تستمر التحقيقات في قضية اختفاء «سوار ذهبي» نادر يعود للملك «بسوسنيس الأول»، أحد أبرز ملوك الأسرة الحادية والعشرين، من المتحف المصري بالتحرير. ورغم تداول أحاديث عن خضوعه للترميم تمهيدًا لسفره إلى إيطاليا لعرضه ضمن معرض دولي، لم يصدر حتى الآن بيان رسمي يوضح ما إذا كان السوار قد فُقد، أم سُرق، أم أن ما حدث مجرد خلل إداري في سجلات العهدة.
ويثير غياب التوضيح الرسمي تساؤلات حول كيفية اختفائه، والمسؤول عن متابعته داخل معامل الترميم. كما يطرح سؤالا آخر لا يقل أهمية: هل يؤثر اختفاء السوار على سمعة مصر دوليًا؟
الظهور الأخير لسوار الملك بسوسنيس الأول
حتى الآن، لم تنشر أي صور رسمية للسوار المختفي. خاصة أن المتحف المصري يضم مجموعة متنوعة من حُلي الملك بسوسنيس الأول، بينها أكثر من سوار.
ومن بين مجوهرات “الملك الفضي”، كما يُلقَب، السوار الذهبي الأشهر، الذي أعلنت إدارة المتحف المصري بالتحرير في مارس 2024 عرضه. ووصفته بأنه مصنوع من الذهب ومطعم بالعقيق واللازورد والفلسبار الأخضر.
وبحسب البيان الرسمي الصادر حينها عن المتحف: “يصل ارتفاع القطعة إلى 7 سم. وتعود إلى الأسرة الحادية والعشرين، عصر الانتقال الثالث”. وتم العثور على السوار في منطقة تانيس بمحافظة الشرقية. وكان يُعرض في قاعة كنوز “تانيس” بالدور العلوي بالمتحف، ضمن مجموعة تضم 2500 قطعة أثرية من مقابر ملوك الأسرة الحادية والعشرين. وتم الإعلان عنه رسميا في بيان المتحف بتاريخ 28 مارس 2025.
سوار الملك بسوسنيس الأول بالمتحف المصري بالتحرير
سوار آخر للملك بسوسنيس الأول
كما يضم المتحف المصري بالتحرير سوارا ثانيا للملك، مصنوعا من الذهب والعقيق واللازورد. ومزينا بعين أوجات من العقيق، مثبتة على السوار لتمثل جزءا من لقب آمون – رع. بالإضافة إلى سوار ثالث من المجموعة نفسها.
سوار مفقود
تحدث د. عبدالحميد معروف، رئيس قطاع الآثار المصرية الأسبق، عن السوار المفقود، والإجراءات المُتبعة في مثل هذه الحالات وتأثيرها على سمعة مصر دوليا. بالتزامن مع تنظيم أكثر من معرض خارج مصر.
وقال في تصريح لـ«باب مصر»: “السوار المفقود كان ضمن 130 قطعة أثرية أعدت داخل معمل الترميم بالمتحف المصري للسفر إلى إيطاليا للعرض في روما. ضمن معرض كنوز الفراعنة”. وأضاف: “تم اكتشاف السوار على يد العالم الفرنسي بيير مونتيه لمقبرة الملك بسوسنس الأول بمدينة تانيس بمحافظة الشرقية عام 1940. وكان السوار من بين كنوزها”.
سوار الملك بسوسنيس الأول
مسؤولية من؟
أشار معروف إلى أن المسؤول عن هذه القطع داخل معمل الترميم هو الشخص الذي تسلمها عند وصولها للمعمل. وعن الإجراءات المتبعة بعد اكتشاف اختفاء قطعة أثرية، أوضح: “يتم على الفور إخطار الجهة الإدارية ومباحث السياحة والآثار. والبدء فورا في أعمال التحريات والفحص الدقيق واستجواب كل من له صلة بالمعمل أو يتردد عليه”.
وبخصوص دور كاميرات المراقبة، قال: “إذا كانت الكاميرات مثبتة بالمعمل يتم تفريغها ودراستها بمعرفة المباحث. أما إذا كانت لا تعمل أو غير موجودة فهذا إهمال وتقصير جسيم تتحمل مسؤوليته الجهة الإدارية”.
جرد المتاحف
عن تكرار مثل هذه الحوادث، أوضح الخبير الأثري: “هذه الحالات أصبحت نادرة جدا بعد إنشاء مخازن متحفية بمواصفات تأمينية عالية، مزودة بكاميرات. إلى جانب حراسة من شرطة السياحة والآثار”.
أما عن مسألة الجرد، فقال: “نظرا للأعداد الكبيرة للآثار داخل المتاحف. يتم إجراء جرد كل قسم عند عمليات التسليم والتسلم للعهدة، أو حسب ما يتطلبه الأمر”.
سوار الملك بسوسنيس الأول
دفتر حركة
أضاف معروف: “عند نقل أي قطعة أثرية من المخازن إلى معامل الترميم أو قاعات العرض. يتم ذلك بمحاضر رسمية ولجان مختصة. كما أن لكل قطعة أثرية دفتر حركة يسجل جميع تحركاتها”.
وأشار إلى أنه لا توجد رقابة خارجية على العهد الأثرية، إذ تقتصر المسؤولية على وزارة السياحة والآثار.
بصمة خاصة
أما عن آلية الوزارة لضمان عدم استبدال أو تقليد أي قطعة أثرية، أوضح معروف: “يتم وضع بصمة خاصة لكل قطعة قبل سفرها إلى الخارج. ويتم مطابقتها عند السفر وبعد العودة لضمان سلامتها”.
واختتم حديثه مؤكدا أن الحادث سيؤثر على سمعة مصر دوليا، قائلا: “أعتقد أن هذا الحادث سيثير انتباه العالم. خاصة لما لآثار مصر القديمة من شهرة واسعة”.
كنوز الفراعنة
كان من المقرر عرض السوار ضمن مجموعة المجوهرات الملكية في معرض “كنوز الفراعنة”، المزمع إقامته خلال الفترة من 24 أكتوبر 2025 حتى 3 مايو 2026. ويستضيف “سكوديري ديل كويرينالي” في إيطاليا هذا المعرض. الذي سيضم قطعا تُعرض لأول مرة هناك. وهو ثاني معرض بهذا الحجم تقيمه مصر في البلاد بعد معرض أوائل الألفية في قصر غراسي بمدينة البندقية.
ويمتد المعرض عبر ستة أقسام، من بينها: الدور الإلهي للفراعنة، التنظيم الاجتماعي، وطقوس الحياة بعد الموت. ويضم 130 قطعة أثرية مُعارة من أشهر المتاحف المصرية مثل المتحف المصري بالقاهرة ومتحف الأقصر. بالإضافة إلى مساهمة من المتحف المصري في تورينو.
سوار الملك
أبرز قطع المعرض
من بين الأعمال المقرر عرضها:
التمثال الضخم لـثالوث منكاورع (عصر الدولة القديمة).
التابوت الذهبي للملكة أعح حتب (عصر الدولة الحديثة).
عقد الذباب الذهبي الخاص بالملكة أعح حتب.
القناع الجنائزي الذهبي للملك أمينيموبي.
التابوت الذهبي للملكة تويا، جدة الفرعون إخناتون.
الغطاء الجنائزي الذهبي للفرعون بسوسينيس الأول (العصر المتأخر). بالإضافة إلى مجوهراتهم الملكية وأدوات من الحياة اليومية وتوابيت مزينة.
كنوز بسوسنيس.. تنافس توت عنخ آمون
يرجع اكتشاف مقبرة الملك بسوسنيس الأول إلى عام 1940، على يد عالم الآثار الفرنسي بيير مونتيه، في مدينة تانيس بمصر. بحسب موقع “إنشنت أوريجنز” ، فإن هذا الاكتشاف كان مماثلاً لاكتشاف هوارد كارتر لمقبرة الفرعون توت عنخ آمون بحالتها السليمة. لكن، وعلى الرغم من ضخامة هذا الكشف الاستثنائي، لم يُثر الخبر ضجة كبيرة في أوروبا المنشغلة آنذاك بالحرب العالمية الثانية.
وكان العثور على مقبرة بسوسنيس الأول – الحاكم الثالث في أسرته التي صعدت إلى الحكم مطلع الفترة الانتقالية الثالثة – حدثا غامضا نسبيا-. إذ جاءت هذه الحقبة في ظل اضطرابات سياسية أدت إلى انقسام مصر بين ملوك مصر العليا والسفلى. وقد حكم فراعنة الأسرة الحادية والعشرين من تانيس. لكن امتدت سيطرتهم على دلتا مصر السفلى.
الفرعون الفضي
أبرز ما عُثر عليه في المقبرة تابوتًا من الفضة الخالصة، ما أدى إلى إطلاق لقب “الفرعون الفضي” على بسوسنيس.
وفي الثقافة المصرية القديمة، كان الذهب يعد لحم الآلهة، بينما كانت الفضة تعتبر عظامهم. ورغم وفرة الذهب في مصر القديمة، إلا أن الفضة كانت أكثر قيمةً، نظرًا لاستيرادها من غرب آسيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط. وكان التابوت الفضي في مقبرة بسوسنيس شاهدًا على ثروته وسلطته.
تلف المومياء
غير أن بسوسنيس دُفن في بيئة رطبة نسبيا مقارنة بالصحراء في الأقصر. ما أدى إلى تدمير موميائه، وتلف معظم القطع الخشبية داخل المقبرة.
لم يكن مطار «جون إف كينيدي» في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية مجرد نقطة عبور للمسافرين، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى بوابة شهدت محاولات تهريب آثار مصرية نادرة. بعضها تجاوز الحدود ليُباع لاحقا في مزادات رقمية مقابل مبالغ زهيدة لا تقارن بقيمتها الحقيقية.
في هذا التحقيق، يكشف «باب مصر» مسارات التهريب التي تبدأ من قلب القاهرة، مرورًا بتايلاند وهونج كونج. قبل أن تستقر الآثار المصرية في منازل هواة جمع التحف بكندا وأمريكا. ويستند التحقيق إلى مستندات أمريكية وشهادات رسمية ومذكرات ضبط جمركية، لرسم خريطة واحدة من شبكات تهريب الآثار المصرية. بداية من طبيب حمل قطعا أثرية في حقائبه، مرورا بشركات شحن وشهادات ملكية مزورة، وصولا إلى بيعها عبر مزادات رقمية.
التهريب عبر مطار جون كينيدي
تردد اسم “مطار جون كينيدي” مؤخرا، بعد أن أصدرت محكمة أمريكية حكما بسجن الطبيب المصري أشرف عمر الضرير ستة أشهر، بتهمة تهريب 600 قطعة أثرية مصرية إلى الولايات المتحدة عبر رحلات جوية من القاهرة إلى نيويورك.
لكن هذه ليست القضية الوحيدة، إذ حصل «باب مصر» على مستندات التحقيق الرسمية مع الطبيب نفسه، بالإضافة إلى أوراق قضية أخرى تعود إلى عام 2024 بشأن ضبط 14 قطعة أثرية أخرى تم تهريبها عبر مطار “جون كينيدي” بواسطة آخرين.
أربع تهم تهريب آثار
انتهت القضية المستمرة منذ خمسة أعوام بحكم أصدرته القاضية الأمريكية “راشيل ب. كوفنر” ضد الطبيب المصري أشرف عمر عز الدين الضرير. الذي ألقي القبض عليه عام 2020 في مطار جون كينيدي. بعد ضبط 590 قطعة أثرية في حقائبه بدون أوراق رسمية.
ووفق موقع “آرت نيوز” الأمريكي، هرّب الضرير هذه القطع عامي 2019 وأوائل 2020، ومن بينها:
نقش بارز متعدد الألوان.
لوحة حجرية رومانية قديمة من الحجر الجيري بيعت لاحقًا في مزاد مقابل 1000 دولار.
رأس روماني قديم من الحجر الجيري بيعت في مزاد مقابل 1300 دولار.
وجاء الحكم بعد اعترافه في فبراير الماضي بارتكاب أربع تهم متعلقة بتهريب الآثار المصرية.
آثار مصرية تم ضبطها مع أشرف عمر الضرير المصدر مسندات التحقيق معه 1
آثار مصرية تم ضبطها مع أشرف عمر الضرير المصدر مسندات التحقيق معه 4
رحلات متكررة
تشير مستندات التحقيق إلى أن الضرير لم يقتصر على هذه القطع فقط. ففي 20 سبتمبر 2018، غادر مطار جون كينيدي إلى القاهرة، وعاد في 4 ديسمبر 2018 على متن رحلة رقم (MS985) وهو يحمل قطعًا أثرية دون أن يقدم إقرارات جمركية عند دخوله الولايات المتحدة.
كيف خرجت الآثار من مصر؟
تكشف التحقيقات أن الضرير تواصل مع أشخاص يملكون إمكانية الوصول إلى مواقع حفر غير مشروعة، بينهم لصوص وسارقي قبور. كانوا يرسلون له صورا ومقاطع فيديو لقطع معروضة للبيع. فيسافر إلى مصر للحصول عليها ثم يعرضها في مزادات مثل: “تراث بالميرا”، و”آرتي بريميتيفو”، و”كريستيز”.
وعُثر في هاتفه على محادثات مع أفراد آخرين عرضوا عليه آثارا منهوبة حديثا. وكان يرد أحيانا بالموافقة أو يرفض بوضع علامة (x). كما احتوى الهاتف على مقاطع فيديو تُظهر مواقع حفر غير مشروعة، نقوشا قديمة، وبرك مياه، وحتى تواريخ مكتوبة بخط اليد على أوراق داخل هذه المواقع.
من هو أشرف عمر الضرير؟
اكتفت مذكرة الدفاع بسرد تفاصيل عن حياة المتهم في مصر والولايات المتحدة كمواطن متجنس، من بينها أنه طبيب مصري تخرج في كلية الطب جامعة الإسكندرية عام 2001 متخصصا في الجراحة. وهاجر إلى الولايات المتحدة في العام التالي لممارسة الطب. وتزوج من سيدة تدعى “بياتريس”. وتخلى عن العمل في مجال الطب بسبب سوء حالتها الصحية، ليعمل سائق أجرة.
في كل حقيبة قطعة
تشير الوثائق الرسمية إلى أن الضرير اعتاد على تهريب قطعة واحدة في كل رحلة عام 2019. قبل أن ينقل نحو 590 قطعة أثرية دفعة واحدة في ثلاث حقائب عام 2020. ووصف المدعي العام الأمريكي القضية بأنها “أكبر عملية ضبط آثار مهربة في مطار جون كينيدي حتى الآن”.
آثار مصرية تم ضبطها مع أشرف عمر الضرير.. من مستندات التحقيق معه
تزوير مستندات الملكية
لم يقتصر نشاط الطبيب على التهريب فقط، بل ضبط معه مواد تستخدم لتزوير أوراق ملكية القطع، لتسهيل بيعها في دور المزادات. ومن بين المضبوطات: أوراق مصرية فارغة قديمة يُقدر عمرها بعشرات الأعوام وبها علامات مائية. وطوابع مصرية قديمة، وصور بالأبيض والأسود تبدو قديمة. وتزعم أنها تصور أحد أجداده وهو يعرض قطعا أثرية. لكن خبراء الطب الشرعي توصلوا إلى أن هذه الوثائق والصور مزورة، جرى تعديلها باستخدام برامج رقمية لجعلها تبدو قديمة.
وبحسب بيان صحفي صادر عن مكتب المدعي العام الأمريكي: “نهب المتهم كنوزًا ثقافية مصرية، وكذب على الجمارك الأمريكية بشأنها. في إطار شبكة نسجها لملء جيوبه بالمال بشكل غير قانوني”.
وأضاف البيان: “يجب أن يعلم أولئك الذين يسرقون كنوزًا ثقافية من دول أخرى ويهربونها إلى الولايات المتحدة أنهم سيُحاسبون على جرائمهم. ونتطلع إلى إعادة الآثار المستردة إلى مصر”.
آثار مصرية بالمطار نفسه!
ليست هذه القضية الوحيدة لتهريب آثار مصرية عبر مطار “جون كينيدي”. إذ ضبطت شرطة الجمارك وحماية الحدود عام 2024 عدد 14 قطعة آثار مصرية بلا مستندات ملكية أصلية. تم شحنها عبر أكثر من شركة شحن دولية. وكشفت مستندات التحقيق أن وراء العملية شبكة دولية متخصصة في نهب وتهريب الآثار المصرية عبر دول مثل تايلاند إلى الولايات المتحدة وأوروبا. حيث تباع في أسواق الآثار أو عبر منصات إلكترونية، بمساعدة وسطاء متعاونين مع المهربين.
وحسب مذكرة الضبط، التي حصل «باب مصر» على نسخة منها في 22 صفحة. فقد تضمنت أسماء ستة أفراد وعدة شركات شحن متورطة في عمليات بيع وتهريب سابقة.
آثار مصرية تم ضبطها في مطار جون كينيدي خلال تهريبها من مصر إلى الولايات المتحدة 1
آثار مصرية تم ضبطها في مطار جون كينيدي خلال تهريبها من مصر إلى الولايات المتحدة 6
آثار مصرية تم ضبطها في مطار جون كينيدي خلال تهريبها من مصر إلى الولايات المتحدة 2 1
الأفراد والشركات المتورطة
بحسب مذكرة الضبط، شملت الشبكة:
شركات شحن:
1- «فادا للتجارة المحدودة» – مقرها بانكوك، تايلاند. ويشغل منصب عضو مجلس إدارتها جاويد أحمد، وهو مواطن باكستاني، وزوج سيلفيا باربرا. ويعد ثاني أكبر مساهم في الشركة.
2- شركة «آسيا والمحيط الهادئ (HK) المحدودة»- مقرها هونج كونج.
3- شركة «Century Arts Co. Ltd» – متخصصة في المجوهرات والحلي المصنوع يدويا ومقرها تايلاند.
2- سيلفيا إيفيت باريرا- مواطنة مكسيكية تقيم في سان أنطونيو، تكساس، باعت قطعا أثرية عبر حسابها على موقع eBay باسم CENTURYART.
3- مارك راجان- مواطن أمريكي يقيم في إيدجووتر، ولاية ماريلاند.
آثار مصرية تم ضبطها في مطار جون كينيدي خلال تهريبها من مصر إلى الولايات المتحدة
راجان وبركات وسيلفيا
يعد جامع الآثار الأمريكي “مارك راجان” من أبرز المشترين. إذ حصل على 8 من أصل 14 قطعة تمت مصادرتها. لكنه دافع عن نفسه قائلا إنه تعرض للخداع. لأن الشراء من موقع “إي باي” لا يكشف هوية البائع أو يتيح التواصل المباشر معه.
وأوضح أنه خشي خسارة أمواله إذا تراجع عن الشراء، مشيرا إلى أنه حصل على تميمة خزفية قديمة للإلهة حاتمحيت من جامع آثار بريطاني زعم أنها خرجت من مزاد وستباع بسعر منخفض. لاحقا، استكمل راجان مجموعته بشراء 7 قطع أثرية مصرية أخرى من حساب(CENTURYART) على “إي باي”.
تهريب في شحنة مشبوهة
تنص مذكرة الضبط على أن راجان تورط في شراء قطع أثرية من “سيلفيا باريرا” عبر حساب eBay باسم “3501 kenr”. وفي يوليو 2020، حاولت شركة “فادا للتجارة” شحن هذه القطع إلى كندا. وبتاريخ 15 يوليو 2020، أوقفت الجمارك شحنة مرسلة عبر شركة FedEx من بانكوك من نزيه بركات في أونتاريو بكندا. وأدرج في فاتورة الشحنة أنها “تمثال منحوت حجري لحديقة المنزل” بقيمة 1200 دولار. لكن الضباط اكتشفوا أنها تمثال حجري لرجل جالس.
كما ضبطت وثيقة مزورة تدعي أنها وصية من شخص يدعى “أحمد عبدالله” لصالح “زينة عبدالله”، وهو الاسم المستعار لسيلفيا باريرا، تشير إلى أن الآثار إرث عائلي مصري. وعندما سُئل عن أحمد جافيد، الشخص المذكور في بند المسح، اتضح أنه زوجها. وهو المدير الإداري لشركة فادا للتجارة التي شحنت التمثال المصري لبركات.
شحن آثار مصرية من تايلاند
برر راجان موقفه بأنه كان يظن أنها آثار مقلدة، مدعيا أن المبلغ الإجمالي الذي دفعه نظير القطع الثمانية هو 2000 دولار. وهو مبلغ قليل جدا إذا كانت الآثار أصلية. وقال: “لقد كنت أخاطر بهذا المبلغ، لأنه إذا كانت أصلية فإن سعرها سيكون رخيص للغاية”. وبحسب التحقيقات، تواصل راجان مع باريرا، التي ذكرت أن مصدر القطع يعود لوالد البائع. دون تقديم دليل يثبت صحة هذه المزاعم.
جزء من مذكرة الضبط الرسمية الأمريكية 3
جزء من مذكرة الضبط الرسمية الأمريكية 1
فحص الآثار
في 20 يوليو 2020، عُرضت القطع المضبوطة على مؤرخ متخصص في الفن المصري القديم لفحصها والتأكد من أصالتها. خلص المؤرخ إلى أنه القطع أصلية، وتعود إلى الدولة القديمة، تحديدا خلال الأسرة الرابعة أو الخامسة.
وأوضح المؤرخ – لم يُذَكر اسمه – لمكتب الجمارك وحماية الحدود أن التمثال يمثل نموذجًا شائعًا في المواقع الأثرية بسقارة والجيزة. وهما منطقتان تضمان مقابر ملكية بالقرب من العاصمة القديمة ممفيس (الجيزة الحالية).
تهريب من ألمانيا
بين 17 و22 سبتمبر 2020، تم شحن جرة كانوبية خشبية، ووعاء فخاري، وثلاثة تماثيل صغيرة، وأربع تماثيل إضافية، ومزهرية تعود إلى ما قبل الأسرات. من شركة (Century Arts) في تايلاند إلى منزل عائلة راجان في إدجووتر بولاية ماريلاند، بواسطة شركة شحن ألمانية.
بعد وصول هذه العناصر إلى الولايات المتحدة، فحصتها هيئة الجمارك وحماية الحدود. ثم نقلتها إلى نيويورك لإجراء تحليل إضافي. وبحسب مذكرة الأمن الأمريكي: “أمين المتحف الأمريكي فحص العناصر الموجودة في الشحنات وقرر أنها آثار مصرية أصلية. بينما لم تتضمن أي من الشحنات أوراقا تحدد طبيعتها كآثار أو تكشف مصدرها”.
مسار التهريب
كشفت التحقيقات أن هذه القطع سلكت مسارا طويلا حتى وصلت إلى الولايات المتحدة. فقد حصل المحققون على لقطات ثابتة من مقطع فيديو أرسله أحد مهربي الآثار في دبي إلى آخر في ألمانيا عام 2012. واعترضته سلطات إنفاذ القانون الأجنبية.
وبمقارنة الصور بالمقطع، تبين أن التمثال نفسه الذي تم ضبطه لاحقا في أنكوراج. مما يشير إلى أن التمثال ظل متداولًا في السوق السوداء. قدر تقييم رسمي قيمة التمثال الحقيقية بحوالي 6 ملايين دولار.
فاتورة لبيع قطعة آثار بوصفها تمثال لحديقة
كشف الحقيقة
بتاريخ 29 يوليو 2020، أرسل نزيه بركات بريدًا إلكترونيًا إلى الجمارك ردًا على استفسار يتعلق بالتمثال، مرفقا وثيقتين: إحداهما بعنوان “التأكيد” مؤرخة في 28 يوليو 2020، والأخرى “فاتورة” بتاريخ 10 يونيو 2020. اللافت أن الوثيقتين كتبتا على ورق يحمل شعار شركة آسيا والمحيط الهادئ (HK)، وليس شركة Fada Trading.
الوثيقة الأولى وصفت التمثال بأنه “نسخة طبق الأصل”. بينما أكد المثمن الرسمي أنه تمثال أثري حقيقي. كما أن الفاتورة قدرت قيمته بـ2500 دولار هونج كونج (نحو 323 دولارا أمريكيا وقتها). في تناقض صارخ مع قيمته السوقية الفعلية.
حاول مسؤولو الجمارك وحماية الحدود معرفة الحقيقية. وبعد التواصل مع بركات في 31 يوليو 2020، رد على أسئلة إضافية أرسلوها له. وأوضح بركات أنه اشترى التمثال عبر شركة Fada Trading. كما أرفق بركات نسخة من الإيصال في رده. الإيصال المؤرخ في 11 يوليو 2020، والذي يحمل توقيع بركات وختم شركة فدى للتجارة، يُظهر أن تكلفة الشحن بلغت 16 00 دولار. وهو ما يتجاوز تكلفة التمثال المعلنة في الإيصال والبالغة 1200 دولار.
هل الآثار أصلية؟
لمزيد من التحقق، قارن أمين متحف أمريكي – لم يُذكر اسمه – الصندوق الخشبي المضبوط بآخر محفوظ في متحف والترز للفنون في بالتيمور. كما قارن الوعاء المضبوط بقطعة مشابهة في متحف الفنون الجميلة في بوسطن.
وعندما طلبت الجمارك من راجان مستندات إضافية تخص القطع، لم يتمكن من تقديمها. فصادرت الحكومة الأمريكية ثماني قطع أثرية.
أصالة الآثار
أظهرت التحقيقات أن بركات كان على علم بأصالة بعض القطع، إذ تواصل عبر روابط على فيسبوك تشير إلى أن مجموعة التماثيل موجودة في متحف برلين. ما يكشف أنه كان يعلم أنه يتعامل مع آثار حقيقية وليست مجرد “قطع ديكور” كما ورد في الفواتير.
كما أثبتت سجلات الشحن أن بركات تلقى أربع شحنات أخرى من شركة Fada Trading. أو من أفراد مرتبطين بها في عام 2019، وصفت محتوياتها بأوصاف مضللة مثل: “22 قطعة من الأواني الزجاجية الصغيرة، وجرة وأواعي، وألواح زجاجية ملونة صغيرة، وأواني فخارية”. بالإضافة إلى الأطباق والأواني النحاسية والسيراميكية. وهي طريقة شائعة لإخفاء طبيعة الآثار المنهوبة.
فاتورة وهمية لشحن آثار بواسطة شركة آسيا والمحيط الهادئ بوصفه تمثال نسخة طبق الأصل
تاريخ سابق في بيع الآثار
أظهر التحقيق أن لبركات سوابق في بيع الآثار المصرية. على سبيل المثال، في 24 نوفمبر 2014، أجرى مزادًا على موقع Liveauctioneers.com حيث عرض مجموعة من الآثار المصرية للبيع.
وفي 29 نوفمبر 2017، أصدرت معارض بركات للفنون في أونتاريو فاتورة لـ”المركز الأثري المحدود” في يافا- إسرائيل. تضمنت عناصر مشابهة لتلك المذكورة في مستندات الشحن السابقة، مثل “الزجاج القديم”، و”الفخار القديم”، و”الحجر القديم”، و”البرونز القديم”.
شحنات إضافية
في يوليو 2020، اعترضت السلطات طردًا مرسلًا عبر البريد الملكي إلى مارك راجان، جامع الآثار المقيم في ولاية ماريلاند. وصفت الشحنة بأنها تحتوي على “قلادة فخارية عتيقة”.
كان راجان يستخدم حسابا باسم “3501 kenr” على موقع “إي باي – eBay”. وفي 16 يوليو 2020، أكد أحد مساعدي أمين متحف أمريكي أن القطعة المشبوهة هي بالفعل تميمة أثرية للإلهة حاتمحيت، المنتمية إلى مدينة مندس القديمة.
وبين 30 يوليو و23 سبتمبر 2020، تم إرسال سبع شحنات على الأقل من شركة Century Arts Co. Ltd. في تايلاند إلى راجان في إيدجووتر، ماريلاند. مرت عبر سينسيناتي بولاية أوهايو، وهناك خضعت للتفتيش من قبل سلطات الجمارك وحماية الحدود.
آثار مصرية تم ضبطها في مطار جون كينيدي خلال تهريبها من مصر إلى الولايات المتحدة 5 1
آثار مصرية تم ضبطها في مطار جون كينيدي خلال تهريبها من مصر إلى الولايات المتحدة 10 1
14 قطعة آثار مصرية مسروقة
وفقا لمذكرة التحقيق، تمت مصادرة 14 قطعة أثرية مصرية قديمة، إلى جانب مجموعة أخرى ضبطت في أنكوراج (ألاسكا) في أكتوبر 2020. وأخرى تم ضبطها في مطار جون كينيدي، وجميعها تتعلق بالأشخاص أنفسهم، وتشمل هذه المجموعة:
مزهرية عمرها 5200 عام.
تميمة من الفخار للإلهة حتمحيت من العصر المتأخر (664 – 332 ق.م).
غطاء جرة كانوبية خشبية مصرية من الدولة الحديثة، يعود تاريخها إلى الأسرة التاسعة عشرة أو ما بعدها (1300ق.م).
تمثال سرير من الحجر الجيري المطلي من فترة الدولة الحديثة (1549- 1075 ق.م).
تمثالان صغيران على شكل قضيب (664-30 ق.م).
مزهرية من فترة ما قبل الأسرات (3500- 3200 ق.م).
جرة من الحجر الجيري بمقبض من عصر الأسرات (3000-2600 ق.م).
تميمة من الخزف المصري القديم للإلهة حاتمحيت، تعود لفترة متأخرة من مصر (664-332 ق.م). وقد تم الاستيلاء عليها في 29 سبتمبر 2020، وتم ضبطها في مطار جون إف كينيدي في نيويورك.
غطاء جرة كانوبية خشبية مصرية من عصر الدولة الحديثة، يعود للأسرة التاسعة عشرة أو بعد ذلك، أي حوالي 1300 قبل الميلاد. وقد تم ضبطه في 17 نوفمبر 2020، أو حوالي هذا التاريخ، في مطار جون إف كينيدي.
تتضمن المجموعة المضبوطة في مطار جون إف كينيدي في نيويورك عدة قطع أثرية مهمة:
تمثال أوشبتي من الحجر الجيري الملون تعود لعصر الدولة الحديثة (1549-1075 ق.م)، وضبط في 17 نوفمبر 2020.
تمثال من الحجر الجيري الملون يعود للعصر البطلمي (664 – 30 ق.م)، وتم ضبطه في 17 نوفمبر 2020.
تمثال أوشبتي آخر من الحجر الجيري الملون من الدولة الحديثة (1549 إلى 1075 ق.م)، وتم ضبطه في 18 نوفمبر 2020.
تمثال أوشبتي من الكالسيت (المرمر) يعود للفترة ما بين (1190 – 1075 ق.م)، وتم ضبطه في 18 أكتوبر 2020.
تمثال صغير من الحجر الجيري الملون يُظهر سريرًا مصريًا من الدولة الحديثة (1549-1075 ق.م)، ضُبط في 18 نوفمبر 2020.
منحوتة مزهرية تعود إلى فترة ما قبل الأسرات (3500- 3200 ق.م)، ضبطت في 18 نوفمبر 2020.
جرة مصنوعة من الحجر الجيري المصري تعود لعصر الأسرات المبكرة (3000 -2600 ق.م)، وتم ضبطها في 7 إبريل 2021.
صندوق أوشبتي خشبي مطلي يعود للفترة المتوسطة الثالثة حتى الفترة المتأخرة (1075- 332 ق.م)، وتم ضبطه في 7 إبريل 2021.
تستمر المفاوضات بين بريطانيا وفرنسا على خلفية طلب فرنسا استعارة «حجر رشيد»، أحد أشهر القطع الأثرية المصرية المعروضة في المتحف البريطاني، وذلك مقابل عرض المتحف البريطاني لوحة «نسيج بايو» الضخمة المُعارة من فرنسا العام المقبل.
وكانت موافقة فرنسا على إعارة النسيج الأثري بداية لمفاوضات وضغوط فرنسية شملت مطالب بتقديم دخول مخفض أو مجاني للمواطنين الفرنسيين، غير أن الطلب الأبرز تمثل في استعارة «حجر رشيد»، ما أثار جدلا واسعا وتساؤلات حول أحقية البلدين في التفاوض على قطعة أثرية تعود ملكيتها الأصلية إلى مصر.
إعارة آثار
تعود البداية إلى موافقة فرنسا على إعارة قطعة النسيج المطرز. والمعروفة باسم “نسيج بايو”، الذي يرجع تاريخه إلى نحو 900 عام. ويصور الغزو النورماندي لإنجلترا عام 1066. ويبلغ طول النسيج 68 مترا. وتضمن الاتفاق إرسال بريطانيا قطعا أثرية للعرض في فرنسا، من بينها كنوز “ساتون” وقطع “لويس تشيسمن” التي تعود إلى العصور الوسطى.
مطالب بالدخول المجاني
ذكرت صحيفة “فاينانشال تايمز” أن المسؤولين الفرنسيين مارسوا ضغوطا من أجل أمرين إضافيين: الدخول المجاني أو المخفض للمواطنين الفرنسيين. وهو ما رفضه المفاوضون البريطانيون باعتباره أمرا “لن يحدث أبدا”.
وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن مثل هذه الخطوة غير معتادة. إذ نادرا ما تمنح المتاحف الفرنسية دخولًا مجانيًا حتى لمواطنيها. في المقابل، لا يفرض المتحف البريطاني رسوم دخول لمجموعته الدائمة، لكنه يفرض على المعارض الخاصة.
استعارة حجر رشيد
كان لدى المفاوضين الفرنسيين طموحات أكبر. إذ طالبوا باستعارة “حجر رشيد” المصري، أشهر قطعة أثرية في المتحف البريطاني.
وبحسب موقع “آرت نيوز”، باء هذا الاقتراح بالفشل، إذ أن الحجر الذي استولت عليه بريطانيا عقب الحملة الفرنسية على مصر عام 1801 يخضع لقاعدة عدم نقله من المتحف، نظرا لأهميته. فهو مفتاحَ فكّ رموز الهيروغليفية الذي استخدمه العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون.
حجر رشيد الأثري خلال عرضه بالمتحف البريطاني – مشاع إبداعي
عريضة اعتراض في فرنسا
إعارة النسيج الأثري لبريطانيا أثارت اعتراضا واسعا في فرنسا. إذ جمعت عريضة لمنع نقله أكثر من 52 ألف توقيع حتى الجمعة الماضية، بحسب قناة “فرانس 24”.
وبرر المعترضون موقفهم بمخاوف تتعلق بسلامة النسيج، واصفين النقل بأنه “جريمة تراث حقيقية”.
دعم رسمي
رغم الاعتراضات، أوضح مسؤول فرنسي مشرف على عملية الإعارة أن القطعة الأثرية ليست هشة للغاية بحيث لا يمكن نقلها. ودافع عن هذه الخطوة، مشيرا إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وافق على إقراض النسيج للمتحف البريطاني العام المقبل احتفالا بالعلاقات الفرنسية – البريطانية.
وقال فيليب بيلافال، المكلف بمتابعة القرض، إنه لم يتم اتخاذ قرار بعد بشأن كيفية نقل النسيج. وفي حال الموافقة على إقراض النسيج، فستكون المرة الأولى التي يوجد فيها على الأراضي البريطانية منذ نحو ألف عام.
مطالب سابقة
اعتبر ماكرون أن إعارة النسيج تعكس الصداقة الأنجلو- فرنسية. خاصة أن رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي طالبت إعارته لأول مرة عام 2018. غير أن الخطوة أجلت مرارا بسبب المخاوف بشأن هشاشة النسيج وصعوبة نقله.
المتحف البريطاني
يثير الطلب الفرنسي تساؤلا: هل يحق لبريطانيا وفرنسا التفاوض على حجر رشيد، وهو أثر مصري أصيل؟ وهل يمكن أن يغادر الحجر بريطانيا دون موافقة مصرية؟
يجيب عن هذه التساؤلات الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية. موضحا أن المتحف البريطاني يضم نحو 13 مليون قطعة أثرية جمعتها بريطانيا منذ تأسيسه عام 1753، عبر الشراء، والتنقيب، والهدايا، والتبرعات. إضافة إلى ما حصلت عليه خلال فترات الاستعمار بطرق غير شرعية.
وأكد أن: “الاستعمار البريطاني الذي امتد إلى نصف الكرة الأرضية سهل عمليات نهب ونقل الآثار. ولولاه لما استطاع الأكاديميون البريطانيون تكوين هذه المجموعة الضخمة”.
حجر رشيد الأثري خلال عرضه بالمتحف البريطاني – مشاع إبداعي
خروج حجر رشيد من مصر
يضم المتحف البريطاني أكثر من 110 آلاف قطعة أثرية مصرية، منها مقتنيات من عصور ما قبل التاريخ، وآثار مصر القديمة، والحقبة المسيحية.
ويشير الدكتور ريحان إلى أن سقوط الحملة الفرنسية أمام القوات البريطانية عام 1801. وما تلاه من توقيع معاهدة الإسكندرية، غير وضعية الآثار والمخطوطات التي جمعتها البعثة الفرنسية خلال وجودها في مصر. فقد أصبحت هذه الكنوز ضمن الممتلكات العامة، واستحوذت عليها بريطانيا. وكان من أبرزها حجر رشيد الذي نقل إلى المتحف البريطاني عام 1803.
تحالف قديم
بحسب وصف الدكتور عبد الرحيم ريحان، خرج حجر رشيد من مصر نتيجة تحالف بين (فرنسا – بريطانيا – الدولة العثمانية التي كانت مصر جزءا منها). وقال: “نُقِل حجر رشيد بشكل رسمي عن طريق معاهدة دولية، لكن تفوق بريطانيا عسكريا حينها أتاح لها نهب الآثار المصرية بشكل غير مستحق”.
وأضاف: “بعد مغادرة نابليون بونابرت مصر، هاجم العثمانيون والإنجليز قوات الحملة الفرنسية في خليج أبو قير، في مارس 1801. واستولوا على جميع الآثار التي جمعها العلماء الفرنسيون. وبعد هزيمة الفرنسيين وتراجعهم إلى الإسكندرية، اصطحبوا معهم مجموعة من الآثار المصرية. بينها حجر رشيد، الذي أودع في أحد المستودعات باعتباره من مقتنيات القائد الفرنسي جاك فرانسوا مينو”.
ومع اشتداد الحصار البريطاني على المدينة، اضطر مينو في 30 أغسطس 1801 إلى إعلان الاستسلام. وبموجب المادة 16 من اتفاقية التسوية، جرى تسليم جميع الآثار التي كانت بحوزة الفرنسيين، بما فيها حجر رشيد، إلى البريطانيين الذين نقلوه لاحقًا إلى لندن.
أحقية بريطانيا في إعارة حجر رشيد
أوضح الخبير الأثري أن حجر رشيد خرج من مصر في فترة خضوعها للسيطرة العثمانية. وعن أحقية بريطانيا في الحصول عليه آنذاك قال: “يعتبر أخذ انجلترا لحجر رشيد من الفرنسيين أمرا مقبولا من قبل الخلافة العثمانية التي كانت تسيطر على مصر. نظرا للحلف القائم بينها وبين انجلترا في ذلك الوقت. وهو ما منح الأخيرة الموافقة على أخذ الغنائم من الجيش الفرنسي، بما فيها الآثار”.
وعن مفاوضات بريطانيا وفرنسا لنقل حجر رشيد دون الرجوع إلى مصر، أضاف: “خرج الحجر بموجب معاهدة رسمية دولية، وبالتالي لا تستطيع مصر الاحتجاج على أي تصرف لإعارته من بريطانيا لأي دولة أخرى. نظرا لعدم وجود حق ملكية فكرية للآثار في المعاهدة الدولية”.
حقوق الملكية الفكرية والقوانين الدولية
أشار الدكتور ريحان إلى أن المجتمع الدولي تجاهل حقوق الملكية الفكرية للآثار التي بدأ سريانها عام 1995، والتي تنص على ضرورة الحصول على تصريح من مالك الحق الفكري ودفع ثمن لهذا الانتفاع. وقال: “وضعوا القوانين والاتفاقيات الدولية ظاهريًا لحفظ استقرار المجتمع الدولي. وباطنيًا لشرعنة الحصول على آثار البلاد صاحبة الحضارات العظيمة ومنها مصر”.
وأردف: “تجاهل المجتمع الدولي إدراج التراث المادي ضمن اتفاقية حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالمنظمة العالمية للملكية الفكرية (ويبو)، التابعة للأمم المتحدة. والتي أسست عام 1967 في جينيف بعد مؤتمر باريس للملكية الصناعية، وتضم 177 دولة من بينها مصر”.
عدم تضمين الآثار
كشف عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة أن استبعاد التراث المادي من الاتفاقية الدولية يعود إلى رغبة الدول في الاحتفاظ بالقطع المنهوبة من بلاد أخرى – وعلى رأسها مصر – وعرضها في متاحفها. دون منح أي حقوق مادية أو أدبية للدول الأصلية.
وأوضح أن هذه الدول، رغم ادعائها “الملكية القانونية” لتلك القطع الأثرية. إلا أنها – على حد وصفه – تروج لها على أنها آثار مصرية، ما يعود عليها بأرباح ضخمة تُقدّر بالمليارات. سواء من زيارات المتاحف أو من إعارتها مؤقتا أو حتى من بيع نسخ مستنسخة منها.
حجر رشيد وافتتاح المتحف المصري الكبير
ليست المطالب باستعارة حجر رشيد جديدة، ففي عام 2009 بدأت مفاوضات غير رسمية بين مصر وبريطانيا لعرضه بشكل مؤقت في القاهرة. وبحسب تقرير نشرته «هيئة الإذاعة البريطانية» في ديسمبر 2009، قال د. زاهي حواس، رئيس هيئة الآثار المصرية آنذاك: “سأتخلى عن المطالبة باستعادة حجر رشيد بشكل دائم إذا وافق المتحف البريطاني على إعارته لمصر”.
وأضاف حواس أنه، رغم رغبته في عودة الحجر إلى موطنه الأصلي، فإنه سيكتفي بإعارته لمدة ثلاثة أشهر، وكتب إلى المتحف البريطاني يطلب عرضه مؤقتا بمناسبة افتتاح المتحف المصري الكبير بالجيزة عام 2013. لكن متحدثة باسم المتحف البريطاني صرحت بأن مصر لم تتقدم بطلب رسمي لإعادة «حجر رشيد» بشكل دائم، أما طلب الإعارة المؤقتة سيناقشه أمناء المتحف.
أهمية حجر رشيد
بحسب “بي بي سي”، تكمن أهمية «حجر رشيد» في أنه يحمل نصوصا بثلاث لغات: الهيروغليفية، والديموطيقية (المصرية القديمة)، واليونانية القديمة. وأتاح وجود النص اليوناني إمكانية فك رموز الهيروغليفية لأول مرة، وهو ما فتح الباب أمام فهم تاريخ مصر القديمة وحضارتها.
لجأت العديد من الدول حول العالم، إلى وضع تشريعات وعقوبات صارمة تمنع هدم أو تعديل المباني التاريخية، وتخضع هذه التشريعات لتعديلات مستمرة، خاصة مع تسارع البناء حول العالم. وللحفاظ على المباني التاريخية غير المُسجلة كآثار، تتخذ الحماية أشكالا متعددة، من فرنسا إلى الولايات المتحدة، وصولا إلى اسكتلندا وأذربيجان، حيث يتم إتباع أساليب مُبتكرة مثل نقل المباني التي تزن مئات الأطنان، إلى إعادة تأهيل مسارح ومصانع قديمة وتحويلها إلى بنوك أو متاحف أو وحدات سكنية. ويرصد «باب مصر» نماذج من تجارب دولية توضح آلية تعامل الحكومات وشركات التطوير العقاري والتخطيط العمراني مع المباني التاريخية.
حماية التراث
في الولايات المتحدة الأمريكية، تزايد الاهتمام بقوانين الحفاظ على التراث التاريخي في السنوات الأخيرة، إذ تسن لحماية المباني والمعالم ذات القيمة التاريخية.
وبحسب هيئة المتنزهات الوطنية، هناك نحو 2300 قانون معني بالحفاظ على التراث في أنحاء الولايات المتحدة.
تعارض المباني التاريخية مع التخطيط المعاصر
تتعارض بعض المباني التاريخية مع التخطيط الحضري المعاصر، مثل خطة التطوير التي وضعت عام 2023 لإعادة تصميم موقع مكتبة تاريخية ودمجها مع مساحة خضراء عامة. وكانت الإشكالية هي كيفية الحفاظ على هذا الإرث المعماري الذي شكل جزءا من الهوية الثقافية للمدينة.
وكان أحد الحلول المبتكرة هو الاستعانة بشركة “وولف هاوس بيلدينج موفرز – wolfehousebuildingmovers” المتخصصة في نقل الهياكل والمنازل بالكامل من مكانها إلى مكان آخر. هدف واحد هو الحفاظ على المباني والأشجار التاريخية.
نقل المنازل من مكانها
على مدار 50 عاما، نجحت الشركة الأمريكية في إنقاذ العديد من المباني التاريخي عبر نقلها بالكامل من أماكنها. وتعرف هذه المهمة بأنها ليست سهلة، خاصة عند التعامل مع منازل تاريخية يتجاوز عمرها 200 عام، أو أشجار تاريخية يزيد وزنها عن 300 طن.
وقد نقلت الشركة مبنى المكتبة التاريخية الذي شيد عام 1913 من الحجر والطوب بولاية كونيتيكت، مسافة 115 قدمًا داخل قطعة الأرض نفسها، مع تدويره بمقدار خمس درجات وتثبيته على أساس جديد.
الإعداد لنقل المبنى من مكانه – موقع شركة النقل
الحفاظ على حُلي المبنى التاريخي
خلال عمليات النقل، حرصت الشركة على الحفاظ على كلما هو قديم بالمبنى التاريخي، مثل الأرضيات المصنوعة من الطين المحروق والأعمدة الكلاسيكية في مدخل المبنى.
كما نجحت في مشروع آخر بإنقاذ أثقل مبنى تاريخي بوزن وصل إلى 1750 طنا، من خلال نقله بالكامل، وهو فندق “بيلفيو بيلتمور” في بيلير بولاية فلوريدا، الذي يرجع تاريخ بنائه إلى عام 1897.
صون محطات السكك الحديدية التاريخية
لم يكن الهدف من نقل المباني التاريخية هو إنقاذها من الهدم فقط أو من تعارضها مع المشاريع الإنشائية الحديثة. ففي ولاية ميشيجان الأمريكية، على سبيل المثال، كانت هناك محطة سكك حديدية تاريخية في موقع معزول. وبسبب عدم استغلال مبنى المحطة، نفذ مشروع لنقلها من موقعها المعزول إلى وسط المدينة. حيث تكثر الأنشطة الثقافية، بهدف إعادتها إلى الواجهة كمعلم تاريخي وثقافي.
المحطة التي شيدت عام 1867 تعد واحدة من أقدم الأبنية في المنطقة. وتتميز بجدران حجرية سميكة يتراوح سمكها بين 17 و24 بوصة. فيما يبلغ طول المبنى 96 قدمًا وعرضه 41 قدمًا، ويزن نحو 304 أطنان. ومن بين المقترحات المطروحة لاستغلال المبنى بعد ترميمه، تحويله إلى متحف تفاعلي إلى الأطفال.
إرث محطة قطار أنفاق
يبدو أن الاهتمام بمباني محطات السكك الحديدية القديمة كان أولوية. إذ هدد مشروع توسعة طريق منزل “كوكس” التاريخي الذي يرجع إلى أواخر القرن الثامن عشر. وتكمن أهمية هذا المبنى في كونه جزءا من إرث محطات القطار بالولاية.
وقد نقلت شركة “وولف هاوس موفرز” المنزل من موقعه بجانب الطريق السريع إلى مكان أكثر أمانًا داخل حدائق ولاية بنسلفانيا، حفاظا عليه من آثار توسعة الطريق.
محطة سرية
بُني هذا البيت التاريخي عام 1790 من الطوب الأحمر، وكان لا يبعد سوى ثمانية أقدام عن الطريق السريع. وقد حظي بالاهتمام نظرا لدوره الإنساني في التاريخ الأميركي. إذ اُستخدِم كمحطة سرية ضمن شبكة “قطار الأنفاق” التي ساعدت العبيد الهاربين على الفرار شمالا نحو كندا خلال أوائل القرن التاسع عشر. وخلال عملية النقل، جرى الحفاظ على المداخن والمدافئ الأصلية.
آلية نقل المبنى من مكانه – موقع شركة وولف هاوس بيلدينج موفرز
الحفاظ على التاريخ
يُعرف موقع التخطيط العمراني “نوروك تومورو” المباني التاريخية بأنها ليست مجرد هياكل قديمة، بل خيوط حيوية في نسيج هوية المدينة، وأن الحفاظ عليها يشكل شخصية المجتمع ومستقبله.
ويضيف الموقع: “تشكل المباني التاريخية روابط ملموسة بالماضي، مضفية شعورا بالانتماء للمكان والاستمرارية. فهي تجسد التطور الثقافي والجمالي للمدينة، وغالبًا ما تخلد ذكرى أحداث هامة”.
الفوائد الاقتصادية
يعدد موقع التخطيط العمراني الفوائد الاقتصادية للحفاظ على المباني التاريخية، منها:
1- جودة بناء المباني قبل الحرب العالمية الثانية، التي تتميز بحرفية فائقة ومواد مثل خشب الصنوبر أو الرخام أو الطوب المصنوع يدويًا. أما المباني الحديثة فنادرًا ما تحاكي هذه المتانة أو الطابع المميز.
2- يمكن لإعادة تأهيل المباني التاريخية تحفيز النمو الاقتصادي. إذ أنها بعد الترميم تجذب المستثمرين والسياح والشركات الجديدة. كما يمكن لإعادة توظيف مبنى واحد مهجور إلى مساحات تجارية أو متعددة الاستخدامات أن تحدث نقلة نوعية في طبيعة الحي.
الأهمية الجمالية والبيئية للمباني القديمة
كذلك سلط موقع التخطيط العمراني الأمريكي الضوء على الأهمية الجمالية والبيئية للمباني القديمة. لما تحتويه من تفاصيل وميزات لم تعد موجودة في المباني الحديثة. مثل الواجهات الزخرفية، والأعمال الزجاجية غير التقليدية، والمواد النحاسية.
بالإضافة إلى الطوب القديم، والأخشاب العتيقة، والرسومات على الجدران أو السقف، والزجاج الملون. ويصفها الخبراء بأنها جوهر الهوية الخاصة بالمباني القديمة، والتي تجعلها أكثر جاذبية من المباني الحديثة.
إلى جانب ذلك يمثل الحفاظ على المباني القديمة شكلا من أشكال إعادة التدوير. وبحسب تقرير خبراء التخطيط العمراني: “يحسن إصلاح المباني القائمة وإعادة استخدامها من كفاءة استخدام الطاقة والموارد المادية، ويقلل من النفايات. فلا حاجة لإنتاج مواد جديدة، ولا للتخلص من المواد القديمة المهدمة. كما أن هدم المباني قد يطلق سمومًا وملوثات في البيئة”.
منح للحفاظ على التراث
يتم الحفاظ على المباني التاريخية من خلال ترميمها واستغلالها. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، شهدت مدينة نورووك استثمارات ملحوظة، مع الحفاظ على مبانيها التاريخية العديدة وطابعها المميز.
وتتوفر العديد من البرامج لتمويل إعادة تأهيل المباني التاريخية. ويمكن للمنظمات غير الربحية، وشركات الإسكان غير الربحية، ومالكي المنازل التقدم بطلب للحصول على منح من صندوق الترميم التاريخي.
إحياء مبانٍ تاريخية
يعد إحياء المباني التاريخية وإعادة استغلالها بشكل معاصر مع الحفاظ على طابعها المميز من المشاريع الشائعة في الولايات المتحدة. ولإعادة استخدام هذه المباني، يتم ترميمها عبر الإعفاءات الضريبية. ففي ولاية أوهايو الأمريكية، على سبيل المثال، تم تخصيص ميزانية 66 مليون دولار لترميم وإحياء 39 مبنى تاريخي على مستوى الولاية.
وتعمل هذه المشاريع على تحويل المباني التاريخية إلى وحدات سكنية أو مبان خدمية ومكاتب عمل. ومن بينها مصنع “أكرون” للصابون” الذي بني عام 1893. بحسب موقع “سيجنال أكرون”.
فيما شهدت ولاية أيوا منذ عام 2018 التخطيط لبناء مقر لبنك. وكانت الخطة الأمثل استغلال مسرح “ستراند” التاريخي، الذي يرجع تاريخ بنائه إلى عام 1915. وتحويله إلى مبنى خدمي بالكامل، يتضمن مقر لبنك وصالة ألعاب رياضية. ووفقا لموقع “كيه آر سي جيه” فقد تم افتتاحه بالفعل ضمن مشروع لترميم المسرح التاريخي. بقيمة 31 مليون دولار لإحياء عدد من المباني التاريخية بالولاية.
صندوق الحفاظ على المباني التاريخية
بالانتقال إلى اسكتلندا، أولي اهتمام خاص بالمباني التاريخية من خلال إطلاق مؤسسة المباني التاريخية الاسكتلندية مشروعا تجريبيا لتعليم مهارات البناء التقليدية، مع توفير تدريبات على الحرف اليدوية للسكان المحليين.
ووفقا لموقع “بوردر تيليجراف”، حصلت المؤسسة على تمويل رسمي من صندوق مشترك تابع للحكومة البريطانية، وشجعت أصحاب العقارات التاريخية على المشاركة إما بتقديم مبانيهم أو التوصية بترميم مبانٍ أخرى.
حماية مبنى أول إذاعة في أذربيجان
أما في أذربيجان، فيحرص محبو التراث على الحفاظ على المباني التاريخية، ففي عام 2019، تجمّع أكثر من 200 شخص داخل مبنى قديم بحي في العاصمة “باكو” لمنع هدمه.
وطالبوا وزارة الثقافة بإدراجه ضمن قائمة المباني التاريخية المحمية. وبحسب موقع “oc media”، فإن المبنى الذي كان في الأصل كنيسة تابعة لطائفة المولوكان، استخدم لاحقا كدار للسينما، وكان تاريخيا مقر أول محطة إذاعية في البلاد.
قيود التراث في فرنسا
في فرنسا، تخضع نحو ثلث المنازل لقيود صارمة تهدف إلى الحفاظ على الطابع الجمالي والمعماري الفريد للمدن والقرى. هذه القواعد لا تستثني حتى أعمال التجديد الحديثة، بما فيها تحسين كفاءة الطاقة. والتي يتم تنفيذها بحسب توصيات مهندسي المباني الفرنسية (ABF)، الجهة المكلفة من وزارة الثقافة بحماية التراث.
القاعدة الأساسية التي تفرضها الهيئة هي الحفاظ على المظهر الخارجي للمباني. بحيث يظل مطابقا قدر الإمكان لما كان عليه في الماضي. ومن بين المشاريع التي حظيت بالاهتمام ترميم محل جزارة قديم يعود إلى عام 1945. بدعم مالي من البلدية لعزل الجدران والأرضيات والأسقف وتحديث نظام التهوية.
قصر فو لو بينيل التاريخي في إقليم سين إيه مارن – مشاع إبداعي
ضوابط فرنسية لحماية التراث
تخضع جميع الأعمال التي تتم بالقرب من المعالم التاريخية في فرنسا لإجراءات تنظيمية مشددة تهدف إلى حماية القيمة الثقافية والمعمارية لهذه المواقع.
وبحسب الموقع الرسمي لوزارة الثقافة الفرنسية، تشمل القوانين حماية المبنى المصنف معلما تاريخيا وكذلك المنطقة المحيطة به. وتعتبر هذه الحماية بمثابة “حق ارتفاق للمنفعة العامة”، أي أنها تفرض لصالح المجتمع للحفاظ على التراث الثقافي، بغض النظر عن رغبة المالك.
مصير قلعة فرنسية شهيرة
لكن التلاعب بالقوانين أزمة تواجه قلعة “فولو بينيل” الفرنسية الشهيرة المطلة على نهر السين، والتي تواجه الإهمال. وقد دفعت هذه الأزمة فرنسا لتوقيع اتفاقية مبدئية مع شركة التطوير العقاري “هيستوار آند باتريموان”.
ووفقا لموقع “أكتيو فرانس” جاءت الاتفاقية بهدف استغلال القصر التاريخي وتحويله إلى مجمع سكني يضم حوالي 50 منزلا، مع إعادة تأهيل الحديقة المهملة.
ورغم توقيع العقد، لا تزال المفاوضات جارية دون اتفاق نهائي. وتواجه الشركة عقبات أبرزها إيجاد حلول لمواقف السيارات. لكن محبي التراث أبدوا مخاوف من المشروع، مثل طمس الهوية التراثية أو قطع الأشجار وتقليل المساحات الخضراء المحيطة، وهو ما يتعارض مع بنود العقد.
أهمية الحفاظ على التراث التاريخي
المطالب المستمرة بالحفاظ على المباني التاريخية لا تقتصر على الجانب الجمالي فقط، بل تمتد إلى فوائد اقتصادية وثقافية وبيئية كبيرة. ووفق ما ذكره موقع “بيان كيني للإرشاد القانوني”:
التراث الثقافي والأهمية المعمارية: يساعد حماية المباني التاريخية في الحفاظ على الطابع الفريد وقصة المجتمع.
الفوائد الاقتصادية: تعمل المناطق التاريخية المحفوظة جيدًا على جذب السياحة، وزيادة قيمة الممتلكات، وغالبًا ما تستفيد من الحوافز الضريبية والمنح.
الاستدامة: إعادة الاستخدام التكيفي – ممارسة إعادة استخدام المباني القديمة لاستخدامات جديدة – غالبًا ما تكون أكثر ملائمة للبيئة من الهدم والبناء الجديد، مما يقلل من النفايات ويحافظ على الطاقة المتجسدة.
خيّم الحزن على الأوساط الثقافية العربية والعالمية برحيل الروائي المصري الكبير «صنع الله إبراهيم»، الذي غادر الحياة عن عمر ناهز 88 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا أدبيًا فريدًا شكل مرآة للتحولات السياسية والاجتماعية في العالم العربي منذ أواخر القرن العشرين. ولا سيما في مصر.
لم يكن صنع الله إبراهيم مجرد كاتب روائي، بل كان «مؤرخ الظلم الاجتماعي» كما وصفته العديد من الصحف العالمية. و«الثائر الأدبي» الذي كسر الحواجز بين الوثيقة والسرد. ليُرسخ مكانته كأحد أبرز رموز الأدب العربي في حقبة ما بعد الاستعمار.
يستعرض «باب مصر» رثاء الصحف العالمية لصنع الله إبراهيم، الذي ترجمت كتاباته لأكثر من لغة، والاحتفاء بمسيرته الغزيرة. مع إعادة نشر مواقفه الجريئة، وكتاباته التي تجاوزت حدود الرواية لتتحول إلى أدوات لفهم تعقيدات الواقع العربي. وقد أجمع كثيرون على وصفه بالصوت الحر، الكاتب المُلتزم، والمثقف الذي لم يُساوم.
معارض هيمنة الغرب
نعى موقع قناة “فرانس 24” الفرنسية الروائي المصري الكبير صنع الله إبراهيم. ووصفه بأنه كان من أبرز الأصوات الأدبية المعارضة للقمع السياسي، والليبرالية الجديدة، وهيمنة الغرب على العالم العربي.
ولد إبراهيم في القاهرة عام 1937، وذاع صيته في مختلف أنحاء العالم العربي بوصفه “مؤرخًا للظلم الاجتماعي”. بفضل أسلوبه السردي الوثائقي المكثف، واستقلاله الفكري الواضح.
وأشار التقرير إلى أن أعماله تميزت بتداخل العوالم الشخصية والسياسية. ووثقت تحولات العالم العربي في مرحلة ما بعد الاستعمار، مع تركيز خاص على التجربة المصرية. وتعد روايته الأشهر “ذات” (1992) نموذجًا لذلك، إذ ترصد التحولات الاجتماعية والسياسية في مصر من ثورة 1952 وحتى حقبة الانفتاح والليبرالية في التسعينيات. من خلال سيرة امرأة مصرية عادية تنتمي إلى الطبقة المتوسطة.
تاريخ نضال
بدوره، نقل موقع “كولومبيا جورج نيوز” ما ورد في تقرير “فرانس 24″، مُذكّرًا بتاريخ إبراهيم النضالي. إذ تعرض للسجن لأول مرة في عام 1959 بسبب انتمائه اليساري خلال حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وهو ما شكّل بداية مسيرته ككاتب يساري لم يتنازل عن مواقفه حتى آخر أيامه.
وقد شكلت السنوات الخمس التي قضاها في السجن نقطة انطلاق لمسيرته الأدبية، إذ استوحى منها روايته الأولى “تلك الرائحة” التي نُشرت عام 1966. وواجهت الحظر بسبب جرأتها وتناولها المباشر للواقع السياسي والاجتماعي.
شهرة عالمية
تناول التقرير الشهرة العالمية التي نالها صنع الله إبراهيم، في الأوساط الثقافية العربية والعالمية. خاصة بعد ترجمة عدد من أعماله إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية.
كما أشار تقرير “كولومبيا جورج نيوز” إلى موقف إبراهيم في عام 2003، حين أثار جدلًا واسعًا برفضه جائزة ملتقى الرواية العربية التي كانت ستمنحها له وزارة الثقافة. في موقف اعتبر إشارة مباشرة إلى الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية خلال انتفاضة الأقصى الثانية.
كتابات رمزية
من أبرز أعماله أيضًا رواية “اللجنة” (1981)، التي تُعد من أشهر كتاباته وأكثرها رمزية. إذ تنتمي إلى أدب الكابوس السياسي وتتناول بذكاء قمع البيروقراطية والمراقبة. أما “التلصص” (2007)، فهي عمل أقرب إلى السيرة الذاتية، يستعيد فيه الكاتب تفاصيل طفولته خلال الحرب العالمية الثانية.
مصر على مدار 50 عاما
كما نعت صحيفة “gliasinirivista” الإيطالية، صنع الله إبراهيم، من خلال إعادة نشر مقابلة أجريت معه في يونيو 2006 بالقاهرة، حيث استقبل “جوليانو باتيستون” في منزله. ونشرت المقابلة حينها في صحيفة “إل مانيفستو” بتاريخ 3 أغسطس 2006. إلى جانب مقابلات مع الكاتبين جمال الغيطاني وعلاء الأسواني.
وسأله المُحاوِر عمن يرغب في فهم التحولات التي أثّرت على الحياة السياسية والاجتماعية في مصر على مدى الخمسين عامًا الماضية. فأجاب: “في ذلك الوقت، كان لكل أمة “أب” للبلاد، رجل حكيم، أو على الأقل اعتبر نفسه كذلك: ديجول الفرنسي، وكينيدي الأمريكي، وستالين السوفيتي، وسوكارنو الإندونيسي، ونهرو وغاندي الهنديان، وكوامي نكروما الغاني. أما ناصر، الذي كان جنديًا، فكان رمزًا للمصريين ورمزًا للمقاومة والكفاح ضد الاحتلال الأجنبي. ويكمن إرثه في دفاعه عن الاستقلال الوطني واستعادته”.
مواقف سياسية
تطرق المحاور إلى سؤاله عن حكومة الرئيس محمد حسني مبارك، فأجاب إبراهيم: “بعد اغتيال السادات، ظنّ المصريون أن مبارك سيفي بوعوده. كان هذا الوهم قويًا”. واستشهد بموقف الأديب نجيب محفوظ، مبينا أنه رغم مكانته الأدبية الرفيعة، ظل موقفه من بعض القضايا محل جدل. خاصة حين يتعلق الأمر بحرية النشر والتعبير.
وأضاف في الحوار المُعاد نشره: “ظل محفوظ ـ وهو الأب الروحي لجيل كامل من الروائيين المصريين ـ يرفض السماح بنشر روايته المثيرة للجدل “أولاد حارتنا” داخل مصر ما لم تحصل على موافقة الأزهر. وهو ما يثير تساؤلات حول مدى استعداده للدفاع عن المساحة العلمانية في المجتمع. وعلى الرغم من إدراكه العميق لما جرى في مصر سياسيًا واجتماعيًا، فإن محفوظ لم يكن ممن يعلّقون على الأسباب علنًا. فالرجل الذي أمضى حياته موظفًا حكوميًا، احتفظ في مواقفه العامة بمسافة محسوبة من السلطة”.
رحيل أحد أعمدة العربي
تحت عنوان «صنع الله إبراهيم.. رحيل أحد أعمدة الأدب العربي ومؤرخ الظلم الاجتماعي»، نشر موقع “المونيتور” تقريرا عن مسيرة صنع الله إبراهيم. ووصف مسيرته الأدبية الحافلة بأنها تميزت بالنقد الحاد.
فيما أشار موقع “ذا فويس – صوت المغرب” إلى مسيرة الروائي المصري، واعتبر أنه “نجح في ترسيخ مكانته كأحد أبرز كتاب العالم العربي في حقبة ما بعد الاستعمار”. بعدما كسر الحواجز بفضل أسلوبه القريب من السرد الوثائقي. إذ ترجمت العديد من رواياته إلى الإنجليزية والفرنسية.
أديب يساري
«أثبت مؤلف رواية ذات نفسه كأحد أبرز الُكتاب النقديين في العالم العربي في فترة ما بعد الاستعمار»- هكذا نعت صحيفة “لوفيجارو” الفرنسية الأديب صنع الله إبراهيم.
وأشارت الصحيفة إلى الفترة التي قضاها في السجن بسبب معتقداته اليسارية في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وتأثيرها على كتاباته وفكره الأدبي.
الثائر الخالد
في تقريرها باللغة الفرنسية، وصفت صحيفة “لوموند” صنع الله بـ”الثائر الخالد في الأدب العربي”. وجاء هذا الوصف نظرا لتركيز التقرير على فترة سجن الكاتب اليساري، التي أثرت على أدبه فوصف المجتمع المصري وعيوبه.
وجاء فيه: “ترك عمل صنع الله إبراهيم بصمةً على الأدب العربي، أسلوبًا وموضوعًا. فقد وثّق المجتمع المصري، وتجربة السجن، والمُثُل الثورية لليسار العربي في ستينيات القرن الماضي”.
طالب شيوعي
تأثر إبراهيم بنشأته في عائلة متوسطة الحال، وألهمته قصص الأديب الراحل نجيب محفوظ. وتتابع الصحيفة أن شخصيته الأدبية لم تتجسد خلف مكتب تقليدي، بل داخل سجن. فحين كان طالبا في كلية الحقوق بدأ حملة سرية للحركة الشيوعية. ما أدى إلى اعتقاله عام 1959 وقضائه خمس سنوات في السجن.
رمز للأدب المعاصر
وصفت مجلة “ماروك إيبدو” المغربية صنع الله إبراهيم بالكاتب المصري الكبير، وأحد أعمدة الأدب العربي. وأضاف التقرير أنه كان رمزًا من رموز الأدب المصري المعاصر. وترك بصمته من خلال قصصه الملتزمة التي جمعت بين التحليل الاجتماعي والنقد السياسي والتأمل في الحالة الإنسانية.
كما أشار إلى أن أعماله تميّزت بعمقها الفريد والتزامها الدائم بقضايا المجتمع والتاريخ، والتي بدورها جذبت انتباه أجيال عديدة من الكُتّاب العرب.
الصوت الحر
«الصوت الحر للأدب العربي» – بهذا الوصف نشر موقع “فرانس إنفو” تقريرا عن صنع الله إبراهيم بعد رحيله. ونعته بأنه كان كاتبًا ملتزمًا يتمتع بأسلوب تقريري راقٍ، وله مكانة كواحد من أبرز الأصوات النقدية. مستكشفًا بجرأة التوترات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في عصره.
ابن جيل الستينيات
لم يقتصر اهتمام الصحافة العالمية على رثائه باللغتين الإنجليزية والفرنسية فقط. بل نشرت العديد من المواقع والصحف الإسبانية تقارير مطولة عنه.
فقد كتب موقع “بيريوديستاس” الإسباني عن رحيل الكاتب المصري، تاركا إرثاً ثقافياً كبيراً على الساحة الأدبية العربية. ووصفته بأنه كان إنساناً متواضعاً، يسكن في شقة مساحتها 80 متراً مربعاً في الطابق السابع، في حي مصر الجديدة. وينتمي إلى ما يسمى بجيل الستينيات. وكان معروفًا بأسلوبه المميز في المزج بين السرد الوثائقي والروائي، وإدخال المقتطفات والتقارير الصحفية. وتناول قضايا المجتمع المصري والعربي بعمق ونقد لاذع.
مؤرخ الظلم الاجتماعي
أشار التقرير الإسباني أيضا إلى أن صنع الله إبراهيم كان مؤرخًا للظلم الاجتماعي. واشتهر بنثره الموجز وأسلوبه الوثائقي واستقلاليته الشديدة. وذكر أنه درس القانون، وانضم إلى الحركة الديمقراطية الماركسية للتحرر الوطني. ودرس السينما في برلين الشرقية والصحافة في موسكو. قبل أن يستقر بشكل دائم في القاهرة عام 1974 ليتفرغ للأدب. وكان عمله الأول، الرواية القصيرة “تلك الرائحة” (1966)، من أوائل الروايات في الأدب المصري ذات التوجهات الحداثية والواقعية. وقد أثارت جدلاً حاداً، ومنعت السلطات بيعها.
أما روايته “اللجنة” (1981)، وهي نصٌّ يليق بكافكا. حيث يتوق بطلها للانضمام إلى منظمةٍ غامضة، ويخضع مرارًا وتكرارًا لتحقيقاتٍ في ماضيه، علامةً فارقةً في الأدب العربي الحديث. حتى أن الكاتب الفرنسي “توماس أزويلوس” حوّلها إلى روايةٍ مصورة عام 2016.
أديب ملهم
أشارت الصحيفة الاسبانية إلى أن صنع الله إبراهيم كان من أهم الأصوات الأدبية التي أثرت على أجيال متعاقبة من الأدباء. إذ ترك بصمة واضحة على المشهد الثقافي العربي بكتاباته الجريئة والعميقة.
كما استلهم أجيال من الكتاب العرب أسلوبه البسيط، المحمل بالسخرية والمتجذر في الحياة اليومية. وقد ترجمت العديد من أعماله إلى اللغة الإنجليزية منذ عام 1971، وإلى اللغة الفرنسية منذ عام 1987.
مؤرخ أدبي لعصره!
كذلك نشرت صحيفة ” لافوز دي جاليثيا” الاسبانية تقريرا آخر، وصفته فيه بأنه لم يترك وراءه مسيرة أدبية امتدت لأكثر من خمسة عقود فقط. بل إرثًا إنسانيًا جعله من أبرز الشخصيات المؤثرة في الحركة الأدبية العربية المعاصرة. ورأت فيه أحد أهم روائيي القرن العشرين في العالم العربي، ورائدًا في فتح آفاق جديدة للنقد الاجتماعي من خلال أسلوب سردي مبتكر وواقعي للغاية.
كما أشارت إلى أنه بعد تخرجه في كلية الآداب بجامعة القاهرة، أصبح شخصية محورية في الأدب العربي، لالتزامه بالقضايا الإنسانية وتصويره الدقيق للواقع المصري والعربي. وقدرته على توثيق الأحداث التاريخية والاجتماعية والسياسية المهمة من خلال الأدب. وقدّمت أعماله رؤية فريدة لحياته الشخصية، مما جعله مؤرخًا أدبيًا لعصره.
عمل غزير الإنتاج
من أبرز رواياته: رواية “شرف” التي تناولت قضايا اجتماعية وتعتبر ثالث أفضل رواية عربية في التاريخ. و”ذات” التي رصدت التحولات الاجتماعية من خلال وثائق شخصية. و”نجمة آب” و”بيروت” و”النيل: مآسي” و”وردة” و”العمامة والقبعة”. وترجمت العديد من هذه الأعمال إلى الإسبانية، مثل “الخارج عن القانون” و”اللجنة” و”اللون الأحمر” التي يتجلى فيها أسلوبه النقدي. ويعكس بصدق ظروف المعيشة في شوارع العالم العربي.
وقد لعبت الفلسفة دورًا محوريًا في أعماله، لا سيما فيما يتعلق بمفاهيم الحرية والهوية والعدالة الاجتماعية. فلم يكن إبراهيم مجرد كاتب، بل كان أيضًا مفكرًا اجتماعيًا ومؤرخًا لعصره. وأصبحت نصوصه أداة أساسية لفهم التعقيدات السياسية والثقافية والاجتماعية لمصر الحديثة والعالم العربي عمومًا. ولا تزال أعماله مراجع أساسية لمن يسعى لفهم التطور التاريخي والثقافي للشرق الأوسط.
تجاوزت أعمال الأديب الكبير الراحل «صنع الله إبراهيم» حدود اللغة والجغرافيا، إذ تُرجمت العديد من روايات أبرز الكتّاب المصريين إلى لغات مختلفة، مما جعله من أكثر الأدباء العرب حضورًا وانتشارًا على الساحة العالمية. هذا الامتداد لم يكن فقط بسبب قيمته الأدبية، بل أيضًا بسبب الطابع السياسي والفكري لكتاباته، وارتباطها الوثيق بتحولات مصر في العقود الأخيرة.
من تأثير الاتحاد السوفيتي، إلى حياة المصريين في ظل الاحتلال الفرنسي. وجد كل مترجم في كتابات صنع الله إبراهيم، ما يبحث عنه، وما يرغب في إعادة تقديمه لقراء بلاده.. ويستعرض «باب مصر» أعمال الأديب الراحل في أعين مترجميه، الذين تحدثوا عنها في حوارات سابقة.
ومن بين أعماله المترجمة، ترجمة مارجريت ليتفين لرواية “الجليد” إلى اللغة الإنجليزية. وترجمة رواية “العمامة والقبعة” إلى الإنجليزية بواسطة بروس فادج، وإلى الفرنسية بواسطة المستعرب الفرنسي ريتشارد جاكيمون. كما صدرت ترجمات حديثة نسبيًا لرواية “بيروت”، بيروت بترجمة شيب روزيتي عام 2014. ورواية “تلك الرائحة” وكتاب “ملاحظات من السجن” بترجمة روبين كريزويل للإنجليزية عام 2013.
روايات صنع الله إبراهيم بالفرنسية
قدم ريشار جاكيمون، المستعرب الفرنسي والأكاديمي البارز، وأستاذ اللغة العربية المعاصرة وآدابها في جامعة “آكس أون بروفانس” الفرنسية، أعمال الأديب صنع الله إبراهيم للقارئ الأجنبي باللغة الفرنسية. مثل رواية “تلك الرائحة” في عام 2011، وروايتي “الجليد” و”وردة”.
عاش جاكيمون أكثر من 15 عامًا في مصر، وتعلم اللغة العربية وأتقنها. وعمل مديرًا لقسم الترجمة في البعثة الثقافية الفرنسية. وعن “تلك الرائحة”، التي كانت قد تعرضت للرقابة عند نشرها عام 1966 ولم تظهر كاملة إلا بعد عشرين عاما. يصف صنع الله إبراهيم فيها المصالحة الصعبة مع الحرية التي يعيشها سجين سابق، تنقذه كتاباته من الكارثة.
“تلك الرائحة” بالإنجليزية مرتين
رغم وجود ترجمة سابقة لرواية تلك الرائحة بالإنجليزية، فإن روبين كريزويل، الناقد والباحث والمترجم الأمريكي وأستاذ الأدب المقارن في جامعة براون، أعاد ترجمتها مع كتاب “ملاحظات من السجن”.
كتب إبراهيم الرواية في منتصف الستينيات، بعد فترة قصيرة من قضاء عقوبة سجنه. وتدور أحداثها حول حياة رجل بعد أيام من إطلاق سراحه، وهو يحاول إعادة الاندماج في الحياة اليومية بالقاهرة. بينما تسيطر عليه صدمة ثقافية بسبب السجن.
وفي حوار مع صحيفة جيرنيكا ديلي، تحدث كريزويل عن تجربته في نقل غرابة الرواية، التي تنشأ – على حد وصفه – من إشارات إلى همنجواي. وقد اختار ترجمتها، رغم ترجمتها السابقة، لأنه يعتبرها من أفضل أعمال إبراهيم، مضيفا: “عندما نشرت الرواية في منتصف الستينيات، صُدم القراء المصريون. من المواقف الجنسية التي كانت فاضحة إلى حد ما، لكنني أعتقد أن ما أزعجهم حقًا هو الأسلوب”.
التجريد من المفردات
أضاف كريزويل: “لقد صقل إبراهيم البلاغة العربية وجرّدها من مفرداتها تمامًا. تخلّص من الاستعارات، ورفض استخدام الألفاظ البذيئة. إنها روايةٌ لا تقبل المساومة. وبالنسبة لي، كآبتها مبهجةٌ بشكلٍ غريب. أعتقد أن الترجمة الإنجليزية السابقة، التي نفدت طبعتها منذ فترة طويلة، لم تنصف غرابة الرواية”.
ملاحظات من السجن
ضمّن كريزويل في النسخة المترجمة من “تلك الرائحة” كتاب “ملاحظات من السجن”، وهي مجموعة مختارة من مذكرات إبراهيم التي احتفظ بها في السجن في أوائل الستينيات، قبل أن يصبح كتابا. وتابع في الحوار مع صحيفة “جيرنيكا ديلي”: “نُشرت المذكرات في القاهرة عام 2004. ووجدتها في مكتبتي المفضلة بوسط المدينة، وأذهلني أنها ليست سجلاً للحياة اليومية في السجن، بقدر ما هي مذكرات قارئ”.
غلاف رواية تلك الرحلة
التأثر بأدب إرنست همنجواي
يشير كريزويل إلى أن ما يميّز علاقة إبراهيم بالأدب العالمي، وخاصة المترجم منه، ليس “التأثر” بالمعنى التقليدي. بل قدرته على اختيار ما يخدم مشروعه الأدبي وتجاهل ما لا يتوافق معه. ويؤكد أن قراءة إبراهيم لأرنست همنجواي كانت مفصلية، بل إن إبراهيم نفسه أقرّ بأهمية هذا التأثير. خاصة على مستوى الأسلوب.
ويضيف: “بساطة لغة إبراهيم وتحديده في السرد، تعود بشكل كبير إلى همنجواي، الذي كان يعتبر أن كتابة الحقيقة تبدأ بتسجيل ما يرى ويسمع. كما جاء في (التلال الخضراء في إفريقيا). وقد تبنى إبراهيم هذه المقاربة كأساس لكتابته”.
التحرر من رهبة النص الأصلي
يرجح كريزويل أن قراءة إبراهيم لأعمال مثل همنجواي، جويس، ويفتوشينكو- التي وصلته عبر ترجمات جزئية أو مختارات- أتاح له التحرر من رهبة “النص الأصلي” وقراءتها بذهن منفتح وغير مقيّد. ويضيف أن إبراهيم مارس نوعًا من “البريكولاج الأدبي”. أي بناء النصوص من عناصر متفرقة، بشكل إبداعي لا يخضع للوصفات الجاهزة. واصفا أسلوب بأنه “التجربة المستمرة” .
الأدب اليساري في مصر
أشار كريزويل، في مقدمة “تلك الرائحة”، إلى أن أشخاصًا من نفس التوجه السياسي لإبراهيم شاركوا الإخوان المسلمين السجون في الخمسينيات والستينيات. لكنهم لم يتواصلوا اجتماعيًا، ولم تكن بينهم علاقة ودية بين الشيوعيين المصريين والإسلاميين. وعن قلة ترجمة الأدب العربي إلى الإنجليزية مقارنة بالفرنسية أو الإسبانية، أرجع السبب إلى ضعف شبكة الناشرين والمترجمين والمراجعين الأدبيين، لكنه أكد أن هذا الوضع بدأ يتغير.
كما أشار إلى مقال إدوارد سعيد عام 1990 بعنوان “الأدب المحظور”. انتقد فيه الناشرين الأمريكيين لقلة اهتمامهم بأي عمل مكتوب بالعربية، باستثناء أعمال نجيب محفوظ.
“الجليد” باللغة الإنجليزية
ترجمت مارجريت ليتفين، أستاذ الأدب العربي والمقارن بجامعة بوسطن الأمريكية، رواية “الجليد” للأديب الكبير صنع الله إبراهيم، الصادرة عام 2011، من العربية إلى الإنجليزية. وصدرت الترجمة عن دار نشر “سيجال بوكس” عام 2019، بتوزيع من مطبعة جامعة شيكاغو.
أولت ليتفين اهتماما خاصا بترجمة هذه الرواية بعد سنوات من عملها على ترجمة أعمال عالمية أخرى. وحرصت، بصفتها مؤرخة ثقافية عابرة للحدود، على زيارة مصر ولقاء المؤلف عام 2018.
مؤرخ مصري في موسكو
تدور أحداث الرواية في عام 1973 حول المؤرخ المصري شكري، الذي يُكمل عاما في الدراسات العليا بموسكو من دون الحصول على شهادة جامعية.
ويتعرف القارئ عبر السرد على الحياة السوفيتية في عهد بريجنيف وما صاحبه من أزمات، مثل التوترات العرقية داخل الاتحاد السوفيتي. والمتقاعدون الروس العاجزون عن شراء علبة لحم. وزميل السكن القرغيزي الذي يحضر صديقته الروسية للعيش في غرفة يسكنها أربعة أشخاص. إضافة إلى موظفي السفارة العربية الذين يتاجرون في السوق السوداء والنساء الروسيات المحررات لكنهن يشعرن بعدم الأمان.
يسجل شكري هذه التفاصيل بأسلوب واقعي، استنادًا إلى تجربة إبراهيم الشخصية في الدراسة بالمعهد الروسي للسينما في موسكو خلال الفترة من عام 1971 إلى عام 1973.
من شكسبير إلى صنع الله إبراهيم
في حوار مع مجلة “آراب لايت”، تحدثت ليتفين عن التحول في مسيرتها. إذ اتجهت إلى ترجمة رواية صنع الله إبراهيم بعد دراساتها العديدة عن أدب الإنجليزي ويليام شكسبير.
وترى الباحثة أن الاتحاد السوفيتي لعب دورًا محوريًا في تشكيل التفاعل الثقافي بين العالم العربي وأوروبا الشرقية. خاصة في ما يتعلّق بتلقي أعمال شكسبير وتأويلها في السياق العربي، ولا سيما المصري.
وأوضحت أن الاتحاد السوفيتي كان بمثابة الجسر الذي ربط الثقافتين. وقالت: “لفت انتباهي بشكل خاص الكتاب العرب الذين تأثروا بالثقافة الروسية أو عاشوا تجارب شخصية هناك. وهو ما دفعني لإطلاق بحثي الحالي حول العلاقات الثقافية العربية-السوفيتية”.
مؤرخ لمصر في زمن العولمة
أشارت ليتفين إلى أنها ترجمت رواية “الجليد” بعد 8 سنوات من صدورها بالعربية، ووصفتها بأنها عمل أثار اهتمامها بشدة. وعلقت قائلة: “أسلوب صنع الله إثنوغرافي ودقيق تاريخيًا. إنه بمثابة مؤرخ لمصر في زمن العولمة. وقد شدني بشكل خاص ما كتبه عن تجربته مع الاتحاد السوفيتي، ورؤيته لذلك العالم”.
وتعد هذه المقاربة جزءًا من اتجاه بحثي أوسع يستكشف تأثّير التبادل الثقافي بين العرب والسوفييت على الأدب والمسرح. وحتى على التكوين السياسي والفكري لعدد من أبرز المثقفين العرب في القرن العشرين.
هدية مفاجئة
في سياق بحثها الأكاديمي عن العلاقات الثقافية بين العالم العربي والاتحاد السوفيتي، وجدت ليتفين في رواية “الجليد” ما يشبه “الهدية المفاجئة” التي سقطت في أحضان مشروعها. وقالت إنها قرأت، في مرحلة الدراسات العليا، روايات صنع الله إبراهيم مثل “تلك الرائحة” و”اللجنة” و”ذات”. وعندما صدرت “الجليد” عام 2011، شعرت بأنها الأنسب لترجمتها إلى الإنجليزية.
وترى أن الرواية نجحت في تقديم رؤية إثنوغرافية دقيقة للواقع السوفيتي من خلال عين شخصية أجنبية تشعر بالاغتراب.موضحة: “صنع الله إبراهيم يُغرب كل التفاصيل: الطعام، الموسيقى، النكات. وحتى الأشياء اليومية مثل أسماء المساكن الطلابية. أصر على إظهار مدى الغرابة التي شعر بها المصري هناك”.
واستشهدت بمثال تكرّر في الرواية، حيث يخرج الراوي “شكري” مرارًا إلى الشارع. ويسرد قائمة طويلة من الملابس الشتوية التي يرتديها: القبعة، المعطف، القفازات، الوشاح، الجوارب، والحذاء الثقيل. في كل مرة يكرر الطقس البارد كعائق رمزي للتواصل الإنساني ودليل على اغتراب واضح.
غلاف رواية برلين 69
شيوعي في وارسو وبرلين
قبل ترجمة الرواية، درست ليتفين السيرة الذاتية لصنع الله إبراهيم، وقالت: “كان إبراهيم شيوعيا من عام 1959 إلى عام 1964. وقضى بعض الوقت في السجن لهذا السبب. بعد ذلك سافر إلى وارسو وبرلين الشرقية، وعمل في وكالة الأنباء الألمانية الشرقية Allgemeiner Deutscher Nachrichtendienst كمصحح للغة العربية.
كتب رواية عن هذه الفترة بعنوان “برلين 69″، ثم سافر إلى موسكو، وحصل على زمالة في معهد VGIK للتصوير السينمائي في موسكو. هناك التقى بالعديد من السوريين؛ الذين أصبحوا لاحقا كبار المخرجين، وشارك الغرفة مع المخرج محمد ملص. كان كلاهما يكتب – أو على الأقل كان ملص يطمح بالفعل إلى أن يكون كاتبًا– وسجلا ملاحظات عن بعضهما. لكنها لم تكن موجهة إلى جهاز المخابرات السوفيتي.
دونا أحلامهما الأدبية، كما أنتجَا فيلمًا مشتركًا بعنوان “كل شيء في مكانه، وكل شيء في النظام، يا سيدي الضابط”. مثّل فيه صنع الله نفسه كسجين سياسي يقرأ الصحف، رغم أنه لا يجيد التمثيل.
لماذا درس في روسيا؟
كانت روسيا في السبعينات ملتقى المثقفين العرب بسبب وفرة المنح الدراسية وقلة تكاليف المعيشة. وبرغم أنها دولة شمولية، فإن تلك الفترة شهدا قدرا من الحرية وتعددا في الجنسيات العربية هناك.
وتوضح ليتفين أن صنع الله إبراهيم أراد مكانا يستطيع فيه الجلوس والكتابة. إذ لم يكن الوضع آمنًا بالنسبة له في مصر كشيوعي في عهد السادات. لذا، وجد له أحدهم منحة دراسية. كما أن الأدب الروسي كان جذابًا. إذ عملت الدبلوماسية الثقافية السوفيتية على جعله متاحا بترجمات جيدة وبأسعار معقولة. وكانت الروايات الروسية أقل ثمنا من نظيرتها العربية.
مصير أرشيف صنع الله إبراهيم
تطرقت مارجريت للحديث عن لقائها الشخصي بصنع الله إبراهيم في منزله بالقاهرة، وقالت: “أخبرني صنع الله أن رواية الجليد صدرت في الوقت الخطأ، لأن يوم النشر كان 25 يناير 2011. وبسبب الانشغال بالأحداث السياسية لم يتم نقده أدبيا. وقد اعترضت بعض المقالات على عرضه لروسيا، لكن لم يثر الكثير من التعليقات على أسلوبه الأدبي”.
ووصفت أرشيف صنع الله الشخصي بأنه “كنز”، قام بتخزينه في صناديق كثيرة في شقته بمصر الجديدة. وعبرت له عن أمنيتها في عدم التفريط فيه، وأن تقرِّر مكتبة كبيرة اقتناء هذا الأرشيف.
في هذه الصناديق، احتفظ صنع الله بكل شيء: تذاكر السفر والبطاقات البريدية التي تلقاها، ومذكراته وشهادة مدرسة السينما. وتوثيق العديد من مراحل حياته وعمله، وقصاصاته من الصحف المصرية وأرشيفه المنزلي للتاريخ المصري. وأشارت إلى أنه أولى اهتماما بفهم مسيرة جمال عبد الناصر وإرثه. وعلاقة جيله به، واستغل هذا البحث في روايته “1970” كمحاولة لفهم التاريخ المصري ما بعد الاستعمار.
العمامة والقبعة
تُرجمت رواية “العمامة والقبعة” لصنع الله إبراهيم إلى أكثر من لغة، مثل نسختها باللغة الفرنسية بواسطة ريشار جاكمون. وأخرى باللغة الإنجليزية بواسطة بروس فادج أستاذ اللغة العربية بجامعة جنيف. عن دار نشر “سيجال”.
تدور أحداث الرواية عن حياة المصريين خلال الاحتلال الفرنسي، والمواجهة الاستعمارية لمصر. إذ يقدم الكتاب كنص لمخطوطة لم تكتشف من قبل، وهو عبارة عن يوميات كتبها أحد طلاب المؤرخ القاهري الكبير عبد الرحمن الجبرتي، الذي وثّق بشكل مشهور احتلال نابليون بونابرت لمصر لمدة ثلاث سنوات من عام 1798 إلى عام 1801.
مصر خلال الاحتلال الفرنسي
في مقابلة مع “بروس فادج” أجرتها مجلة “آراب لايت”، تحدث عن ترجمته لرواية صنع الله إبراهيم، إذ اطلع على أدبه لأول مرة عندما كان طالبًا في القاهرة في التسعينيات. وقرأ رواياته “تلك الرائحة” و”اللجنة” و”ذات”، إذ كان من بين كتابه المفضلين.
وفي الثمانينات بدأ مشروعه في ترجمة مكتبة الأدب العربي، وكان من بينها “100 ليلة وليلة” الشبيه بـ “ألف ليلة وليلة”، وبعدها أراد ترجمة شيء آخر حديث.
واهتم حينها بنابليون بدافع شخصي، ووجد هذه الحقبة هامة لأن المصادر تمنح صورة واضحة عن تلك الفترة وخاصة القاهرة، ووجد رواية “العمامة والقبعة” لصنع الله إبراهيم تدور حول الأحداث نفسها.
وكان ذلك بعد ترجمة “روبين كريسويل” لرواية “تلك الرائحة”، وقرر ترجمتها بسبب أمران، هما، الجانب التاريخي والجغرافي للرواية، والجانب السياسي، إذ كتب إبراهيم الرواية خلال الاحتلال الأمريكي للعراق.
خيال صنع الله إبراهيم
الشخصية التاريخية الرئيسية في الرواية بعد الجبرتي، هي بولين فوريس، عشيقة بونابرت في مصر. ويصف فادج الرواية بقوله: “يستحوذ خيال صنع الله إبراهيم على الرواية، إذ لا نعرف الكثير عنها وعن عملها تحديدًا في مصر، وعلاقتها بالراوي مُختلقة، متجاوزا بها التفاعل السياسي بين الفرنسيين والقاهريين”.
ووصف أسلوب صنع الله إبراهيم بأنه يتميز بـ”أسلوب أدبي خاص”، مستخدما الوثائق المتاحة لتلك الفترة التي كتبها المراقبون الفرنسيون والمصريون. ومن أبرز التحديات التي واجهها وجود الكثير من المفردات الإدارية والعسكرية من لغة الجبرتي التي لم يكن يعرفها، ولم يعثر عليها في القواميس.
اهتمام المترجمين بكتابات صنع الله إبراهيم
عند سؤاله عن سبب اهتمام المترجمين بأعمال إبراهيم، أوضح: “يعود ذلك إلى شهرته وخبرته الطويلة، ومعظم الأجانب الذين يتعلمون العربية سيصادفون رواياته في مرحلة ما. والأمر الآخر أن معظمها روايات أفكار يمكن ترجمتها بشكل أفضل، ويتناول مواضيع مهمة مثل الثورة، الرأسمالية، الشيوعية”.
وتابع: “تأثر إبراهيم بالاتجاهات الأدبية والفنية خارج العالم العربي، وهذا يجعله أكثر انفتاحًا على القراء الدوليين”.
بدأ الاتحاد الأوروبي تنفيذ قانون جديد يهدف إلى تنظيم استيراد القطع الأثرية والفنية من المجموعات الخاصة المُعارة للمتاحف في الدول الأعضاء. وقد أُصدِر القانون بعد تورط عدد من المتاحف الأوروبية في عرض وبيع قطع مُعارة من مجموعات خاصة يُشتبه في ملكيتها، وبعضها خضع لاحقا للتحقيق وتبين أنها مسروقة.
دخل هذا القانون حيز التنفيذ نهاية يونيو الماضي، كخطوة غير مسبوقة تهدف إلى حماية التراث الثقافي العالمي والحد من تجارة الآثار المنهوبة. وذلك بعد نقاشات استمرت نحو ثماني سنوات. وتنص اللائحة على إلزام المستوردين بتقديم أدلة واضحة على مصدر القطع وتاريخ تصديرها.
ورغم ترحيب العديد من المؤسسات الدولية بالقانون، إلا أن تنفيذه يثير مخاوف متزايدة في المتاحف، نظرًا لتعقيد الإجراءات وتضييق الإعفاءات. وهو ما قد يهدد الإعارات الدولية والمعارض المؤقتة، خاصة تلك المُعتمدة على تعاون المجموعات الخاصة. وأشار خبراء إلى صعوبة إعادة تنظيم معارض مثل معرض “خدمة آلهة مصر”، الذي أقيم في متحف جرونوبل بفرنسا عام 2018 من مجموعات خاصة.
قانون جديد
تنص لائحة القانون، المعروفة باسم 2019/880، على إلزام المتاحف التي تستعير قطعا للعرض أو البيع. سواء من متحف آخر أو من مجموعة خاصة، بتوفير متطلبات إثبات التصدير القانوني من بلد المنشأ وتوثيق المصدر. وتشمل القائمة التي يغطيها القانون أعمال الفنون الجميلة، والقطع الأثرية، والفنون الزخرفية، والمقتنيات التذكارية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “آرت نيوزبيبر” البريطانية، فإن هذه القواعد، التي وُضعت قبل ست سنوات وبدأ تنفيذها الفعلي مؤخرًا، تأتي ضمن جهود أوروبية أوسع لحماية التراث الثقافي العالمي ومنع استغلال السوق الفنية في تمويل أنشطة غير قانونية.
إجراءات صارمة
حدد الاتحاد الأوروبي أنواع السلع الثقافية التي تخضع لإجراءات الاستيراد المُشددة، ومن بينها ثلاث فئات:
القطع التي تم تصديرها بشكل غير قانوني من دول ثالثة.
القطع الناتجة عن الحفريات الأثرية التي يزيد عمرها على 250 عامًا، بغض النظر عن قيمتها.
القطع التي يزيد عمرها على 200 عام وتصل قيمتها إلى أكثر من 18 ألف يورو.
كما تشمل المتطلبات تقديم رخصة استيراد للقطع من الفئة الثانية، مع دليل على عدم تصديرها بشكل غير قانوني. أما القطع من الفئة الثالثة، فتحتاج إلى بيان استيراد مع توقيع إقرار يؤكد عدم تصديرها بطرق غير قانونية.
تأثير على المتاحف
يأتي هذا القانون بعد أعوام طويلة كانت فيها المتاحف معفاة من هذه المتطلبات. إلا أن اللائحة الجديدة تلزم المستوردين بتقديم وثائق شاملة وسجلات مفصلة عن المنشأ وتصاريح التصدير. وحسب عمر القطعة وقيمتها، قد تمتد متطلبات التتبع إلى تاريخ إخراج القطعة الأثرية من بلد المنشأ.
كما يطلَب من مستورد أي قطعة فنية تزيد قيمتها على 18 ألف يورو ويزيد عمرها على 200 عام، تقديم دليل على تصديرها قانونيا من بلد المنشأ. أما القطع الأثرية التي يزيد عمرها على 250 عامًا، فيشترط الحصول على رخصة استيراد بغض النظر عن قيمتها.
وفي حال تعذر تحديد بلد المنشأ بشكل موثوق. أو إذا كانت القطعة قد خرجت من بلدها الأصلي قبل 24 إبريل 1972، فعلى المستورد إثبات تصدير قانوني من آخر بلد وجدت فيه القطعة لمدة لا تقل عن خمس سنوات.
عروض مؤقتة
تنص اللائحة على إعفاءات قانونية لأغراض محددة، مثل التعليم والبحث العلمي، والحفاظ على القطع الفنية وترميمها، أو استخدامها في العروض الفنية والرقمنة. وتشمل الإعفاءات أيضًا التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والمتاحف أو الجهات المماثلة.
لكن اللائحة التنفيذية (رقم 2021/1079) تضيّق نطاق هذا الإعفاء، حيث تقتصره على القروض المؤقتة من المتاحف الواقعة خارج الاتحاد الأوروبي. وهو ما يقصي المقرضين من القطاع الخاص خارج أوروبا من الاستفادة من هذه التسهيلات.
مخاوف المؤسسات الأوروبية
أثار القانون الجديد قلقًا كبيرًا بين المتاحف الأوروبية. وقد عبر عن ذلك ويل كورنر، رئيس قسم المعارض في معرض TEFAF للفنون ومدير قاعدة بيانات التراث الثقافي المعرض للخطر. وهي مؤسسة خيرية تعنى بدعم المتاحف والمحفوظات في مناطق النزاع.
وبحسب “ذي آرت نيوز بيبر”، قال كورنر: “تعتمد المعارض المؤقتة بشكل أساسي على التعاون الدولي. ولكن اللوائح الجديدة تفرض حواجز قانونية وإدارية معقدة، قد تدفع العديد من المقرضين من القطاع الخاص إلى رفض المشاركة. وهذه ليست مجرد ضربة للسوق الفنية، بل تهديد حقيقي للتنوع الثقافي داخل الاتحاد الأوروبي”.
ووصف مديرو المتاحف وجامعو الآثار القانون، الذي أقره الاتحاد الأوروبي لمنع الاتجار بالآثار المنهوبة، بأنه قد يترك أثرا سلبيا على المتاحف. بسبب عدم استعارة الآثار من جامعي الآثار بالقطاع الخاص خارج الاتحاد الأوروبي.
لوحة من وجوه الفيوم – من مقتنيات السويسري جان كلود غندور
سبب تشريع القانون
يأتي هذا القانون بالتزامن مع عرض العديد من المتاحف قطعا أثرية مصرية من مجموعات خاصة. ثم خضوعها لاحقا للتحقيق بسبب شكوك في كونها ناتجة عن نهب أثري.
ومن أبرز هذه القضايا، ما حدث عام 2022 حين طلب الملياردير السويسري جان كلود غندور التحقيق بشأن قطعة آثار مصرية – لوحة من وجوه الفيوم – شك في شرعية خروجها من مصر والتحقق من مصدرها. وجاءت هذه الشكوك بعدما أعارها لعدد من المعارض والمتاحف في أوروبا والولايات المتحدة. إلى جانب قطع أخرى من مجموعته الضخمة المكونة من 1600 قطعة أثرية.
كان غندور قد اشترى هذه اللوحة في نوفمبر 2014 من جاليري فينيكس للفنون القديمة في جنيف بسويسرا. وحامت الشكوك حولها لشرائها من التاجر روبن ديب. المشتبه به في قضية شاهد توت عنخ آمون، الذي يخضع للتحقيق في متحف اللوفر أبو ظبي لوجود شكوك حول شرعية بيعه. كما أن وثيقة ملكية لوحة الفيوم تحمل نسخة متطابقة من بيانات شهادة تصدير شاهد توت عنخ آمون.
نهب آثار سوريا والعراق
بالإضافة إلى التصدي لعمليات نهب الآثار في سوريا والعراق، وبحسب صحيفة “ذي آرت نيوز بيبر”، يتم حصر هذه الآثار في سجلات رقمية لإتاحة إمكانية تتبعها. وبعد تشريع القانون، ستبدأ مرحلة جديدة تتمثل في تسجيل جميع الممتلكات الثقافية والقطع الأثرية في نظام إلكتروني مركزي يسمى قاعدة بيانات الممتلكات الثقافية الدولية. تم تصميمه لتسهيل تبادل المعلومات بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
من جانبه، شكك آيك شميدت، مدير متحف كابوديمونتي الملكي في نابولي، في آلية إدارة اللائحة. وبحسب تصريحاته لموقع “آرت نيوز”، أوضح أن هدف اللائحة واضح. وأشار إلى وجود نقص في البنية التحتية الإدارية اللازمة لتطبيقها. وشرح متطلبات تطبيق اللائحة، ومن بينها توظيف آلاف الإداريين، وعلماء الآثار، ومؤرخي الفن، والمرممين، للتعامل مع الكم الهائل من الطلبات.
في المقابل، قال توني هانسن، مديرة متحف مونش في أوسلو، إن اللائحة الجديدة تعد خطوة حيوية في مكافحة التجارة غير المشروعة. لكنها – على حد وصفها- ستضع المتاحف وبعض المؤسسات في مأزق. لأن بعضها يقتني قطعا أثرية تحمل تاريخ فني معقد وتوثيق غير مكتمل.
واختتمت حديثها بأن تطبيق هذه اللائحة بالنسبة للعديد من المتاحف، قد تعيق متطلبات تراخيص الاستيراد. وإثبات المنشأ قد تعيق الإعارة الدولية والمعارض.
تعليق اليونسكو
على صعيد آخر، رحّبت اليونسكو والمجلس الدولي للمتاحف بهذه اللائحة. وصرح متحدث باسم اليونسكو قائلاً: “إن الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية يتطلب نهجًا شاملًا ومنسقًا وعالميًا”. كذلك أشارت صوفي ديلي بيير، رئيسة قسم حماية التراث في المجلس الدولي للمتاحف، إلى أن الاتحاد الأوروبي ينظّم تصدير الممتلكات الثقافية منذ عقود.
وترى ديلي بيير أن هذه اللائحة تسلط الضوء على أهمية التعاون عبر الحدود. لكنها في الوقت نفسه لن تعمل على مكافحة التجارة بمفردها. موضحة أن التعاون بين الدول والتواصل الواضح هما أنجع وسيلة لردع التجارة غير المشروعة بالآثار المنهوبة.
أعمال فنية لممول لحزب الله
جاءت الموافقة على القانون بعد أيام من إعلان مكتب التحقيقات الفيدرالي عن استعادة لوحتين مفقودتين منذ أكثر من 40 عامًا من متحف هاروود للفنون التابع لجامعة نيو مكسيكو، بعد تحقيقات طويلة امتدت لعقود.
ووفقا لصحيفة “جارديان” البريطانية، باع أوجينوتشوكو أوجيري، أعمالا فنية تقدر بحوالي 140 ألف جنيه إسترليني إلى ناظم أحمد. الذي صنفته الولايات المتحدة كممول لجماعة حزب الله. وبحسب موقع “آرت نيوز” ، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ناظم أحمد منذ عام 2019. وجددتها في عام 2023، بسبب واردات وصادرات فنية وألماس بقيمة 440 مليون دولار.
عواقب قانونية
لكن ماذا سيحدث في حال عدم امتثال إحدى الدول لتنفيذ هذا القانون وعدم تقديم أوراق أصلية لإثبات ملكية الآثار؟
بحسب “آرت نيوز”، فإن عدم الامتثال لهذه القوانين قد يؤدي إلى مصادرة القطع المعنية وفرض عقوبات قانونية على تجار الفن والجامعين وغيرهم من المتخصصين في هذا المجال. وأكد على هذا الأمر “ويل فيرير”، رئيس قسم الفنون الجميلة في شركة “لوكتون” للتأمين. موضحا في مذكرة استشارية نشرتها الشركة، أنه في حالة عدم توفير الوثائق المطلوبة لقطع الآثار. أو تقديم أدلة مزورة أو إقرارات كاذبة أثناء طلب رخصة الاستيراد. فإن ذلك سيخضع لعواقب جنائية مشددة.
ولفت فيرير إلى إشكالية أخرى، تتعلق بتصاعد مخاطر مصادرة الأعمال الفنية. وهو ما قد يدفع جامعي التحف من القطاع الخاص إلى عدم إعارة قطعهم الفنية. الأمر الذي قد يضعف قدرة بعض المؤسسات الفنية على توفير آثار للإعارة.
نظمت دار مزادات «أبولو» مزادا في 27 يوليو بلندن، لبيع إناء تجميل مصري نادر يُعرف باسم «جرادة جينول»، مصنوع من الخشب والعاج. وانتهى المزاد ببيع القطعة مقابل 340 ألف جنيه إسترليني (455 ألف دولار أمريكي)، أي ما يعادل ثلث قيمتها عند بيعها في عام 2007.
ورغم تأكيد دار المزادات أنها «قطعة من عصر توت عنخ آمون»، أشار العديد من الخبراء إلى أنها تعود في الأصل إلى مقبرة توت عنخ آمون، مما أثار تساؤلات حول شرعية بيعها، وكيفية خروجها من المقبرة التي اكتشفها هوارد كارتر كاملة في عام 1922، فضلا عن مكان وجودها طوال قرن من الزمان، خاصة بعد رفض دور مزادات كريستيز وسوذبيز عرضها.
دار أبولو
تحمل القطعة رقم 462 في المزاد، وقد عرضت تحت عنوان: “الفنون القديمة الجميلة والآثار – مجموعة الأمير”. وتعد “أبولو” دار مزادات حديثة نسبيا في تجارة الآثار القديمة.
يصف الموقع الرسمي لدار المزادات القطعة بأنها: “تتيح لهواة الجمع والمؤرخين لمحة عن الفن الراقي في عصر الدولة الحديثة في مصر. يعود تاريخ القطعة إلى أواخر الأسرة الثامنة عشرة (حوالي 1350-1340 قبل الميلاد)”.
أما عن مواصفاتها، فوزنها أقل من 20 جراما، ومنحوتة من العاج المطلي مع تطعيمات خشب، وتزين عيناها باللونين الأزرق والأسود. وتدور أجنحتها المزخرفة بنقوش تشبه رقعة الشطرنج إلى الخارج، لتكشف عن تجويف داخلي صغير كان يستخدم لحفظ الكحل أو العطور.
مزاد مشبوه
بحسب مجلة “لوكشري لونشيز“، فإن هذه القطعة على هيئة جندب -نوع من الجراد – يُقدر ثمنها بحوالي 1.2 مليون دولار.
وقد عرضت أولا في مزادي كريستيز وسوذبيز، لكن كليهما رفضا عرضها دون إعلان السبب.
وأشارت المجلة إلى احتمال أن تكون القطعة منهوبة من مقبرة توت عنخ آمون. ويبلغ طولها أقل من 9 سم (ثلاث بوصات ونصف)، وتعود لفترة ما بين 1350 و1349 قبل الميلاد.
معلومات متضاربة
نفت دار “أبولو“ أن تكون القطعة قد نُهبت من المقبرة. وقالت: “الصلة بمقبرة توت عنخ آمون هي فرضية علمية حديثة، وليست حقيقة ثابتة. وبالتالي لا تشكل دليلا قانونيا أو تاريخيا”.
وبررت موقفها بعدم وجود صورة للقطعة ضمن حفريات المقبرة، أو إدراجها في قوائم الجرد التي وضعها كارتر. ولا توجد وثائق تثبت صلتها بالمقبرة.
لكنها ذكرت في الكتالوج المطبوع للمزاد (صفحة 8): “يعتقد أن الجندب من بين القطع المعروفة أو المحتملة من مقبرة توت عنخ آمون. وكان في يوما ما جزءًا من مجموعة الراحل هوارد كارتر”.
جرادة خشبية – دار أبولو للمزادات
هل سرقها كارتر؟
يرى بعض الخبراء أن القطعة تعود فعلا للمقبرة، نظرا لتشابه خصائصها مع السمات الفنية المميزة لعصر توت عنخ آمون. وذكرت المجلة أن عالم الآثار هوارد كارتر استولى على عدد من القطع الصغيرة والجميلة من المقبرة. وأكدت أن هذه الآثار ملك للشعب المصري، ولم يكن يحق له اقتناؤها سواء سرا أو علنا.
وهذه ليست القطعة الأولى التي تثار حولها شبهات. فوفقا لموقع “أبولو” للفنون (الذي يختلف عن دار المزادات)، كان كارتر قد روج لبيع العديد من القطع المنسوبة إلى المقابر المصرية حتى وفاته عام 1939. وقد عثر على مجموعة كبيرة منها في شقته في كينسينجتون، يعتقد أنها من المقبرة ذاتها.
وفي المقابل، نفذ “هاري بيرتون” – الذي كان يعمل في متحف المتروبوليتان- وصية كارتر. وأعاد جميع القطع التي تحمل اسم توت عنخ آمون إلى السفارة المصرية في لندن، وباع الباقي. وقد اشترى جامعو تحف ومتاحف- من بينهم متحف المتروبوليتان- بعض القطع التي تشير ملاحظات كارتر الشخصية (المفقودة الآن) إلى أنها من المقبرة.
مراجع تاريخية
يشير موقع “أبولو” إلى أن هذه القطعة لها تاريخ طويل، إذ أنكر عدد من أمناء ومديري المتاحف، أنها تعود لمقبرة توت. فقد صنف أمين المتحف أليستير برادلي مارتن القطعة بأنها ربما جاءت من غرب طيبة. وكانت قطعة “الجندب المصري” من القطع المفضلة لديه. حتى إن رسام الكاريكاتير “تشارلز آدامز” صوره وهو يشتريها من تاجر مريب يؤكد له: “أن هذا الجندب ملعون”.
أما “توماس هوفينج”، مدير متحف المتروبوليتان بين عامي 1967 و1977، فذكر في كتابه «توت عنخ آمون: القصة غير المروية» الصادر عام 1978 هذه القطعة ضمن مقتنيات المقبرة. واستند في ذلك إلى وثائق من أرشيف المتحف ومقابلات مع كبار الأمناء الذين عرفوا كارتر وبيرتون. وفي 2010، أعاد متحف المتروبوليتان بعض القطع المتنازع عليها. ورغم ذلك لا تزال العديد من القطع التي حددها هوفينج على أنها منهوبة من المقبرة، معروضة في المتحف.
من امتلك “الجندب المصري”؟
يطرح ظهور القطعة المفاجئ في المزاد سؤالا هاما: “أين كانت هذه القطعة طوال هذه السنوات؟” رغم تأكيد دار المزادات على عدم وجود دليل على سرقتها، فإن بعض الخبراء شككوا في مصدرها.
وبحسب شبكة “آرت نت”،مرت القطعة بأيدي علماء آثار وتجار، وجامعين وأفراد من العائلة المالكة المشهورين. يُعتقد أن كارتر باعها أولا إلى التاجر المصري “موريس نحمان”. ثم انتقلت إلى التاجر النيويوركي “جوزيف برومر” عام 1936، وبعد وفاته بيعت ضمن مزاده عام 1948. وانتقلت إلى مجموعة أليستير برادلي مارتن.
ودفع مارتن حينها حوالي 10 آلاف لاقتنائها. ثم أدرجت ضمن “مجموعة جينول” الأسطورية، التي امتلكها مارتن وزوجته إديث، وكان يشغل منصب أمين متحف بروكلين. وبحسب الموقع الرسمي لدار “أبولو”، عُرضت القطعة في متحف بروكلين بين عامي 1948 و2002. وكذلك في متحف المتروبوليتان عام 1969.
أسعار خيالية
تقدر مجموعة “جينول” بمبالغ كبيرة، ففي ديسمبر 2007، بيع تمثال من الحجر الجيري على هيئة أسد، يعود تاريخه إلى الفترة ما بين 3000 و2800 قبل الميلاد، بمبلغ 57.1 مليون دولار أمريكي، بالإضافة إلى رسوم إضافية وصلت إلى 18 مليون دولار، وذلك في مزاد دار “سوثبي” بنيويورك.
وأشارت دار المزادات إلى أن القطعة “تم الاستشهاد بها منذ ذلك الحين في العديد من المراجع الأكاديمية المهمة، مثل كتاب ” فن المملكة الحديثة في مصر القديمة” لسيريل ألدريد (1951)، وكتاب “تاريخ التكنولوجيا” عام (1954) تأليف تشارلز سينجر.
مقتنيات أمير قطري
في عام 2007، استحوذت صالة “ميرين” على القطعة، ثم اشتراها الشيخ سعود آل ثاني، أحد أفراد العائلة المالكة القطرية. الذي توفي عام 2014، مقابل 1.2 مليون دولار، وفقًا لمجلة أبولو.
وكان الشيخ سعود معروفا بحبه لاقتناء القطع الأثرية النادرة والغريبة، وغالبا ما كان يتغاضى عن التحقق من مصدرها. وفي عام 2005، احتُجز رهن الإقامة الجبرية بتهمة اختلاس المال العام بقطر من أجل تكوين مجموعته الخاصة من الآثار.
كما اشترى عددا كبيرا من القطع من التاجر المدان روبن سايمز. ومنذ وفاته، يحاول ورثته بيع مجموعاته الضخمة، إلا أنهم غالبا ما يتلقون جزءا بسيطا فقط من المبالغ التي دفعها خلال حياته.
تجارة القطع الأثرية
سلط بيع القطعة المعرفة باسم “الجندب المصري” الضوء على ثغرات اللوائح المنظمة لتجارة القطع الأثرية. خاصة مع أثير حول سرقة هوارد كارتر لعدد من القطع من مقبرة الملك توت عنخ آمون بعضها لا يزال مجهولا.
وبحسب صحيفة “ذا أوبسيرفير” البريطانية، قال عالم المصريات توم هاردويك: “هناك سوق قانونية للمواد المصرية الموثقة جيدًا، ولكن يجب على المشترين أن يعلموا أن الجندب قطعة مشبوهة”.
وأضاف: “تم التعرف على هذه القطعة وبيعها على أنها من مقبرة توت عنخ آمون، وأعتقد أنها ملك لمصر. والآن، وبعد أن ظهر الجندب في السوق المفتوحة. سيواجه أي مشتري ضغوطا قانونية وأخلاقية متزايدة لإعادته”.
طلب الاسترداد: عقبات قانونية
بحسب قانون المملكة المتحدة، يتطلب تقديم طلب لاسترداد قطعة أثرية توافر ثلاثة شروط: إثبات أنها خرجت بطريقة غير مشروعة،.وتصديرها تم بشكل غير قانوني. وتقديم الطلب في الوقت المناسب. وهو ما لم يحدث خلال أكثر من 80 عامًا منذ الظهور العلني للقطعة، وفقا لتصريحات متحدث باسم دار “أبولو”.
وقال المتحدث: “مع أن القطعة الأثرية تعود إلى عصر توت عنخ آمون، إلا أنه لا يوجد دليل يربطها بكارتر. كما أنها غير موجودة في أي سجلات رسمية للتنقيب”.
وأضاف: “الإشارة إليها في الأعمال الأكاديمية اللاحقة مجرد تكهنات. وقد صدرت من مصر في ثلاثينيات القرن الماضي، أي قبل عقود من اتفاقية اليونسكو لعام 1970، وقانون الآثار المصري لعام 1983”.
البحث في السجلات الدولية
من جهته، قال جيمس راتكليف، المستشار القانوني ومدير عمليات الاسترداد في دار “أبولو” إن الشركة طلبت إجراء بحث شامل عن الجندب. وبحثت في قاعدة بيانات للقطع الفنية والقطع الأثرية المملوكة للأفراد.
وأضاف: “هذا الجندب غير مدرج هناك أو في قاعدة بيانات الإنتربول. وهي قطعة صغيرة لكنها مهمة، راجعنا مصدرها وبحثنا في معلومات حول مبيعاته السابقة”. وأوضح راتكليف أن المسألة الأساسية تكمن في تحديد ما إذا كانت مصر قد طالبت باستعادة الجندب. وقال: “لقد كانت القطعة معروضة بشكل علني لعقود. وكان هناك بعض الجدل، لكن بما أن لم يطلبه أحد، فليس بإمكاننا اتخاذ إجراء بشأنه”.
واختتم حديثه باتفاقه مع نظريات سرقة كارتر العديد من الآثار من مقبرة توت عنخ آمون. لكن لا يعلم ما إذا كانت هذه القطعة من بينهم، خاصة أنه تم بيعها عدة مرات مع الأصل المرفقة به.
انطلاقا من تاريخ منطقة السيدة نفيسة، وتحديدا شارع الأشرف في «حي الخليفة»، استلهم طلاب قسم الزخرفة بكلية الفنون التطبيقية – جامعة حلوان، من القاهرة التاريخية، مشروع تخرجهم بعنوان «القاهرة التاريخية – إحياء تراث حي الخليفة»، الذي جمع بين الإبداع المعاصر والهوية المصرية.
قدم 55 طالبا وطالبة المشروع تحت إشراف الدكتورة منال عبدالرحيم حسن والدكتورة داليا أحمد الشرقاوي، بهدف استكشاف تاريخ القاهرة العريق وإعادة تفسيره من خلال تقنيات فنية حديثة. ويعرض بعض الطلاب أعمال المشروع في معرض فني بعنوان «الهوية.. بعيون عصرية»، يفتتح غدا الاثنين في أتيليه القاهرة.
القاهرة التاريخية
حول اختيار “القاهرة التاريخية” كمجال للمشروع، أوضحت د. داليا الشرقاوي أن السبب يعود إلى أن هذا المكان يعد مرآة لتعدد ثقافات مصر وتنوعها.
وبحسب وصفها لـ”باب مصر”، يعكس هذا الموقع التراكم الحضاري وتعدد الدول التي حكمت مصر، بداية من الدولة الفاطمية وحتى عصر الملكية، بما شكل نسيجا معماريا متصلا ومتجانسا. هذه التراكمات أسهمت في تشكيل الشخصية المصرية بشكل مؤثر حتى اليوم. وترى أن الهدف من المشروع لا يقتصر على الإحياء البصري أو الجمالي، بل إعادة اكتشاف الذات والهوية والانتماء من خلال التصميم.
لا يقتصر المشروع على البعد التاريخي أو الهوية فقط، بل يتناول المساحات المفتوحة والجمالية، والتفاعل مع الفضاء المعماري. مع التركيز على التصوير الجداري، وكذلك الأرضيات والزخارف التي لها علاقة بالعمارة والبيئة.
أعمال وفريق عمل مشروع تخرج القاهرة التاريخية إحياء تراث حي الأشرف 2
أعمال وفريق عمل مشروع تخرج القاهرة التاريخية إحياء تراث حي الأشرف 3
شخصيات من التاريخ
تولت الدكتورة منال عبدالرحيم، رئيسة قسم الزخرفة والمشرف على المشروع، الإشراف على الجزء الخاص بـ”الفيديو آرت” والميديا الرقمية. ومساعدة الطلاب في التعامل مع تقنيات التصوير والتحريك والإخراج.
وقالت لـ”باب مصر”: “عملنا على محاور أخرى مثل استكشاف فكرة الشخصية المصرية، التي تحولت عند بعض الطلاب إلى قصص مصورة مستوحاة من البيئة المحلية”. يتضمن المشروع عدة اتجاهات: التصوير الجداري، الرسوم المتحركة والتصوير القصصي. وقد أطلق الطلاب العنان لخيالهم في تنفيذ هذه الأعمال. فعلى سبيل المثال، جسد أحد الطلاب شخصية السلطان حسن، محولا إياها إلى شخصية متحركة تتحدث عن نفسها وتعرف بتاريخها وعمارتها. ووصفت د.منال هذا العمل بأنه نموذج رائع لاستحضار التاريخ بأسلوب فني معاصر.
بينما نفذ طالب آخر لعبة تفاعلية تُعرف اللاعبين على المناطق التراثية من خلال اللعب. وأضافت: “المشروع ليس للمشاهدة فقط، لكن للمشاركة والتفاعل مع المكان والتاريخ بأكثر من طريقة”.
تطوير المناطق التاريخية
تتمنى د. منال عرض هذا العمل على الجهات المسؤولة، ليتم دمجه في خطة تطوير المناطق التاريخي. وقالت إن الطلاب لم يقدموا رؤية فقط. بل أيضا آليات تنفيذية ومقترحات عملية ومقاطع فيديو توضيحية.
وفيما يخص الاستلهام من التراث، أوضحت أن الهدف هو غرس الإحساس بجماليات الماضي في الطلاب، وإدراكه كمصدر إلهام حقيقي في التصميم المعاصر. مع الحفاظ على الهوية المصرية وإعادة تقديمها برؤية حديثة.
واستكملت حديثها: “تم توزيع المشروع على تخصصات مختلفة، من خلال التصوير والرسم. وعمل الطلاب على تنفيذ أفكار متنوعة. وقد تأثروا بالمناطق التاريخية التي زاروها، والتي انعكست بوضوح على أعمالهم”.
النساء من صفحات التاريخ
ألهمت القاهرة التاريخية إحدى الطالبات في تخيل شخصيات نسائية من عصور قديمة. وابتكرت لكل شخصية قصة وشكلا خاصا بها. وقالت د. منال: “كان مشروعا بصريا متكاملا، وكأننا نعيد إحياء النساء من صفحات التاريخ برسوم معبرة وحس إنساني”.
بينما صممت طالبة أخرى كوميكس مستوحى من البيئة الشعبية، ووزعته في شكل كروت. وأضافت المشرفة: “كل كارت يروي قصة مصغرة من تلك الفترات الزمنية، ما يساهم في نشر الثقافة للأطفال بطريقة ممتعة”.
وأشارت إلى أن من أبرز التجارب التي خرج بها المشروع كانت في مجال الأنيميشن، قائلة: “قدم الطلاب قصصا تدور أحداثها بالكامل في قلب القاهرة التاريخية. وسمح لهم هذا الفن بمزج الخيال مع الواقع، وابتكروا مشاهد تنقل أماكن مثل شارع الأشرف والسيدة نفيسة وشارع الخليفة. لكن بشكل تعبيري فني ودرامي يحمل طابعا توثيقيا”.
أعمال وفريق عمل مشروع تخرج القاهرة التاريخية إحياء تراث حي الأشرف 4
أعمال وفريق عمل مشروع تخرج القاهرة التاريخية إحياء تراث حي الأشرف 6
تراث حي
ترى د. منال أن التراث المصري يمثل فرصة غنية للإبداع، وأن الاهتمام به يمنح العمل الفني جذورا وأصالة، تجعله أكثر عمقا وتأثيرا. وأوضحت أن الفكرة لا تقوم عدم نقل الماضي، بل على إعادة تفسيره بفكر معاصر.
وعن تفاصيل تنفيذ مشروعات الأنيميشن، أوضحت أن الطلاب مروا بمراحل عديدة: من تصميم الخلفيات والشخصيات، إلى تعلم أدوات التحريك الرقمي باستخدام برامج متخصصة. وقالت: “كان المجهود كبيرا، لكن النتائج مشرفة، وتدل على استعدادهم الحقيقي لسوق العمل”.
الهوية المصرية
تشاركت د. منال ود. داليا مسؤولية الإشراف على المشروع وتوجيه الطلاب. وأشارت د. داليا إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تشرف فيها على مشروع تخرج يدور حول “الهوية المصرية”، باعتبارها القضية التي تشغلها منذ سنوات.
وأردفت لـ”باب مصر”: “كل مشروع أشرف عليه يحمل تساؤلات حول من نحن؟ وإلى أي شيء ننتمي؟ الطلاب يعيشون حالة من الضبابية تجعلهم غير مدركين لهويتهم المصرية الأصيلة. رغم أن مصر تملك تاريخا عظيما يمتد لآلاف السنين، من عصور الإنسان البدائي وحتى الحضارات المتعاقبة”.
لكن المشكلة، كما وصفها، أن أغلب الناس – وخاصة الأجيال الجديدة – لا يدركون ثراء هذا التراث. ولا يرونه إلا من منظور ضيق ينحصر في الأهرامات. بينما “التراث المصري في الحقيقة ممتد عبر طبقات تاريخية متعددة”.
جانب من مشروع التخرج
شارع الأشرف في الخليفة
استلهم الطلاب من البيئة المحيطة، والتراث، والتاريخ، والعناصر البصرية المتعددة في الشارع المصري، لتقديم منتج فني بصري جديد. تمثل في أفلام الرسوم المتحركة والتصوير القصصي.
ومن هذا المنطلق، أجرى الطلاب العديد من الجولات الميدانية في القاهرة، حتى استقروا على منطقة السيدة نفيسة، وتحديدا شارع الأشرف في الخليفة. واستكملت د. داليا قائلة: “يمر بهذا الشارع جزء من “القرافة” التي تجرى فيها حاليا عمليات هدم “.
وترى الشرقاوي أن هذه المنطقة كانت فرصة حقيقية للإبداع، من خلال رصد المساحات المفتوحة وإعادة تصورها. مضيفة: “خاصة بعد إعلان الدولة نيتها تحويل المقابر القديمة لمساحات خضراء، ما فتح لنا بابا للتدخل التصميمي”. وقد حرص الفريق في المشروع على الحفاظ على المعالم ذات القيمة، مثل مقبرة حافظ إبراهيم، والشيخ محمد رفعت، ومقابر أخرى لرموز تاريخية وثقافية لم تُهدم بعد.
إعادة إحياء المسارات القديمة
قالت د. داليا: “المشروع ليس تصميم فقط، نحن نفكر في علاقتنا بالمكان، ونحاول إيجاد صيغة تعبر عن هويتنا، وتربطنا بجذورنا بدون الانفصال عن الواقع”. وقد اعتمد التصميم على إحياء المسارات التاريخية الممتدة من جامع السيدة نفيسة إلى باقي المزارات مثل السيدة سكينة، والسيدة رقية.
وتصف هذا الشارع بأنه ليس فقط مزارا دينيا فحسب، بل هو مشهد بصري وروحي متكامل. يوجد به أسبلة وبيوتا تاريخية، مثل منزل ساكنة بك، وهي شخصية نسائية معروفة من أوائل القرن العشرين.
كما استفاد المشروع من تعدد الطرز المعمارية والزخرفية الإسلامية في المنطقة، سواء في الشكل الخارجي أو الطابع العام للشارع. وقالت: “عمل الفريق على تطوير العناصر التي جمعناها ميدانيا، ثم تواجد الطلبة في هذه المناطق بأنفسهم من خلال تصاريح رسمية. وعملنا على خطة متكاملة بين التاريخ والمعاصرة”.
الطبيعة الاجتماعية
من النقاط المهمة التي ركز عليها الفريق، بحسب د.داليا، مراعاة الطبيعة الاجتماعية والدينية للمنطقة. وقالت: “يأتي الناس لزيارة المقامات وأداء الصلاة، وتقام خلالها نفحات، وتوزع الذبائح، وتقدم الأطعمة. وكان من الضروري أن نأخذ كل ذلك في الاعتبار أثناء التصميم”.
انشأ الطلاب “تكية” مفتوحة في قلب المشهد الطبيعي (اللاندسكيب)، ليجلس فيها الناس وتنظم فيها الأنشطة. مع الحفاظ على الخصوصية الدينية والاجتماعية للمكان. كما تم تصميم مسرح مفتوح لعروض المولوية، مُحاط بمساحات خضراء.
ولم يغفل المشروع البُعد الإنساني والبيئي، إذ اهتم بمسألة حيوانات الشارع المصري. حيث قالت: “وضعنا خطة تتضمن أماكن مخصصة للطعام والماء والظل، لتكون هذه الحيوانات جزءا من المكان دون أن تتعرض للأذى. وهذا بدوره نوع من تهذيب النفس. لأن المكان الروحاني ليس مخصصا للبشر فقط، بل لكل الكائنات التي تعيش فيه”.
جولات بالقاهرة التاريخية
ترى د. داليا أن المشروع حقق أهدافه الأولى، مشيرة إلى تفاعل الطلاب الكبير، قائلة: “اندمجوا بقوة مع القاهرة التاريخية، وتحمسوا خلال الجولات الميدانية، التي تضمنت شارع المعز لدين الله الفاطمي، باب الوزير، سوق السلاح، درب اللبانة”.
ورغم أهمية المشروع، أوضحت أنه لم يكن هناك تعاون مع أي جهة رسمية أو أهلية، وأضافت: “اشتغلنا بإمكانياتنا، وده يمكن خلى التجربة أكتر حرية، لأن الطلاب تعاملوا مع الناس والمكان بشكل مباشر ومن غير وسيط، وده خلق عندهم وعي بالمكان وشخصيته وتاريخه”.
تغيير ملامح المنطقة
لم يكن حي الأشرف مُلهما بسبب عماراته فقط، بل وجد الطلاب خلال البحث الميداني في أهالي حي الخليفة جمالا وجاذبية نادرة، التقطوا لها الصور وكتبوا الملاحظات.
وأوضحت د. داليا إحدى المشكلات التي واجهت الطلاب: “كثيرون منهم لم تكن لديهم خلفية كافية عن طبيعة المناطق القديمة. فلم يستطيعوا التمييز بسهولة بين ما هو موجود وما قد اختفى بفعل الهدم. فالأماكن المُهدمة واضحة لكل مرتادي المكان. لكن لا أحد ينتبه لما تم فقده إلا من يعرف المنطقة مسبقا”.
ولم يواجه فريق المشروع أزمات تذكر، إذ تجولوا في مناطق معروفة وكان معهم التصاريح اللازمة. واختتمت الشرقاوي: “أتمنى أن تتحول هذه التجربة إلى مبادرة مستمرة”.
موكب المحمل من مشروع تخرج القاهرة التاريخية إحياء تراث حي الأشرف
موكب المحمل
وثق مجموعة من الطلاب موكب المحمل، تلك الرحلة العظيمة التي كانت تبدأ من قلب القاهرة إلى مكة، عندما كانت مصر تصنع كسوة الكعبة المشرفة.
وعن كواليس المشروع، قالت د. داليا: “بحث الطلاب عن المسار الذي كانت تسلكه الكسوة، وجمعوا صورا أرشيفية، ودرسوا المناطق التي مر بها الموكب، وأعادوا تشكيل هذه الرحلة الفنية في عمل فيديو آرت عن احتفالية طريق المحمل. بالإضافة إلى تنفيذ لوحة تصوير جداري تعكس أجواء الاحتفالات والموسيقى والمشاعر الروحانية المصاحبة للمسار، حتى الوصول إلى القلعة، ومنها إلى طريق الحجاز”.
وقد حظي هذا العمل بإعجاب كبير من الدكتور رضا عبدالسلام، أستاذ الفنون الجميلة، الذي ناقش الطلاب في مشروع تخرجهم، واقترح عرضه على شيخ الأزهر، ليكون جزءا من المتحف الخاص بالأزهر. لما يقدمه من توثيق بصري وفني لإحدى أعرق الشعائر التي قامت بها مصر عبر التاريخ.
واختتمت د. داليا حديثها قائلة: “الموضوع لم يكن مجرد خطة هندسية أو تصويرا جداريا فنيا، بل هو توثيق ثقافي وروحي لمنطقة بأكملها”.
سلطت الصحف والمجلات العالمية الضوء على رحيل الموسيقار اللبناني «زياد الرحباني» -الفنان والمفكر- عن عمر يناهز 69 عامًا، مخلفا وراءه فراغا في المشهد الثقافي اللبناني والعربي لا يُملأ. ووصفته بأنه لم يكن فنانا موهوبا أو كاتبا مسرحيا بارعا فحسب، بل كان حالة فكرية وفنية فريدة، واجه السلطة والفقر والطائفية بسخرية لاذعة، متمردا على الرومانسية المثالية التي صاغها والداه، فيروز وعاصي الرحباني، للبنان، ليقدم بدلًا منها فنا يواجه الواقع بصوتٍ حاد، ولغةٍ شعبية، وموسيقى مزجت بين الجاز والفانك والنغم الشرقي.
عمل متمرد
أشارت وكالة “فرانس برس” إلى تمرد الموسيقار والملحن اللبناني الشهير زياد الرحباني، رائد “الجاز الشرقي”، والثورة التي أحدثها في المسرح والموسيقى اللبنانية. وقالت الوكالة: “كان عمله متمردا، إذ استحضر الحرب الأهلية في لبنان حتى قبل اندلاعها عام 1975. ثم عكس لاحقًا الصراع النهائي نفسه وحقائق الأزمة الاقتصادية”.
وزياد الرحباني هو نجل السيدة فيروز، أيقونة الطرب العربي التي احتفلت بعيد ميلادها التسعين العام الماضي. ووالده الملحن اللبناني الراحل عاصي الرحباني، الذي لعب مع شقيقه منصور دورا هاما في تجديد الموسيقى العربية. عبر دمج الأنغام الشرقية بإيقاعات غربية وروسية ولاتينية، ليقدما لونا موسيقيا غير مسبوق في المنطقة.
توجه يساري
أضافت الوكالة: “فيروز، التي ظل صوتها رمزا لوحدة اللبنانيين رغم انقساماتهم، لا تزال محبوبة لدى الأجيال المختلفة، من كبار السن إلى الشباب. ومع دخول زياد إلى الساحة الفنية، أخذ هذا الإرث منحى جديدًا. إذ قدم لأمه ألحانًا تحمل نكهة موسيقى الجاز، في تجربة وصفها بـ”الجاز الشرقي”. ما جذب جمهورا شابا وفتح بابا جديدا لتجديد فنها”.
أما زياد، فقد عُرِف بمواقفه السياسية الواضحة. إذ تبنى توجها يساريا علمانيا. وجعل من نقد الانقسامات الطائفية والاجتماعية في لبنان قضية ملازمة لمسيرته الفنية والفكرية. ومن أشهر أعماله المسرحية الفيلم الأميركي الطويل (1980). وهو تصوير ساخر للبنان خلال الحرب الأهلية، تدور أحداثه في ملجأ يضم شخصيات تمثل جوانب مختلفة من المجتمع.
الموسيقار الراحل زياد الرحباني
ظاهرة فكرية وثقافية
تحت عنوان «رحيل الفنان زياد الرحباني.. ظاهرة فكرية وثقافية متكاملة»، نشرت مجلة “بيبول” الأمريكية تقريرا عن الموسيقار الراحل. ووصفته بأنه من أشهر فناني لبنان.
وسلط التقرير الضوء على إنجازاته المبكرة. إذ بدأت مسيرته الفنية في أوائل سبعينيات القرن الماضي بمسرحيته الأولى “سهرية”. وشجعه والده، الذي توفي عام 1986، على تطوير اهتماماته الفنية الخاصة منذ سن مبكرة. ألف زياد أولى أغنياته “سألوني الناس” لوالدته فيروز عام 1973، في سن السابعة عشرة من عمره. كما كتب الأغاني الخالدة “كيفك إنت” و”بلا ولا شي”.
وكتب الرئيس اللبناني جوزيف عون على منصة “إكس”: “لم يكن زياد الرحباني مجرد فنان. بل كان ظاهرة فكرية وثقافية متكاملة. كان ضميرًا حيًا، صوتًا متمردًا ضد الظلم، ومرآة حقيقية للمظلومين والمهمشين. عبّر عن آلام الناس، وعزف على أوتار الحقيقة دون تردد”.
وأضاف: “من خلال مسرحه الملتزم وموسيقاه المليئة بالإبداع، التي تتأرجح بين الموسيقى الكلاسيكية والجاز والشرقية. قدم رؤية فنية فريدة، وفتح نوافذ جديدة للتعبير الثقافي اللبناني، محققاً العالمية ببراعة”.
دمج الموسيقى العربية والغربية
أما صحيفة “ذا نيويورك تايمز” الأمريكية، فقد نعت زياد الرحباني بأنه “أكثر من مجرد ملحن أو كاتب مسرحي؛ كان صوت جيل عاش الحرب اللبنانية وعايش تبعاتها”.
وأشارت الصحيفة إلى أن زياد اختار لنفسه مسارا خاصا بعيدا عن والده، أحد رواد النهضة الموسيقية في لبنان. ومنذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، أصبح زياد أحد أكثر الأصوات تأثيرا في المشهد الثقافي اللبناني. مجسدًا عبر أعماله ومسرحياته الساخرة – مثل فيلم أميركي طويل، وشو هالأيام، وبالنسبة لبكرا شو؟ – مرآةً تعكس التناقضات والانقسامات الطائفية والفساد. حتى أصبحت كلماته وألحانه جزءا من الذاكرة الجماعية، يرددها من عاش الحرب ومن ولد بعدها.
وأضافت الصحيفة: “رغم سوداوية الواقع الذي كان ينتقده، بقي زياد محبوبا لدى أجيال متعاقبة من اللبنانيين. الذين وجدوا في أعماله عزاء وصدقا نادرا، ومتنفسا يعبّر عن خيبة أملهم وأحلامهم المجهضة. في بلد لا يزال يبحث عن خلاصه”.
موسيقى كـ”الهامبرجر بطعم الفلافل”!
أشارت الصحيفة إلى تمرد زياد على الفن الذي قدمته والدته فيروز، التي رسمت مع الأخوين رحباني صورة شاعرية حالمة عن لبنان في بداياتها. حيث الجبال الخضراء والقرى الهادئة، مستحضرين “الزمن الجميل” الذي سبق الحروب والنزوح. ووصفت تلك الأغاني بأنها كانت بمثابة “تعويذة حنين”، تفيض دفئا وتفاؤلا. وتمنح المستمعين لحظة هروب من واقع متقلب.
لكن زياد، عندما بدأ في التلحين لوالدته ولغيرها، أدخل روحًا جديدة ومختلفة إلى هذا الإرث. ففي ألبومات مثل هدوء نسبي، وأبو علي. خاض زياد تجربة فنية جريئة، مزج فيها بين أنغام الشرق – كأرباع النغمات والآلات العربية – وإيقاعات الغرب، من الجاز إلى الفانك، مقدمًا ما وصفه بـ”الجاز الشرقي”. أو كما قال ساخرا: “شيء يشبه الهامبرجر بطعم الفلافل”.
المطربة فيروز ونجلها زياد الرحباني
أعمال تنقل واقع اللبنانيين
أوضحت الصحيفة أن زياد تأثر بكبار موسيقيي الغرب، مثل “تشارلي باركر”، و”ديزي جيليسبي”. لكنه ظل يؤمن بأن موسيقاه تحتفظ بطابعها الخاص لأنها تنتمي إلى لبنان. وتعكس هويته. بوصفه بلدا يقع في نقطة تماس بين الشرق والغرب.
وعلى خلاف الأغاني المثالية التي قدمها الرحابنة، كانت أعمال زياد أكثر مشابهة بواقع اللبنانيين. تنقل نبض الشارع، وتعبر عن القلق، والسخرية، والصراع اليومي في بلد تتنازعه التناقضات.
فن يعكس الواقع
استعانت “ذا نيويورك تايمز” بتصريحات المخرج جاد غصن، الذي أخرج فيلما وثائقيا عن زياد الرحباني في عام 2024. موضحا أن زياد أحدث قطيعة مع الصورة المثالية التي رسختها أعمال الرحابنة عن لبنان كدولة موحدة. وأضاف: “جاء زياد بعد فيروز ليقول: كفى من الفن الرومانسي، آن الأوان لفن يعكس الواقع، بموسيقاه الجازية والمعاصرة، وبكلماته التي تنبض بشعر الحياة اليومية”.
وعقد غصن مقارنة بين صوت فيروز، الذي نجح في اجتياز السجالات السياسية والطائفية، وبين نجلها زياد، الذي اتخذ مسارا مغايرا. عبر فيه عن مواقفه السياسية بوضوح وجرأة، متحديا أي تصنيفات أو قيود فرضتها خلفيته كلبناني من الطائفة الأرثوذكسية.
وتابع: “كان زياد شيوعيًا ملتزمًا، وناصر القضية الفلسطينية بشكل علني”. مرجعا وعيه السياسي إلى صدمة مبكرة عاشها في بدايات الحرب الأهلية. حين شاهد ميليشيات مسيحية تحاصر مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين في عام 1976. ومنذ هذا الوقت، أصبح صوتا صريحا ضد الطائفية والانقسام.
الحياة قرب مخيم
يستكمل المخرج جاد غصن حديثه للصحيفة الأمريكية عن سيرة زياد الرحباني، قائلا: “عاش مع والديه قرب المخيم أثناء الحصار الذي استمر 53 يوما”، وأشار إلى أن زياد ذكر في مقابلة قديمة أنه سجل سرا اجتماعات بين ضباط مخابرات سوريين ومسؤولين مسيحيين يمينيين عقدت في منزل والديه، حتى يتمكن من الإبلاغ عنها للجماعات المؤيدة للفلسطينيين.
ولأنه لم يتحمل الوضع، كما قال لاحقا، قرر الانتقال إلى غرب بيروت ذات الأغلبية المسلمة، مغادرا منزل العائلة في شرق بيروت ذات الأغلبية المسيحية، مما جعله، بسبب مواقفه المؤيدة للفلسطينيين، غير مرحب به.
نشأة زياد الرحباني
وُلد زياد الرحباني عام 1956 وترعرع في بلدة أنطلياس الساحلية شمال بيروت. وبحسب الصحفي جاد غصن، “بدأ زياد تأليف الموسيقى في سن السابعة تقريبًا، وسرعان ما شق طريقه في عالم الفن، ليصبح في سنوات مراهقته مؤلفا موسيقيا ومسرحيا واعدا”.
ويتابع: “منذ بداياته، عُرفت أعماله المسرحية بأسلوبها الساخر واللاذع، وتناول الواقع اللبناني السياسي والاجتماعي بفكاهة سوداء لا تخلو من الألم. واحدة من أبرز تلك الأعمال كانت مسرحية “بالنسبة لبكرا شو؟”، التي كتبها وأخرجها ومثّل فيها عام 1978، عندما كان في الثانية والعشرين من عمره”.
صحفي يساري
«وداعا زياد الرحباني.. أيقونة الفن المقاوم» بهذا العنوان نعت صحيفة “طهران تايمز” الإيرانية الموسيقار اللبناني الراحل، ووصفته بأنه جمع بين العبقرية الموسيقية والمسرحية، متطرقا بجرأة إلى مواضيع الهوية والسياسة والمقاومة.
وأضافت الصحيفة أن الرحباني عمل مذيعا إذاعيا، وقدم برامج ساخرة ناقدة للسياسة والمجتمع والفساد، كما عمل صحفيا يكتب في صحف مثل “النداء”، و”النهار”، و”الأخبار”، واشتهر بمواقفه اليسارية المؤيدة للمقاومة. وذكرت أيضا أنه كان رافدا للمناضلين الشرفاء الأوفياء، ولم يستغل فنه وشهرته ليصعد على أكتاف شعبه ورفاقه. بل استشرف مستقبلا من التبعية للإمبريالية والصهيونية، ورفض مرارا دعوات من السفارة الأمريكية في بيروت.
ضمير وطني حي
استكملت الصحيفة الإيرانية سرد مواقفه السياسية، مشيرة إلى إيمان الرحباني بأن “تحرير فلسطين ممكن، ولو طال الزمن”، ونعته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واصفة إياه بأنه “ضمير وطني حي، ومثقف ملتزم بقضايا شعبه، ومناصر للفقراء، ورافض للظلم”.
واختتم التقرير بأن: “لبنان خسر مبدعا عنيدا وجريئا، كان صوت الفقراء وتجسيدا لذاكرة وطن مثقلٍ بالجراح. كان من أبرز رموز الفن والفكر والفلسفة الإنسانية اللبنانية. رفض التنازل عن مبادئه، وعاش رمزا للتمرد الثقافي وعبقريا في المسرح السياسي الساخر”.
تعبير صادق عن الغضب والأمل
بحسب صحيفة “هندوستان تايمز” الهندية، شكل خبر رحيل زياد الرحباني صدمة في مختلف أنحاء العالم العربي. ووصفته الصحيفة بأنه كان يُنظر إليه كأحد أبرز الأصوات النقدية وأكثرها جرأة. إذ عرف بأسلوبه الساخر وكتاباته اللاذعة، وبموسيقاه التجريبية المتأثرة بالجاز. التي التقطت بفوضويتها روح التناقضات التي عاشها لبنان خلال الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990.
وتابعت الصحيفة: “في السنوات الأخيرة، قل ظهوره العلني، لكنه لم يغب عن وجدان الجمهور. فالأجيال الجديدة أعادت اكتشاف مسرحياته عبر الإنترنت، واستعادت موسيقاه خلال التظاهرات الشعبية، ووجدت فيها تعبيرا صادقا عن الغضب والأمل. ورغم ابتعاده عن الأضواء، واصل زياد الكتابة والتلحين، مستمرا في التعبير عن خيبته من الواقع اللبناني”.
ظهور نادر لفيروز
فيما سلط موقع “آي بي سي نيوز” الأمريكي الضوء على الظهور النادر للأيقونة فيروز خلال جنازة ابنها زياد الرحباني. وأوضح الموقع أن رحيله أحدث صدمة في أنحاء الوطن العربي. حيث كان يقدر فنه، وهجاؤه السياسي الجريء، وتأليفاته المستوحاة من موسيقى الجاز التي عكست فوضى الحرب الأهلية اللبنانية.
وأشار الموقع إلى أن فيروز صاحبة الـ90 عاما، ظهرت بعد سنوات طويلة قضتها بعيدا عن الأضواء. وكانت ترتدي نظارة شمسية سوداء وحجابا أسود، لتستقبل واجب العزاء في ابنها الأكبر. وأنها لم تظهر علنا منذ ظهور صور لقائها بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي زار منزلها عام 2020، لمنحها وسام “جوقة الشرف” أعلى وسام فرنسي.
وقال ماكرون آنذاك: “لقد أخبرتها بكل ما تمثله بالنسبة لي، عن لبنان الذي نحبه وينتظره الكثيرون، وعن الحنين الذي يشعر به الملايين تجاهها”.
سيرة جارة القمر
في السياق ذاته أكدت صحيفة “المونيتور” على أهمية ظهور فيروز في جنازة ابنها، معتبرة أن زياد كان الامتداد الحقيقي لمسيرتها بعد وفاة والده، الموسيقار عاصي الرحباني.
وأشارت الصحيفة إلى أن فيروز، بشخصيتها المتحفظة وحضورها الهادئ على المسرح، اكتسبت شهرة واسعة بعد أدائها الأول في مهرجان بعلبك الدولي عام 1957. وقدمت عروضا في أعرق قاعات العالم، من بينها قاعة ألبرت الملكية في لندن، وكارنيجي هول في نيويورك، وجراند أولمبيا في باريس.
وكانت فيروز قد تزوجت من الملحن والموسيقي عاصي الرحباني عام 1954، وأنجبا أربعة أبناء، منهم زياد، الذي توفي السبت الماضي إثر نوبة قلبية عن عمر يناهز 69 عامًا. وفي عام 1988، فقدت فيروز ابنتها الأخرى، الملحنة ليال، إثر إصابتها بسكتة دماغية. وتعيش المغنية اللبنانية الآن مع ابنها هالي، الذي وُلد بمرض ذهني وجسدي، وابنتها ريما، المصورة والمخرجة.