكتور صابر عرب، والدكتور مختار الكسباني، فما الذي جد لهدم القصر؟، وإذا كانت الآثار لها اليد في عملية الهدم هذه، فهم ليسوا جهة اختصاص للبت في أمر كهذا، لأن القصر مدرج في التنسيق الحضاري، وأصبح ضمن تراث المكان، مثله مثل مسجد أبي الحجاج الذي بني داخل معبد مصري قديم، ورغم ذلك تم الحفاظ عليه بهذا الشكل، لأنه يمثل تتابع للحقب التاريخية التي مرّت على مصر.

    التقرير الفني الصادر من اللجنة المكلفة بمعاينة القصر والتي أوصت بهدمه‎‎
    التقرير الفني الصادر من اللجنة المكلفة بمعاينة القصر والتي أوصت بهدمه‎‎

    أما بخصوص أن المبنى آيل للسقوط ولا يمكن ترميمه، فعلم الهندسة لا يعرف مثل هذه الأمور، فعملية الإنقاذ لها أكثر من طريقة، لكن إذ توفرت له الإرادة الحقيقية، لكن ما حدث هو مخالفة صريحة للدستور المصري الذي جاء فيه بالمادة رقم 50 نصًا: “تولى الدولة اهتمامًا خاصًا بالحفاظ على مكونات التعددية الثقافية فى مصر”. لذلك أنا أطرح سؤالًا: “أين هذه الحماية التي كفلها الدستور المصري؟”، وأنا أوجه سؤالًا للتنسيق الحضاري: “ماذا جرى في لجنة حصر المباني التراثية طبقًا لقانون 144 لسنة 2006 في الأقصر وهل هذه اللجنة تم تشكيلها؟”، لذلك أنا أرى أنه لطالما ظلا كلا المبنيين معرضين دائمًا للهدم لأن هذه اللجنة لا تعمل بالطبع حتى الآن.

    الموافقة على الهدم!

    المهندس الاستشاري طارق المري، الذي اختير ضمن اللجنة الثالثة التي عاينت القصرين في عام 2009 تحدث عن تفاصيل تلك الواقعة، إذ قال: اعترضت وقتها أنا والدكتور أحمد شعيب على قرار الإزالة حينما كنا أعضاء هذه اللجنة التي وافقت في النهاية على الهدم.

    وذكر المري: في عام 2009 طلب مني مكتب السيد وزير الثقافة حضور وعضوية لجنة لمعاينة مبنيي أندراوس بالأقصر وسافر معي من القاهرة رئيس قطاع المشروعات والدكتور أحمد شعيب أستاذ الترميم بجامعة القاهرة، ووصلنا للموقع وقدم لنا محافظ الأقصر وقتها اللواء سمير فرج، الذي رأى ضرورة إزالة القصرين التاريخيين، وكان الهدف من ذلك هو أن يتمتع المشاهد برؤية معبد الأقصر من النيل، ووقتها ضمت اللجنة أعضاء من وزارة الإسكان وأعضاء من وزارة الثقافة ومنهم أنا والدكتور شعيب، ورئيس قطاع المشروعات على هلال، وبعد الزيارة اجتمعت اللجنة وبدأ الحضور في التدوين والموافقة على الهدم، لأن المباني لا قيمة لها -من وجهة نظرهم- واعترضت أنا والدكتور شعيب لعدة أسباب، منها أننا رأينا أن المنزلين يتمتعان بسمات معمارية مميزة، ترقى لأن يكونا أثرًا مسجلًا على قائمة التراث، فهما يمثلان طريقة بناء فريدة وهي البناء بالطوب اللبن على الطراز الكلاسيكي وهي سمة مميزة لمباني أثرياء الأقصر في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ولا يوجد مثلها إلا أمثلة نادرة بالمدينة.

    كذلك رأينا أن البيت المأهول ببنات أندراوس يحوي على لوحات فريسك في الأسقف والحوائط لفنانين إيطاليين وبألوان زاهية ودقيقة من عصر الإنشاء، وهي توضح مدى الروعة والقيمة الفنية للمبنى ومدى رقي المصمم المعماري، ورأيت أيضًا أن المبنى له قيمة اجتماعية فريدة إذ يلقب أندراوس بـ”سيد البلد” في الأقصر وهو من أعيان الأقصر التاريخيين وقد استقبل سعد زغلول عدة مرات في هذا القصر حتى أطلق عليه بيت الأمة في الأقصر مما يرفع القيمة الاجتماعية للمبنيين ويجعلهما بالإضافة لمعمارهما الفريد قيمة استثنائية يجب الحفاظ عليها.

    وتابع: انتهى الاجتماع وقتها بوضع كلامنا كتحفظ، لأن باقي أعضاء اللجنة لم يعجبهم أننا فعلنا عكس ما أراده سمير بك فرج، واعترضنا على تمرير قرار هدمهما، وحين سألت عن القرار النهائي بشأن المنزلين وجدتهم  قرروا أن يمسكوا العصا من المنتصف، إذ قرروا هدم الجزء المشغول بالحزب الوطني (القصر الكبير) والإبقاء على القصر الصغير الخاص بالبنات.

    إعادة توظيف

    أستاذ التخطيط العمراني الدكتور طارق والي، قال لـ«باب مصر»: القصر يمكن إعادة ترميمه بسهولة، وقد شكلت العديد من اللجان لمعاينته وكنت عضوًا فيها ورفضنا هدمه، لكن ما يحدث حاليًا تم بناء على طلب الآثار، لأنها رأت أن القصر يقع ضمن حرم المعبد، وما حدث اليوم يسأل فيه التنسيق الحضاري، إذ كان من المفترض أن يتم إعادة توظيفه واستخدامه بطريقة ما، لا أن يهدم، وهذا ليس أول أو أخر قصر سيتم هدمه، فنحن في أزمة حقيقية، ونحن نطالب بقوانين جديدة للتنسيق الحضاري، لأنها موجودة بالفعل، بل نحتاج لتفعيل هذه القوانين، وأنا لا أعلم كيف يضحي الجهاز بهذا القصر، لذلك ليست لدي أية إجابات لأنهم وحدهم من يملكون الرد.

    شاهد:

    باب مصر | جولة في قصر اندراوس باشا بالأقصر

  • جدول فعاليات مهرجان القلعة للموسيقى والغناء

    جدول فعاليات مهرجان القلعة للموسيقى والغناء

    تتواصل فعاليات مهرجان القلعة للموسيقى والغناء حتى نهاية أغسطس الجاري، والتي انطلقت الأحد الماضي بقلعة صلاح الدين، بعد توقف دام عام كامل جراء جائحة كورونا.

    تباع التذاكر يوميًا بمنافذ البيع عند بوابة الدخول بالقلعة صلاح بسعر موحد 20 جنيها فقط للتذكرة الواحدة، بسعة إجمالية تقدر بـ4 آلاف زائر في اليوم الواحد، على أن يبدأ دخول الجمهور من الساعة الخامسة قبل بدء الحفلات بثلاث ساعات.. وإليكم جدول الفعاليات.

    مهرجان القلعة

    يشهد المهرجان تنوعًا وتعددًا في الفعاليات الثقافية، إذ يستضيف عددًا من الموسيقيين والمغنيين في مصر والوطن العربي، ويحيى فعاليات اليوم الثلاثاء كل من فريق “كايرو كافيه” بقيادة على شرف، ويليه حفل في الـ10 مساءًا للمطرب الشاب أحمد جمال.

    ويستضيف المهرجان في العاشرة مساء غدا الأربعاء الشيخ ياسين التهامي، ويسبقه حفل آخر في الثامنة للمطرب ياسر سليمان، وفرقة جوهرة الشرق بقيادة أيمن محيى الدين، ويليه في العاشرة مساءًا الشيخ ياسين التهامي.

    ويشهد الخميس 19 أغسطس نجوم فرقة أوبرا القاهرة مع فرقة الباليه في الثامنة، يتبعه حفل للفنان على الحجار وفرقته الموسيقية في العاشرة.

    ويقام يوم الجمعة الموافق 20 أغسطس، حفل للفنانة نادية مصطفى وفرقتها، يليها في العاشرة مساءًا حفل غنائي للمطرب محمد الحلو والفرقة الموسيقية تحت قيادة محمد عبدالستار.

    فعاليات المهرجان

    وفي اليوم التالي الموافق 21 أغسطس، يبدأ قي الثامنة مساءًا حفلًا للفنان وائل الفشني وفرقته الموسيقية، ويليه حفل للفنانة لينا شاماميان، وبتاريخ 22 أغسطس تقدم الفنانة هلا رشدي حفلا غنائيا، ويليها حفل للفنان طارق العربي طرقان وأبناؤه في الـ10 مساءًا.

    كما يقدم الفنان حازم شاهين حفلا غنائيا بتاريخ 23 أغسطس، ويليه حفلا غنائيا للمطربة كارمن سليمان في العاشرة مساء.

    ويقام في الثلاثاء بتاريخ 24 أغسطس حفلًا للمطربة الأردنية نداء شرارة، تحت قيادة إيهاب عبدالحميد، ويشاركها الحفل في الفاصل الثاني المطرب هاني شاكر، تحت قيادة المايسترو مصطفى حلمي، وفي اليوم التالي الموافق 25 أغسطس تشارك المطربة نوران أبوطالب وفرقتها، وفي تمام العاشرة مساءًا يشارك الحفل المطرب هشام عباس.

    وبتاريخ 26 أغسطس يقدم فريق سبيد أوف هارتس باند حفلًا، ويليه آخر للفنان محمد محسن، وفي اليوم التالي الموافق الجمعة 27 أغسطس تغني الفنانة المغربية جنات، يسبقها فاصل غنائي للمطرب محمد حسن وفرقته.

    وفي يوم السبت الموافق 28 أغسطس يقدم الفنان الموسيقار سعيد الأرتيست عرضًا موسيقيا يليه حفل غنائي للمطربة نسمة محجوب.

    وفي اليوم قبل الأخير من المهرجان تقدم الفنانة دينا الوديدي حفلا غنائيا في تمام الـ10 مساءًا، ويسبقها حفل لبغدادي بيج باند، وينهي المهرجان فعالياته هذا العام بحفل غنائي للفنانة نسمة عبدالعزيز، ويليه حفل للفنان مدحت صالح مع فرقة الفنان عمرو سليم.

    اقرأ أيضا

    في مناسبة 130 عامًا على إنشائها.. الوجه الآخر لحديقة حيوانات الجيزة

  • في مناسبة 130 عامًا على إنشائها.. الوجه الآخر لحديقة حيوانات الجيزة

    في مناسبة 130 عامًا على إنشائها.. الوجه الآخر لحديقة حيوانات الجيزة

    تحتفل حديقة حيوانات الجيزة هذا العام بذكرى مرور 130 عامًا على إنشائها. في إطار هذه المناسبة «باب مصر» يتجول داخل الحديقة الأثرية؛ في محاولة للتعرف على ما تبقى من إرث داخل الحديقة، وما مر بها من تحولات.

    ربما كانت المحاولة الأولى -المسجلة- لاستقدام حيوانات وتربيتها بغرض المتعة في عهد والى مصر محمد علي باشا، إذ قام بعرض مكشوف للأسود، حيث وضع عددًا من الأسود في حفرة كبيرة أمام قلعة الجبل بالقاهرة والمعروفة بقلعة الناصر صلاح الدين، في نفس المكان الذي أقيمت فيه دار الدفترخانة القديم، وكان المواطنون يتفرجون على هذه الأسود من أعلى الحفرة ويلقون إليها بغذائها من اللحوم، وقد عرفت هذه الحفرة في التاريخ بـ”سبعة القلعة”.

    وعندما تولى الخديو إسماعيل باشا حكم مصر، ومع عملية التطوير الكاملة التي شهدها عصره، فكر وقتها في إنشاء حديقة للحيوانات، وكان يأمل في افتتاحها تزامنًا مع افتتاحه لقناة السويس سنة 1869م، إلا أنه لم يتمكن وقتها من تنفيذ فكرته، حتى جاء الخديوي توفيق سنة 1889م، وأصدر فرمانا، أوصى من خلاله باقتطاع 50 فدانًا من حدائق والدته “الوالدة باشا”، بجهة الأورمان، وتحويلها إلى مخزن للحيوانات، وهو الاسم الذي كان يطلق على حدائق الحيوان عند إنشائها.

    افتتاح الحديقة

    في سنة 1891م افتتحت الحديقة رسميًا لأول مرة، وتم توسعتها عام 1898م، وفي عام 1901م تم فتحها لعموم الناس، إلا أن حدائق الجيزة كانت في السابق مقسمة لثلاثة أقسام وهم:

    القسم الأول: حديقة الفاكهة (حديقة الأورمان الآن)، وبها شتى أنواع أشجار الفاكهة.

    القسم الثاني: حديقة الحرم (الجزء الغربي من حديقة الحيوانات الآن)، وبها طرقات ومماشي تحمل مختلف الألوان والأشكال من الحصى (الزلط) المجلوب من جزيرة رودس.

    القسم الثالث: حديقة السلاملك (الجزء الشرقي من حديقة الحيوانات الآن)، وقد حوكيت فيها المناظر الطبيعية من انخفاض وارتفاع واستواء، وقد وضع تصميمها “المسيو باريلية” وهو المهندس الأخصائي في المناظر الطبيعية الريفية، وقد أوكل الأمر إلى المسيو دلشيفاليرى، وعاونه في ذلك إبراهيم حمودة، كبير البستانيين الوطنيين وآخرين من جنسيات مختلفة.

    جولة في الحديقة

    رغم زحام الباعة الجائلين، والنداءات العشوائية لحضور الألعاب السحرية، إلا أن أهم المفارقات التي شاهدناها أثناء الجولة إحاطة المجاري المائية، والبحيرات بأسوار، وكتل خرسانية مرتفعة، مما أفقدها الشكل الجمالي الذي ميزّها في الماضي، إذ سعى المهندسون في بداية إنشاءها إلى تزويدها ببحيرات كي تضفي شكلًا جماليًا لها، وهو الأمر الذي لم يعد يظهر اليوم على أغلب أجزاءها بسبب التعديات المستمرة داخلها.

    لكن ما يميز الحديقة حتى اليوم هي الأشجار التي تحجب -أحيانًا- رؤية السماء بسبب كثافتها وعلوّها، فالحديقة تضم مجموعة كبيرة من الأشجار النادرة التي جلبت من كافة أنحاء العالم، فأثناء مرورنا بجانب تلك الأشجار وجدنا أن اللوحات الإرشادية الموجودة عليها مطموسة أغلبها، وهي الأشجار التي يتعدى عمر بعضها مائتي عام، إذ أن الخديوي إسماعيل قد جعل من حدائق الجيزة منشأة نباتية، حوت بداخلها آلاف من النباتات العديدة التي استوردها، ولا يزال الكثير من هذه النباتات حيًا ناميًا كما زرعه إسماعيل؛ ومنها أنواعًا من أشجار الكازورينا، وشجرة خشب القيثار التي يصنع من أخشابها الآلات الموسيقية وأنواعًا مختلفة من الجميز الأفرنجى مثل: الجميز البنغالي وجميز المطاط، وحاليًا تحوي الحديقة 64 فصيلة، من

    النباتات.

    متحف المحنطات

    لم يكن الهدف الربحي ضمن الأهداف التي وضعت عند إنشاء الحديقة فكان الهدف من إنشائها؛ هو محاكاة وزراعة وعشق الحيوانات والطيور والنباتات في قلوب الناس، وتحويل علم دراسة الحيوان ليس فقط لاستحضار واستجلاب الزوار، بل لجعلهم على اتصال بالعديد من الأشكال الجميلة للحياة المأهولة علي كوكب الأرض، كما كانت وظائف حدائق الحيوان في الأصل تهدف إلى خدمة الأغراض التعليمية والبحثية فقط، فكانت تضم عند الافتتاح 680 نوعًا من الحيوانات، و3150 مـن الطيور، و300 من الزواحف.

    وتعتبر حديقة الحيوان بالجيزة هي الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط كحديقة تخصيصية، وقد مرت بمراحل تطوير كثيرة فازدادت مساحتها في مطلع هذا القرن لتصل إلى 90 فدانًا، وأصبحت مركزًا فريدًا لتربية الحيوانات والزواحف والطيور بأحدث الطرق العلمية.

    وتضم الحديقة متحفًا للحيوانات أنشئ عام 1906م، وهو المبنى الذي جدد منذ ما يقرب من الخمسة أعوام، وهو يحتوي على نماذج من المحنطات النادرة والهياكل العظمية والجلود والجماجم لمعظم الحيوانات والطيور والزواحف البرية، ومن المفارقات أننا حين زرنا متحف المحنطات وجدناه يحوي أنواعًا من الحيوانات المحنطة أكثر من الحيوانات الحية الموجودة داخل الحديقة، فهو يتكون من ثلاثة طوابق لعرض المحنطات.

    كما يحوي مجموعة نادرة من الحيوانات مثل: الغزال الأبيض والذي كان موجودًا في مصر منذ ما يقرب من المائة عام، وكذلك نمر مصري كان يعيش في سيناء، وكذلك مجموعة من الثدييات، كما يضم الهيكل العظمي لحوت مصري وصف بـ”الأضخم” وقت اكتشافه على شاطئ الإسكندرية، وتم وضعه في المتحف عام 1932، ويضم المتحف مجموعة متنوعة من المحنطات ويحوي على عدد من الهياكل العظمية لبعض الثدييات والطيور والزواحف.

    ويضم الطابق الثاني محنطات حيوانات البيئة المصرية والزواحف، بالإضافة إلى كهف به هياكل عظمية توضح الفروقات العلمية بين الإنسان والشمبانزي وإنسان الغابة والقردة.

    ووفقًا للوثائق فقد قدمت ميزانية لبناء المتحف وقت إنشائه تبلغ ألفين جنيه مصري، إلا أنها لم تكف، وتم تقديم مبلغ زيادة لبناء المتحف، ليصل إلى 3100 جنيه مصري، إذ كان الغرض من بناء المتحف هو إجراء بحوث علمية، وتعريف الجمهور على الحيوانات المحنطة على الطبيعة.

     آثار حديقة الحيوان

    تضم حديقة حيوان الجيزة العديد من الآثار الهامة، والتي سجلت في عداد الآثار خلال العقد الأول من القرن الحالي، إذ أن اختيار موقعها تم بعناية فائقة من قبل مهندسي الحديقة والذين عملوا تحت إشراف الخديوي، فيوجد جبلان صناعيان مزروعان بغابة من أشجار الكازورينا، ويربط بين الجبلين كوبري معلق يمثل صورة من صور الكباري المختلفة الأنواع والمقامة على البحيرات والمجارى المائية التي تشق أنحاء الحديقة، وهو الذي صممه المهندس جوستاف إيفل الفرنسي، وقد أحاطت هذه البحيرات بجزيرتان تمثلان الجمال الطبيعي في أروع صورة على حافة البحيرات والمجاري المائية وزرعت الأشجار ذات الأفرع المتهدلة والشجيرات.

    وبالرغم من أن هذه الآثار “مغلقة” في الوقت الحالي بسبب حاجتها للترميم، فضلا عن عدم قدرتها على استيعاب زوار الحديقة الذي يقدر بالآلاف، إلا أننا تمكننا خلال الجولة من زيارتها بإذن خاص من مفتشي الآثار بالمنطقة.

    كوبرى إيفيل المعلق

    بدأت جولتنا داخل آثار الحديقة بزيارة كوبري إيفيل المعلق، والذي قام بإنشائه المهندس الفرنسى مسيو جوستاف إيفيل في عهد الخديو  إسماعيل، وهو المهندس الذي قام بتصميم برج إيفيل بعدها بعشر سنوات، وبالرغم من أن الكوبري في الوقت الحالي لا يمكن المرور من خلاله بسبب حاجته للترميم، إلا أن لا يزال يحمل طابعه الأثري، فقد ارتسم شعار الملكية أعلاه، والكوبري عبارة عن بابين يتقدماه من كلا اتجاهاته ويؤديان إلى جسم الكوبري، وكل باب يتقدمه عمودان من المعدن، وكل عمود يرتكز على قاعدة، ويربط بين العمودين عتب، وعليه زخارف نباتية وحرفي “الهلال والنجمة” وهما يرمزان إلى شكل علم مصر قبل ثورة 1952م، ويوجد باب من درفتين مـن الحديد يفضيان إلى أرضية الكوبري، والتي هي عبارة عن مجموعة من الألواح الخشبية، والتي تحتاج لترميم لإمكانية المرور من أعلى الكوبري، ويحيط به درابزين حديدي ذو زخارف نباتية، وتوجد بالكوبري شدات معدنية تربط بين الأعمدة وجسم الكوبري، وتظهر على أعمدته الكتابات (El FF El Cunstructenrs, Paris).

    إزعاج الخفافيش!

    جبلاية الشمعدان مكان هادئ لا يمر بداخله أحد تقريبًا، فبجرد أن اقتربنا أكثر منه وجدنا في الأفق مجموعة من الخفافيش الموجودة داخل تجويفات الشمعدانات، وقد وجدت تلك البيئة الخصبة الهادئة، لتستقر داخلها كمستقر دائم لها باعتبار تلك الشمعدانات ملاذًا آمنًا، ومع اقترابنا أكثر -يبدو- أن تلك الخفافيش قد زاد انزعاجها بسبب القلق الذي سببناه لها، فبدأت تخرج من بين فتحات الشمعدانات وبدأت يعلوا صوتها أكثر وأكثر، وكأنها على ما يبدوا تحذرنا من الاقتراب، وقد أدت تلك الحيلة التي صدرت منها إلى تراجعنا للخلف قليلًا، ومن ثم انصرفنا عن هذا المكان منعًا للإزعاج!

    صمم جبلاية الشمعدان المهندس “سيبوز” عام 1869، وهى تمثل صورة مـن صور الطبيعة الخلابة، حيث تطل على مجرى مائي، ويتدلى من سقفها مجموعة مـن الشمعدانات وفي واجهتها نافورة على شكل شمعدان تسكب منها المياه على جانبي الشمعدان المؤديان لسطحها لدى النباتات التي زرعت بأحواضها.

    وتحتاج الجبلاية خلال الوقت الحاضر لتفعيل مجرى المياه وتهيئة مضخات المياه مرة أخرى، كي تعمل بشكلها الطبيعي.

    جبلاية القلعة

    ربما لم يتخيل الخديو  إسماعيل حين قرر إنشاء جبلاية القلعة داخل الحديقة أن يأتي أحدهم بعد ما يزيد عن المائة عام ليكتب على جدرانها عبارة مثل “أحمد + سارة = حب أبدي” كانت تلك المخربشات ضمن كتابات كثيرة كتبت على جدران جبلاية القلعة، وهو المكان المفتوح للعامة للزيارة، فقد شيده الخديوي بالطوب الأحمر، وأكسبها بمهارة عظيمة شكل الحجارة الغشيمة فصارت كأنها “الجبال”، وقد تم بناء الجبلاية الكبرى، واسمها “جبلاية القلعة” في عام 1867، وهي مزينة بتماثيل مختلفة من الحيوان المنقرض المسمى خرتيت الفيوم، وبأخرى للتماسيح والطيور الغربية وزرع فوق سطحها حديقة صغيرة يصعد إليها بطريق حلزوني.

    وهذه الجبلاية من تصميم المهندس التركي “سيبوز” وهي تسمى أيضًا الجبلاية الملكية، وتحوي هذه الجبلاية على مقاصير عديدة وممرات مشقوقة مزروعة بالنباتات المختلفة، وفي قاعتها الوسطى مقاعد، وكراسي من الأخشاب المتحجرة المستجلبة من الغابات المتحجرة بالصحاري المصرية، وفيها تماثيل لحيوانات وطيور وزواحف عجيبة الشكل صنعت من الحصى والأسمنت، وتنساب في أرضية هذه الجبلاية جداول المياه، ويتدلي من سقفها قطع من شعاب المرجان الأبيض على شكل الرواسب الجيرية التي تتدلي من سقوف بعض الكهوف والمغارات الطبيعية، وفي هذه الجبلاية مواسير توصل المياه إلى أعلاها لتنحدر منها على شكل هدارات مائية جميلة تصب في بحيرة فيها جزيرتان متصلتان بالجبلاية بممر خشبي ولا تزال هذه الجبلاية بحالتها الجيدة إلى اليوم، وفي هذه الجبلاية مواسير توصل المياه إلى أعلاها لتنحدر منها على شكل هدرات مائية جميلة تصب في بحيرة فيها جزيرتان متصلتان بالجبلاية بممر خشبي وظهر على أرضية جبلاية القلعة عدة تواريخ منها عام 1932م، وحتى عام 1935م، ولكن توقفت وظيفة رفع المياه داخلها نظرًا للحاجة لتجديد تلك المواسير التي تعمل على رفع المياه، كما يوجد داخل الجبلاية، دكة كان يجلس عليها الخديوي إسماعيل ومؤرخة بتاريخ 1867.

    وقد اكتست أرضية الجبلاية بتكوينات الزلط المستورد من جزيرة رودوس والذي كوّن في النهاية أشكال هندسية رائعة على الأرضية، إلا أن البعض منه تعرض للتدمير ومن ثم جرى استخدام آخر غير مناسب للشكل القديم، وذلك بوضع بلاط ذو ألوان فاقعة حمراء وصفراء، ذو حجم كبير ويظهر واضحًا في بعض المواضع.

    الكشك الياباني

    في عام 1921 قرر الملك فؤاد إقامة كشك يحمل الطراز الياباني من الخارج، وذلك بمناسبة زيارة إمبراطور اليابان السابق عندما كان وليًا للعهد آنذاك، فالكشك في الوقت حالي مغلقًا ويحتاج للترميم، إلا أنه يعتبر متحفًا إذ يضم بعض مقتنيات الحديقة القديمة، وصور الملوك، والرؤساء الذين زاروها، وقد اتخذ الكشك الشكل الثماني الأضلاع، وبكل ضلع شباك من درفتين من الشيش من الخارج، ومن الزجاج من الداخل، ويحيط بهذه الشبابيك من الخارج زخارف هندسية، ويقع الباب الرئيسي الوحيد للكشك في الجهة الشمالية ويتكون من درفتين من الشيش، وقد زخرف الكشك من الداخل بزخارف تحمل الطابع الإسلامي، كما يتوسطه فسقية بها وجه آدمي، وعندما تعمل هذه الفسقية فإن الماء يندفع من فم الآدمي، ولكنها لا تعمل حاليًا.

    **********************

    الهوامش

    -ناصر الكلاوي، حدائق القاهرة في عصر أسرة محمد عليّ، ٢٠١٣م

    -كتاب حدائق الحيوان في مصر: الحكومة المصرية، وزارة الزراعة، المطبعة الأميرية بالقاهرة، ١٩٤٦م

    -بديعة حسن، تريزة لبيب، عبدالمجيد علي، أطلس نباتات حدائق القاهرة والجيزة، الهيئة العامة للكتاب

    اقرأ أيضا

    ماذا نعرف عن عملية نقل مركب خوفو للمتحف الكبير؟

  • ماذا نعرف عن عملية نقل مركب خوفو للمتحف الكبير؟

    ماذا نعرف عن عملية نقل مركب خوفو للمتحف الكبير؟

    بدأت من قليل عملية نقل مركب خوفو الأولى من موقعها بمنطقة الأهرامات للمتحف المصري الجديد، تمهيدًا لعرضها ضمن سيناريو العرض المتحفي، وهي العملية التي جرى الإعداد لها لشهور كثيرة ، وتستمر عملية النقل نحو عشر ساعات، حتى صباح الغد.

    وصرح مصدر مسئول داخل وزارة الآثار لـ «باب مصر»: إن عملية الإعداد للنقل كانت معقدة فقد كلفتهم الكثير من الوقت والمجهود مثل الإعداد لموكب نقل المومياوات الملكية، حيث جرى إعداد المركب من خلال فك مقصورة القائد والمجاديف وتثبيتها وتغليفها ومن ثم نقلها للمتحف الكبير، وقد قمنا خلال الفترة الماضية بإعداد المنطقة المحيطة من خلال رفع الأحجار  الموجودة عند الحفرة التي اكتشفت بها المركب، كي لا  تشكل عائق لعملية النقل، بالإضافة إلى أننا أحطنا مركب خوفو بدعامات حديدية تمنع اهتزازها، ومن ثم صنع فريق الترميم بالمتحف المصري الكبير قفص خشبي لتثبيتها، تمامًا كما فعلنا مع المومياوات الملكية -باختلاف الطرق المستخدمة- ووفقًا للسيناريو الذي وضعناه فإنه من المفترض أن يتم النقل حوالي السابعة مساء يوم الجمعة من خلال دخول العربة الآلية التي صممت خصيصا لهذا الحدث داخل المتحف القديم وذلك لإحاطة المركب  بالصندوق الحديدي المعد لنقله وتحريرها بشكل نهائي من المتحف القديم ورفعها عبر القنطرة والزلاجات المثبتة أسفل المركب إلى العربة الآلية».

    وأضاف المصدر: أنه تم إعداد مسار خاص بها وتهيئته بشكل كامل ليتوافق مع أبعاد العربة المصممة إذ تصل العربة لبوابة طريق الفيوم، ومن ثم تنحرف للخروج من خلال مخرج تم إعداده ليتناسب مع ابعاد المركب وعربة النقل.

    بعد ذلك ومع وصول المركب  للمتحف يتم رفع الحاوية عبر ونش ومن ثم إنزالها بموقع داخل المتحف سيتم استكمال بناءه بعد إدخال الحاوية، التي تحوي المركب.

    عملية معقدة

    الدكتور محمد عبد المقصود الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار السابق في حديثه مع باب مصر صرح أن التفكير في نقل المركب لم يكن ضمن السيناريو الموضوع للمتحف أصلًا منذ البداية، لكنه أضيف بعد ذلك للسيناريو، وهي عملية معقدة بالفعل ولو حدث دون أن تمس المركب بأي سوء سيكون نجاحًا  كبيرًا للزملاء بالوزارة، وذلك بسبب خطورة الوضع خاصة وأن المركب سيتم نقلها دون تفكيكها، ولذلك تم إعداد الكثير من التجارب لنجاح هذه العملية، لأن الوضع خطر، خاصة في عملية النقل، وأنا اعتبر أن عملية النقل لها العديد من المزايا منها أنه سيتم عرضها ضمن سيناريو العرض المتحفي للمتحف الكبير.

    الجدير بالذكر أن اللواء عاطف مفتاح المشرف العام على المتحف المصري الكبير والمنطقة المحيطة، قد صرح في وقت سابق أن عملية النقل ستتم بواسطة عربة ذكية ذات تحكم عن بعد وتم استقدامها خصيصًا من بلجيكا لنقل المركب قطعة واحدة، بعد حمايتها وتأمينها أثناء التحرك. مضيفا:” أجرينا العديد من التجارب التي تهدف إلى اختبار كفاءة العربة وقدراتها على التحمل أثناء عملية السير على المحاور المختلفة للطرق صعودا وهبوطا، بالإضافة إلى معرفة مدى قدرتها على المناورة في المنحنيات وفروق الارتفاعات بالطرق، وهي تحمل أوزانًا مماثلة لوزن المركب، ونموذجًا للهيكل المعدني الواقي لها، وبنفس الطول والعرض، والتي أثبتت نجاحها؛ وقدرة وكفاءة العربة الذكية على إتمام عملية النقل بنجاح حيث تم الاطمئنان الكامل على توازن العربة، وسلامة وثبات الهيكل المعدني أثناء السير وعند المنحنيات مع كفاءة وسلامة الطرق.

    المركب وقت اكتشفاها
    المركب وقت اكتشفاها
    عربة النقل الذكية والتي ستحمل المركب
    عربة النقل الذكية والتي ستحمل المركب
    السفن الجنائزية

    قادت الصدفة وحدها الأثريين عام ١٩٥٤ للعثور على المركب عند قاعدة الهرم الأكبر بالجيزة بمصر، وقد لوحظ بالصدفة وجود حفرتين مسقوفتين عند قاعدة هرم خوفو الجنوبية عثر في قاع إحداهما على سفينة مفككة متقنة النحت من خشب الأرز ومتصلة ببعضها بالحبال لا ينقص منها أي جزء أعيد تركيبها فبلغ طولها أربعين مترا سميت بمركب الشمس وسميت سفينة خوفو ومن المعروف أن السفن الجنائزية صممت للذهاب لاستعادة الحياة من الأماكن المقدسة والتي عرفت بأنها “سفن روح الالة”.

    أقرأ أيضا:

    جدل بعد افتتاح مغارة دير درنكة آخر محطات العائلة المقدسة بمصر

     

     

باب مصر