باب مصر

التصنيف: سينما

  • الأصول الأمريكية للحارة المصرية

    الأصول الأمريكية للحارة المصرية

    أتمنى أن يتسع «باب مصر» لسلسلة من المقالات أكتب بها تأملات في قضايا تأسيسية في تاريخ السينما المصرية، التي بلغت من العمر مائة عام ويزيد، حسب لحظة البداية التي يطمئن إليها الباحث. اليوم، أقترح إعادة مناقشة مفهوم الواقعية في السينما المصرية، وتحديداً مساءلة ارتباط أفلام الحارة بالواقعية كمذهب فني وجمالي، وارتباط الحارة بتقديم تصور “أصيل” عن الشخصية المصرية الصميمة أو الهوية المصرية الحقة.

    ***

    موضوع الحارة قُتِلَ بحثاً، والواقعية لم تعد هاجساً فنياً وأخلاقياً سائداً بعد ابتعادنا عن لحظة التحرر الوطني في منتصف القرن العشرين، التي سادها تصور فكري يربط بين الحاجة إلى الاستقلال والحاجة إلى تصوير الوطن المستقل بشكل واقعي، والتي انتشر فيها اعتقاد بأن مذهب الواقعية -وهو واحد من مذاهب فنية عديدة- هو المذهب الوحيد القادر على تجسيد الهوية الوطنية الأصيلة. عبر العقود، ساد في الخطابات النقدية والتصورات المجتمعية ما يشبه الإجماع على أن الحارة في الأدب، ثم في السينما، ثم في التلفزيون تجسيد في شكل عالم مصغر لعالم الوطن الأكبر، ومجاز بعض من كل يعبر عن الوطن والواقع والهوية المصرية الأصيلة. كل هذا في صورة واحدة، ألا وهي الحارة.

    لكن ارتباط الواقعية بالحارة، ودلالة الحارة ورمزيتها في السينما بالذات، قضيتان تستدعيان النظرة الناقدة. والأهم من ذلك هو النظر النقدي للمسلمة التي يكاد يتفق عليها الجميع، وهي تجسيد الحارة للمصرية الخالصة، أو تمثيلها لما يصطلح على تسميته بالهوية المصرية الأصيلة.

    الحارة وجذور الواقعية السينمائية

    تختلف الآراء حول أول أو أهم الأفلام الواقعية المصرية، لكن هناك إجماع على أن فيلم “العزيمة” من إخراج كمال سليم (1939) من أبرز تلك الأفلام. لكمال رمزي دراسة شهيرة في غاية الأهمية نشرت في الكتاب الذي حررته ماجدة واصف بعنوان “مائة عام من السينما المصرية” عام 1996. يقترح كمال رمزي في دراسته المعنونة ببساطة: “الواقعية” ثلاثة أصول للواقعية السينمائية المصرية: “لاشين” من إخراج فريتزكرامب (1937) و”العزيمة” من إخراج كمال سليم (1939) و”السوق السوداء” من إخراج كامل التلمساني (1942 – 1946).

    ويرى رمزي في كلٍ من هذه الأفلام ملمحاً قوياً من ملامح الواقعية كما يفسرها: في “العزيمة” تصوير واقعي لعالم الحارة وسكانه بمهنهم وتطلعاتهم الاجتماعية، وللتحديات التي تواجه الأفندي المتعلم الساعي إلى التقدم الاجتماعي. وفي “السوق السوداء” هموم مشابهة، مع لمحة أكثر يسارية وهم اجتماعي أكثر وضوحاً وجذرية، إذ يدين الفيلم جشع طبقات طفيلية تتاجر في مواد التموين في السوق السوداء أثناء الحرب العالمية الثانية. وفي “لاشين” هم سياسي أكثر عمومية، إذ يعرض الفيلم لثورة شعبية تطيح بالسلطان لتضع مكانه حاكماً اختاره الشعب من خارج الأرستقراطية الحاكمة لكن من داخل صفوف الجيش، وكأن الفيلم يتنبأ بحركة يوليو 1952 عندما أطيح بالملك، بفضل ضباط من الجيش.

    ***

    اللافت للنظر في تلك النظرية حول أول فيلم واقعي مصري هو أن الأفلام الثلاثة من إنتاج ستوديو مصر، وأنها جميعاً تدور بالأساس في قلب حارة في “العزيمة” والسوق السوداء”، أو تلعب الحارة فيها دوراً محورياً مثلما في “لاشين”. إذاً، حتى قلعة الرأسمالية الناشئة في ثلاثينات القرن العشرين كانت تتبنى الفكرة القومية التي ترى في الحارة مجازاً، أو واحداً من مجازات الفكرة المصرية وتجلياتها، حتى لو لم تكن تلك سياسة واضحة وعمدية في أذهان الإدارة آنذاك. ليست الحارة فقط صورة بيانية تشير إلى فكرة مصر الوطن أو “الأصالة” أو “أولاد البلد” عند المتعاطفين مع المنظورات اليسارية للمجتمع والمحتفيين بطبقاته الكادحة، بل هي أيضاً أيقونة يرضى رأس المال المحلي عن معناها الاجتماعي والسياسي. فلكأن اليمين واليسار يتفقان على محورية الحارة كصورة جامعة في المخيلة الجمعية للمصريين.

    في مجال دراسة الحارة السينمائية المصرية تبرز كلاً من رسالة مي التلمساني للدكتوراة والتي نشرت نسخة منها بالعربية في كتاب بعنوان “الحارة في السينما المصرية 1939 – 2001” ورسالة فيروز السيد كراوية للماجستير، التي نشرت نسخة منها بالعربية في كتاب بعنوان “مباني الفوضى: سينما العشوائيات بين عقل طبقة وعقل نظام”. تلقي التلمساني الضوء على ارتباط الحارة بفكرة ابن البلد منذ القرن التاسع عشر على الأقل، عند الجبرتي مثلاً، وعلى مركزية الحارة -لا سيما تلك الواقعة في القاهرة القديمة- في تصور السينما المصرية عن العلامات البصرية الدالة على الأصالة، مقابل علامات التحديث المكانية في الأحياء ذات الطابع الأوروبي الحديث، وذلك منذ ثلاثينات القرن العشرين في “العزيمة” حتى نهاية القرن.

    ***

    أما فيروز كراوية فتستخدم مفهوم العشوائيات في مقاربتها ولا تركز على مفهوم الحارة، لكنها في الواقع تكشف عن ارتباط حارات العشوائيات في سينما العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بتصوير بطل شعبي ضد خارج من صفوف المهمشين سكان العشوائيات، يصارع الدولة أو الفساد. أي أنها لا تحلل صورة ابن البلد عموماً، ولا تتوقف عند رصد ارتباط الحارة بالمصري الأصيل، بل تقدم نقداً راديكالياً لمدلولات تلك الأيقونة البصرية، في “حين ميسرة” لخالد يوسف (2007) على سبيل المثال.

    لا تعنى أي من الدراستين البحث عما إذا كانت الحارة -أو الحارات- لها أصل غير مصري. والحق أن هذا الموقف منطقي لأن الحارة كوحدة عمرانية مكون أساسي من مكونات المدينة العربية المسلمة منذ العصور الوسطى، فلا يخطر بالبال أن ظهور الحارة في السينما المصرية ناتج عن مؤثر خارجي. ما أسعى إلى تأمله هنا هو تلك المصادفة التي جعلت من الحارة الأمريكية النيويوركية علامة بصرية هامة في السينما الواقعية الأمريكية في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية، سبق عرض -بل وإنتاج- فيلم “العزيمة”، الذي يتواتر اعتباره الأصل الأوحد للواقعية ولتصوير الحارة في السينما المصرية، رغم تعقد فرضية جذور الواقعية السينمائية، على النحو الذي بينه كمال رمزي، والذي أزعم أنه يؤسس أيضاً لتعقد فرضية اقتصار أصل الحارة في السينما على فيلم واحد فقط، مثل “العزيمة”. لكن ارتباط “العزيمة” بصورة الحارة لا شك فيه، بل إن عنوان الفيلم في السيناريو الأصلي كان “الحارة” قبل أن يتم تغييره إلى “العزيمة”.

    ***

    أزعم أن مقالي هذا هو أول دراسة عن فرضية “اقتباس الحارة الأمريكية في السينما المصرية”. فهناك فيلم أمريكي غير معروف في مصر، عرض قبل “العزيمة” بعامين، ويدور بالكامل في حارة من حارات نيويورك. والمقال يناقش التشابهات بين الحارة الأمريكية والمصرية من خلال الفيلمين الواقعيين العلامتين، المنتجين في ثلاثينات القرن العشرين، عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية. ويطرح المقال تساؤلاً حول احتمال اقتباس الفكرة من السينما الأمريكية في السينما المصرية (وهو للحق احتمال ضعيف). لكن أياً كانت الحقيقة، إن كان الفيلم المصري قد استلهم الفيلم الأمريكي، أو أن المصادفة قد شاءت أن تجمع بين الفيلمين بعض التشابهات، فالمؤكد أنه من المثير فكرياً وتاريخياً ان نتأمل بعض أوجه المقارنة بين الفيلمين.

    هل الحارة المصرية أمريكية؟

    قبل أن يبدأ ستوديو مصر في إنتاج فيلم “العزيمة” من إخراج كمال سليم حوالي عام 1938، عرضت هوليود فيلماً علامة في تاريخ السينما الأمريكية: “الحارة السد” (1937) (Dead End) بطولة همفريبوجارت وجويل ماكري (Humphry Bogart; Joel McCrea)، وإخراج ويليام وايلر (William Wyler) وإنتاج صمويل جولدوين (Sameul Goldwyn). أي أن الفيلم الأمريكي قد عرض قبل الشروع في إنتاج “العزيمة” بعامين، وعُرِضَ قبل عرض “العزيمة”بعام كامل.وإن لم تكتب استمرارية الشهرة لفيلم “الحارة السد” الأمريكي، فإن هذا الفيلم جدير بالحصول على اهتمام المتفرج العربي بنفس القدر من الاهتمام الذي يحظى به فيلم “العزيمة”. لأن المقارنة بين الفيلم الأمريكي والفيلم المصري تفتح الباب لإعادة النظر في تصوراتنا المستقرة عن الحارة المصرية، والمرتبطة ارتباطاً قوياً بفيلم “العزيمة”.

    كثيراً ما يعتبر المؤرخون السينمائيون أن أول عرض لفيلم كمال سليم “العزيمة” هو تاريخ ميلاد الواقعية في السينما المصرية، باعتبار أن الفيلم يدور في وسط شعبي لم يتم تجميله وتزويقه، وباعتبار أنه يعرض للعمارة والتشكيل العمراني والمهن الأساسية والملابس الأصيلة في مكان من أكثر الأماكن تعبيراً عن الطبقات الشعبية والطبقات الأعلى المتطورة عن أصول شعبية. والحارة -بالذات كما صورها كمال سليم في فيلمه “العزيمة”- ترسخت بعد عرض الفيلم بوصفها أيقونة بصرية وفكرية تجسد الأصالة المصرية في الرواية والمسرح والتلفزيون، بل وفي المخيلة المصرية الجمعية. وعناصرها الفضائية من مقهى ومحل بقالة ومحل حلاقة، أو شخصياتها من لابسي العمم والجلابيب من ناحية، ولابسي البدل والطرابيش من ناحية أخرى، وما بين هذين الطرفين من توفيقات، قد صارت مرادفات للتعبير البصري عن “الأصالة” المصرية، على الأقل في المدينة الحديثة.

    ***

    لا أفترض أن الفيلم المصري “العزيمة” قد اقتبس أو تأثر بالفيلم الأمريكي “الحارة السد”، لكني أطرح التساؤل حول تلك المصادفة التاريخية المجهولة بالنسبة لمعظم المهتمين بتاريخ السينما العربية. فالتشابهات بين الفيلمين عامة: محورية الحارة في الأحداث، تصوير الفقر والطبقات الشعبية البسيطة، تقديم الحارة كمجاز يشير إلى الطبقات الكادحة أو الساعية إلى التقدم الاجتماعي، تقديم سكان الحارة كبطل جماعي، مع التركيز على بعض الشخصيات وعلى علاقاتها العاطفية، والمقابلة بين عالم الحارة الأصيل والفقير وعالم الطبقات العليا في المدينة الواحدة: القاهرة في الفيلم المصري، ونيو يورك في الفيلم الأمريكي. لكن المربك أن “العزيمة” قد عرض بعد “الحارة السد” بعامين وأن الفيلمين يدوران في مكان محوري واحد، هو الحارة، التي تعبر عن الأصالة الأمريكية في حالة والمصرية في الحالة الأخرى، من خلال تصوير حياة الفقراء والبسطاء داخل الحارة وتفاعلهم مع الأثرياء.

    الفيلم الأمريكي “الحارة السد” مأخوذ عن مسرحية بالاسم نفسه نجحت نجاحاً كبيراً على مسارح برودواي وتشكل حلقة منسية من الواقعية الأمريكية في السينما. عرضت مسرحية “الحارة السد” من تأليف سيدني كينجزلي (Sidney Kingsley) على مسارح برودواي بنيويورك عام 1935، واستمر عرضها بنجاح لما يقرب من عامين، حتى تحولت إلى فيلم سينمائي عام 1937. والفيلم بذلك لا ينفصل عن سياق كامل في الولايات المتحدة، تصاعدت فيه وتيرة تقديم أعمال واقعية ملتزمة اجتماعياً بتصوير أحوال الطبقات الكادحة والمهمشة، لاسيما بعد انهيار سوق الأوراق المالية في ديسمبر 1929 والذي عصف بمقدرات الملايين من البسطاء في الولايات المتحدة. ذلك الظرف التاريخي في البلاد قد أنتج العشرات من الأعمال الواقعية التي تبدو لنا اليوم غريبة على الذوق “الهروبي” لصناعة السينما التجارية في الولايات المتحدة.

    الحارة السد

    يبدأ فيلم “الحارة السد” بلوحة مكتوب عليها نص قصير، أول سطر فيه هو: “كل شارع في نيويورك ينتهي إلى نهر”. وتشير اللوحة إلى أن ضفاف نهر الشرق (إيست ريفر) الموحلة بنيويورك لطالما ضاقت بمساكن الفقراء المكتظة، ثم جاءت لحظة اكتشف فيها الأغنياء أن منظر النهر خلاب فبنوا مساكنهم بالقرب منه. منذ الثانية الأولى في الفيلم يصف السيناريو الفضاء حيث تتجاور فيه مساكن الفقراء البائسة مع قصر قوم أثرياء، وهو ما “تشرحه” الكاميرا بتجولها في الديكور، فيتضح البعد الطبقي للقصة بجلاء، وإن كانت خيوطها بسيطة تستلهم تقاليد التناقضات الميلودرامية الحادة. فخلفية الأحداث وعرض بورتريهات عديدة لفقراء الحي ولمجرميه (وزعيمهم هو همفريبوجارت) تتفصل عليها قصة حب بين ابن الحارة الفقير الذي لا يظل حبيس الحارة، بل يصنع لنفسه مستقبلاً خارجها (مثل شخصية حسين صديقي في “العزيمة”)، ويلعب دوره النجم جويل ماكري، وبين الفتاة التي تنتمي لعالم الأثرياء، ساكنة القصر، التي تعيش فيه لأنها عشيقة لرجل ثري، وتلعب دورها ويندي باري. تتمنى ويندي باري أن ترتبط بجويل ماكري، لكنه -وإنكان يعمل مهندساً معمارياً – لا يتمتع بوظيفة ثابتة، ولا يستطيع أن يوفر لها حياة الرفاهية التي تعيشها مع عشيقها الثري.

    ***

    في “الحارة السد” كما في “العزيمة” واقعية تصوير المكان في شكله وطريقة كلام سكانه وحركاتهم تمثل لب الجماليات السينمائية. لكن حارة “العزيمة” تستلهم شكل الحارة في القاهرة الإسلامية -وإن كانت أوسع- فهي مكان شبه مغلق، به منفذ يفضي إلى الخارج، إلى حارات أخرى، ثم إلى القاهرة الحديثة المنشأة بروح أوروبية. وهي حارة يتجاور فيها بيت الثري مع بيت المستور مع بيت المحتاج. أما حارة “الحارة السد” فتتميز -مثل الكثير من حارات نيويورك منذ مائة عام- بكونها تفضي إلى النهر، وبذلك فهي تحمل -على المستوى الجغرافي والرمزي- أملاً وإمكانات التطلع إلى عالم أرحب، بسبب الأفق المفتوح على مساحة النهر. والفضاء في الفيلم الأمريكي مقسم بسيمترية واضحة، فإلى اليمين تقع مساكن الفقراء المكدسة بالبؤساء والأشقياء، وإلى اليسار -قبالتها- تقع مساكن الأغنياء المنعمين. وكأن الصراع الطبقي في الفيلم معبر عنه سيمائيا من خلال بنية المكان.

    ***

    ربما يذهب الفيلم الأمريكي “الحارة السد” في واقعيته إلى مدى أبعد من فيلم “العزيمة” المصري. فالبطولة في “الحارة السد” يتقاسمها رجلان: جويل ماكري، ابن الحارة الذي يسير على درب يؤدي به إلى الطبقة الوسطى، بفضل جده وإخلاصه وبفضل التعليم، وهمفريبوجارت، ابن الحارة الذي يحترف الإجرام ولا طريق أمامه إلا ذلك المؤدي إلى السجن أو الهلاك، ويذكرنا بنموذج بلطجي الحارة في العديد من الأفلام المصرية. وربما وجدنا تشابهاً بين شخصية همفريبوجارت في الفيلم الأمريكي وشخصية عبد العزيز خليل (المعلم العتر) في الفيلم المصري، من حيث دورهالإجرامي في المسار الدرامي للفيلم وفي دلالته الاجتماعية. لكن الفيلم الأمريكي يعرض إجرام همفريبوجارت بوصفه وليد الظروف الاجتماعية القاسية، التي تجعل بعض الشباب مضطرين إلى احتراف الإجرام كوسيلة للحصول على الاحترام والدخل اللائق، ولا يكتفي بإظهار الشرير بصورة أحادية، مثلما في حالة الجزار المعلم العتر في الفيلم المصري. كما أن الفيلم الأمريكي لا يسرف في خلق التناقضات بين ابن الحارة الطيب وابنها الشرير، بينما في الفيلم المصري -جريا على تقاليد الميلودراما- فالتناقض بين الأفندي والمعلم داخل الحارة ليس فقط اجتماعيا وأخلاقيا، بل هو أيضاً عاطفي، إذ إن الرجلين غريمان يتنافسان على حب حسناء الحارة، فاطمة رشدي.

    ***

    “الحارة السد” يعرض بورتريهات ومواقف وحالات، وبه قصة بوليسية معقدة، وفيه مواقف عاطفية عالية، وميلودرامية، لكن الفيلم بشكل عام يعرض قصصاً كثيرة مختلفة تصور الفقر والانحراف بسبب الظروف الاجتماعية.على العكس من ذلك، فحبكة “العزيمة” الميلودرامية تركز على خط درامي أساسي، وهو تقلبات علاقة الحب بين حسين صدقي وفاطمة رشدي من تناغم، ثم تنافر، ثم ألم بسبب خطبتها إلى غريم حسين صدقي، ومعارك في نهاية الفيلم بسبب الصراع بين الرجلين على البطلة الحسناء. تعقيد الحبكة في الفيلم الأمريكي يرجع إلى أنالمشاهد يحتاج إلى بذل مجهود كبير نظراً لتعدد الشخصيات من سكان الحارة، إن أراد تتبع أحوال كل شخصية. لكن لا توجد قصة حب واحدة تتجمع فيها كل الخيوط. في “الحارة السد”، المكان ورمزيته الاجتماعية هو البؤرة التي تنطلق منها كل الخيوط وتنتهي إليها. إلا إن “الحارة السد” ينتهي أيضاً بمعركة لها طابع الأفلام البوليسية.

    ***

    يعرض الفيلم ثلاثة مسارات اجتماعية في الحارة:أولاً، مسار الأثرياء الذين يفصلهم عن سكان الحارة الفقراء سور عالٍ؛ ثانياً، مسار الناجين الملتحقين بالطبقة الوسطى مثل جويل ماكري الذي ترقى في الحارة بفضل التعليم والتوظف كمعماريٍ، وإن كانت الأزمة الاقتصادية تفرض عليه أن يتنقل من عمل صغير إلى آخر، لكنه يشكل الضمير الاجتماعي في الحارة، إذ يحاول دوماً إنقاذ شبابها من الانخراط في سلك الإجرام، بل ويتصدى لهمفريبوجارت الذي يخطف ابن الأثرياء طمعاً في الحصول على فدية؛ ثالثاً مسار الأشقياء الذين يمارسون سرقات صغيرة، إلى أن يصيروا مثل همفريبوجارت مجرمين محترفين خطرين، أو مثل حبيبة بوجارت السابقة التي امتهنت الدعارة. تنشب معركة نهائية بين ماكري وبوجارت، أي بين ممثلي الخير والشر، المواطنة الصالحة والإجرام، بسبب إصرار ماكري على إفشال مخطط بوجارتلخطف طفل ثري، وتنتهي المعركة بسقوط بوجارت من أعلى بناية سكنية. ثم يصل رجال البوليس فيتبادل بوجارت إطلاق النار معهم إلى أن يقتل في الاشتباك.

    يرحل ماكري مع صديقة طفولة من بنات الحارة ويعدها بالإنفاق على الدفاع عن أخيها الذي انزلق في الجريمة. فينتهي الفيلم الأمريكي ببارقة أمل، لكن مع تخييم حزن واقعي بعد أن سالت دماء بعض الأثرياء وبعد أن قتلت الشرطة المجرم ابن الطبقات الفقيرة في الحارة. نهاية “الحارة السد” أكثر إظلام -وبالتالي أكثر واقعية، بمعنى ما- من فيلم “العزيمة”، لكنها -مثلما في “العزيمة”- مبنية على فكرة الشاب المتعلم ذي المستقبل الذي يرتبط ببنت الحارة الصالحة، فاتحاً بذلك طريقاً للترقي الاجتماعي بعمله خارج الحارة.

    اقتباس أم مصادفة؟

    هناك العديد من التشابهات بين الفيلمين الأمريكي والمصري، ولا جدال في أن الفيلم الأمريكي قد سبق الفيلم المصري، وسبقتهما مسرحية بالبنية نفسها والعنوان نفسه والتركيز على الحارة. لكن من الصعب أن يقطع المؤرخ والناقد بأن كمال سليم قد استلهم فيلم ويليام وايلر في غياب وثائق وشهادات تدل على ذلك. المؤكد أن المقارنة بين الفيلمين تثري التفكير في التشابهات بين سينمات مختلفة، وتسهم في إعادة النظر في تاريخ السينما المصرية وتاريخ الواقعية البصرية، وتلك السينمائية تحديداً. كما أن تلك التأملات تذكرنا بأن الظروف الاجتماعية في المدينة المصرية لم تكن تختلف جوهريا عن مثيلتها في بعض أحياء كبرى المدن الأمريكية. لكن تسارع وتيرة ومعدلات التنمية في الشمال هي التي تجعل مشاهد اليوم مندهشاً من وجود حارة أمريكية -منذ ما يقترب من قرن- في الواقع وفي السينما، تشبه حاراتنا في أحيائنا وعلى شاشاتنا.

    اقرأ أيضا:

    وليد الخشاب متأملا تجربة فؤاد المهندس: الكوميديا مسألة جادة!

  • «ستموت في العشرين»: الموت والحياة بين أمجد أبو العلاء وحمور زيادة

    «ستموت في العشرين»: الموت والحياة بين أمجد أبو العلاء وحمور زيادة

    يذخر تاريخ السينما العالمية والمصرية بأفلام عدة عن الموت والفناء، مثل فيلم برجمان والذي يواجه فيه الموت ويقف أمامه وجها لوجه (برجمان- الختم السابع)، والتعاطي مع فكرة موت الأبناء أو احتمالية / انتظار موتهم (تيرانس مالك- شجرة الحياة، ونانّي موريتي- غرفة الابن، ويوسف شاهين- اليوم السادس، وأمجد أبوالعلاء- ستموت في العشرين). وكذلك الموت والجوائح، مثل الطاعون والكوليرا (برجمان وشاهين). ومن الأفلام الحديثة عن مسألة الموت والحرب (بلاجوف – شجرة اللبلاب)، والموت الاختياري أو الموت انتحارا كما نراه في فيلم كياروستامي (طعم الكرز) رغم تعارضه مع المعتقدات الدينية في بلده إيران. والموت والخرافة في فيلم “للحب قصة أخيرة” للمخرج رأفت الميهي.

    فيلم «ستموت في العشرين» هو الفيلم الروائي الطويل الأول لمخرجه السوداني أمجد أبوالعلاء، صدر في عام 2019، ومقتبس عن قصة بعنوان «النوم عند قدمي الجبل» للكاتب حمور زيادة. فاز الفيلم بجائزة أسد المستقبل – جائزة لويجي دى لورنتيس، في مسابقة آفاق في الدورة 76 لمهرجان فينتسيا/ البندقية السينمائي الدولي. السيناريو لأمجد أبوالعلاء بالاشتراك مع يوسف إبراهيم والتصوير لسيباستيان جوبفيرت.

    ***

    يقدم الفيلم قصة مُزَمّل (معتصم راشد طفلا ومصطفى شحادة مراهقاً وشاباً)، الطفل الوليد الذي أخذه والداه إلى الشيخ الصوفي كي يباركه، ولكن بدلا عن ذلك نسمع النبوءة التي ستزلزل كيان الأسرة الصغيرة بأن الوليد سيموت عندما يبلغ العشرين.

    يطلعنا المشهد الافتتاحي والتأسيسي للفيلم، الذي يستغرق أربع دقائق وثمان ثواني، على الكثير مما سيساعدنا على الفهم والتفسير. تطلعنا اللقطة الأولى من المشهد على جمل نافق في يسار مقدمة الكادر، يقف طائر على أرجل الجمل الخلفية، ثم تبدأ الشخصيات في الظهور في مؤخرة الكادر ونرى رجلًا وامرأة تحمل رضيعاً، ثم جمهرة من النساء والرجال تسير وراءهم.

    يظهر في منتصف الكادر بناء لضريح ذي شكل مخروطي، ثم مجموعة من الرجال ترتدي الجلابيب الخضراء المطعمة بقطع حمراء على الأكتاف والظهر، وعلم أحمر يرفرف. تقترب الجمهرة وفي مقدمتها المرأة حاملة الطفل الرضيع. نكتشف أن مجموعة الرجال هذه هم جماعة اتباع ومجاذيب من الصوفية تصاحب الشيخ الصوفي خليفة الشيخ أبوعاقلة، وتترنم باسم النبي محمد ﷺ تتقدم السيدة/ سكينة (إسلام مبارك) إلى الشيخ الجالس وتقدم وليدها ” مُزَمّل” كي يباركه، وبالموازاة نسمع الترانيم.

    ***

    يحمله الشيخ ويحنكه، ثم يأتي دور الدرويش وعملية العد الدائرة التي تنتهي مع العدد عشرين وسقوط المجذوب أرضا. كل هذا نراه في صورة دائرة طقسية مفعمة بالحركة والألوان والموسيقى والتراتيل. “أمر الله نافذ يا بنتي”، هكذا يخبر الشيخ سكينة أم مُزَمّل، فتعود أدراجها والدائرة وراءها وتلقي عليها نظرة أخيرة، ثم يأتي القطع.

    إن حبكة الفيلم، التي يطلعنا عليها المشهد السابق، توجهنا نحو فكرة الموت المحدد سلفاً عبر نبوءة لها علاقة بالموروث الديني والثقافي. وعلى الرغم من معرفة جميع البشر بحتمية الموت إلا أنه نادرا ما تصبح نبوءة الموت بهذا القدر من الوضوح. فطبيعة النبوءة أنها غامضة، ملتبسة، تمنح أملاً أو تمنعه عبر كلمات مُقَنّعة بالخفة والرشاقة، وقابلة للتفسير على أوجه عدة.

    يكشف لنا الفيلم عن قرية فقيرة ذات بيئة بدائية تقليدية، تعيش مزيجًا من الموروثات ذات الطابع الديني والخرافي تؤثر في حياة وسلوك أهل القرية. وبينما لا يفسر الفيلم لماذا تذهب سكينة بالطفل إلى الشيخ الصوفي ليباركه، فيبدو الأمر وكأنه عادة اعتاد عليها أهل القرية، في حين أن قصة حمور زيادة تفسر هذا الأمر بأن كرامات الشيخ أبي عاقلة هي السبب في حمل سكينة في  “مُزَمّل”، هذا الحمل الذي طلبته سكينة زمانا من أولياء الله.

    ***

    إن طقس المباركة والتحنيك الذي يقوم به الشيخ خليفة الشيخ أبي عاقلة وكما يصوره لنا “أبوالعلاء” يحتوي على عدد كبير من التقنيات الطقسية مثل الرمز والإيقاع والصوت والألوان والأداء الحركي التي تعبر عن غموض الحياة ونواميس الكون والوجود، وتعمل على إيقاظ المشاعر المقدسة.

    والمفترض أنه بفضل الطقوس تتمكن الجماعات من الحفاظ على تماسكها ووحدتها، ويتمكن الفرد من إيجاد حلول لمشاكله الذاتية بربطها بمشاهد جماعية تجعله يقوى على مجابهتها. إن ماوس Mauss يقدم لنا الطقس بوصفه “مجموعة من الأفعال التقليدية المؤثرة التي تمس الأشياء التي تعد في نظر البعض مقدسة”. ومفهوم “القداسة” يبدو هو الأرجح لما يضيفه من فعالية وقدرة خلاقة على كافة الطقوس ، فيصبح منبعاً خصباً لقدرة لا تعرف الفناء، فمن خلاله تصبح كافة عناصر الطقس وسيلة للتقرب من المجهول وكشف المستور وتبرير الأحداث والمواقف التي تكتنف حياة البشر. وعلى عكس كل الأفلام التي تروي لنا حكاية البطل ورحلته مع الحياة ليفوز ويعود بالغنيمة في النهاية، يحكي لنا فيلم “ستموت في العشرين” حكاية الموت، موت المُزمّل حيًا بناء على نبوءة الشيخ.

    ***

    يستمر الفصل الأول تقوده سكينة/ الأم بعد سفر الأب (طلال عفيفي) أو هروبه. ترتدي السواد والطفل مازال حياً، فهي تمارس طقوس الموت في صمت، تحتفظ بالطفل مُزَمّل داخل المنزل الفقير الخالي من أي مظهر من مظاهر الحياة، ويتحول المنزل إلى مقبرة تضم أحياء يتنفسون على استحياء. وتمارس سكينة ما مارسه الدرويش المجذوب ولكن بطريقة أخرى، وهي إحصاء الأيام المتبقية للمُزَمّل على قيد الحياة.

    غرفة من الطين يدخلها بالكاد شعاع من الضوء أو تنيرها أضواء صناعية خافتة أو شموع، وهو أسلوب سائد لمدير التصوير والمخرج الذي يبتعد عن الإضاءة المبهرة إلا في مشاهد النهار الخارجي، وهو أمر تمليه طبيعة المكان الصحراوية. ويستخدم مدير التصوير هنا تقنية  Chiaroscuro أو ثنائيات الجلاء والعتمة التي تميزت بها لوحات فناني عصر النهضة من أمثال رمبرانت أو كرافاجيو أو دافينشي، التي تعتمد على نمط إضاءة منخفضة Low Key Light، وتعتمد على التباين ما بين الألوان ودرجات نصوعها أو ما بين الظل و النور لتحديد الكتل والأجسام و إظهارها على نحو حاد يعمق إحساس التوتر الدرامي داخل المشاهد واللقطات، خاصة في مشاهد نقش سكينة لسنين عمر مُزمّل على جدران القبو المعتم، ومثيلاتها في مشاهد صراع “ونيس” مع أمه في فيلم المومياء، للمخرج شادي عبدالسلام ومدير التصوير عبدالعزيز فهمي، داخل قبو أو حجرة مظلمة  وفق نمط التصوير نفسه.

    ***

    وفي حين يسلم أبوالعلاء القيادة للأم سكينة في الفيلم منذ المشهد الافتتاحي بحملها للطفل وسيرها إلى جوار زوجها في طريقهما إلى الشيخ الصوفي ليبارك الطفل، ثم بعد ذلك حين يهرب الزوج من مواجهة هذا المصير المظلم للابن، يؤسس سرديته على غياب الأب بكل ما تحمله من عوامل نفسية ومن عوامل قهر مجتمعية. نرى النور حسين/ الأب في قصة حمور زيادة حاضرًا وبقوة ولكن هل اختلفت النتيجة؟

    “والده، ذات مغرب، نظر إليه في مجلسه صامتًا. راقبه طويلا وهو يشرب الشاي باللبن ويأكل البسكويت. كانوا في مجلسهم اليومي بحوش البيت. قال النور حسين ببطء: “يا سكينة الولد لازم له شئ يفعله غير البقاء في حضنك”- (النوم عند قدمي الجبل ص12).

    تسمح سكينة للمُزَمّل، بعد أن أقنعها شيخ الجامع ورجال القرية، بالذهاب للشيخ عبدالقادر ليحفظ القران. وهناك نرى نعيمة طفلة للمرة الأولى، ونرى الصبية الصغار الذين يسخرون من مُزَمّل وينعتونه بأنه “ود موت”، أي ابن موت. ويتفاقم الأمر بقيامهم بطقس دفن للمُزَمّل وهو على قيد الحياة داخل صندوق حديدي كبير يغلقونه عليه كالتابوت بعد أن جردوه من ملابسه ودهنوا جسمه بالرماد ولم يعبأوا بصراخه. محاكاة طقسية كاملة لطقس الدفن ويبزغ الصوت الوحيد لا نواحًا ولا عويلًا لاستكمال الطقس ولكن اعتراضًا وخوفًا من الدفن حيا.

    ***

    يؤدي شريط الصوت دورا هاما في التأكيد على مصير مُزَمّل، حيث يرتل أحد الصبية آية من سورة التكاثر: “ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر”. ويتكرر هذا الأمر أكثر من مرة، ويتكرر معه التأكيد على المزج بين ما هو ديني وبين ما هو ثقافي، وطقسي، وخرافي.

    ويقفز المخرج بالزمن، وندخل في الفصل الثاني، ليظهر مُزَمّل بعد حادثة الصندوق شاباً يافعاً مازال يحفظ القرآن ويرتله بقرائتين ويعمل في دكان عيسى فقيري، ولكننا نراه هو وأمه سكينة في طريقهما إلى مقر الشيخ الصوفي خليفة الشيخ أبوعاقلة بحثاً عن طمأنة أو نبوءة جديدة تنسخ القديمة.

    ولكن يظل الحال على ما هو عليه، فخليفة الشيخ غير موجود والمشهد بأكمله مختلف. فبدلا من المشهد الخارجي وجمهرة المريدين والدراويش والمجاذيب، نرى مكانا مغلقاً و”شيخا” لم يتعدَ منتصف العمر لا يجيب على سؤال مُزَمّل، ولكن يحاول إقناعه بالبقاء معهم مع إشارة إلى مثلية “الشيخ” ونضوج مُزَمّل الجسدي. ويثير هذا المشهد عدة تساؤلات، خصوصًا أنه لم يأت بأي مشهد آخر ينفي أو يؤيد؛ ولكن يبدو أنها إحدى الطرق أو الوسائل التي يدين بها “أبوالعلاء” الطرق الصوفية وممارساتها دون أن تكون الإدانة مكررة أو صريحة.

    ***

    ونعود إلى القرية، حيث يسيطر الفقر والبدائية على المشهد. ولكننا ننطلق من داخل دكان عيسى فقيري إلى مرحلة العامل الحفاز (Snyder 2005) Catalyst، ويرسل عيسى مُزَمّل إلى سليمان (محمود السراج) ليبدأ مُزَمّل رحلة جديدة في عالم سليمان المليء بكل ماهو جديد وغريب وعجيب. ونمر في منزل سليمان بمرحلة اللهو والمرح Fun and games مع فتح الغرفة المسحورة التي كانت عصيَّة على الفتح، والتي يحتفظ سليمان بكل ذكرياته فيها، ماكينة العرض السينمائي وصور الفنانين ونجاتيف الأفلام سينمائية.

    وتكمن مشكلة مُزَمّل في أنه لا يستطيع ترك عالمه الأول وراءه لينغمس تماماً في عالم سليمان، وطقس العبور هنا هو طقس غير مكتمل، وبالتالي سيستمر مُزَمّل في المراوحة بين عالمه القديم وعالمه الجديد الذي اكتسبه لدى سليمان.

    تعلم مُزَمّل الحساب وأشياء أخرى أكثر أهمية، تعلم كيف يعيش الآخرون الحياة، وأن الحياة أبعد من قريته وأمه وأبيه الغائب، أبعد من حفظ القرآن وتلاوته بقرائتين مختلفتين. حياة أبعد حتى من نعيمة، بطلة القصة الفرعية التي يظل فيها  مُزَمّل على الهامش إلى أن تختفي نعيمة ذاتها بحكم التقاليد وعجز مُزَمّل المرتبط بنبوءة الموت.

    حمور زيادة
    حمور زيادة

    يبتعد أبوالعلاء عن شخصية الحاج سليمان، في قصة حمور زيادة، السائق الذي كان يعمل في العاصمة في شركة الأسمدة وقد تغرَّب عن القرية أربعين سنة وعرف أمورًا لم يعرفوها. “فإن حدثهم هو عن مميزات السيارة الهليمان كابورليه، لم يميزوها عن اللوري الهوستن! ولم يعرفوا سيارة الأوستن موريس 1100 التي كان يفضلها المدير الإنجليزي، ويعدها أفضل السيارات. أما فنادق الجراند هوتيل وإكسلسيور، التي دخلها مع موظفي الشركة، فهي مجهولة لديهم كجهلهم بما وراء القمر” – (النوم عند قدمي الجبل ص27).

    ***

    ويرسم “أبوالعلاء” شخصية جديدة لسليمان فقط، بدون حاج، شخصية تتناص مع شخصيته بوصفه سينمائيًا وتتناص مع يوسف شاهين وأفلامه الذاتية، بل وتحمل الإحالات النصية التي نراها ممثلة في مشاهد فيلم باب الحديد لشاهين والفيلم السوداني الخرطوم.

    يقول أبوالعلاء في لقاء تليفزيوني: “إن مُزمل عكس طفولته في موضع آخر بالفيلم؛ حيث رأى أول شعاع لضوء بروجكتور يعرض أفلام سينمائية في السودان في منزل خاله القادم من السعودية، ولأن الأخير لم يستطع تشغيل الصوت، شعر أبوالعلاء بتماهي ما مع السينما الصامتة، لذا أصر على عرض مشاهد الفيلم المصري “باب الحديد” 1958 للمخرج المصري يوسف شاهين، أو مشاهد الفيلم السوداني “الخرطوم ” للمخرج السوداني جاد الله جبارة، دون صوت، مسترجعا أولى ذكريات  طفولته وهو يتعرف على السينما لأول مرة في حياته، لتتقاطع ذكريات و هواجس “أبوالعلاء ” و”المُزَمّل” في هذين المشهدين”.

    ويعود شريط الصوت ليلعب دوراً مهما في منزل سليمان بدءا من الراديو الذي يذيع أغنية عبد الوهاب “لأ مش أنا اللي أبكي”، لنلاحظ أننا في مرحلة منتصف الفيلم، وفيها يبدو البطل إما في أفضل حالاته وهي قمة زائفة، وإمّا في أقصى حالات الانهيار، وهو أيضا انهيار زائف، فالانهيار هنا نابع من الخسارة التامة، يخسر فيها مُزَمّل كل من سليمان بعد الجدال وطرد سليمان له من منزله، ويخسر نعيمة (بونا خالد) بخطبتها للطيب. وعلى الرغم من ذلك من المفترض أن تتحسن أحواله من الآن فصاعدا.

    ***

    يختم مُزَمّل القرآن في احتفال يحضره معظم أهل القرية، وبعدها يرى نفسه في حلم صامت كما لو كان المسيح يرقد على رجلي سكينة، شبيهة مريم، ووراءهما المبنى المخروطي الذي تنبأ عنده الشيخ الصوفي ودرويشه بموته في العشرين. إن تماهي مُزَمّل بالسيد المسيح يحمل مجموعة من الدلالات، أولها تأثره بالقصة القرآنية للسيد المسيح، وقد رتلها في مشهد من المشاهد، ورؤيته للظلم الذي حل بأمه سكينة بعد هروب الأب، وبالتالي رآها في صورة السيدة مريم العذراء التي فقدت ابنها في سن صغيرة، وكذلك في صورته عن نفسه بوصفه قريباً من الله بعد حفظه للقرآن كاملاً.

    يعود النور حسين أبو مُزَمّل لنعرف أننا قاربنا على نهاية العام التاسع عشر لمُزَمّل، ويبدأ الوالدان التحضير معًا لطقوس الوفاة والدفن، فتنتهي سكينة من حياكة الكفن وتهديه امرأة عجوز نبات الصندل الذي كانت قد ادخرته لنفسها، ولكن على حد قولها “أنت أولى”، وتدق مجموعة من نساء القرية الأعشاب في باحة المنزل استعداداً للتكفين. وعلى الجانب الآخر نرى بشكل مواز طقوس الشروع في زواج نعيمة من الطيب، أحد الصبية الذين دفنوا مُزَمّل حياً في الصندوق. وجدير بالذكر أن طقوس الموت/ الدفن والزواج تتشابه إلى حد كبير في عدد من الحضارات القديمة.

    تذهب سكينة بصحبة امرأة عجوز وأرنب صغير إلى طقس زار وسط مجموعة من النساء. وهنا تتداخل الطقوس وتتابع، الدفن، الزواج، الزار. ثم نرى رؤية لسكينة وهي ترى نفسها متشحة بالسواد يحيط بها مجموعة من الدراويش يرتدون الأبيض والطربوش الأحمر، وجوههم مستورة، وهي الوحيدة التي انكشف وجهها. تصور هذه اللقطة تماهيا من نوع آخر بين سكينة ومُزَمّل، فهي كما لو كانت قد ارتقت إلى السماء بديلا عن الابن.

    ***

    تتلاحق الأحداث، فيذهب النور وسكينة لاختيار قبر للمُزَمّل. مُزَمّل يحاول الانتحار غرقا بعد زواج نعيمة. يفيق مُزَمّل في مرحلة عودة الأشرار Bad Guys Close in، حيث نرى مشهد موكب الدراويش في النهر بعد موت سليمان ونرى الدرويش المتنبئ ينظر كما لو كان الموعد أزف. يتناص هذا المشهد بصريا مع مشاهد من أفلام المخرج اليوناني “ثيو أنجولوبوليس” خاصة ثلاثيته The Weeping Meadow.

    نعرف أن سليمان قد دفن في قبر مُزَمّل. وتقول سكينة عن مجيئي الدراويش: “يمكن شايلين البشارة والعفو”! يجبر مُزَمّل امرأة سليمان على ممارسة الجنس لإثبات رجولته، وحتى يكتسب رحمة الرحمن طبقاً لكلمات سليمان: “كيف يعيش للطاعة من لم يعرف المعصية؟ وكيف يأتي إنسان إلى ربه وليس معه معصية أو كبيرة؟ هذا تحقير لرحمة الله وعفوه. لا يجوز”.

    وإذا كان مشهد الافتتاح والختام لابد أن يكونا متضادين تماماً كالسالب والموجب، نستطيع أن نرى أن مُزَمّل لم يمت، وأنه في المشهد الختامي يجري وراء سيارة النقل التي تنقل القطن، ربما إلى منزل عروس تبدأ حياة جديدة وربما مُزَمّل يبدأ هو أيضا حياة جديدة وذلك على خلاف القصة التي تنتهي بالكلمات التالية:

    “ولسنوات كثيرة آتية، ستمر السيارات بقرب جبل الصحابة ويشير راكبوها إلى المقابر المتناثرة ويقولون:

    • هنا ينام مُزَمّل، الذي مات يوم أكمل عامه العشرين – (النوم عند قدمي الجبل ص57).

     

    يتواصل عرض فيلم «ستموت في العشرين» في سينما زاوية حتى الثلاثاء الأول من أكتوبر.

    اقرأ أيضا:

    جيمس بالدوين في ذكراه المئوية: إسرائيل تنفذ أعمال الغرب القذرة!

  • أيمن مكرم مخرج فيلم «بنقدر ظروفك»: الكوميديا أصبحت «مُعلبَة»!

    أيمن مكرم مخرج فيلم «بنقدر ظروفك»: الكوميديا أصبحت «مُعلبَة»!

    هل يصمد الحب أمام الظروف والتحديات المختلفة؟ قضية يسلط عليها الضوء المخرج أيمن مكرم في فيلمه الجديد «بنقدر ظروفك» والذي تدور أحداثه في إطار كوميدي سلس يؤكد فيه على أهمية تقدير الظروف المختلفة التي يمر بها الناس. الفيلم من بطولة الفنان أحمد الفيشاوي ونخبة من نجوم الفن أبرزهم: مي سليم، ونسرين طافش، وعارفة عبدالرسول، ومحمود حافظ، ومحمد محمود.

    مصير الكوميديا 

    في البداية تطرق مكرم للحديث عن «الكوميديا» بشكل عام، إذ يقول:”الكوميديا تحتاج إلى هدوء البال والتركيز، حتى لا تظهر المشاكل على الشاشة، ونحن في الوقت الراهن في أمس الحاجة إلى الكوميديا التي تجذب الجمهور وتمنحهم البهجة والضحك. فالكوميديا اليوم أصبحت مُعلبة كالعبوات المسوّقة على الأرفف، بحيث لا يكفي مجرد تقديم موقف كوميدي، بل يتطلب الأمر هدوءًا وتركيزًا من جميع أعضاء الفريق لإنجاح العمل”.

    وتابع: الكوميديا قد تكون أكثر صعوبة مقارنة بالأنواع الأخرى، فلا يوجد فيلم مرهق أو غير مرهق على سبيل المثال، ولكن جميع الأفلام تتطلب جهدا كبيرا من المخرجين والممثلين والفنيين والمهندسين. وأضاف، أن الضحك أصبح سلعة نادرة في هذه الأيام، وعلينا البحث عن كوميديا تشبه تلك التي أبهرتنا في الماضي ومازالت عالقة في أذهاننا حتى الآن، كوميديا لا تنتهي بنهاية العرض.

    أفيش فيلم بنقدر ظروك
    أفيش فيلم بنقدر ظروك

    وإلى جانب الكوميديا، هناك أنواع أخرى من السينما لا تقل أهمية، كالقصص الهادئة والرومانسية والأكشن. ففي القصة الهادئة، يمكن أن تكون هناك لمسات خفيفة تضفي عليها جمالاً، أما الأكشن فيتطلب تركيزًا شديدًا، والرومانسية تحتاج إلى الإحساس بكل تفاصيل الفيلم، بما في ذلك الموسيقى.

    أما عن تصنيف الممثل بأنه “كوميديان” فيشير مكرم إلى بعض الممثلين المشاهير مثل عمر الشريف ورشدي أباظة وصلاح ذوالفقار، قدموا أعمالا كوميدية وحققت نجاحا حينها رغم أنهم ليسوا ممثلين كوميديين في الأساس، بالإضافة أيضا إلى ممثلين محترفين وبرزوا في أدوار الكوميديا نجد منهم يوسف وهبي وعماد حمدي.

    بنقدر ظروفك

    تدور أحداث فيلم بنقدر ظروفك، في إطار كوميدي إذ يعيش حسن “أحمد الفيشاوي” وملك “مي سليم” في إحدى الحارات الفقيرة التي تعتمد على طبخ أرجل الدجاج، كما يتناول الفيلم قضية غلاء الأسعار والاحتكار وجشع التجار، وهل يصمد الحب أمام تلك التحديات؟

    وعن كواليس الفيلم وتحديات صناعة السينما يقول مكرم: “فيلم “بنقدر ظروفك” وُجِّه بالطريقة المعتادة من خلال المنتج، ولفت انتباهي اسم الفيلم لأن تقدير الظروف أصبح أمرًا ضروريًا لفهم الظروف المادية والعاطفية والنفسية للآخرين”.

    وأضاف: “ما حفزني أكثر هو أن الفيلم يحتوي على استعداد للكوميديا، وهو ما جذبني كثيرًا”. وعن الإعداد للفيلم قال إنها ترجع قبل حوالي 6 أو 7 أشهر. واستكمل: “بدأنا التحضير للفيلم، والذي تم إعداده في توقيت مناسب. وركزنا على العمل على النص، خاصة الجانب الكوميدي الذي يستغرق وقتًا في الكتابة وإعادة الكتابة للوصول إلى أفضل نص ممكن”. مؤكدا أن فريق العمل بذل جهدًا كبيرًا لإخراج الفيلم بالصورة المطلوبة، مشيرًا إلى أنه يأمل أن ينال إعجاب الجمهور.

    شائعات التريند

    يؤكد المخرج أيمن مكرم أن عملية تحضير الفيلم تمت بالطريقة المعتادة، من خلال معاينة الأماكن والتصوير بشكل منظم. مشيرا إلى أن التحضير للفيلم لم يشهد أي خلافات أو مشاكل خلال مرحلة التصوير. منوها بالتزام الممثلين بالجدول الزمني المحدد والاحترافية التي تميزهم، رغم وجود عدد كبير من الممثلين في العمل.

    يقول: “نتجنب الانخراط في الأخبار الكاذبة أو المبالغة في التفاصيل، مثل هذه الأخبار قد تكون مرتبطة بالتريند والانتشار السريع دون أساس واقعي. وفي حال حدوث أي مشاكل، فإننا نحرص على حلها دون أن تؤثر على سير التصوير أو تتسبب في تأخير العمل لأكثر من عشر دقائق”. وأكد مكرم أهمية الحفاظ على الوقت المخصص للراحة والاستجمام للفريق الفني والتقني. مشيرًا إلى أن هذا الأمر يُعد من الضروريات التي تساهم في إنجاح العمل وتحقيق الأهداف المرجوة.

    واستطرد حديثه: “من الصعب تجاهل مجهود مئات الأشخاص الذين يعملون على إنجاح أي عمل فني”. وعلق على الشائعات التي طالت الفيلم، بأنه قام أحد الأشخاص باختلاس صورة وتداولها على نطاق واسع رغم وجود العشرات من العاملين في هذا الفيلم.

    وتابع: “هذا الأمر يستدعي التساؤل حول ما الذي حدث بالضبط وما هي الفروقات بين نقد العمل الفني وأداء الأفراد العاملين فيه. والذين قد يشعرون بصعوبة تجاهل مجهوداتهم، في رأيي الأجدر هو التركيز على كيفية دفع السينما إلى الأمام”.

    السينما ومنصات المشاهدة

    يركز مكرم على أهمية السينما واستمرار تقديم الأعمال السينمائية، رغم الاتجاه الجديد نحو صنع مسلسلات قصيرة يتم بثها على منصات إلكترونية. فيقول: “المسلسلات القصيرة والمنصات الإلكترونية أحدثت تغييرًا في عادات المشاهدة السينمائية. والكثير من الناس يفضلون متابعة قصة كاملة. ومع ذلك، لا أعتقد أن هذا يعني أن السينما قد فقدت أهميتها أو علاقتها بالجمهور. فالسينما لا تزال تقدم تجربة مشاهدة فريدة لا يمكن تكرارها في المنزل. فالبيئة الاحترافية للسينما، مع شاشة عرض كبيرة والصوت المحيطي، تضيف بعدًا متميزًا للتجربة السينمائية”.

    وتابع: “أعتقد أن كلا الوسيطين – السينما والمنصات الرقمية – لهما مكانتهما وجمهورهما الخاص. والأهم هو أن يستمر الإنتاج السينمائي المتميز، سواء للعرض في دور السينما أو على المنصات المختلفة، بما يلبي احتياجات المشاهدين وأذواقهم المتنوعة”.

    أحمد الفيشاوي

    يعتبر مكرم الفنان “الفيشاوي” ممثل موهوب وموهبته تستحق الاهتمام والتقدير. إذ يقول: “في الحقيقة، ليس لدينا في مصر الكثير من النجوم ذوي المواصفات العالمية. أي الممثلين القادرين على تقديم أداء متميز داخل مصر وخارجها”. وعلى حد قوله ما يحدد ما إذا كان الممثل كوميديا أو دراميا أو بطلا خارقا هو النص المكتوب بكفاءة واحترافية. فإذا تم إعداد نص مميز، فإننا نستطيع أن نحقق المعادلة التي تجعل أي ممثل قادرًا على تقديم أداء كوميدي مبهر.

    وفي هذا السياق، أشار إلى تجربة فؤاد المهندس الذي قدم أفلامًا على طريقة الغرب الأمريكاني. والتي أثبتت أن السينما المصرية قادرة على تقديم كل أنواع الأفلام بشرط وجود إدارة صحيحة وميزانية مناسبة. وإتقان اللغات الأجنبية، قد يكون نقطة ضعف لدى بعض النجوم المصريين المتميزين مثل محمود المليجي. ولكن الإمكانيات العالمية لا تقتصر فقط على التمثيل. بل تشمل أيضًا القدرة على التعامل مع اللغات والثقافات الأخرى. وهذا ما ينقص بعض نجوم السينما المصرية. حيث إن هناك كمية كبيرة منهم ولكن ليس بالضرورة لديهم مؤهلات عالمية في هذا الجانب.

    ومن إيجابيات السينما المصرية أن هناك أجيالا من مديري التصوير والمخرجين والكتاب، وأيضًا معهد السينما الذي ينتج عددًا لا بأس به من الكوادر الفنية المتميزة. وهذا ما يخلق زخمًا ملحوظًا، خاصة في مجال الأفلام القصيرة والتسجيلية التي تحصد الجوائز على المستوى الدولي.

    صعوبات وتحديات

    تواجه السينما العديد من التحديات، تحدث عنها المخرج أيمن مكرم. وقال: “هناك العديد من التحديات المؤسسية والقانونية التي تعيق حركة وتطور هذه الصناعة الهامة. من بين هذه التحديات، التعامل مع السينما كأمر ثانوي في بعض الأحيان. مما يخلق صعوبات في الحصول على التصاريح اللازمة للتصوير في الشوارع والأماكن العامة. وهذا يمثل عائقًا كبيرًا أمام صناع الأفلام الراغبين في تصوير مشاهدهم في بيئات حقيقية ومتنوعة”.

    بالإضافة إلى ذلك، هناك بعض القيود والقوانين التي قد تخنق الأفكار السينمائية قبل أن ترى النور. وهذا يتطلب مراجعة هذه القوانين وتحسين بيئة الإنتاج السينمائي، حتى يتمكن صناع الأفلام من التعبير عن رؤاهم الإبداعية بحرية أكبر.

    واختتم حديثه: “أعتقد أن هذه التحديات ليست مستحيلة التغلب عليها. فإذا تم تبني مقاربة أكثر تشجيعًا وداعمة للسينما المصرية من قبل المؤسسات المعنية. وإذا استطاع صناع الأفلام مقاومة هذه الصعوبات بإصرار وإبداع، فإن السينما ستظل قادرة على تقديم أعمال فنية متميزة”.

    اقرأ أيضا:

    المخرج أيمن مكرم: «السوشيال ميديا» سوق سوداء تغتال الفن

  • القرافة في السينما.. واقعية لم تستغل السحرية

    القرافة في السينما.. واقعية لم تستغل السحرية

    وسط شواهد القبور وموسيقى جنائزية مهيبة يشدو موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب بكلمات أحمد رامي “أيها الراقدون تحت التراب..  جئت أبكي على هوى الأحباب”. تصوير الأغنية تم في أحد أحواش جبانات القاهرة ختاما لفيلم (دموع الحب) 1935، يتم توظيف شواهد القبور في البناء الدرامي للبطل الذي فقد حبيبته فذهب يناجي الأموات وسط قبورهم، ليقدم لنا المخرج محمد كريم واحدا من أكثر المشاهد المبتكرة التي توظف جبانات القاهرة في عمل سينمائي، ليبدأ بعدها استخدام الجبانات بأشكال مختلفة في الأعمال السينمائية، لينتج في النهاية ما يمكن وصفه بالقرافة السينمائية.

    إذا كان الشعر ديوان العرب قديما، فالسينما هي ديوان الحياة المعاصرة. التفاصيل التي تلتقطها الكاميرا وتدمجها في العمل السينمائي، تكتسب معنى آخر وحياة أخرى. شيء من هذا عرفته جبانات القاهرة، التي دخلت عالم السينما المصرية منذ زمن طويل، وعرفت أدوار البطولة والكومبارس على حد سواء، عاشت الجبانات حياة أخرى غير حياتها التاريخية، حياة يمتزج فيها البشر بالحجر، كان الحضور في الكثير من الأحيان خجولا، لكنه في أحيان أخرى يتصدر الأفيش ويصنع الحدث وعقدة العمل السينمائي، فخلال تاريخ السينما المصرية الطويل، حضرت الجبانات القاهرية بأشكال وصيغ مختلفة يقوم فيها المخرجون بعملية تخيل وتوظيف للجبانات في أعمالهم السينمائية، هنا نطل سريعا على بعض أدوات توظيف السينما للجبانات.

    ***

    في فيلم (لا وقت للحب) إنتاج 1963، بعد أن ضاقت السبل بالبطل حمزة (رشدي أباظة)، لا يجد مكانا يختبئ فيه إلا ترب باب الوزير. ويطلب من أحد العاملين في الجبانة مكانا يسكن فيه ويختفي عن الأنظار، عم إسماعيل يقترح على البطل وحبيبته التي يتم تقديمها في صورة الزوجة، أن يذهبا إلى “في أي حوش من الأحواش اللي الجبانة دي”، ليقرر إسماعيل أبو دومة أن يفتح لهما قبة أفندينا، هنا نجد أن الفيلم لا يهتم بجغرافية جبانات القاهرة فقبة أفندينا تقع في ترب المجاورين لا ترب باب الوزير كما يوحي سياق الفيلم.

    ميزة فيلم (لا وقت للحب)، أنه يقدم لنا صورة حية وتسجيلية عن قبة أفندينا ومنطقة المدخل قبل سنوات من اقتحام طريق الأوتوستراد لخلوة الجبانة ويشق طريقه في قلب الجبانات غير بعيد عن قبة أفندينا، ويظهر بوضوح ضريح الخديو توفيق، ولا يخلو حضور ضريح الخديو من لمز، إذ يدور الفيلم في أجواء مقاومة الاحتلال البريطاني، فلا يضر أن يذكر البطل بأن الخديو توفيق هو من جلب الاحتلال لمصر.

    المفارقة أن التخطيط لمواجهة الإنجليز تتم والبطل مستندا إلى ضريح الخديو! لا ننسى طبعا أن الفيلم أنتج في عز المد الناصري، لذا لم يكن غريبا أن يأكل البطل الإفطار الذي تجلبه له حبيبته (فاتن حمامة) على قبر الخديو، لقد وظف المخرج صلاح أبو سيف رمزية ضريح الخديو توفيق المتعاون مع الإنجليز لخلق لحظة مفارقة إذ تؤسس فوقه حركة مقاومة الاحتلال، أنه الماضي الذي يطويه الحاضر الذي يصنعه الأبطال المصريون، كانت الجبانة هي المكان الذي وظفت فيه الرؤية حيث يرقص الوطنيون على ضريح الخديو الخائن.

    ***

    وإذا كان فيلم (لا وقت للحب) قد جسد أحد تجليات الخطاب الناصري ورمزيته في الجبانات، فإن فيلم (أنا لا أكذب ولكني أتجمل) 1981، يقدم تجسيدا حيا لفشل الخطاب الناصري في خلق مجتمع المساواة والعدالة الاجتماعية، وذلك عبر استدعاء عالم الجبانات مرة أخرى، لكن بصورة مغايرة، فالبطل إبراهيم صالح (أحمد زكي)، من أبناء المهمشين الذين يسكنون الجبانات، ويحاول إخفاء أصوله الاجتماعية في رحلة تفوقه الجامعي، والذي يعمل والده كحارس لمقبرة، ويحاول أن يكافح هو وأسرته لضمان حياة كريمة بعدما صدق شعارات ثورة يوليو حول تحقيق العدالة الاجتماعية، ويقع في حب زميلته في الجامعة خيرية ابنة الأستاذ الجامعي، وتبادله هي نفس المشاعر.

    أحمد زكى في «أنا لا أكذب ولكنى أتجمل»
    أحمد زكى في «أنا لا أكذب ولكنى أتجمل»

    الأزمة أن الشاب المكافح المتفوق دراسيا يفشل في محاربة تقاليد وعادات المجتمع فيحاول إخفاء أصله ووضعه الاجتماعي، كمحاولة للتجمل أمام حبيبته لكن الانتماء لسكنى المقابر يقضي على علاقتهما سريعا، وهنا يلفت إحسان عبد القدوس كاتب القصة والمخرج إبراهيم الشقنقيري النظر إلى ظاهرة سكنى المقابر، ونظرة المجتمع لساكني المقابر، إذ يحمل الفيلم نقدا مريرا لنظرة المجتمع الذي ينظر إلى أهالي المقابر باعتبارهم أقل درجات السلم الاجتماعي، تتحول الجبانات هنا بطل الفيلم الرئيس فظهورها لأول مرة في الفيلم يغير مجرى أحداثه، لذا المشاهد المصورة داخل المقابر هي الأكثر واقعية.

    ***

    انتقل الاهتمام السينمائي بالقرافة إلى خانة معالجة أزمة السكن التي خيمت على فترة الثمانينات لذا نجد أكثر من فيلم يعالج هذه المشكلة عبر انتقال العديد من الأسر لسكنى أحواش الجبانة، في ظاهرة عرفتها مصر جيدا خلال هذه الفترة، كما هو واضح في فيلم (الشقة من حق الزوجة) 1985، إذ يقرر الزوج سمير (محمود عبد العزيز) مغادرة شقته بعد الطلاق من زوجته كريمة، والذهاب لسكنى المقابر، وهو ما يتكرر في فيلم (كراكون في الشارع) 1986، فأسرة بطل الفيلم تدخل في مغامرات البحث عن شقة بعد انهيار منزلهم، وفي إحدى المحطات يسكنون أحد أحواش المقابر، هنا تحضر المقابر في الخلفية لا اهتمام حقيقي بها إلا بكونها مكان يهرب إليه الإنسان فعليا وعلى مستوى رمزي.

    أزمة السكن يعالجها فيلم (مدافن مفروشة للإيجار) 1986، وإن كان بتركيز أعلى على الجبانات التي يتم التصوير في أحد أحواشها بشكل واقعي، إذ تدور الأحداث حول أسرة تفقد مسكنها ولا تجد بديلا إلا سكنى المقابر، وهناك يعرفون واقعا جديدا وغريبا عن حياتهم السابقة، وتجسد هذه النوعية من الأفلام واقع إعادة استخدام الأحواش بجبانات القاهرة كمنازل في ظاهرة ترسخت بقوة منذ سبعينيات القرن العشرين، وهي الظاهرة التي رصدها علميا الدكتور محمود محمد جاد، في كتابه (سكنى المقابر في عاصمة مصر- نظرة عبر العصور).

    ***

    تطورت الرؤية التي تنظر إلى الجبانات كمركز لنشاط سكاني، إلى نظرة ترى الجبانات كمركز للعشوائيات والخارجين عن القانون وتجار المخدرات كما يظهر بوضوح في فيلم (إبراهيم الأبيض) 2009، الذي يفترض أن أحداثه تجري في منطقة الأباجية وهي منطقة مقابر بالأساس. لكن المخرج مروان حامد، يقرر أن يبني الأباجية كما يستطيع أن يتخيلها ويتلاعب بها لكي تخدم تصوره الدرامي، لذا بنى ما يشبه الحي المشابه للأباجية الأصلية. ما يهمنا هنا أن المقابر كانت حاضرة بشحوب وبلا أي تجليات، أشبه ما تكون كومبارس صامت يكثف حضور الموت الذي يغلف أحداث الفيلم، هنا تغيب الحقيقة وتنتحي جانبا لصالح عملية التخيل الإبداعي.

    حضور الموت المرتبط بالقرافة يعكسه بوضوح فيلم (السقا مات) للمخرج صلاح أبو سيف وإنتاج 1977، في هذه الفيلم نلتقي بحضور مكثف للموت المرتبط بشخصية شحاتة أفندي (فريد شوقي)، الذي يمثل عبثية العلاقة بين الحياة والموت والذي يعمل كصبي حانوتي، وشخصية شوشة السقا (عزت العلايلي)، الذي يخشى الموت منذ أن اختطف زوجته، ومن خلال وظيفة الأول تحضر مشاهد القرافة على استحياء وربما يكون المشهد الأبرز خلال عملية دفن شحاتة أفندي نفسه، حيث أجريت مشاهد الدفن بشكل يعكس التقاليد الشعبية لمدينة القاهرة في دفن الموتى.

    ***

    استخدام آخر للقرافة اقتصر على كونها مهرب وملجأ كما فعل سعيد مهران (شكري سرحان) في فيلم (اللص والكلاب) 1962، إذ لم يجد أفضل من القرافة ليتوارى فيها عن أعين الشرطة. وفي أحد مشاهد الفيلم يطل من شباك منزل حبيبته نور (شادية)، على ترب الغفير ويطل في خلفية المشهد خانقاه فرج بن برقوق في قلب صحراء المماليك. وعلى العكس نجد القرافة كمكان للبحث عن الخلوة كما في فيلم (أصدقاء الشيطان) 1988، للمخرج أحمد ياسين، وهو عن قصة جلال صاحب الجلالة من ملحمة (الحرافيش) لنجيب محفوظ.  في ذلك الفيلم نجد البطل جلال (نور الشريف) يبحث عن مجد القوة عبر الخلوة في دنيا القرافة باعتباره الحيز الذي يسمح باستقبال هذا النوع من الانفصال عن حركة البشر. يظهر في الفيلم مشهد من أعلى لتربة سيدي جلال ثم تنتقل الكاميرا لمشاهد في ترب الأباجية.

    نلاحظ من خلال استعراض النماذج السابقة أن استدعاء القرافة في الأعمال السينمائية كان محصورا بالتوظيف الواقعي. فمعظم الأفلام ركزت بالأساس على الجبانات كمكان مكتظ بالبشر بسبب أزمة السكن التي عرفتها القاهرة لعدة عقود وصعدت إلى السطح بكثافة في عقد الثمانينات من القرن الماضي. لذا غلب الاستخدام الواقعي المرتبط بواقع الناس في المدينة على استدعاء جبانات القاهرة سينمائيا، وهو ما غيب التنوع الهائل الذي تعرفه الجبانات، التي ظهرت في الأفلام كمكان يبرز التناقض بين عوالم الأحياء والأموات فقط.

    العوالم التي تضمها القرافة كفيلة لإنتاج أعمال سينمائية قائمة بذاتها. تجمع بين سحر الموروث الشعبي والقصص المدهشة التي تضمها الجبانات لخلق عالم سينمائي بمفردات شديدة العذوبة والفرادة، معبرة عن الواقع المصري بلمحة غرائبية، فما قدم عن جبانات القاهرة سينمائيا لا يزال محدودا جدا ولا يتناسب مع حجم التنوع الذي تعرفه هذه الجبانات، والتي تستطيع أن تدلف بنا إلى عوالم الواقعية السحرية بصورة تنتج مرادفات بصرية على الشاشة الفضية تعيد اكتشاف ما في جبانات القاهرة من كنوز منسية، فلا تزال الجبانات المهددة الآن بالمحو تقف صامتة تنتظر من يكتشف كنوزها سينمائيا.

    اقرا أيضا:

    ألغاز القرافة.. حساب الجُمّل فن منسي

    بساتين القرافة.. ثروة خضراء مهددة

    بطن القرافة.. مشاهدات خيري شلبي في الجبانة

    قبل الكارثة.. جرد أولى لـ مقابر القاهرة التراثية المهددة

    «حوائط القرافة».. خبايا تاريخية تنتظر التنقيب

    هشاشة القرافة.. لعنة التاريخ ورسائل الحكومة

    أسفار الجبانة.. شهادات تاريخية تدين المحو الحكومي

    الخطوط الذهبية.. روائع القرافة المنسية

    الباب السحري.. القرافة مفتاح كتابة تاريخ مصر

    جبانات القاهرة.. متحف مفتوح للعمارة المصرية

  • السينما المصرية والعالمية (3): معادلة الإنتاج السائد.. وفقا لـ«بيت الروبي»

    السينما المصرية والعالمية (3): معادلة الإنتاج السائد.. وفقا لـ«بيت الروبي»

    ها نحن، مرة أخرى، أمام فيلم توفرت له كل الإمكانيات التي تصنع أفلاما جيدة: إنتاج ضخم، نجوم كبار، صف أول وثان وثالث، مخرج متمكن، حقق نجاحات كبيرة في الدراما التليفزيونية والسينما. ولكن النتيجة الإجمالية: لا شئ!

    المواصفات القياسية

    كنت قد ختمت مقالي السابق عند معادلات الإنتاج التي تحكم السوق المصري سواء بالنسبة لسينما “التيار السائد” mainstream، التجارية، المصنعة من أجل استهلاك دور العرض العام. أو ما نطلق عليه السينما المستقلة، الفنية، المصنعة من أجل المشاركة في المهرجانات وأسواق التوزيع الصغيرة محليا ودوليا.

    بالنسبة للموديل الأول، فإن فيلم «بيت الروبي»، الأضخم من بين أفلام عيد الأضحى الحالي، هو نموذج مثالي للدراسة.

    الفيلم من إخراج بيتر ميمي، عن سيناريو لشابين هما محمد الدباح وريم القماش (اسمان طريفان لكاتبا سيناريو!)، وبطولة نخبة من ألمع نجوم الدراما والكوميديا: كريم عبدالعزيز، كريم محمود عبدالعزيز، نور، محمد عبدالرحمن، تارا عماد، شريف دسوقي، حاتم صلاح، محمود السيسي، مصطفى أبوسريع، طه الدسوقي، ومعهم المذيعة منى الشاذلي، تلعب دور منى الشاذلي المذيعة. والفيلم من إنتاج سينرجي، كبرى شركات الإنتاج المصرية حاليا. طيب ما هي فكرة الفيلم وهدف وجوده؟ مع ملاحظة أن الفكرة وهدف الوجود يختلفان عن القصة والحبكة.

    عائلة خاصة جدا

    بالنسبة للقصة فهي تدور حول أسرة سعيدة تقيم في أحد منتجعات البحر الأحمر النائية عن العاصمة. تتكون من الأب إبراهيم الروبي (كريم عبدالعزيز) والزوجة إيمان الروبي (نور) التي تحمل اسم عائلة زوجها مثل الأوربيين. لسبب ما، هو التأكيد على قوة اسم الروبي وعائلة الروبي، كما سيتضح بعد قليل. ومعهما ابنتهما شمس وابنهما شريف.

    بعد قليل من المشاهد العائلية السعيدة يتبين أن إبراهيم كان أستاذا بالجامعة، وأن الزوجة كانت طبيبة، وأن الأسرة جاءت إلى هذا المكان هربا من مشكلة ما، حدثت للزوجة. فقد اتهمت (ظلما) بالتسبب في وفاة مريض (شئ يحدث للأطباء في مصر يوميا، ولم نسمع عن هروب أحد منهم!). ولكن يبدو أن السوشيال ميديا التي حولت الحادث إلى “تريند” وفضيحة هو السبب.

    هذا هو العالم العادي الذي يعيش فيه الأبطال، والذي يختل توازنه بوصول إيهاب (محمود كريم عبدالعزيز) شقيق إبراهيم الروبي، وعروسه الحبلى بهيرة (تارا عماد). وسبب الزيارة أن إيهاب يحتاج إلى أخيه في القاهرة لانهاء بعض الأوراق الخاصة بالميراث، والتي تعوق عمله في محل “الكوافير” الناجح الذي يديره. ومن خلال الحوار الكوميدي الطريف بين إبراهيم وإيهاب. حيث يتبادلان القاء “الإيفيهات” من كل نوع، يتبين أن عائلة الروبي هذه “مميزة جدا”، لماذا، لأن أبيهما، رحمه الله، كان لديه يدان وساقان تسبقان مخه في العصبية والمشاجرات. مما يبرر بعد قليل، العصبية والمشاجرات التي يدخل فيها الابنان.. ورغم أن الفيلم يلح على خصوصية عائلة الروبي هذه. إلا أننا لانرى أمارة أخرى على ذلك، باستثناء العصبية والاندفاع في المشاجرات.

    ***

    رغم انزعاج إبراهيم من العودة للقاهرة، إلا أنه يعود، مصطحبا الأسرة كلها، في مهمة يفترض ألا تتجاوز يوم أو اثنين. ولكن كما هو متوقع تمتد الزيارة أياما تحدث فيها أشياء كثيرة، منها أن الزوجة تتلقى دعوة للعودة إلى عملها كطبيبة (فالناس تنسى كل شئ بعد فترة، كما تخبرها مديرة المستشفى)، ومنها أن إبراهيم، يتحول إلى نجم على مواقع السوشيال ميديا، التيك توك والانستجرام وخلافه، وذلك عندما يلقي ببعض الكلمات الغاضبة التي يقوم بتصويرها وبثها أحدهم. وبين ليلة وضحاها يتحول إبراهيم إلى نجم أكثر شهرة من كريم عبد العزيز شخصيا!

    هل نفهم من ذلك أن الموضوع الرئيسي للفيلم هو “خصوصية” عائلة الروبي أم ما تفعله السوشيال ميديا بحياتنا؟ بمعنى آخر: هل الفيلم يدور حول أبطال غير عاديين يواجهون مواقفا عادية؟ أم حول أبطال عاديين يواجهون مواقفا غير عادية؟

    تتأرجح البوصلة بين المنظورين. والسبب هو معادلات الإنتاج التي تحكم السوق، والتي قد يعتقد المشاهد أن لا دخل لها بموضوع وقصة وشخصيات الفيلم.

    النموذج المطلوب

    يمثل كل من إبراهيم وأخيه النموذج الذكري المطلوب في السينما الآن:

    فحولة، تبينها إيفيهات الشقيقين التي لا تتوقف حول نشاطهما الجنسي وتعليقاتهما التي لا تتوقف حول كل إمرأة تظهر في الفيلم تقريبا.

    خفة دم وقدرة هائلة على توليد الكوميديا والإيفيه في أي موقف..خاصة الإيفيهات الجنسية سابقة الذكر. يضاف إليها هنا حفلة من الإيفيهات غليظة الذوق حول عجوزين يتزوجان في المنتجع، وحول كبار السن بشكل عام.

    قوة بدنية وميل إلى استخدام الجسد لحل النزاعات، فهما دوما إما معرضان للعنف، أو يستخدمانه.

    وأخيرا، اعتزاز وعزة وتميز عن بقية البشر (الموجودين في الفيلم على الأقل): “أهم حاجة ما ننساش إحنا مين، ومين عيلة الروبي”. كما يختم الدكتور إبراهيم رحلته، والهدف المعنوي منها.

    مشهد من الفيلم
    مشهد من الفيلم
    مقادير الوصفة

    تصنع الأفلام، وفقا لمعادلات الإنتاج في السينما السائدة، لكي تستقطب الجمهور بالتوابل المعتادة: الجنس (حتى لو أصبح مجرد إيفيهات لفظية)، الأكشن، والكوميديا، وهذه هي الخلطة التي لا تتغير للسينما التجارية. ولكن وفقا لمعادلة الشركات شبه الرسمية، الكبيرة، فلابد من إضافة بعض التوابل “الوطنية”، من نوعية الاعتزاز والتميز والخصوصية. وتحت كل هذه الطبقات يمكن أن تعثر على موضوع الفيلم، الذي كان، غالبا، المكون الأساسي لنسخة السيناريو الأولى، وهو تأثير وجنون السوشيال ميديا.

    ولكن عندما تنحي طبقات التوابل والكريمة التي تغطي الفيلم، لن تجد تقريبا سوى عنوان هذا الموضوع، فلا قصة وحبكة مقنعين، ولا معالجة جادة تدخل وجدان المشاهد، وتؤثر فيه، أو تضيف إلى ما يعرفه عن السوشيال ميديا.

    في معادلات الإنتاج السائد، تسود فكرة “المقادير”: مقدار من الكوميديا (ذات التوجه الذكوري، العنصري، غالبا)، مقدار من الأكشن (يؤكد التوجه الذكوري)، مقدار من التوجيه المعنوي الأخلاقي أو الوطني أو الاجتماعي أو التنموي/ بشري، أو كلهم معا. وفي معظم الأحيان تضيع فكرة الفيلم وهدف وجوده، إذا افترضنا أن مؤلفه كان لديه فكرة، أو هدف حقا.

    اقرا أيضا:

    بين «كيرة والجن».. و«النمس والجن»

    في السينما والدراما.. تعددت الأسباب والخيبة واحدة!

  • علاء خالد يحاور داود عبدالسيد: الحياةُ في النهاية رحلةٌ، بشكلٍ ما، حزينة

    علاء خالد يحاور داود عبدالسيد: الحياةُ في النهاية رحلةٌ، بشكلٍ ما، حزينة

    يصدر قريبا للشاعر والروائي علاء خالد كتابه الجديد «داود عبدالسيد: سينما الهموم الشخصية» (دار المرايا). في الكتاب يقدم صاحب «ألم خفيف كريشة طائر تتنقل بهدوء من مكان لآخر» قراءة شخصية في مشروع داود السينمائي. يكتب علاء: «اعتقد أنني كنت قارئًا محايدًا لهذا النص السينمائي، الذي يمثله داود، والبحث عن طرق حضوره داخل الثقافة الشخصية والثقافة العامة. احتفظت في قراءتي، بالعلاقة التحليلية، ولكن دون إغفال هذه الوحدة المقدسة بين القارئ والنص، واستبطان معانيه ودلالاته، وسمحت لنفسي برصد كل الذبذبات المنتجة منها بدون البحث عن تأويل أو تنظير من خارجها، لذا أسميها “قراءة شخصية”.

    يتضمن الكتاب حوارا مطولا بين علاء وداود، حرره الكاتب من حوارات عديدة جرت بينهما على مدى عشرين عاما. تحمل الحوارات وجهة نظر عبدالسيد في أعماله، كما حرص الكاتب على عمل حوار مع فريق العمل الذي أصبح جزءًا من تجربة داود في السينما، والمكوَّن من مهندس المناظر أنسي أبوسيف، زميل دراسة داود في معهد السينما، والموسيقار راجح داود، حول تجربتهما مع سينما داود، ورأيهما في أعماله. ننشر هنا مقاطع من الحوار الهام حول تجربة صاحب «الكيت كات».

    حدثني عن نشأتك؟

    نشأت وسط أسرة عادية من الطبقة المتوسطة. الأب كان يعمل موظفًا في أحد البنوك، والأم تعمل بالتدريس. لم تكن لديَّ أي مخاوف في طفولتي لأني كنت مؤمَّنًا بشكل دائم. كنت أعيش في وسط اجتماعي أقرب إلى الوفرة، لذا لم تكن لي حاجات مؤجلة لظروف مادية. حتى الهوايات كانت الأسرة تؤمنها، وهي هوايات مكلفة، مثل القراءة والسينما والتصوير الفوتوغرافي.

    ولكني بدأت أشعر بالقلق بشكل حقيقي بعد وفاة أبي. عندها لم أكن قادرًا على العيش بدخلي من الوظيفة. لم تكن لديَّ مصاريف ضخمة، لذا لم أشعر أبدًا بالاحتياج. لا أقصد أنني كنت مدللًا، لأنىي طوال عمري كنت رافضًا لفكرة التدليل. كنت أملك قدرًا من التقشف لا أعرف مصدره. مثلًا لم أكن أهتم بأناقة ملابسي. واحتياجاتي اليومية كانت بسيطة جدًّا، يكفي أن أؤمن مصاريف الشاي والقهوة والسجائر.

    كنت طفلًا منطويًا، ليس لي إخوة أو أي علاقات اجتماعية بالأصدقاء، إلا في حدود المدرسة والعائلة. لم يتوفر لي حينها الاحتكاك بالطبقات الشعبية أو الأرستقراطية. لذا أعتبر نفسي نموذجًا جيدًا لابن الطبقة المتوسطة، والذي من المفترض أن تكون تجربته محدودة في الحياة، ولكني الآن بالتأكيد غير هذا الافتراض.

    ولكن متى بدأ الوعي يخرج من قوقعة البيت وينشئ عالمه الخاص؟

    التشكيل الحقيقي لوعيي تم بعد دخولي معهد السينما، مع الأصدقاء وشقاوة الشباب في الحب والعلاقات. قبلها لم يكن عندي أي علاقات. أيضًا بعد التخرج من المعهد بدأت العمل في السينما التسجيلية. وقتها كنت شابًّا عنده عطش وجوعٌا للمجتمع الذي حوله. كان عندي فضول ورغبة في الانفتاح على العالم المحيط. كنت أحس دائمًا بأني قادر على الكتابة والتعبير عن الطبقات الشعبية. إحساس لا أعرف مصدره، ربما يكون قائمًا على الملاحظة المستمرة لحياتهم.

    ربما توجد حقيقة وراء هذا الإحساس؛ وهو أنك في النهاية عندما تتعرف على الإنسان الذي أمامك بشكل حقيقي، عندها ستكون قادرًا على الكتابة عنه. وأن معرفتك الحقيقية للبشر يمكنك أن تخضعها لبيئات ولطبقات مختلفة، ويمكن أن تكون صادقًا إلى حد ما في درجة التعبير عنها. أجد من الصعوبة على أي كاتب، خصوصًا لو كان إنتاجه غزيرًا وجيدًا؛ أن يكون قد قابل كل النماذج التي يحكي عنها، ولكن من خلال خبرات قليلة، ولكن حقيقية، يكون باستطاعته تشكيل عوالم أكثر اتساعًا.

    غلاف الكتاب
    غلاف الكتاب
    والدعوة إلى التحرر المنتشرة في أفلامك هل مصدرها كونك ابن طبقة متوسطة؟

    بدايةً، فكرة التحرر ترجع إلى فكرة التمرد الطبيعي لأي شاب. عندما يتمرد على كل شيء، ويناقش كل شيء يبدو بديهيًّا في العالم والقيم المحيطة. بدأ معي التحرر هكذا: الفرق بين العيب والحلال والحرام والصح والخطأ. في النهاية على مستواي الشخصي، لا أدين بالأخلاق، ولكني مؤمن بأهميتها. أقيد نفسي بمجموعة من القيم الأخلاقية، ولكن في الكتابات التي أقرؤها لا أتخذها معيارًا، ربما أكون ضد الأخلاق بمعنى immoral وليس unmoral أنا مع هذا النوع من الأخلاق الذي يتجاوز مجرد الأوامر والنواهي. أخلاق إنسانية تقوم على مبدأ عند ممارستها “هل أنت تفيد أم تضر”. أخلاق تتعاطف مع كل إنسان، ومع كل نفس بشرية. أن تكون عونًا للبشر بدلًا من أن تدينهم وتحكم عليهم.

    أنا ضد المفهوم الضيق للأخلاق، مثلًا أي قيمة دينية مثل “المغفرة” معناها أن الله يغفر لنا وبالتالي علينا أن نغفر للآخرين. عندما نطبق هذا المبدأ فمعناه أنك ستحاول أن تفهم الآخرين لكي تستطيع أن تجد لهم العذر وتغفر لهم. ولو بدأت في فهم الآخرين، فهذا معناه أنك بدأت تكون إنسانًا كما أتصور لمفهوم الإنسان. وعندها ستكون قادرًا على أن تغفر لهم نتيجة لهذا الفهم، وليس نتيجة لأمر ديني. أنا ضد الأخلاق السلطوية التي تتحول إلى سوط أو وسيلة لتعذيب البشر والحكم عليهم.

    هل هناك تداخل، في توصيفك، بين الأخلاق الدينية وأخلاق الطبقة المتوسطة؟

    أنا لم أُعِد النظر في الأخلاق الدينية التي نشأت معي، وإنما في أخلاقيات الطبقة المتوسطة لأنها أقسى الأخلاقيات، كونها طبقة محافظة تحب الوضوح بين الصواب والخطأ، وتحب أن تكون دائمًا على صواب وتخشى من الخطأ. لحسن الحظ كان بيتنا خاليًا من أي تعصب، أو تزمت ديني. لقد تعلمت على يد عمي وكان شخصًا مستنيرًا له قدرة على تحليل كل الأشياء. أنا لست ثائرًا على قيم متزمتة لأني لم أعشها في طفولتي، ولكن التمرد صاحبني كمرحلة من مراحل العمر، وهى مرحلة الشباب، ولكنه استمر معي، ويبدو أنه كان لعبة محببة لي أكثر مما يجب.

    لذا حلمك في أفلامك هو الحلم الرومانسي لمقهوري وضحايا الطبقة المتوسطة؟

    أنا كده. أنا ابن طبقة متوسطة، هذا تكويني، لا أقدر أن انتمي إلى أي طبقة أخرى، ولست محتاجًا إلى استعارة هموم طبقة أخرى. بالتأكيد الطبقات الأخرى تهمني، ولكنى لا أملك القدرة على التعبير عنها. أختلف معك، ليست القضية في أفلامي هي حلم هذه الطبقة، ربما فيلم “البحث عن سيد مرزوق” ما ينطبق عليه هذا الحلم. ولكني أعبر عن هموم شخصية. ليس دائمًا الهم الشخصي هو هَم الطبقة المتوسطة. مثلًا فيلما “أرض الخوف” و”مواطن ومخبر وحرامي” ليس لهما مدخل طبقي. في فيلم “سارق الفرح” تكلمت عن المهمشين، ولكن التناول كان من وجهة نظر الطبقة المتوسطة. بمعنى أني أتكلم عن جانب من تجربة آخرين، الجانب الإنساني الذي يتشارك فيه الجميع. ولكن من وجهة نظري الطبقية. هناك أهمية للخروج من حدود طبقتك. وإن لم يحدث هذا فسيكون أفقك ضيقًا. حتى عندما تتكلم عن طبقتك لابد وأن تتجاوزها وتخرج منها.

    يعني أن يكون لك مكان خارجها بالرغم من انتمائك إليها؟

    بالضبط، سواء بالنقد أو الدفاع، يجب أن تكون خارجها، ولكن هناك حقيقة مهمة: أن كل الذين صنعوا تغييرًا في المجتمع كانوا من أبناء الطبقة الوسطى. هذه حقيقة الطبقة: القلق والحركة والحلم.

    لهذا السبب، البطل عندك محمَّل بحلم يتجاوز طبقته، ربما ماعدا فيلم “الصعاليك”؟

    نعم حلم ينوء به. ربما لأن فيلم “الصعاليك” أقل أفلامي ذاتية.

    كأن الحلم يقترب من حدود إيديولوجيا متعصبة إلى حد ما، ولكنه في النهاية حلم مفرح؟

    أنا لا أتامل أعمالي، ولا أحب تقديسها، ولكن ما تقوله ليس غريبًا على أذني. أنا وأنت محمَّلانِ بأحلام ثقيلة علينا، لأنك مثلي لست محمَّلًا بحلم الثراء والسيارة، ولكنك تحلم حلمًا جماعيًّا للناس كلها: أهلك وبلدك وأسرتك وعالمك، وربما يمتد حلمك إلى عدوك ليصبح حلمًا إنسانيًّا.

    ولكن الاستغراق في هذا الحلم الفردي المستحيل ربما يحجب فكرة البحث والسعي لتمثيل “الآخر”، كونه هدفًا لكل حلم إنساني..

    أنا في النهاية أعبر عن نفسي، كل ما يهمني هو التعبير عن نفسي. وشيء آخر وهو صعب في السينما، وهو كيف توصِّل هذا الحلم إلى جمهور عادي وليس جمهور صفوة.

    علاء خالد مع داود عبدالسيد
    علاء خالد مع داود عبدالسيد
    شحنة الأمل
    برغم تحفظك وحزنك البادي في نوعية أسئلتك التي تطرحها في أفلامك، فإن مساحة الأمل أيضًا قوية جدًّا. هناك انتصار ما في النهاية، انتصار للوجود الداخلي والتغلب على أي مصاعب أو ضعف مهما كانت التكلفة.

    أنا لست متشائمًا، ربما أصرِّح دائمًا بأن الأوضاع سيئة، ولكن هذا لا يعني أني متشائم. ربما الحزن الذي لاحظته لأن الحياة بها دائمًا ما يدعو إلى الحزن، سواء بشكل شخصي أو بشكل عام. الحياة في النهاية رحلة، بشكل ما، حزينة، لأنها تنتهي بالموت. الحزن جزء من تكويني، بمعنى أني لا أفكر في أن أكون حزينًا.

    فمن أين تأتي مساحة وشحنة الأمل في أفلامك؟

    من التفاؤل. ليس تفاؤلًا على المستوى الشخصي، ولكن على المستوى الاجتماعي، مستوى الحياة بشكل عام، المستوى السياسي، المستوى الوطني. أنا متفائل باستمرار. عندى ما يسمونه بالتفاؤل التاريخي. الذي لا تتحقق نتائجه بعد يوم أو سنة.

    “تفاؤل تاريخي” بأي معنى؟

    بمعنى أن التاريخ له دور فعال و”بيشتغل”. النوستالجيا البادية الآن لأفلام الأبيض والأسود في الأربعينيات والخمسينيات، والتي يطلقون عليها الآن “الأيام الحلوة”، أو “أفلام الزمن الجميل”؛ في رأيي أن هذه التسمية كلام فارغ. بالفعل هي أفلام مريحة وظريفة، تجلب لمشاهدها الاسترخاء وتشعره بأن الحياة خالية من الهموم. في أغلبها تشعر بأن الناس “رايقة وظريفة”، ولكن هل يعني هذا أن هذه الفترة التاريخية التي تؤرخ لها الأفلام لها نفس المواصفات من روقان وظرف كما يظهر في أفلامها؟ أم أن السينما كانت متجاهلة جوانب أخرى في الحياة والمجتمع لا تريد أن تتوجه إليها أو تثيرها كونها تتوجه إلى جمهور لا يشعر بها. أو يعاني منها.

    ربما كان جمهور الطبقة المتوسطة، في ذلك الوقت، مستريحًا لا يعاني من مشاكل ضخمة، فمن الممكن أن يقابلك أحدهم في الشارع، كما نرى في هذه الأفلام، ويقول لك: “نهارك سعيد يا أستاذ” فترد عليه: “نهارك سعيد يا إكسلانس”، مثلًا. ولكن هذا لا يعني أن هذا هو نمط الحياة، أو أنها كانت تسير على هذه الوتيرة الهانئة. ربما كان الفقر مقيدًا أو محجَّمًا بحاضنات اجتماعية، ولكني أتذكر وأنا صغير أنني كنت أرى الناس تسير حافية في الشوارع. ربما كذلك لم تكن هناك صراعات سياسية كبيرة، لأن المجتمع بكامله كان مرهونًا بكليته تجاه قضية التحرر الوطني. رغم هذا لا نقدر أن نسميها “الأيام الحلوة”، والتي أظهرتها سينما هذه الفترة.

    تقصد أن هذه النوعية من الأفلام كانت تفتقد القراءة الحقيقية لمجتمع ذلك الوقت؟ كيف تفسر إعجاب الناس بها، هل فقط نتيجة لغفلة وتناسٍ، أم استجابة لوظيفة الخيال كما يتصورونها؟

    إعجاب الناس كان مبنيًّا على الرغبة في الاسترخاء، ووضوح الرؤية: أن الإنسان الشرير سوف ينال جزاءه والطيب سوف ينتصر في النهاية، وأن الناس ستتحاب، وأن الباشوات أناس محترمون، والفقراء أناس عندهم أخلاق، وبعض الأغنياء فقط هم من يفتقدون هذا الوازع الأخلاقي، لذا يتعلمونه من الفقراء. كل هذا يجعلك مسترخيًا أثناء الفرجة. ولكن مدى صحة هذا من عدمه، هذا موضوع آخر.

    ماذا كنت تتوقع من أفلام هذه الفترة، شيئًا أكثر واقعية مثلًا؟ أم أن السينما دائمًا تصنع نماذج متخيلة، كنموذج الأمل في أفلامك على سبيل المثال؟

    ماذا تقصد بـ”ماذا كنت تتوقع”؟

    أقصد أنك كنت تتوقع من أفلام الأربعينيات أن يكون لها صورة وأخلاق مختلفة أكثر واقعية…

    لأ.. أنا لم أتوقع شيئًا.. لا ينفع أن أتوقع الآن، هذا جزء من الماضي.

    ولكن انتقادك للصورة النمطية التي كانت عليها السينما في هذه الفترة يشير ضمنيًّا إلى أن لك تصورًا مختلفًا…

    لأ.. لأ.. أنا لا أرفض هذا النوع من الأفلام. أنا أرفض تسمية هذه الفترة بالأيام الحلوة والجميلة وأن ما نعيشه الآن هو الأيام السيئة المليئة بالصراعات. في هذه “الأيام الحلوة” بجانب الحفاء كانت مصر تعتبر دولة العميان، نسبة إلى ارتفاع نسبة العمى فيها. لكل عصر مشاكله، ونتمنى أن نجتاز هذه المشاكل، ونصل إلى حالة من الرفاهية، ولكن دون أن نمجِّد عصرًا على حساب عصر آخر.

    تقصد أنه يجب على كل عصر أن ينتج تمثيلًا دقيقًا عنه؟      

    ما أخاف منه كونك تحاول أن تضعني في مواجهة مع هذا العصر القديم، أنا لن أربِّي العصر السابق، ولن أعيد إنتاجه.

    ولكنك ستعيد إنتاجه داخل الثقافة عبر أفلامك، عندما تعدل مساره وتضيف “الدقة” أو “الموضوعية” المفتقدة؟ 

    نعم يجب أن نكون واعين، ولكن لا أعرف، على سبيل المثال لا أقوم بنقد كيف أظهرت السينما هذه الفترة…

    الأجيال القديمة تشكلت بتضحيات وطيبة نجيب الريحاني وأخلاقيات يوسف وهبي. هذه الأجيال بالرغم من وجود قيم إيجابية عندها فإنه تم حجب جوانب أخرى أكثر إنسانية من الحزن والتضحية بسبب تأثرها بنماذج عصرها السائدة في الحزن والتضحية.

    أنت ابن ثقافتك وعصرك، أنت ابن المشكلة اللي عليك أن تحلها.

    صحيح، أحيانًا هناك “عصر”، يدخلك في صورة معينة لممارسة المشاعر، وأحيانًا تطغى الصورة على دورك الشخصي. النموذج الماركسي في جيل الستينيات قدم نموذج الارتطام مع المستحيل، والذي كان إحدى صوره أو عواقبه هو الانتحار في الأجيال التي تلتها، أو الانسحاب من المجتمع. ثقافةُ عصرٍ ما تضعك في تناقض جوهري مع احتياجاتك الحقيقية، وغالبًا هي التي تكسب؟

    عندما يسود فكر إيديولوجي في فترة ما، ويكون هدفه العمل لصالح آخرين غيرك، هذا يفترض أن هناك تضحية لابد منها. المجتمع الأمريكي بالرغم من عدم إيمانه بالفكر الماركسي، ولكن هناك مبادرات للخدمة العامة لها نفس مواصفات التضحية. في مصر ليس هناك نظام يستخدم هذه التضحيات، لا في المدرسة، ولا في الحي. التضحية ليس شكلها الوحيد هو الانتحار. اعتقد أن الانتحار ليس سببه إيمان المثقفين بالماركسية، ولكن سببه الدولة التي تواجه أي اتجاه سياسي مخالف لها بالعنف وبالقمع وبالسجن، والتعذيب. لذا فلأنك مؤمن بهذا الاتجاه لابد وأن تضحي بأن تسجن وتعذب. لا يمكن أن ألوم ثقافة أو اتجاهًا أو إيديولوجية ما تطالبك بأن تضحي بمصالحك الصغيرة من أجل الآخرين، فالناس تضحي في الحروب من أجل أوطانها. المشكلة في رأيي، في قوى القمع التي تدفع التضحيات تجاه هذا النوع المأساوي أو المجاني، كالانتحار أو الهذيان وكل أشكال الانفصال عن الجماعة.

    برغم هزيمة 67 تحقَّق لكل أفراد جيل الثمانينيات من المخرجين مشروع فكري سينمائي مستمر حتى الآن. يدور غالبًا عن أزمة إنسان معاصر، غالبًا ما ينتمي إلى الطبقة الوسطى، ربما تكونون آخر جيل يمتلك مصطلح “مشروع”. لماذا حدث هذا في رأيك، هل الهزيمة هي التي منحت المشروع الفكري والتماسك النظري لهذا الجيل؟

    من المؤكد أن هزيمة 67 لم تكن فقط هزيمة حربية، وإنما هزيمة حضارية وأيضًا هزيمة مشروع. كان رد الفعل لهذه الصدمة هو التقوقع والعزلة، اللذان فرضهما النظام السياسي آنذاك. كلنا كنا مؤمنين بإيديولوجية الثورة مهما كنا مضادين للسلطة. عام 65 دخلت منظمة الشباب، بعدها بأسبوعين تم رفدي لأني حاولت أن أناقشهم. كلنا كنا نعشق عبدالناصر، ويتملكنا إحساس بأننا نبني تطورًا وطنيًّا. مشكلة عبدالناصر أنه عطَّل نمو المجتمع المدني والنقابات، أخذ دور الأب.

    الجيل الذي عاش الهزيمة والواعي لأبعادها أو الأكثر وعيًا وحساسية منهم، هذا الجيل شاركت الهزيمة في تحولاتهم الحياتية وصياغة أفكارهم. جعلتني متشككًا في أي شيء قادم من الإعلام المصري، الذي كان ولا يزال بوقًا للسلطة. لا أصدق شيئًا إلا بعد تمحيص. طبعًا الهزيمة حفرت جروحًا في نفسية الجيل. ولكن موضوع المقارنة بأجيال أخرى، لا أعرف كيف تفكر هذه الأجيال الأخرى. ولكن دائمًا أفترض أن هناك قضية أو سببًا يجعل كل جيل يقدم ما عنده من إضافة وتميز وفكر، وهو مايسمى بـ”المشروع”. لا أريد أن أنتقد الأجيال الجديدة، ولكن أريد أن أوجه نقدي إلى النظام السياسي وأسأله ماذا فعل في هذه الأجيال، في التعليم والوعي، والوعي بالحق، والمطالبة به.

    داود.. تصوير: نبيل بطرس
    داود.. تصوير: نبيل بطرس
    التحرر من الأب
    معنى هذا أن مقاومتك للفكرة الأبوية الموروثة مع نظام عبدالناصر، مع هزيمة 67، منحتك “المشروع”، ودفعتك إلى أن تدافع عن فردانية كل أبطالك باختلاف طبقاتهم الاجتماعية. لتحررهم من هذا “الأب”…

    مبدئيًّا أنا ليبرالي، بالمعنى الإنساني وليس السياسي. لا أقدر على إلغاء ذات الفرد من أجل الكل، لأن هذه الذات لا تتكرر، لا ينفع أن أقول “ما يموت ده لأن فيه آخرين مثله”. البشر ليسوا نسخًا متشابهة، تجليات الحياة لا تتكرر، وبالتالي يجب النظر إلى كل إنسان على حدة بحب واحترام وفهم لدوافعه. ربما هذه “حتة مسيحية شوية”. المسيح قال: “أحبوا أعداءكم، وباركوا لأعدائكم”. كيف أحب عدوي، وهو الذي من الطبيعي أن أكرهه وأقاومه وربما أقتله أو يقتلني؟ الطريقة الوحيدة في رأيي لحب العدو هي محاولة فهمه وفهم دوافعه. ربما لسان حاله يقول: “أريد أن أقتلك فقط خوفًا منك”. طوال حياتي لم أكن أنزل أسعى في الأسواق أو أجمع الحطب كي أعيش وأحصل على الرزق، فتكوَّن لي ترف أن أعيش مراقِبًا للناس، وهو ما وفر لي الوصول إلى هذه الأفكار التي تخص الفرد.

    بمعنى أن عدم السعي في الأسواق، بمعناها المجازي طبعًا، وفرت عليك الاحتكاك وآلامه، وأيضًا الوقت وأصبح عندك وفرة فيهما لتمارس هواية مراقبة الناس؟

    يهمني كمراقب أني لست طرفًا في صراع، أو في معركة، مع أحد من أجل قتله أو قتلي. لو هناك معركة أمامي، كل الذي سوف أفعله أن أحاول فهم أسبابها لتجنب مشاكلها.

    وضعك الاجتماعي والفكري والديني جعلك دائمًا غير متورط في النزاع…

    ليس وضعي الديني، ولكن وضعي الاجتماعي المتيسر، إلى حد ما، وظرفي المعيشي. لحسن حظي طوال عمري لم أكن على شفا الجوع. وأيضًا لم أكن غنيًّا كما قلت لك في بداية حديثنا.

    وهذه “البينية” إحدى صفات المراقِب؟

    المراقب ينفصل بنفسه قليلًا عن الآخرين وأيضًا يمتلك صفة الصبر. مثل الصياد الذي يتأمل بنظارته ما حوله كي يفهم..

    المراقب أيضًا يمكنه أن يخسر أشياء كثيرة وينفصل تمامًا عن نهر الحياة؟

    آه طبعًا. هذا هو التوازن الذي عليك أن تحافظ عليه.

     هل تقبل نتيجة وخسارة الانفصال؟

    هذه ليست خسارة كاملة. في رأيي أن يوسف إدريس عبقري، لماذا؟ ليس بسبب صفاته الشخصية وذكائه إلى آخر هذه الأشياء والصفات المعروفة عنه، ولكن لكونه ابن ريف، وأيضًا مارس السياسة، وكان طبيبًا وكان شيوعيًّا، كل هذا منحه كمية خبرات، بالإضافة إلى موهبته، فكانت عبقريته تجسيدًا لكل هذا. لماذا أذكر يوسف إدريس هنا، لأني أنا أيضًا أتمنى أن تكون لي تجاربه: ابن ريف وابن طبقة عاملة وابن طبقة أرستقراطية، وابن كلب، وابن أي حاجة، وأمتلك هذه الثروة والمعرفة والخبرة الحياتية. ولكن لا يمكن أن تكون كل شيء وتشغل كل هذه المواقع والأدوار، ولكن يوسف إدريس نجح، بالإضافة إلى موهبته، فرفعته في رأيي إلى مصاف العبقرية. أنا أرد هنا على فكرة الاحتياج الدائم إلى التجربة، لن أشبع أبدًا من التجارب.

    هل أحسست بالشبع من قبل، بمعنى أنك دخلت عالمًا أو تجربة ولم تخرج منها، مثل بطلك “يوسف كمال” في “البحث عن سيد مرزوق”، إلا بعد أن تستنفد تحولاتها، هل عندك توق إلى ممارسة تجربة؟

    أحاول دائمًا أن يدخل كل أبطالي تجارب من هذا النوع. ليس فقط “يوسف كمال” في “البحث عن سيد مرزوق”، أو “المواطن” في “مواطن ومخبر وحرامي”، أو “نرجس” في “أرض الأحلام”. ولكني هنا أريد أن أرد على جزئية سؤالك حول أن هذا النوع من التربص بالرقابة والمراقبة ومحاولة الفهم قد يتعارض مع ممارسة الحياة نفسها. استنتاجك صحيح، أريد أن أملك كل شيء، ولكن هذا لن يحدث.

    اقرا أيضا:

    علاء خالد يكتب: كانت تمتلك نسخة حديثة من النوستالجيا

  • «السينما ذاكرة المكان».. ندوة بمتحف الفنون الجميلة خلال فعاليات «الرحلة»

    «السينما ذاكرة المكان».. ندوة بمتحف الفنون الجميلة خلال فعاليات «الرحلة»

    كتب: محمد حيزة 

    تواصلت فعاليات مبادرة “الرحلة” التي أطلقها موقع «باب مصر» التابع لشركة ولاد البلد للخدمات الإعلامية، والتي بدأت بافتتاح معرض “محطات” للفنان التشكيلي محمد عبلة، وأعقبها عقد 3 ورش تدريبية على أساسيات العمل الفني والصحفي والبودكاست، وذلك بمتحف الفنون الجميلة بالإسكندرية.

    “السينما ذاكرة المكان” كان عنوان الندوة التي تم تنفيذها في اليوم الثاني للمبادرة، بحضور المخرجين هالة جلال وأيمن مكرم، ومحمد زيدان، فيما أدار الجلسة الصحفي محمد شعير، رئيس تحرير موقع باب مصر.

    السينما المصرية

    استهل “شعير” الحديث حول أهمية السينما المصرية في توثيق ذاكرة المكان، وخلق وجدان تخيلي ومكاني حول الأماكن العديدة بالمحافظات، ومن أهمها القاهرة.

    وقال أيمن مكرم: “منذ بداية السينما سنة 28 من القرن الماضي، تم عمل فيلم عن حديقة الحيوانات، بتفاصيلها، وبتكليف من طلعت حرب وقت حكم الخديوي إسماعيل، والسينما تحاول الخروج من الاستديوهات. مثل فيلم لنجيب الريحاني سنة 1940، وفيلم حياة أو موت للمخرج كمال شيحة، كان بالكامل في الشارع في منطقة عابدين وسط البلد. وكل هذه الأماكن بسياراتها ومحلاتها وشوارع ومدنها، وكنا نحاول إخراج تجربة مماثلة”.

    وتابع: لابد من إنتاج وصف مصر كل 20 أو 30 سنة في السينما. وللأسف لا نمتلك الآن أفلام سينمائية، كلها مملوكة لبعض الشركات، وعلى الأقل لابد أن يكون هناك الحق في استخدام الأفلام والاقتباس منها في أعمال فنية مختلفة. والحفاظ على ذلك الأرشيف وحمايته من الضياع مثل أرشيف المجلة السينمائية المصورة، الذي ضاع النيجاتيف الخاص به وفقدناه. ولابد من تسهيل الحصول على أرشيف من الأفلام والأحداث القديمة.

    محمد شعير
    محمد شعير
    الأفلام القديمة

    وأضاف مكرم: كنا في فترة من الفترات نقيم الأفلام القديمة، فمثلا فيلم شارع الحب، كان له مقدمة تحكي عن شارع محمد علي والمزيكا والسيدات في الشارع. وبالمقارنة باليوم ضاعت معالم الشارع، ولولا فيلم مثل “شارع الحب” لما كنا عرفنا معالم شارع محمد علي. أنا ما أريده هو إتاحة توظيف مشاهد على الأقل كل 50 سنة لأعمال أخرى للحفاظ على التراث.

    واستطرد حديثه قائلا إن هذا يرجع أيضا لفكرة التأريخ، نحن الوحيدون في المنطقة الذين نملك 100 سنة فن وحصادنا كبير. هناك أفلام توثق جميع مساجد مصر مثلا لابد أن يتم الاقتباس منها، وإعادة إنتاجها بزاوية جديدة. حتى لا نخسر أرشيف أكثر مما فقدناه، وتنفيذه يكون من خلال دراسة وبحث وبدأ التنفيذ بشكل مباشر.

    كما تم عرض لقطات من فيلم للفنان إسماعيل يس عن حديقة حيوانات الجيزة. وتم التعليق على تلك اللقطات والتي تتضمن توثيق لحديقة الحيوانات بالجيزة في هذا التوقيت. ومنها لقطات لأغنية بها جميع معالم الحديقة وحيواناتها، وتفاعل الجمهور معها بهذا الشكل.

    المخرج أيمن مكرم
    المخرج أيمن مكرم
    إنقاذ السينما المصرية

    وطرح “شعير” تساؤلا على المخرجة هالة جلال. وقال: “كان في فترة الستينات ما يهدد الإنتاج السينمائي المصري، وكان هناك حراك لإنقاذ السينما، والمخرجة هالة جلال معظم أفلامها حب للقاهرة. ما رأيك في ما تتعرض له السينما حاليا، وما الحل من وجهة نظرك لإنقاذ السينما المصرية حاليا؟”.

    قالت جلال: “أنا شخصيا عندي هوس في إنتاج الأفلام عن القاهرة والأماكن، فالقاهرة بالنسبة لي أول حب وأول فرح وأول حزن وأول ثورة، وهي تجربتي الشخصية، وكان حظي أنني عملت مع محمد خان، وكان عنده هوس هو الآخر بالقاهرة. فالأفلام التسجيلية والروائية قصدت أم لم تقصد هي ذاكرة مكانية للبشر، ولها احتكاك مباشر بمعرفة من نحن وماذا نريد في اللحظات الراهنة”.

    وتابعت: السينما توضح لك أين يذهب المجتمع، وترصد كل شيء في حياة الناس، ذكرياتهم صورهم ماضيهم تاريخهم، حياتهم الحالية والمستقبلية. أنا رأيت في مدن كبرى في أوروبا متاحف صغيرة لأرشيف السينما، نحن الدولة الوحيدة التي لها 100 سنة سينما بدون أرشيف، وبدون ذاكرة سينمائية. وهذا الأرشيف هو الذي يقول كنا هنا، ولا أعرف سبب ذلك. وقرار حفظ الأرشيف والاهتمام به هو قرار أكبر من السينمائيين. المفترض أن يكون هناك سينما تك، الأشياء هذه كأنها موجودة وغير موجودة في حوزة أشخاص، يظهروها فترة ويخفوها فترة، وبيع الأرشيف بشكل غير مبرر لا أعرف له سببا.

    واستطردت جلال -خلال الندوة-: ليس لدينا وعي لإتاحة المعلومات، وذلك بسبب إخفاء وضياع وإهمال الأرشيف السينمائي، ولابد أن يكون هناك حقوق للعرض. ولا يتعارض مع الاحتياجات المادية، والملكية الفكرية، ولا تعارض بين الأمرين أبدا، والذاكرة الإنسانية قيمة كبرى لا يعارضها شيء.

    المخرجة هالة جلال
    المخرجة هالة جلال
    حفظ التراث السينمائي

    عاود “شعير” الحديث حول المشروعات التي أقيمت في الإسكندرية لحفظ التراث السينمائي، موجها حديثه للمخرج محمد زيدان. وقال: “مثلا المشروع الكبير الذي كنت تشرف عليه في استضافة أهم كومبارس في السينما المصرية وتحقيق حلمه في أن يكون نجم. كيف خطوتم نحو ذلك وما مشروعكم لحفظ الأرشيف؟”.

    وأجاب “زيدان”: “فترة ما بعد ثورة يناير، شهدت هدم العديد من المنازل الأثرية مثلا. مما أضاع التاريخ البصري، وهوية بعض المناطق في الإسكندرية تحديدا، والأرشيف السينمائي، هو أكبر حامي لهذه الهوية البصرية”.

    فيما قال “شعير” لماذا لا يتم الحفاظ على الهوية البصرية؟ متسائلا عن سبب عدم الاهتمام للتوثيق وحفر ذاكرة السينما المكانية في أذهان الناس.

    وردت المخرجة هالة جلال: “الرقابة أحيانا تضل طريق توثيق السينما. مثل عدم إدراج صورة للفقراء في الأعمال السينمائية، وعدم أرشفة ذلك، بدعوى سمعة البلد. مع أن الفقراء موجودين في الشارع حقيقة، والبني آدم لو فقد هذا التأريخ، فهو يمر بنوع من أنواع الشيخوخة. وهذا مرض مجتمعنا الحالي، مرض الشيخوخة، هم الذين خربوا أرشيف السينما يدعونا للهروب، وهذا خطر جماعي. فالذاكرة تعني أننا في حالة صحية سليمة، لأنه من ليس له ذاكرة ليس له وجود وهذا ما يزيد دهشتي”.

    وتابعت: هناك قيود أخرى على ذاكرة المكان، مثل تصاريح التصوير في الشارع، بدعوى الخوف من السمعة السيئة وهذا انفصال شخصي نقوم بفصل شخصية المجتمع عنه.

    المخرج محمد زيدان
    المخرج محمد زيدان
    إتاحة حفظ الأرشيف

    وعاد “شعير” للحديث حول فكرة إتاحة حفظ الأرشيف، وإيجاده بفاعلية، وأيهما أفضل أن يكون للدولة أرشيف ممنوع الاقتراب منه أم يكون هذا الأرشيف موجود في دولة أخرى ولكن متاح للباحثين.

    وأكد المخرج أيمن مكرم، أن الأفضل أن يكون الأرشيف متاح حتى لو في دولة أخرى، وأن يكون في مقدور الباحثين تناول هذا الأرشيف. والسؤال الأهم، كيف نقوم بصناعة الأرشيف في ظل هذه الأجواء ومقاومة تلك الأعمال التعطيلية، مثل الروتين. أفضل من أن يكون النيجاتيف الخام موجود شكلا حتى يتحلل، أو يسرق كما حدث.

    وتابع: ما يعتبر مصدر ربح للدولة بشكل مستدام هو التراث، مثل الأقصر وأسوان، والقاهرة الفاطمية، والتراث الإسلامي في القاهرة. فلماذا لا يتم الاهتمام بأرشيف هذه المناطق والمشاهد الأثرية، حتى في حين أراد أحد المنتجين الأجانب إقامة عمل في مصر عن الآثار، يتم التضييق عليه. مما أدى لهروب المنتجين لدول أخرى مثل السعودية، بسبب التسهيلات المتاحة حاليا، والمغرب والأردن.

    القطاع الخاص

    وتطرق “شعير” للحديث حول القطاع الخاص، وهل يعطي نسخة للدولة من الأعمال التي يقوم بها، هل القوانين كافية أم بحاجة إلى تعديل من أجل تربيط وتشبيك الأرشيف.

    وقال “زيدان”: “القانون موجود ولكن المشكلة في التطبيق، نحن لا نعرف هل النيجاتيف الذي يتم تسليمه هي الحقيقية أم لا. وأنت لا تعرف هل القطاع الخاص من الممكن أن يتعاون مع الجهات الحكومية لأي مدى. مع أن القانون يكفل ذلك ولكن تطبيق القانون هو المشكلة ولكن لابد من تفعيل الرقابة وتفعيل تطبيق القانون”.

    وأعقب الندوة حوارا مفتوحا حول الأرشيف السينمائي. إذ تساءل أحد الجمهور عن كيفية الحفاظ على الأرشيف المصري للسينما.

    وأجابت المخرجة هالة جلال: “الأرشيف موجود على الانترنت ليس كاملا ولكن موجود. وللأسف في حال أردت شرائه من الممكن أن تدفع فيه ملايين الجنيهات. لما أردت إنتاج مادة عن حرب أكتوبر، وطلبت شراء الأرشيف من bbc، وصل المبلغ لمليون جنيه وكانت الصدمة بالنسبة لي. وفي المقابل الدولة لم تقم بشراء هذا الأرشيف ولم تقم بهذا الدور”.

    فيما تساءل أحد الحاضرين عن الحافز الذي يمكن أن يقدم للمسؤول للحفاظ على الأرشيف. وأجابت “جلال” وقالت: “لا حافز سوى أنها المسؤولية المتعلقة بالمسؤولين، ولابد من أن يكونوا على قدر مسؤوليتهم”.

    اقرأ أيضا

    يضم 50 لوحة.. افتتاح معرض «محطات» للفنان محمد عبلة بالإسكندرية

    «من القلب للقلب»: ذكريات محمد عبلة وانطلاقته الأولى في لقاء مفتوح

    «باب مصر» ينظم 3 ورش تدريبية في أساسيات الصحافة والتصوير والبودكاست

  • رغم فلاتر الرقابة: هوس المنع لا يكتفي بالدراما المعقمة!

    رغم فلاتر الرقابة: هوس المنع لا يكتفي بالدراما المعقمة!

    لم تكد تمر الأمسية الأولى من أيام شهر رمضان حتى فوجئ الجميع بمداخلة تليفزيونية لرئيس الرقابة على المصنفات الفنية الدكتور خالد عبد الجليل يعلن فيها أن الحلقة الأولى من مسلسل “دنيا تانية” الذي تلعب بطولته النجمة ليلى علوي ليست هي الحلقة التي وافقت عليها الرقابة، وأن صناع المسلسل والقناة التي تعرضه قامت بالتحايل على الرقابة وأضافت مشاهد تم رفضها والاتفاق على استبدالها، وأن هذه المشاهد تتضمن “زنا محارم” لا تتقبلها الرقابة ولا الأسرة المصرية، وأنه قام بمنع بث المسلسل إلى حين تنفيذ التعليمات المطلوبة.

    منذ اللحظة الأولى، إذن، بات جليا أن دراما رمضان 2022 ستكون “معقمة”، محكومة بالهواجس الرقابية والاجتماعية، وبهواجس صناع المسلسلات والفضائيات العارضة لها من إثارة هواجس الرقابة الرسمية والاجتماعية، والذئاب المتربصة لرائحة الدم والترند والهاشتاج على وسائل التواصل الاجتماعي من مواقع وسائل الاعلام حتى اللجان الاليكترونية للمتطرفين والمخربين والباحثين عن دور “أخلاقي” يمارسونه على بقية خلق الله.

    الرقابة ربما تكون معذورة طالما أن المناخ العام يعاني من حساسية ورغبة مستعرة لدى البعض باثبات تفوقهم وتميزهم عن طريق تحقير وانتقاد الفن والفنانين، و اتهام الآخرين بما يعتمل داخلهم من رغبات منحرفة أو طبيعية.

    المشهد الذي يشير إليه رئيس الرقابة في مسلسل “دنيا تانية” لامرأة تكتشف أن زوجها يخونها مع شقيقتها..وهو أمر يدينه المسلسل بالطبع مثلما تدين بقية المسلسلات الخيانة والزنا والقتل وتجارة الآثار والرشوة والفساد والتربح واستغلال النفوذ وغيرها من الجرائم والانحرافات التي يعج بها الواقع وصفحات الجريمة وملفات الشرطة والأجهزة الرقابية كل يوم.

    ***

    ومن الأمور المدهشة في مسلسلات هذا العام مثلا أن هناك مسلسل بعنوان “انحراف” كتبه مصطفى شهيب ويخرجه روؤف عبد العزيز من بطولة روجينا وإشراف زوجها أشرف ذكي، نقيب الممثلين وواحد من الذين يدافعون عن المهنة وأخلاقياتها صباحا ومساء. هذا المسلسل الذي يضم عددا من الجرائم البشعة المستقاة من الواقع، وذلك بعد تخفيفه وتهذيبه ليناسب الدراما الحالية، قد أصاب بعض نواب البرلمان بالذعر وطالبوا بمنع عرضه، بالرغم من خضوع العمل لمرشحات وطبقات مختلفة من الرقابة من رقابة المصنفات لفريق العمل وحتى القناة العارضة.

    من فستان مريم فارس في اعلان إلى اعتراض “جروب حقوق التمريض” على مشهد كوميدي لممثلة ترتدي زي ممرضة في مسلسل “الكبير 6″، لقيام عضو مجلس شعب بالمطالبة بايقاف بث “انحراف” إلى الهجمة الشرسة ضد “فاتن أمل حربي”، مهما فعلت الرقابة ومهما فعلت القنوات العارضة ومهما فعل منتجو وصناع الدراما أنفسهم لتجنب الاتهامات والانتقادات، بل ربما بسبب ذلك كله، هناك حالة تربص وتحسس لأي عمل أو مشهد أو لقطة على طريقة نكتة “المشط” التي وعدت بروايتها في مقال سابق.

    تقول النكتة أن مذيعة برنامج تليفزيوني يدور حول الأدوات التي نستخدمها في حياتنا اليومية ذهبت إلى أحد المقاهي وبدأت في سؤال رواد المقهى عن أول شئ يخطر ببالهم عندما يسمعون كلمة “مشط”. أحدهم قال أن المشط يذكره بالجمال، لإن الانسان يستخدمه في التزين وتجميل مظهره. وثان قال أنه يذكره بالعدل والمساواة والحديث الشريف “الناس سواسية كأسنان المشط..”. والمذيعة التي أبدت اعجابها من ردود الضيوف لاحظت رجلا يجلس في صمت مستغرق في أفكاره يدخن الشيشة، فتقدمت وسألته ما الذي تفكر فيه عندما تسمع كلمة “مشط”، فأجابها الرجل بهدوء: الجنس! شعرت المذيعة بالخجل والدهشة وسألته “لماذا؟ فقال الرجل : “هذا أنا..أي شيء يذكرني بالجنس”!

    ***

    هناك كثيرون ممن تذكرهم مشاهدة أي عمل فني أو اعلان أو صورة أو أي شئ بالجنس، وممن ينتفضون ذعرا من ذكر أي كلمة “خارجة” أو “داخلة”، والعدوى أصابت الجميع تقريبا. وحتى ما تفعله الرقابة على المصنفات الفنية لم يعد يكفي.

    هل تعلم أن الشركات المنتجة أصبحت تتحسس من معظم الموضوعات والشخصيات وتقرأ كل كلمة في السيناريوهات بعناية قبل الموافقة على تصوير العمل أو ارساله للرقابة؟ هل تعرف أن هناك اعلاميون وصحفيون أصبحت مهمتهم مشاهدة الأعمال قبل عرضها بهدف “ضبط قيم الأسرة المصرية”، وحذف أي شئ يتعلق بالمشط؟

    وهل تعرف أن القنوات العارضة تقوم بعمل مونتاج إضافي بعد مونتاج المخرج وملاحظات الرقابة وتستقطع من بعض حلقات المسلسلات ما قد يصل إلى عشر دقائق أو ربع ساعة من الحلقة الواحدة؟

    هذا المناخ المحتقن بهوس المنع ناتج عن أسباب وظواهر كثيرة ليست الرقابة على المصنفات سوى واحدة منها، بل ربما تكون إحدى ضحاياه لا أسبابه. وما حدث مع فيلم “أصحاب ولا أعز” منذ عدة أسابيع من هيستيريا جماعية يؤكد أننا بصدد مشكلة اجتماعية كبيرة. وهذه المشكلة لا علاقة لها بالأخلاق أو التقاليد أو التدين على الاطلاق مهما حاول البعض أن يصدر هذه الفكرة ليضحك على نفسه وعقولنا. وبالطبع ليس لها علاقة أيضا بميل البعض لمقارنة الفن بالواقع، فالواقع أسوأ بمئات الأضعاف مما يظهر في الدراما والأفلام. وهذه المشكلة لن تزول مهما هذبنا وعقمنا الأعمال الفنية لإنها لا تكمن في المسلسلات والأفلام، وإنما في عقلية “المشط”.

    اقرأ أيضا:

    دراما البطء والصخب من فاتن حمامة لفاتن أمل!

  • نبيل عبد الفتاح يكتب: السينما والناقد والتغير في رؤى العالم

    نبيل عبد الفتاح يكتب: السينما والناقد والتغير في رؤى العالم

    (مقال إهداء الى الأصدقاء سمير فريد، وصلاح هاشم، وعصام زكريا)

    هل من الممكن تصور العالم من دون السينما؟

    سؤال يتبادر الى ذهني بين الحين والحين، على الرغم من الوعي الذاتي، أنه سؤال لم يكن مطروحا، قبل مغامرة الأخوين لوميير البديعة الساحرة، التي أعادت صياغة رؤيتنا لذواتنا والعالم من حولنا، وفتحت الأبواب أمام التعرف البصري على ثقافات العالم، وقيمه، وأنماط سلوكه، وجمالياته، وسردياته البصرية، بل وأسست السينما، ومعها التصوير الفوتوغرافي، لكبار مصوريه، لثقافة العيون، التي أضافت الى الثقافة البصرية أبعادا جمالية فذة، والأخطر إرهاف الوعي البصري والاجتماعي، بالتعدد والاختلاف..

    من هنا تبدو مشروعية السؤال الذي يبدو بسيطا وساذجا، العالم بدون الموسيقى والسينما، سيبدو جحيما أرضيا لايطاق!

    من هنا تبدو، السينما في بعض وجوهها، سحرا ما وراء السحر، وواقعا ما وراء الواقع، من خلال التضافر، بين حركية الصورة، وتدفق الموسيقى المصاحبة لها، في توشيجات، وتمازجها، وكيمياء بصرية فذة، في أعمال كبار المخرجين لامعي الموهبة، وعمق الثقافة والوعي الإجتماعي والسياسي، لاسيما سينما الواقعية الجديدة، والموجة الجديدة، وسينما المؤلف.

    السينما ومعها الموسيقى، في كافة مدارسهم وتطوراتها، ورموزها الباهرة، لم تكن محض إستهلاك بصري لسردياتها، وحكاياتها الساخرة، والميلودرامية، أو الكوميدية، أو التراجيدية، فقط، وقت أن اعتمدت على النصوص الأدبية، تنهل منها حكاياتها الفيلمية التي إعادت بناءها ومعها فضاءاتها التخيلية.

    ***

    وإنما إكتسبت السينما فرادتها، ومكتسباتها، وتطوراتها التقنية، من اعتمادها  على الرأسمال الخبراتي التقني، والبصري، والسردي من داخلها، عبر خبرات التصوير والسيناريو، والإخراج، والتمثيل، وثقافة الحيز المكاني، منظومة كاملة متضافرة في الإنتاج الإبداعي للعمل السينمائي، وتكامل الجماعة السينمائية، ثم التركيز من قبل الخطابات النقدية والسينمائية على السردية السينمائية مثل التمثيل والإضاءة، والسيناريو. وحركة الكاميرا، والإخراج بوصفه سيد العمل السينمائي وذلك وفق المنطلقات النظرية لكاتب السيناريو والحوار والمخرج، والدور الرائد للناقد السينمائي، سواء أكانت هذه المرجعيات الخلفية لهم/هن أيديولوجية، أو فلسفية أو جمالية – أيتيقية-  ومن ثم دوره في تصنيف  وتحليل  الأفلام وفق توجهات المخرجين وكتاب السيناريو والحوار،من منظور الانتماءات السياسية، أو من منظورات فنية، وتقنية وفق مدارس الإخراج السينمائي على إختلافها، وخاصة الأوروبية، والإيطالية والفرنسية والألمانية، والاسبانية، وسينما أوروبا الشرقية- ألمانيا الشرقية، والمجر وبولندا وتشيكوسلوفاكيا الخ.

    وقد تجددت الخطابات النقدية، مع تطور هذه المدارس السينمائية والإخراجية، وتبلور مقاربات نظرية وتحليلية مستمدة من تطور الفن السينمائي، وتشكلت اللغة النقدية من إبداع نظريات ومصطلحات مستمدة من الفنون السينمائية ومن داخلها وبعضها من فنون آخري..

    لا شك أن دور النقد السينمائي، في التكوين النظري والتحليلي والثقافة البصرية، هو نتاج للمعرفة والوعي البصري، والشغف بالسرديات السينمائية والتكوين المعرفي العريض بالفلسفة، والأدب، لاسيماالشعر والرواية والقصة والمسرح والفنون التشكيلية، لأنها روافد معرفية وفنية أسهمت في إرهاف حساسية المخرج المبدع، والناقد الخلاق، وعبرهما تطورت السينما إخراجا ونقدا..

    ربما لايحتاج المشاهد العادي للسينما، أيا كان تعليمه، أو أميته، الى الناقد وتحليلاته للأعمال السينمائية، لأنها تخاطب الجموع، من خلال السردية البصرية والتمثل، وتعتمد على تمثل المشاهد، أيا كان لهذه السردية التي تخاطب عيونه وعقله ووجدانه، والتمثل البصري السينمائي نسبي، ويستطيع المشاهد الآن أن يعيد سرد الفيلم، وفق ما إسترعى إنتباهه، وغالبا مايكون سردا مشحونا بأثر العمل على المتلقي العادي وسعيد سرده وفق تخيلاته.

    أفيش فيلم شباب امرأة
    أفيش فيلم شباب امرأة

    من هنا خاطبت السينما العالم كله، ولم تحتاج الى وسائط سوى الترجمة، أو نقل الحوار الى لغة المشاهدين في ثقافات ولغات أخرى.

    ***

    يبدو لي أن دور الناقد الخلاق للسينما، بقطع النظر عن دوائر مستهلكي نقد السينما بين بعض المثقفين، والمتعلمين في عصر الثقافة الورقية، كان بالغ الأهمية، في الإرتقاء بالسينما عموما، وبالوعي البصري، والإرتقاء بثقافة العيون في المجتمعات الحديثة ومابعدها وفي عصر المابعديات السائلة، حتى لحظة انتقالنا الى عالم جديد الآن – الروبوتات، والأخيلة السينمائية، والذكاء الصناعي، دورا بارزا في تطوير الفن السينمائي، في كافة عناصره..

    ***

    السينما والناقد الخلاق، إستطاعوا أن يلعبوا أدوارا هامة في تطور الفنون الأخرى، عبر الناقد أساسا، ومعه المخرج المبدع، والمصور، وكاتب السيناريو والحوار، وذلك الى ثقافات العالم كله، وذلك على النحو التالي:

    • أدى التطور النظري والتطبيقي للخطاب النقدي السينمائي، الى التأثير على ثقافة الصورة، والمكان، لدى الشعراء والروائيين والقصاصين والمسرحيين، وثمة استلهام للصورة السينمائية، وحركيتها في الأمكنة، على الصورة الشعرية، وعلي السرديات القصصية والروائية، بما فيها شعر العامية المصرية، لدى عديد الشعراء من أجيال مختلفةفي مصر مثالا.
    • ساهم تطور كتابة السيناريوهات والحوارات في السينما، على بنية السرديات الروائية والقصصية، وعلى بناء القصة، وعلى مجازاتها اللغوية، والأهم أنها أدت الى نقل الحركة في الفعل التصويري وسرعتها ونقلاتها الى السرد، والقصيدة، لاسيما منذ جيل السبعينيات في مصر حتى جيل العشرية الأولى من الألفية الجديدة.ومن ناحية أخرى ساهمت السينما في تسهيل الكتابة الروائية منذ الستينيات وإلي الآن، من خلال المحاكاة والإستعارة،و—إعادة الصياغة للحبكات، وهو جيل البست سيلر best-seller السائد،بقطع النظر عن مستوى هذا النمط من الكتابة

    إبداعيا، إلا أنه أدخل قطاعات من الأجيال الشابة الى السوق القرائي..

    • إنتاج الخطابات النقدية السينمائية، أسهم في إثراء الثقافة –من خلال تنظيراتها، على نحو مافعل بعض الفلاسفة الفرنسيين – بالسينما والصورة فلسفيا
    ***

    الهدف الإنتاجي والإقتصادي من السينما هو السوق ورائدها المتعة البصرية والسردية بالحركة، والجماليات، لأن السوق السينمائي عالمي منذ بداياته، وأيضا كوني الآن. كبار المخرجين المبدعين وكتاب السيناريو والحوار والمصورين العظام، وتجاربهم الرائدة – الواقعية الاشتراكية، والواقعية الجديدة الإيطالية أساسا، ثم الموجة الجديدة وسينما المؤلف – حاولوا كسر الحدود اللإقتصادية للإنتاج، الساعي لتعظيم الربحية، بحثا عن مسارات مختلفة، وملهمة للسينما الساحرة، ونجحوا في تطوير الفن، ومعهم النقاد في تطوير خطاباتهم  النقدية، ولغتهم ومصطلحاتهم، ومجازاتهم..

    الناقد السينمائي المبدع ليس محللا للعمل الفني البصري السينمائي فقط، وإنما هو فيلسوف الرؤى البصرية، وجمالياتها، ومن ثم دوره في ثقافات العالم بارز وملهم، وعلى الرغم من أن –في أدواره لايزال محدودا الى حد ما في عمله النقدي السينمائي المتخصص -، على الرغم من دوره في إثراء رؤى العالم، لدى المفكرين والمثقفين الكبار.

    من ناحية أخرى دور كبار مخرجي الدنيا، ومدارسهم المختلفة، في إضفاء رؤى مغايرة للعالم، وللشرط الإنساني، في ظل تطورات حياتنا الحديثة، في ظل الرأسمالية وتطوراتها، والحداثة، ومابعدها، وفي مرحلة المابعديات السائلة، وحتى دخولنا عصر الذكاء الصناعي والأناسة الروبوتية..

    والسؤال: هل تلعب الروبوتات أدوار كتاب السيناريو والحوار؟ !، هل تلعب دور الممثل والمخرج، هل تلعب أدوار الناقد السينمائي المبدع؟!

    أسئلة سنحاول الإجابة عليها في مقال قادم.

    ***

    السؤال لماذا غاب إسهام الناقد في حركة الفكر الحداثي المبتسر في مصر والعالم العربي؟

    لماذا تم تناسى دوره في هذا المجال، أو بالأحرى تناسي دور بعض النقاد المصريين والعرب البارزين، في تاريخ تطور الأفكار؟

    السبب الأول: يرجع هذا النسيان الى تركيز بعض مؤرخي تطور الأفكار، على بعض المفكرين البارزين، منذ نهاية القرن التاسع عشر، وحتى النصف الثاني من القرن العشرين، وغلبة النظرات المدرسية الأكاديمية في مقارباتهم التاريخية.

    السبب الثاني: أن السينما العالمية والمصرية، روج لها بعض الصحفيين من المحررين الفنيين قبل 1952، وبعدها، والى الآن، وغالبهم كانوا يركزون على حكاياتهم عن الأفلام، والظروف المحيطة بكل فيلم، من قفشات ونوادر، والأخبار الخاصة بالنجوم من الممثلين والممثلات، وذلك كجزء من اللاتخصص في الصحافة المصرية، والذي أدى الى تدهورها التاريخي وانهيارها ضمن عديد الأسباب السياسية والاجتماعية والتقنية والثقافية المتدهورة.

    السبب الثالث: تحول بعض المحررين الفنيين منذ عقد السبعينيات والى الآن، الى تسمية أنفسهم ” نقادا ” مع تطور بسيط في لغة متابعاتهم للأفلام دون تخصص، أو ثقافة رفيعة، تمزج بين النقد النظري والتطبيقي إلا قليلا، مع ضعف في المتابعة لسينمات العالم ومدارسها، درسا وتحليلا ورؤية، وذلك على الرغم من التطور البارز في المنصات الرقمية وأثر الرقمنة على فعل المشاهدة..

    السبب الرابع: فقدان الحساسية السينمائية لدى غالب المحررين-” النقاد”، وتركيزهم على علاقاتهم بالمنتجين والممثلين والممثلات والمخرجين، والعمل في المهرجانات التي لايشاهدها الجمهور ولا غالب المدعوين!!.

    السبب الخامس: عدم تطور الدرس السينمائي في معهد السينما في مصر، وعدم تطور حركة البعثات الى أوروبا وأمريكا، على نحو، حول التكوين النقدي، الى ماهو سائد، من ثقافة معطوبة وسطحية.

    ***

    هذا هو الغالب في المشهد النقدي، على الرغم من بروز بعض النقاد البارزين، من أمثال سمير فريد، وسامي السلاموني، وصلاح هاشم، وعصام زكريا...إلخ.

    الناقد السينمائي في لبنان، وتونس والمغرب، بعضهم مميز كنتاج لثقافة المشاهدة، والقراءة، والتكوين، على نحو أسهم في تطوير بعض خطابهم النقدي بلا جدال..

    تراجع، وتدهور السينما المصرية، إنتاجا وإبداعا، أدى أيضا الى تراجع دور الناقد، على الرغم من أن بعضهم، أسهموا في رفد ثقافتنا البصرية، برؤى مختلفة. ولايزال السؤال مطروحا، هل يمكن تصور العالم دون السينما والموسيقى، ونقادها؟

    اقرأ أيضا:

    نبيل عبدالفتاح يكتب: كتابة التحوُّلات والهوية في عصور مضطربة

     

  • دراما البطء والصخب من فاتن حمامة لفاتن أمل!

    دراما البطء والصخب من فاتن حمامة لفاتن أمل!

    سواء كان المشهد لمطاردة وسط الحشود داخل مجمع تجاري (في مسلسل “وجوه”)، أو لشخص يمارس التدريبات الرياضية (في مسلسل “ملف سري”) أو لإمرأة تتزين أمام المرآة في مسلسل “دنيا تانية”. سواء كان الأبطال يحتفلون بعيد ميلاد في حديقة مفتوحة، أو يرقصون في حفل زفاف داخل قاعة فندق، هناك هوس غير مفهوم بالحركة البطيئة في دراما هذه الأيام.

    وسواء كان المشهد لسيارة تنفجر في “ملف سري”، أو لمشاجرة بين زوجين في “فاتن أمل حربي”. سواء كان الأبطال يبكون، أو يصرخون، أو يمارسون الحب، هناك هوس مرضي بالموسيقى الصاخبة المرتفعة في دراما هذه الأيام.

    بين التقنية والعشوائية

    الحركة البطيئة أو slow motion تقنية قديمة من عمر السينما، تم اكتشافها بالصدفة بسبب السرعات المختلفة لحركة الشرائط التي كان يتم تسجيل الصورة عليها، ولاحقا قام بعض صناع الأفلام باستخدامها في مواقف بعينها، كما فعلت المخرجة الألمانية الرائدة لينا ريفنشتال في فيلم “أوليمبيا” الذي سجلت فيه وقائع ومباريات دورة الألعاب الأوليمبية في برلين نهاية الثلاثينيات، زمن هتلر، وكانت تقصد من وراءه استخدام الحركة البطيئة منح المشاهدين إمكانية تأمل أجساد الرياضيين في حركاتهم الإعجازية، وهي تقنية تطورت بعد ذلك في أفلام القتال اليدوي الصينية ومنها إلى أفلام القتال الأمريكية وغيرها.

    قد تستخدم تقنية الحركة البطيئة أحيانا لاعطاء شعور الكابوس حيث يشعر المرء بالفعل أنه يتحرك ببطء غير طبيعي أو عاجز عن الحركة كليا، كما فعلت المخرجة الأمريكية الرائدة مايا ديرن في فيلمها الطليعي البديع “شظايا النهار” في 1943.

    يعني..باختصار، كل تقنية أو حيلة فنية يجب أن يكون وراءها سبب ما ولتحقيق تأثير ما، إلا في الدراما المصرية التي يستخدم صناعها التقنيات المختلفة مثلما يرتدي المراهقون الأثرياء البناطيل الجينز الممزقة لتقليد الشباب الصعاليك الفقراء الذين لا يملكون ثمن شراء بناطيل جديدة. وكأن هؤلاء الأثرياء يستعيرون روح الصعلكة والتمرد من خلال فتحات البنطال الممزق.

    خفوت الحركة..وصعود الصوت

    بالمنطق نفسه يستخدم كثير من صناع الأفلام الشباب التقنيات السينمائية الحديثة دون فهم لدوافع أو وظائف استخدامها، ويظهر ذلك أفضل ما يكون في استخدام تقنية الحركة البطيئة “عمال على بطال” في أي موقف، ولنفحص عن قرب أحد الأمثلة السابقة وهو المثل الأول الذي يمكن على الأقل أن نخمن وجود معنى وراء وجود الحركة البطيئة فيه.

    يبدأ مسلسل “وجوه” بخروج بطلته (حنان مطاوع) من السجن لنعرف أنها تعاني من ذهان حاد تشعر بسببه أنها مطاردة، ولكن هناك بالفعل من يطاردونها ويسعون لقتلها.

    في الحلقة الأولى تنتابها نوبة ذهان أمام مجمع تجاري فتفر من السيارة وتجري هاربة داخل المجمع وهناك بعض الرجال يلاحقونها. استخدام الحركة البطيئة هنا له هدف، على عكس بقية الأمثلة التي ذكرتها والتي لا يوجد بها أي معنى أو سبب لاستخدامات الحركة البطيئة. ولكن في حالة “وجوه” يبدو أن قرار تحويل المشهد إلى الحركة البطيئة جاء في غرفة المونتاج أو أن المخرج لم يخطر بباله أن يخطط للمشهد جيدا داخل المجمع التجاري من ناحية زوايا الكاميرا وأحجام اللقطات والاضاءة والتكوين وأعداد المجاميع، أو عدم وجودهم، داخل المكان لتجسيد وتأكيد حالة الذهان التي تعاني منها البطلة.

    ولكن لإن المشهد مصور كمطاردة حقيقية، من خلال كاميرات بعيدة واضاءة عادية والمكان يعج بالناس، فإن المشاهد لا يشعر بالاحساس الذي يفترض أن يشعر به، وربما يفهم أو لا يفهم سبب الحركة البطيئة إلا عندما تعلن البطلة بعد قليل أنها تعاني من ذهان حاد. وهنا يستقي المشاهد المعنى من الحوار، بدلا من لغة الصورة، ولذلك يظل معنى ذهني، وليس انفعالي. ويزيد الطين بلة الاستخدام العشوائي لموسيقى  صاخبة مزعجة، في هذا المشهد، والمسلسل، ومعظم المسلسلات بشكل عام.

    تخدير الأذن..واستنزاف العواطف

    مثل الحركة البطيئة تعاني الدراما المصرية من حالة اسهال موسيقي حاد. لدرجة أن بعض المسلسلات تفقد الكثير من جودتها بسبب الاستخدام المفرط والخاطئ للموسيقى، وأكبر مثل على ذلك مسلسل “فاتن أمل حربي”. والمصيبة أن بعض المشاهدين يعتقدون أنها موسيقى جيدة، وسوف أحاول، بسرعة، أن أبين الفرق بين الموسيقى الجيدة في حد ذاتها، والموسيقى الموظفة جيدا في الدراما.

    إن المعنى الأساسي ينقلب في “فاتن أمل حربي” بسبب افراط المخرج في استخدام الموسيقى وبقية عناصر الميلودراما الفاقعة كما جسدتها أفلام فاتن حمامة في الأربعينيات (مثل بكاء ودموع المرأة الضحية وصراخ ورفع حواجب الرجل المجرم، من الابتسامات الفشيخة من مؤيدي الزوجة الطيبين، وتكشيرات مؤيدي الزوج الأشرار). فبدلا من أن نفهم جذور المشكلة الاجتماعية التاريخية الدينية التي يطرحها الكاتب إبراهيم عيسى ، يتحول الأمر إلى التعاطف مع امرأة ملائكية ضد زوجها الشيطاني. هذا الضغط الشديد، والمفرط، على المشاعر يعفي المشاهدين من التفكير الواقعي في مشاكل الأحوال الشخصية في مصر، ويستدعي مزيد من الوقيعة بين مؤيدي حقوق المطلقات ومؤيدي حقوق المطلقين الذين لديهم، أيضا، قصصا مبكية ومؤثرة حول زوجات سابقات شريرات. ورغم أن السيناريو واقعي إلى حد كبير، ولا يخلو من خفة دم أيضا، إلا أن الافراط الميلودرامي يلخص المشكلة في وجود شخص طيب مقابل شخص شرير، بدلا من فهم طبيعة وآليات النظام الاجتماعي المهيمن. وتساهم الموسيقى الباكية، المرتفعة، التي تطغى على الصورة والحوار دون رحمة، في تخدير ملكة التفكير واختطاف مشاعر المشاهد بدلا من عقله. وهكذا ينقاد المشاهد وراء مشاعر التعاطف مع الضحية والغضب من الجاني، فننسى المشكلة، ونفكر في الأشخاص، ونتجاهل المرض وننشغل بالعرض!

    فكرة أخيرة:

    هل يعكس خمول الحركة وجنون الصوت في المسلسلات أعراضا مشابهة لمجتمع يعاني أفراده من الوقوف بالساعات في طوابير السيارات التي لا تتحرك، والتي يصاب سائقوها بنوبات متقطعة من الصراخ بالكلاكسات؟

    هل تعاني الدراما من شعور جماعي بخفوت الحركة وضجيج الصوت؟

    اقرأ أيضا:

    رمضان في إعلانات مصر.. حاجة تانية!

     

باب مصر