باب مصر

الكاتب: دعاء عبد الحميد

  • «استدامة التراث الثقافي بالإسكندرية».. ما هو مستقبل المتاحف في المجتمعات سريعة التغير؟

    «استدامة التراث الثقافي بالإسكندرية».. ما هو مستقبل المتاحف في المجتمعات سريعة التغير؟

    استمرارًا للاحتفال باليوم العالمي للمتاحف، نظم متحف الإسكندرية القومي ملتقى ثقافيا حول استدامة التراث الثقافي في المجتمعات من خلال المتاحف، تحت شعار «مستقبل المتاحف في المجتمعات سريعة التغيير»، وذلك تأكيدا لأهمية الحفاظ على الموروثات الثقافية واستدامتها.

    تحدثت المخرجة ومقدمة البرامج نسمة مدحت عن أصل وحكاية العديد من الجمل والكلمات والأمثال الشعبية الموروثة، التي نرددها حتى اليوم دون معرفة أصول كثير منها. ومن بين ما تناولته، حكاية تعبير «القرد في عين أمه غزال». الذي يعود أصله إلى حاكم مدينة قديمة أقام مسابقة جمال للحيوانات. تقدمت قردة وسط الحيوانات الجميلة وأصرت على جمال ابنها. فضحك الحاكم وقال: «القرد في عين أمه غزال».

    أصل وفصل الأمثال الشعبية

    شرحت “نسمة” أيضا تعبير “تيتي تيتي، زي ماروحتي، زي ماجيتي”. الذي تعود قصته إلى دودة طلبت منها أمها البحث عن طعامها بنفسها. خرجت ووجدت ثمرة جوز هند، أكلت منها حتى سمنت ولم تستطع الخروج. فبقيت بداخلها أياما دون طعام حتى ضعفت مرة أخرى وخرجت لأمها جائعة، وعند عودتها، قالت لها هذا التعبير.

    أما مثل “جه يكحلها عماها”، فيعود أصله، بحسب “نسمة”، إلى كلب أراد تقليد عيون القطط فكحل عينيه. لكنه فقأ عينه بمخالبه.

    وفيما يتعلق بـ”مسمار جحا”، فهو يرمز للدهاء. ويعود إلى قصة جحا الذي أراد بيع منزله واشترط على المشتري أن يحتفظ بمسار في الجدار ويأتي ليطمئن عليه باستمرار. ومع كثرة زياراته، غضب المشتري ويأس وترك له المنزل.أما شخصية “جحا” في التراث، فترمز إلى الشخص سريع البديهة وخفيف الظل، الذي يخرج من المواقف المختلفة.

    وتطرقت نسمة إلى بعض معاني الكلمات مثل:

    • “جاك أوه”: أي “جالك وجع”.
    •  “يابن الأيه”: “الأيه” تعني البقرة وكانت مقدسة في مصر القديمة.
    •  “معلش”: تعني “ما عليه شيء”، وكان يستخدمها القاضي قديما عند الحكم بالبراءة.
    •  “ياموكوس”: أصلها “تي  كوس”، وتعني “ادفن نفسك” في اللغة المصرية القديمة.
    •  “يا ما جاب الغراب لأمه”: حيث إن الغراب علميا يهتم بتجميع أشياء تعكس أشعة الشمس لا قيمة لها. وعندما تراها أمه تقول هذا المثل.
    •  أما “مراية الحب عامية”: فتعود علميا للمخ الذي لا يعمل على السلبيات في حالة الحب.
    السياحة الريفية وتعزيز الاستثمار في صعيد مصر

    تناولت داليا ساري، أخصائية بالهيئة العامة لتنشيط السياحة، موضوع السياحة الريفية وتعزيز الاستثمار في صعيد مصر، موضحة أن السياحة الريفية تشمل جميع الأنشطة السياحية التي تمارس في المناطق الريفية، ويقصد بالريف لغوياً الأراضي الخصبة المزروعة.

    وقالت إن هناك مشروعا يجري تنفيذه لإنشاء منصة إلكترونية لتنشيط السياحة الريفية، بالتعاون مع عدة وزارات. بهدف تعريف الجمهور المصري والأجنبي بالأماكن والنشاطات المختلفة التي تتم عبر السياحة الريفية. وأشارت إلى وجود العديد من الكنوز والأماكن الرائعة غير المعروفة في المحافظات، والتي تحتاج إلى اهتمام وتطوير.

    وأضافت أن مصر تمكنت خلال السنوات القليلة الماضية من إدراج أربع قرى ضمن قائمة أفضل القرى الريفية السياحية، وهي: غرب سهيل بمحافظة أسوان، وأبو الغصون (البحر الأحمر) في عام 2024. أما قريتي دهشور (الجيزة)، وسيوة (مرسى مطروح) فتم تصعيدهما عام 2023. هذا إلى جانب قريتين على قائمة الترقي وهما: قرية فوة (كفر الشيخ) عام 2021، وسانت كاترين (جنوب سيناء) عام 2023.

    التراث الثقافي المادي واللامادي

    اختتمت جهاد شوقي، منسقة التواصل المجتمعي والأنشطة الثقافية بإدارة الوعي الأثري بالأقصر، الملتقى الثقافي بجلسة حول التراث الثقافي اللامادي. بدأت بتعريف “المتحف” الصادر عام 2022، بأنه “مؤسسة دائمة غير هادفة للربح تعمل في خدمة المجتمع. وتبحث وتجمع وتحفظ وتفسر وتعرض التراث المادي واللامادي. وهي مؤسسة متاحة للجمهور، شاملة، تعزز الاستدامة والتنوع، وتوفر تجارب متنوعة للتعليم والاستمتاع والتأمل وتبادل المعرفة.

    وأوضحت أن التراث الثقافي اللامادي يتضمن التقاليد الشفهية، وفنون الأداء، والممارسات الاجتماعية، والطقوس، والأعياد، والمعارف والممارسات التي تخص الطبيعة والكون. إضافة إلى المهارات المتعلقة بالحرف التقليدية. وأكدت أن هذا التراث يتغير ويتطور باستمرار، ويزداد غنى مع كل جيل جديد.

    وتابعت شوقي: هناك العديد من مظاهر هذا التراث مهددة بسبب العولمة، ونقص الدعم والتقدير، ما يتطلب رعاية خاصة للحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال القادمة. واستعرضت دور “الموالد” كمكون ثقافي يتجاوز الطقوس الدينية، ليشمل أبعادا اجتماعية واقتصادية وروحية. ووفقا لإحصاء عن الجمعية المصرية للموروثات الشعبية، فإن عدد الموالد في مصر يبلغ حوالي 2850 مولدا، يحتفل بها المسلمون والأقباط.

    اقرأ أيضا:

    وداعا «عصمت داوستاشي»: فنان صوفي بملامح شعبية

  • وداعا «عصمت داوستاشي»: فنان صوفي بملامح شعبية

    وداعا «عصمت داوستاشي»: فنان صوفي بملامح شعبية

    برحيل الفنان «عصمت داوستاشي»، فقدت الساحة التشكيلية أحد رموزها الكبار، فنانا ومؤرخا ترك أثرا لا يُمحى في مسيرة الفن والثقافة. وقد عمت حالة من الحزن الوسط الثقافي في الإسكندرية ومصر بأكملها، مع تداول خبر وفاته. هنا نستعرض محطات من حياته وإبداعه وملامح تجربته في الفن والتوثيق.

    من هو الفنان عصمت داوستاشي؟

    وُلد عصمت داوستاشي في الإسكندرية عام 1943، ودرس النحت في كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية وتخرج فيها عام 1967. وهو فنان شامل قدَّم ما يزيد على 60 معرضا فنيا، كما مارس التصوير والنحت والرسم. وتميز بأسلوب له طابع خاص، متأثرا بملامح مصرية شعبية وتراثية. وبرزت في أعماله معاناة الإنسان وأحلامه وطموحاته، مقدمًا نقدًا اجتماعيًا لأحوال المجتمع، وكان له أثر بالغ في الساحة الفنية المصرية.

    أسهم بدور بارز في توثيق تاريخ الحركة التشكيلية المصرية. وتميزت تجربته الفنية بالتجريب. واتجه في أعماله إلى استخدام أساليب فنية متنوعة، بدءا من التشكيل التجريدي، مرورًا بالكولاج والتصوير. ومن أبرز المناصب التي شغلها «داوستاشي» كانت الإشراف على الأنشطة الثقافية والمعارض بالمراقبة العامة للفنون الجميلة بمتحف محمود سعيد، وإدارة متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية. فضلا عن رئاسة مركز الإسكندرية للإبداع.

    مسيرته الفنية

    واتسمت مسيرته الفنية بمراحل متعددة ومتنوعة، تميزت إحداها بالانعزال والابتعاد عن الآخر. حيث اتخذ منحى الصوفية كطريقة لتأمل ما حوله في بوتقة انعزل فيها مع أفكاره. لتخرج منه فكرة “المستنير داد”، ذلك الرمز الكبير الذي نتجت عنه سلسلة رائعة تعد من أبرز تجاربه الفنية. وقد ظهرت في هذه الأعمال الأيقونات التي شكلت رؤيته الفنية، التي تعكس فكرا شديد الخصوصية. حيث قدم من خلالها رؤية فنية مبتكرة لأشكال وعناصر متعددة بأسلوب مميز.

    حصد داوستاشي العديد من الجوائز، من أبرزها: جائزة مختار عام 1984، وجائزة لجنة التحكيم عن بينالي الإسكندرية الثامن عشر 1994، وجائزة بيكاسو وميرو من المركز الثقافي الإسباني. وجائزة راديو فرنسا عن أحد تصميماته. وتم تكريمه عام 2015 في فعاليات معرض “من النيل إلى الحرمين” بأتيليه جدة للفنون بالمملكة العربية السعودية.

    الشباب في لقاء عصمت داوستاشي
    الشباب في لقاء عصمت داوستاشي
    صداقات وتلاميذ «داوستاشي»

    يسترجع المخرج السكندري حازم العطار ذكرى لقائه بالفنان عصمت داوستاشي عام 2019، ضمن مشروعه الوثائقي عن متحف الفنون الجميلة. ويقول: “جلسنا وتجاذبنا أطراف الحديث، وتحدث داوستاشي عن الفترة التي تولى فيها المتحف. واكتشفت حرصه على توثيق الحركة التشكيلية في مصر. إذ كان يمتلك مكتبة غنية بمؤلفاته. وكان مستمرًا في جمع الوثائق والصور. وخلال حديثنا كان يسجل أي معلومة جديدة عن معرض أو لوحة أو فنان لم يضفها بعد إلى توثيقه. وفوجئت بامتلاكه متحفا عظيم صغيرا يجمع فيه أعماله ولوحاته الرائعة”.

    ويقول الشاعر والكاتب السكندري ميسرة صلاح الدين: “تعرفت على عصمت داوستاشي ككاتب قبل معرفتي به كفنان تشكيلي، فله مجموعة من الكتابات المهمة والمتنوعة في نقد الحركة التشكيلية وروادها. وكان أول كتاب قرأته له بعنوان “الرملة البيضاء”، وهو سيرة ذاتية. ثم اندمجت في أعماله الفنية والمعارض. ولاحظت تركيزه على الموتيفات والأيقونات الشعبية وتحويلها إلى أساطير”.

    وتابع: “ما لفت انتباهي في أعماله هو تكرار رمز الكف. وسألته عنه ذات مرة، فأجابني إجابة غريبة حين قال: “رمز الكف هو نقطة البداية في تكوين شخصيتي الفنية”. وبالفعل كان فنانا عظيما، صاحب بصمة فنية مميزة استطاع من خلالها المزج بين الفن الحديث والفنون الشعبية التقليدية في الرسم. ولذلك كان إنتاجه مختلفا”.

    عصمت داوستاشي فنان ومؤرخ

    يقول عنه الفنان التشكيلي خالد هنو: “توطدت علاقتي بعصمت داوستاشي على مدى 10 سنوات خلال عضويتي بمجلس إدارة أتيليه الإسكندرية. حيث أقمنا معارض سويًا، وكان له معرض خاص في الطابق الثاني فوق مقر الأتيليه. يعد قبلة لكثير من الفنانين التشكيليين من كل أنحاء مصر، وخاصة يوم الثلاثاء من كل أسبوع. حيث كان يعقد صالون فني مصغر لمناقشة الحركة الفنية”.

    وأضاف أن «داوستاشي» يتميز بكونه مؤرخا للفن أكثر من كونه ممارسا له. فقد كان يحرص على جمع أي وثيقة وكتاب لمكتبته الخاصة، ولديه أوراقا خاصة ووثائق نادرة. وقد أصدر كتابا بعنوان “أتيليه الإسكندرية”، يوثق تاريخ الأتيليه منذ إنشائه عام 1934، ويحتوي على صور للمستندات والعقود والمخاطبات القديمة بين الفنان محمد ناجي والفنانين الأجانب، وأسماء مجالس الإدارات المتعاقبة. كما ألف كتبا عن عدد من الفنانين مثل محمود سعيد، ومحمد ناجي، وعبد المنعم مطاوع، وغيرهم. فهو فنان تشكيلي ومؤرخ فني متميز.

    واختتم هنو حديثه عن الراحل: “بالقرب من داوستاشي تشعر بأنه شخص بسيط ومتواضع، ومحب للشباب، لذلك كانوا يتجمعون عنده دائما. كان متحررا وله وجهة نظر في أعماله. وقد فقدت الإسكندرية برحيله فنانا ومؤرخا لعب دورا كبيرا في الحركة التشكيلية بمصر، ويعد من أهم فنانيها”.

    اقرأ أيضا:

    إنشاء متحف «سيد درويش» في كوم الدكة: هنا تتعرّف على فنان الشعب

  • إنشاء متحف «سيد درويش» في كوم الدكة: هنا تتعرّف على فنان الشعب

    إنشاء متحف «سيد درويش» في كوم الدكة: هنا تتعرّف على فنان الشعب

    ترتبط منطقة «كوم الدكة» في الإسكندرية باسم فنان الشعب «سيد درويش»، فكلما تجولت في شوارعها تجد مكانا يحمل ذكرى له؛ فهنا كان المقهى الذي اعتاد الجلوس فيه ليغني لأصدقائه على أنغام العود، وهناك كان يسكن، وعلى جدران الحي رسمه السكان تخليدا لذكراه. فضلا عن الحكايات المتوارثة التي يحرص أهالي المنطقة على سردها لكل من يأتي لزيارة المكان إحياءً لسيرته.

    بداية الفكرة

    بدأت فكرة إقامة متحف على أرض المنزل الذي عاش فيه سيد درويش حتى وفاته عام 1920، كمبادرة من مشروع “سيرة الإسكندرية” منذ عام 2020. خلال إحدى الجولات بمنطقة كوم الدكة بعد المرور على منزله. وكان بعض أفراد أسرته قد ناشدوا على مدار سنوات طويلة بإنشاء متحف يخلد ذكراه.

    جلسنا في مقهى الشتيوي، حيث قابلنا الحاج علي الشتيوي، المالك الحالي لأرض منزل سيد درويش، وتبادلنا أطراف الحديث معه، وحاولنا إقناعه بتحويل الأرض، بدلا من بقائها خالية بعد هدم المنزل، إلى متحف يخلد ذكرى سيد درويش، وقد وافق سريعًا.

    توقيع عقد المتحف

    يقول مينا ذكي، مؤسس مبادرة “سيرة الإسكندرية”، في تصريحات خاصة لـ«باب مصر»: “أخيرًا جاءت لحظة التوقيع الرسمي لعقد إنشاء متحف سيد درويش على أرض المنزل الذي عاش فيه. بعد خمس سنوات من النقاشات مع عائلة ورثة الأرض ومحاولات إقناعهم بالفكرة. مدة العقد 25 عاما، وسنتسلم الأرض فعليًا في 6 يونيو القادم، على أن يبدأ العمل في يوليو 2025. ونسعى جاهدين لأن يكون الافتتاح التجريبي للمتحف في ذكراه الـ102، في شهر سبتمبر هذا العام”.

    وأضاف: “المهندس كريم الشابوري سيتولى تصميم المبنى الخارجي ووضع سيناريو العرض الداخلي، بتمويل شخصي من مؤسس المبادرة وبعض أصدقائي. الهدف الأساسي من المتحف هو تخليد ذكرى سيد درويش، وهو مشروع غير ربحي. وسنستخدم أي إيرادات لتغطية النفقات، ثم تخصص للعائلة”. وسيضم المتحف صورا لسيد درويش على الجدران، وجرامافونا وأسطوانات أصلية من إنتاج شركة “مصر فون” آنذاك. والعود، وبعض النوتات الأصلية بخط يده، إلى جانب مفاجآت أخرى سيتم الكشف عنها عند الافتتاح.

    ولمن لا يعرف، فإن متحف سيد درويش سيكون الأول من نوعه في الإسكندرية. رغم وجود مقتنيات خاصة به في متحف الفنانين بالمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية بالزمالك. منها عقد زواجه من “جليلة” عام 1919، وطربوشه، وعوده، وعصاه المصنوعة من الأبنوس. كما يحتوي المتحف على مجسم لمسرح سيد درويش، الذي أنشئ عام 1921 في طريق الحرية بالإسكندرية، على طراز أوبرا باريس. وصممه المهندس الفرنسي جورج بارك.

    واستطرد “ذكي”: “تم جمع هذه المحتويات من بعض الأسواق الشعبية كسوق ديانا، ومن بعض هواة التحف والأنتيكات”. موضحا أن المتحف سيركز على سرد قصة حياة فنان الشعب ومسيرته، لا مجرد عرض مقتنيات، نظرا لكون المنزل القديم قد هدم ولم يتبق منه سوى الأرض. وسيكون المتحف برعاية محافظة الإسكندرية.

    تجربة سيد درويش

    يقول الصحفي محمود التميمي، مؤسس مبادرة “القاهرة عنواني”: “زرت كوم الدكة عدة مرات، وحزنت للحالة التي آل إليها منزل فنان الشعب. وأرى أن تحويله إلى متحف ومزار يعد إنجازا مهما لمبادرة سيرة الإسكندرية”. وأضاف: “أتمنى أن يعكس المتحف المشروع الفني لسيد درويش. لا فقط جانبه الشخصي أو المكاني، وأن يشكل إضافة فنية وسياحية جديدة للإسكندرية”.

    وتابع: زرت بيت بيتهوفن في ألمانيا، وكانت تجربة معايشة كاملة. ليس فقط رؤية مقتنياته، بل من خلال عرض سمعي وبصري يحاكي الوجدان. وأتمنى أن يُستلهم من تجارب بيوت الموسيقيين الكبار في أوروبا أفكار مبتكرة في تصميم المتحف. وأنا واثق من أن المشروع سيكون عظيما يليق بسيد درويش. لأن القائمين عليه مخلصون ومحبون له. وعن التعاون مع مبادرة “القاهرة عنواني”، وهو مشروع ثقافي لحفظ الذاكرة المصرية، يقول “التميمي”: “توقيع عقد متحف سيد درويش يُعد أولى فعالياتي مع مبادرة سيرة الإسكندرية. وسينتج عن هذا التعاون فعاليات مشتركة قادمة سواء في القاهرة أو الإسكندرية”.

    مكان المنزل الذي عاش فيه فنان الشعب في صورته الحالية
    مكان المنزل الذي عاش فيه فنان الشعب في صورته الحالية
    حياة فنان الشعب

    يتحدث الكاتب السكندري ميسرة صلاح الدين عن بدايات سيد درويش، قائلاً: “بدأ كعامل بناء، ولأن صوته كان جهوريا، اعتاد العمال على سماع غنائه خلال العمل. ولاحظ كبير العمال أن غناءه يزيد من إنتاجية العمال، فقرر تفريغه للغناء فقط. لاحقا، سمعته فرقة أمين عطاالله وعلي عطالله، فعرضوا عليه العمل في القاهرة، ومن هنا بدأت مسيرته”. وتابع: كانت له بدايات في الغناء بالإسكندرية، حيث كان يغني في الأحياء الشعبية وعلى المقاهي، ومع فرق مسرحية بسيطة. لكن الانطلاقة الحقيقية كانت في القاهرة، في شارع عماد الدين.

    واستطرد صلاح الدين حديثه: عمل سيد درويش مع العديد من الفرق المسرحية، منها فرقة عزيز عيد، نجيب الريحاني، علي الكسار، بديعة مصابني. وشارك في مسرحيات وأغانٍ مهمة، وواكب ثورة 1919. وتنامى لديه الحس الوطني بالتعاون مع شعراء مثل بديع خيري ويونس القاضي. فظهرت أغاني وطنية مثل “قوم يا مصري” و”يابلح زغلول”.

    واختتم ميسرة حديثه بقوله: “للأسف، المنزل الذي عاش فيه سيد درويش تم هدمه منذ زمن. ولكن فكرة إحيائه كمتحف مهمة جدا. لدينا في الإسكندرية تجربة مشابهة مع متحف الشاعر كفافيس. وكذلك منزل الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذي تحول إلى مقر ثقافي في باكوس تحت إشراف صندوق التنمية الثقافية. كما أنه من المتوقع أن يضم المتحف أيضا عروضا مسرحية قصيرة، وندوات ثقافية، وعروضا موسيقية. وهذا بدوره سيساهم في إحياء هذا الحي القديم الذي طالما كان رمزا للفن في الإسكندرية، كوم الدكة”.

    اقرأ أيضا:

    دعم «المهرجانات السينمائية».. أزمة تبحث عن حل

  • دعم «المهرجانات السينمائية».. أزمة تبحث عن حل

    دعم «المهرجانات السينمائية».. أزمة تبحث عن حل

    تؤرق فكرة توفير الدعم اللازم لإقامة مهرجان سينمائي دولي متكامل يستقبل ضيوف السينما من بلدان مختلفة، القائمين على تنظيم هذه المهرجانات، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية التي يمر بها العالم خلال السنوات الأخيرة. ويختلف كل مهرجان عن الآخر من حيث اسمه وجمهوره وتأثيره ومدينة إقامته، وكلها عوامل قد تؤثر في مدى توفر الدعم اللازم.

    وتواجه بعض المهرجانات مشكلات تتعلق بالدعم، مما ينعكس على الفعاليات المخطط لها. وكان آخرها إعلان إدارة مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، قبل أيام من حفل افتتاح الدورة الـ11 التي أقيمت في 27 إبريل الماضي واستمرت حتى الثاني من مايو 2025، عن سحب هيئة تنشيط السياحة للدعم المخصص للمهرجان منذ سنوات، دون إبداء أسباب واضحة. وقد أثار هذا الإعلان تساؤلات جمهور المهرجان ووسائل الإعلام والصحافة حول سبب هذا القرار.

    سبب منع دعم مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير

    قال المخرج محمد محمود، رئيس المهرجان، خلال نقاش مفتوح على هامش فعاليات الدورة الـ11، إنهم اكتشفوا أن السبب الرئيسي لتوقف الدعم هو حدوث تغيير في المواقع الإدارية للمسؤولين عن صرف الدعم للمهرجانات السينمائية داخل الهيئة العامة لتنشيط السياحة، مما أدى لتوقف دعم هذه الدورة.

    وأضاف: “لكن الضغط الجماهيري على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام إزاء هذه المشكلة، أدى إلى مراجعة الأمر وصرف الدعم في النهاية، وهو ما يدل على التأثير الجماهيري والفني الكبير الذي أحدثه المهرجان”.

    وأوضح رئيس المهرجان أن الدعم المقدم حاليا أقل مما يستحقه المهرجان، نظرا لكونه مهرجانا شبابيا أحدث تأثيراً كبيراً وله قاعدة جماهيرية واسعة. وتابع: “كنا في الدورات الأولى نعرف الناس في المقاهي بمنطقة كوم الدكة بعروض وفعاليات المهرجانات. أما اليوم فالجمهور كله يعرف المهرجان وينتظره، بالإضافة إلى تأهل الأفلام الفائزة فيه إلى جائزة الأوسكار”.

    الناقد السينمائي التونسي "إقبال زليلة"
    الناقد السينمائي التونسي “إقبال زليلة”
    الدعم الحكومي للمهرجانات

    قال الناقد السينمائي التونسي إقبال زليلة، في تصريح خاص لـ«باب مصر»: “من المتعارف عليه أن الدعم الحكومي يخصص عادة للمهرجانات الكبرى التي تعبر بشكل ما عن سياسة الدولة. بينما تعتمد المهرجانات السينمائية الأصغر بشكل أساسي على دعم القطاع الخاص”.

    واستطرد: “أثناء عملي في الإدارة الفنية لمهرجان قابس في تونس، وهو من المهرجانات السينمائية الأصغر نسبيا. كانت النسبة الأكبر من التمويل تأتي من أحد رجال الأعمال. بشرط أساسي هو عدم تدخله في برمجة المهرجان أو اختيار الأفلام. ويعد مهرجان قرطاج في تونس أكثر المهرجانات السينمائية التي تضخ فيه الدولة مبالغ لا بأس بها مقارنة بغيره في المدن الأخرى”.

    ويقر «زليلة» بأن رجال الأعمال في تونس غالبا ما يستثمرون في مجال الرياضة، وخاصة كرة القدم، مشيرا إلى أن الوعي بأهمية دعم القطاع الثقافي والفني بحاجة إلى تطوير. ويرى أنه من السذاجة في وقتنا الحالي الاعتماد الكلي على الدعم الحكومي، في ظل الوضع الاقتصادي العالمي. وأن هناك أسبابا سياسية أحيانا خلف قرارات دعم المهرجانات السينمائية. وفقا لمعايير كل دولة. ومن الطبيعي أن تمنح بعض المهرجانات دعما أكبر من غيرها داخل الدولة نفسها.

    يضيف زليلة أن الدولة في تونس تدعم بشكل كبير المهرجانات الصيفية التي تقام في مختلف المدن. والتي تتضمن أشكالا فنية متنوعة مثل المسرح، والموسيقى، والغناء، والرقص، وغيرها. وتساءل: “لا أعلم بالتحديد ما إذا كانت تكلفة هذه المهرجانات تضاهي تكلفة المهرجانات السينمائية”.

    حلول لتوقف الدعم الحكومي للمهرجانات

    أشار الناقد إقبال زليلة إلى أنه في حالات التدهور الاقتصادي، نلجأ أحيانا إلى بعض الحلول العملية، مثل تقليل عدد الضيوف، ومراقبة الأسعار وتوقيت تذاكر الطيران، أو تغيير أماكن بعض العروض، ومستوى الإقامة. وتقليص عدد الصحفيين والإعلاميين المدعوين، أو تخفيض فترة إقامة الضيوف. وكل هذه الحلول قد تكون لها تبعات سلبية على صورة المهرجان.

    وأوضح: “لا يوجد مهرجان في العالم، مهما بلغ حجمه، لا يعاني من مشكلات مالية، باستثناء مهرجان “كان” السينمائي. الذي يعد أهم حدث سمعي بصري في العالم بعد كأس العالم لكرة القدم. ويقام سنويا بإمكانات ضخمة، ولا يقتصر على المسابقات الرسمية فقط، ولكنه سوقا سينمائيا كبيرا”.

    وقد أعلنت إدارة مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، في حفل ختام دورة هذا العام، أن عدد الجمهور تجاوز 10 آلاف شخص. وأن نسبة الأفلام المتقدمة للمشاركة زادت بنسبة 200% مقارنة بالعام الماضي.

    ومن جانبه، أشار المنتج السينمائي شرف الدين زين العابدين، رئيس مهرجان الداخلة السينمائي في المغرب- على هامش فعاليات مهرجان الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير- إلى أن مشكلة تمويل المهرجانات موجودة في كل العالم العربي. وأن المشكلة الكبرى تتمثل في غياب اهتمام القطاع الخاص بالثقافة. مما يوجب على الدولة أن تساهم في حل هذه المشكلة. كما دعا المهرجانات السينمائية إلى ضرورة التفكير في توفير مصادر تمويل ذاتية.

    اقرأ أيضا:

    «محمود حميدة» في ندوة أرشفة التراث: التراث ليس للفخر فقط بل للتأمل

  • «محمود حميدة» في ندوة أرشفة التراث: التراث ليس للفخر فقط بل للتأمل

    «محمود حميدة» في ندوة أرشفة التراث: التراث ليس للفخر فقط بل للتأمل

    أقيمت ندوة بعنوان «رقمنة التراث الفني وأرشفة التاريخ السينمائي»، ضمن فعاليات الدورة الحادية عشرة من مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»، وذلك بالمتحف اليوناني الروماني. تناولت الندوة عدة محاور حول أهمية حفظ التراث الفني وتوثيقه باستخدام التكنولوجيا الحديثة، في ظل التحديات التي تهدد ذاكرة السينما المصرية.

    مناقشة التراث

    أدارت الجلسة الفنانة «بشرى»، التي بدأت حديثها قائلة: “إننا في المكان المناسب لمناقشة التراث، ونحن في عبق التاريخ نتحدث عن رقمنة التراث وأرشفة التاريخ. وأرى أننا متأخرون في هذه الخطوة”. وأضافت أن وجود النجم «محمود حميدة» ليس بصفته فنانا فقط، بل لمساهمته أيضا في الصناعة. كما أشادت بمشاركة المخرج السكندري الشاب صاحب مبادرة «تراثنا وأجيالنا»، و«خالد حميدة» رئيس شركة «ديچاتيزيد» المعنية بجمع التراث الفني. بالتعاون مع عدد كبير من المثقفين والمبدعين المؤمنين بالفكرة.

    بدأ المخرج حازم العطار حديثه موضحا أن مبادرة “تراثنا وأجيالنا” تستهدف الأطفال حتى سن 18 عاما، قائلا: “بدأنا منذ عامين نعرف الأطفال بالتاريخ والتراث المصري من خلال صناعة الأفلام. فقد صنعنا فيلما من بطولة مجموعة من الأطفال في متحف الإسكندرية القومي، وبالتعاون مع وزارة السياحة والآثار قدمنا معلومات عن تاريخ المتحف نفسه. ثم تعاونا مع المتحف القومي للحضارة ووزارة الثقافة، وخلال الفترة المقبلة سيكون هناك تعاون مع جهات أخرى”.

    ضياع التراث

    وعن تخوفه من ضياع التراث، استرجع «العطار» بعض المواقف من ذاكرته، فقال إنه في عام 2018، وبجوار سينما رمسيس ـ التي تحولت حالياً إلى قاعات أفراح ـ وجد بائع أنتيكات لديه نيجاتف لأول فيلم عُرض في الإسكندرية. ولديه كنزا سينمائيا حاول التفاوض معه لشرائه، لكنه رفض. وأكد أن التوثيق في حد ذاته هدف رئيسي للمبادرة. كما ذكر أن شخصا أهداه كتابا يحتوي على أول نسخة من القانون المدني، كتبه أحمد أفندي زغلول – شقيق سعد زغلول- وقال له إنه وجده في القمامة أثناء تنفيذ مشروع المحمودية.

    وأضاف أنه وجد لوحة سانت كاترين التاريخية تباع في سوق الجمعة بمبلغ 500 جنيه فقط، لذلك فكر جديًا في مبادرة لحفظ التراث من الضياع. وأقر باستخدام البرامج والتقنيات الحديثة، لكنه أوضح أنه لا يعتمد على معلومات وبيانات برامج الذكاء الاصطناعي بشكل كامل.

    نقاش بين محمود حميدة ومحمد العدل
    نقاش بين محمود حميدة ومحمد العدل
    الوعي بأهمية التراث

    أكد الفنان محمود حميدة أن المشكلة الأساسية في حفظ التراث وأرشفته تكمن في الوعي. وأشار إلى أنه في بداية عمله بالسينما، لاحظ أن النيجاتيف السينمائي يباع لأشخاص. وأن الناقد سامي السلاموني أثار هذه القضية قائلا إن هذه المواد تعد من الآثار، ولا يجوز بيعها، لكن البعض سخر منه حينها، ما يظهر غياب الوعي.

    وأضاف: “لدينا أفلام كثيرة أحرقت لاستخراج الفضة، وأعتبر كاميرا السينما وعاءً لتاريخ الزمني والجغرافي. لذلك، من الضروري الوعي بأهمية حفظ وأرشفة التراث”. وشرح «حميدة» مصطلح “مذبحة الأفلام”، موضحا أن السينما بدأت صامتة. ثم أضيف إليها شريط الصوت، ثم تطورت أدوات العرض، وتأخر السرد القصصي الذي يعد جوهر السينما. ثم دخل عليها اللون بعد الأبيض والأسود- الذي كان يسمى “ظل ونور”- وسمي دخول الألوان بـ”مذبحة الأفلام” لفقدان أصل الرسم بالنور.

    وأكد أنه شاهد بعض الأفلام قبل وبعد تلوينها، ووجد فرقا كبيرا بين النسختين، مضيفا: “مجرد استخدام تكنولوجيا جديدة، يعني أنك تفسد الأصل وتذبحه”. وأشار إلى أن دخول تقنيات جديدة في عالم السينما يقابل غالبا بالاستغراب. خاصة من كبار المهنة، مثل برامج المونتاج الحديثة، لأنهم اعتادوا العمل اليدوي. وهذا ليس في مصر فقط، بل في العالم كله. وقال: “نضطر أحيانا لإحضار شخص يشغل هذه الأجهزة على مضض”.

    الخوف من الذكاء الاصطناعي

    ويرى «حميدة» أن أي أداة جديدة يجب النظر إليها كوسيلة معرفية، مؤكدا أنه يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة جديدة لا تستوجب الذعر. وأبدى تعجبه من خروج مظاهرات في أنحاء العالم ضد استخدام الذكاء الاصطناعي، متسائلا: “كيف ننظر إلى التطور؟”. وأوضح أن الناس يتعاملون مع التطور بأحد وجهين: إما الرفض- ومصير هذا الانقراض- أو القبول، وهو ما يؤدي إلى الاستمرار، وأعتبر أن الذعر من الذكاء الاصطناعي مبالغ فيه.

    وقال: “رشيدة عبد السلام، مثلا، لا تتقبل التطور الحالي، وكثير من كبار المخرجين في العالم يرفضونه. لكن، لكي نتعامل مع التطور، يجب أن نقبله ونتعلمه، وإلا سنندثر”. وتوقع أن تظهر أدوات جديدة قد تلغي وظيفة الممثل، لكن الدكتور «محمد العدل» عارضه، معتبر ذلك مستحيلا. ورد عليه «حميدة» قائلا: “سافرنا بالحمار، والآن نسافر بالطائرة، ولم نكن نتخيل ذلك يوما”.

    وفي السياق نفسه، أكد «حميدة» أن العالم الجديد قائم على التعاون والتكامل بين المؤسسات والمنظمات، وليس هناك ملكية فكرية مطلقة، قائلاً: “أؤكد دائماً أن التراث لا يجب أن يكون مدعاة للفخر أو اليأس فقط، بل هو موضع تأمل للاستفادة من الماضي. يجب أن نسأل: كيف ولماذا حدث هذا في ذلك الوقت؟ فالمعرفة قوة دافعة ومحركة”.

    جلسة رقمنة التراث بالمتحف اليوناني الروماني
    جلسة رقمنة التراث بالمتحف اليوناني الروماني
    مشروع أرشفة التراث

    أرجع «خالد حميدة»، رئيس شركة «ديچاتيزيد»، فكرة مشروع الأرشفة إلى الفنان محمود حميدة واصفا إياه بالملهم الأكبر لها، وأوضح أن الشركة بدأت العمل فعليا منذ عام لجمع البيانات. وكانت البداية من زياراته للمناطق الأثرية والصحاري. وأشار إلى أنه نشأ في بيت فني. وأن عمله في المجال التكنولوجي حفزه لوضع هدف يتمثل في عدم ضياع الإرث الفني.

    وأضاف أن صناعة السينما تمثل جزءا من المشروع، الذي بدأ كفكرة حضارية تهتم بأرشفة الطعام المصري، رغم سخرية البعض. معتبرا أن ذلك يمثل جزءا من ثقافة البلد، إلى جانب الملابس وأصولها، والتراث الذي يختفي تدريجيا. وأكد أن المبادرة ليست مادية في المقام الأول. بل تعتمد على رفع الوعي بأهمية المشروع، حتى يقبل الناس على دعمه ومساهمته. وأشار إلى أن الهدف هو أن يكون المشروع متاحا للجمهور.

    واختتم حديثه، بأن مكرم سلامة شرح لهم في بداية المشروع. وبعد مشاهدة آلاف النيجاتيفات، كيف كان يتم حرقها لاستخراج معدن الفضة، وأن بعضها قد سرق، وبيع جزء منها في الخارج. وأن ما نملكه من إرثنا الفني من أصل 208 أفلام روائية لا يمثل سوى نسبة بسيطة، فضلا عن الأنواع الأخرى. لذا نحاول أن ننقذ ما يمكن إنقاذه.

    اقرأ أيضا:

    «الإسكندرية للفيلم القصير» يختار 11 فيلما في مسابقة أفلام الذكاء الاصطناعي

  • «الإسكندرية للفيلم القصير» يختار 11 فيلما في مسابقة أفلام الذكاء الاصطناعي

    «الإسكندرية للفيلم القصير» يختار 11 فيلما في مسابقة أفلام الذكاء الاصطناعي

    تتواصل حتى الثاني من مايو فعاليات الدورة الحادية عشرة من «مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير»، الذي تنظمه جمعية «دائرة الفن»، بمشاركة أفلام من مصر ومختلف أنحاء العالم. ويمنح المهرجان هذا العام اهتماما خاصا بالأفلام المصنوعة بتقنيات الذكاء الاصطناعي(AI)، في محاولة لاستكشاف مستقبل الصناعة السينمائية.

    حفل افتتاح المهرجان

    رغم تأخر بدء مراسم افتتاح المهرجان عن موعده بحوالي ساعة. إلا أن الجمهور تفاعل سريعًا وبسعادة مع المعزوفات الموسيقية لفرقة الأنفوشي للموسيقى، التي قدمت ميدلي من أشهر أغاني أفلام السينما المصرية.

    بدأت المعزوفات بـ”سلام لغزة”، ثم الموسيقى التصويرية لمجموعة من الأفلام، منها: “الطريق إلى إيلات”، “ملاكي إسكندرية”، “الراقصة والسياسي”، “الناظر”، “مرجان أحمد مرجان”، “الإرهاب والكباب”، “عريس من جهة أمنية”، “البيضة والحجر”، “مستر كاراتيه”، “صعيدي في الجامعة الأمريكية”، “اللي بالي بالك”، “الكيف”، و”العار”، واختتمت بأنغام “فيها حاجة حلوة” من فيلم “عسل أسود”.

    وقدمت حفل الافتتاح الفنانة بشرى، التي أشادت بصناع مهرجان الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير، مشيرة إلى أنهم تركوا أثرا كبيرا في صناعة السينما رغم عملهم بأقل الإمكانيات. شهد الحفل حضور عدد من النجوم، منهم: محمود حميدة، ريهام عبد الغفور، أحمد مالك، مجدي أحمد علي، محمد العدل، شيري عادل، سلوى محمد علي، أمير رمسيس، يسري نصرالله وغيرهم. والحفل من إخراج أحمد عسكر.

    وعبر الرئيس الشرفي للمهرجان، محمد العدل عن سعادته قائلاً: “سعيد بالشباب القائمين على هذا المهرجان، فهو المهرجان الوحيد في مصر الذي ينظمه شباب من أبناء المحافظة، وهو والوحيد أيضا ـ بخلاف مهرجان القاهرةـ الذي يحضر أفلامه جمهور من أبناء محافظته. كما أنني سعيد بزيادة عدد النجوم المشاركين كل عام”.

    رئيس والمدير الفني للمهرجان في استقبال ريهام عبدالغفور
    رئيس والمدير الفني للمهرجان في استقبال ريهام عبدالغفور
     تكريم ريهام عبدالغفور وأحمد مالك

    اختتم حفل الافتتاح بتكريم الفنانة ريهام عبدالغفور والفنان الشاب أحمد مالك. وقدم الفنان خالد كمال درع التكريم لريهام، التي عبرت عن سعادتها لتكريمها في الإسكندرية للمرة الثانية. وأهدت التكريم إلى والدتها، ووالدها، الذي كان سببا في حبها للفن.

    وفاجأ النجم طه الدسوقي الجميع بظهوره على المسرح لتقديم جائزة أحمد مالك، قائلا: “سعيد للغاية بوجودي في المهرجان، ولتقديم الجائزة لفنان شاب كان مصدر إلهام لي منذ صغري. فهو يمثل جيله بوعي وثقافة. رغم أنني أكبر منه بثلاثة أعوام. إلا أن طاقته في العمل تجعلني أشعر أنني أكبر منه بعقود، وهو أقدم مني أيضا. إذ يعمل في الفن منذ 15 عاما”.

    وتفاجأ أحمد مالك بوجود طه الدسوقي، وقال: “سعيد جدا لوجود شريكي في الرحلة والنجاح. ولن أنسى عمري هذه اللحظة أبدا. التكريم في حضور أساتذة كبار يشعرني بالخجل، وبالنسبة لي، فإن الشغف والمجهود هما أساس النجاح. هذا هو أول تكريم لي وإسكندرية أصبحت مدينة عزيزة على قلبي، وسيظل هذا التكريم مهما في مسيرتي”.

     طه الدسوقي يقدم التكريم لأحمد مالك
    طه الدسوقي يقدم التكريم لأحمد مالك
     أفلام الذكاء الاصطناعي

    بالتعاون مع مركز الجزويت الثقافي بالإسكندرية، عرض المهرجان أفلام مسابقة الذكاء الاصطناعي، ومنها: “سيطرة الظلمة”، “الأسطورة”، “الصالون”، “حوارات منسية”، “مأساة ليو”، “لقتلهم جميعا”، “القصر”، “بيتا”، “ملك البرجر”، “نسخة تجريبية”. أعقب العروض جلسة نقاشية مع عدد من المخرجين. من بينهم: أمل عسكر ومارك حنين (من مصر)، ومراد حنا (من الجزائر). وأبدى الجمهور تخوفه من استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الأفلام. مؤكدين أهمية العنصر البشري والمشاعر في العمل الفني.

    وأوضحت المخرجة أمل عسكر أن فكرة الفيلم جاءت من عملها في مجال الإعلانات. مشيرة إلى أن صناعة السينما تتغير بسرعة، وأصبحنا لا نحتاج إلى ممثلين ولا كاميرات تصوير. إذ يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في مشهد واحد فقط، وأضافت أن الذكاء الاصطناعي يقلل من التكلفة. فبدلا من السفر إلى القمر مثلا، يمكننا تصوير المشهد بالكمبيوتر.

    وقالت: “كل ما يمكن تخيله يمكن صناعته بالذكاء الاصطناعي بتكلفة أقل، لذا يجب استغلاله. وفي رأيي، هو مجرد أداة يستخدمها الإنسان للتعبير عن مشاعره، ولن يمكن الاستغناء عنها مستقبلا”.

    الحلقة النقاشية مع بعض مخرجي أفلام الذكاء الاصطناعي في مركز الجزويت
    أهمية الـAI

    وأكد المخرج مراد حنا أهمية الذكاء الاصطناعي في إنجاز كل ما يريده المخرج في وقت قصير وبتكلفة أقل من المعتاد. وأوضح أن فيلمه الحالي أنجزه خلال 10 أيام فقط، بينما استغرق منه فيلم رسوم متحركة سابق 8 أشهر من العمل. واستطرد قائلا: “حتى لو استخدمنا الذكاء الاصطناعي عبر جهاز كمبيوتر، فإن الإنسان يظل المتحكم الأساسي فيه، والإبداع في المقام الأول إنساني، لذا لا غنى عن العقل البشري”.

    وبرر المخرج مارك حنين استخدامه للذكاء الاصطناعي في فيلمه، موضحا أنه كان بحاجة إلى صوت آلي خال من العاطفة. لذا فكر في تنفيذ فيلم باستخدام الذكاء الاصطناعي”. وأشار إلى أن التخوف الكبير من الذكاء الاصطناعي، باعتباره بديلا للإنسان، ليس مبررا في رأيه. إذ يعتبره أداة اخترعها الإنسان لتسيير عمله، تماما كأي تقنية أخرى. وأضاف: “هناك أفلام كثيرة  في تاريخ السينما من صناعة بشرية 100%، ورغم ذلك لم تكن مؤثرة أو تحمل مشاعر، لذا فليست الأداة هي ما تصنع التأثير دائما”.

    اقرأ أيضا:

    «سيرة الإسكندرية»: مبادرة تطوعية للتعرف على تراث المدينة

  • «سيرة الإسكندرية»: مبادرة تطوعية للتعرف على تراث المدينة

    «سيرة الإسكندرية»: مبادرة تطوعية للتعرف على تراث المدينة

    «سيرة الإسكندرية» هي مبادرة تطوعية انطلقت في بداية العام الجاري، تهدف إلى التعريف بتراث وتاريخ المدينة. وتأتي هذه المبادرة استكمالا لفكرة «الجولة» التي أطلقها الشاب السكندري «مينا ذكي» قبل سبع سنوات، حيث بدأها بمجهود فردي بعد تخرجه من جامعة الإسكندرية، تخصص الآثار اليونانية والرومانية.

    بداية مبادرة «الجولة»

    يقول مينا ذكي لـ«باب مصر»: “الجولة كانت مبادرة فردية تطوعية بدأت في عام 2017. عندما استضاف أحد أصدقائي ضيوفا إيطاليين من كبار السن، كانوا يتمنون زيارة مصر منذ سنوات عديدة. استعان بي صديقي لسؤالي عن الأماكن التي يمكن زيارتها بالإسكندرية. وذهبنا في جولة بعد تحديد عدد من الأماكن الأثرية المميزة في المدينة. وتعرفت على الضيوف، وفوجئت بأنهم كانوا يتمنون زيارة الإسكندرية منذ 50 عاما. حيث كان من المقرر أن تكون وجهة إجازة بالنسبة لهم، ولكنها تأجلت كثيرا”.

    وتابع: بانتهاء الزيارة كانوا سعداء جدا بالجولة. ولسعادتي أيضا كتبت منشورا على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” بما حدث مع الضيوف الإيطاليين والأماكن الأثرية التي قمنا بزيارتها. ولكن ما أثار تعجبي هو التعليقات على هذا المنشور. حيث تفاجأت بعدد من التعليقات التي لا تعلم هذه الأماكن الأثرية في الإسكندرية. وكان من المعلقين مصريون وسكندريون أيضا! فاقترحت عليهم أن نحدد يوما للقيام بجولة لزيارة بعض الأماكن الأثرية في الإسكندرية والتعرف عليها. وبالفعل، قمنا بهذه الجولة، وتعجب الكثيرون من وجود آثار في الإسكندرية. ولكنهم سعدوا بالجولة في النهاية.

    تعريف الناس بالجولات

    واستطرد حديثه: “فكرت في الاستمرار في هذه الجولات لتعريف الناس بالأماكن الأثرية والمميزة في مدينة الإسكندرية. وأنشأت صفحة على “فيسبوك” باسم “الجولة” وحددت يوم الجمعة من كل أسبوع لزيارة بعض الأماكن المحددة مسبقا. في الجولة الأولى حضر حوالي 15 فردا، والثانية حوالي 12 فردا، أما الجولة الثالثة فلم يحضر أحد. ورغم حزني الشديد من ذلك، لم استسلم وقررت الاستمرار. وفوجئت في الجولة الرابعة بحضور وفد من 76 شخصا من 11 جنسية مختلفة، كانوا موجودين بالإسكندرية في برنامج تبادل طلابي وسعدوا جدا بالجولة”.

    وأضاف: “في الجولة التي تلتها، حضر 40 فردا من الصم والبكم من أحد البرامج في مكتبة الإسكندرية. وكانت هذه الجولة فارقة في تاريخ المبادرة، حيث شعرت بأهمية هذه الجولات وسعادة الكثيرين من مختلف الفئات بها. واستمرت المبادرة لمدة 7 سنوات، قمنا خلالها بـ325 زيارة استقبلنا خلالها 40 ألف ضيف من 30 دولة حول العالم ومن 15 محافظة مصرية. كما قمنا بجولات في 17 محافظة أخرى منها مرسى مطروح، البحيرة، كفر الشيخ، بورسعيد، الإسماعيلية، السويس، طنطا، الشرقية، وواحة سيوة”.

    من الجولات الخاصة بالأطفال
    من الجولات الخاصة بالأطفال
    «سيرة الإسكندرية»

    واستطرد “مينا” قائلا: “نظمنا أيضا جولات خاصة بالأطفال، وقدمنا لهم شرحا للتاريخ لهم بشكل بسيط، كما وفرنا وسائل إيضاح  مثل الملابس الفرعونية وتاج الملوك وغيرها”. ولكن مع استمرار الجولات لمدة سبع سنوات وتكرار نفس الأماكن عشرات المرات، ووجودي كمتطوع ومسؤول وحيد في المبادرة. بدأ شعور التعب والملل ينتابني. وأعلنت على صفحة المبادرة في بداية عام 2025 عن توقفها. وبالطبع، كان قرارا صادما وأحزن الكثيرين من الأفراد والمؤسسات الأثرية أيضا.

    ثم جاءت فكرة التحول إلى “سيرة الإسكندرية” في بداية هذا العام، وكان من المقرر أن تكون توثيقا مرئيا ومعلوماتيا فقط عن الأماكن الأثرية. ولكن تواصل معي عدد من الأصدقاء من رواد “الجولة” ومتخصصين في التراث والآثار، وعرضوا فكرة استمرار الجولات والمشاركة بالشرح معي. وبالفعل تم التنسيق لعودة الجولات. بالإضافة إلى التواصل مع أصدقائي القائمين على مبادرتي “سيرة القاهرة” و”القاهرة عنواني”، المهتمين بتراث العاصمة. واتفقنا على تبادل الزيارات فيما بعد.

    وتختلف “سيرة الإسكندرية” عن “الجولة” في عدة نقاط؛ أولها أن الزيارة الميدانية لا تقتصر على يوم الجمعة من كل أسبوع فقط، وأيضا وجود متخصصين آخرين يشرحون للجمهور (بعدما كنت قائما على الجولات بمفردي لمدة سبع سنوات). وأماكن الزيارات أصبحت غير مقتصرة على الأماكن الأثرية فقط، بل شملت الأماكن التراثية والقديمة والمميزة في الإسكندرية.

     من إنجازات المبادرة 

    وأوضح “مينا” أنه فخور جدا بالمبادرة وبما حققته على مدار الفترة الماضية، ذاكرًا عدة مواقف لا يمكن نسيانها ويعتبرها من إنجازات المبادرة على أرض الواقع. منها، أن دير “سيدة النياح” بمنطقة المنشية بالإسكندرية، الذي يتجاوز عمره أكثر من 150عاما، كان يضم 6 رهبان رجال تجاوزت أعمارهم الـ70 عاما. توفي بعضهم وهاجر الآخرون إلى روما، وتم غلق المكان لمدة 31 عاما. فقامت المبادرة بالتواصل مع السفارة الإيطالية التي تواصلت بدورها مع رئاسة الطائفة. وأرسلوا لنا مفاتيح الدير مع السفارة الإيطالية. وبالفعل فتحنا الكنيسة وقمنا بعدة زيارات لها.

    كما تبرعت باسم المبادرة (من مالي الشخصي) لعدد من الجهات الأثرية، حرصا مني على ظهور هذه الأماكن بشكل لائق خلال الزيارات المتكررة. منها: ترميم اللافتة الخارجية واللوحات الإرشادية للمدرج الروماني، وتقديم تبرعات للآثار الغارقة لطباعة عدة لوحات، ولعمود السواري لإقامة ممر خشبي لتمر عليه الزوار وصولا للعمود، وكذلك لكوم الشقافة لطباعة 12 لافتة للرسومات التي كانت على المقابر وطمست بفعل العوامل الجوية، وغيرها.

    من جولات شوارع الإسكندرية القديمة
    من جولات شوارع الإسكندرية القديمة
    أول وفد سياحي

    وأضاف مينا أن المبادرة تعاونت في فعاليات كثيرة مع الإدارة العامة للسياحة والمصايف، منها استقبال أول وفد سياحي يوناني في ميناء الإسكندرية بعد انقطاع لمدة 12 عاما. واصطحبناهم في برنامج زيارة بعنوان “إسكندرية اليونانية”. حدث موقف إنساني مؤثر جدا عندما طلبت سيدة يونانية البحث عن قبر والدتها التي كانت لا تعلم مكانه. وبالفعل ساعدناها بالبحث في السجلات بالمقابر اليونانية، ووجدت قبر والدتها بعد أن فقدت الأمل في ذلك.

    وموقف أخر حدث في عام 2020 عندما جاء مواطن يُدعى “كيڤين” من چامايكا، يبحث عن قبر جندي من بلدتهم (صديق جده) توفي في الحرب العالمية الأولى عام 1916. وبعد بحث دام ثلاثة أيام متواصلة، وجدنا شاهد القبر في مقابر الحرب العالمية الثانية في “المنارة”. وكانت لحظة إنسانية مؤثرة بشدة.

    وفي النهاية، تمنى “مينا ذكي” النجاح لمبادرة «سيرة الإسكندرية» واستفادة عدد أكبر من الجمهور من استكشاف الأماكن التراثية والأثرية في الإسكندرية.

    اقرأ أيضا:

    «مينيكه شيبر» في مكتبة الإسكندرية: التاريخ المنسي للنساء «الأرامل»

  • «مينيكه شيبر» في مكتبة الإسكندرية: التاريخ المنسي للنساء «الأرامل»

    «مينيكه شيبر» في مكتبة الإسكندرية: التاريخ المنسي للنساء «الأرامل»

    نظمت مكتبة الإسكندرية ندوة لمناقشة أحدث أعمال الكاتبة الهولندية «مينيكه شيبر» بعنوان «الأرامل».  ناقش العمل المترجم عبدالرحيم يوسف، وأدار الندوة الكاتب منير عتيبة. تُعد «شيبر» كاتبة وأكاديمية وروائية هولندية، درست اللغة الفرنسية والفلسفة في جامعة أمستردام الحرة، كما درست النظرية الأدبية والأدب المقارن في جامعة أوتريخت. وبدأت حياتها العملية بتدريس اللغة الفرنسية والأدب الإفريقي.

     الأرامل: التاريخ المسكوت عنه

    في بداية حديثها أوضحت «شيبر» أنها تولي اهتماما خاصا بالأرامل من النساء، إذ طالما فاق عددهن عدد الأرامل من الرجال. ووفقا لتقديرات عام 2021، توجد 258.5 مليون أرملة في مختلف أنحاء العالم. وتعيش واحدة من كل عشر أرامل في فقر مدقع. ولطالما جرى تجاهل هذا البعد الديموغرافي، حتى من جانب الحركات النسوية.

    وأضافت «شيبر» أنها بدأت البحث في مشكلة الأرامل أثناء عملها على كتابها السابق “إياك والزواج من كبيرة القدمين”، الصادر عام 2004، والذي كان أول أعمالها المترجمة إلى العربية. وقد جمعت فيه آلاف الأمثال عن النساء من مختلف أنحاء العالم، وخصصت عشر صفحات فقط للأرامل. وقد لاحظت أن التصورات حول النساء كأشياء قابلة للتبديل كانت واسعة الانتشار.

    وقالت «شيبر»: “أثار ذلك فضولي وبدأت الغوص في عالم الترمل الخفي. وعلى الرغم من الاختلافات الكبيرة في التقاليد، كان من المدهش اكتشاف عناصر مشتركة في التاريخ العالمي”. وقد تناول الكتاب ثمانية فصول تتنوع بين: الفراق، والحداد، وثياب الأرملة الجديدة، ومصاحبة الزوج في الموت، والاتهام بالسحر، والجنس، والملكية والمصادرة، وأخيراً أمثلة لأرامل ينهضن من الرماد والأسى. تظهر هذه الموضوعات، في جوهرها، ليس فقط واقع الأرامل بل تاريخا أوسع للنساء عبر العصور، نساء خضعن للتحكم والسيطرة، ونادرا ما سئلن عن نوعية الحياة التي يرغبن بها لأنفسهن.

     العادات والتقاليد المفروضة على الأرامل

    واستطردت «شيبر» حديثها موضحة أنها اكتشفت الكثير من العادات والتقاليد المفروضة على الأرامل خلال بحثها. وأشارت إلى أن بعض التقاليد تفرض على الأرملة العويل الإجباري، لفترة تتراوح بين بضعة أيام إلى ستة أشهر أو حتى سنتين بعد وفاة الزوج، حتى يتأكد أهل الزوج من أنها تظهر حزنها بالشكل المناسب. وأضافت أن النساء كن يرتدين الحجاب الأسود أو قبعات بها حجاب أسود في الجنازات حتى وقت متأخر من القرن العشرين، كما فعلت چاكلين كيندي في جنازة زوجها الرئيس الأمريكي چون كنيدي، حيث غطت وجهها بحجاب الحداد.

    وفي ثقافات أخرى، بينما كان وجود الزوج مصدرا للاحترام، كان الترمل يعد كارثة اجتماعية وعاطفية للأرملة. فمثلا، هناك قول شائع في مالي يختزل المرأة بتحولها إلى “شجيرة تافهة” بعد فقدان زوجها. كما تعرض عدد لا يحصى من الأرامل للدفن أو الحرق أحياء، أو الشنق، أو الخنق، أو قطع الرأس، أو حتى إطلاق النار عليهن، ليلحقن بأزواجهن المتوفين في الحياة الأخرى.

    وأشارت إلى صور التقطت لطفلات أرامل في ملجأ في دلهي منذ عشرينيات القرن العشرين، إذ كان يشترط على الأرملة، حتى الطفلة، البقاء عفيفة مدى الحياة. ففي الهند، كان يطبق ذلك حتى على الأطفال الصغيرات اللواتي يترملن قبل إتمام الزيجة. بمجرد طلب الرجل من المرأة الحامل أن تزوجه ابنتها بعد الولادة، ثم يموت قبل إتمام الزيجة تصبح الطفلة منذ ولادتها أرملة ويجب عليها البقاء دون زواج طوال حياتها.

    التمرد على التقاليد

    ذكرت «شيبر» أنه حتى اليوم، تتزوج حوالي 12 مليون فتاة تحت سن 18 عاما، أي واحدة من كل خمس زيجات. وسردت مثالا لاحتجاج شاركت فيه مجموعة كبيرة من الأرامل ضد استبعادهن من مهرجان الربيع. ارتدين فيه ملابس ملونة، مخالفات التقاليد التي تفرض عليهن ارتداء الأبيض، كما تمردن على قوانين صارمة، مثل تلك التي تطبق في الصين بصرامة بشأن ميراث الأرامل لمنع زواجهن مرة أخرى.

    وأشارت إلى أن كسر هذه القواعد والتحيزات المتجذرة يتطلب قوة وشجاعة كبيرتين، وأضافت: “كل تحرر يبدأ بفرصة لاكتساب المعرفة. لكن، ثمة مقولة قديمة في أوروبا تقول: المعرفة تسبق الفضيلة عند الرجال، والفضيلة تسبق المعرفة عند النساء. بينما تقول مقولة صينية: “المرأة دون مواهب، تبلي بلاء حسناً بالفعل”. كرجل، أنت لست بحاجة إلا إلى رحمها كي تنجب أطفالاً!”.

     بعض النماذج لأرامل مختلفات

    اختتمت «مينيكه شيبر» اللقاء بذكر عدد من الأرامل الملهمات، منهن:  الصينية “تاو هوائي”، التي أصبحت مليونيرة بعد إطلاق علامتها التجارية عقب وفاة زوجها، لتتمكن من العيش وتربية أطفالها.

    أما الباكستانية “خديجة”، فقد حصلت على حقها في قطعة أرض حُرمت منها، بفضل برنامج تدريبي تابع للأمم المتحدة. وفي الهند، ثابرت “مارتا أليسيا بيناڤينتي”، وتعلمت رغم فقرها، وتمكنت من تأسيس مشروع لإنتاج مصابيح شمسية منزلية تنير قريتها التي لا تعرف الكهرباء. فبرغم كل القواعد الخانقة، نجح كثير من الأرامل في بناء حياة جديدة بعد فقدان أزواجهن.

    أهم أعمالها

    من الجدير بالذكر أن أطروحة «شيبرد» للدكتوراه عام 1973 كانت أول رسالة دكتوراه في هولندا تتناول الأدب الإفريقي. وما تزال تحتفظ بمنصبها كباحثة في مركز جامعة لايدن للآداب والفنون. لكنها متفرغة حاليًا للكتابة.

    وقد صدر لها باللغة العربية:

    •  إياك والزواج من كبيرة القدمين: النساء في أمثال الشعوب (2008).
    • “المكشوف والمحجوب.. من خيط بسيط إلى بدلة بثلاث قطع” (2017).
    • “ومن بعدنا الطوفان.. حكايات نهاية البشرية” (2018).
    • “تلال الفردوس.. تاريخ الجسد الأنثوي بين السلطة والعجز” (2020).
    • “الأرامل” (2022).

    وبالإضافة إلى كتبها الروائية والبحثية، كتبت «مينيكه» مقالات ودراسات للعديد من الصحف والمجلات في هولندا وخارجها، إلا أن شهرتها الأوسع جاءت من دراساتها حول أدب المرأة.

    كما ألفت ما يقرب من عشرين كتابا، بعضها منفردة، وبعضها بالاشتراك مع باحثين آخرين، من أبرزها:

    • “المسرح والمجتمع في إفريقيا” (1982).
    • “ما وراء الحدود: النص والسياق في الأدب الإفريقي” (1989).
    • “أصل كل الشرور: أمثال ومقولات إفريقية عن النساء” (1991).
    • “وفي البدء لم يكن هناك أحد: كيف جاء أول الناس إلى العالم” (2010).
    • “آدم وحواء في كل مكان: أول شخصين في اليهودية والمسيحية والإسلام (2012).
    اقرأ أيضا:

    المؤرخ الفرنسي «هنري لورنس»: الغرب يجب أن يراجع تاريخ «فلسطين»

  • المؤرخ الفرنسي «هنري لورنس»: الغرب يجب أن يراجع تاريخ «فلسطين»

    المؤرخ الفرنسي «هنري لورنس»: الغرب يجب أن يراجع تاريخ «فلسطين»

    ألقى المؤرخ الفرنسي «هنري لورنس»، محاضرة خاصة في المعهد الثقافي الفرنسي بالإسكندرية، ضمن فعاليات برنامج «هنا فلسطين»، وهو حدث يكرم الثقافة الفلسطينية، وكذلك الجهات الفاعلة في المشهد الفني الفلسطيني في مصر. ويعد «لورنس» المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، من أبرز الخبراء في قضايا المنطقة التاريخية والسياسية. وقد كتب كثيرا عن فلسطين، وتناول القضية الفلسطينية في كتابه «القضية اليهودية والمشاكل العربية»، وهو ما استعرضه في محاضرته.

    القضية اليهودية

    في البداية تحدث «لورنس» عن سبب اختياره لعنوان كتابه «القضية اليهودية والمشاكل العربية»، وقال: “العنوان يشير إلى وجود قضية أو ملف يجب مناقشته. فعند الحديث عن المساواة في الحقوق، لا ينبغي أن تكون هناك أطروحات جانبية، فالجميع متساوون في الحياة”.

    وتابع: يناقش الكتاب أيضا فترة الثورة الفرنسية ورغبة الفرنسيين في تحرير اليهود، وخاصة من كان يطلق عليهم “اليهود البرتغاليون”، بخلاف يهود الشرق “الأشكيناز” الذين واجهوا مشاكل معينة. وقد حاول الملك لويس السادس عشر إصلاح وضعهم من خلال إصدار بعض القوانين الخاصة بهم.

    الدعوات ضد اليهود

    استطرد «هنري لورنس» في حديثه قائلا إنه هناك دعوات عديدة ظهرت ضد اليهود، نتيجة اختلاف التفسير الديني بين المسيحيين واليهود. مما أدى إلى ظهور ما يعرف بـ”معاداة السامية”. وأضاف أن فكرة ربط اليهود بالحداثة كانت متناقضة. فهم لم يشاركوا فيها بفعالية، بل اتهموا بأنهم أدواتها في تفكيك المجتمع التقليدي.

    يقول: “ظهرت محاضرات ومؤلفات عديدة حول “نظرية المؤامرة”، لا سيما كتاب “بروتوكولات حكماء صهيون” الذي نشر في أوائل القرن العشرين. وبدأ رفض مبدأ المساواة في الحقوق في فرنسا، وبدأ ينظر إلى كل ما هو “غريب” على أنه تهديد للهوية الفرنسية. في ألمانيا، اتخذت معاداة السامية طابعا أكثر حدة، وتم تصوير اليهود على أنهم غرباء عن التاريخ الفرنسي.

    ثم جاء الحدث الفظيع وهو معاداة السامية والقتل الجماعي لليهود خلال الحرب العالمية الثانية. بعد ذلك، انتقل اليهود إلى فلسطين، حيث كانت لديهم رغبة في إنشاء دولة يهودية، لكن واجهوا مشكلة وجود سكان عرب في المنطقة. وظهرت فكرة “تدمير يهود أوروبا” في ثلاثينيات القرن العشرين”.

    حدثت موجات من معاداة السامية في نهاية القرن الـ19، تبعتها اضطهادات دفعت اليهود إلى الهجرة. وأصبح بعضهم يعيش في الريف ويحمل السلاح للدفاع عن نفسه. وقيل حينها إن الحل هو إرسال اليهود إلى فلسطين. وفي عام 1920، وصف اليهود بأنهم “غير مرغوب فيهم”. وعام 1930 أصبحت علاقتهم بالحركة النازية أوثق. ومن المفارقات، كما يقول لورنس، أنهم ربما كانوا بحاجة إلى فكرة “معاداة السامية” لدفعهم نحو الهجرة إلى فلسطين.

    محاضرة المؤرخ الفرنسي "هنري لورنس"
    محاضرة المؤرخ الفرنسي “هنري لورنس”
    عن الكتاب

    يشير «لورنس» إلى أن كتابه يشمل ثلاث مراحل تاريخية: من عام 1908، تاريخ انطلاق التنظيم الصهيوني، وحتى 1948، تاريخ قيام إسرائيل وهو نفس وقت انتهاء الدولة العثمانية. مرحلة ما بعد عام 1948، التي شهدت صراعات عربية -إسرائيلية، منها العدوان الثلاثي في عام 1956، واحتلال طابا وسيناء في 1967. ومرحلة 1973، التي استرجعت فيها مصر وسوريا أراضيهما، وصولا إلى بدء عملية السلام، ومحاولة إيجاد حل للقضية الفلسطينية. وينوه بأن الدول العربية انسحبت تدريجيا من الصراع، حتى بات الصراع محصورا بين فلسطين وإسرائيل.

    ويوضح، أنه بدأ كتابة الجزء الخامس من الكتاب عام 1995، وانتهى منه عام 2015، مشيرا إلى أنه كان منهكا جدا آنذاك. والآن فقط، بدأ في كتابة الجزء السادس، وكان عليه أن يجمع مراجع كثيرة قبل الشروع فيه. تناولت الأجزاء الخمسة السابقة من الكتاب موضوعات مثل: الأرض المقدسة، الحضارة، الأنبياء، شجرة الزيتون والمدفع، والسلام المستحيل. ولفت إلى أن الغرب لا يرى الصراع إلا من خلال مذبحة اليهود في الحرب العالمية الثانية، بينما يرى العرب أنه غرق في الاحتلال.

    دور الدين في الصراع

    أكد «لورنس» أن الدين يلعب دورا مهما في هذا الملف، مشيرا إلى أن رؤساء أمريكيين مثل جيمي كارتر كانوا على دراية جيدة بالتوراة. موضحا أنه في فرنسا يوجد بعدان: الدين والعلمانية، وهذا يظهر في رموز مثل كنيسة نوتردام واحتفال 11 نوفمبر بيوم وقف إطلاق النار. أما على الجانب الفلسطيني والإسرائيلي، فالصراع ذو طابع ديني أكثر منه علماني. حيث تتحول الأماكن الدينية إلى بؤر لصراع سياسي، مما يضفي أبعادا دينية على النزاع.

    ويرى أن مصر دولة متأثرة جدا بالصراع أكثر من غيرها. وقد حاولت المساهمة في حله، لكنها لم تنجح بشكل نهائي. مشيرا إلى أنه كان ممن آمنوا باتفاقية أوسلو، لكن النتائج جاءت مخيبة. فمنذ عام 2010، لم يحدث أي تقدم ملموس في حل القضية الفلسطينية. بل ازدادت الأمور تعقيدا، بحسب تحليلاته المتشائمة، خاصة بعد عام 2023.

    حلّ الصراع

    يقول «لورنس» إن الفلسطينيين حتى لو هاجروا إلى أماكن مثل تركيا، فإنهم لن يصمتوا، بل سيواصلون النضال ضد إسرائيل. مشيرا إلى أن هناك فلسطينيين أصبحوا أعضاء في الكونجرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي. ما يدل على أن النضال الفلسطيني مستمر حتى لو غابوا عن أرض فلسطين.

    ويضيف، أن “الدبلوماسية” تعني تبادل الخيالات ومحاولة تقريبها من الواقع، ولذلك فإن حل الدولتين يجب أن يكون قائما على الاستقلال الفعلي لكل دولة. وتساءل: كيف يمكن لدولة أن تحتفل باستقلالها في الوقت الذي يكون فيه ذلك هزيمة للدولة الأخرى؟! لذلك فالحل السياسي يجب أن يكون إدارة عادلة وحقيقية لدولتين مستقلتين. ومع ذلك، فإننا نبتعد عن الحل مع مرور الوقت، لكن الخيال يظل قائما.

    طرد العرب

    يختتم «لورنس» حديثه: “هناك جانبا لا يرغب الغرب في تذكره، وهو أن إسرائيل لم تنشأ إلا من خلال طرد الكثير من العرب من أراضيهم، وهو ما يعود إلى فترة النكبة عام 1948، لذا يجب أن تكون هناك مراجعة للتاريخ”. وتابع: “في ديسمبر عام 2000، فكر الرئيس كلينتون في بعض المعايير التي قد تؤدي إلى تحقيق السلام، وأعتقد أنها من النقاط الرئيسية التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار”.

    وعن فعالياته القادمة، أوضح المؤرخ الفرنسي هنري لورنس، أن هناك مؤتمرا سيعقد في 13 يونيو المقبل حول الإبادة الجماعية، وكيف تم تفسيرها خلال الحرب العالمية الثانية، وهل يمكن إسقاط هذا المفهوم على أحداث أخرى؟ لأن هذا المصطلح استخدم بشكل أساسي في تلك الفترة.

    اقرأ أيضا:

    كريم جمال بعد «سلوى: سيرة بلا نهاية»: أكتب لمتعتي الذاتية

  • كريم جمال بعد «سلوى: سيرة بلا نهاية»: أكتب لمتعتي الذاتية

    كريم جمال بعد «سلوى: سيرة بلا نهاية»: أكتب لمتعتي الذاتية

    صدر مؤخرا كتاب «سلوى: سيرة بلا نهاية» للكاتب والباحث كريم جمال، حيث يتناول فيه سيرة مختلفة عن حياة الإعلامية الراحلة سلوى حجازي، مقدما جوانب جديدة لم تُنشر من قبل. ويعد هذا العمل الثاني للباحث بعد كتابه «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي»، الذي نال جائزة الدولة التشجيعية عام 2023.

    في بداية حواره أكد «كريم» أنه لا يهتم بتوصيف نفسه، إذ يؤمن بأن الكاتب يجب أن يكتب وكأنه يخترع أبجدية الكتابة. ويركز في عمله على أن المنتج النهائي هو ما يصل إلى القارئ ويحقق الصدى المطلوب، فالمهم هو العمل نفسه الذي وليس كيفية تصنيف الكاتب لنفسه.. وإلى نص الحوار.

    • حقق كتابك «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي» نجاحا نقديا بارزا، ونجاحا لدى الجمهور القارئ، في تقديرك، ما أبرز الأحداث والذكريات المميزة في هذا الكتاب التي جذبت الجمهور إليه؟

    أهم ما في الكتاب هو أم كلثوم نفسها. فرغم مرور خمسين عامًا على رحيلها، لا تزال أم كلثوم حية ومؤثرة في قطاعات واسعة من المصريين والعرب. وكل ما يكتب عنها يشغل المهتمين بالتاريخ الفني والثقافي المصري. لكن ربما ما لفت الانتباه إلى الكتاب هو نمط الكتابة وطريقة البناء التي اعتمدت عليها في تشكيل الكتاب. فالكتاب معظمه يعتمد على الأرشيف الصحفي الذي واكب المرحلة، وتابعها وسجلها بدقة، والمواد المتراوحة بين الأخبار في المجلات الأسبوعية أو الجرائد اليومية.

    وهذا ما جعل الكتاب أقرب إلى اليوميات الدقيقة في حياة أم كلثوم في الفترة ما بين الحربين: النكسة وأكتوبر. وهو ما نفتقده نسبيًا في عملية الكتابة الفنية، خصوصًا أن أم كلثوم هي أكثر سيدة عربية قد كتب عنها. تناولت الأعمال الدرامية والكتب العربية والأجنبية مراحل حياتها بما فيها مرحلة المجهود الحربي. لكن منهجية البحث والكتابة الأرشيفية هما ما جعل الكتاب يبدو مختلفًا.

    • بالحديث عن ثاني أعمالك «سلوى» عن الراحلة العظيمة سلوى حجازي، كيف طرأت فكرة الكتابة عن هذه الشخصية تحديدًا بعد أم كلثوم؟

    كتاب «سلوى» كان مشروعًا مؤجلاً منذ أن قرأت ديوانيها مترجمين إلى العربية من ترجمة الأستاذ عاطف عبد المجيد. في طبعة الهيئة العامة للكتاب في عام 2017. كانت سلوى حجازي في نظري قبل ذلك مجرد وجه تلفزيوني له حضور كبير، بالإضافة إلى ارتباط اسمها بالسيدة أم كلثوم، بسبب مرافقتها للست في رحلة باريس في نوفمبر 1967، وكونها أول مذيعة تلفزيونية تجري حوارًا متلفزًا مع أم كلثوم بعد سنوات من الرفض والتمنع، لذا، عندما قرأت الديوانيين وعدت إلى أصلهما الفرنسي، شعرت أن سلوى تمتلك وجهًا آخر غير معروف.

    لكن ما لفت نظري فعليًا في نصوصها الشعرية هو تلك النزعة التشاؤمية القاسية التي غلفت معظم القصائد. فالموت حاضر بين سطور الديوانيين، وتغلب على معظم القصائد روح استشرافية للمستقبل وفواجع الحياة. وهو ما تحقق بعد سنوات حين غابت “سلوى” في نهاية مأساوية فوق أرض سيناء في فبراير 1973. لذا، كان قراري منذ البداية أن تكون تلك الرؤية القاتمة هي مدخل فهمي لسلوى، خاصةً وأن هذه النزعة السوداوية تتقارب نسبيًا مع شاعرات عالميات في زمنها. عاشوا ذات الخوف من الحياة، وكتبوا في أشعارهن عن هاجس الموت وتحسسه في الأشياء.

    سلوى حجازى مع أم كلثوم
    سلوى حجازى مع أم كلثوم
    حدثنا عن فترة التحضير والبحث للكتابة عن شخصية سلوى، والتي بلغت عاما ونصف كما ذكرت، ولقائك بأفراد عائلتها وزملائها…

    الكتاب يعتمد على الأرشيف الصحفي الذي وثق نجاح سلوى الإعلامي والشعري، وحتى في كارثة موتها التراجيدي. لذا، حاولت قدر الإمكان الاعتماد على أرشيف الصحف والمجلات الفنية والأدبية والصحف اليومية من أجل تكوين صورة عامة وواسعة لحياة سلوى حجازي. كما قمت بمقارنتها ببعضها البعض للتأكد من صحة كل معلومة. وتتبع كافة حواراتها الصحفية التي كانت يظهر فيها عمق سلوى، وحدود ثقافتها الأدبية والشعرية. على عكس حواراتها التلفزيونية التي كانت إلى حد ما مرتبطة بقواعد التلفزيون وحدود مواضيع الحلقات. كما اعتمدت بشكل كبير على ما كتبته سلوى في قصائدها ونصوصها الشعرية. حيث يظهر كليًا هواجس سلوى وخوفها الدائم من الحياة، ومساحات القلق الوجودي الذي هيمن على حياتها بعد دخولها دائرة الضوء عام 1960.

    ففي القصائد، تكشف سلوى بكل صراحة عما يدور داخلها دون مواربة، وتواجه هواجسها الداخلية بشكل مباشر. وقد ساعدني القدر بمد أواصر المحبة والثقة بيني وبين عائلة سلوى حجازي لمدة تزيد عن العام. وخلال رحلة البحث، عثرت العائلة على مجموعة ضخمة من الأوراق الشخصية لسلوى كانت مفقودة لمدة نصف قرن تقريبًا! وقد زادت تلك الأوراق مساحة الفهم لشخصية سلوى وعمقها في نظري. خاصةً وأن تلك الأوراق كشفت عن تجارب شعرية وترجمات قامت بها سلوى ولم يكن أحد يعلم عنها شيئًا، فكانت تلك الأوراق بمثابة الكنز الذي غير شكل الكتاب. ومنحت الكتاب بعدًا جديدًا لم يكن متوقعا أبدًا.

    • ما أبرز الأحداث والمعلومات التي ذكرها الكتاب والصور أيضًا والتي لم تكن معروفة من قبل عن شخصية سلوى حجازي؟

    معظم الكتاب يقدم نظرة جديدة لسلوى، خاصةً وأنه يركز على البعدين غير الشائعين لشخصيتها: وجه الشعر ووجه الشهادة، ومحاولة فتح الباب لقراءة سلوى الأديبة وتتبع جذور ثقافتها الأدبية والشعرية. لكن ربما أهم ما يقدم من وثائق هو ترجماتها الشعرية للشاعر فكتور هوجو، ومحاولتها للكتابة باللغة العربية. بخلاف باب “الرحيل” بفصوله الأربعة التي حاولت فيها تتبع رحلة سلوى حجازي الأخيرة في الجمهورية الليبية. وتوثيق تحركاتها من خلال شهادات من نجوا من رحلة الموت، وتوثيق كل ما كتب عن الحادثة في الصحافة العربية والعالمية. لبناء صورة واسعة ومشهد درامي شامل يضع القارئ داخل أيام البعثة المصرية في طرابلس، وحتى داخل الطائرة قبل أن تتحطم فوق أرض سيناء. وأتبعت ذلك الباب بفصل كبير عن الشهداء المصريين الذين كانوا على متن الطائرة، بعدما شعرت أنها فرصة جيدة لتدوين حياة هؤلاء. وتتبع سيرتهم وموتهم، بعدما كتب عليهم أن يكونوا شهداء على مأساة سلوى، وعلى الغدر الصهيوني.

    • بعد النجاح والصدى الرائع الذي لاقاه الكتاب من الجمهور، هل كنت تتوقع هذا؟

    بكل صدق، إطلاقًا؛ بل على العكس تمامًا كنت متخوفا قليلاً، لأن سلوى بعيدة عن الأذهان في تلك اللحظة. ولا يمكن مقارنة حضورها، مثلاً، بحضور أم كلثوم الجماهيري، وبالتالي كنت أعتقد أن الكتاب سيلفت نظر العارفين بشخصية سلوى، أو على الأقل المهتمين بتاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي لمعرفة أسباب الحادثة وحقيقة ما جرى. ولكن قدر النجاح والحفاوة بالكتاب فاق كل توقعاتي، وإحياء سيرة سلوى وعودتها إلى الحياة كان شيئا لافتا للنظر، خصوصًا من الأجيال الصغيرة التي بدأت تتعرف عليها لأول مرة، وتسعى لاقتناء ديوانيها الشعريين أو مشاهدة حلقاتها التلفزيونية الموجودة على شبكة الإنترنت.

    • كيف تفكر في أعمالك القادمة؟ وهل هناك شخصية بعينها تتمنى الكتابة عنها لاحقًا؟

    عادة لا أكتب إلا عن الأشخاص الذين تجمعني بهم صلة روحية، وهذا ما حدث مع أم كلثوم ومع سلوى. وهناك مشاريع قادمة لشخصيات من ذات المرحلة التاريخية، ولكني أسعى إلى وجود فاصل زمني طويل بين كل مشروع وآخر، حتى يحظى كل عمل بالقراءة الكافية، ويأخذ حظه من النقد والتحليل.

    • هل تتمنى أن ترى أو تشارك في عمل فني (درامي أو سينمائي) يتناول سيرة سلوى حجازي؟

    بالطبع، هذا يسعدني، وحياة سلوى تصلح فعليًا لأن تكون مادة درامية عظيمة، والكتاب في معظمه يقدم سيرتها في شكل أقرب للنص الدرامي. لذا فإمكانية تحويله إلى صورة سينمائية أو درامية قائمة. ولكنها لا تزال فكرة فقط حتى الآن.

    • ككاتب شاب حققت نجاحا كبيرا من خلال عملين مميزين، ما هي النصيحة التي تقدمها للكتاب المبتدئين الذين يشعرون بالتردد في بدء أولى خطواتهم الكتابية؟

    مازالت أتعلم وأخطو على درب الكتابة الطويل، ودائمًا أطلب النصيحة من الكُتاب الكبار ومن منْ يعجبني أعمالهم الإبداعية. ولكن إذا كانت هناك نصيحة واحدة أنصح بها نفسي والكُتاب الذين يتعثرون في أولى خطواتهم. فهي أن تكون الكتابة فقط للمتعة الذاتية. وأن يكون غرضهم من الكتابة هو محاولة إيجاد سبيل للخيال. ففي البداية كانت متعة الكاتب، ثم جاءت متعة القارئ، وبتحقيق تلك الوصفة يصبح القارئ شريكًا للكاتب في متعته، ويلقى العمل قدرًا من الحفاوة.

    اقرأ أيضا:

    تمثال «الغزالتين» بالإسكندرية تحت التهديد

باب مصر