باب مصر

الكاتب: . .

  • “العيدية”.. طقس مصري أصيل تمتد جذوره للعصر الفاطمي

    “العيدية”.. طقس مصري أصيل تمتد جذوره للعصر الفاطمي

    “العيدية” واحدة من أهم الطقوس المتوارثة منذ مئات السنين، والتي اعتاد الصغار انتظارها مع حلول الأعياد، وهي مبلغ مالي يُوزع على صغار السن غالبًا، أو على الأخوات البنات، أيًا كانت أعمارهن.

    تتحدد قيمة العيدية على الحالة الاقتصادية لمن يوزعها وكذلك على سن مستقبلها، فما يُمنح لطفل في العاشرة ليس كما يُمنح للطفل في الخامسة مثلًا ويختلف الأمر عندما تُمنح العيدية للأخوة البنات.

    أقدم ما يمكن أن نصل إليه في موضوع العيدية هو العصر الفاطمي، إذا اعتاد الخلفاء الخرج في صباح يوم العيد بعد الصلاة في موكب كبير يسيرون في الشوارع ليقدموا للشعب الهدايا ويخلعون عليهم المنح والعطايا، واستمر هذا التقليد في العصرين الأيوبي والمملوكي، وكان تسمى “الجامكية”.

    أصل العيدية

    والعيدية هي كلمة عربية منسوبة إلى كلمة “عيد”، وتعني “هبة تعطى أوقات الأعياد، أو مبلغ مالي يوزع على الأطفال والكبار في الأعياد، بحسب ما تذكره المعاجم.

    يقول محمد الششتاوي في كتابه “متنزهات القاهرة في العصر المملوكي” إن الاحتفال بالعيد في مصر الإسلامية كان مهرجانًا قوميًا يشارك فيه الجميع بداية من السلاطين وانتهاء بعامة الشعب، ويعد الاحتفال في العصر المملوكي والعثماني امتدادًا لبعض مظاهر الفخامة والعظمة والثراء التي كانت سائدة أيام الفاطميين.

    ويذكر الدكتور عارف تامر  فى كتابه بعنوان “المعز لدين الله واضع أساس الوحدة العربية الكبرى, أن التطور والثروة والنعيم ظهر بعد قدوم الخليفة المعز لدين الله إلى مصر، إذ اهتم بالأعياد والاحتفالات الدينية والقومية، وما صاحبها من مظاهر النعيم، وأظهر الخليفة عطاءه للفقراء وعامة الشعب، إذ كان يأمر بإجازة عن الأعمال في المصالح الحكومية ويقيم الولائم في القصر، ويوزع الأموال الطائلة على الحضور.

    أما الدكتور سعيد عبدالفتاح عاشور، يذكر فى كتابه “بحوث في تاريخ العصور الوسطى” أن توزيع الهدايا والمال نشاط اجتماعي كان منتشرًا في العصور الوسطى، خاصة في الأعياد الدينية، التي حرص فيها المسلمون من الشعب والملوك والأمراء على إظهار البهاء والهدايا وتوزيع المال.

    وفى عام 1183 صادف أن احتفل الملك نورالدين محمود بختان ابنه الملك الصالح إسماعيل في عيد الفطر، وأمر في تلك المناسبة بإخراج الصداقات الكثيرة وكسوة الأيتام وتوزيع الحلويات والأموال.

    وجاء في كتاب نبيل قرحيلي”الاحتفالات في عصر المماليك” أن  الأيام الأخيرة من شهر رمضان يبدأ الأهالي بتحضير الحلوى والكعك وشراء الملابس وتبادل أطباق الحلويات بين الجيران والأهالي، أما في نهار العيد فمن العادات القديمة أن يخرج الناس لزيارة القبور، ثم الاستمتاع بالتنزه وتبادل الزيارات.

    وفي قصر السلطان كان القصر يستعد للاحتفال بالعيد عقب الصلاة، ليبدأ السلطان بتقديم التهاني والخُلع (وهي عبارة عن هداية يقدمها الأمير للرعية) والهدايا لكبار الدولة.

    “العلاليق”

    ويقول الدكتور قاسم عبده فى كتابه “عصر سلاطين المماليك”, إن الرجال كانوا يتجهون لصلاة العيد في موكب كبير وهم يهللون ويكبرون إلى أن يصلوا إلى المسجد.

    ويضيف أنه من العادات القديمة في العيد تناول الأسماك المملحة في أول أيام العيد وشراء الحلوى والتماثيل السكرية والتي كانت تسمى “العلاليق” لأنها كانت تعلق بخيوط وكانت يشتهر بيعها في أسواق القاهرة والأقاليم،كما يحدث في المولد النبوي الآن.

    الفرحة بالعيدية هي فرحتنا

    أم هاني، صاحبة الـ 78عام،  تصف العيدية بأنها “فرحة الاطفال” وتوزع في الصباح “فرحه الطفل بالعيدية هي العيد عندنا”، موضحة أن كبار السن يشعرن بالفرحة عندما يرون فرحة الأطفال بالعيدية.

    وتتابع أن العيدية لا توزع فقط على الأطفال، بل يوزعها الرجال على أخواتهم، المتزوجات أو اللائي لم يتزوجن بعد.


     

    معانى بعض الكلمات الواردة في الموضوع

    العيدية: هي هبة تعطي يوم العيد للأطفال

    العلاليق هي تماثيل سكرية معلقه بخيوط.

    الجامكية: هى المرتب الشهري الذي يأخذه العاملون بشؤون الدولة عند الملوك وتوزع عليهم في العيد على سبيل الفرحة.

    الخلع: هي جبة سوداء وعمامة بنفسجية وطوق من ذهب وسيف عربي ويعطيها الملك للأمراء والضيوف على سبيل الفخر والتباهي.

    اعتمدنا في الموضوع على:

    1-   محمد الششتاوي، متنزهات القاهرة في العصر المملوكي والعثماني محمد الششتاوي، ص 302

    2-   كتاب المعز لدين الله واضع أساس الوحدة العربية الكبرى، صفحات: 187- 188 – 190-194 – 195

    3-   كتاب بحوث في تاريخ العصور الوسطي ص 23

    4-   كتاب الاحتفالات في عصر المماليك ـنبيل قرحيلي، ص 54

    5-   الدكتور قاسم عبده قاسم، عصر  سلاطين المماليك، ص 118

    مصدر الصورة:  ويكيبيديا

  • يوم في قرية الحجيرات.. محررة “ولاد البلد” تتحدث عن أزياء عمرها مائة عام

    يوم في قرية الحجيرات.. محررة “ولاد البلد” تتحدث عن أزياء عمرها مائة عام

    تصوير- مؤمن بهجت:

    لم تكن الفكرة التي أقدمت عليها وليدة الصدفة، كنت أسمع كثيرًا عن قرية الحجيرات، وموروثها السلبي المتراكم في الأذهان، ومع ذلك فإن فكرة زيارة القرية كانت غير مطروحة تماما بسبب تلك الحكايات التي كنا نسمعها عن القرية.

    وفي إحدي المناسبات السعيدة وكان حفل زفاف دعُيت لحضوره، كان يتوجب علي خوض تلك المغامرة وزيارة القرية.

    قرية الحجيرات

    قرية الحجيرات هي إحدى القرى التابعة لمركز قنا من الناحية الشمالية، وتبعد عن مدينة قنا نحو 16 كيلومترًا، وهي قرية تعاني ككل القرى من تدهور البنية الأساسية والمرافق العامة، وهو ما لاحظته وأنا في طريقي إليها، فضلا عن الأزمات المزمنة مثل إشكالية الثأر والخصومات المترتبة عليه بين العائلات، والتي يبذل فيها المسؤولون التنفيذيون، والأمنيون، ولجنة المصالحات الثأرية، مجهودات كبيرة لإنهائها.

    كان حضور حفل الزفاف يحمل اكتشافات جديدة للطابع الاجتماعي للقرية، من ناحية العادات والتقاليد في الزفاف، والحياء الشديد التي تمتاز بها نساء القرية، وكذلك الملابس التي ترتديها النساء في تلك القرية والتي كانت مميزة ومغايرة، واستوقفتني تلك الأزياء التي لم يسبق لي أن رأيتها.

    زي محتشم

    وبينما  يحتفل الجميع بالعروس، والوجوه تحمر خجلا في غرفة كبيرة تعج بالنساء من كل الأعمار، سألت سيدة مسنة عن ذلك الزى المحتشم والمميز، فضحكت وقالت “لابسنا غريب على بنات البندر”، أفهمتها أني لا أتعجب منه ولكني أريد أن أعرف أصله، ومن أين يشترونه.

    السيدة الطاعنة في السن قالت وهي ترتشف بابتسامة صافية كوبًا من العصير.. إن ذلك الزي موروث لدى نساء القرية منذ مائة عام.. ومن العار عليهن تغييره، أو استبداله بآخر، والتعديلات التي تطرأ على تفصيلة الزي تكون باتفاق كل نساء القرية.

    نساء الحجيرات

    تشتري نساء الحجيرات أثوابًا من القماش من نوعية “الجورجيه” ويطلقن عليه “قماش شفاف”.. وترسلهن لترزي متخصص بمدينة قنا ليحيك الفساتين حسب مقاس كل فتاة.. ويتم إرسال نموذج لفستان قديم ولا تذهب الفتاة إلى الترزي مراعاة للعادات والتقاليد.

    يتميز ذلك الزي بالحشمة التي تعبر عن نساء الحجيرات.. ويستخدم الترزي في الحياكة الكثير من “الأساتك” في منطقة الرسغ والخصر.. وتكون الأكمام طويلة، ويسدل الثوب علي من ترتديه حتي قدميها.. كما يبطن من الداخل بقماش من القطن، ليزيده حشمة ويلطف من حرارة الجو.

    غطاء الرأس

    أما غطاء الرأس المكمل لذلك الزى.. فهو له طابع مميز أيضا، عبارة عن طرحة من لون مناسب للون الفستان.

    أيضا من العادات والتقاليد الموروثة عند نساء القرية.. أنهن عند خروجهن من المنزل تضع المتزوجات منهن وشاح أسود طويل، أطرافه مطرزة يسمونه “الشبح”.. أما الفتيات فتزين معاصمهن أساور من البلاستيك تحمل نفس ألوان الزي المميز.

    لم أكن أستطع في الحجيرات أن أطلب التصور الفوتوغرافي لتلك الملابس المبهجة، في قرية متحفظة ومنغلقة.. فقررت أن استعير فستانًا واحدًا ليلتقط لي المصور مؤمن بهجت تلك الصور، وأظنني لن أعيده.

  • سلسلة عاشت الأسامي| ضريح النبي دانيال بالإسكندرية.. ملتقى الإسلام واليهودية ومشايخ البهرة

    سلسلة عاشت الأسامي| ضريح النبي دانيال بالإسكندرية.. ملتقى الإسلام واليهودية ومشايخ البهرة

    كتب : نشوي فاروق

    علي مقربة من شارع النبي دانيال، بمنطقة العطارين بوسط الإسكندرية، تجد مسجدًا كبيرًا ذي مئذنة ضخمة يبهرك تصميمها المعماري الرائع المدهون باللون الأصفر الفاتح، لها مدخل خاص جدرانه متآكلة من شدة الإهمال.

    وحينما تقف أمام البوابة الرئيسية تلمح لافتة مكتوبة بالحجارة، نصفها متآكل مدون عليها “مسجد النبي دانيال“، الذي نسب تسميته للشارع المذكور.

    ضريح النبي دانيال

    وعند دخولك ساحة مسجد سيدي النبي دانيال تجد مساحة مستطيلة بباب صغير منفصل عن المسجد الكبير بالناحية الشمالية الغربية، وتحتوي علي دورة المياه، فيما يحتوي المسجد علي واجهة رئيسية واحدة هي الواجهة الجنوبية الغربية ويقع بها المدخل الرئيسي للجامع، حيث يؤدي هذا المدخل إلى بيت الصلاة وينقسم إلى قسمين القسم الأول وهو مصلي للرجال أما القسم الثاني فخصص لصلاة النساء.

    و يتكون بيت الصلاة أو المصلى إلى مساحة مستطيلة مقسمة إلى ثمانية مداخل من خلال سبعة أعمدة رخامية، تحمل عقودًا نصف دائرية ويوجد بالناحية  الجنوبية الشرقية المحراب ويفتح بالجدار الشمالي الشرقي فتحة باب مستطيلة تؤدي إلى  الضريح.

    تصميم مذهل لضريح النبي دانيال

    وحينما تطأ قدماك المسجد تبهرك التصاميم المعمارية المدهشة، وهي عبارة عن نجف ضخم مطعم بالفضة والنحاس، وجدرانه ملونة باللون الأبيض ومرصعة بماء الذهب.

    المسجد عبارة عن مساحة مستطيلة يتوسط أرضيتها فتحة مثمنة، يحيط بها حاجز من  الخشب الخرط، يرتكز على رقبة مثمنة مكونة من ثلاثة صفوف.

    ضريح النبي دانيال بعمق 5 أمتار

    فيما يتم الهبوط بعمق حوالي خمسة أمتار إلى الضريح الذي يتكون من مساحة مربعة تقوم على أربعة دعائم متعامدة بالناحية الجنوبية الغربية.

    ويتوسط أرضية الضريح تركيبتين من الخشب أحدهما تحتوي علي قبر محمد دانيال الموصلي، أو كما هو معتقد النبي دانيال والأخرى تضم قبر يعرف بقبر لقمان الحكيم.

    أما المقبرة الثالثة فلا أحد يعلم من مدفون به فهناك من يؤكد أن المدفون بها هو الاسكندر المقدونى و آخرون يؤكدون أن المدفون به أحد أقرباء الخديوي إسماعيل.

    3 أضرحة

    يعد مسجد وضريح النبي دانيال، بدائرة قسم شرطة العطارين وسط محافظة الإسكندرية، من أشهر المساجد بالثغر، حيث يعد مزارا للعديد من الأطياف الدينية منهم المسلمين المتصوفين والهنود من أتباع مشايخ البهرة، فضلا عن أنه قبلة لمريدين وأحباب آل البيت.

    وعن تاريخ ذلك المسجد الشهير يقول الشيخ جابر قاسم، وكيل المشيخة العامة للطرق الصوفية بالإسكندرية وضواحيها، إن سيدي النبي دانيال من أشهر وأعرق أولياء الله الصالحين الموجودين في الثغر تاريخًا وعمقا.

    ويسرد قاسم أن الدكتور جمال الدين الشيال، ذكر فى كتابه “تاريخ أعلام الإسكندرية في العصر الإسلامي”  نقلا عن الرحالة “أبو الحسن علي بن أبي الهروي، من كتابه الإرشادات إلى معرفة المزارات الموجودة بالثغر، أن منها قبر “أرميا النبي” أحد أنبياء بني اسرائيل بالديماس والمدفون بمنطقة “كوم الدكة”.

    أول رحالة عربي

    ويضيف قاسم، أن الدكتور الشيال قال إن الهروى أول رحالة عربي ذكر هذا القبر في كتابه، ما يدل على أنه لم يكن حتى أواخر القرن السادس الهجرى موجودًا بكوم الدكة مسجدًا يسمى “مسجد النبى دانيال”، وإنما كان به قبر يعرف بقبر “أرميا النبي”.

     قبر الحكيم لقمان

    يوضح قاسم أن الحفائر التى قام بها المرحوم حسن عبدالوهاب في هذه المقبرة، التي تنخفض عن سطح الأرض بنحو خمسة أمتار، وجد وسطها تابوتا خشبيا كبيرا عليه ستر باللون الأخضر مكتوب عليه: قبر النبى دانيال، وبجواره تابوتًا آخر أصغر منه عليه ستر أخر مكتوب عليه: قبر الحكيم لقمان.

    ويتابع  بعد الحفر تحت التوابيت وجد حفرة بها مجموعة من شواهد القبور، بعضها إسلامي يعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي، كما أن هناك بعض الأعمدة تعود إلى العصر الروماني، كما ذكر في كتاب المجلس الأعلى للثقافة  “منارة الثقافة.. إسكندرية، لمؤلفة فتحى الإبياري.

     رواية أخرى

    الدكتور علي مختار، الباحث في الشأن التراث الاسلامي، يقول ذكر الحافظ بن حجر العسقلاني، فى كتابه “الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة” أن دفين هذا المسجد هو الشيخ  محمد بن دانيال الموصلي.. مشيرا  إلى أنه أحد شيوخ المذهب الشافعي، الذى وفد إلى الإسكندرية نهاية القرن الثامن الهجري.. واتخذ من مسجد الاسكندر اسم المسجد فى هذا الوقت مستقرا له ولبث فيه.

    ويضيف مختار، أنه عقب ذلك درس الشيخ بن دانيال الأصول وعلم الفرائض على منهج الشافعية.. حتى توفى سنة 810هـ- 1407..  فدفن فى المسجد، موضحًا أنه لم يصل الينا غير القليل من أخبار الشيخ  محمد دانيال الموصلي أو أثاره.. وإنما يرد ذكره دائما مع المسجد السكندري، الذى يسميه الناس اليوم “جامع النبى دانيال”.

    موقع الضريح

    ويوضح مختار أن بالمسجد يقع الضريح في منتصف الجهة الشمالية الشرقية للمسجد، بفتحة باب مستطيلة تؤدي إليه.. ويتكون من 4 دعائم متعامدة، ويتم الهبوط بسلم بعمق حوالى 5 أمتار.. ويعلوه قبة في وسطه تقوم على رقبة مثمنة مكونة من أربع مقرنصات.. وأربع نوافذ وقد ملئت النوافذ بزجاج معشق متعدد الألوان.

    كما يلفت إلي أنه يتوسط أرضية الضريح تركيبتين من الخشب.. تحتوي على قبر الشيخ  محمد بن دنيال الموصلي، أو كما هو المعتقد “النبى دانيال”، والأخرى تضم قبر يعرف باسم الشيخ  لقمان الحكيم، أو ما يشاع قديما أنها زوجة الشيخ الموصلي.

    التاريخ حائر

    الدكتور علي مختار، يقول إن التاريخ حائر ما بين أصل ودين وعقيدة النبي دانيال.. موضحًا أن اليهود عندما يأتون إلي الثغر أو حتى الجالية اليهودية يزورونه.. اعتقادا منهم أنه من أصل يهودي.. فضلا عن أن الهنود يزورونه ويأتون من بلادهم خصيصا لاعتقادهم أنه يتبع طريق البهرة الصوفية.. وكذلك المسلمون الصوفيون يعتقدون أنه شافعي مسلم يتبع السادة الصوفية.

    أما عادل عبد القادر، الباحث في علم التاريخ الاسلامي بجامعة الاسكندرية. يقول إن الروايات تعجدت بشأن أصل سيدي النبي دانيال.. إذ إن هناك رواية تقول إنه عندما فتحت الاسكندرية على يد عمرو بن العاص.. في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.. عثر الجنود على المكان وعليه أقفال من حديد تحيط بحوض من الرخام الأخضر.

    مفاجأة في الضريح

    ويضيف، أنه عند فتح المكان وجدوا فيه هيكل لرجل ليس على هيئة أهل العصر.. فأنفه طويل ويده طويلة وعليه أكفان مرصعة بالذهب.. فأبلغوا عمر بن الخطاب بذلك فسأل علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. فقال له: هذا نبي الله دانيال فأمر عمر بتحصين قبره حتى لا يمسه اللصوص.

    أساطير وحكايات

    بينما يقول الباحث عادل عبد القادر، إن عددا من الأثريين يشككون في هذه الرواية.. ويرون أن الضريح الموجود في المسجد على عمق حوالي خمسة أمتار هو للشيخ العارف بالله محمد دانيال الموصلي.. وهو رجل صالح جاء إلى الإسكندرية نهاية القرن الثامن الهجري.. ودرس أصول الدين وعلم الفرائض على مذهب الإمام الشافعي.

    ويشير إلي أنه ظل بها حتى وفاته سنة 810هـ ودفن بالمسجد الذي يعود تاريخ بنائه للقرن الثاني عشر الهجري.. كما أن هناك عدة أساطير وحكايات ارتبطت بهذا المسجد الشهيير.

    يقول علي باشا مبارك في الخطط التوفيقية، إن مسجد النبي دانيال كان صغيرا فجدده العزيز محمد علي باشا عام 1238.

    كذلك يضيف عبدالقادر أن  تلك المخطوطة ذكرت أن المسجد به مدفن مخصوص بالعائلة الخديوية.. وهو مدفون فيه المرحوم محمد سعيد باشا ونجله طوسون باشا وغيرهما.. وحتى الآن لا أحد يجزم بحقيقة وشخصية المدفون داخل الضريح.

     أتباع البهرة

    في النهاية يقول الشيخ جابر قاسم، إن لسيدي النبي دانيال احتفالية تقام سنويا بعد عيد الأضحى مباشرة.. كما يأتي مريدون من الدول الأسيوية.. خاصة دولة الهند من مشايخ البهرة وأتباعهم.. مشيرا إلي أن المشيخة العامة للطرق الصوفية تقيم الاحتفالية مع الضيوف من أتباع طريقة البهرة وتشرف عليها.. وأن طوال العام تأتي وفود كثيرة من الجماعات الصوفية الأسيوية.

  • الدفاف.. طبّال الموالد متصوف هائم في حب الله

    الدفاف.. طبّال الموالد متصوف هائم في حب الله

    كتب: نشوى فاروق

    على مقربة من مسجد وضريح سيدي المرسي أبو العباس، بمنطقة بحري غرب محافظة الإسكندرية، كان يقف شاب في الثلاثين من عمره، قمحي اللون، نحيف البنيان، بوجه شديد الاحمرار، وقد بدأ التعب يتسلل إليه، يتمايل على جانبيه حاملًا دفًا كبيرًا وطبله نحاسية اللون، يستخدمهما في التهليل، منشدًا “الله و أكبر .. عظم وكبر.. الله حي” “عايشين في رحابه.. وسط أحبابه.. سيدنا النبي حبيب الروح.. و لا إله إلا الله” “سيدنا المرسي حبيب الله”. إنه الدفاف عبدالله.

    لا يلتفت مطلقًا، ولا ينظر لأحد، عيناه فقط تنظر إلى السماء بعمق، وكأنه يخاطب الله، وكأنه يقدم عرضًا مسرحيًا  في إحدى الحضرات الصوفية التى تقام خلال احتفالات الجماعة الصوفية في شهر رمضان الكريم.

    صوفي أبًا عن جد

    يقول زيد عبدالله إنه صوفي أبًا عن جد، ينتمي إلى الطريقة “الحامدية الشاذلية”، ويعمل نجارًا، كما عمل في مهنة الدفاف والطبال في الموالد والحضرات الصوفية، معتبرًا نفسه “طبال في حب الله”.

    ويروى عبدالله أنه يتقن الضرب على الدف والطبل منذ نعومة أظافره، إذ تعلمها من والده، وهو أحد أقطاب السادة الصوفية، و أتقن اللعب على الطبول والمزامير مع رفاقه من مريدي آل البيت الصوفيين، الذين يلتقي بهم في الموالد والحضرات الروحانية التي يقومون بعقدها خلال شهر رمضان للتقرب من الله، والتصوف في حب الله.

    ويذكر أنه حينما يطبل ويتمايل في الحضرة يشعر وكأنه طائرًا بالفعل، ولا يشعر بأقدامه وهى تطأ الأرض لكي يصل لأقصى درجات الروحانية والتواصل مع الله عز وجل.

    ويواصل عبد الله، حديثه قائلًا تعلمت حب الله من الصوفية، فجميع أفراد عائلتي ينتمون إليهم، وكنت في الخامسة من عمري أرافقهم عندما يأتون للموالد والحضرات الروحانية والتكبيرات.

    فرقة عمل

    ويلفت أنه يعمل مع 5 “دفافين” آخرين، يقدمون العرض الروحاني معه وهم: يزير، والحاج علي، والشيخ جابر.. علاوة على شابين آخرين هما أحمد وجابر. مشيرًا إلى أنهم يكملون بعضهم البعض في الحضرة. حيث يكون أحدهم مسؤولًا عن التهليل والتطبيل.. وآخر مسؤول عن الضرب على الدف، والآخرين يرددون معه.. ويحملون المزامير والطبول أيضًا من أجل العمل الروحاني.

    ويشير الطبال المتصوف إلى أنه يعمل في الأصل بمهنة النجارة.. ولكنه في فترة الموالد وشهر رمضان يأخذ إجازة من العمل ليتفرغ للعبادة وحضور الحضرات.. متفرغًا لحب الله، يقوم باللعب على الطبلة مع وصلات الرقص التي يصاحبها التهليل والتكبير، لافتًا أنه يقضي تلك الفترة في خيمة بجوار مسجد سيدي المرسي أبي العباس، برفقه أصحاب الطريقة الحامدية الشاذلية، التي ينتمي إليها.

    نفحات المريدين

    في النهاية يقول عبدالله، الدفاف، إنه طوال تلك الفترة يأكل ويشرب من إفطار نفحات مريدين وأحباب آل البيت القادرين.. والتي تسمي بـ “النفحة الربانية”. مشيرًا إلى أنه يذهب بالطبلة والدف مع المولد والحضرات في أي مكان يذهب إليه المريدين بكل محافظات مصر.. خاتمًا حديثه بقوله “أعشق الطبلة مثل الحياة لأني أشعر من خلالها أنني أمارس حب الله على طريقتي”.

  • في رمضان شوارع قنا تتزين كعروس

    في رمضان شوارع قنا تتزين كعروس

    تتزين الشوارع في شهر رمضان بالزينة وكأنها عروس، تبعث الفرح والسعادة في نفوس المارين، وتشعرهم بالدفء مع أنوار الفوانيس.

    عند تجولك في شوارع قنا، تشعر بتشابه الشوارع، بسبب الزينة التي يتشارك في صنعها جميع أطفال الحي أو المنطقة، ولا يشترط وجود المال لامتلاك السعادة.

    تكلفة الزينة اليدوية ليست كبيرة، وإنما تعتمد علي استخدام الأدوات المتوفرة في المنزل، كالمقص وأوراق قديمة وحبال، و ألوان متوفرة من نهاية العام الدراسي الخاصة بالأطفال، فمنها فرحة ومنها إعادة تدوير للأدوات واستخدامها مرة أخري.

    يبدأ الأولاد بقص أوراق الكتب والدفاتر المستخدمة من قبل على أشكال مستطيلة، وتقص عند أطرافها أشكال مثلثات تارة، وشكل العين تارة أخرى، الأشكال التي جاء أكثرها مستلهمًا من الفنون الشعبية التي زينت جدران البيوت، وتعلمها الأطفال في حصص الرسم في المدارس.

    وبالرغم من بساطة هذه الأدوات إلا أنها قد تكون كثيرة بالنسبة لآخرين، فيجمع الأطفال الأكياس البلاستيكية، ويقطعونها إلى شرائط متناسقة، بين ألوان الأكياس المتوفرة وربطها  بخيط.

    يقيس الأطفال طول الشارع مستخدمين في ذلك حبل، ومن ثم يبدأ تعليق الزينة على البلكونات بين أطراف البيوت بطول الشارع، ليتشارك الجميع فرحة رمضان، على أنغام أغنية “أهو جه يا ولاد”.

    بالإضافة إلى صنع فانوس من الورق أو الكرتون وتغليفه، ليتوسط الشارع، لتكتمل مظاهر الفرح والزينة.

  • القطايف والكنافة البلدي.. “حِلو” رمضان من ألف عام

    القطايف والكنافة البلدي.. “حِلو” رمضان من ألف عام

    يصاحب شهر رمضان المبارك، نوعان من الحلويات الشهيرة التي عرفها التاريخ وهما الكنافة والقطائف.

    وقد تعددت الروايات حول بداية ظهور الكنافة، فقيل إن الخبازين “صانعي الحلويات آنذاك” في الشام هم من اخترعوها وابتكروها، وقدموها خصيصًا إلى معاوية بن أبي سفيان، وهو أول خلفاء الدولة الأموية، كطعام للسحور.

    كنافة معاوية

    تقول الرواية إن معاوية اشتكى لطبيبه الجوع الذي يلقاه في نهار رمضان، فوصف له الطبيب الكنافة لتمنع عنه الجوع، وطبقًا لهذه الرواية فإن معاوية هو أول من صنع الكنافة من العرب، حتى أن اسمها ارتبط به وأصبحت تعرف بـ”كنافة معاوية””

    لكن أساتذة التاريخ الإسلامي، يذهبون إلى أن تاريخ الكنافة يعود إلى العصر الفاطمي الذي امتد من عام 969- 1172 “358-567ه”، وقد شمل حكمهم مصر والمغرب وبلاد الشام.

    وبحسب كتب مثل تاريخ الأطعمة في المجتمع المصري الوسيط، والطبيخ وإصلاح التغذية لابن سيار الوراق في القرن 11 ميلادي وكنز الفوائد في تنوع الموائد فقد عرف المصريون صناعة الكنافة قبل أهل الشام، وذلك عندما تصادف دخول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي القاهرة، وكان وقتها شهر رمضان، فخرج الأهالي لاستقباله بعد الإفطار، يتسارعون في تقديم الهدايا له ومن بين ما قدموه الكنافة على أنها مظهر من مظاهر التكريم، ثم إنها انتقلت بعد ذلك إلى بلاد الشام عن طريق التجار.

    كنافة مكة ونابلس

    ابتكر فيها كل من أحبها بمذاق مختلف، ففي مكة المكرمة، يضعون بين طبقات شعرها جبنا بدون ملح، وكنافة الجبن المفضلة لديهم على باقي الأنواع، وأهل نابلس برعوا في كنافة الجبن حتى اشتهرت وعرفت بالكنافة النابلسية.

    وتبقى بلاد الشام هي الأشهر واتخذت الكنافة مكانتها بين أنواع الحلوى التي ابتدعها الفاطميون، ومن لا يأكلها في الأيام العادية، لابد أن يتناولها خلال رمضان، وأصبحت بعد ذلك من العادات المرتبطة بشهر رمضان في العصور الأيوبي والمملوكي والتركي والحديث والمعاصر، باعتبارها طعاما لكل غنى وفقير، ما أكسبها طابعها الشعبي.

    أما تاريخ القطايف فيرجع إلى نفس تاريخ الكنافة، إلا أن القطايف سبقتها بقليل، إذ تعود إلى أواخر العهد الأموي وأول العباسي، وفي روايات أخرى أنها تعود الى العصر الفاطمي.

    وقيل يرجع تاريخ صناعتها إلى العهد المملوكي، إذ كان يتنافس صنّاع الحلوى لتقديم ما هو أطيب، فابتكر أحدهم فطيرة محشوة بالمكسرات وقدمها بشكل جميل مزين ليقطفها الضيوف ومن هنا اشتق اسم “قطايف.

    كما حظيت الكنافة والقطايف بمكانة مهمة في التراث العربي والشعبي، لكونها من أنواع فولكلور الطعام في مائدة شهر رمضان.

    ناعمة وخشنة ومحيرة

    وهناك أنواع عديدة للكنافة مثل: الكنافة الناعمة التي تكون عجينتها ناعمة جدًا، والكنافة الخشنة والتي تكون الشعيرية المستخدمة في تحضيرها طويلة، والكنافة المحيرة والتي تُحضّر من الناعمة والخشنة معًا، والكنافة المبرومة، وتكون الشعيريّة المستعملة في تحضيرها أيضًا طويلة وهي مبرومة الشكل.

    عجينة الكنافة

    تتكون عجينة الكنافة من دقيق وملح وماء، وتدار علي صاج فرن ساخن مصنوع من الحطب لتصنع على شكل خيوط طويلة.

    وتشكل هذه الخيوط بواسطة كوب أو قدر به عدد من الثقوب التي يمسكها صانع الكنافة، و يسد الثقوب براحة يده وعند اقترابه من الصاج، يزيح يده ويبدأ في رش العجينة الرخوة في شكل دوائر متتالية حتي تشكل شعريات كبيرة، وينتظر أن تنضج على الناس، ليرفعها ويضعها على قطعة قماش كبيرة..

    يقبل العديد علي شراء الكنافة البلدي عن كنافة الماكينات، وتقدم كالآتي:

    تفرد الكنافة الشعر أو “الشعرية الطويلة” في صينة مع قدر من السمن البلدي، وتحلى بالسكر العادي أو البودرة أو شراب العسل، وقد يفضل البعض وضع الحليب الدافئ علي مائدة السحور عليها.


    مراجع:

    ابن سيار الوراق، كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية، نسخة PDF

    مصدر الصورة: صفحة حاجات قديمة على “فيسبوك”.

     

  • في حي السلخانة الأطفال يرسمون البهجة بـ”زينة رمضان”

    في حي السلخانة الأطفال يرسمون البهجة بـ”زينة رمضان”

    لم تمنع الأجواء الجافة والطقس الذي وصلت فيه درجة الحرارة إلى 45 درجة مئوية، الأسر الفيومية من الاحتفاء بعودة شهر رمضان، وتزيين الشوارع والحواري بأعمالهم اليديوية البسيطة في صناعتها، الخلابة في منتجها النهائي.

    في  حي السلخانة، أحد أقدم أحياء مدينة الفيوم، المتفرع من ميدان الشيخ حسن جنوبي المدينة، المكتظ بالمارة والجزارين، تقطن أسرة محمد عثمان الخولي، منذ نحو 40 عامًا، وعلى مدار تلك المدة، اعتادت استقبال شهر رمضان بالأهازيج والاحتفالات، خاصة عندما يلتحمون بجيرانهم في الحي.

    في تلك المنطقة التي تعج بأصوات الأطفال، والحركة وروح الحياة، ينتظر الصبية قدوم  شهر رمضان، محمّلين ببرامج عدة ليطبقونها خلال الشهر، ما بين أغان، تنسب في الأصل للفلكلور ، وبين تزيين المنطقة بأشكال يصنعونها بأيديهم، وبين نشاطات أخرى.

    كريم محمد، طفل لا يتعدى عمره 11 عامًا، يجلس ممسكًا بمقص وبين يديه أوراق ملونة، يحكي لـ”ولاد البلد” سأبدأ في صناعة زينة ملونة لرمضان، تعودنا أن نصنع الفوانيس الورقية وأن نصمم فروع الأشجار كل رمضان، أنا أصبح في غاية السعادة عندما نجتمع مع أطفال الحي ونزين الشارع معًا.

    أما الطفلة التي لم يتجاوز عمرها 12 عامًا،  شهد سيد، تقول وقد علت على جبينها ابتسامة بريئة، إننا نحب أن نصنع الزينة بأيدينا، لنزين الشوارع ونستقبل رمضان.

    تتابع شهد والدي هو من علمني صناعة الأشكال بالورق والنشا والدقيق، وطريقة صناعة فرع متماسك من الورق، وبعدها علَّمت أصدقائي كيفية صناعتها “أنا فرحانة إني بشارك أصدقائي في تزيين الشارع”.

    أما آمنة محمد، الطفلة ذات الـ8 سنوات، فتقول “السنة دي بدأنا نزين الشارع بأشكال مختلفة، ونعمل حاجات مختلفة من الورق، وبعدين أنا بستخدم الورق اللي مش مفيد واعمل منه حاجة  بتخلينا مبسوطين وفرحانين”.

    الأطفال رغم صغر سنهم وبراءتهم يزينون الشارع بحماس الكبار وأكثر، هم يحملون على عاتقهم هم ومسؤولية تزيين الشارع في رمضان، ومع أن البهجة والفرحة تتملكهم مع آخر خيط زينة يمدونه، يوزعون كذلك جزءًا كبيرًا من بهجتهم الطفولية إلى باقي الشارع، لقد لوَّن الأطفال شارع السلخانة.

  • كيف وصلت إلينا “اللهجة الصعيدية” من رحم “المصرية القديمة”؟

    كيف وصلت إلينا “اللهجة الصعيدية” من رحم “المصرية القديمة”؟

    أينما كنت، فأنت لست بحاجة إلى أن تبذل مجهودًا لتميّز اللهجة الصعيدية من بين غيرها من لهجات العامية المصرية، بينما الصعيدي الأصيل بطبعه يستطيع أن يفرق بين عدة لكنات استوعبتها لهجته الأم، اللهجة الصعيدية.

    وعندما تسمع ألفاظًا مثل: دلوج ودلوجيت ودلجِيت ودلوجتي، فاعلم أن المعنى واحد ويعني “الآن أو “هذا الوقت”، إلا أنه يمكن أن نميز بين أربعة أماكن مختلفة، والأمثلة في ذلك يصعب حصرها، ففي قنا مثلا لا يتحدثون مثل سوهاج وفي سوهاج لا ينطقون الحروف كما ينطقها الأسايطة، بل في كل محافظة يمكن أن نميز بين عدة لكنات أخرى.

    اللهجة الصعيدية والعامية المصرية

    وعلى أية حال فإننا نستطيع التمييز بين أكثر من لهجة في العامية المصرية، تتوزع هذه اللهجات جغرافيًا على مناطق بعينها، وبحسب القس شنودة إسحاق، أستاذ العهد القديم بالكلية الإكليريكية، فإن الاختلاف الحالي بين اللهجات يوافق جغرافيًا الاختلاف بين لهجات اللغة القبطية القديمة، مستشهدًا بقول أحد العلماء الفرنسيين أيضًا “إننا نجد فروقًا ذات بال بين قرية وأخرى، حتى ليمكننا أن نميز لهجة كل قرية عن الأخرى”.

    ولأن اللغة القبطية الحالية ظلت حاضرة في العامية المصرية، الأمر الذي جعل عصام ستاتي، باحث في المصريات، يذهب في كتابه اللغة المصرية الحالية إلى أن المصريين هضموا العربية وأخضعوها بخفة إلى لغتهم القبطية، ولأن اللهجة الصعيدية هي واحدة من لهجات اللغة القبطية، فهي متأثرة بطبيعة الحال باللهجة الصعيدية في لغتها القبطية.

    دلائل من العامية الحالية

    يقول ستاتي إن المصريين لا ينطقون حرف الثاء بل يقلبونه تاء فيقولون اتنين وتلاتة، وهو ما يتوافق مع اللغة المصرية القديمة، التي لم تعرف حرف الثاء، بل نطقت ثيتا اليوناني تيدا، وقالت توماس بدلا من ثوماس، وقد تُقلب الثاء سينًا أيضًا.

    مثل حرف الثاء حرفي الذال والظاء، اللذين خلت منهما القبطية.. وهما حرفان لم تعرفهما القبطية. فماذا يفعل المصري إلا أن يرجع الحرفين إلى القبطية لينطق الذال دالا والظاء ضادا.. لهذا يقول الصعيدي دلوجت التي حرفها من ذا الوقت.. ويقول مدّايج “من الضيق”.

    انتقلت اللهجة الصعيدية من الآباء للأبناء كأنها جينات وراثية محتفظة بقواعد عدة وألفاظ لا حصر لها

    نطق الحروف في اللهجة الصعيدية

    وفي اللهجة الصعيدية القديمة كان حرف “تشيما” ينطق جيما بين الكاف والجيم.. مثلما ينطق أهل الصعيد اليوم حرف القاف، “ليه بقى؟”. الإجابة: لأن المصرية القديمة ما عرفت حرف القاف، لذلك فلهجة الوجه البحري تنطقها ألفًا، وأحيانًا أقرب إلى الكاف، ولهجة الصعيد الحالية تنطقها أقرب إلى نطق الجيم القاهرية، وهو ما يتوافق مع اللهجات القبطية.

    أما الألف المكسورة التي تأتي في أول كلام اللهجة الصعيدية مثل: امسمّع يعني مشهور وامجلع يعني مدلل وقولهم إحمد بدلًا من أحمد وامحمد بدلا من محمد، فالملاحظ أنه في كلمات اللغة المصرية القديمة يزاد حرف “إ” إلى أول الكلمة مع وجود نفس الدلالة أحيانًا عندما تقابل بالعربية، مثل إوتن بمعنى وطن، إقر بمعنى استقر أو سكن، إتم “إله الشمس يعني تم أو اكتمل.

    ماذا يقول علماء اللغة؟

    يقول الدكتور علي خشيم، الباحث اللغوي، إن الأمر موجود في بعض الألفاظ لكنه ليس قاعدة، إلا أن هناك أبحاث عللت ذلك المقطع بأنه يأتي مع الألفاظ التي تبدأ بساكن ولا يفصل بين ألفاظها حرف متحرك.

    أما الدكتور يوسف زيدان، المتخصص في التراث العربي، فيقول في كتابه متاهات الوهم، فيقول إن اللغة المصرية القديمة في آخر أطوارها كان نسبة الأشياء فيها يأتي على نحو خاص، وهو إلحاق المقطع “إم” إلى بداية اللفظة، وربما يتشابه ذلك أيضًا مع أحد لهجات العرب من أهل اليمن وهي قلب اللام ميما فنقول إمبر بدلا من البر، ومن هنا جاءت تسمية إمبابة يعني البوابة.

    الفلكور القبطي

    وفي كتاب مقدمة في الفلكلور القبطي يرجع عصام ستاتي قلب حرف الجيم إلى دال، والشين إلى سين فنقول دردا بدلا من جرجا ونقول سمس بدلا من شمس، إلى تأثير اللهجة الصعيدية القديمة.

    كما أن المصرية القديمة لم تعرف نطق حرف V  لذا فقد حولها المصري إلى B  لتتحول كلمة فيكتور إلى بقطر ويشوه “جيف مي” لتصبح “جيب لي” وفاسيلي يجعلها باسيلي، بحسب ما ذكره ستاتي.

    لكن كيف وصلت إلينا اللهجة الصعيدية؟

    في آخر أدوار اللغة المصرية القديمة، كتبت اللغة القبطية بحروف يونانية، فظهر الفرق بين اللهجات وأمكن التمييز بين 5 لهجات رئيسية، ولم تكن القبطية لغة قائمة بذاتها، بل يمكن اعتبارها هي الأخرى لهجة عامية جاءت تطورًا للغات مصرية أقدم، كما يصفها الدكتور علي خشيم في كتابه القبطية العربية.

    هيئة اليونيسكو أصدرت مؤخرًا أطلس ضم اللغات المهددة بالانقراض وذكرت من بينهم “القبطية”

    ومع أن الدكتور علي خشيم اعتبرها “أي القبطية” لهجة، إلا أنه يرى أنه من الممكن تقسيمها إلى لهجتين رئيسيتين هما الصعيدية والبحيرية، وخمس أو ست لهجات صغرى هي الفيومية والأخميمية والأخميمية الفرعية الأسيوطية والبهنساوية والبشمورية والأقصرية وهي لهجة طيبة الأولية السابقة على الصعيدية، ومثل ماهو حادث الآن فإن أظهر لهجتين قبطيتين هما البحرية والصعيدية، وربما أهمهم.

    لهجة طيبة

    مرة أخرى نعود إلى القس شنودة الذي يقول إن اللهجة الصعيدية كانت تسمى  لهجة طيبة أو الأقصر، وكانت في الأصل لهجة المنطقة من منف وسقارة إلى حلوان، وربما كانت أيضًا في طيبة، ثم سادت على لهجات وادي النيل.

    ومع دخول العرب مصر أصبحت اللغة الأدبية الوحيدة في الصعيد، وظلت بجوارها الفيومية في الفيوم والبحيرية في الوجه البحري، وفي القرن التاسع الميلادي أصبحت اللهجة الرسمية للكنيسة المصرية، وبداية من القرن الرابع أصبحت لهجة الكتابة الأدبية في مصر.

    تغير اللهجات في الفرون التالية

    وفي القرون التالية حلت محل اللهجات الأخميمية والأسيوطية والبهنساوية، في المناطق تلك التي تغطيها اللهجات، واستعملت في الكلام والمحادثات إلى قرب انتهاء القرن الثامن الميلادي، خصوصا في نواحي نقادة وقوص.

    وفي العام 997 أصدر الحاكم بأمر الله قرارًا بإبطال الحديث باللغة القبطية نهائيًا، فتجنب المصريون الحديث بها، لكنهم استعملوها في القرى والصعيد، بعيدًا عن سلطة الحاكم.

    الفلكور الشعبي

    يقول أحمد رشدي صالح، الباحث في الفلكلور، في كتابه الأدب الشعبي.. إن القرى والصعيد احتفظت باللغة القبطية بتراكيبها النحوية والصرفية والصوتية، مع عدد لا حصر له من الكلمات، منها ما ينتمي إلى الخط المصري الأول الهيروغليفي، ما يدل على ذلك أن المقريزي، الذي توفي عام 1442 ميلادية، يقول في المجلد الثاني من كتابه الخطط والآثار إن نساء الصعيد لا يكدن يتكلمن إلا بالقبطية الصعيدية، ولهن معرفة تامة باللغة الرومية “يقصد اليونانية”.

    إبدال الأحرف

    القس شنودة يقول إن طريقة نطق حروفها وتعبيراتها وقواعد إبدال والحذف والترخيم فيها ما زال مؤثرًا وحاضرًا، لذلك فهي أغنى اللهجات في كثرة النصوص والمخطوطات، حتى صار العلماء عندما يتحدثون عن اللغة القبطية بصفة عامة فإنهم يقصدون اللهجة الصعيدية، لأنها الأقدم والأغنى والأنقى فضلا عن وصفها بالمتعادلة والمتوسطة.

    صورة قديمة لرجل بزي صعيدي أمام معبد دندرة بقنا

    وفي العام 1911 نشرت طبعة للإنجيل باللهجة الصعيدية في سبعة مجلدات.. وقد شهدت المخطوطات وجود أكثر من ترجمة صعيدية لبعض أسفار الكتاب المقدس في أماكن وعصور مختلفة. أما أقدم مخطوطات العهد القديم بالقبطية الصعيدية فترجع إلى القرن الرابع الميلادي.

    لكن ما اللهجات الأخرى التي ضمتها اللغة القبطية غير الصعيدية؟

    اللهجة الأخميمية

    هي اللهجة المحلية لمنطقة أخميم الممتدة جنوبًا إلى الأقصر.. وكانت منتشرة بجوار اللهجة الصعيدية.، وقد تركت بصماتها عليها. ولهذه اللهجة تأثيرات على طريقة النطق في كثير من قرى محافظة قنا.

    أما اللهجة الأخميمية الفرعية، فهي لهجة منطقة ليكوبوليس أي أسيوط. وتفرع منها أيضا عدة لهجات فرعية، واستعملت في المناطق من فاو إلى أسيوط.

    كما أن إن هناك أسرًا ظلت تتحدث القبطية بلهجتها الصعيدية حتى مطلع القرن العشرين.. بينما أبطل استعمال البحيرية حوالي القرن 12 ميلادية، غير أن ما حافظ عليها هو استعمالها في العبادات والكنائس.

    أما اللهجة البحيرية

    هي لهجة الوجه البحري، ويطلق عليها في المخطوطات “لهجة منف”.. لكنها في الأصل لهجة غربي الدلتا.

    وبعد مجيء العرب انتشرت شرقا وجنوبا، ومع حلول القرن 11 وظهور لغة مولدة جديدة جمعت بين العربية والقبطية.. أصبحت اللهجة البحيرية هي اللهجة الرسمية  للكنيسة.

    وبانتهاء القبطية الصعيدية كلغة للتخطب اليومي أصبحت القبطية البحرية هي لغة الصلوات في جميع الكنائس. وبمرور الوقت أصبحت اللهجة القبطية الوحيدة.

    واللهجة البحيرية  كانت أكثر اللهجات المصرية تأثرا بالمفردات اليونانية. وأقدم نص مكتوب بها يرجع إلى 830 ميلادية.

    اللهجة الفيومية

    هي لهجة منطقة الفيوم وما جاورها من بلاد، واستمر استعمالها حتى القرن 15.. ومن خصائصها إبدال صوت الراء إلى اللام في كثير من الكلمات نطقا وكتابة.. وكان العلماء يطلقون عليها اللهجة البشمورية.

    وهي لهجة البهنسا وما حولها وامتدادها جغرافيا يقع بين منطقة اللهجة الفيومية شمالا ومنطقة الأسيوطية جنوبًا.

    اللهجة البشمورية

    وهي لهجة شمال الدلتا وتعد ضمن مجموعة من اللهجات البحيرية التي يتجه العلماء إلى تسميتها المنصورية.. نسبة إلى المنصورة. وتوجد في هذه اللهجة مجموعة صغيرة من نصوص متأخرة غير أدبية ترجع إلى القرن الثامن. وتتميز هذه اللهجة بأنها مكتوبة بالابجدية اليونانية دون حروف مستعارة من الديموطيقية.. ومن تأثيرات هذه اللهجة على لغة المصريين الجيم غير المعطشة  أو التي تعرف بالجيم القاهرية.

    والواضح أن اللهجة الصعيدية ما زالت تحفظ الكثير من اللغة القبطية، بجانب ظواهر صوتية كثيرة أيضًا.. لتثبت أنها تضرب جذورها إلى أعماق حضارية غاية في الثراء، حيث اللغة المصرية القديمة.

    اقرأ المزيد من هنا:


    مراجع وأسانيد

    اعتمد هذا الموضوع على المراجع الآتية:

    •  القس شنودة ماهر إسحاق، استاذ العهد القديم بالكلية الإكليريكية، الأدب القبطي، القاهرة 1998.
    • عصام ستاتي، اللغة المصرية الحالية، الهيئة العامة لقصور الثقافة 2016.
    • أحمد رشدي صالح، الأدب الشعبي، دار النهضة، ط2، 1971.
    • يوسف زيدان، متاهات الوهم، دار الشروق 2013.
    • علي فهمي خشيم، القبطية العربية دراسة مقارنة بين لغتين، مركز الحضارة العربية.
    • مصدر الصور: CAIRO 969-1969، مجلد نشرته وزارة الثقافة المصرية 1969، باللغة الإسبانية، بمناسبة مرور  ألف عام على بناء القاهرة-
    •  voir l’egypte Henri Gougad et Colette Gouvion diffusio librarie franco- egyptienne al cairo 1985
  • لهذه الأسباب نحن نتحدث اللغة القبطية

    لهذه الأسباب نحن نتحدث اللغة القبطية

    “وحوي يا وحوي.. خلاص بح.. امشي تاتا.. مفيش” مصطلحات يصعب حصرها، يستخدمها المصريون دون أن يعلموا أن لها أصولا لغوية تمتد إلى اللغة القبطية أو المصرية القديمة.

    والواقع أن الألفاظ لا تصنع لغة، أما الذي يصنع اللغة فهو النحو والصرف، وهو ما يذكره عصام ستاتي، الباحث في المصريات، في كتابه “اللغة المصرية الحالية”، إذ أبرز عدة قواعد نحوية وصرفية لها أصول من اللغة المصرية القديمة، فالأمر لا يقف عند ألفاظ فقط.

    اللغة القبطية القديمة

    قبل الحديث عن علاقة العامية المصرية الحالية بالقبطية، لا بد أن نعرف أن اللغة القبطية هي آخر مرحلة من مراحل تطور اللغة المصرية القديمة، بحسب مطبوعة أصدرتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونيسكو” عام 1979 وأعيد نشرها 2014 حملت اسم “التسامح في كلمات”.

    المطبوعة ذكرت أيضًا أن اللغة المصرية القديمة إحدى اللغات السامية في أصلها الهيروغليفي، على عكس اللغة القبطية التي اعتمدت على الأبجدية الإغريقية فيما بعد.

    وفي كتاب “القبطية العربية” يقول الدكتور فهمي خشيم، عميد كلية اللغات بطرابلس في الفترة 1988، يبدو من تتبع آثار هذه اللهجة “يقصد القبطية” أنها صارت لغة معترف بها ومستعملة في الحياة الدينية كما في الحياة العامة، أوائل القرن الثالث بعد ميلاد المسيح، واستمر استعمالها حتى القرن السابع عشر.

    مراحل حياة اللغة المصرية

    كتبت اللغة المصرية القديمة بخطوط أربعة هي: الهيروغليفي والهيراطيقي والديموطيقي والقبطي.. ولم تظهر هذه الخطوط في وقت واحد بل جاءت في إطار تتابع زمني طويل.

    الخطوط المصرية

    والهيروغليفية، هي أقدم لغات المصريين.. وهي كلمة يونانية مركبة من هيروس بمعنى مقدس وغليفو  بمعنى خط. وهي نفس ما أطلقه المصري القديم على لغته “نترخيرو”  أي الكلام المقدس.

    وبدأ استعمالها قبل التاريخ  واختفى التعامل بها تماما في أواخر القرن الرابع الميلادي.. ثم استعملت كنمط كتابة رسمي لتسجيل الأحداث على المعالم والنصوص الدينية.

    أما الهيراطيقية، فهي نوع من الكتابة المصرية القديمة، وكتبت برموز مبسطة للرموز الهيروغليفية. فهي طريقة مختصرة للكتابة للأغراض العملية.

    الديموطيقية

    والديموطيقية، هي أحد الخطوط المصرية القديمة، التي استخدمت في تدوين النصوص الدينية.. وأيضا نصوص تدريب الكتبة والرسائل والوثائق القانونية والتجارية لدى المصريين القدماء.

    أما القبطية فهي آخر مرحلة من مراحل المصرية القديمة.. واستخدمت صياغة اللغة المصرية بصفة عامة والخط الديموطيقي بصفة خاصة.

    وينبغي أن نشير إلى أن لفظ قبطي من الأصل قبط هي تحريف ايجيبتوس وتعني مصري.

    التطور اللغوي

    العصور الزمنية الطويلة التي مرت على مصر، أثرت بشكل ما على اللغة المصرية القديمة، وكان من نتائج ذلك التغيرات التي حدثت في قواعد الهجاء والصوتيات وقواعد النحو.

    وهنا لابد أن نشير إلى نوعين من التطور: التطوراللفظي، وهو ما يدخل على الكلمات من تبدل وتغير في النطق أو القلب والإبدال، والتطور الدلالي: وهو ما يجري على المفردة من تغير في المعنى، فتنصرف إلى معنى آخر قريب من المعنى الأول، وهو ما حدث في رحلة اللغة المصرية منذ نشأتها حتى وصولها إلى اللغة الحالية، بحسب علي فهمي خشيم في كتابه القبطية العربية.

    هل نستخدم قواعد النحو القبطية؟

    نعود إلى ستاتي، الذي يرى أن المصريين استطاعوا أن يخلطوا بين اللغة العربية والقبطية “اللغة المصرية في آخر أطوارها”، ليخرجوا لغة جديدة مولّدة تجمع بين قواعد اللغة القبطية وبعض ألفاظها وبين العربية ونطقها وألفاظها، إلى أن وصلت إلينا بشكلها الحالي بعد رحلة طويلة تعرضت فيه لتطورات عدة.

    اللغة المصرية القديمة

    الأدلة التي ساقها ستاتي ليثبت أننا نتحدث لغة بقواعد نحو قبطية كثيرة، منها أن اللغة المصرية القديمة في جميع خطوطها  لاتعترف بصيغة المثنى، وعلى نفس الأمر تسير لغتنا الحالية.

    المؤنث والمذكر

    كما أن المصري لا يفرق بين المؤنث والمذكر في الجمع، وهو ما يتفق أيضًا مع اللغة المصرية القديمة، وكذا في أسماء الإشارة فنحن لا نعرف إلا أسماء الإشارة: دي ودا ودولا، وهو ما يتطابق مع اللغة المصرية القديمة.

    وبالمناسبة فإن أصل دولا يرجح أن تكون اشتقت من دا للمذكر المحرفة من ذا العربية، ثم أضيف إليها الواو، التي تعبر عن الجمع  في المصرية القديمة ولتأكيد الجمع أضيف إليها “لا” القبطية التي تعني كثير.

    و يتبقى أن نقول أن أسماء الإشارة تأتي في اللغة المصرية القديمة بعد الاسم لا قبله، فنقول مثلا “الولد دا” لا “هذا الولد” كما يُقال في العربية.

    سبب قولنا “ماعرفش” 

    وقد عرفت المصرية  القديمة نوعين من الاسم الموصول، هما الاسم الموصول الخاص والاسم الموصول العام، فالاسم الموصول الخاص هو “نت” للمذكر و”نت-ت” للمؤنث و”نتو-نتي-و” للجمع، بالإضافة إلى اسم عام يستخدم في كل الأحوال هو “نت”بالهيروغليفي و”أي” بالقبطية.

    وفي لغتنا الحالية نستخدم اسمًا واحدا، وهو المكون من “أل” العربية و”أي” القبطية لتصبح “اللي”، لتخضع لغتنا إلى بنية القبطية.

    “ماعرفش” ماذا تعني

    وفي العامية المصرية عندما نريد النفي نضع الفعل بين  “ما” و”ش” لتصبح بنية الجملة المنفية  “ما+الفعل+ش” مثل: ماعرفش- مافهمش.

    أما الطريقة الثانية التي نستخدمها للنفي فهي وضع “مش” قبل الكلمة مثل مش عارف- مش أنا- مش رايح.

    سيدة مصرية تتعلم الكتابة بالعربية- 1962

    والرجوع إلى اللغة القبطية يدلنا على أنها “أي اللغة القبطية” استخدمت حرف نفي يُنطق “م” وأصله “ن” بمعنى لا أو ليس، أما “ش” فهي نفس نطق الفعل يقدر أو يستطيع بالقبطية، بالإضافة إلى أن طريقة النفي تلك تتوافق مع بنية النفي في المصرية القديمة، التي تضع الفعل بين أداتي نفي.

    العجيب أن العلامة المتممة للنفي “ش” في المصرية القديمة، وهي يدان مرفوعتان بجوار بعضهما تشبه الإشارة التي يفعلها المصري بيده عند النفي.

    “إزاي” و”إمتى”

    وفي اللغة المصرية يؤدي التنغيم دورًا مهما في الاستفهام والنداء بحسب نغمة الصوت، وبدلا من السؤال: هل ذهبت أو هل أكلت، نقول بالعامية أنت أكلت؟ وهو ما يتوافق مع القبطية.

    أما في السؤال عن السبب يمكن ان نسأل “إزاي” فهل  نعلم أن “ازاي” هي تحريف الكلمة القبطية  “إتاي”، التي كانت تستخدم في السؤال عن السبب أيضًا.

    أما عندما نسأل عن الوقت فإن لغة المصريين استطاعت أن تهضم متى العربية و”إتنا” القبطية التي تحمل نفس المعنى لتخرج كلمة جديدة هي إمتى، حتى هذه الكلمة أخضعها المصريون للغتهم القديمة.

    ونفس ما حدث مع “متى” حدث مع “من”، فقد أخضعها المصريون للكلمة القبطية “نيم” بمد الياء، لتصبح مين بعد دمج الاثنين.

    هل تعلم أن “بقى” محرفة من القبطية أيضًا؟            

    واللغة القبطية كانت تحتاج إلى وجود فعل الكينونة، وهو الذي قد يساوي “يكون” في العربية، فبدلًا من قولنا محمد طبيب بالعربية فإن القبطية تقولها محمد يكون طبيب، لن ينتهي الحديث عن فعل الكينونة.

    فعل الكينونة ذلك مهمته أن يجعل الجملة في زمن الاستمرار، وفي اللغة المصرية القديمة كان يُضاف “بي إي” إلى الجملة كفعل الكينونة لتكون تامة، ومع تطورها إلى اللغة القبطية أصبحت “بي أي”، تلك التي حرفها المصريون أيضا لتصبح بقى أو بأى بحسب ما ينطقها القاهريون، بقى دا كلام؟

    العامية المصرية.. لهجة أم لغة؟

    إن نظام النحو المصري ما زال محافظًا على حضوره بقوة في العامية لمصرية الحالية، والغريب أن هناك من الباحثين من حاول أن يثبت أن المصرية القديمة وثيقة الصلة بالعربية، بل ربما انحدرت من نفس المنبع.

    وهناك أيضًا من قدم دلائل جازمة تثبت أننا نتحدث لغة مولدة جديدة، هضمت العربية والمصرية القديمة، واحتفظت برونقها وشخصيتها، وهي ما نتحدثها.

    وعلى جانب، قد يبدو مواز، فإن هناك اهتمام قديم بالعامية المصرية بشكل خاص، من قبل الباحثين، على تنوعهم واختلاف ثقافاتهم.

    كتاب بالألمانية عن العامية المصرية

    وفي العام 1880 ألف المستشرق الألماني الدكتور ولهلم سبيتا أول كتاب بالألمانية عن العامية المصرية.. وأسماه “قواعد العربية العامية في مصر”.. وهو أول محاولة لدراسة العامية المصرية واستنباط قواعدها، مقترحًا استخدامها كلغة أدبية.

    لكن كيف نصنف العامية المصرية، ألهجة هي أم لغة؟

    بحسب الأستاذ الدكتور عبدالغفار حامد هلال، عميد كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، في كتابه “اللهجات العربية” فإن اللهجة إذا اتسمت بخصائص بارزة وتوافر لها ما يجعلها تستغني عن أصلها وتنضج قواعدها ونظمها الصوتية والتركيبية أمكن أن نسميها لغة.. لكن كيف وصلنا إلى العامية المصرية

    رحلتنا إلى العامية المصرية

    المعبود تحوت

    اعتقد قدماء المصريين أن لغتهم من مصدر إلهي، وتصورا أنه من المحال أن يكون هذا اختراع بشر.. واعتقدوا أن المعبود “تحوت” هو الذي اخترع لهم الحساب والطب والحكمة وكل العلوم والفنون.. وهو الذي وضع الكلمات الهيروغليفية.

    وفي بدء دخول العرب مصر، عانت اللغة العربية وظلت بطيئة الانتشار، وحتى عام 750 ميلادية.. كانت الدواوين تكتب بالقبطية

    ويذكر المقريزي أنه حتى عام 835 كان المأمون لا يتنقل في ريف مصر إلا ومعه مترجم.. وهو ما يتفق معه ابن عبد الحكم أيضا.

    اصطدام العربية بالقبطية

    أحمد رشدي صالح، الباحث في الفلكلور، في كتابه الأدب الشعبي.. يقول بعد الفتح الإسلامي اصطدمت العربية بالقبطية، لتتراجع العربية في بادئ الأمر.. ويقتصر التعامل بها على المعسكرات وعلى المناطق التي اختارتها القبائل العربية لتستقر فيها.

    والظاهر أن تراجع العربية اضطر العرب الوافدين إلى  تقريب لغتهم  بلغة الأهالي.. مستخدمين عبارات جديدة على العربية، نابعة من مصر.. ومتغاضين عن قواعد النحو، هذا ما يشير إليه صالح أيضًا.

    العصر الفاطمي وبداية الانطلاق

    ويبدو أن القرن الرابع الهجري هو البداية المنطقية لاختلاط القبطية بالعربية.. لتنتج لغة بين القبطية والعربية، وصفها المقدسي بأنها ركيكة ورخوة.

    ومع استقرار الخلافة الفاطمية في مصر انطلقت اللغة المصرية وتنوعت فنونها الفصيحة.. معتمدة على تراث شعبي احتوته اللغة المصرية وطورته.. فظهرت فنون السير والقصص  وفنون الموال والزجل والأغاني والعدّيد.. متعدية بذلك حدودها إلى أهالي البلدان المحيطة.

    على جانب آخر ظلت القبطية باقية في حديث الناس حتى عام  997 ميلادية، إلى أن أمر الحاكم  بأمر الله، فأبطل الكلام بها نهائيا، فكان المصريون يتجنبون الحديث بالقبطية أمام الحاكم وعسكره حتى لا يتعرضون لأذاهم، لتبدأ اللغة الجديدة في الانتشار.

    القبطية موجودة في القرى

    أما في القرى والصعيد فقد ظلت القبطية موجودة، ومن هنا حملت اللغة المولودة بالإضافة إلى تراكيبها النحوية والصرفية والصوتية عددًا لا حصر له من الكلمات، منها ما ينتمي إلى الخط المصري الأول الهيروغليفي.

    بالإضافة إلى ذلك فإنه في مرحلة من مراحل اللغة المولدة كان يقال الكلمة المصرية والعربية في آن مثل: خلاص بح- كل مم- امشي تاتا…، فضلا عن أسماء القرى والمدن والعواصم، من هنا يمكن أن نقول إننا نتحدث لغة لا لهجة، وثيقة الصلة بمصر القديمة.

    اقرأ أيضًا:

    كيف وصلت إلينا “اللهجة الصعيدية” من رحم “المصرية القديمة”؟


    اعتمد هذا الموضوع على المصادر والمراجع الآتية:

    • عصام ستاتي، اللغة المصرية الحالية، الهيئة العامة لقصور الثقافة 2016
    • سامح مقار، أصل الألفاظ العامية، الهيئة العامة للكتاب، ط 1، 2004
    • عبدالحليم نورالدين، اللغة المصرية القديمة، ط9، 2011، نسخة PDF
    • عبدالفغار حامد هلال، اللهجات العربية ص35 وما بعدها ط2، 1993
    • نفوسة سعيد، تاريخ الدعوة إلى العامية 1964، دار نشر الثقافة بالإسكندرية
    • أحمد رشدي صالح، الأدب الشعبي، دار النهضة، ط2، 1971
    • علي فهمي خشيم، القبطية العربية دراسة مقارنة بين لغتين، مركز الحضارة العربية 2003
    • التسامح في كلمات، مطبوعة أصدرتها اليونسكو عام 1997، أعيد طباعتها 2014، نسخة PDF
    • مصدر الصور: CAIRO 969-1969، مجلد نشرته وزارة الثقافة المصرية 1969، باللغة الإسبانية، بمناسبة مرور  ألف عام على بناء القاهرة.
  • “الجعران الفرعوني”.. وسيلة أهل الأقصر لجلب الحظ وإبطال الحسد

    “الجعران الفرعوني”.. وسيلة أهل الأقصر لجلب الحظ وإبطال الحسد

    في اعتقادهم أن “الجعران” يساعد في تحقيق الأمنيات، وإبعاد النحس وجلب الحظ، يطوف الأقصريون حول الجعران الفرعوني، الموجود بمعبد الكرنك، أمام البحيرة المقدسة، الذي أقامها الملك “أمنحتب الثالث”، أحد ملوك الأسرة الثامنة عشرة، في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

    والجعران هو حشرة صغيرة الحجم، لونه أسود، ويعرف بـ”خبري” في اللغة المصرية القديمة، وهو أحد الأشيار التي ترمز إلى إله الشمس “رع”.

    أصل الجعران الفرعوني

    يقول الطيب عبدالله، نقيب المرشدين السياحيين، إن الإله رع يرمز له بثلاثة أشكال.. منها: الجعران في الصباح الباكر.. وفي الظهيرة كان يرمز له بقرص الشمس.. أما عن المساء فيتمثل “رع” في شكل رجل عجوز برأس كبش ويسمي بـ” أتوم” بمعني الكامل المكتمل.

     ويوضح عبد الله أن الجعران الفرعوني الموجود بمعابد الكرنك من أشهر الجعارين.. كما يوجد علي جدران العديد من المقابر رسومات صورها المصري القديم له.

    ويشير إلى أن “الجعران مقدس”، كما يعتبره أهالي البلدة والأجانب.. ويشترط الطواف حوله سبع مرات عكس اتجاه عقارب الساعة.. رغبة في جلب الحظ، ولإبطال عمل “المشاهرة” أو الحسد، وعدم الإنجاب، والعنوسة، وفك النحس أيضا.

    شكل الجعران

    ويوضح نقيب المرشدين أن المصري القديم أعطى شكل الجعران لإله الشمس “رع” في وقت الصباح، لأن الجعران كان يستيقظ مع شروق الشمس وكان يجمع روث البهائم ويكوره ويضع البيض بداخله، ويدحرجه أمامه،  هنا آمن المصري القديم أن هناك علاقة وطيدة بين شروق الشمس وما يفعله الجعران كل صباح.

    ويقول عبدالمنعم عبدالعظيم، الباحث الأثري، مدير دراسات تراث الصعيد، إن الجعران أو الجعل هو خنفساء الروث، وأن الجعران ذكر وليس له إناث، واعتبره القدماء مثل الإله خلق نفسه بنفسه، إذ يقوم الجعران في كل صباح بجمع الروث ويضع مادته فيه ويكوره ويدحرجه برجليه الخلفيتين من الشرق إلى الغرب، ومن هنا اعتبروه رمزًا لإله الشمس.

    تحقيق الأمنيات

    ويلفت عبدالعظيم إلى أن هناك اعتقاد بأن الجعران الفرعوني وسيلة لتحقيق الأمنيات، إذ يطوف حوله النساء 7 مرات إذا كانت عاقرًا، أيضا تطوف حوله العانس للتزوج، أو يكون الطواف للجلب الحظ، بحسب اعتقاد الناس.

باب مصر