لم يكن لقاء مرتبا، بل لحظة عابرة جمعت الكاتبة «أميرة النشوقاتي»، والشاعر «أحمد حداد»، وعازف العود المصري «حازم شاهين»، بالموسيقار اللبناني الراحل «زياد الرحباني»، في إحدى أمسيات القاهرة عام 2010. لحظة بدأت بالصدفة، وانتهت بعلاقة إنسانية وفنية عميقة، تخللتها صداقات ومشاريع مشتركة، ونسجتها محبة مشتركة للفن والموسيقى. كشفت هذه العلاقة عن وجوه أخرى لزياد الرحباني، كما يراه محبوه من مصر: إنسان قبل أن يكون موسيقارًا، صادق كأغنياته، وقريب من الجميع.
محبة خفية متبادلة
لهذا اللقاء مكانة خاصة في ذاكرة الكاتبة والصحفية أميرة النشوقاتي، إذ عرفت من خلاله أن حبها لفن زياد الرحباني أمر متبادل مع عائلتها دون سابق معرفة، إذ أن جدها الموسيقار الراحل زكريا أحمد (6 يناير 1896 – 14 فبراير 1961)، هو ملحن زياد المفضل ومصدر إلهامه.
تروي لـ “باب مصر” ذكرياتها مع الموسيقار زياد الرحباني، وتقول: “جاء هذا اللقاء بالصدفة، خلال إقامة مهرجان موسيقى الجاز في ساقية الصاوي، وكنت برفقة الشاعر أحمد حداد والمؤلف الموسيقي حازم شاهين، اللذين تربطني بهما صلة قرابة. وبعد حضورنا له كجمهور، فوجئنا بزياد الرحباني يقف بالخارج يدخن سيجارة. انتهى منها وتوقفنا لتحيته”.
تعرفوا على زياد الرحباني، وكانت أميرة متحمسة لهذا اللقاء: “مين مترباش على كلامه وألحانه!”، وتستكمل حديثها بأنه في الحقيقة شخص صادق، وإنسان تماما مثل فنه.
زكريا أحمد إلى ما لا نهاية
خلال اللقاء القصير، عرّفته أميرة بنفسها، وأنها حفيدة الموسيقار زكريا أحمد ، وتفاجأت برد فعله. إذ أوضح لها أنه ملحنه المفضل، وأنه مصدر إلهامه، حتى أنه يضع صورة الشيخ زكريا أحمد بجوار صورة والده الراحل عاصي الرحباني في منزله بلبنان. “حين زار حازم شاهين بيته في لبنان، أرسل لي صورة تؤكد ذلك”، كما قالت.
وبحسب وصفها، نشأت لاحقا مشاريع فنية مشتركة بين أحمد حداد وحازم شاهين. وكان من المفترض أن يكتب أحمد أغنية لزياد الرحباني، لكن المشروع لم يكتمل. ومع ذلك، تعرف زياد على أشعار أحمد من خلال هذا التعاون، وبدأ تواصل بينهما.
أما حازم شاهين، فقد واصل مشواره الموسيقي، وأصدر قبل عدة أشهر ألبوما موسيقيا جديدا تضمن مقطوعة بعنوان: «زكريا أحمد إلى ما لا نهاية». وتضيف أميرة: ” ألف حازم هذه المقطوعة الموسيقية وهي مهداة للشيخ زكريا. وليست مقتبسة من ألحانه، بل وكأنها تحية صادقة من روحه إليه. وكان زياد الرحباني هو المنتج”.
“مدد” فني!
بدت المقطوعة كأنها سيرة ذاتية موسيقية، توثق مراحل عمر زكريا أحمد، وكأنها مذكراته الشخصية بصوت الموسيقى، وتستكمل: “شعرت أن ما فعله زياد خطوة نبيلة جدًا، أن يقوم اسم فني كبير مثله بدعم جيل جديد بهذه الطريقة”.
وترى أن هذا التقدير لا يحدث كثيرا، لأن كثيرين – على حد وصفها – لا يقدّرون الرموز الفنية كما يجب، ولا يقدمون مثل هذه اللفتات الجميلة. لكن ما فعله زياد كان بمثابة رسالة، أو “مدد فني” من جيل إلى جيل، وتحية رفيعة القيمة.
أحبت أميرة فن زياد الرحباني “بلا ولا شي”، وكان تأثيره كبيرا عليها شخصيا وعاطفيا. أحبت موسيقاه منذ زمن، دون أن تعرف أن جدها مصدر إلهامه، وتتابع: “كلماته دائمًا صادقة، وإنسانية، وتعبر عن انحيازه للإنسان، بعيدًا عن أي انتماءات سياسية”.
تجديد موسيقي
رغم حب زياد الرحباني للشيخ زكريا أحمد، إلا أنها ترى أنه لم يستلهم بشكل مباشر من موسيقاه. وتقول: “صحيح أن جدي، زكريا أحمد، كان مجددًا هو الآخر، لكن في الإطار الشرقي. وقد جدد طقاطيق العشرينات بطريقة جعلت منها أغانٍ قصيرة ومعاصرة، وهو ما أراه متقاطعًا مع فكر زياد واختلافه في أعماله”.
مزج زياد بين الجاز والموسيقى الحديثة، وتوضح: “لست خبيرة موسيقية، لكن أشعر باحتفاظه بروح مصرية خفية في بعض ألحانه الشرقية مثل أغنية (قال قايل) من ألبوم (في أمل)، لكنها ألحان مبهرة”.
واللافت أن الشيخ زكريا لم يكن مصدر إلهام لزياد وحده، بل أيضًا للمؤلف الموسيقي حازم شاهين، الذي يكن له تقديرا، كما يحب سيد درويش.
تقدير متبادل
تضيف النشوقاتي: “على مدار السنوات، منذ أول لقاء جمعني به وحتى آخر حفلة قدمها في مصر، كان زياد الرحباني يحرص في كل مرة على دعوتنا لحفلاته. ورغم أننا كنا نحضر على أي حال، إلا أن دعوته كانت دومًا محل تقدير ولفتة جميلة منه. لم تكن تربطني به صداقة شخصية مباشرة، لكن كان هناك ود وتقدير متبادل”.
وتتابع: “أرسلت له نسخة من الكتاب الذي ألّفته، فرد عليّ بإرسال مجموعة من أعماله، منها تسجيل لمسرحيته الشهيرة “بالنسبة لبكرا شو”، وفيلم “أميركي طويل”، وأيضًا “الخطة ب”. حاولنا مرارًا دعوته لزيارتنا أثناء وجوده في مصر، لكن انشغاله الدائم كان يمنع ذلك”.
وتضيف عن الجانب المهني: “كتبت عنه وغطيت له أكثر من مؤتمر صحفي، خاصة أنه كان قليل الظهور إعلاميًا، ونادرًا ما كان يجري مقابلات حصرية مع الصحفيين. وربما كان ذلك لأنه صحفي أيضًا، وكان من الصعب أن يحاور صحفيا”.
تصف شخصيته بقولها: “هو إنسان مثقف، شديد الإنسانية، خفيف الظل، ساخر بذكاء، وصاحب بديهة مذهلة. في كل أعماله يتحدث بصدق، وهو يُشبه فنه تماما – وهذه هي قمة الصدق. أن يُشبه الفنان عمله، وأن يعكس حضوره الشخصي جوهر ما يقدمه”.
عازف العود المصري حازم شاهين خلال حضور جنازة الموسيقار زياد الرحباني
الوداع الأخير
حرص الموسيقي وعازف العود حازم شاهين على حضور جنازة الموسيقار زياد الرحباني في لبنان، إذ جمعته به علاقة صداقة قوية.
وكان زياد قد أنتج الألبوم الأخير لشاهين، كما جمعتهما سابقا خشبات المسارح في حفلات مشتركة، قدم فيها شاهين باقة من أشهر أعمال الرحباني، من بينها: “أنا مش كافر”، “شو ها الأيام”، “أمريكا مين”، و”حدا من يللي بيعزونا”.
سيرة حاضرة
يتحدث الفنان والشاعر أحمد حداد عن علاقته الخاصة بالموسيقار زياد الرحباني، التي بدأت منذ لقائهما عام 2010. ورغم أنها لم تتوّج بعمل فني مشترك حتى الآن، إلا أنها كانت مليئة بالتقدير المتبادل والذكريات المؤثرة.
ويقول حداد لـ”باب مصر”: “زياد كان حاضرا في ذهني دائما، تأثرت به كثيرا، ودائما ما أحكي عنه وأضع لمسته في أعمالي، خاصة في الأفلام، فلا بد أن تتضمن شيئًا من أغانيه. لكن ما أدهشني حقًا هو أنه لم ينسني، وتحدث عني بكلمات طيبة، وكان لذلك وقع كبير في نفسي”.
ويتابع: “ما كنت أتمناه هو أن يجمعنا عمل فني حقيقي. وكانت هناك فرصة قريبة من ذلك، حين اقترح زياد على المطربة لطيفة أن نتعاون سويا. وبالفعل، تواصلت معي، وأبدت رغبتها في التعاون، ونقلت لي كلام زياد الجميل عني. كنت أتمنى أن تتوج هذه اللحظة بعمل مشترك، لكن للأسف، المشروع لم يكتمل”.
تعاون موسيقي وموقف لا ينسى
يشير حداد إلى أن الفنان الذي تعاون كثيرًا مع زياد هو الموسيقي حازم شاهين، قائلاً: “عملا معا بشكل أوسع، واستضافه مع فرقة إسكندريلا أكثر من مرة. ومن خلال هذا التعاون، حصل موقف بسيط في ظاهره، لكنه كبير جدًا بالنسبة لي”.
رغم أن زياد الرحباني لم يلحن لأحمد حداد بشكل مباشر، فإن هناك أغنية كتبها حداد ولحنها حازم شاهين بعنوان “صفحة جديدة” لفرقة “إسكندريلا”، وكان زياد بمثابة الأب الروحي للفرقة.
ويقول حداد: “في إحدى الحفلات التي استضاف فيها زياد فرقة “إسكندريلا”، رأيت بعيني زياد يعزف في الأغنية التي لحنتها، ويشارك في غنائها – ودي كانت لحظة كبيرة جدًا ومؤثرة بالنسبة لي”.
تعاون سينمائي
تطرق حداد أيضا إلى آخر تواصل جمعه بالموسيقار زياد الرحباني، وكان ذلك خلال عمله على فيلمه “أما عن حالة الطقس”. ويقول: “تواصلت مع زياد للحصول على إذن باستخدام أغنيته (ولا كيف) ضمن موسيقى الفيلم، وكان متعاونا جدا. اقترح أن تعاد غناؤها بصوت مطربة أخرى لتجنب أي مشاكل قانونية قد تواجه العمل، ومنحني موافقته على الاستخدام. كانت لفتة جميلة منه تؤكد احترامه للفن والمبدعين”.
ويعبر حداد عن مكانة زياد الفنية والثقافية بقوله: “عندما تفكر في لبنان أو بيروت، بعد فيروز، يأتي زياد مباشرة إلى الذهن. هو أقرب للفنانين المصريين في وجدانه، وأشعر دائما وكأنه ابن عم سيد درويش أو ابن خال زكريا أحمد. هذان الملحنان تحديدا هما أكثر من ترك أثراً واضحًا في تشكيل رؤيته الفنية، وكانا دائمًا حاضرين في شخصيته الفنية”.
عائلة الرحبانية
لم يسلم زياد الرحباني من نسب إنجازاته الفنية إلى عائلته الشهيرة، كما هو الحال مع أحمد حداد نفسه، المنتمي لعائلة فنية تضم الشاعرين صلاح جاهين وفؤاد حداد.
ويقول حداد: “رغم أن جميع أفراد عائلة الرحباني يتمتعون بموهبة كبيرة، فإن زياد هو الأكثر تميزا وخصوصية. في الستينيات، كان هناك عاصي ومنصور وإلياس، وقدموا أعمالا خالدة، لكن زياد جاء بروح مختلفة وعبقرية من نوع آخر”.
ويتابع: “هذا التأثر يظهر أيضا لدى الشعب اللبناني، خاصة في أغنية الوداع التي قدمها زياد مع فيروز، وتحديدا في المقطع الذي تقول فيه (بكرا برجع بوقف معكن)، والذي أصبح أشبه بالنشيد الوطني لدى الجمهور، الناس تردده وتضرب الأرض بأقدامها أثناء سماعه. لم أر تأثيرا مشابها في الموسيقى إلا مع سيد درويش”.
الموسيقى من أجل الموسيقى
يصف أحمد حداد الموسيقار زياد الرحباني بأنه “عبقري وملهم، وصاحب درجة عالية من الإنسانية”، مشيرًا إلى أنه واحد من القلائل الذين استطاعوا التحرر فنيًا من عباءة عائلاتهم الفنية العريقة دون أن يتنكروا لها.
ويقول: “زياد لم يكن مضطرا للهرب من إرث عائلته، بل أحبهم وعمل في صمت، وخلق لنفسه طريقا خاصا. هذا شيء أحترمه، لأنه ليس من السهل أن تجد لنفسك صوتا داخل عائلة لها هذا الحضور الثقيل في الذاكرة الفنية”.
ويتحدث عن تجربته الشخصية: “عندما ظهرت في سن الخامسة عشرة، تعرضت لهجوم فقط لأنني من عائلة فنية أيضًا. لكن الفن، سواء كان موسيقى أو كتابة، لا يُورث. قد أختار لاحقًا أن أقدم عملاً لأبي أو لجدي إن أحببته، لكنني لم آت إلى الشعر من خلالهم، بل من أجل الشعر ذاته. وزياد فعل نفس الشيء… اختار الموسيقى من أجل الموسيقى”.
ويضيف: “بالتأكيد هناك أفراد في عائلة زياد ليسوا فنانين، وهذا يؤكد أن المسألة في النهاية ليست وراثة بقدر ما هي صدفة، وموهبة حقيقية. كلنا نحبه ونحترمه، لأنه فنان تأثيره عالمي. الموسيقى التي قدمها تتحدث بلغة أبلغ من الكلام، وهو من القلائل الذين يمكن أن نستمتع بأعمالهم الموسيقية الخالصة كما نستمتع بالأغاني نفسها”.
تستمر فعاليات معرض «لغز كليوباترا»، في باريس حتى 11 يناير 2026، بتنظيم من معهد العالم العربي. ويهدف المعرض إلى تقديم قراءة جديدة لتاريخ الملكة كليوباترا السابعة، من خلال تصحيح المفاهيم الخاطئة والصور النمطية التي ارتبطت بها عبر القرون. لا يقتصر المعرض على عرض التماثيل واللوحات، بل يطرح سردية تاريخية وثقافية متكاملة، ترد على ما قدمته الأعمال الفنية الغربية، ومنها مسلسل شبكة «نتفليكس» الذي أثار جدلا واسعا عند عرضه قبل عامين.
لغز كليوباترا
ينظم المعرض بالتزامن مع مرور 2054 عامًا على وفاة الملكة كليوباترا (69 ق.م – 30 ق.م) آخر ملكات العصر البطلمي. ويعيد تسليط الضوء على شخصيتها باعتبارها واحدة من أكثر النساء تأثيرًا في التاريخ القديم. إذ واجهت التوسع الروماني، ولا تزال حتى اليوم رمزًا للقوة والذكاء السياسي.
ويبرز المعرض كيف أصبحت حياتها القصيرة – التي انتهت مأسويًا وهي في التاسعة والثلاثين – مصدر إلهام لا ينضب للأدب والفن والسينما. خاصة في ظل غياب سيرة ذاتية موثقة. وفي المقابل، تعرضت سيرتها الشخصية لتشويه مستمر. إذ اختزلت في علاقتها بيوليوس قيصر ومارك أنطونيوس، على حساب إنجازاتها السياسية والثقافية.
ولم تكن المحاولات المعاصرة بعيدة عن هذا التشويه. فقد أثار مسلسل “الملكة كليوباترا”، الذي عرضته شبكة نتفليكس عام 2023، جدلاً واسعًا. بسبب ما اعتبر تحريفًا للحقائق التاريخية، وهو ما يسلّط المعرض الضوء عليه. وبحسب ما ورد على الموقع الرسمي لمعهد العالم العربي: “يسعى معرض لغز كليوباترا إلى التمييز بين الحقيقة والأسطورة. عبر رحلة تربط بين الماضي البعيد والتمثيلات المعاصرة. حيث يتعاون العلم والفن لإعادة بناء صورة أكثر دقة وإنصافًا للملكة المصرية”.
عملة مصرية من فئة 50 قرشًا، 2021. مجموعة خاصة، موقع معهد العالم العربي
التاريخ والأسطورة
صدر بالتزامن مع المعرض كتاب “لغز كليوباترا”، الذي نظرة على كيفية تحول حياة الملكة كليوباترا إلى أسطورة يحيطها الغموض.
يضم المعرض لوحات، ومنحوتات، ومطبوعات، ومخطوطات، وقطعا أثرية، ومجوهرات، وعملات معدنية، وأزياء، وعروضا بصرية، وصورا فوتوغرافية. من خلال مقتنيات متاحف متنوعة مثل متحف اللوفر، والمكتبة الوطنية، وقصر فرساي. بالإضافة إلى متاحف في فرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا وسويسرا.
وينقسم المعرض إلى موضوعين رئيسيين: “التاريخ” و”الأسطورة”، باستخدام أحدث الأبحاث التاريخية والأثرية. بهدف إعادة ترسيخ الحقائق عن الملكة كليوباترا السابعة، وفك رموز الظاهرة الثقافية المحيطة بها. في القسم الأول، تعرض آثار، ومجوهرات، ونقوش ومنحوتات، ونصوص دينية ترجع إلى عهد كليوباترا السابعة. ويحلل معهد العالم العربي المعلومات التي تناولها الغرب عنها. بالإضافة إلى ما كتبه مؤرخو العالم العربي.
ورصد المعهد التضاد في نظرة كل من الغرب والعالم العربي للملكة. وبحسب الموقع الرسمي: “هما روايتان مختلفتان تمامًا، لا تعبران عن الملكة بنفس الطريقة. من جهة تقدم كالملكة الفاتنة، ومن جهة أخرى، كامرأة مثقفة، ومهندسة معمارية عظيمة، وحامية لشعبها”.
رحلة مع وجوه مختلفة
يأخذ معرض “لغز كليوباترا” زواره في جولة عبر أربعة أقسام تسلط الضوء على حياة الملكة المصرية. في البداية، يستقبل الزائر تمثال درامي بعنوان “كليوباترا تحتضر واقفة” للفنان الفرنسي جان- باتيست جوي (من القرن السابع عشر). حيث يهيئ الجو العام لتجربة بصرية وسينوغرافية تروي وجوهًا متعددة للملكة الغامضة.
وفي القسم الثاني، ينتقل الزائر إلى عالم التمثيلات الفنية والأدبية التي حافظت على وهج كليوباترا. ومنها لوحة “موت كليوباترا” للفنان جان أندريه روكسينس (1874)، التي تجسد لحظة إنهاء حياتها بطريقة درامية مدهشة. أما القسم الثالث، فينقلنا إلى عالم السينما الذي أسهم في تحويل كليوباترا إلى رمز عالمي. بدءًا من فيلم قصير أخرجه جورج ميلييس عام 1899. مرورًا بإرث أيقوني مثل الفستان الفاخر الذي ارتدته إليزابيث تايلور في فيلم جوزيف إل مانكيفيتس “كليوباترا” (1963)، الذي رسّخ الصورة الهوليوودية للملكة.
ويختتم المعرض بأعمال لفنانين معاصرين يستلهمون شخصية كليوباترا ويعيدون تقديمها برؤية معاصرة. من أبرزها مجموعة من القطع الإعلانية المغطاة بكريستالات سواروفسكي. تدمج بين الفخامة الحديثة والرمزية التاريخية للملكة التي لا تزال تأسر الخيال حتى اليوم.
إزميرالدا كوسماتوبولوس، حوالي 5 سنتيمترات (About 2 inches long)، رخام مجموعة الفنانة إزميرالدا كوسماتوبولوس
أنف كليوباترا.. رمز تاريخي
في إحدى قاعات معرض “لغز كليوباترا”، يعرض تركيب فني غريب: عشرات الأنوف تتدلى من السقف. يجاور هذا العمل الطريف عرض لعملات برونزية نادرة، تم سكها في الإسكندرية وقبرص. تُظهر ملامح كليوباترا بوجه ممدود، وجبهة مستديرة، وأنف بارز. وهو أحد أكثر ملامحها الجسدية إثارة للجدل.
وتعلق عالمة المصريات كريستيان زيجلر، المديرة الفخرية السابقة لقسم الآثار المصرية في متحف اللوفر: “لا نعرف الكثير عن شكل كليوباترا. هناك عدد قليل جدًا من الصور المؤكدة. ولا توجد تماثيل تحمل اسمها مباشرة، لكن بعضها ينسب إليها”.
ويعود التركيز على أنف كليوباترا إلى جانب أدبي أيضا. حيث كتب الفيلسوف بليز باسكال في “خواطره”: “أنف كليوباترا: لو كان أقصر، لتغير وجه الأرض بأكمله”. في إشارة رمزية إلى تأثير جمالها في مجريات التاريخ، خاصة في علاقتها بيوليوس قيصر ومارك أنطونيوس. ولا يكتفي المعرض بعرض الماضي، بل يتيح للزوار استخدام الذكاء الاصطناعي لتكوين صورة تخيلية لكليوباترا. وجاءت النتيجة: امرأة ذات ملامح آسرة تجمع بين الجاذبية والغموض.
جمال كليوباترا
لطالما ارتبط اسم الملكة كليوباترا بالجمال والإغواء. لكن الحقيقة، كما يكشفها المعرض، تبدو أكثر تعقيدًا من تلك الصورة النمطية. وبحسب موقع “سورتيرا باريس” الفرنسي. يرى كلود مولارد، القيّم العام للمعرض، أن “قصة جمال كليوباترا خيالية إلى حد كبير”. مؤكدا أنها لم تكن “المبتذلة” التي حاول الإمبراطور الروماني أغسطس أن يصورها بها لأسباب سياسية.
ويؤكد الأكاديمي كريستيان جورج شوينتزل أن التصورات القديمة حول كليوباترا تتراوح بين كونها “امرأة فاتنة” في أفضل الأحوال. و”شهوانية” في أسوأها. ويشير إلى أن بعض الروايات المتطرفة صورتها كمزاجية تنام مع عبيدها. ثم تأمر بقتلهم صباحًا، وهي صورة يصفها شوينتزل بأنها نتاج مبالغات متعمدة.
وفي أحد المعروضات، يظهر مصباح زيتي يحمل صورة مزعومة لكليوباترا وهي تجلس في وضع فاضح. غير أن شوينتزل يرى أن هذا المثال وغيره يمثل “انتقادا مبالغا فيه”. موضحًا أن معظم القصص التي نقلت عنها كتبها رجال في مجتمع روماني أبوي ومعاد للنساء.
بوستر دعائي لمعرض لغز كليوباترا معهد العالم العربي
كليوباترا أيقونة نسوية
يرجع تاريخ الترويج للملكة كليوباترا بهذه الصور النمطية والمتحيزة إلى القرن التاسع عشر. خلال موجة الهوس الغربي بالحضارة المصرية.
وبحسب موقع “توينتي مينتس” الفرنسي، فقد شكّلت أكثر من 220 عملًا فنيا منذ عام 1899- من أفلام ومسلسلات إلى محاكاة ساخرة- صورة واحدة نمطية للملكة المصرية. غالبا ما كانت مزيجا من الإغواء والغموض، على حساب حقيقتها كزعيمة سياسية بارعة.
ويقول شوينتزل: “كرست العديد من هذه الصور إساءات لكليوباترا. وأبعدتها عن هويتها الحقيقية كامرأة قوية وذات نفوذ. لم تُشوّه سمعتها كامرأة فقط. بل كممثلة عن كل النساء اللاتي امتلكن سلطة في عالم يرفض أن يرى المرأة في موقع القوة”.
نجح موقع «أبو مينا» الأثري بمدينة برج العرب بالإسكندرية، وأحد أقدس المزارات القبطية في العالم، في الخروج من “قائمة الخطر” لدى منظمة اليونسكو خلال اجتماعات الدورة الـ47 للجنة التراث العالمي، بمقر المنظمة في باريس، وذلك بعد سنوات من التهديد والإهمال والقلق على مصير المدينة التاريخية التي لُقبت بـ«المدينة الرخامية»، وكانت قديما قِبلة للحج الثاني بعد القدس، ومقصدا للاستشفاء.
في حوار خاص مع «باب مصر» يتحدث الراهب الدكتور القمص تداوس أفامينا، مسؤول الآثار بدير الشهيد مار مينا، ومنسق العلاقات بين الكنيسة القبطية ووزارة السياحة والآثار، الذي آمن بأن الحجر لا يقل قداسة عن الكلمة، عن مصير الأثر القبطي الأرثوذكسي الوحيد المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وتفاصيل مشروع الإنقاذ، والتحديات التي واجهت الموقع القبطي النادر، والخطط المستقبلية لتحويل موقع أبو مينا إلى مزار عالمي ومتحف حي.
بداية نهنئكم على هذا الإنجاز. هل كان إدراج موقع أبو مينا ضمن جدول أعمال الدورة الـ47 لليونسكو في باريس أمرا مخططا له مسبقًا؟
الطموح نحو تحسين وضع موقع أبو مينا الأثري كان حاضرا دائما، خاصة في ظل وجود عمل جماعي مستمر على الأرض. وقد جاء إدراج ملف أبو مينا في جدول أعمال الدورة الحالية. نتيجة طبيعية لتكامل الجهود بين الدولة والكنيسة والمجتمع المحلي. التي التزمت بتنفيذ جميع الاشتراطات التي حددتها منظمة اليونسكو لرفع الموقع من قائمة التراث المعرض للخطر.
ما هي الخطوات الأساسية التي قادت إلى هذا النجاح؟
نجاح ملف أبو مينا لم يكن وليد الصدفة، بل كان ثمرة سلسلة من الخطوات المتكاملة والتنسيق بين مختلف الجهات. بدأ التعاون مع محافظة الإسكندرية، التي يتبع لها الموقع الأثري. وهو خامس أثر قبطي أرثوذكسي على مستوى الجمهورية، ويحمل رقم 90 على قائمة التراث العالمي.
وقد اعتمد هذا النجاح على التنسيق بين المحافظة ووزارة السياحة والآثار والدير، بمساعدة لجنة علمية موسعة ضمت نخبة من أساتذة الجامعات المتخصصين في مجالات العمارة، والجيولوجيا، والهيدرولوجيا (علم المياه)، والميكانيكا. وتركزت هذه الجهود أولا على تطوير البنية التحتية المؤدية إلى المدينة الأثرية. عبر تنفيذ طرق ممهدة من الطريق الصحراوي إلى الموقع، إلى جانب تركيب لوحات إرشادية وإنارة الطريق بالكامل.
كما ساهم مجلس مدينة برج العرب القديمة بإرسال فرق متخصصة لتنظيف المنطقة. وتولت وزارة الزراعة إزالة الحشائش الضارة باستخدام مبيدات وآليات دقيقة، مع تحديد أنواع النباتات. وخصص دير الشهيد مار مينا ميزانية قدرها 25 مليون جنيه لإنشاء سور حماية يحيط بالموقع. كما لعبت الحكومة دورا أساسيا في مواجهة أكبر تحد، وهو خفض منسوب المياه الجوفية التي كانت تهدد استقرار المدينة الأثرية.
الراهب الدكتور القمص تداوس أفامينا يتحدث عن موقع أبو مينا
كيف ساء حال الموقع بهذا الشكل؟
بدأ التدهور في موقع أبو مينا الأثري عام 1983، مع تنفيذ مشروع لاستصلاح الأراضي الصحراوية بدعم من البنك المركزي الأمريكي ضمن برامج المعونة، حيث تم توزيع الأراضي المحيطة بالموقع على المنتفعين لزراعتها.
ورغم أن المخطط الزراعي الأصلي اعتمد على نظام الري بالتنقيط، فإن الواقع شهد استخدام أسلوب الري بالغمر، مما أدى إلى تسرب كميات كبيرة من المياه الجوفية إلى المنطقة.
وبسبب الانخفاض الطبوغرافي لقبر القديس مار مينا – الذي يقع على عمق 7 أمتار أقل من مستوى الطريق الرئيسي – تجمعت المياه داخله بشكل مباشر، مما تسبب في أضرار كبيرة للبنية الأثرية.
كما كانت جميع الأراضي الزراعية المحيطة تفتقر إلى بنية صرف صحي فعالة. ما ساهم في تصريف المياه إلى داخل المنطقة الأثرية. ونتيجة لهذا الوضع الخطير، قررت منظمة اليونسكو، خلال دورتها المنعقدة في أسوان عام 2001، إدراج موقع أبو مينا ضمن قائمة مواقع التراث العالمي المعرضة للخطر، ووضعته في “الدائرة الحمراء”، محذرة من احتمال شطبه من القائمة ما لم يتم تدارك الوضع.
خلال سنوات العمل.. هل كانت هناك مخاوف من فقدان الموقع أو عدم القدرة على إنقاذه؟
نعم، كانت المخاوف حاضرة بشدة طوال فترة العمل. وكان مصير الموقع مهددا بالانهيار الكامل، لولا تضافر الجهود بين الحكومة والكنيسة والمجتمع المحلي. وقد كان الوضع ينذر بكارثة وشيكة، خاصة لما يمثله الموقع من أهمية روحية وتاريخية لآلاف الزائرين سنويا. والذين يقدر عددهم بنحو 8 ملايين شخص، من بينهم أجانب وباحثون ومهتمون من مختلف أنحاء العالم.
ورغم صعوبة المشروع، فقد كان محط اهتمام من العديد من الأكاديميين والخبراء المتخصصين في الآثار والمياه والعمارة. الذين تابعوا مراحل تطوره عن كثب، وهو ما ساعد في توثيق التجربة والبناء عليها.
موقع أبو مينا الأثري بالإسكندرية
ما هي أبرز التحديات التي واجهتكم أثناء عملية الإنقاذ؟
واجهت عملية إنقاذ موقع أبو مينا سلسلة من التحديات المعقدة، خاصة من الناحية الفنية. وقد تطلب الأمر دراسات متعمقة لتحديد جذور المشكلة، ما استدعى تنفيذ مشروعين كبيرين على مدى سنوات.
بدأ أول مشروع لمعالجة المياه الجوفية في عام 2005 واستمر حتى 2010. وشمل مساحة قدرها 300 فدان من إجمالي المساحة الكلية الحالية للموقع، والبالغة 978 فدانا موزعة على ثلاثة قطاعات.
وخلال المشروع، تم تركيب 170 طلمبة لسحب المياه. وكشفت الدراسات لاحقا أن ملوحة المياه في المنطقة كانت مرتفعة للغاية. حيث وصلت إلى نحو 30 ألف جزء في المليون، ما أدى إلى تآكل أجزاء من المعدات وتلف بعض الطلمبات. وهو ما فرض تحديا فنيا صعبا في اختيار نوع المضخات المناسبة.
وقد أولى الرئيس عبدالفتاح السيسي اهتماما خاصا بالموقع، باعتباره أحد المعالم الأثرية والدينية المهمة في التاريخ المصري. ما أعاد الزخم للمشروع وفتح الباب لإعادة تأهيله بدراسة أكثر دقة، تضمنت تقليل عدد الآبار، وتحسين البنية التحتية. بما يتناسب مع خصوصية الموقع وطبيعة تربته. وقد تكررت المحاولة، بالاعتماد على خبرات متخصصة في مجالات المياه والجيولوجيا والهندسة.
حدثنا عن التعامل مع التعديات التي كانت قائمة على الموقع. كيف تم التنسيق مع الجهات الأمنية لإزالتها؟ وما موقف الأهالي؟
كان الموقع الأثري عرضة لتعديات من قبل بعض الأهالي، كونه منطقة مفتوحة. خاصة في المناطق البعيدة عن المواقع التي تم اكتشاف آثار بها بشكل مباشر. ولعبت الكنيسة دورا في حماية الموقع، وبادرت بالتواجد المستمر داخل المنطقة الأثرية؟ ما خلق حالة من الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الموقع، ومنع التوسع في أي محاولات جديدة لوضع اليد.
كما جرى تنسيق كامل مع الجهات الأمنية المعنية، التي قامت بتنفيذ قرارات إزالة التعديات بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار. وبعد توضيح أهمية المنطقة ومكانتها الدينية والتاريخية، أبدى الأهالي تعاونا في دعم جهود الحماية.
بصفتكم مسؤولا عن ملف المنطقة الأثرية، كيف ساعدت دراستكم الأكاديمية (الماجستير والدكتوراه) في اتخاذ قرارات عملية بشأن أبو مينا؟
توجهي نحو الدراسة الأكاديمية المتخصصة في علم الآثار لم يكن قرارا فرديا فقط. بل جاء بدعم وتوجيه مباشر من قداسة البابا تواضروس الثاني، وبرعاية نيافة الأنبا كيرلس آفا مينا، رئيس الدير. بهدف الحفاظ على موقع أبو مينا وفق أسس علمية متخصصة.
وعلى الرغم من أن الرهبنة لا تسعى تقليديا إلى نيل الدرجات العلمية. إذ يختار الراهب الفقر والطاعة متجردا من الألقاب الدنيوية، فقد حصلت على موافقة استثنائية لإتمام الدراسة كراهب. فالتحقت بجامعة كفر الشيخ بعد حصولي على بكالوريوس الزراعة من جامعة المنوفية عام 1997. ثم غيرت مساري العلمي بدراسة الآثار الإسلامية والمسيحية.
تناولت في رسالة الماجستير ملف “دير أبو مينا وملحقاته الأثرية”، مركزا على ماضي وحاضر المنطقة، والمشكلات التي تهددها. أما رسالة الدكتوراه فكانت بعنوان “تطور العمارة الدينية في إقليم مريوط في ضوء المكتشفات الأثرية الحديثة”. وهي دراسة ميدانية شاملة تناولت كنائس وأديرة ومحال وحمامات قديمة، إلى جانب توثيق أماكنها بدقة.
وامتدت دراستي إلى استشراف مستقبل المنطقة، مع وضع رؤية علمية لإدارتها والحفاظ عليها. وكان أحد محاورها “خطة إدارة موقع أبو مينا الأثري”. بما في ذلك تصور لإعادة إحياء قبر القديس مار مينا وتنظيم الزيارات إليه، رغم أنه اليوم مغطى تماما.
البابا تواضروس الثاني ولجنة علمية خلال زيارة موقع أبو مينا الأثري
الراهب الدكتور القمص تداوس أفامينا يتحدث عن موقع أبو مينا 1
ما هي القيمة الاستثنائية التي تم على أساسها اختيار منطقة أبو مينا كموقع للتراث العالمي؟
تحمل منطقة أبو مينا الأثرية قيمة استثنائية فريدة أهلتها للانضمام إلى قائمة مواقع التراث العالمي. إذ تعد أول تجسيد للعمارة القبطية الأرثوذكسية في العالم. وقد ظهرت فيها القبة القبطية كعنصر معماري مميز مع بدايات القرن الرابع الميلادي. وبرز ذلك بوضوح في الكنيسة التي تعلو قبر الشهيد مار مينا، والتي تعتبر من أقدم نماذج العمارة الكنسية القبطية.
وما يميز أبو مينا أيضا أنها كانت مدينة قبطية متكاملة. جمعت بين الحياة الدينية واليومية والرهبانية، واحتوت على أسواق وفنادق ومعاصر للزيت والزبيب. وبلغت مساحتها نحو 2000 فدان، وكانت محمية بقوة عسكرية قوامها 11 ألف جندي روماني.
وكانت تعرف باسم “المدينة الرخامية” نظرا لطبيعة مواد البناء الفاخرة المستخدمة فيها. حيث كانت الشوارع والأبواب والطرقات مرصوفة بالكامل بالرخام. كما كانت أبو مينا محطة الحج الثانية للمسيحيين بعد القدس، لما اشتهرت به من معجزات الشفاء والبركة المرتبطة بالقديس مار مينا.
ما الفرق بين منطقة أبو مينا الأثرية والدير الحديث من حيث الوظيفة والدور؟
القديس مار مينا العجائبي هو أحد أشهر شهداء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ولد عام 285م في نقيوس بمصر. وكان والده حاكما على منطقة شمال إفريقيا، وكانت والدته عاقرا، لكنها بشرت في إحدى الصلوات أمام أيقونة العذراء بأنها ستنجب صبيا اسمه “مينا”.
وفي سن الخامسة عشرة، التحق بالجيش الروماني وكان حينها يتيم الأبوين. وكان له صديق مقرب يدعى أثناسيوس، وهو المرجع الأساسي الذي نقل لنا معلومات موثقة عن حياة القديس. وترك الخدمة العسكرية بعد 3 سنوات ليكرس حياته لله في الصحراء، مثل الرهبان، لكن حينها لم تكن ظهرت الرهبنة بشكلها المعروف.
حين تحول الإمبراطور الروماني إلى الوثنية وبدأ في اضطهاد المسيحيين، أعلن القديس مار مينا إيمانه جهارا، فقُطعت رأسه عام 309م، وكان في الرابعة والعشرين من عمره. وعندما قاد صديقه أثناسيوس الجيش إلى منطقة الإسكندرية لمواجهة البربر، جلب جسد القديس معه، وانتصروا على البربر، وأثناء العودة وضعوا الجثمان على جمل، الذي توقف عن السير في منطقة مريوط، فاعتبرت علامة على مكان دفنه.
***
تم لاحقا بناء كنيسة كبرى من الرخام بالكامل على يد البابا أثناسيوس البطريرك العشرين. ثم كاتدرائية كبرى على يد البابا ثاؤفيلوس البطريرك الـ23 في القرن الخامس. لكن بعد استيلاء الفرس على المدن وقطع الطرق، بدأ المكان في الانهيار. كما أرسل الخليفة المعتصم العباسي رجلا يدعى أليعازر الدمشقي لجلب رخام من مصر، فاقتلع الأعمدة الرخامية من المدينة.
وكان آخر ظهور للمدينة عندما ردمها محمد علي باشا المدينة بالكامل بسبب اختباء اللصوص فيها. حتى اكتشافها مجددا عام 1905 على يد كاهن كاثوليكي، اكتشف مخطوط عن القديس مار مينا مكونة من 3 أجزاء، فاكتشف المكان. وخلال عودته إلى ألمانيا أخذ معه 100 صندوق من مكتشفات المدينة الأثرية، ودشن بها متحف فرانكفورت بألمانيا.
ما هي الخطة القادمة لإعادة افتتاح المنطقة كمزار سياحي عالمي؟ ومتى نتوقع ذلك؟
الجهود المبذولة في إنقاذ منطقة أبو مينا لا تتوقف عند رفعها من “قائمة المواقع المعرضة للخطر” لدى اليونسكو. بل تمتد إلى وضع رؤية واضحة لمستقبلها كمزار سياحي عالمي يليق بأهميتها التاريخية والدينية.
ومع كل خطوة، نأخذ بعين الاعتبار سؤالا جوهريا: ما هو مصير هذا المكان؟ خاصة أن الكنيسة، والمجتمع المحلي، والجهات المعنية، جميعهم يتشاركون في بناء هذا المستقبل. من خلال تقديم المقترحات، والمساهمة بالتواجد والدعم. ومن أبرز المقترحات المطروحة: تأهيل الموقع لاستقبال الزوار عبر تطوير البنية التحتية، وتوفير خدمات متكاملة، منها إنشاء فندق سياحي يخدم الزوار. إلى جانب تنظيم الزيارات وفق مسارات تضمن الحفاظ على الطابع الأثري للموقع.
وتواصل الكنيسة صلواتها اليومية في المكان. وقد وضعت الخطط بالفعل ضمن ملف تطوير المنطقة، الذي تتم دراسته حاليا بالتنسيق مع الجهات الرسمية. ورغم عدم تحديد موعد رسمي للافتتاح، فإن المؤشرات الإيجابية تشير إلى تحويل الموقع قريبا إلى وجهة دينية وسياحية بارزة على خريطة السياحة العالمية.
أين سيتم بناء الفندق؟ وهل سيتواجد داخل المنطقة الأثرية؟
سيقام مشروع الفندق المزمع إنشاؤه لخدمة الزوار والحجاج ضمن المنطقة العازلة المحيطة بموقع أبو مينا الأثري، وليس داخل النطاق الأثري ذاته.
وسيتم البناء باستخدام مواد معمارية حديثة تبرز بوضوح الاختلاف بينه وبين الطابع الأثري، بما يراعي اشتراطات اليونسكو. والمشروع جزء من رؤية تهدف إلى دعم الموقع دون التأثير على أصالته. مع الحفاظ الكامل على خصوصيته كأحد أبرز المعالم القبطية المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي
ما مصير القطع الأثرية الخاصة بمدينة أبو مينا؟ وهل هناك خطة لعرضها في متحف بالمنطقة؟
نعم بالطبع، فالمتحف من بين الخطط المطروحة لتأهيل موقع أبو مينا لاستقبال الزوار.
هل لديكم توجه لإعادة بعض القطع الأثرية من المتحف القبطي إلى موقع أبو مينا؟ وما هو موقف وزارة الآثار من هذا الطلب؟
في البداية، نؤكد أن جميع القطع الأثرية الخاصة بمدينة أبو مينا محفوظة حاليا في أمان تام، وتخضع لإشراف الجهات المختصة. سواء في المخازن التابعة لوزارة الآثار بمدينة رشيد، أو في المتحف القبطي، أو في مواقع تخزين أخرى.
وهناك مشروع قيد التنفيذ يهدف إلى إنشاء متحف مركزي دائم داخل منطقة أبو مينا نفسها. ليضم كافة المقتنيات والقطع التي تعود للموقع الأثري، بما يعيد ربط هذه الآثار بسياقها الأصلي ويمنح الزوار فرصة التعرف على تاريخ المدينة من داخل موقعها الفعلي.
الراهب الدكتور القمص تداوس أفامينا يتحدث عن موقع أبو مينا
ما هي التجهيزات المخطط لها لاستقبال الزوار في موقع أبو مينا الأثري؟
تتضمن الخطط المطروحة إنشاء مجموعة متكاملة من المرافق والخدمات السياحية والثقافية، بما يتماشى مع المعايير الدولية للمزارات الدينية والأثرية.
وتشمل هذه التجهيزات: متحفا لعرض القطع الأثرية المكتشفة بالمنطقة، وعروضا تفاعلية بالصوت والضوء تحاكي تاريخ المدينة. ومناطق مخصصة للبازارات والحرف التقليدية، وقاعات للاستقبال والمحاضرات. ومراكز شرح إلكترونية بها شاشات عرض حديثة، خدمات أساسية مثل الحمامات العامة ومناطق الجلوس.
كانت منطقة أبو مينا مركزا عالميًا للحج والاستشفاء.. هل هناك نية لدمج المنطقة ضمن المسار السياحي في مصر بالتعاون مع جهات دولية؟
تعمل وزارة السياحة والآثار على دمج موقع أبو مينا ضمن مسار رحلة العائلة المقدسة، وإبرازه كأحد المحطات المهمة في السياحة الدينية. خاصة في محافظة الإسكندرية. وتتبنى الوزارة رؤية تكاملية تجمع بين الحفاظ على المواقع الأثرية باعتبارها إرثا إنسانيا، والترويج لها عالميا. إلى جانب دعم الاقتصاد الوطني من خلال السياحة المستدامة.
ومصر تمتلك سبعة مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي تمثل دعائم رئيسية في خريطة السياحة المصرية؟ وهي: أهرامات الجيزة، مدينة الأقصر ومعابدها، مدينة أسوان ومواقعها الأثرية، القاهرة التاريخية، منطقة أبو مينا الأثرية، دير سانت كاترين في جنوب سيناء، وأخيرًا وادي الحيتان في الفيوم.
ما هي طبيعة التنسيق اليومي بين دير مار مينا ووزارة السياحة والآثار؟ وهل هناك بروتوكولات تعاون دائمة؟
تقوم العلاقة بين دير الشهيد مار مينا ووزارة السياحة والآثار على التعاون الوثيق في إدارة الموقع الأثري. وتسهم الكنيسة بدور فاعل في الحفاظ على هذا الإرث الروحي والتاريخي الممتد منذ القرن الرابع الميلادي. إذ بُنيت الكنيسة الأولى على يد البابا رقم 20، ثم الكاتدرائية الكبرى في القرن الخامس، لتتوسع المدينة لاحقا حول قبر القديس مار مينا. بعد أن أصبحت مقصدا للحج والشفاء.
وقد أولى قداسة البابا تواضروس الثاني اهتماما خاصة بالموقع. سواء حين كان أسقفا أو الآن، وشارك في زيارات ميدانية مع ممثلة اليونسكو ووزير السياحة ومحافظ الإسكندرية، دعما لجهود الحفاظ على أبو مينا كأحد رموز التراث القبطي والعالمي. ويعمل الدير بشكل يومي وبروتوكولي مع الوزارة عبر لجان تنسيقية وتبادل للخبرات والدعم الفني.
موقع أبو مينا الأثري بالإسكندرية 6
إزالة التعديات والحشائش بمنطقة أبو مينا الأثرية
كيف تقيمون دور المجتمع المحلي في حماية الموقع بعد إزالة التعديات؟ هل تغيرت نظرة الأهالي للمنطقة؟
شهد المجتمع المحلي المحيط بمنطقة أبو مينا الأثرية تحولا إيجابيا ملحوظا في نظرته تجاه الموقع، بعد الجهود التي بذلت لإزالة التعديات وتطوير المنطقة. وبدأ السكان يدركون القيمة التاريخية والروحية للموقع، وتغير تعاملهم معه من موقع مهجور إلى تراث يجب الحفاظ عليه واحترامه.
هل هناك لجنة دائمة حاليا لمتابعة أعمال الصيانة والمراقبة البيئية للموقع؟
نعم، هناك لجنة دائمة معنية بمتابعة وإدارة موقع أبو مينا الأثري ضمن منظومة متكاملة لحماية مواقع التراث العالمي في مصر.
وقد تم تشكيل اللجنة العليا لإدارة مواقع التراث العالمي بقرار من رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي رقم 450 لسنة 2018. وتضم في عضويتها ممثلين عن مختلف الوزارات والجهات المعنية، بما في ذلك وزارة السياحة والآثار، ووزارة البيئة، ومحافظة الإسكندرية، وهيئات التخطيط العمراني. فضلًا عن ممثلي المجتمع المحلي والكنيسة.
وتهتم اللجنة بوضع السياسات العامة لإدارة المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي. وتعقد اجتماعات دورية لمتابعة سير المشروعات القائمة، وحل التحديات المتعددة التي تواجه المواقع. خاصة ما يتعلق بالضغوط البيئية أو العمرانية، برئاسة اللواء أركان حرب خالد فودة، مستشار رئيس الجمهورية.
هل هناك خطط طويلة المدى لضمان استقرار منسوب المياه الجوفية مستقبلا؟
نعم، الحفاظ على منسوب المياه الجوفية في موقع أبو مينا الأثري يعد من أهم أولويات العمل خلال المرحلة المقبلة. وهناك بالفعل خطة طويلة المدى تنفذها الشركة المتخصصة المُسند إليها أعمال الصيانة، بالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار.
وتتابع الشركة بشكل يومي دقيق منسوب المياه الجوفية، وحالة الطلمبات، ومعدلات التشغيل. بالإضافة إلى مراقبة أي انقطاعات في التيار الكهربائي قد تؤثر على عمل المنظومة. كما يتم رصد أي آثار بيئية ضارة قد تنتج عن خلل في النظام، بهدف التدخل السريع لتفادي أية أضرار على الموقع الأثري.
هل هناك دراسات بيئية تتابع تأثير المياه المالحة على التكوينات الأثرية الباقية؟
نعم، أجريت عدة دراسات بيئية متخصصة لرصد وتحليل تأثير المياه الجوفية المالحة على الموقع الأثري، وخاصة في منطقة قبر القديس مار مينا. حيث بلغت نسبة ملوحة المياه في بعض المناطق نحو 30 ألف وحدة، وهو مستوى مرتفع يصعب من عملية الصرف.
وقد تم تنفيذ خطة علمية لمعالجة هذه الأزمة البيئية، تضمنت إجراء عملية “مزج” (Mixing) لمسارات المياه المالحة بهدف خفض الملوحة تدريجيا. مما مكن من تصريف المياه إلى المصارف الرئيسية التابعة للدولة بعد نجاح خفض الملوحة إلى ما يقرب من 4 آلاف وحدة، وهو المعدل المقبول بيئيا.
وتسببت الملوحة المرتفعة في أضرار ملموسة للموقع الأثري. منها تراكم طبقات “التكلس” على الأسطح، وتآكل المواد الرابطة بين الطوب الأثري، نتيجة تفاعل الأملاح والكبريتات.
وتجرى حاليا دراسات متقدمة بالتعاون مع خبراء ترميم، لتحديد المواد المناسبة لإزالة التكلسات. واستخدام مركبات جديدة تُسهم في تقوية البنية الإنشائية، ومنع تكرار تآكل العناصر الأثرية بفعل الكبريتات.
هل ترى أن نجاح إنقاذ أبو مينا يمكن أن يلهم مشاريع مشابهة لإنقاذ مواقع أثرية مهددة في صعيد مصر أو دلتا النيل؟
بلا شك، لأن تجربة إنقاذ مدينة أبو مينا الأثرية تمثل نموذجا ملهمًا يُمكن البناء عليه لتكرار النجاح في مواقع أثرية أخرى مهددة على امتداد محافظات صعيد مصر ودلتا النيل. وبصفتي منسقا بين وزارة السياحة والآثار والكنيسة القبطية، يتم التعامل معي كأحد الخبراء الميدانيين في هذا الملف. لما تم اكتسابه من خبرات عملية وعلمية خلال تنفيذ المشروع.
وقد تم تشكيل لجنة علمية واستشارية رفيعة المستوى ضمت نخبة من كبار الأساتذة المتخصصين، من بينهم: الدكتور مراد باخوم، والدكتور سامي صبري، والدكتور أسعد سلامة، والدكتور فضل القمص، وقد جمعت اللجنة بين التخصصات الأكاديمية في العمارة والهندسة والبيئة، والدراسات التاريخية واللاهوتية.
ما هي رسالتكم للأجيال الجديدة من الشباب القبطي والمصري حول أهمية الحفاظ على التراث الروحي والأثري؟
أرى أن التعليم هو حجر الأساس في أي عملية توعية حقيقية، ويجب أن يبدأ بناء الوعي الأثري والروحي لدى الأجيال الجديدة منذ الصغر. من خلال التعليم والتثقيف المبكر. ومن المبادرات المهمة في الماضي كانت مبادرة “أطلس المحافظات”. الذي كان تعرف الطلاب بالمواقع الأثرية والدينية في محافظاتهم. مع إدراج المعلومات الأثرية ضمن المناهج الدراسية على مراحل التعليم المختلفة، الابتدائية والإعدادية والثانوية.
ولا يقتصر الأمر فقط على معرفة التاريخ فقط، بل يشمل احترامه والدفاع عنه. لأن تعريف الأطفال والمراهقين والكبار بأهمية كل موقع أثري، سواء كان مصريا أو قبطيا أو رومانيا أو إسلاميا. يساهم في ترسيخ قيمة الانتماء، ويمنع التعدي على الآثار أو الإضرار بها أو حتى التفكير في تهريبها أو بيعها.
أعاد سقوط مئذنة مسجد «سيدي سلامة» الأثري في مدينة سمنود بمحافظة الغربية، رغم ترميمه قبل أكثر من 30 عامًا، تسليط الضوء على أزمة حماية وصيانة الآثار الإسلامية والقبطية في مصر. ولم يكن الحادث مفاجئًا بالنسبة لخبراء وأساتذة الآثار، الذين أكدوا أنه نتيجة لغياب التنسيق بين الجهات المعنية، مشيرين إلى وجود سبعة مواقع أثرية إسلامية أخرى في مدينة سمنود وحدها، بعضها بحاجة ماسة إلى الترميم.
مسجد الشيخ سلامة في سمنود
يقع مسجد «سيدي سلامة» في شارع يحمل اسمه بمدينة سمنود، ويعود الأثر إلى الشيخ العالم “سلامة بن نزيها”، الذي قدم إلى مصر مع عمرو بن العاص وعاش في الدلتا. ويرجح أن تاريخ بناء المسجد يعود إلى العصر العثماني، في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي. وقد تم تجديده عدة مرات.
وبحسب كتاب “الخطط التوفيقية” لعلي باشا مبارك: “يقع مسجد الشيخ سلامة قريبا من البحر. ويقال إنه من زمن الصحابة رضي الله عنهم، ومساحته تزيد على فدان. وفي سنة 1150هـ. صار ترميم نصفه وبُني النصف الآخر متخربا، وهو الذي فيه المنارة. وبجوار هذا المسجد قبر الشيخ سلامة. وفي سنة1280هـ، صار ترميم جميعه على طرف الشيخ مصطفى النجار، وكانت دروس العلم به قائمة”.
حماية الآثار الإسلامية
قال الدكتور عبد الرحيم ريحان، خبير الآثار وعضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، إن المجلس الأعلى للآثار يتحمل مسؤولية سقوط المئذنة الأثرية.
وأوضح، في تصريحات خاصة لـ«باب مصر»، أن هذه المسؤولية تستند إلى قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983، المعدل بالقانون رقم 20 لسنة 2020، الصادر بتاريخ 18 مارس 2020. واستكمل: “المسجد مسجل ضمن الآثار الدينية بمركز سمنود، بموجب القرار رقم 10357 بتاريخ 21 نوفمبر 1951. والمنشور في جريدة الوقائع المصرية بتاريخ 17 ديسمبر 1951، العدد رقم 115. وتعد المئذنة آخر ما تبقى من المسجد التاريخي”.
وأكد أن هذه المسؤولية تأتي من نص المادة 29: “يتولى المجلس الأعلى للآثار الحفاظ على الآثار والمتاحف والمخازن والمواقع والمناطق الأثرية والمباني الأثرية المسجلة. كما يتولى حراستها عن طريق الشرطة المختصة والخفراء والحراس الخصوصيين المعتمدين منه. وفقا للقواعد المنظمة لذلك”.
مئذنة مسجد سيدي سلامة بسمنود محافظة الغربية – قبل الانهيار
مسؤولية مشتركة
فيما يتعلق بالمسؤولية المشتركة بين وزارتي الأوقاف والسياحة والآثار بشأن الآثار الإسلامية. أشار ريحان إلى أن القانون يمنح المجلس الأعلى للآثار صلاحية التدخل لترميم الآثار التابعة لجهات مثل الأوقاف. في حال وجود خطر داهم وعدم توفر ميزانية مرصودة من الجهة المالكة، على أن تُسدد النفقات لاحقا.
وأضاف أن المجلس لم يفعل هذا الحق في حالة المئذنة المنهارة، ما يجعله مسؤولا عن الحادث. واستشهد بنص المادة (30): “تتحمل كل من الوزارة المختصة بالأوقاف، وهيئة الأوقاف المصرية، وهيئة الأوقاف القبطية، والكنائس المصرية، والأفراد، والجهات الأخرى المالكة أو الحائزة لعقارات أثرية أو تاريخية مسجلة نفقات ترميمها وصيانتها. إذا رأى المجلس ضرورة لذلك، ويكون ذلك تحت إشرافه”.
وتابع: “في حالات الخطر الداهم، يقوم المجلس بإجراء أعمال الترميم والصيانة اللازمة للعقارات المشار إليها. لحين سداد النفقات من الأفراد أو الجهات المالكة أو الحائزة للعقارات المسجلة أثرًا. وبالتالي يتحمّل المجلس المسؤولية كاملة. مما يتطلب تحقيقًا فوريًا لعدم تطبيق المادة 30 من قانون حماية الآثار. في حال عدم تدبير الأوقاف ميزانية للترميم. ما أدى لسقوط المئذنة”.
من المسؤول؟
تواصل «باب مصر» مع الدكتور جمال مصطفى، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية بالمجلس الأعلى للآثار. للاستفسار عن تفاصيل ما توصلت إليه اللجنة الفنية حول أسباب انهيار المسجد. ومدى خضوعه لأي ترميم أو متابعة في الآونة الأخيرة، والحالة الإنشائية له قبل انهيار المئذنة. إضافة إلى الإجراءات الحالية لحماية ما تبقى من المسجد وإمكانية ترميمه أو إعادة بنائه.
لكن د.جمال مصطفى أوضح أنه خارج مصر حاليا ولا يمكنه الرد. مشيرا إلى أن التواصل من خلال نيفين العارف، المستشار الإعلامي لوزارة السياحة والآثار، وبدورها لم ترد على الطلب.
كما تواصل «باب مصر» مع المهندس طارق شبانة، مدير عام التشييد ومسؤول ملف الآثار بهيئة الأوقاف. وبدوره وجهنا للتواصل مع المهندس أشرف عمر من إدارة الصيانة والترميم بالإدارة الهندسية بهيئة الأوقاف.
مديرية أوقاف الغربية
قال المهندس أشرف لـ”باب مصر”: “مسجد سيدي سلامة بسمنود يتبع مديرية أوقاف الغربية إدارة سمنود والمحلة الكبرى، وكانت المئذنة بارتفاع 27 مترا، وقد انهارت وسقطت على جزء من مبنى إداري تابع لمديرية أوقاف الغربية”.
وأضاف: “الملف بالكامل يتبع الإدارة الهندسية لمديرية الأوقاف بمحافظة الغربية، وكل مسجد له الإدارة الخاصة به داخل المديرية”. وعن وجود خطة عاجلة لحصر وترميم المساجد الأثرية المعرضة للخطر في أنحاء مصر، أوضح: “يتم هذا الأمر من خلال التنسيق بين وزارتي الأوقاف والسياحة والآثار. لكن هناك مساجد أثرية تابعة لنا مثل الموجودة بمنطقة الدرب الأحمر. إذ تعود ملكية بعض الأماكن لهيئة الأوقاف المصرية”.
دور مفتشين الآثار
من جانبه، قال الدكتور عبد الحميد الكفافي، مدير عام التخطيط والمتابعة لترميم الآثار الأسبق، إن العلاقة بين وزارتي الأوقاف والآثار لا تزال معقدة. موضحا أن وزارة الأوقاف غالبا ما تتأخر في الرد على طلبات الترميم الخاصة بالآثار الواقعة تحت إشرافها، رغم كونها مسجلة كآثار بالفعل”.
وعن تشابك العلاقة بين الوزارتين، أوضح لـ«باب مصر»: “من المفترض أن يحدث مرور دوري من مفتشي الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية، أسبوعيا، حسب موقع كل أثر إسلامي في وسط الدلتا”.
وتابع: “في منطقة الدلتا، يوجد مفتشو آثار في منطقتي المحلة وسمنود، يمرون على هذه الآثار لرصد أي خطورة، ثم يقوموا بإبلاغ رئيس قطاع الآثار الإسلامية، الذي بدوره يوجه مخاطبات إذا كانت شديدة الخطورة لوزارة الأوقاف”. ويستند هذا التوجيه للمادة 30 من قانون حماية الآثار لقانون 117 لسنة 1983 وتعديلاته في عامي 2018 و 2020.
مراحل تقييم الخطورة للأثر
استكمل الكفافي حديثه: “إذا كانت حالة الأثر خطيرة جدا، والأوقاف لا تستجيب معه أو ليس لديها ميزانية للإنفاق على الأثر الإسلامي، تحدث مخاطبات من قطاع الآثار الإسلامية لمجلس إدارة المجلس الأعلى للآثار، ويقوم بدوره بحصر قيمة الترميم”.
ويتولى بعدها قطاع الآثار الإسلامية مهمة الإنفاق من خلال قطاع المشروعات، وتكون الأوقاف مُلزمة بالسداد وقت توافر موارد مالية. وأردف: “الأوقاف أو الكنيسة هما مُلاك الأثر، لكنه مُسجل وتحت الإشراف الأثري للآثار، وهو إشراف من الناحية الفنية فقط لكنه ملك تابع لوزارة الأوقاف”.
وخلال عمل مفتش الآثار يُحدد حالة الأثر، وهناك 3 مراحل للخطورة:
1- الخطورة العالية جدا، وهنا حالة الأثر لا تنتظر الوقت ويجب التعامل معها فورا إما بدرء الخطورة أو عمل مشروع فوري، ويطلب المفتش معاينة الأُثر من خلال لجنة فنية شديدة التخصص.
2- حالة متوسطة الخطورة.
3- حالة غير خطيرة، ويكون الأثر في وضع غير خطير كوجود شروخ لكنها لا تهدد الأثر.
الآثار الإسلامية في مصر
قال الدكتور محمد حمزة الحداد، أستاذ الآثار والفنون بكلية الآثار جامعة القاهرة، وعميد الكلية السابق، إن معظم الآثار الإسلامية في مصر مُسجلة كأوقاف. موضحًا أن هناك نوعين من الوقف: الأهلي، وهو وقف يخص العائلات، والذرية، والخيري، الذي يُخصص ريعه للإنفاق على أعمال الخير.
وأشار الحداد في تصريحات خاصة لـ«باب مصر» إلى أنه عند تأسيس وزارة الأوقاف، جرى ضم كلا النوعين من الأوقاف إلى سلطتها. وهو ما أثار نزاعات قانونية لا تزال قائمة حتى اليوم، خاصة من جانب أصحاب الأوقاف الخيرية الذين رفعوا دعاوى قضائية.
مشكلات الأوقاف القديمة
أوضح الحداد أن هناك العديد من المشكلات المتعلقة بالأوقاف القديمة. خاصة تلك التي أنشأها الأمراء والسلاطين. وكان من المفترض أن يتم توجيه عائد هذه الأوقاف لصيانة المباني الأثرية التابعة لها.
وأضاف: “الهدف من إنشاء المجلس الأعلى للآثار – سواء عندما كان تابعا لوزارة الثقافة سابقا، أو لوزارة السياحة والآثار حاليا- هو حماية الآثار وصيانتها وترميمها. وهذا يستوجب التزام الجهات المالكة. وعلى رأسها هيئة الأوقاف، بدورها في تمويل أعمال الترميم والحفاظ على هذه الكنوز التاريخية”.
مواد دستورية وقانونية
تطرق الحداد إلى الجوانب القانونية، موضحا أن المادة السادسة من قانون الآثار رقم 117 لسنة 1983 تنص على أن جميع الآثار في مصر تُعد ملكا للدولة، باستثناء ما كان وقفا. وتابع: “تنص المادة السابعة من اللائحة التنفيذية لقانون حماية الآثار على معاملة الآثار معاملة المال العام. وتخضع بذلك لأحكام قانون العقوبات وكافة القوانين ذات الصلة”.
وأضاف: “تؤكد المادة 30 من القانون ذاته أن المجلس الأعلى للآثار هو الجهة الوحيدة المخولة بتنفيذ أعمال الصيانة والترميم للآثار. بينما تتحمّل وزارة الأوقاف وهيئة الأوقاف المصرية تكاليف ترميم وصيانة الآثار التابعة لها”.
وتعزز المادة 105 من اللائحة التنفيذية هذه المسؤولية. إذ تمنح المجلس الأعلى للآثار حق إلزام وزارة الأوقاف باتخاذ الإجراءات الضرورية، سواء في ما يتعلق بالترميم أو الصيانة، أو تعزيز الحراسة وتطوير منظومات الأمن والحماية. وذلك بناء على تقرير اللجنة الفنية المختصة، وبعد موافقة مجلس إدارة المجلس الأعلى للآثار.
خطة متبعة
استكمل الدكتور محمد حمزة الحداد تصريحاته قائلا: “التعديات المتكررة على الآثار، من هدم وتشويه واعتداء على الحرم الأثري. تعكس بوضوح حجم الإهمال والتقصير في تحمل المسؤولية من الجهات المعنية”.
وأضاف: “كنت عضوًا في المجلس الأعلى للآثار لمدة 6 سنوات. وطوال تلك الفترة كنا نطالب وزارة الأوقاف بتحمل تكاليف الترميم، لكن الرد المعتاد كان دائما عدم وجود ميزانية متاحة”.
وأوضح أن الخطوة الأولى التي يتم اتخاذها في مثل هذه الحالات هي تنفيذ أعمال درء خطورة، من خلال التعاقد مع شركة متخصصة لتقييم الوضع الإنشائي، وتحديد كلفة الترميم. ثم ترسل تلك التقديرات إلى وزارة الأوقاف للموافقة على التمويل.
مسؤولية مشتركة
شدد الحداد على أن مسؤولية الحفاظ على الآثار الإسلامية، سواء من حيث الترميم أو التسجيل أو الحماية، لا تقع على جهة واحدة. بل هي مسؤولية جماعية مشتركة بين وزارة الأوقاف، والمجلس الأعلى للآثار، واللجنة الدائمة، وقطاع الآثار الإسلامية.
ولفت إلى أن نسبة الخطر الأكبر تتعلق بآثار القاهرة. إذ تتركز أغلب الآثار الإسلامية، على عكس المحافظات الأخرى والأقاليم، بما فيها الصعيد، التي تشهد معدلًا أقل من التدهور والانهيارات. لكن ذلك لا يعني أنها بمنأى عن الخطر.
آثار إسلامية بسمنود
نقل د. عبد الرحيم ريحان، خبير الآثار، عن منسق حملة “الدفاع عن الحضارة” في الغربية، الكاتب مصطفى أبو شامية، وجود ثمانية منشآت أثرية إسلامية وقبطية مسجلة بسمنود. من بينها المئذنة المنهارة، وهي:
كنيسة السيدة العذراء والشهيد أبانوب: من محطات العائلة المقدسة بالدلتا. حيث مكثت بها نحو 17 يومًا، وهي مسجلة ضمن الآثار القبطية بسمنود بالقرار رقم 309 لسنة 2000.
مسجد القاضي حسين: بناه الشيخ ابن إدريس القاضي حسين على هيئة زاوية صغيرة في القرن الحادي عشر من الهجرة. وتم توسعته سنة 1837، وهو مسجل بالقرار رقم 244 لسنة 2000م. ويعاني- على حد وصفه- من إهمال جسيم.
مئذنة مسجد إسماعيل العدوي: تنسب إلى الشيخ إسماعيل بن محمد بن نصر الله بن يحيى دعجان بن خلف بن مجلي العدوي. ويعود تاريخ إنشائها إلى عام 1191 هـ/ 1777م، وقد جددها علي بك البدراوي سنة 1849م، وهي مسجلة بالقرار رقم 10357 لسنة 1951.
مئذنة مسجد سيدي سلامة بن نزيها: يعود تاريخها إلى القرن العاشر الهجري. لكنها خرجت من قائمة الآثار الإسلامية المسجلة بالغربية بعد انهيارها إلى سطح الأرض.
وأيضا:
مئذنة جامع المتولي بسمنود: تنسب إلى الشيخ أبو الحسن البكري المحلي وولده عبد الرؤوف البكري. ويعود تاريخ إنشائها إلى نهاية القرن العاشر الهجري، ومسجلة بالقرار رقم 10357 لسنة 1951.
حمام يونس: من أهم الحمامات الشعبية بالوجه البحري. وأنشأه الحاج يونس مرعي التراس سنة 1747م، وعرف بحمام “أولاد يونس” بعد وفاته. ثم اشتراه الحاج إبراهيم سراج فشاع باسمه. وهو مسجل بالقرار الوزاري رقم 10357 لسنة 1951.
قصر غنيم: يعد نموذجًا لمدرسة العمارة التي سادت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ويتبع طراز الروكوكو والباروك. ويتسم بعنصر التناظر (السميترية) في واجهاته.
جامع المتولي الكبير: يقع في قرية أبوصير بنا مركز سمنود. ويعود تاريخه إلى القرن 11هـ/ 17م، ومسجل بالقرار الوزاري رقم 245 لسنة 2000. وقد كاد ينهار لولا التدخل العاجل بتركيب صلبات حديدية لتأمينه، بعد ضمه لخطة الترميم.
غياب التنسيق
اختتم الدكتور عبد الرحيم ريحان حديثه قائلا: “اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية واليهودية والقبطية هي الجهة المنوط بها إصدار قرارات الترميم الفورية، لكنها لا يصلها الأوراق من قطاع الآثار الإسلامية، وبالتالي كيف ستصدر قرارا دون مستندات؟ ومن حقها استدعاء القطاع المختص وقطاع المشروعات لتحديد الخطورة والتكلفة”.
ولفت إلى أنه في حال وجود تجاوب سريع، فإن اللجنة الدائمة تحاسب قطاع الآثار الإسلامية وقطاع المشروعات، وتصدر قرارات ملزمة في أي حالة خطورة، مع إلزام الأوقاف بتحمل النفقات. وأضاف أن أزمة الإهمال لا تقتصر على سمنود أو منطقة الدلتا، بل تنتشر في مناطق متعددة من الصعيد والقاهرة، حيث توجد آثار إسلامية كثيرة مهملة ومعرضة للخطر.
ميزانية للترميم
أشار الدكتور عبد الحميد الكفافي إلى أن الكثير من مشاريع ترميم الآثار الإسلامية تتوقف قبل أن تبدأ، بسبب عدم تخصيص ميزانية كافية من وزارة الأوقاف. وهي أزمة مستمرة تعاني منها الآثار الإسلامية في مختلف أنحاء مصر، رغم أن عددها كبير ويشكّل جزءا مهما من التراث المعماري والديني.
وأضاف أن هناك محاولات فردية لتمويل بعض مشروعات الترميم من جهات خارجية. لكن هذه المبادرات تظل محدودة وغير منتظمة. مشددا على أن ما ينقص المشهد هو وجود تنسيق فعال ومستمر.
لجنة علمية موسعة
اقترح الكفافي تشكيل لجنة علمية موسعة تضم ممثلين من وزارتي الأوقاف والآثار. تكون مهمتها مراجعة أوضاع المباني ذات الخطورة العالية. واتخاذ قرارات عاجلة بشأنها، خاصة أن بعض تلك المباني مغلق بالفعل. وقد تنهار في أي لحظة دون تدخل حقيقي.
ولفت إلى أن العديد من الآثار الإسلامية في محافظة الغربية بحاجة إلى ترميم. مثل حمام جاويش، ووكالة الغوري بالمحلة الكبرى، وقصر غنيم بسمنود. مؤكدًا أن هذه الآثار ذات خطورة عالية يستوجب العمل فيها على وجه السرعة ومن خلال شركات متخصصة في الترميم ولا تكون شركات مقاولات عادية.
واختتم خبير الآثار حديثه قائلا: “ترميم المئذنة المنهارة لا يزال ممكنًا، بشرط عدم إزالة الأحجار والبقايا المتساقطة من موقع الحادث. لافتًا إلى وجود رسومات ووثائق يمكن الاستناد إليها لإعادة بناء الجزء المتضرر بدقة”.
أطلقت مؤسسة «درب 1718» للفنون المعاصرة مبادرة فنية استثنائية تمثلت في تنظيم مزاد فني استمر لمدة 10 أيام بمؤسسة “تراثنا”، بهدف جمع التبرعات اللازمة لشراء مقر جديد، بعد إزالة مقرها الرئيسي في منطقة الفسطاط بحي مصر القديمة في يناير 2024، بسبب أعمال التوسعة في المنطقة.
دعم درب 1718 للفنون المعاصرة
قال معتز نصر الدين، مؤسس «درب 1718»، إن فكرة المزاد جاءت في إطار محاولات المؤسسة للعودة إلى المشهد الثقافي والفني بعد فترة من العمل المحدود استمرت عدة أشهر. وأضاف في تصريحات خاصة لـ«باب مصر»: “رغبتنا كانت واضحة في أن نعيد إحياء درب 1718 ليستكمل دوره المجتمعي والثقافي. سواء مع أهالي المنطقة أو مع الفنانين الذين احتضنهم المكان لأكثر من 18 عاما”.
جاء هدم مقر المؤسسة في يناير 2024 بناء على إخطار من رئيس حي مصر القديمة، تمهيدا لإزالة المبنى لشق الطريق. ولم تُخطر المؤسسة من قبل الجهة الإدارية بشكل قانوني. كما لم تطلع أيضا على خطة تطوير المنطقة أو بحث البدائل والإجراءات الأخرى التي تقتضيها القوانين. مما دفعها إلى رفع الدعوى رقم 65501 لسنة 1977 شق مستعجل، والمتعلقة بمنازعات الهدم، أمام مجلس الدولة.
وتابع نصر الدين: “عملنا خلال الفترة الماضية في مساحة محدودة، لكننا فكرنا في مخاطبة الفنانين الذين تعاونوا معنا على مر السنوات. واقترحنا تنظيم مزاد لدعم إنشاء مقر جديد، يكون أكبر وأكثر استدامة. وقد فوجئنا بتجاوب كبير من فنانين داخل مصر وخارجها”.
معرض فني بمؤسسة تراثنا لدعم مؤسسة درب 1718 بهدف النقل إلى مقر جديد
رد الجميل!
يشمل المزاد أعمالا فنية عديدة تبرع بها الفنانون خصيصا لهذا الغرض. بعضها يُعرض للبيع إلكترونيا، خصوصا تلك التي أرسلها فنانون غير مصريين ولم تصل فعليا إلى القاهرة بعد. وأوضح نصر الدين أن الفنان هو من يحدد النسبة التي يرغب في الحصول عليها من ثمن العمل. بينما تذهب النسبة المتبقية لدعم المؤسسة. مؤكدا: “درب 1718 لم يكن يوما مساحة تجارية للبيع والشراء، بل كان دوما مساحة لخدمة الفن والمجتمع”.
وأضاف: “ردود الفعل التي تلقيناها كانت مؤثرة للغاية، وعكست مدى المحبة والامتنان المتبادل. من الواضح أن الناس لم تنس درب، أو الجهد الذي بذلته المؤسسة على مدار 18 عاما لخدمة الثقافة والفن والمجتمع”. وأعرب عن أمله في أن تنجح جهود المؤسسة في العودة إلى المشهد الثقافي من جديد. بعد إزالة مقرها في يناير 2024 بسبب مشروعات التطوير العمراني.
وقال: “نجتهد ونحاول بكل ما نملك من طاقة، ونأمل أن تسير الأمور في الطريق الصحيح لنتمكن من استعادة درب 1718 واستكمال رسالته الثقافية والفنية”.
دعم فني
أكد نصر الدين أن المزاد الفني شهد مشاركة واسعة من الفنانين. سواء داخل مصر أو خارجها، وتنوعت الأعمال المعروضة بين التصوير الفوتوغرافي، واللوحات، وأعمال النحت. وأضاف: “بالنسبة لي، كل من شارك في المزاد له نفس المكانة، سواء كان فنانا شابا أو اسما كبيرا. المهم هو التفاعل والدعم. وهو ما لمسناه بوضوح”.
ومن بين الفنانين المشاركين، أسماء بارزة مثل الفنان الكبير جورج بهجوري، والفنان الكبير أحمد مرسي. إلى جانب عدد كبير من الفنانين الشباب الذين أبدوا تضامنهم الكامل.
كما أرسل فنانون من خارج مصر صورا لأعمالهم للمشاركة. رغم التحديات المرتبطة بفرق الأسعار وصعوبة تسويق هذه الأعمال في السوق المحلي. وقال نصر الدين: “وإن لم تبع تلك الأعمال، فإن مجرد الموقف والدعم الرمزي له أثر كبير علينا، ويؤكد أن ما قدمناه طوال السنوات الماضية لم يكن بلا قيمة”.
رسالة عبر الأجيال
يتجاوز طموح نصر الدين مجرد إعادة افتتاح مقر جديد، موضحا: “درب 1718 لا يجب أن يظل مرتبطا بشخصي فقط. أتمنى أن تصبح المؤسسة كيانا قائما بذاته، يستمر في أداء رسالته حتى بعد رحيلي. وتُسلم الراية لأجيال جديدة من الفنانين والفاعلين الثقافيين”.
وتابع: “هذا هو الحلم الحقيقي، أن يستمر درب 1718 كمنصة للفن والمجتمع، لا تنطفئ، بل تتجدد مع الزمن”. بالتزامن مع مواصلة المؤسسة جهودها لإيجاد مقر بديل. ويرى نصر الدين أن مسألة الانتقال إلى مقر جديد ترتبط بالإمكانات المالية. مضيفا: “الأمل كبير في أن تجد المؤسسة مكانا مناسبا يعيد نشاطها قريبا”.
دور مجتمعي
أوضح نصر الدين لـ«باب مصر» أن هدف المؤسسة لم يكن يوما مقتصرا على عرض الفنون فقط، بل كان لها منذ البداية دور مجتمعي واضح. خاصة في تعاملها مع المجتمعات البسيطة المحيطة.
وأضاف: “اختيار موقع درب 1718 السابق لم يكن عشوائيا. بل كان في منطقة غير مركزية، لأننا نؤمن بأن الفن يجب أن يكون في قلب الناس وبينهم”. وأشار إلى أن المؤسسة تسعى حاليا لاختيار مقر جديد يحقق التوازن بين الاستمرارية الفنية والتأثير المجتمعي. قائلا: “عُرضت علينا أماكن عدة من بعض الشركات. لكننا حريصون على أن يكون المقر الجديد قريبًا من الناس، حتى نواصل رسالتنا كما بدأناها”.
معرض فني بمؤسسة تراثنا لدعم مؤسسة درب 1718 بهدف النقل إلى مقر جديد
تكرار التجربة
عن تجربة المزاد الفني، أشار نصر الدين إلى أنها ما زالت تلقى تفاعلا متزايدا. إذ يتواصل الفنانون مع المؤسسة للمشاركة، رغم قصر فترة الترويج. ولفت إلى أن التجاوب فاق التوقعات، ما يدفعهم للتفكير في تكرار التجربة مستقبلا. “الفكرة أثبتت أهميتها، والاهتمام المتزايد يعكس تقدير المجتمع الفني. لما تمثله درب 1718 كمساحة حرة للإبداع والعمل الثقافي”.
وأكد نصر الدين أن الدعم لا يقتصر فقط على المشاركة في المزادات الفنية أو المعارض، بل ترحب المؤسسة بأي نوع من المساعدة التي تسهم في إعادة تشغيلها، خاصة من خلال الدعم العيني.
مساهمات عينية
قال نصر الدين: “نُفضل المساهمات العينية على التبرعات المالية، مثل توفير أجهزة كمبيوتر، كراسي، أدوات موسيقية، سماعات، أو حتى المشاركة في بناء المسرح الجديد. هذه الأشياء بالنسبة لنا أهم بكثير من المال، لأنها جزء من البنية الأساسية التي نحتاجها للعودة”.
وأوضح أن قبول الدعم المادي يطرح دائما إشكاليات تتعلق بالإجراءات القانونية والشفافية، مضيفا: “نحرص على أن تظل المؤسسة بعيدة عن أي شبهات أو توترات، ونلتزم بالقوانين والضوابط، ولهذا نفضل دائما أن يكون الدعم من خلال تلبية احتياجات عملية”.
عن تجربة ما بعد الهدم
تحدث نصر الدين عن تجربة ما بعد هدم مقر المؤسسة مطلع عام 2024، قائلا: “مر عام ونصف تقريبا منذ إزالة المقر، وكانت البداية صعبة. شعرت في لحظات كثيرة بنوع من القهر. أنا لست شابا صغيرا، وقد واجهت مصاعب كثيرة في حياتي، لكن هكذا هي الدنيا: شيء يُهدم، وآخر يُبنى”.
وأضاف: “رغم قسوة التجربة، أؤمن أن من النادر أن يمنح الإنسان فرصة ليعيش حياته مرتين أو ثلاثا. وأنا أعتبر هذه الفرصة فرصة جديدة، لبداية مختلفة”.
تجاوز الصدمة
استكمل نصر الدين حديثه عن اللحظات الصعبة التي مر بها بعد الهدم، مؤكدا أن ما حدث كان بمثابة صدمة، لكنه اختار تجاوزها بإيمان وأمل في بداية جديدة. وقال: “أدركت ما حدث من هدم للمقر القديم، وقلت لنفسي: هذه مشيئة الله، وربما يكون في ما حدث خير لم أدركه بعد. خاصة أن مهمتي الأساسية هي خدمة المجتمع، ونشر الفن، ودعم الفنانين الشباب ليعبروا عن أنفسهم ويصل صوتهم للجمهور. وهذه الرسالة أهم من أي صدمة أو تحد”.
وأشار إلى أن هناك من يدرك قيمة ما تقدمه المؤسسة، قائلاً: “في البلد ناس كتير بتفهم، من مسؤولين ومحبين للفن، حاولوا يدعمونا بالفعل، لكن الظروف كانت أكبر من الجميع. ومع ذلك، نحن الآن نحاول الوقوف من جديد، وسننجح بإذن الله”.
ويعتبر نصر الدين أن ما ينتظر “درب 1718” هو بداية جديدة: “ربما ننتقل إلى مكان آخر، ونتعامل مع جمهور ومجتمع مختلف، ونواصل رسالتنا من هناك”. واختتم حديثه قائلا: “حب الناس لا يقدر بثمن. منذ لحظة الهدم وحتى الآن، شعرت بهذا الحب والدعم من الجميع، سواء من الفنانين أو المسؤولين أو الناس البسيطة. وهذا أكبر دليل على أننا كنا نمضي في الطريق الصحيح”.
يُعد مبنى «سنترال رمسيس» شاهدا على تحولات المدينة منذ إنشائه في بدايات القرن الماضي، ومنذ إنشائه، برزت ثلاثة أبنية رئيسية، على رأسها مبنى سنترال رمسيس التاريخي، الذي مثل نقطة تحول في آلية إدارة المكالمات. أقدم هذه المباني هو «مبنى الديوان»، يليه «مبنى الأوتو»، ثم «المبنى الثالث والأحدث» الذي شهد مؤخراً حريقاً كبيراً، ما أعاد تسليط الضوء على القيمة التاريخية وتأثير الحريق على المبنى الحديث، وكذلك انعكاساته المحتملة على نظيره التاريخي.
بداية التليفون في مصر
يرجع تاريخ التليفون في مصر إلى عام 1881، عندما منحت الحكومة المصرية ترخيصا لشركة “أديسون بل” الأمريكية لإنشاء شبكة اتصالات تليفونية في مدينتي القاهرة والإسكندرية وضواحيهما، وذلك بحسب موسوعة “مدينة القاهرة في ألف عام” للدكتور زكي عبدالرحمن.
وقد جاء ذلك بعد مرور 17 عاما على تأسيس مصلحة التليفونات والتلغراف في مصر، بالتزامن مع إنشاء أول خط تلغراف لتأمين خدمات السكك الحديدية. وظهرت خطوط التلغراف لاحقا في القصور الملكية، حيث تم استخدامها كوسيلة للتواصل مع الدول من خلال ربطها بخط دولي بحري.
تليفونات القاهرة
كانت خدمة الهاتف تربط بين محافظتي القاهرة والإسكندرية، وانتشر الهاتف في مصر بالتزامن مع الاحتلال البريطاني عام 1882، حيث سعى البريطانيون إلى زيادة عدد الكابلات في المحافظات التي تواجدوا فيها، مثل مدن القناة.
وقد أُوُلي اهتمام خاص بالاتصالات السلكية واللاسلكية، وجرى نقل هذه الخدمات إلى مصر. وفي عام 1888، تم تشغيل سنترال يدوي من طراز “الماجنيتو”، خدم حينها 3000 خط، وظل في الخدمة حتى عام 1936.
وانتقل ترخيص تشغيل الشبكة لاحقا إلى “الشركة الشرقية” أولا، ثم إلى “شركة التليفون”. وبحلول عام 1900، كانت المواصلات التليفونية قد انتشرت في مديريات مصر. وفي عام 1918، قامت الحكومة بشراء المنشآت التليفونية بمبلغ 750 ألف جنيه، وضمتها إلى مصلحة التلغرافات.
افتتاح سنترال رمسيس
وفقا لموسوعة “مدينة القاهرة في ألف عام”، شهد عام 1926 افتتاح سنترال العتبة الأوتوماتيكي، من خلال تركيب وحدة من طراز “بي ستروجر”.
وبحسب مجلة صباح الخير (عدد 2001)، استحدث في العام التالي (1927) سنترال القاهرة، المعروف بـ”سنترال رمسيس”، بنظام البطارية المشتركة، وسعته بلغت ستة آلاف خط. أنشئ المبنى في شارع الملكة نازلي (رمسيس حاليا)، ووصل عدد الخطوط حينها 3000 خط.
وقد افتتح “دار التليفونات الجديدة” في 25 مايو 1927 بالموقع نفسه، ليعرف لاحقا باسم «سنترال رمسيس». وفي عام 1928، تم تركيب سنترال مشابه في الإسكندرية.
موسوعة مدينة القاهرة في الف عام للدكتور زكي عبدالرحمن
تسجيل مبنى سنترال رمسيس كأثر
قالت سها المنياوي، شاهدة عيان على الحريق لـ “باب مصر”، إن سنترال رمسيس مكون من ثلاثة مبان، الأول هو مبنى الديوان وهو الأقدم، وبعده تم بناء مبنى الأوتو، ثم المبنى الثالث والأحدث. وأضافت: “الحريق اندلع في المبنى الثالث، حيث أعمل”.
ويفصل مبنى الديوان عامان فقط عن مرور 100 عام على إنشائه، وهي المدة القانونية المطلوبة لتسجيله كمبنى أثري. فهل يؤثر تعرضه لآثار الحريق، مثل الدخان أو الحرارة المرتفعة، على إمكانية تسجيله؟
تواصل «باب مصر» مع الدكتور عبدالحميد الكفافي، مدير عام التخطيط والمتابعة لترميم الآثار الأسبق، الذي أكد أن المبنى لم يُدرج حتى الآن ضمن قائمة المباني الأثرية.
وأضاف: “لذلك، لا يخضع لقانون حماية الآثار، ولا يدخل ضمن مسؤوليات وزارة السياحة والآثار أو المجلس الأعلى للآثار”.
وأوضح الكفافي- في تصريحات خاصة- أن المبنى يُعد منشأة جوهرية في البنية التحتية المصرية، ويمثل شريانا مهما للاتصالات والتحول الرقمي. وتابع: “لا أعلم إن كان هناك بديل له في حال الطوارئ، لكن من الضروري التفكير في ذلك مستقبلاً”.
فرص تسجيل المبنى
حول فرص تسجيل المبنى القديم كأثر مستقبلا، أشار الكفافي إلى أن تسجيل أي مبنى كأثر يخضع لمجموعة من المعايير، أبرزها مرور 100 عام على إنشائه، وتوفر عناصر معمارية وزخرفية مميزة، بالإضافة إلى مواد البناء وتفاصيل التصميم التي تعكس القيمة التاريخية أو الفنية.
وأضاف: “المباني التي تتوفر فيها هذه الاشتراطات يمكن تسجيلها كآثار، حتى وإن كانت لا تزال تؤدي وظيفة عملية. فالتسجيل لا يعني بالضرورة تحويلها لمتاحف أو وقف استخدامها”.
نظام المحاسبة على المكالمات
في عام 1931، تحولت السنترالات الثلاثة الرئيسية بالقاهرة (المدينة، البستان، والعتبة) إلى سنترال أوتوماتيكي واحد بسعة 20 ألف خط، ثم أدخل نظام المحاسبة على المكالمات التليفونية المحلية عام 1933.
وفي الوقت نفسه، تم افتتاح سنترال أوتوماتيكي خاص بالوزارات. كما تحول سنترال مصر الجديدة إلى النظام الأوتوماتيكي في عام 1934، وهو العام الذي صدر فيه أول دليل لمشتركي الهاتف في القاهرة والإسكندرية. وفي عام 1936 تحول سنترال الجيزة إلى النظام الأوتوماتيكي أيضا.
كان يسمح لكل مشترك بإجراء ألفي مكالمة سنويا ضمن قيمة الاشتراك. وما زاد على ذلك يحاسب عليه المشترك بواقع 3 مليم عن كل مكالمة. وبلغت قيمة الاشتراك السنوي 8 جنيهات تدفع على قسطين، وزادت لاحقا إلى 12 جنيها مع زيادة تكلفة المكالمة الزائدة إلى 15 مليما.
تطور سنترال رمسيس
شهد عام 1947 تحديثا جديدا لآلية العمل بسنترال رمسيس. وبحسب جريدة “الأهرام الاقتصادي”، تم تحويل السنترال إلى النظام الكهروميكانيكي. ولاحقا، تم تركيب سنترالات كهرومغناطيسية بنظام “القطبان المتقاطعة”، تلتها السنترالات الإلكترونية، ثم الرقمية. وقد بدأ استخدام النظام الأول (الكهروميكانيكي) عام 1947 بسعة 40 ألف خط بسنترال وسط القاهرة.
وفي عام 1990، تم التعاقد على إنشاء مصنع جديد لإنتاج السنترالات الإلكترونية الرقمية بمدينة 6 أكتوبر، بمشاركة كل من: الشركة المصرية للاتصالات، والشركة المصرية لصناعة المعدات التليفونية، وشركة سيمنز الألمانية. وفي العام نفسه تم إنشاء الشبكة القومية لنقل المعلومات، خاصة بالمؤسسات التجارية والصناعية.
الاتصال الدولي من سنترال رمسيس
بحسب الشركة المصرية للاتصالات، لم يقتصر دور «سنترال رمسيس» على الاتصالات المحلية فقط، إذ اتفقت الشركة مع شركة ماركوني على تركيب أول محطة إرسال واستقبال هوائي في مصر عام 1928، بهدف إنشاء شبكة اتصالات دولية.
وقد نُفذ المشروع بالفعل عام 1930، من خلال تشغيل أول سنترال آلي من طراز “الروتاري” في سنترال رمسيس. وفي عام 1932، تم استبدال الكابلات الأرضية بين القاهرة والإسكندرية بخطوط هوائية، مما أسهم في إنجاز أول ربط لاسلكي بين مصر وإنجلترا، حيث أُجريت أول مكالمة دولية ناجحة.
وظلت مصلحة التليفون والتلغراف تعمل حتى عام 1957، وهو العام الذي شهد تأسيس “هيئة الاتصالات السلكية واللاسلكية”، التي تولت حقوق تشغيل خدمات الاتصالات.
سنترال رمسيس في السينما
مكانة «سنترال رمسيس» كمركز حيوي ومهم في مصر، ألهمت الكُتاب وصناع السينما، فكان عنصرا محوريا في العديد من الأعمال الفنية. أبرزها فيلم “اللعب مع الكبار- إنتاج 1991. في هذا الفيلم يؤدي الفنان محمود الجندي دور عامل بسنترال يتجسس على مكالمات كبار رجال الدولة. ويبلغ صديقه عادل إمام بالمعلومات، الذي يستغلها لمحاربة الفساد.
وبحسب كتاب “الكوميديا والغناء في الفيلم المصري” للناقد محمود قاسم: “في سنترال رمسيس، كان العامل يتصنت على المكالمات ويعرف ما يمكن أن يحدث من عمليات مشبوهة. وكان يشترك مع زميله في مقاومة الشر قدر الإمكان. إذ تجمع بينهما صديقة عميقة تؤلف بين قلبيهما، وهموم مشتركة تجعل مصيرهما مشتركا”.
خريطة شارع الجلاء ومحطة الترجمان من كتاب القاهرة لمحمد رياض
موقع سنترال رمسيس
يقع «سنترال رمسيس» في منطقة حيوية بوسط القاهرة لا تخلو من الزحام. وبحسب كتاب “القاهرة” للمؤلف محمد رياض، فإن الزحام في شارع الجلاء يرجع إلى كونه الشارع الوحيد الذي تتجه فيه الحركة جنوبا من باب الحديد إلى ميدان التحرير. مقابل شارع رمسيس الموازي له.
ويضيف المؤلف: “الشارع يكاد يكون حكرا على أبنية عامة للناس فيها مصالح متعددة. في البداية عمارة تشمل مكاتب الشهر العقاري شمال القاهرة، وعدة محاكم متخصصة. ثم يأتي قسم شرطة الأزبكية، ومستشفى السكة الحديد، والبنك الصناعي، ومجمع محاكم شمال القاهرة، وأبراج مؤسستي الأهرام وأخبار اليوم. وأيضا مستشفى الجلاء للولادة، ومعهد ليوناردو دافنشي. وعدة مبانٍ حكومية وبيوت فقيرة، إلى أن نصل إلى هيلتون رمسيس وميدان الشهيد عبدالمنعم رياض”.
ويستكمل: “أما الجانب الشرقي، فتطل عليه الواجهات الخلفية لأبنية عامة ضخمة على شارع رمسيس. مثل مصلحة الكيمياء وسنترال رمسيس، وجمعية الإسعاف، ونقابة المهندسين”.
وحتى أوائل الخمسينيات، كان شارع الجلاء مليئا بالمساحات الفارغة وضعيف الحركة مقارنة بشارع رمسيس. وكانت أكثر مناطقه نشاطا تلك الواقعة عند تقاطعه مع شارع فؤاد (26 يوليو حاليا)، المؤدي بواسطة الترام من العتبة إلى بولاق والزمالك وإمبابة.
ويشرح الكاتب أن سبب تكدس شارعي رمسيس والجلاء يعود إلى أن كلا منهما كان مسارا لترعتين متجاورتين تمتدان من النيل شمال كنيسة “كل القديسين”. وقد ردمتا في آخر القرن التاسع عشر، مع ردم مسار الخليج المصري من فم الخليج حتى غمرة عام 1899.
تواجه «فرقة الموسيقى القومية» بفرع ثقافة سوهاج العديد من التحديات منذ تأسيسها في التسعينيات، كادت أن تؤدي إلى حلها، قبل أن تعود مجددا بجهود شخصية في عام 2014. وعلى الرغم من نجاحاتها المحلية والدولية، تعاني الفرقة حاليا من نقص الدعم المادي واللوجستي من وزارة الثقافة. إذ يتقاضى الأعضاء أجورا رمزية لا تتجاوز 200 جنيه شهريا، ويستخدمون آلاتهم الشخصية، دون زي رسمي أو مقر ثابت.
فرقة سوهاج للموسيقى العربية
تأسست الفرقة عام 1997، وكان المدرب حينها هو «حمادة الشاذلي». يروي خالد حبشي، المايسترو الحالي للفرقة، قصة تأسيسها وأزماتها. ويقول لـ«باب مصر»: “كنت عضوا في الفرقة في التسعينات، وكانت آنذاك تعاني من التفكك والانهيار. لكنني منذ عام 2014 قمت بإعادة هيكلتها، وجمعت بين أعضاء ذوي خبرة وآخرين جدد”.
وخلال العقد الماضي، نجح حبشي في رفع تصنيف الفرقة من الفئة (ج) إلى الفئة (أ). ويضيف: “شاركنا في احتفالات رسمية بمحافظة سوهاج وجميع محافظات مصر، وبدأت الهيئة العامة لقصور الثقافة تدرك قوتنا الفنية. فدعمت مشاركاتنا السنوية في احتفالات القاهرة، سواء في رمضان أو غيره”.
فرقة سوهاج للموسيقى العربية
مذكرة ومطالب بتحسين العقود
منذ عام 2014، تم التعاقد مع مدرب الفرقة بنظام التدريب السنوي مقابل أجر شهري قدره 600 جنيه. ويحصل كل عضو على 15 جنيها مقابل كل بروفة، و40 جنيهًا عن كل حفل، بمعدل 8 بروفات وحفلتين شهريًا. “بحساب هذه المشاركات، يُفترض أن يحصل العضو على ما يقارب 200 جنيه شهريًا. لكن بعد الخصومات، لا يتجاوز المبلغ الفعلي 150 جنيهًا”، كما أوضح حبشي.
وأشار إلى أنه تم تقديم مذكرة مفصلة بهذه الأوضاع إلى رئيس إقليم وسط الصعيد الثقافي بأسيوط. مع الإشارة إلى أنه سيتم رفع نسخة منها إلى وزارة الثقافة. بعد تعديل المسمى الرسمي لتوجه إلى المحافظ، ورئيس الهيئة، والوزير، بحسب السياق الإداري.
إهمال الفنون في الصعيد
تتكون الفرقة من 35 عضوا، بينهم عازفون على آلات مختلفة مثل: الأورج، القانون، العود، الكمان، الكلارينيت، الطرمبيت، الرق، الدرامز، الطبلة، الدُهلة، والدفوف. بالإضافة إلى مطربين ومطربات ضمن الكورال، فضلًا عن مدير الفرقة.
ومع غياب التعيين الرسمي، والاكتفاء بالتعاقد السنوي بنظام التدريب، بدأ الهيكل المتماسك للفرقة يتفكك تدريجيًا. وغادر العديد من أعضائها بسبب تدني العائد المادي. وأعاد حبشي تجميع الفرقة عام 2014، بعد أن كانت على وشك الانهيار.
وأكد أن السبب الرئيسي وراء هذا التراجع هو الإهمال المستمر من جانب وزارة الثقافة والهيئة العامة لقصور الثقافة. وهي أزمة عامة تعاني منها معظم الفرق الفنية في محافظات الصعيد، وليس سوهاج فقط.
وأوضح حبشي أن الوضع كان صعبًا للغاية، حتى على مستوى الإمكانات. حيث كانت هناك بقايا آلات موسيقية غير صالحة للاستخدام، منها دفوف وأورجات تحولت إلى “خردة” بالفعل. ولم تكن الفرقة تمتلك معدات أو أدوات.
كشف باعتماد الفرقة القومية للموسيقى العربية بسوهاج للعام المالي 2024 2025 2
كشف باعتماد الفرقة القومية للموسيقى العربية بسوهاج للعام المالي 2024 2025 1 rotated
إعادة الإحياء
قال حبشي: “أنا أحد أبناء هذه الفرقة، عزفت فيها لسنوات، وعشت مع أعضائها أيامًا لا تُنسى. وكان من المؤلم أن أراها تنهار أو تُنسى وسط تجاهل المسؤولين. خوفي على اسم محافظة سوهاج ومكانة الفرقة فنيا. ورغبتي الشخصية في الحفاظ على تراث الموسيقى العربية، دفعتني لإحيائها من جديد رغم كل العقبات”.
وتابع: “في ذلك الوقت، كانت مكافأة العضو عن البروفة 15 جنيهًا، وسعر كيلو اللحم لا يتجاوز 100 جنيه. الآن، كل شيء تضاعف 10 مرات، باستثناء الأجور التي بقيت كما هي دون أي تعديل”.
وأشار إلى أن الواقع الحالي لا يسمح بجذب شباب جدد إلى الفرقة: “من غير المنطقي أن أطلب من شاب يدرس في الجامعة أو يعمل بوظيفة أن يترك مصدر دخله. مقابل مكافأة لا تساوي أجرة المواصلات”.
محاولات للبقاء
لا يزال في الفرقة 35 عضوا من أصحاب الخبرات، تحاول الفرقة الاحتفاظ بهم. وأوضح حبشي: “نتمنى أن يُعاد النظر في أوضاع فرق الصعيد، لأنها تمثل هوية حقيقية لفن مصر”.
وعلى مدار سنوات، كان الشغف بالموسيقى هو الدافع الحقيقي للاستمرار، كما قال حبشي، الذي بدأ كعازف أورج بالفرقة عام 1998. وأشار إلى أن الفرقة شاركت في مهرجانات كبرى مثل مهرجان الموسيقى العربية بالمنيا، ومهرجانات الغناء التي كانت تنظم بانتظام. مضيفا: “كانت منافسة شريفة بين فرق الصعيد، وكان التقدير المعنوي كفاية ليدينا دفعة نستمر”.
لكن الوضع تغير، وأصبحت ضغوط الحياة أكبر: “غلاء المعيشة بقى ضاغط على الشباب. ومعظمهم عنده شغل خاص أو بيجهز للجواز أو بيصرف على بيت. ومش منطقي نطلب من حد يسيب شغل بـ3 أو 4 آلاف جنيه عشان ييجي بروفة ياخد فيها 15 جنيه”.
كشف باعتماد الفرقة القومية للموسيقى العربية بسوهاج للعام المالي 2024 2025 3 rotated
كشف باعتماد الفرقة القومية للموسيقى العربية بسوهاج للعام المالي 2024 2025 4 rotated
غياب الدعم
يعيش معظم أعضاء الفرقة في ظروف مادية صعبة، في ظل غياب الدعم المؤسسي. ويضيف حبشي: “بعض أعضاء الفرقة موظفون حكوميون في التربية والتعليم أو مهندسون في قطاعات الدولة. لكن الغالبية حاصلون على دبلومات أو شهادات جامعية دون وظائف ثابتة”.
وتساءل: “شباب لسه طالعين للحياة ومفيش شغل ثابت. الطبيعي إن الواحد يسأل نفسه: أضحي بوقتي وجهدي عشان الفن من غير مقابل؟”.
وأوضح أن “حب الموسيقى” هو السبب وراء استمرار أعضاء الفرقة حتى الآن. لكن الاحترام المتبادل بين الأعضاء والمدرب لم يعد أمرا كافيا في ظل عدم وجود مقابل مادي أو تقدير معنوي حقيقي. كما لا تمتلك الفرقة مقرا ثابتا للتدريب: “قصر الثقافة اللي كنا بنتدرب فيه داخل في تطوير بقاله 3 أو 4 سنين. ومفيش بديل حقيقي لحد النهاردة، والموضوع كله بقى مجهود ذاتي مننا كأعضاء ومدرب”.
واختتم قائلا: “كنا نشارك سنويا في حفلات رمضان ونمثل صعيد مصر في فعاليات مهمة على مستوى الجمهورية. لكن السنة اللي فاتت ما قدرناش نشارك، لا فيه دعم مالي، ولا وفروا لنا وسيلة مواصلات أو أتوبيس. باختصار: مفيش أي اهتمام بالصعيد”.
عمل بجهود ذاتية
“الفرقة تعمل منذ سنوات دون امتلاك أي آلات موسيقية مملوكة للوزارة” هكذا استكمل خالد حبشي حديثه عن التحديات التي تواجه الفرقة القومية للموسيقى العربية بسوهاج. لافتا إلى أن جميع الآلات التي تُستخدم في البروفات والعروض هي ملكية شخصية لأعضاء الفرقة أنفسهم.
وأضاف: “طلبنا أيضا زيا موحدا يليق بنا- بدلات للشباب وفساتين للمطربات- لكن حتى الآن لا توجد استجابة. رغم أن الفرقة حصلت على إشادات رسمية من إدارة الموسيقى في الهيئة العامة لقصور الثقافة. وتُعد من أفضل الفرق الموسيقية في صعيد مصر”.
وتابع: “هناك مخاطبات رسمية من مسؤولي الثقافة في الصعيد موجهة إلى الهيئة والوزارة تطالب بدعم الفرقة. وأرسلنا خطابات أكثر من مرة، لكن للأسف لا يوجد رد حتى الآن”.
خطاب رسمي من فرقة سوهاج للموسيقى العربية إلى محافظة سوهاج
تقييم رسمي
كشف حبشي عن تفاصيل هامة في مسيرته مع الفرقة، تعود إلى يونيو 2014. حين تم تقييمه رسميا من قِبل لجنة مختصة من إدارة الموسيقى التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة.
وأوضح أنه، وفقًا للإجراءات المتبعة، فإن أي مدرب يتولى قيادة فرقة موسيقية تابعة للهيئة. يجب أن يخضع لتقييم دقيق من لجنة فنية مركزية. وفي حالته، تم تحديد يوم 4 يونيو 2014 موعدًا رسميًا للتقييم، بحضور لجنة ضمت كلًا من محمد عزت، ومعتز عبد الخالق، ومحمد سلطان.
وأشار إلى أن فرقة سوهاج كانت، في ذلك الوقت، مصنفة ضمن الفئة (ج). أي في أدنى تصنيف بين فرق الجمهورية. لكن الأمور تغيرت بعد العرض الفني الذي قدمته بكامل طاقتها على مسرح قصر ثقافة سوهاج.
وقال حبشي: “بذلت كل ما لديّ من جهد خلال العرض. وظهر أعضاء الفرقة بأفضل صورة ممكنة، وكانت النتيجة مشرفة جدًا. اللجنة قررت رفع تصنيف الفرقة إلى الدرجة الأولى (أ)، وهو أعلى تصنيف ممكن. كما منحتني اللجنة تصنيف (أ) كمدرب من الطراز الأول.
وأضاف: “كان هذا التقييم نقطة تحول في مسيرة الفرقة، ودفعة قوية أثبتت أننا قادرون على المنافسة مع الفرق الكبرى على مستوى الجمهورية، رغم كل التحديات”.
إنجازات دولية
أشار حبشي أيضا إلى إنجازات الفرقة على مستوى التمثيل الدولي، قائلا: “اعتُبرت فرقتنا أول من مثل الهيئة العامة لقصور الثقافة خارج البلاد في ذلك التوقيت. حيث سافرنا لإحياء مهرجان نيروبي الثقافي في دولة كينيا عام 2019، وشاركت الفرقة تحت قيادتي كمايسترو”. وأوضح أن المشاركة في كينيا سبقتها دعوة رسمية عام 2018، “وقد وثقتها تقارير رسمية أشادت بالأداء المميز للفرقة، وهو ما مثل اعترافا دوليا بمستوانا الفني، رغم ضعف الإمكانيات”.
في مصر القديمة، اتخذت الطفولة شكلا مغايرا للمألوف، لم يكن اللعب هو مهمة الأطفال، ولم تزين الدمى أيدي الفتيات، بل كانت أياديهم الصغيرة تمسك بالمغزل، أو تحمل عصا تطارد بها الطيور عن حقول العنب، أو تُبعثر الحبوب في التربة الزراعية. لقد ظلت حياة آلاف الأطفال، وخاصة الفتيات، طي النسيان، خاصة مع تركيز الفن الجنائزي على تخليد النخبة. أما الفتيات والأطفال العاملون، فقد كانوا يعملون في ورش النسيج، المزارع، وبناء المدن.
عمالة الأطفال
تتوفر معلومات محدودة عن حياة الأطفال في مصر القديمة، إذ تركز السجلات المتاحة غالبا على أطفال الطبقات العليا، مثل الأمراء أو أبناء كبار المسؤولين. ووفقا مجلة “فيزيكس دوت أورج“، فقد تم توثيق حياة الأطفال بوضوح في النقوش والفنون الجنائزية، كجزء من طقوس الخلود. ويبدو أن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، خاصة الرضّع، ساهم في التعتيم على تفاصيل الطفولة العادية.
وترجح الباحثة “ليزا لوك” أن كثير من الدراسات في علم المصريات تميل إلى تصوير الطفولة من منظور ذكوري، يركز تحديدًا على الأولاد والشباب من الطبقة النخبوية. لكن، ماذا عن الفتيات؟ كيف نشأت الفتاة العادية في مجتمع تحكمه القيم الأبوية؟ وما هي أدوارها في الحياة اليومية بعيدًا عن القصور والمعابد؟
تحديات البحث
أولى العقبات التي واجهت الباحثين في فهم حياة الفتيات في مصر القديمة هي غياب تصنيف عمري واضح. إذ لم يكن المصريون القدماء يدونون أعمار الأشخاص بدقة في رسائلهم أو نقوشهم. فقد استخدموا علامات هيروغليفية عامة تصف الدور الاجتماعي، وليس المرحلة البيولوجية، مثل رسم الطفل الجالس أحيانًا يضع إصبعه في فمه، والذي يستخدم للإشارة إلى الأطفال عموما.
أما الفتيات، فقد ارتبط وصفهن بكلمة “شيريت”، وهي مصطلح يستخدم للدلالة على الفتاة الصغيرة التي بدأت تتكلم وتتحرك وتشارك الكبار في بعض المهام اليومية. وتظهر كلمة “شيريت” في وثائق المحاسبة القديمة التي تُسجل دفع الأجور، وتشير إلى عاملة طفلة، ويتم تمييزهن عن النساء الأكبر سنًا في هذه الوثائق، رغم صعوبة تحديد أعمارهن بدقة.
جدارية مصرية قديمة تتضمن أطفال ورجال يعملون في حقل زراعي – بحث الدكتورة صفاء عبدالرؤوف
برديات اللاهون
أشارت الدراسات إلى مدينة “إلفنتين”، الواقعة على الحدود الجنوبية لمصر بالقرب من أسوان الحالية، حيث عثر على أدلة في برديات اللاهون الشهيرة عن حياة بعض الفتيات العاملات في ورش النسيج خلال عصر المملكة المصرية الوسطى(2030 ق.م-1650ق.م)
وقد تم توثيق ونشر هذه البرديات في مجلد صادر عن كلية لندن الجامعية (UCL) ، بعد اكتشافها على يد عالم الآثار فليندرز بيتري في مدينة من عصر المملكة الوسطى قرب اللاهون في الفيوم. نُشرت هذه الدراسة لأول مرة في عام 1996 ، حيث عثر علماء الآثار على وعاء خزفي تم إعادة استخدامه كسطح للكتابة، في منزل، ورجح أن يعود تاريخه إلى عهد الملك أمنمحات الثالث (حكم قبل نحو 3800 عام).
وبناء على أسلوب الكتابة والأسماء المذكورة، رجح بعض العلماء تاريخ القطعة قد يعود لفترة أقدم . يحتوي الوعاء على قوائم بمدفوعات الحبوب لعمال النسيج على مدار شهر.
قمح مقابل العمل
يتكون ما يقرب من نصف المجموعة من شظايا برديات تمثل سجلات إدارية. وتقدم معلومات نادرة عن البنية الإدارية والاجتماعية لمصر في عصر المملكة الوسطى. وتظهر هذه السجلات دمج الفتيات من مختلف الطبقات الاجتماعية في سوق العمل منذ سن مبكرة. تشير الوثائق إلى وجود 18 طفلا ضمن قوائم العمال. من بينهم 11 فتاة، وصفن بكلمة “شْرِيَّت”، ويعملن مع 28 امرأة بالغة.
حصلت النساء البالغات على أجور تراوحت بين 50 و57″هيكات” (حوالي 240-274 لترًا من الحبوب). ولم يتم تحديد إذا كان هذا المبلغ دفعةً واحدةً أم شهريًا أم سنويا. أما الفتيات، فقد حصلن على أجور أقل، لكنها لا تزال كبيرة، تتراوح بين 3 و7 “هيكات” (نحو 14 – 34 لترًا).
ولم تقدم السجلات معلومات عن أسماء السيدات أو الفتيات أو أعمارهن أو أي معلومات أخرى. وتقدم هذه الوثيقة معلومات تفيد بحصول الفتيات على أجر مقابل عملهن فقط. وخضوعهن لنظام تدريب مهني تعمل فيه الفتيات مع حرفيات.
عمل الفتيات أثناء المجاعة
تشير الأدلة إلى أن الأطفال والفتيات عملوا في ورش النسيج، وكان إنتاج المنسوجات يتم داخل المنازل وفي ورش العمل المخصصة. وتحتوي المنازل على غرف متعددة الأغراض، بما في ذلك الساحات، والمدخل، ومطابخ بها أفران، وسلالم تؤدي إلى أعلى المنزل. وقد عثر علماء الآثار بالقرب من المنزل الذي تم اكتشاف قائمة المؤن فيه على إبر ومغازل ومكوكات وبقايا أوتاد لنول كبير. وبهذا كانت المنازل أماكن لحياة الأسرة وتربية الحيوانات والعمل اليدوي.
لكم لم تحظ جميع الفتيات في إلفنتين بنفس تجربة الحياة. فموقع المدينة على الحدود الجنوبية لمصر في تلك الفترة جعلها موطنا لسكان من فئات متنوعة، مثل المهاجرين والعبيد والعمال المؤقتين. وتوثق رسالة تعود إلى عهد الملك أمنمحات الثالث وصول بعض العائلات، بما في ذلك النساء والأطفال، إلى جزيرة إلفنتين بحثًا عن عمل أثناء المجاعة في منطقتهم.
ويمكن مقارنة هذا الدليل بوثيقة قانونية من نفس الفترة، ولكن من مدينة مصرية أخرى، هي اللاهون. تذكر هذه الوثيقة شراء ونقل نساء وأطفال مستعبدين يُطلق عليهم اسم “آموت”، وتُظهر الوثيقة أنهم أُطلق عليهم أسماء مصرية جديدة.
وتشير هذه الوثائق إلى عمل الأطفال والفتيات في مصر القديمة، وكنّ مساهمات اقتصاديات فاعلات، وكثيراً ما تلقين أجراً رسمياً مقابل عملهن، وتشير الباحثة لويزا إلى أن هؤلاء الفتيات لم يكن عبيد.
أسباب عمالة الأطفال
بحسب بحث بعنوان “عمالة الأطفال في مصر والعراق القديم” للدكتورة صفاء عبد الرؤوف محمد محمود، مدرس التاريخ القديم بكلية الآداب- جامعة جنوب الوادي، فإن الحروب الخارجية والاضطرابات الداخلية المتكررة في الشرق الأدنى القديم. وتحديدا في مصر والعراق، كانت أهم عوامل ازدياد عمالة الأطفال في سن مبكر. إذ أثرت على حياة الأفراد لأن الغالبية العظمى من البالغين في المعارك.
وبحسب الدراسة: “نجد ازدياد انضمام النساء والأطفال وكبار السن إلى العمل لإعادة توزيع الجهد ونقص الأيدي العاملة. وازدادت الحاجة إلى عمالة الأطفال خلال فترات الأزمات، التي تتطلب السرعة والكثرة في العدد لإنجاز المهام”.
وتفسر الدراسة مفهوم “عمل الأطفال مقابل أجر”. بأن المقصود بالأجر هو تخصيص مقابل للطفل بشكل مستقل بالعملة أو بمقدار محدد من الإعانة بصفة يومية أو شهرية أو سنوية. أما العمالة غير المأجورة، فتشمل أطفال العبيد وأطفال المديونين (رهون الدين) حتى ينقضي وهؤلاء لا أجر لهم”.
عمل الأطفال في موسم الحصاد بحقول مصرية – مشاع إبداعي
مهارة الأطفال ووراثة الحرف
يشير البحث إلى أن الأطفال في مصر القديمة غالبا ما كانوا حرفيين منذ الصغر، لأن المهن والحرف في مصر القديمة أشبه بالوراثة بين الأبناء والآباء.
أما مجالات عمل الأطفال تمثلت بشكل رئيسي في المجال الزراعي والحرفي. بعض الأطفال اتجهوا إلى التعليم للالتحاق بسلك الكتبة، وبعض الأطفال اتجهوا للعمل اليدوي.
العمل في حقول العنب
وفقا للدراسة، كان الأطفال يعملون لتوفير حياة كريمة لأنفسهم. بعد أن يتم طردهم من منازلهم لأسباب مختلفة، منها اختلافهم مع آبائهم وأمهاتهم كما جاءت في بعض النصوص، مثل: “منعت طفلتها من دخول بابها”. وتتعرض الفتيات الصغيرات غير البالغات للطرد أكثر من الأولاد بسبب رفضها للزواج من شخص معين أو زواجها دون موافقة أبويها.
وفي مصر القديمة تتوفر العديد من المشاهد التي توضح عمالة الأطفال. ولا يتضح إذا كانت عمالة مأجورة أو غير مأجورة. وترجح الباحثة أن الأطفال عملوا لمساعدة الأهل، ولم يكن لهم كسب مستقل.
توزيع الأدوار بين الجنسين
تذكر الدراسة التي أعدتها د.صفاء عبد الرؤوف أن الأطفال عملوا في تربية الماشية وإطعامها. أما البنات كن يعملن بالغزل وغسيل الملابس تحت إشراف الرجال والنساء. بينما أبناء القرى من نفس الطبقة يعملون في مجال الفلاحة. وتحديدا ما يتناسب مع صغر سنهم مثل جمع الحشائش، وبذر الحبوب، وجمع السنابل التي تتساقط في الحصاد، وطرد الطيور من كروم العنب بالعصا. وعلى حد قول أ.د عبد العزيز صالح: “جعلهم هذا العمل يودعون طفولتهم باكرا جدا”.
كذلك عمل الأطفال في عملية النسيج. وكانت تخضع لإشراف النساء، ويتعرف الطفل على كيفية وزن كتل الخيوط، وفهم المواد الخام والبدء في النسيج من خلال مشاهدة الآخرين. وعن أجور الأطفال، كانوا يحصلون على طعام وكساء.
وثائق مباشرة
تشير الدراسة إلى وثيقة بردية تعد من النصوص المباشرة التي توضح عمالة الأطفال. وهي عبارة عن خطاب من مشرف الأراضي التابعة للقصر الملكي إلى إحدى السيدات. وقال لها إنه وجد في الكروم 7 مزارعين رجال، وأربعة من الشباب، وستة أطفال.
كما تم العثور على مشهد جداري في منطقة شيخ عبد القرنة بالبر الغربي. وكان موجودا به مشهد لسبعة رجال، وامرأة، وأربعة أطفال خلال عملية قياس الأرض. ويظهر أحد الأطفال وهو يمسك بأدوات التسجيل والكتابة.
هل بنى الأطفال منطقة تل العمارنة؟
دليل آخر على عمالة الأطفال في مصر القديمة أوردته عالمة الآثار البريطانية ماري شيبرسون. في مقال منشور بصحيفة جارديان البريطانية عام 2017. فخلال مشروع تنقيب أجري بين عامي 2006 و2013 بمنطقة تل العمارنة، والتي بنيت وهجرت في أقل من 15 عاما بعد وفاة أخناتون (1332ق.م). أشارت الدراسة إلى احتمال كبير أن المدينة بنيت بأيدي الأطفال.
في عام 2015، تم فحص هياكل عظمية استخرجها فريق البحث من الموقع. وتبين أن جميعها تقريبا تعود لأطفال مراهقين، ولم يتم العثور على رضع أو كبار في السن.
وقد خضع 105 هياكل عظمية للدراسة. واتضح أن أعمارهم تتراوح بين7 و20 عاما، استنتج الفريق أن هذا المكان كان مخصص لدفن الأطفال والمراهقين. ولم يكن سبب الوفاة طبيعيا بل كانت ناتجة عن إصابات لم يتم علاجها. بعضهم مُصاب بهشاشة العظام، والأقل سنا مصابون بتشوهات وكسور في العمود الفقري.
واستنتجت الباحثة أن هذه العلامات مرتبطة بأعمال شاقة. وأرجعت سبب وفاتهم أن هؤلاء الأطفال والمراهقين كانوا يعملون في منطقة تل العمارنة وتحملوا أعمال شاقة متكررة.
وراء كل شهيد ومصاب فلسطيني، قصة لم تروها نشرات الأخبار، وأحلام لم تُمنح فرصة أن ترى النور. وغالبًا ما يُحصى الضحايا كأرقام، دون الالتفات إلى حياتهم التي انطفأت قبل أن تكتمل. من هنا، ولدت مبادرة «حكايات فلسطينية» للباحثة المصرية من أصول فلسطينية، سمر دويدار، التي اختارت أن تسلك طريقًا مختلفًا: لا توثق الحدث، بل توثق الإنسان، حياته، وأحلامه البسيطة.
جاءت بداية المشروع من صدفة مؤثرة، حين عثرت على أرشيف جدها: مئات الصور والرسائل التي فتحت أمامها نافذة على حياة فلسطينية كاملة، لم تُدوَّن في كتب التاريخ. ومن هذا الكنز الشخصي، تحول مشروعها الأدبي إلى عمل توثيقي واسع يعيد رسم الذاكرة الفلسطينية من الداخل، من خلال تفاصيل الحياة اليومية.
في هذا الحوار مع «باب مصر»، تكشف دويدار كيف تحول الأرشيف العائلي إلى مبادرة إنسانية تروي حقيقة الماضي ومأساة الحاضر في غزة، بلغة أصحابها الأصليين.
حكايات فلسطينية
في عام 2019، بدأت الباحثة المصرية سمر دويدار مشروع روايتها المستندة إلى شهادات نساء فلسطينيات في الشتات. نساء لا يعرفن بعضهن البعض، لكن ما جمعهن – كما تقول – هو خروج عائلاتهن من فلسطين عام 1948، وما تبعه من تشرد ومعاناة في المنفى.
لم تكتب سمر، التي وُلدت لأب مصري وأم فلسطينية، رواية تقليدية، بل انطلقت من بحث ميداني في التأريخ الشفهي. لكن التفاصيل الإنسانية الغنية التي حملتها هذه الشهادات دفعتها لتحويل المشروع إلى رواية.
وانغمست في بحث اجتماعي دقيق: “كنت أبحث عن كل شيء: كيف كانت النساء يسرحن شعورهن؟ ماذا كن يرتدين؟ كيف يتنقلن؟ كيف يتكلمن؟”، كما تقول.
ولأنها تكتب عن مدن لم تطأها قدماها، أدركت أن التفاصيل الصغيرة قادرة على أن تمنح النص مصداقيته. خلال هذا الانغماس في البحث، قدّمت لها والدتها صندوقًا قديمًا لم تكن تعرف بوجوده. كان كنزًا أرشيفيًّا: أكثر من 350 رسالة ووثيقة، و600 صورة عائلية تخص جدها الفلسطيني، تغطي الفترة ما بين 1926 و1966.
من البداية
هكذا وُلد مشروع “حكايات فلسطينية”، مشروع تأريخ شفهي عائلي بدأته سمر في سبتمبر 2019، ولا يزال مستمرا حتى اليوم. تقول لـ”باب مصر”: “مبادرة حكايات فلسطينية لا تكتفي برواية الحكايات، بل تمنحها طبقة إنسانية للقراءة كأدب، وللتوثيق كتاريخ”.
لكن لم تكن تتوقع أن يتحول مسار الكتابة إلى مشروع توثيقي واسع. الرواية التي شرعت في كتابتها توقفت، بعدما وجدت نفسها غارقة في أرشيف عائلي مذهل عثرت عليه صدفة، داخل صندوق قديم سلمته لها والدتها.
في هذا الصندوق، مئات الصور والخطابات بخط جدها الفلسطيني الذي هاجر إلى مصر عام 1947 بسبب انتداب عمله، ولم يعلم أنه لن يعوده إلى بلاده مجددا بسبب ما شهدته فلسطين من احتلال إسرائيلي. كان هذا الصندوق أشبه بكنز، أعاد بصر الباحثة المصرية إلى حياة الفلسطينيين التي لم يتحدث عنها أحد.
انغمست في أرشيف جدها، لتخطر لها فكرة جمع أرشيفها العائلي، لعائلتها في الشتات. وسرعان ما تطورت الفكرة الطموحة لإعادة تشكيل الذاكرة الفلسطينية، لا من خلال كتب التاريخ الرسمية، بل من خلال أصوات الناس، صورهم، رسائلهم، وتفاصيل حياتهم الصغيرة التي لم ترو من قبل.
كنت أسير البارحة في شارع عمان الرئيسي، وإذا بشيخ متهدم يوقفني مسلماً بحرارة، ويقول بلهجة “خليلية” مباركة: (سلامات.. أنت هانا..) وهات يا بوس… وهات يا عناق…
إنه محمد أسعد مرقة، زميلي في الدراسة أيام كنا أطفالاً في مدرسةِ الخليل سنة 1916. لقد كنا قعيدي حصيرة واحدة مع رشاد الشوا، إذ لم يكن في الصف مقعد واحد… تذكرت في لحظة شجرة الكينا الفارعة التي كنت وإياه نجلس مستظلينها في “فسحة الغذاء”، نتقاسم معاً “كردوشاً” من الذرة وبصلة وبضع بندورات وكثيراً من الزعتر أو الدّقة، لنزداد حفظاً لدروسنا وإتقاناً لتجويدنا القرآن الكريم.
ذكرت كل هذا في لحظات، كما ذكرت براعته في صيد العصافير بمقلاعه، ومهارته في “سرقة” التين من حديقة آل طهبوب المجاورة لبيتنا… يا رعى الله تلك الأيام… أيام دُولِتنا العلية.
كنا وقتذاك في صميم الحرب العالمية الأولى. حطم الإنكليز غزة بضربهم إياها بالقنابل من البحر، ضرباً لا هوادة فيه، اضطر سكان هذه المدينة المسكينة إلى الفرار “والنفاد” بجلدهم، هائمين على وجوههم، تاركين بيوتهم وما يملكون، بسبب النار والدمار لا يلوون على شيء. وبهذا، كان أهل غزة أول من عرف التشرد وخبر الهجرة، كما كانوا أول لاجئين في فلسطين. لقد هربنا إلى بئر السبع، ثم لحقنا الإنكليز فهربنا إلى الخليل، ومنها إلى القدس، حتى دخلت دولة تركيا واحتل الإنكليز بلادنا، ليبدأوا سلسلة طويلة جديدة من العذاب والآلام والاستعباد والتشرد…
سرت قليلاً وزميل الصبا “مَرَقة”، ثم افترقنا على موعدٍ في الخليل إن شاء الله.
زوجك علي شعث
أرشيف يُعيد للفلسطينيين حكاياتهم
تقول سمر، التي أدارت مشروعات لتقديم الإرشاد والدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين من الحروب والكوارث في مصر ولبنان وفلسطين: “أجلت الرواية لأنني شعرت أن ما بين يدي من رسائل حقيقية، أقوى بكثير من أي كتاب تاريخي أو معلومة منتشرة على وسائل التواصل. هذه شهادة مباشرة من أناس عاشوا الحدث، وكتبوا عنه لزوجاتهم وأبنائهم وأصدقائهم. شيء صادق للغاية، وقريب من القلب، ويمنحني – ولغيري – نظرة حقيقية لفلسطين التي لم أزرها”.
أكثر من 350 رسالة، ووثائق وصور تعود إلى جدها الفلسطيني، شكلت نواة مشروعها التوثيقي. بدأت سمر بأرشفة هذا الأرشيف الشخصي، ثم تحول إلى معارض متنقلة في مصر، أمريكا، إنجلترا، الأردن، وكان آخرها في تركيا.
في تلك الفترة، خطرت لها فكرة إنشاء موقع إلكتروني يجمع فيه أقاربها – المنتشرين في دول الشتات – هذا التاريخ، ليبقى حيًّا ومتداولًا بينهم، لكن مع تفشي جائحة كورونا عام 2020، أخذ المشروع بُعدًا آخر.
معرض لمبادرة حكايات فلسطينية في الولايات المتحدة 2020 1
معرض لمبادرة حكايات فلسطينية في اسطنبول بتركيا مايو 2025
الحفاظ على الرواية الفلسطينية
ترى سمر دويدار أن القضية لم تعد تخص أرشيف عائلة واحدة فقط، بل قضية شعب بأكمله. لقد أدركت أن هناك آلاف العائلات الفلسطينية التي فقدت أرشيفها، أو لم تجد من يوثق روايتها. وهكذا قررت أن يكون موقع “حكايات فلسطينية” منصة مفتوحة لأي فلسطيني – خاصة من لم يزر فلسطين أبدًا – لبناء أرشيفه الشخصي، واستعادة ذاكرته.
تقول سمر: “القضية لم تعد فقط عن الشهيد أو المناضل أو من يُوصف بالإرهابي، بل عن الإنسان الفلسطيني العادي الذي لا يتحدث عنه أحد. الأرشيف العائلي يرد الاعتبار للناس كأفراد، كأمهات وآباء وأبناء”.
تهدف المبادرة إلى إعادة الفلسطينيين إلى الواجهة كبشر عاشوا لهم حكاياتهم، آمالهم وخساراتهم، وليسوا مجرد “أرقام” قتلى ومصابين. وتسعى للحفاظ على الرواية الفلسطينية الخاصة، في مواجهة السرديات العالمية التي تحصر الفلسطيني في قوالب جاهزة.
وتؤمن دويدار بأن الحفاظ على الذاكرة، خاصة في ظل التهجير وتشتت الأجيال الثالثة والرابعة خارج فلسطين، أمر ضروري لبقاء القضية حيّة. تقول: “الحكايات الشخصية تعيد فتح الحوار بين العائلات الفلسطينية المختلفة والمشتتة، وتمنح الشباب المولودين في الخارج همزة وصل مع ماضيهم، ومع وطن قد لا يكونوا رأوه، لكن يمكنهم رصد ملامحه في صورة، أو في سطر مكتوب كُتب بخط جد لم يعرفوه، لكنه عاش في فلسطين”.
فلسطين بين الرواية التاريخية والعائلية
ترى الباحثة سمر دويدار أن العلاقة بين الرواية الرسمية للتاريخ والتاريخ الشفهي ليست صراعًا، بل تكاملا. فكلٌّ منهما يلعب دورًا في تشكيل فهم أعمق للحقيقة.
وتوضح: “المؤرخ الذي يسرد وقائع تاريخية ينتظر نهاية الحرب ليحلل ما حدث ويضع رؤيته، لكن هذه الرؤية لا تعني بالضرورة أنها خاطئة أو موضوعية، وقد لا يكون عاش الحدث أصلًا. أما الرواية العائلية، فهي صوت من قلب الأزمة، تحكي كيف مر بها الناس”.
ويجمع مشروع “حكايات فلسطينية” بين السرد الإنساني والتوثيق العائلي، مؤكدا أهمية التعددية في الرواية الفلسطينية، وضرورة أن تُروى بصوت أصحابها، دون تدخل أو رقابة.
وتقوم المبادرة على أرشيف اجتماعي مستقل، لا يخضع لأي سلطة تُقرر ما يجب أن يُنشر أو يُحذف. وتضيف سمر: “الموقع مفتوح أمام كل فلسطيني يريد رفع أرشيفه العائلي، ويختار بنفسه ما يود مشاركته. المعيار الوحيد هو الصدق والدقة، ليكون هذا الأرشيف مصدرًا موثوقًا للباحثين ومرآة لواقع عائلات حقيقية”.
الزوجان إبراهيم موسى ميخائيل و عزيزة خليل ميخائيل خلال فترة خطوبتهم في رام الله عام 1932 عائلة ميخائيل موقع حكايات فلسطينية
الشتات ودمار الأرشيفات
تواجه المبادرة تحديات كبيرة في جمع الأرشيفات، أبرزها النزوح المتكرر لعائلات الشتات الفلسطيني، وغياب الوعي بدور الأرشيفات العائلية كأداة مقاومة.
وتقول دويدار: “نجري لقاءات توعية للتأكيد على أهمية الأرشيف العائلي في مقاومة المحو المتعمد للذاكرة الفلسطينية. كما نستعين بالموقع ومنصات التواصل الاجتماعي لخلق توعية بقيمة الأرشيفات”.
وتضيف: “الشتات وتكرار التنقل دمّرا الكثير من الأرشيفات. ولهذا نحن بحاجة إلى نَفَس طويل وتواصل إنساني مباشر مع العائلات. ومن يناير إلى يونيو 2025، استطعنا الوصول إلى أرشيف 22 عائلة، ونطمح لتوثيق أرشيف 75 عائلة بنهاية العام”. من بين العائلات المُسجلة: شعث، الريس، جرَّاح، الحصري، أبو رمضان، جودة، الغضية، الحسيني، ميخائيل، كنعان، الخالص” وغيرهم.
شهادات من غزة
لم يقتصر المشروع على حكايات الماضي، بل تطوّر لتوثيق الحاضر، خصوصا ما يحدث في غزة. تقول سمر: “منذ أكتوبر 2023، صار توثيق ما يجري أمرًا مصيريًّا. ما يحدث اليوم يُعيد إلى الأذهان نكبة عام 1948، لكن الفرق أننا نمتلك أدوات جديدة للتوثيق، وتحدث الإبادة أمام أعيننا”.
وهكذا وُلد قسم جديد في المشروع يوثّق شهادات ومشاركات الفلسطينيين داخل غزة، عبر منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. وترى سمر أن هذا يعد شكلا جديدا من الأرشيف، واقعي، مباشر، وبلغة الناس أنفسهم.
تؤكد أن هدفها ليس تكرار ما تنقله وسائل الإعلام من أخبار، بل التفاصيل الإنسانية اليومية، التي تشكل الحياة وسط الحرب. ومن خلال “حكايات فلسطينية”، استطاع فريق المتطوعين جمع أكثر من 3000 شهادة من داخل غزة منذ بداية الحرب في 2023. وقد تمت أرشفة 600 شهادة منها بشكل موثق، ونشر منها 260 شهادة منها على الموقع، ضمن قاعدة بيانات تم تشكيلها لتكون مرجعًا مفتوحًا وموثوقًا للباحثين عن الرواية الفلسطينية الحقيقية.
بطاقة صحفي مدير تحرير جريدة أخبار فلسطين، محمد زكي آل رضوان عائلة آل رضوان موقع حكايات فلسطينية
نظرة الغرب
لم يقتصر العمل على الداخل الفلسطيني، بل تجاوزه إلى الجمهور العالمي، وتقول سمر إن التفاعل مع المعارض الخارجية كان لافتا، خاصة من غير الفلسطينيين.
تحكي عن معرض أرشيفي نظم في بريطانيا، حضره جمهور من التيارات اليسارية والاشتراكية، جميعهم بريطانيون، كثير منهم شعر بالخجل من التاريخ الاستعماري لبلادهم، ودور بريطانيا في تسليم فلسطين للاحتلال. من بين الحضور، كانت المؤرخة البريطانية جوليا بوش. أستاذة التاريخ وعضو في متحف فلسطين بمدينة بريستول. تأثرت جوليا بعمق، وقالت لسمر: للمرة الأولى أرى حياة الفلسطينيين العادية، الإنسانية، بتفاصيلها، بعيدًا عن الصور النمطية في الإعلام.
وكان من أبرز المعروضات رسالة كتبها جد سمر بلغة دافئة وصف رحلته إلى مصر عام 1947 لحضور افتتاح أول فرع للبنك العربي في الإسكندرية، برفقة العائلة، في رحلة كان يأمل أن تنتهي بعودتهم إلى فلسطين. ورسالة أخرى كتبها تصف زيارته للقدس عام 1952 لأول مرة بعد الاحتلال.
من الأرشيف العائلي إلى الذاكرة الجمعية
تأثرت المؤرخة البريطانية جوليا بشدة عندما زارت معرض “حكايات فلسطينية”، وقالت إن هذه الشهادات تمثل أول “مصدر أولي” على لسان الجانب الآخر من القضية – الفلسطينيين. وأشارت إلى أنها لطالما قرأت الروايات اليهودية حول الهولوكوست والاضطهاد النازي، لكن لم تتوفر لها فرصة مماثلة للاطلاع على روايات الفلسطينيين بهذا القرب والصدق.
علقت سمر على هذه اللحظة: “كان هذا ثالث معرض أقدّمه، وكنت لا أزال أختبر مدى تأثير الحكايات على الجمهور. لكن تعليق جوليا نقلني من الشعور بأن هذا مجرد أرشيف عائلي إلى إدراك أن ما نملكه هو تاريخ حيّ، يجب أن يتاح للجميع. بالتأكيد هناك آخرون لديهم قصص تستحق التوثيق والاحتفاء”.
في المعرض الأخير، الذي أقيم في تركيا، أصرّت دويدار على تقديمه باللغتين العربية والإنجليزية. “العربية هي اللغة الأصلية للحكاية، وكان من المهم جدًا أن تعرض بها. ترجمنا كل شيء بشكل تطوعي، بمساعدة فاطمة القلعي وشيرين البنهاوي. قدمنا خلال المعرض أرشيف 6 عائلات فلسطينية بلغة أصحاب الحكايات”.
شراكات مستقبلية
تؤمن دويدار بأن العمل التوثيقي لا يمكن أن يتم في عزلة. وبدأت محاولاتها للتواصل مع المؤسسات المهتمة بالأرشفة والذاكرة الفلسطينية، بهدف بناء شبكة تعاون متكاملة.
لم تتحقق الشراكات بعد، وتتابع: “كل مؤسسة لها خطتها وأولوياتها، لذا التعاون غالبًا يكون من خلال ندوات مشتركة، أو المشاركة في معارض، أو ورش عمل. لكننا نعمل على توسيع التشبيك مع المؤسسات العاملة في نفس المجال، لأن هذا النوع من العمل يحتاج إلى تكامل، وليس تنافسا”.
وتشير إلى دور مؤسسات رائدة مثل: متحف فلسطين، الذي يركّز على أرشفة وثائق كبار العائلات الفلسطينية وأصحاب الأدوار البارزة في التاريخ الفلسطيني، وكذلك مؤسسة خزائن في القدس، التي توثق كل ما هو مطبوع، من تذاكر سينما ورحلات إلى بطاقات المناسبات، منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى اليوم، مع تخصيص مساحة صغيرة للأرشيف العائلي.
لكن ما يميز مشروع “حكايات فلسطينية”، كما تقول، هو تركيزه على التاريخ الاجتماعي والأرشيف العائلي: “من يأتي للمعرض أو يشارك في فعالياتنا هو من يبحث عن الإنسان الفلسطيني، لا عن الموقف السياسي”.
الشيخ جواد في حفل ختم القبر المقدس يوم سبت النور بتاريخ 5 مايو 1956عائلة جودة آل غضبة الحسيني- موقع حكايات فلسطينية
تجنب الصراعات السياسة
ترفض دويدار إدخال البعد السياسي في المشروع، سواء في الكتابة أو التوثيق، رغم أن لديها آراء شخصية كأي فرد. وتردف: “لا نكتب عن الخلافات بين فتح وحماس، ولا عن الصراعات السياسية الداخلية، لأن الهدف هو الإنسان الفلسطيني، وتوثيق ذاكرته اليومية والعائلية والشخصية. السياسة ليست غائبة عن حياتنا، لكنها ليست محور ما نوثقه”.
وتضيف أن طبيعة الجمهور الذي يتفاعل مع المشروع متنوّعة: منهم الباحثون، الفنانون، الفلسطينيون في الشتات، وغير الفلسطينيين المهتمين بالتاريخ الإنساني للقضية.
وترى أن قوة المشروع تكمن في هذا المدخل الإنساني، الذي تتعمّد أن يكون جسرا للوصول إلى الآخر، خاصة الجمهور الغربي. “استلهمت كثيرا من التجربة الصهيونية في توظيف الدعاية عبر الفن والسينما والتوثيق الإنساني”.
وتردف: “زرت معرض الهولوكوست في واشنطن، ولفت نظري كيف ركزوا على الجانب الإنساني، وجعلوا المتلقي يتعاطف معهم من خلال الصور، الرسائل، الأعمال الفنية، لا الخطاب السياسي المباشر. وهذا ما أراه في ’حكايات فلسطينية‘: نحن نروي قصصًا حقيقية”.
ردود فعل من العالم
قبل خمس سنوات، قدّمت سمر فيلمًا وثائقيًا قصيرًا عن حياة جدها الفلسطيني “علي رشيد شعث”، مستندًا إلى رسائله وصوره وأرشيفه الشخصي. وكانت تعتبر تأثرها الشديد بالفيلم أمرًا طبيعيًا، باعتباره جدها، لكن ما لم تكن تتوقعه هو حجم التفاعل الذي لقيه الفيلم من جمهور لا يعرف لا فلسطين ولا جدها.
تقول سمر: “في كل مرة أشاهد الفيلم، أشعر وكأني أراه لأول مرة. كنت أظن أن هذا التأثر سببه صلتي الشخصية به. لكن حين عرضت الفيلم أمام جمهور غير عربي، من بينهم فتاة يابانية، وأوروبي، واثنان من تركيا، اكتشفت أن التأثير يتجاوز حدود اللغة والجغرافيا”.
وبعد انتهاء العرض، فوجئت بردود فعل عاطفية قوية. أبرزها كان تعليق الفتاة اليابانية التي قالت: “بلدي بعيد تمامًا عن هذا الصراع، لكن الفيلم لمس شيئًا في داخلي… عن الفقد، والوطن، والحنين”. ورغم أن أحداث الفيلم توثق فترة من حياة الجد تعود إلى عام 1952، إلا أن المشاعر التي حملها كانت حية وقادرة على الوصول لأي شخص”.
ليسوا أرقاما
تقول دويدار: “الناس مش أرقام، ومهمتي في ’حكايات فلسطينية‘ هي استعادة وجوههم، أصواتهم، وذاكرتهم”، مشيرة إلى أن مشروعها بالكامل ما يزال قائمًا على الجهد التطوعي”.
وتتابع: “منذ انطلاق المبادرة، تطوّع معنا أكثر من 70 شخصًا على مدار خمس سنوات، ما بين باحثين، مصممين، مترجمين، وموثقين. حتى افتتاح الموقع في 2023 تم بدعم رمزي كبير من شخصيات مؤثرة، مثل الدكتور عماد أبو غازي”.
وترى أن عام 2025 هو عام مفصلي في مسار المشروع، إذ تطمح إلى الانتقال من العمل التطوعي إلى التأسيس الرسمي. والبحث عن دعم ثقافي ومؤسساتي يضمن استمرارية الأرشفة، خاصة في ظل الحاجة الملحة لحفظ الروايات الفلسطينية التي غالبًا ما يتم تهميشها أو فقدانها.
هرب «سيروب سيمونيان»، تاجر الآثار متعدد الجنسيات وأحد أبرز الأسماء في شبكة دولية لتهريب الآثار، والمتهم الرئيسي في قضايا تزوير وبيع آثار مصرية بوثائق ملكية مزورة تُقدّر قيمتها بأكثر من 50 مليون يورو لمتحف اللوفر في أبو ظبي، وكذلك بيع آثار مصرية لمتحف متروبوليتان في نيويورك.
ويُعد سيمونيان العقل المدبر لتلك العمليات، إذ استغل فترة الإفراج المؤقت عنه وفرّ من فرنسا، وسط صمت رسمي من السلطات الفرنسية والألمانية بشأن مكان وجوده أو الجهود المبذولة لتسليمه. هذا الغموض يثير تساؤلات حول مصير القضية، وما إذا كان هروبه سيؤثر على إمكانية استعادة الآثار المصرية المنهوبة، خاصة إذا لجأ إلى دولة لا تربطها اتفاقيات تسليم مجرمين مع أوروبا.
من هو سيروب سيمونيان؟
سيروب سيمونيان، تاجر آثار مصري من أصول أرمينية، ولد في القاهرة عام 1942 لعائلة متخصصة في تجارة الآثار، وحصل لاحقا على الجنسية الألمانية بعد انتقاله إلى هامبورج. لا يعد اسما عابرا في عالم الاتجار غير المشروع بالتراث الثقافي، إذ كشفت التحقيقات الجارية في باريس عن ارتباطه بشبكة دولية معقدة تتورط في تهريب القطع الأثرية من مناطق نزاع وحروب إلى متاحف مرموقة.
ومن أبرز هذه القطع تابوت الكاهن المصري “نجم عنخ”، الذي أعيد بيعه مقابل 3.5 مليون يورو إلى متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، قبل أن تتمكن مصر من استرداده بعد الكشف عن كونه مسروقا. كذلك، يرتبط اسم سيمونيان بسبع قطع آثار مصرية موجودة في متحف اللوفر أبو ظبي، ما تزال قيد التحقيق بسبب الاشتباه في بيعها بوثائق مزورة. وكانت صحيفة “لوموند” الفرنسية قد نشرت أن هذه المبيعات تمت بين عامي 2014 و2018 مقابل 50 مليون يورو.
كيف هرب من فرنسا؟
كان سيمونيان، البالغ من العمر 83 عاما، يحاكم في فرنسا بعد أن سلمته ألمانيا للسلطات الفرنسية، وقد صدر بحقه حكم بالسجن في منتصف سبتمبر 2023. لكنه فر هاربا في مطلع يناير 2025، بعد أن وجهت إليه اتهامات بالاحتيال المنظم، وغسل الأموال، والتآمر.
وذكرت صحيفة “لوفيجارو” الفرنسية، أنه أطلق سراحه مؤقتا بعد أن قضى خمسة عشر شهرًا في سجن “لا سانتيه”، وذلك بسبب ظروفه الصحية وسنه المتقدم. لكن النيابة العامة اعترضت على القرار واستأنفته فورا، مطالبة بإبقائه قيد الاحتجاز. وأيدت محكمة الاستئناف هذا الطعن. وقررت إعادته إلى السجن، مستندة إلى ما وصفته بـ”مخاطر كبيرة للهروب”، نظرًا لعلاقاته الدولية الواسعة، وقدرته المادية على تنظيم عملية فرار.
ورغم ذلك، قرر قاضي الحريات بتاريخ 31 ديسمبر 2024 الإفراج عنه، مستندا إلى حالته الصحية واستخدامه كرسيا متحركا، معتبرا أن مخاطر هروبه “ضئيلة”، لكن سيمونيان استغل قرار الإفراج المؤقت وهرب.
التأثير على مسار القضية
يثير هروب سيمونيان العديد من التساؤلات، أبرزها: كيف سيؤثر غيابه على مسار القضية، خاصة أنه المتهم الرئيسي؟ وهل إذا لجأ إلى دولة لا تربطها اتفاقيات تسليم مجرمين مع أوروبا، سيكون من الممكن استرداد الآثار المصرية المنهوبة؟ وهل يهدد اختفاؤه بكشف خيوط القضية التي تُعد من أخطر ملفات الاتجار الثقافي في العقد الأخير؟
ويجيب عن هذه التساؤلات د. محمد الشهير، الخبير القانوني والمُحكم الدولي، في تصريحات خاصة لـ”باب مصر” قائلا: “إذا توافرت أدلة ثابتة بشان عدم مشروعية حيازة المتهم للآثار، فإن هروب المتهم لا يؤثر على سير القضية”.
وذكرت صحيفة “ليبيراسيون” الفرنسية أن المحامي الألماني لسيمونيان قال إن موكله لم يبلغ بقرار الاستئناف بلغة يفهمها، وسط تحقيق قضائي واسع بدأ رسميا عام 2020 بعد عامين من التحقيقات الأولية، ويتضمن شبكة معقدة تضم ما لا يقل عن ثمانية أشخاص.
من بين هؤلاء، شخصيات بارزة في الوسط الفني والثقافي الفرنسي، منهم مالكا صالتين شهيرتين لعرض الأعمال الفنية في باريس: كريستوف كونيكي وريتشارد سمبر، إضافة إلى جان-لوك مارتينيز، الرئيس والمدير السابق لمتحف اللوفر، وجان-فرانسوا شارنييه، المدير التنفيذي السابق لوكالة متاحف فرنسا.
7 قطع إلى اللوفر أبو ظبي
تشير أوراق التحقيق إلى أن سيمونيان ألقي القبض عليه في باريس في سبتمبر 2023، ووجهت إليه سلسلة اتهامات، من بينها الاحتيال، وغسل الأموال ضمن عصابة منظمة، والتآمر الجنائي، بعد أن تبين اشتراكه في بيع قطع أثرية من مصادر غير مشروعة.
أما عن إشكالية تعدد جنسيات سيمونيان وتأثيرها على مجرى القضية، فقال مصدر مطلع على التحقيقات الفرنسية لـ”باب مصر” إن عائلة سيمونيان حصلت على الجنسية الألمانية منذ انتقالها إلى هامبورج.
وأوضح أن معظم الآثار التي احترف الأشقاء – سيروب، وهاكوب، وسيمون – بيعها، هي آثار منهوبة تم تهريبها من مصر بعد ثورة 2011، ويتم بيعها من خلال دار المزادات الفرنسية “بيير وبيرجي”. وأضاف أن الإخوة اتخذوا احتياطات صارمة خلال صفقات البيع، ولم يظهروا بشكل علني، بل استعانوا بأشخاص آخرين لتنفيذ العمليات، من بينهم”روبن ديب”، تاجر آثار ألماني من أصول لبنانية.
ولإضفاء شهرة وثقة بالدار، باع الأخوان آثار للمتاحف في جميع أنحاء العالم وللمجموعات الخاصة الكبرى. ولديهم مخزنا يضم أكثر من 25 ألف قطعة فنية، تشمل آثارا فينيقية ومصرية وغيرها من القطع من أوروبا والشرق الأوسط. ومن بين هذه القطع، مئات وصلت إلى متحف اللوفر في أبو ظبي، وسبع منها محل التحقيق حاليا في فرنسا بسبب بيعها بمستندات تصدير مزورة.
عمليات تفتيش واسعة
وتابع المصدر: “في يونيو 2020، تم توجيه التهم لهما، بعد عامين من التحقيق الأولي، وبعدما فتح القاضي الفرنسي تحقيقًا قضائيًا أدى إلى عمليات تفتيش في فرنسا ومنازلهما في هامبورج، في يونيو 2020”.
وتشمل أوامر الضبط والاعتقال الإخوة الثلاثة: سيمون (قبل رحيله)، وهاكوب، وسيروب. ويعلم القاضي أن تابوتين مصريين دخلا إلى أوروبا بشكل غير قانوني، ثم أحضرا إلى باريس عبر مستودع شركة كونيكي. (EURL) لعرضهما.
وأضاف المصدر المطلع: “من بين هذه القطع، تابوت مطلي بالذهب وآخر حجري. لكن المدعي العام الألماني رفض تسليم أفراد عائلة سيمونيان إلى فرنسا، لأنهم مواطنون ألمان”. وأوضح المصدر أن القانون الألماني لا يسمح بمحاكمة الشخص مرتين عن الجريمة ذاتها في ألمانيا وفرنسا، وأن سيروب شخصية معروفة في الأوساط الثقافية الألمانية، حيث باع أكثر من 50 قطعة أثرية بين عامي 2012 و 2015 لمؤسسات ألمانية بارزة مثل متحف جامعة بون، ومتحف “تريفيس”، ومتحف “إيجيزيو”.
من خطاب سايروس فانس جونيور، المدعي العام لولاية نيويورك سابقا إلى وزير الآثار المصري أرسل في 29 مايو 2019 1
من خطاب سايروس فانس جونيور، المدعي العام لولاية نيويورك سابقا إلى وزير الآثار المصري أرسل في 29 مايو 2019 2
تحقيق مستمر عبر سنوات
تعد قضية تهريب تابوت الكاهن “نجم عنخ” واحدة من أكثر الأمثلة وضوحا على مدى تعقيد شبكة تهريب الآثار التي يقودها الأخوان سيمونيان. فرغم سرقته من مصر، وصل التابوت الذهبي إلى قلب متحف المتروبوليتان في نيويورك قبل أن تكشف خلفيات تهريبه.
وفي خطاب رسمي مؤرخ بتاريخ 29 مايو 2019، وجّهه سايروس فانس جونيور، المدعي العام لولاية نيويورك آنذاك، إلى وزير الآثار المصري، كشف فيه تفاصيل تورط الأخوين سيمونيان في تزوير مستندات رسمية لبيع التابوت إلى المتحف الأمريكي.
وأكد فانس أن التحقيقات أثبتت أن التابوت نُهب من مصر في أعقاب أحداث عام 2011. ثم جرى تهريبه خارج البلاد باستخدام أوراق تصدير مزورة وهوية مصدر مختلقة. وبحسب التحقيق، فقد تم غسل القطعة الأثرية داخل شبكة دولية لتهريب الآثار. الأمر الذي يجعل التابوت، وفق القانون الجنائي لولاية نيويورك، ملكية مسروقة يجب إعادتها إلى مصر باعتبارها المالكة الشرعية لها.
<p>ويُعتقد أن التابوت كان يحوي رفات الكاهن “نجم عنخ”، أحد كبار كهنة الإله “هيريسيف”، الذي عُبد في منطقة هيراكليوبوليس جنوب القاهرة.
كيف تصل الآثار إلى سيمونيان؟
وفقا للتحقيقات، فقد تم نهب التابوت من محافظة المنيا في أكتوبر2011 أو في فترة قريبة من ذلك التاريخ. مستغلين حالة الفوضى التي أعقبت أحداث الثورة. وخلال التحقيق، تم ضبط وثائق رقمية ومراسلات تعود إلى تاجري الآثار روبن جليل ديب وسيروب سيمونيان. وكلاهما خضع لتحقيقات جنائية في عدد من الدول الأوروبية.
ومن بين المواد التي تم ضبطها آلاف الصور ومقاطع الفيديو لقطع أثرية وهي في حالة اتساخ أو تلف. ما يشير إلى أنها حديثة النهب. وكان من بينها ست صور تعود للتابوت الذهبي لنجم عنخ. إلى جانب مئات الرسائل الإلكترونية المتبادلة بين ديب وسيمونيان. وكذلك مع تاجر الآثار الفرنسي كريستوف كونيكي وعدد من المهربين في الشرق الأوسط.
نهب أثري حديث
من خلال تحليل تلك الأدلة، تمكن المحققون من رسم صورة واضحة للبنية التنظيمية لشبكة التهريب. تبدأ السلسلة من لصوص محليين، يعرفون جيدًا المواقع الأثرية ويملكون القدرة على الوصول إليها. يقومون بنهب القطع وتصويرها فور استخراجها أو خلال وقت قصير من ذلك.
في كثير من الأحيان، كانت التحف معروضة على الأرض أو ملفوفة بأوراق صحف داخل مخازن مؤقتة. في مشهد مألوف ضمن دوائر التحقيقات الدولية باعتباره علامة دامغة على نهب أثري حديث. وبحسب المحققين، فإن هذه الطريقة – أي التوثيق الفوري للقطع المنهوبة وهي لا تزال متسخة أو متضررة – تعد من أبرز المؤشرات التي يعتمد عليها خبراء مكافحة تهريب الآثار. إذ تُستخدم هذه الصور لاحقًا في تسويق القطع وشرعنتها من خلال مستندات مزوّرة تُمنح في مراحل لاحقة من السلسلة.
خطوات تهريب القطع
وفقًا لما كشفت عنه الوثائق المضبوطة، فقد كان اللصوص في مصر في قلب هذه الشبكة يرسلون صورًا أولية للقطع المنهوب. وهي في حالتها المتسخة أو التالفة مباشرة إلى روبن ديب وسيروب سيمونيان عبر البريد الإلكتروني.
وتعتبر هذه الخطوة، المعروفة جيدًا في أوساط أجهزة إنفاذ القانون وخبراء الآثار، بمثابة “عرض أولي” للمشترين المحتملين في الخارج. يستخدم لتقييم مدى اهتمامهم بالقطعة قبل المضي في المخاطرة بتهريبها عبر الحدود. ويُعرف أيضًا أن هذه الصور، التي تُظهر القطع كما هي بعد نهبها، تُستخدم كدليل غير مباشر على “أصالة” القطعة؛ ففي السوق السوداء للآثار، كلما كانت القطعة مغطاة بالغبار أو في حالة تلف واضحة، اعتُبرت حديثة النبش وبالتالي أصلية وغير مقلّدة.
من اللصوص المحليين إلى المزاد العالمي
بعد إرسال الصور، كان روبن ديب يتولى الاتصال بكريستوف كونيكي لتقييم القيمة الفنية والتجارية للقطعة. وأظهرت الرسائل الإلكترونية أن ديب كان يستشير خبراء لتحديد مدى أصالة القطعة وإمكانية بيعها.
وعند اتخاذ قرار الشراء، تبدأ المرحلة الثانية: نقل القطعة من بلد المنشأ. وغالبًا ما كانت ترسل من مصر إلى دبي، ومنها إلى ألمانيا. حيث يتولى ديب تنظيفها وترميمها، وهي خطوة وصفها في مراسلاته بأنها “فن قائم بذاته”، لأنها تعيد للقطعة بريقها وتجهزها للعرض أو البيع.
تزوير احترافي لسجلات الملكية
وبحسب الخطاب الرسمي الموجه من المدعي العام لولاية نيويورك. فإن روبن ديب لعب دورا محوريا في إضفاء طابع الشرعية على الآثار المنهوبة. عبر سلسلة من عمليات التزوير المعقدة لسجلات الملكية.
كان ديب يزور مستندات تثبت ملكية أثرية زائفة، يظهر فيها أن القطعة تم اقتناؤها قبل عقود. غالبا من قبل هاوٍ ألماني أو إحدى عائلات سيمونيان، وهي رواية كررها في حالات عدة. وقد استخدم في سبيل ذلك مستندات وفواتير مزوّرة. من بينها فاتورة فارغة تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، صادرة عن تاجر مصري يدعى فرج عبد الرحيم الشاعر – صاحب رخصة تحمل رقم 116 – والتي يبدو أنه أعاد استخدامها أكثر من مرة لتغطية النشأة غير القانونية للقطع الأثرية.
وبعد “تمرير” القطع عبر هذه الوثائق المزيفة، كان ديب يسلّمها إلى كريستوف كونيكي. الذي يعرضها بدوره للبيع من خلال دار المزادات الشهيرة “بيير بيرجي وشركاه” في باريس. ومن هناك، تعرض القطعة على مشترين دوليين، من أفراد ومتاحف.
تتبع مسارات القطع الأثرية
تواصل السلطات الفرنسية، ممثلة في المحكمة الوطنية لمكافحة الجريمة المنظمة، والمكتب المركزي لمكافحة الاتجار بالممتلكات الثقافية، تحقيقا واسع النطاق يعد من أخطر القضايا المتعلقة بشبكات تهريب الآثار في العصر الحديث.
يركز التحقيق على تتبع مسارات بيع مئات القطع الأثرية، يعتقد أنها نهبت من بلدان في الشرق الأدنى والشرق الأوسط، في ظل حالة الفوضى بعد أحداث “الربيع العربي”. لكن هل من الممكن إعادة تسليمه إلى فرنسا وكيف سيتم ذلك حال وجوده خارج مصر؟ ومن هم المطلوبون بالنشرات الحمراء ولماذا يصعب تسليم بعضهم؟
تصدر “النشرة الحمراء” من قبل الإنتربول بطلب من دولة ما. بهدف ملاحقة أشخاص متهمين أو مدانين بارتكاب جرائم جسيمة مثل القتل، أو الاحتيال. وتعد النشرة بمثابة طلب تعاون دولي للقبض على هؤلاء الأفراد، لكنها لا تعد أمر اعتقال. بل أداة تُستخدم لدعم السلطات المحلية في تتبع المطلوبين.
قد يصدر الطلب بحق شخص لم يحاكم بعد، مما يعني أن القانون لا يزال يفترض براءته حتى تثبت إدانته. أما في حال كان المطلوب قد أدين مسبقًا، فإن النشرة تهدف لتنفيذ حكم قضائي صادر بحقه في الدولة الطالبة. ورغم صدور النشرة، فإن تسليم المطلوبين لا يكون تلقائيًا، إذ تواجهه عوائق قانونية وسياسية، من بينها، حماية الجنسية، والاعتبارات السياسية والدبلوماسية، بعض الدول، مثل فرنسا، ترفض تسليم مواطنيها لمحاكمتهم في الخارج. حتى في حال وجود اتفاقية تسليم. وهذا المبدأ ينطبق أيضًا على من يحصل على جنسية دولة يحتمل أن توفر له حماية من التسليم.