باب مصر

التصنيف: قبلي

باب مصر قبلي

  • عودة نكهات الزمن الجميل.. «طواجن الفخار» تتصدر موائد رمضان في المنيا

    عودة نكهات الزمن الجميل.. «طواجن الفخار» تتصدر موائد رمضان في المنيا

    مع حلول شهر رمضان المبارك، تعود كثير من العادات القديمة لتفرض حضورها على الموائد، ويأتي الطهي في «طواجن الفخار» في مقدمتها، لما يمنحه من نكهة مميزة تعيد للأذهان رائحة أكلات الزمن الجميل. وفي محافظة المنيا، شهدت محال بيع الأواني الفخارية إقبالا لافتا هذا العام، مع اتجاه الكثير من الأسر إلى استخدام الطواجن والبرامات الفخارية في إعداد الأطعمة والحلويات.

    زبادي السحور في برام الفخار

    تقول الحاجة صفاء الصاوي، بالمعاش، ومن أبناء مركز أبوقرقاص بالمنيا: إن العديد من ربات البيوت يقمن بتحضير الزبادي للسحور في طواجن الفخار، فهو يعتبر أفضل إناء لتحضير الزبادي في البيت بطريقة سهلة وبسيطة. وتكون النتيجة أفضل من زبادي المحلات.

    وبجانب طهي الطعام، فطواجن الفخار لها قدرة  على توزيع الحرارة تدريجيا حتى يظل الطعام ساخنا حتى لحظة أذان المغرب. فالفخار يحافظ على الوجبة ويمنح الأكلات قواما لينا. خاصة طواجن اللحوم والبطاطس والبامية، ويعطيها نكهة مميزة ورائحة شهية تذكرك بطهي أمهاتنا  وجداتنا في أيام زمان، تليق بصبر الصائمين الذين ينتظرون طعاما شهيا .

    لمة العيلة على طاجن الكنافة

    تذكر سعاد خيري، معلمة، أن من مظاهر الاحتفال برمضان لمة العائلة حول طواجن الكنافة الفخار، فلها طابع خاص. فهي حلوى رمضانية مميزة، والطواجن تجعل قوامها مقرمشا من الخارج. ويُحلى بالقشطة الطرية من الداخل بعد دهن الطاجن بالسمن البلدي. فتتحول إلى خيوط ذهبية مسقية بالشربات البارد، وتلتف حولها الأسرة في ليالي رمضان.

    وتقول الحاجة زبيدة علي، موظفة، والتي قامت قبل رمضان بشراء برامات وحلل من الفخار: إن الكشك والمحاشي والمرق في طواجن الفخار تتربع على موائد عزومات رمضان في الصعيد، فله نكهة مميزة. وهذه  الأكلات الصعيدية تتميز بطابعها الريفي الأصيل. فطواجن الكشك المطبوخ، والمحاشي بأنواعها، والبامية المفروكة. والمرق، وهي فطير باللحمة وشوربة وبصل، وتعد أكلة شهيرة في الصعيد، ويطلق عليها أيضا “سليقة”.

    كما تُعد السخينة من أشهر أكلات الصعيد التي تُطهى في طواجن فخارية. وتصنع من اللحمة الموزة وكمية من شرائح البصل والسمن، وتوابل من الملح والفلفل الأسود وجوزة الطيب، وعصير طماطم وكوبين من المرق. وتتميز هذه الأكلات بطعمها في طواجن الفخار، ويقبل عليها جميع أفراد العائلة. خاصة مع خبيز البتاو والعيش الشمسي، مما يعطي للأطباق مذاقا مميزا بطعم الريف المصري الأصيل.

    “الراكية” وطاجن “الكزبرية” 

    يقول محمد يحيى، موظف: إن القهوة في الفخار طريقة قديمة تضفي مذاقا مميزا على طعم القهوة. حيث تطهى القهوة ببطء على نار هادئة، مما يصنع “وشا” مميزا للقهوة، يعطي طعما شبيها بقهوة العرب والبدو. كما أن الفخار مادة آمنة، ويُفضل استخدامها بدلا من السبرتاية، لأنها تجعل النار هادئة جدا وتحتفظ بالحرارة.

    وتضيف “أم رودي” أن جميع أفراد العائلة أصبحوا يفضلون الطهي في الفخار نظرا لطعمه المميز. كما أن أن طاجن الفول بالصلصة في الفخار من أهم أكلات السحور التي تتجمع حولها العائلة. فجميعا نتذكر أكلات الأجداد مع حلول فصل الشتاء. وتعد من أشهر الأكلات الصعيدية المشهورة في الشتاء. ويطلق عليها “الكزبرية” أو طاجن الفول بالتقلية في الفخار، وله طعم رائع خاصة على مائدة السحور مع العيش البتاو والطحينة.

    نكهات طبيعية

    توضح صوفيا، بائعة أواني فخارية، أن الطهي في طواجن الفخار والبرامات له مذاق مميز يجذب عشاق النكهات الطبيعية في الأكلات. وذلك يعود لخصائص الفخار التي تسمح بتوزيع الحرارة داخل جميع أنحاء الإناء. مما يجعل الطعام ينضج على حرارة هادئة وببطء، فيحافظ على نكهة الطعام. كما أن الفخار لا يتفاعل مع المكونات الغذائية أثناء عملية الطهي، مما يعيدنا إلى الأصالة ورائحة وطعم أكلات الزمن الجميل.

    وتشرح أن هذه الطواجن الفخارية مصنوعة من طمي أسواني طبيعي وصحي، وغير مطلية بألوان لامعة. علاوة على أن هذه الأواني خالية من أكسيد الرصاص الذي يتفاعل مع الطعام عند الطهي. وهي مصنوعة يدويا في ورش الفخار التاريخية القديمة بمدينة أسوان. وأشارت إلى أن هذه الطواجن والأواني والحلل الفخارية جاهزة للاستخدام الفوري دون حرق إضافي. من أجل طهي الخضار واللحوم والحمام المحشي والفراخ. وللحلويات مثل طاجن الكنافة والأرز باللبن وأم علي، وطاجن القطايف باللحمة، وكذلك زبادي السحور في رمضان.

    القله والزير.. ثلاجة الفقراء

    يقول أحمد حسين، موظف من أبناء قرية صالح باشا بالمنيا: إن الأواني الفخارية لها أهمية كبيرة في القرى. فالكثير يقبل على شراء الزير للشرب لأنه يحتفظ بالمياه باردة ويعتبر “ثلاجة  الفقراء”.

    وأشار إلى أن القلل القناوي في الريف لها أهمية كبيرة. إذ تعد رمزا للخير والبركة في المنزل، وتحرص السيدات والفتيات الصغيرات  في الريف على وضعها في المنزل وملئها بالمياه، اعتقادا بأنها تجلب البركة والخير. وأضاف أن الزير يعد ملاذا للمارة  في الشوارع، حيث يقوم الكثيرون، بعمل صدقة جارية لسقيا الماء. فيشترون الزير ليكون سبيلا لسقاية المارة، خاصة في فصل الصيف.

    الكولمان الفخار.. تصوير: أسماء منتصر
    الكولمان الفخار.. تصوير: أسماء منتصر
    الكولمان الفخار

    احتل الكولمان الفخار قائمة الأواني الفخارية التي يقبل عليها المواطنون هذا العام. ويقول سامح شيكو، صاحب محل بيع الأواني الفخارية وصاحب مبادرة “العودة للطبيعة والتراث المصري في الأكلات الشعبية داخل طواجن الفخار الصديق للبيئة”: إن الكثير من المواطنين هذا العام أقبلوا على شراء الكولمان الفخار. لأنه يعطي مذاقا خاصا للماء وينقيه من الشوائب، ويعد فلترا طبيعيا لتنقية المياه. كما يحول الماء إلى ماء بارد لفترة طويلة دون الحاجة إلى وضعه في الثلاجة.

    وأضاف أن المواطنين يقبلون على شراء الزير والقلل القناوي على اعتبار أنها من طقوس الزمن الجميل خلال شهر رمضان. مشيرا إلى أن شرب المياه من هذه الأواني الفخارية له طعم ورائحة خاصة. لأن المادة الطينية التي تستخدم في صناعته لها نكهة مميزة تضفيها على المياه. مما يجعل طعمها أكثر متعة وانتعاشا في الشرب. كما أن طبيعة الطين تعزز الاحتفاظ بالمعادن والأملاح الموجودة في المياه، مما يمنحها طعما مختلفا وممتعا.

    وأوضح شيكو  أن الكولمان الفخار والقلل والزير يتمتعون بقدرة تبريدية فريدة تساعد على الإحتفاظ بالماء باردا حتى في ظل ارتفاع الحرارة. فهو لا يتأثر لأن مادة الصلصال تسمح بمرور الهواء والماء، مما يسهل عملية التبريد بشكل طبيعي. وعندما يتبخر الماء من الفخار فإنه يسحب الحرارة من الماء. وهذه خاصية تقتصر على الفخار ولا توجد في أي أوان بلاستيكية أو زجاجية أو معدنية. كما يتميز الكولمان الفخار والزير والقلة بخصائص مضادة للبكتيريا تساعد على تنقية المياه لتكون صالحة للشرب. لأن مادة الطين المستخدمة في الأواني الفخارية لديها القدرة على امتصاص الشوائب والسموم من الماء والأملاح، مما يجعلها ماءً لذيذا للشرب.

    عن الأسعار

    عن أسعار هذه الأواني، يقول شيكو إنها في متناول الجميع، فسعر الكولمان الفخار يتراوح بين 50 جنيها وحتى 100 جنيه حسب أحجامه وصناعته، وطقم الطواجن  بحوالي  250 جنيها. والطاجن الكبير 100جنيه، والوسط 90 جنيها، والصغير 70 جنيها، والصغير جدا 40 جنيها، وطاجن حلة بغطاء كبير بـ150 جنيها، والوسط بـ120 جنيها، والصغير بـ115 جنيها، ودماسة بغطاء لسلق اللحمة أيضا بـ150 جنيها، وكنكة القهوة بـ50 جنيها.

    اقرأ أيضا:

    «بتاوة عيش».. مبادرة سيدات قرية «بلنصورة» لدعم الأسر الأكثر احتياجا

    روائح الكستور وأغاني الزمن الجميل.. جولة في شارع القماشين بالمنيا

    أفراح البطاطس في «البرجاية».. موسم الحصاد وفرحة الفلاحين

  • رمضان زمان.. حكايات المدفع والفانوس وسهرات المنادر في القرى

    رمضان زمان.. حكايات المدفع والفانوس وسهرات المنادر في القرى

    لم يكن رمضان في الماضي مجرد شهر للصيام والعبادات، بل كان موسما اجتماعيا وإنسانيا تتجدد فيه الروابط بين الناس، وتنبض فيه الشوارع والبيوت بطقوس بسيطة لكنها عميقة الأثر. من مدافع الأطفال المصنوعة يدويا، إلى الفوانيس التي تضيء الأزقة، ومن سهرات المنادر وتلاوات القرآن، إلى أكلات البيوت، كانت تفاصيل الحياة أكثر بساطة. هنا نعود بالذاكرة إلى تلك الأيام، نرصد ملامح رمضان كما عاشه الكبار قديما في قوص.

    مدفع رمضان 

    يقول أحمد محمد حسن، 70 عامًا، إن شهر رمضان الكريم كان بالنسبة لنا، ونحن أطفال، بمثابة احتفال تاريخي وموسمي، كنا ننتظره بشوق. ويتذكر أنه منذ أكثر من ستين عامًا، وهو صغير، كان يذهب إلى الحداد لصناعة مدفع رمضان. من خلال مسمار حديد كبير يقوم الحداد بوضع فتحة صغيرة فيه ليتم وضع الكبريت فيها، ويركب له يدا. ثم نضربه على حجر كبير، فيخرج صوت كالمفرقعات أثناء الأذان.

    وكان قبل الأذان نجتمع جميع أطفال الشارع، ويلعب معنا المؤذن، كان يختفي خلف المئذنة ولا يظهر، ونقوم بالبحث عنه حتى نمسك به. ثم يعلو المئذنة ويعلن أذان المغرب، ونبدأ بضرب المدافع جميعا، ذكورا وإناثا، ولا يختلف شكل المدفع بالنسبة للذكور أو الإناث.

    فانوس بشمعة

    يشير حسن إلى أن الفانوس كان من أساسيات الاحتفال بشهر رمضان في كل منزل. ويقول: “كنا نذهب إلى العسقلاني السمكري ليصنعه من الزجاج والصفيح، وبعضها كنا نشتريه جاهزًا، فانوسا بشمعة وسعره لا يتجاوز 5 قروش.

    لم تكن المدينة مرتبطة بالكهرباء في بداية القرن الماضي، فكنا نعيش في الظلام. فلم يكن في الشارع حول المسجد العتيق سوى فانوس “كلوب” مجلس المدينة الكبير، الذي يتم تعبئته بالجاز ليضيء للمصلين والمارة في الشارع. وينتهي جازه ويطفأ قبيل الفجر. وكنا نقول: “الفانوس طقطق”، أي انتهى وانطفأ”.

    ويلفت إلى أننا كنا نشعل الفوانيس في المنازل ونذهب إلى المسجد ونضيء المكان حول المسجد لنبدأ في صلاة التراويح، بالإضافة إلي فانوس المجلس. فكان الفانوس والمدفع أهم مظاهر الطفولة بالنسبة لنا قديمًا في رمضان، ولا يستغني عنهما أي طفل في مدينة قوص.

    فانوس الجاز زمان مصنوع بيد عم علي القاضي بقوص.. تصوير: أسماء الشرقاوي
    فانوس الجاز زمان مصنوع بيد عم علي القاضي بقوص.. تصوير: أسماء الشرقاوي
    “النعارة” لإيقاظ المتسحرين

    يقول الحاج رشاد تميرك، 80 عامًا: “كنا صغارا نستيقظ في السحور خلال شهر رمضان على صوت “النعارة”. وهي عبارة عن ميكروفون قديم يشبه البوق، تطلق صوتًا لتوقظ الصائمين في رمضان، وتقع في قلب المدينة، وصوتها مرتفع جدًا.

    وكانت ساحة المسجد العمري الواسعة، أو ساحة مسجد أبو العباس قديمًا، يُقام فيها أمسيات رمضانية كبيرة. يأتي إليها في رمضان الشيخ صديق المنشاوي وعبد الباسط عبد الصمد، يحيون هذه الليالي بقراءة القرآن الكريم. وكان يحضرها صغار المبتهلين والقراء في المدينة. كما يأتي من جميع القرى من حولنا الرواد لسمع أصوات القرآن العذبة منهم”.

    حلويات وأكلات زمان

    يضيف تميرك أننا لا نغفل حلويات رمضان المميزة التي كنا ننتظرها طوال الشهر الفضيل من العام إلى العام. منها صناعة الكنافة البلدي، التي كانت أساسية في كل منزل، والقليل كان يصنع الرواني، التي كانت بمثابة تورتة في أيامنا. والكيكة الصغيرة تصنع في العيد في نهاية الشهر الفضيل.

    وأيضا صينية المخروط التي كانت تُصنع من الفطير على شكل مستطيل أو مثلث. ويُضاف إليها السمنة البلدي وذرات من الدقيق، ثم نضع فيها الفول والسمسم، ونصنع منها عدة طبقات. وكانت السيدات يصنعنها باستخدام “سكين” وبدقة تامة. وتحتاج إلى مهارة معينة ووقت كبير، لكن هذه الصينية اختفت صناعتها من المنازل الآن.

    كما اختفت أكلة “الطشة” التي كانت موجودة قديما، وهي عبارة عن قلي الثوم في السمن البلدي. ثم يُغلي أو “يُطش” فيه الماء، وكانت هذه أكلة الفقراء.

    الفرن البلدي.. تصوير: أسماء الشرقاوي
    الفرن البلدي.. تصوير: أسماء الشرقاوي
    مرق وخلق وحلق

    يوضح تميرك أن أجدادنا كانوا يطلقون على رمضان ثلاثة: “عشرة مرق” يعني اللحمة والأكل، و”عشرة خلق” يعني تفصيل الملابس”، و”عشرة حلق” يعني المخبوزات وهي كحك العيد.

    كما كنا نغني: “حالو يا حالو”، ونغني أغنيات التراث في الإذاعة المصرية في بدايتها. وكنا نردد الأهازيج التراثية الشعبية، وكنا نركز على الحواديت، فكنا نلتف حول جدتنا وعماتنا يحكون لنا حواديت زمان. كلها حواديت تراثية فيها الحكمة والفرحة والخيال. ويعلموننا منها رسالة: فمثلا كانت جدتي تحكي لي حدوته عن الطمع في رمضان، وعن الكذب، حتى لا نتعلم الطمع والكذب في رمضان.

    الكنافة البلدي

    تقول زينب على دردير، 77 عامًا: “كنا نعجن الكنافة البلدي في رمضان. إذ نقوم بوضع الدقيق البلدي والمياه والملح، والبيض وقليل من الزيت، ثم نصفيها بمصفاة مصنوعة من الصفيح وبها فتحات صغيرة. ثم نضع صينية صاج كبيرة على موقد من النار، ونرش عليها عجينة الكنافة حتى تستوي. وهكذا كنا نلتف، الجيران والأسرة، ونصنع كمية كبيرة نوزعها على بعضنا البعض. حتى يأكل الجميع منها وقت إفطار المغرب فقط بالسكر كحلويات بجوار الطعام”.

    وتشير دردير إلى أننا كنا نشتري قمر الدين والتين البرشومي باللفات الكبيرة. ونقوم بنقعها في المياه حتى تذوب، ثم نشربها كعصير في وقت الإفطار، وكانت لفات قمر الدين والتين البرشومي أفضل كثيرًا من المصنوع الآن.

    وتلفت إلى أنها كنت تطبخ “الجلبان”، وكان يُزرع قديمًا أثناء فيضان النيل قبل إنشاء السد العالي، وهو زراعة تشبه الملوخية. تُقطف منها الثمرة “الجغليلة” أو “الزرزورة”، وتوضع في مياه تغلي وتقطع بصلة فيها. ثم يتم وضع قليل من “الدشيشة” (غلة الذرة الشامية)، ويتركون ليغلوا في المياه حتى يقاربوا على الاستواء. ثم يتم فركها بمفرك من الخشب، وتؤكل في إفطار المغرب.

    كما يتم طبخ العدس الأخضر في إفطار أو سحور المغرب، وكنا نصنع البتاو من الشعير والعدس، أو الرغيف الشمسي، ويتم خبزه في أفران الطين القديمة.

    الرحايا زمان.. تصوير: أسماء الشرقاوي
    الرحايا زمان.. تصوير: أسماء الشرقاوي
    سهرات رمضان

    تقول الحاجة زينب إن المنادر في القري جميعها كانت مفتوحة لصلاة العشاء والتراويح في رمضان. حيث كانت لكل عائلة مندرة خاصة بها، يتجمع فيها أفراد العائلة، ليصلوا التراويح، ثم يبدؤون السهرة الرمضانية.

    وكان يأتي شيخ أو قاريء ليقرأ لهم آيات من القرآن الكريم أو بعض التواشيح الدينية والابتهالات قبيل السحور. ويقاضونه أجرا بسيطا، خمسة جنيهات أو “كيلة” من القمح أو بعض الأكلات الأخرى يقدمونها له، ليستمر في القراءة معهم طوال الشهر. وكان يفرحون بتجمعهم في تلك السهرات. فيما كان القاريء يقرأ دون ميكروفون، ويتجمع حوله المستمعون ويرددون خلفه الابتهالات أو بعض آيات القرآن. وكان تجمع المنادر في وقتها بديلًا عن المساجد، حيث لم تكن هناك مساجد كثيرة في القرى.

    وتستطرد الحاجة زينب حديثها وتقول إننا نشتري الملابس لنا ولأطفالنا من نصف رمضان. فكنا نشتري القماش أو الثوب الكامل من مدينتي قوص والأقصر، حتى نقوم بحياكته عند الخياطة على ماكينات صغيرة يدوية. وتضيف: كنا نكسو الطفل حتى يرتدى في العيد ملابس جديدة بـ60 قرشا فقط. وكنا نحن السيدات نشتري أثواب الحرير بـ170 قرشا فقط، أو أثواب القطن أو الكتان بسعر أقل من الحرير.

    اجتماع السيدات أمام المنزل

    تحكي الحاجة زينب: “كنا نقضي وقتنا في نهار رمضان في تهوية غلة القمح والذرة الرفيعة والشامية، ثم نتجمع لطحنها في رحايا قديمة من الحجر، نشتريها من بعض التجار من نقادة عبر نهر النيل بالمركب، ويجلبونها لقرى الشرق. حيث تجلس سيدتان من المنزل في مواجهة بعضهما لإتمام عملية طحن الغلال، فغلة القمح لصناعة الدقيق، أو الذرة الشامية لصناعة البتاو، والذرة الرفيعة لصناعة أعلاف الماشية داخل المنزل”.

    وتشير إلى أن السيدات في الشارع كن يتجمعن في رمضان عندما يقمن بقطف الملوخية أو الجلبان بكميات كبيرة، وتقول: “كنا نتبادل فيها أحوالنا الشخصية. ثم نتجمع مرة أخرى بعد صلاة التراويح حتى السحور، ثم نصلي الفجر وننام، ونستيقظ في الصباح لنقوم بغسل ملابسنا يدويًا، إذ لم تكن الغسالات قد صنعت وقتها”.

    وتكمل أن كل منزل كان يجهز “طبليته” وعليها بلح وزلابية وعدس أو جلبان، أو كنافة بلدي بالسمن البلدي والسكر، ويأخذها إلى الشارع الرئيسي. وهكذا كان كل شخص في المنطقة يتجمعون ليأكل المارة من طعامهم بما يجودون به. وتري أن رمضان زمان اختلف كثيرًا عن رمضان الحالي، فكانت الأطعمة والمشروبات قديما قليلة، ولم تكن هناك كهرباء أو أجهزة حديثة أو فاكهة كثيرة، بينما أصبحت الآن أصبحت جميع الوسائل متاحة ومتوفرة للأغنياء والفقراء.

    اقرأ أيضا:

    «فول نابت طاب واستوى».. حكاية مهنة لم تخرج من يد عائلة «الترامسية» في قوص

    عميد كلية الفنون بجامعة الأقصر: «الفنان الملتزم ببيئته المحلية هو الأقدر على تمثيل مجتمعه»

    من المزود إلى شجرة الميلاد.. طقوس عيد الميلاد المجيد في قنا

  • أسيوط بلا ثقافة.. حين سقطت «قصور الثقافة» في فخ الصراعات الإدارية

    أسيوط بلا ثقافة.. حين سقطت «قصور الثقافة» في فخ الصراعات الإدارية

    في محافظة بحجم وتاريخ أسيوط، لا يبدو تعثر قصر الثقافة مجرد خلل إداري عابر، بلا علامة مقلقة على تراجع دور يفترض أنه يشكل خط الدفاع الأول عن الوعي والفهم. بين غياب القيادات، وجمود اللوائح، وتآكل الإمكانيات، يتحول أكبر صرح ثقافي في الإقليم من مساحة للحياة والإبداع إلى مبنى بلا روح.. «باب مصر» يرصد كيف وصلت المنظومة الثقافية إلى هذا المستوى، ومن يدفع ثمن الفراغ حين تنسحب الثقافة من المشهد.

    زيارة الوزير وإقالة المدير

    لم تكن زيارة وزير الثقافة آنذاك، أحمد فؤاد هنو إلى محافظة أسيوط زيارة بروتوكولية عابرة. بل تحولت إلى لحظة كاشفة لما تعيشه المؤسسات الثقافية في أسيوط من اضطراب إداري وتراجع واضح في الدور الثقافي. وجاءت الزيارة خلال فترة تولية حقيبة وزارة الثقافة، ضمن جولة تفقدية لعدد من المواقع الثقافية بالمحافظة.

    وخلال جولته داخل قصر ثقافة أسيوط، تفجرت أزمة داخل المسرح كشفت حجم الإهمال والارتباك داخل أكبر صرح ثقافي في الصعيد. لتنتهي الزيارة بقرار إقالة مدير القصر على خلفية ما جرى.

    ثقافة أسيوط.. بلا مدير عام للثقافة

    لكن القصة لم تتوقف عند هذا الحد، فالقصر الذي يفترض أن يكون مركزًا نابضًا بالحياة الثقافية ظهر شبه خال من الجمهور والنشاط. في وقت يغيب فيه أيضًا مدير عام فرع ثقافة أسيوط منذ فترة طويلة. بينما تدار المنظومة مؤقتًا عبر “مُيسر أعمال” لا يملك الصلاحيات الكاملة لإدارة مؤسسة بهذا الحجم.

    هذا المشهد يطرح أسئلة ملحة: كيف وصل أكبر صرح ثقافي في الصعيد إلى هذه الحالة من الفراغ الإداري؟ ومن المسؤول عن تراجع الدور الثقافي في محافظة طالما كانت واحدة من أهم مراكز الإبداع في الصعيد؟ ولماذا تبدو الثقافة هنا وكأنها تدار بلا رؤية واضحة أو قيادة حقيقية؟

    أكد عدد من العاملين بقصر ثقافة أسيوط – رفضوا ذكر أسمائهم- أن عدم وجود مدير رسمي لقصر ثقافة أسيوط. وكذلك لفرع ثقافة أسيوط لفترات ممتدة، تسبب في تعطيل اتخاذ القرارات، تأجيل فعاليات، وغياب خطة واضحة، وارتباك إداري بين الموظفين. وذكر أحد الموظفين لـ«باب مصر» أن أي نشاط يحتاج إلى موافقات متعددة. وفي غياب مدير ثابت يتأثر العمل حتى في حال وجود ميسر للأعمال، فيكون مصير الفعاليات إما الإلغاء أو التأجيل.

    قصر ثقافة أسيوط.. تصوير: جاسمين مهني
    قصر ثقافة أسيوط.. تصوير: جاسمين مهني
    شهادات مبدعين.. الجمهور تم “تطفيشه

    يقول علي عبد الحليم، 40 عامًا، أحد رواد المسرح: “زمان كان المسرح في قصر الثقافة مليان جمهور. دلوقتي بقى النشاط محدود جدًا، ومفيش خطة لجذب الشباب ولا دعم حقيقي للفرق المستقلة”، مضيفًا أن الروتين قتل الحماس. وأي فكرة جديدة تضيع وسط دوامة الموافقات.

    وأضاف: “كان فيه روح للمكان، لكن بكل آسف حدثت صراعات حدثت داخل الثقافة، كلها صراعات شخصية، ووصل الأمر إلى القضاء. ما أدى إلى تحويل ثقافة أسيوط إلى ساحة صراع على من يستحق الإدارة، وتناسوا جميعًا دورهم الحقيقي. والحقيقة أن ذلك أدى إلى قتل الدور الثقافي مع سبق الإصرار والترصد”.

    فيما قال سيد علي، 34عاما، موظف بالتربية والتعليم: “كنت باخد أولادي ورش رسم ومسرح، دلوقتي ما بقاش فيه انتظام. والطبيعي إن الناس تدور على بديل”، مضيفًا أنه كان هناك نادي سينما تعرض فيه أفلام بقصر الثقافة، لكن دون مقدمات تم إيقافه. وعندما سأل عن السبب قال له أحد الموظفين: “أوامر من فوق”.

    لوائح قديمة.. ثقافة بلا رؤية حديثة

    أوضح موظف بثقافة أسيوط – فضل عدم ذكر اسمه- أن الأزمة ليست فقط في الأشخاص، بل في المنظومة الثقافية نفسها. وقال: “نحتاج مديرين لديهم رؤية فنية قادرة على إدارة جمهور. وفهم للتسويق الثقافي، والتواصل مع الشباب. اللوائح الحالية عقيمة وتركز على المسار الوظيفي أكثر من الكفاءة القيادية”.

    وأضاف أن هناك غيابا لمعايير واضحة، مثل عدد المبادرات المنفذة. والقدرة على جذب الجمهور الذي اختفى تقريبًا حاليًا بسبب صراعات حدثت خلال السنوات السابقة وما زالت مستمرة. وكلها مشاكل شخصية لا تمثل كوننا في مكان ثقافي راق يعمل به صفوة ومفكرون ومبدعون. كما غاب تطوير الموارد الذاتية، ما يجعل التقييم إداريًا بحتًا لا ثقافيًا.

    قصر الثقافة حين يصبح طاردا للثقافة

    أضاف أن أكبر آفة يعاني منها قصر الثقافة بأسيوط هي اللوائح والقوانين المنظمة لما يسمى بـ”الثقافة الجماهيرية”. وهو مصطلح عتيق عفا عليه الزمن، ولم يعد قادرا على مواكبة التطور من حولنا. فمن غير المنطقي التعامل بلوائح وقوانين تعود إلى السبعينيات، لم تتغير إلا قليلا جدا عام 2026، مع انتظار نتائج إيجابية.

    وأشار إلى عقم هذه اللوائح وجعل الفساد والمحسوبية والشللية والروتين والبيروقراطية وتعيين غير الأكفاء في المناصب القيادية أو لتنفيذ الأنشطة. نظاما كاملا يتم العمل به داخل الهيئة العامة لقصور الثقافة. فتكون النتيجة قرارات غير منطقية وغير مفهومة، أدت إلى إيقاف وطرد أنشطة حيوية من قصر الثقافة. كما حدث مع نشاط نادي السينما، الذي كان من أكثر الأنشطة جذبا للجمهور في قصر أسيوط بعد افتتاحه عقب التجديد عام 2013. ثم أوقفه أحمد عواض، رئيس الهيئة الأسبق، بقرار غير مفهوم ومبررات وصفت بأنها واهية عام 2016.

    فرع ثقافة أسيوط.. تصوير: جاسمين مهني
    فرع ثقافة أسيوط.. تصوير: جاسمين مهني
    ازدهار مؤقت

    كما أشار إلى ما حدث مؤخرًا مع نادي القصة، النشاط الذي بدأ وازدهر وتطور في كنف قصر الثقافة منذ عام 2002. وأقام خمسة مؤتمرات على مسرح القصر، أحدها افتتحه وزير الثقافة الأسبق حلمي النمنم. وكان ضيف الشرف فيه الأديب الراحل صنع الله إبراهيم، إلا أنه – بحسب قوله- تم طرد النادي من قصر أسيوط بسبب الشللية والمحسوبية. ولم يستطع أحد من قيادات الثقافة في أسيوط حمايته أو الدفاع عنه.

    وأوضح أنه في المقابل يتم الإبقاء على الأنشطة الروتينية، التي تُنفذ بشكل آلي. مثل نادي الأدب الذي تصرف له ميزانية لأنشطته. بينما يكون الإنتاج محدودا، ويحضر فعالياته عدد قليل من المهتمين. وكذلك معارض الفنون التشكيلية التي تعرض أعمالها يوم الافتتاح فقط، ثم تبقى قاعة المعارض مغلقة بقية الأيام.

    تعيين غير الأكفاء

    يبقى تعيين غير الأكفاء في مناصب الإدارة أو لتنفيذ الأنشطة – بحسب روايته- أكبر الآفات. وهو ما أدى إلى تدهور قصر ثقافة أسيوط على مدار السنوات الخمس وأربعة شهور الماضية، نتيجة تعيين مدير “لأن اللوائح تقتضي ذلك”. بغض النظر عن كفاءته أو مدى جدارته بالمنصب. من دون محاولة جادة لتصويب الوضع، طالما أن اللوائح في صفه.

    وطالب بإلغاء مسمى “الثقافة الجماهيرية” والهيئة العامة لقصور الثقافة. وتحويل قصور الثقافة في عواصم المحافظات إلى كيانات مستقلة بميزانيات خاصة تدير بها شؤونها بسلاسة. على غرار أماكن ثقافية خاصة مثل ساقية الصاوي، معتبرا أنه من غير المقبول أن يقدم مكان كهذا منتجا ثقافيا متنوعا وقويا. بينما يعجز قصر ثقافة أسيوط- رغم كبر مساحته وتعد تجهيزاته- عن تقديم مستوى مماثل.

    إطفاء الحلم الثقافي 

    تابع الموظف حديثه: “تخيلوا محافظة بحجم أسيوط يتوقف فيها النشاط الثقافي بهذا الشكل وتتدهور حالتها العامة. الثقافة تمثل خط دفاع فكري واجتماعي مهم، وتراجعها يعني تراجعا في الوعي العام”.

    وأشار إلى أن قصر ثقافة أسيوط ليس مجرد مبنى، بل مساحة كانت يومًا ما تعج بالحياة،. وأن الفراغ الإداري والروتين لا يقتلان الأنشطة فقط، بل يطفئان الحلم الثقافي لجيل كامل. منوها بواقعة اختلاس حدثت في الفرع. ورغم إثباتها رسميا- بحسب قوله- يحاول البعض التكتم عليها. مؤكدا أن غياب مدير عام للفرع مرتبط بتداعيات تلك الواقعة التي مضى عليها أكثر من عام.

    ولفت إلى أنه منذ أكثر من شهرين تمت إقالة مدير قصر ثقافة أسيوط من قبل وزير الثقافة آنذاك، بسبب خلافات تمت خلال زيارته للموقع. وحتى الآن لا يوجد مدير للقصر، فيما تكاد الأعمال تكون متوقفة.

    فجوة رقمية وعزلة عن الشباب

    يقول الدكتور أحمد مصطفى، كاتب وعضو اتحاد كتاب مصر وعضو نادي أدب قصر ثقافة أسيوط ومحاضر مركزي بإقليم وسط الصعيد الثقافي بهيئة قصور الثقافة، إن مشكلة قصور الثقافة ليس فقط في عدم وجود مدير لها، ولكنها متعددة الجوانب.

    وأوضح: “نحن الآن نتحدث عن ثورة رقمية تحتاج استغلال الوسيط الجديد في التواصل والتفاعل مع شباب وجمهور مشغول على الدوام، ولن ينجح هذا التواصل إلا باستكشاف الجمهور المطلوب نفسه”.  وأضاف أن هناك أيضا مشكلات تتعلق بتبنى العمل الثقافي والإيمان بخطورته وأهميته، “فلو كان هذا الإيمان موجودا لوجدنا قوافل ثقافية في المدارس، وانفتاحا كاملا بين الجامعات وقصور الثقافة”.

     فقر الإمكانيات

    أشار مصطفى إلى أن ضعف الميزانيات أدى إلى عدم تحديث المكتبات منذ عام 2013 في معظم قصور الثقافة، وعدم شراء أدوات فنية أو موسيقية، لافتا إلى أن بعض الفرق ما زالت تستخدم أدوات مر عليها أكثر من ربع قرن، بل يقترب بعضها من نصف قرن، فضلا عن بدلات غير ملائمة.

    وأضاف: “مثلا فريق مسرح المكفوفين، وكل الممثلين من المكفوفين، ومعظمهم يقطن في مراكز بعيدة جدا أو قرى بعيدة، وليس لهم بدل انتقال وينفقون من جيوبهم، كتعذيب على امتلاكهم موهبة أو عقوبة فوق طاقتهم”.

     وتابع أحمد، مشيرا إلى أزمة الأندية المستقلة مثل نادي القصة أو الترجمة أو الزجل أو غيرها، مؤكدا أن جميع هذه الأندية تعمل بشكل تطوعي، ولا تطلب مقابلا ماديا، وكل ما تحتاجه قاعة تمارس فيها نشاطها، وتنطلق فعالياتها تحت اسم هيئة قصور الثقافة، التي يفترض أن ترحب بوجود متطوعين وفنانين يعملون دون مقابل، يكتشفون مواهب جديدة، ويسهمون في التوعية وتطوير الممارسات الفنية، وعقد مناقشات ثقافية واجتماعية وفكرية.

    واختتم قائلا: “نفاجأ أحيانا بأن قصور الثقافة تطرد هذه الأندية، وكأنها لا ترغب في مزيد من أنشطة اكتشاف المواهب أو العمل التطوعي”.

    رد مسؤول

    تواصل «باب مصر» مع مسؤول بإقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافي، الذي أكد أنه غير مصرح له بالرد أو الحديث في هذا الشأن، مشيرا إلى أن الرد يكون من الهيئة العامة لقصور الثقافة. كما تواصلنا هاتفيا مع المسؤول الإعلامي للهيئة أكثر من خمس مرات، إلا أن هاتفه كان مغلقا، وتم إرسال رسائل عبر “واتساب”، لكنها لم تلق ردا حتى كتابة هذه السطور.

    اقرأ أيضا:

    قرار وزاري يغير مصير «فيلا جمال الدين» ومنزل «دانيال مكسيموس» في منفلوط.. ما القصة؟

    من قلب الصحراء.. كيف تحولت «محمية الوادي الأسيوطي» إلى ذاكرة حية للتنوع البيئي؟

    «النحل الفرعوني» بأسيوط.. كنز بيئي وطبي موثق منذ آلاف السنين

  • مأذنتا «نصر الدين» و«وضاح».. وثائق حجرية تحكي تاريخ الواحات

    مأذنتا «نصر الدين» و«وضاح».. وثائق حجرية تحكي تاريخ الواحات

    تعد مأذنتا مسجدي «نصر الدين» و«وضاح» في قرية القصر الإسلامية بمحافظة الوادي الجديد نموذجا قديما وفريدا يحافظ على الهوية المعمارية للواحات المصرية. يجمع أسلوب بنائهما بين فترتين زمنيتين مختلفتين، ما يجعلهما وثيقة حجرية نادرة تروي تاريخ المنطقة.

    مئذنة نصر الدين: المفارقة المعمارية الخالدة

    تعد مئذنة نصر الدين «أيقونة» قرية القصر بمركز الداخلة، محافظة الوادي الجديد. حيث لا تزال تحتفظ بتخطيطها العمراني منذ القرون الوسطى.

    يقول الدكتور محمود مسعود، مدير عام الآثار الإسلامية بمركز الداخلة لـ«باب مصر»: “تمتاز مئذنة نصر الدين عن غيرها من مآذن مصر بأنها تصنف كأقدم مئذنة باقية في الوادي الجديد. حيث شيدت في العصر العثماني (القرن 11 أو 12 الهجري)، إلا أنها بنيت هندسياً على الطراز الأيوبي”.

    وأشار مسعود إلى أن هذا المزج يعكس استقلالية المعمار الواحاتي وتأثره بالموروث القديم أكثر من تأثره بالطراز السائد في العاصمة إسطنبول أو القاهرة آنذاك. ووصف المئذنة بأنها ترتفع لنحو 21 متراً. وتتكون من قاعدة مربعة، يعلوها جسم مثمن. ثم جسم أسطواني، وتنتهي بالخوذة الخشبية (الجوسق)، وهو التقسيم الكلاسيكي للمآذن الأيوبية. مما يؤكد عراقة الأصول المعمارية في هذه المنطقة.

    مئذنة مسجد نصر الدين بقرية القصر الإسلامية.. تصوير: هدير محمود
    مئذنة مسجد نصر الدين بقرية القصر الإسلامية.. تصوير: هدير محمود
    تقنيات البناء من خامات البيئة

    من جانبه، تناول ياسر حنفي، مفتش الآثار الإسلامية بقرية القصر، الجانب التقني والإنشائي لهذا الصرح. مشيرا إلى أن المئذنة ومسجد وضاح المجاور لها شُيدا بالكامل من خامات البيئة المحلية، وتحديداً «الطوب اللبن». مدعوما بجذوع النخيل وأخشاب الدوم التي استخدمت كروابط خشبية لتقوية الجدران. وزيادة قدرتها على تحمل الارتفاعات الشاهقة وعوامل التعرية الصحراوية.

    وأكد مفتش الآثار أن مئذنة نصر الدين لم تكن مجرد بناء ديني لرفع الأذان فحسب، بل كانت تؤدي وظيفة مدنية هامة. حيث استخدمت كفنار بري وعلامة بصرية للقوافل التجارية القادمة عبر دروب الصحراء، لترشدهم إلى موقع القرية ومكان الراحة.

    كُتاب «نصر الدين».. التعليم فوق السحاب

    في سياق متصل، ألقى الدكتور محمود مسعود الضوء على التخطيط الوظيفي للمجمع، مشيرا إلى وجود مدرسة أو كتاب ملحقة بمسجد نصر الدين. وهو نمط معماري ذكي استغله البناؤون القدامى.

    وقال مسعود: “رفع المسجدين، وضاح ونصر الدين، إلى الطابق العلوي كان يهدف لعدة أمور. أهمها توفير الهدوء اللازم لطلبة العلم بعيداً عن صخب الشارع داخل القرية التي ما زال أهاليها يسكنون فيها حتى الآن. بالإضافة إلى الاستفادة من تيارات الهواء الباردة في الأعلى لتلطيف درجات الحرارة القاسية صيفا”.

    مسجد وضاح بالقصر الإسلامية.. تصوير: هدير محمود
    مسجد وضاح بالقصر الإسلامية.. تصوير: هدير محمود
    مسجد وضاح.. القلب الروحي

    أكد مفتش آثار القصر الإسلامية، ياسر حنفي، أهمية مسجد الشيخ وضاح الملاصق للمئذنة. والذي يشبه مئذنة الشيخ نصر الدين في الطراز المعماري الأيوبي، مؤكدا أنه يمثل جزءاً لا يتجزأ من النسيج العمراني للمنطقة.

    وأضاف أن المسجد ما زال يصلي فيه أهالي القرية حتى اليوم. ويحرصون على الحفاظ عليه باعتباره إرثا كبيرا ورثوه عن أجدادهم. كما أشار إلى أن النقوش الكتابية الموجودة على الأعتاب الخشبية للمسجد والمئذنة لا تزال مقروءة بوضوح، وتحمل آيات قرآنية وتواريخ البناء. مما يجعلها وثائق تاريخية دامغة تساعد الباحثين في تأريخ تطور العمارة في القرية بدقة.

    اقرأ أيضا:

    «تمور الوادي الجديد».. إرث أصيل يزين موائد رمضان

    من مسرح «هيبس» كانت البداية.. ختام ملتقى «واحات الفن والإبداع» بالوادي الجديد

    «أسرار الهودج».. رحلة العرس البدوي بين التقاليد والهوية

  • قرار وزاري يغير مصير «فيلا جمال الدين» ومنزل «دانيال مكسيموس» في منفلوط.. ما القصة؟

    قرار وزاري يغير مصير «فيلا جمال الدين» ومنزل «دانيال مكسيموس» في منفلوط.. ما القصة؟

    في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل الأوساط المعنية بالحفاظ على التراث، صدر قرار رسمي غيّر خريطة المباني ذات الطراز المعماري المميز في منفلوط التابعة لمحافظة أسيوط، ما بين حذف «فيلا محمد جمال الدين أيوب» من سجل الحصر، وإدراج «منزل دانيال مكسيموس» ضمن قائمة المباني المحمية قانونيا. وبين القرارين تتصاعد تساؤلات حول مصير الذاكرة المعمارية للمدينة.

    قرار مصيري

    في 15 فبراير صدر القرار رقم 56 لسنة 2026 عن وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية. والمنشور في الوقائع المصرية، والذي يقضي بحذف العقار الكائن بشارع البوستة المتفرع من شارع جمال عبد الناصر بمدينة منفلوط من سجل المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز بمحافظة أسيوط. وهو العقار المعروف بفيلا محمد جمال الدين، والمقيد ضمن حصر التراث المعماري لعام 1998. وفي المقابل، نص القرار على إضافة عقار “دانيال” بشارع أحمد ماهر أمام محطة منفلوط إلى سجلات المباني ذات الطراز المعماري المميز.

    هذا القرار فتح بابًا واسعًا من التساؤلات: كيف يحذف مبنى ظل لسنوات ضمن سجل التراث المعماري؟ وما المعايير التي استند إليها القرار؟ وهل يمثل ذلك فقدانا لأحد معالم الذاكرة المعمارية في منفلوط؟ وإذ كانت الفيلا قد تعرضت للإهمال. فمن المسؤول عن ذلك، وهي تحت حماية وزارة الإسكان؟ ولماذا لم يتم ترميمها قبل أن تصل إلى ما هي عليه الآن؟ وهل سيترك منزل دانيال حتى يلقى المصير نفسه مستقبلا؟

    منزل دانيال مكسيموس بمنفلوط.. تصوير: أحمد مصطفى
    منزل دانيال مكسيموس بمنفلوط.. تصوير: أحمد مصطفى
    منزل دانيال مكسيموس

    على بعد خطوات من محطة قطار منفلوط، يقف منزل “دانيال مكسيموس” منذ أكثر من مائة عام، في مواجهة الزمن. شاهدا على تاريخ عريق لمدينة منفلوط، التي عاصرت تغيرات تاريخية وسياسية كبيرة. لا يفصل بينه وبين المحطة سوى شارع لا يتجاوز عرضه ستة أمتار. لكنه اليوم يفصله عن الحياة أكثر من ذلك بكثير.

    من الخارج يبدو المبنى صامتًا، نوافذه مغلقة، وتغطي جدرانه طبقة من الغبار تحاكي حجم الإهمال. وبينما يمر المارة غير مدركين. يبقى هذا البيت شاهدا على حقب زمنية مختلفة، وكان يوما أحد معالم المنطقة.

    في ذاكرة منفلوط

    يقول بهاء الدين حسين، 48 عامًا، موظف، إن المستشار “دانيال مكسيموس” أحد رجال القانون المرموقين في محافظة أسيوط. وينتمي إلى عائلة “مكسيموس” العريقة بالمدينة، والتي اشتهرت بوجود عدد من رجال القانون بين أفرادها. من أبرزهم المحامي “سمعان مكسيموس” ونجله.

    ويضيف أن المستشار دانيال مكسيموس كان من الرموز القانونية والاجتماعية البارزة، وارتبط اسمه بالحياة السياسية. وكان من الأعيان المعروفين الذين لعبوا دورًا في تشكيل تاريخ مدينة منفلوط. كما كان لعائلة “مكسيموس” حضور في الحياة العامة. فمنهم من تولى مناصب في لجنة حزب الوفد بأسيوط، ومنهم المحامي ماهر وصفي مكسيموس.

    وتابع: منذ صغري وأنا أرى هذا العقار شامخًا في مدينة منفلوط. فرغم جدرانه الصامتة، عاش معنا كل لحظات حياتنا. كأنه كتاب تاريخ تحمل صفحاته مئات القصص”. وقد شيد المبنى في أوائل القرن العشرين على يد مالكه الأصلي “دانيال مكسيموس”. ويوضح حسين أن المبنى مكون من بدروم ودور أرضي ودورين علويين، يتوسطه سلم من”الموزايكو الفاخر”. كما يمتد أعلى المبنى “روف” كان يتم استخدامه كمجلس ليلي للعائلة.

    منزل دانيال مكسيموس بمنفلوط.. تصوير: أحمد مصطفى
    منزل دانيال مكسيموس بمنفلوط.. تصوير: أحمد مصطفى
    موقع حيوي مهجور

    يحد المنزل من الناحية القبلية “عطفة مكسيموس”، ومن الناحية البحرية منزل لأحد الأهالي. ومن الغرب يطل على شارع المحطة الرئيسي، ومن الشرق مستشفى منفلوط للأطفال والولادة.

    ويكمل بهاء: “موقع العقار لا يعرف السكون، لكن المفارقة الكبيرة أن المنزل نفسه خال منذ سنوات. بعدما انتقل أحفاد دانيال للعيش في مدينة أسيوط، وأصبحت زيارتهم له نادرة”. ويشير إلى أن هذا الغياب الطويل ترك أثره على الجدران التي بدأت تظهر عليها ملامح الإهمال تدريجيًا.

    ويوضح أن مرور الوقت أدى إلى ظهور تصدعات وشروخ دفعت البعض إلى المطالبة بإدراجه ضمن المباني الآيلة للسقوط. مضيفا أن كثيرًا من المباني التراثية في مدن الصعيد غير المسجلة رسميا تتحول إلى ضحايا وضع مزدوج. فهي لا تحظى بحماية قانونية كاملة كأثر، ولا تجد اهتماما كعقار سكني حديث، فتسقط بين تصنيفين. وينتهي بها الأمر إلى قرار هدم.

    الإطار القانوني

    بحسب مصدر بقطاع الآثار القبطية والإسلامية واليهودية، وأحد أعضاء اللجنة الدائمة بأسيوط- فضل عدم ذكر اسمه-، فإن إدراج منزل دانيال مكسيموس ضمن قائمة المباني ذات الطابع المعماري المتميز من قبل اللجنة الدائمة المختصة يعني خضوعه للحماية القانونية الكاملة.

    وينص قانون البناء رقم 119 لسنة 2008 على حظر هدم المباني ذات الطراز المعماري المتميز أو إجراء أي تعديلات جوهرية عليها إلا بعد الرجوع إلى الجهة المختصة والحصول على الموافقات اللازمة. كما يؤكد أن تسجيل المبنى يمنع إصدار تراخيص إزالة له. ما لم يصدر قرار رسمي بخروجه من قوائم الحصر.

    وأضاف المصدر أن قانون الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته يجرم الإضرار بالمباني ذات القيمة التاريخية أو المعمارية. سواء بالفعل المباشر أو بالإهمال المتعمد الذي يؤدي إلى تلفها. ويضع عقوبات قد تصل إلى الحبس والغرامة في حال ثبوت تعمد التخريب أو إحداث تلف جسيم.

    قرار وزاري

    أوضح المصدر أنه تم إدراج مبنى “دانيال مكسيموس” في سجلات المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري بمحافظة أسيوط بقرار من اللجنة الدائمة المختصة. وتم الإعلان عن ذلك بقرار وزاري، ما يمنحه صفة الحماية من الهدم أو التغيير الجوهري في ملامحه دون الرجوع إلى الجهات المعنية.

    وأشار إلى أن ما تعرض له العقار خلال الفترة الماضية لا يمكن اعتباره مجرد إهمال طبيعي. بل تضمن – بحسب وصفه- أعمال تخريب متعمدة جرت من جانب ملاك العقار، وأسهمت في تسريع تدهور حالته الإنشائية. الأمر الذي أثار تحفظات داخل الأوساط المعنية بالحفاظ على التراث.

    ونوه المصدر بأن أي تدخل في مبنى مسجل كذو طابع مميز يجب أن يتم وفق إجراءات قانونية محددة وبعد الحصول على موافقات رسمية. مؤكدا أن العبث بالمكونات المعمارية أو ترك المبنى عرضة للتلف قد يضع المسؤولين عنه تحت المساءلة.

    فيلا محمد جمال الدين أيوب بمنفلوط.. تصوير: جاسمين مهني
    فيلا محمد جمال الدين أيوب بمنفلوط.. تصوير: جاسمين مهني
    فيلا محمد جمال الدين أيوب

    في أحد شوارع قيسارية منفلوط، تقف فيلا عتيقة مكونة من طابقين، تحمل بين جدرانها أكثر من قرن من الحكايات. شيدت في مطلع القرن العشرين، ولم تكن مجرد مسكن عائلي لآل جمال الدين أيوب، الذين ينتمون إلى جذور تركية. بل امتدادا لتاريخ أسرة لعبت دورًا إداريًا وسياسيًا بارزًا في إقليم الولاية المنفلوطية.

    يقول قطب محمود محمد شلبي، وكيل وزارة الثقافة بأسيوط سابقًا لـ«باب مصر»، إن الفيلا تعود إلى عائلة جمال الدين أيوب، إحدى العائلات ذات الثقل التاريخي. وأن محمد صالح جمال الدين أيوب هو نجل صالح جمال الدين، الذي تولى نظارة أوقاف الأمير علي جمال الدين أيوب، حاكم إقليم الولاية المنفلوطية. والذي كان صديقا لمحمد علي باشا حاكم مصر. ووفق الرواية التاريخية، كان الإقليم يمتد من منقباد بأسيوط حتى مركز دير مواس بالمنيا.

    وأوضح شلبي أن كتابات المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي تشير إلى وقائع سياسية شهدتها المنطقة في تلك الحقبة. من بينها إلقاء القبض على علي بك الكبير وأبو الذهب، الناجيين من مذبحة القلعة، على يد علي جمال الدين أيوب. ثم تسليمهما إلى محمد علي باشا، وهو ما يعكس مكانة العائلة السياسية آنذاك وقربها من الحاكم. وقد عين علي جمال الدين أيوب حاكما على الإقليم عقب إعادة التقسيم الإداري لأقاليم مصر في ذلك الوقت.

    فيلا تجسد مكانة اجتماعية

    في مطلع القرن العشرين شيد صالح جمال الدين الفيلا، لتكون مقرًا عائليًا يليق بمكانة الأسرة. ويتكون المبنى من طابقين، ويعكس طابع العمارة السكنية الراقية في تلك الفترة، وشهد انتقال الملكية عبر الأجيال.

    ورث محمد صالح جمال الدين أيوب الفيلا بعد وفاة والده. وكانت له ابنة تزوجت من محمود بركات، وكيل وزارة التربية والتعليم بأسيوط. وذلك في عهد المحافظ زكي بدر في ثمانينات القرن الماضي، وأقاما بها لسنوات. ولا يزال أحد الأحفاد يقيم في الفيلا حتى اليوم. بينما انتقل نجل محمد صالح، اللواء أركان حرب عادل محمد جمال الدين، إلى القاهرة بحكم عمله، وترك الفيلا لشقيقته وأبنائها، ولم يعد إليها حتى وفاته. لكنها لا تزال مسجلة باسم والده.

    فيلا محمد جمال الدين أيوب بمنفلوط.. تصوير: جاسمين مهني
    فيلا محمد جمال الدين أيوب بمنفلوط.. تصوير: جاسمين مهني
    بين السلامة الإنشائية والذاكرة المعمارية

    يقول حسام علي المنفلوطي، 40 عامًا، موظف، إن الفيلا شاهدة على تاريخ كبير لمدينة منفلوط. وبعد القرار الأخير يبرز سؤال مهم: هل الحالة الإنشائية وحدها كافية لمحو مبنى من سجل الطابع المميز؟ وهل تم بحث إمكانية الترميم قبل اللجوء إلى الهدم؟

    ويضيف أن الفيلا ليست مجرد جدران متشققة، بل شاهد على مرحلة إدارية وسياسية مهمة في تاريخ منفلوط. وعلى عائلة ارتبط أسمها بإدارة الأوقاف وحكم الإقليم في زمن كانت فيه الولاية المنفلوطية تمتد جغرافيًا لمسافات واسعة.

    ويتابع: “الهدم قد يحل أزمة هندسية، لكنه يطرح تساؤلات أعمق حول آليات الحفاظ على المباني ذات القيمة التاريخية. خاصة تلك المرتبطة بأسر لعبت أدوارًا محورية في تشكيل ملامح الإقليم”.

    قرار اللجنة: الشروخ طبيعية والهدم هو الحل

    وسط هذا التاريخ الممتد، جاء القرار الذي فجر الجدل. حيث أعلنت وزارة الإسكان حذف الفيلا من سجل التراث المعماري لمحافظة أسيوط (حصر 1998).

    وبحسب ما ذكره مسؤول باللجنة الدائمة للمباني غير الآيلة للسقوط وذات الطراز المعماري المميز بأسيوط – فضل عدم ذكر اسمه- فإن الفيلا تعاني من شروخ واضحة في جدرانها. وبعد معاينة ميدانية من أعضاء اللجنة، انتهت إلى قرار الهدم مع استبعادها من سجل المباني ذات الطابع المميز.

    وأكد المصدر أن الشروخ – وفق التقرير الفني – ناتجة عن عوامل طبيعية وتقادم الزمن، دون أي تدخلات من الورثة. بالإضافة إلى هبوط أرضي حدث بالمكان. وأشار إلى أن القرار استند إلى الحالة الإنشائية للمبنى كما وردت في المعاينة الرسمية. وعقب القرار أعلنت وزارة الإسكان، ممثلة في الوزير المختص، حذف الفيلا لضمان سلامة الأهالي المقيمين بها ومن حولها.

     ذاكرة مدينة على المحك

    اليوم تقف الفيلا عند مفترق طرق بين قرار رسمي يرى أن الشروخ كافية لإنهاء عمرها، وذاكرة مدينة ترى فيها جزءًا من تاريخها الاجتماعي والسياسي. فهل يطوى هذا الفصل بهدوء تحت لافتة السلامة الإنشائية، أم يعاد النظر في مصير مبنى قد يكون آخر ما تبقى من زمن الولاية المنفلوطية؟ الفيلا مازالت قائمة، لكن السؤال الذي يتردد: إلى متى؟

    اقرأ أيضا:

    من قلب الصحراء.. كيف تحولت «محمية الوادي الأسيوطي» إلى ذاكرة حية للتنوع البيئي؟

    «النحل الفرعوني» بأسيوط.. كنز بيئي وطبي موثق منذ آلاف السنين

    «صالح رياض».. حكاية حرفي يضيء البيوت والكنائس بالمجسمات القبطية

  • «الأبريه».. مشروب نوبي يتصدر موائد رمضان في أسوان

    «الأبريه».. مشروب نوبي يتصدر موائد رمضان في أسوان

    تحافظ القرى النوبية في أسوان على عادة لا يغيب حضورها عن موائد رمضان، إذ يتصدر مشروب «الأبريه» مائدة الإفطار باعتباره طقسا أصيلا من طقوس الشهر الكريم، إلى جوار البلح ومشروبات مثل الكركديه والدوم والعرديب (التمر هندي). وتبدأ السيدات في تحضيره قبل حلول رمضان بفترة، في أجواء جماعية تعكس روح التعاون والترابط داخل القرى النوبية.

    الأبريه سنة وفرض

    التقى «باب مصر» بعدد من السيدات النوبيات للحديث عن طريقة التحضير والطقوس المتوارثة لهذا المشروب الرمضاني. تقول الحاجة شادية يوسف صيام، من نجع العواضاب بقرية غرب أسوان، إن “الأبريه” مشروب أساسي على مائدة الإفطار. واصفة إياه بأنه “سنة وفرض” عند النوبيين، ولا بد من وجوده يوميا إلى جوار العصائر المختلفة. ويحضر بالطريقة التي توارثتها الأمهات والجدات.

    الأبريه مشروب نوبي في رمضان.. تصوير: وفاء أمين
    الأبريه مشروب نوبي في رمضان.. تصوير: وفاء أمين
    مراحل تحضير الأبريه

    تبدأ مراحل إعداد مشروب “الأبريه”، بحسب الحاجة شادية، بطحن الغلة (الذرة) وخلطها بدقيق القمح. ثم تخمير العجين لمدة تختلف باختلاف الفصول، أسبوعا كاملا في الشتاء وثلاثة أيام في الصيف لارتفاع درجات الحرارة، مما يسرع عملية التخمر.

    وتوضح أن عجين “الأبريه” يكون سائلا. ويضاف إليه عدد من الأعشاب الطبيعية التي تمنحه نكهة مميزة، منها القرفة والكمون والحلف بر والحلبة. وبعد ذلك تفرد طبقة رقيقة من العجين على “الدوكة” باستخدام أداة خشبية تعرف بـ«الجرجريب».

    ويمر “الأبريه” بمرحلة التسوية لمدة دقيقتين على نار هادئة، ثم يرفع بعد تمام النضج ليصبح جاهزا للاستخدام. ويتميز بقدرته على ترطيب الجسم ومنح الإحساس بالشبع. لذلك يقبل الأهالي على تناوله صيفًا مع ارتفاع درجات الحرارة. كما يحرصون على شربه بعد الإفطار خلال شهر رمضان لراحة المعدة والمساعدة على الهضم. ويمكن تخزينه داخل المنازل لمدة تصل إلى عام كامل، ما يجعله حاضرا طوال السنة، وإن ظل الأكثر ارتباطا بالشهر الكريم.

    طقس اجتماعي متوارث

    أوضحت الحاجة شادية أن السيدات قديما كن يجتمعن في أجواء احتفالية قبل رمضان بشهرين لتحضيره. حيث تحدد كل سيدة يوما معينا لاستقبال باقي نساء القرية للعمل الجماعي، مع إعداد الطعام لهن طوال اليوم. وأضافت أن العمل يبدأ خلال شهري رجب وشعبان، ويتوقف مع دخول رمضان بعد تجهيز احتياجات كل بيت من “الأبريه”. في تقليد اجتماعي يعكس روح التعاون والترابط داخل المجتمع النوبي. ليبقى أكثر من مجرد مشروب، بل علامة من علامات الهوية الرمضانية في أسوان.

    فيما أضافت الحاجة حنان درديري، من نجع الغلالاب بالقرية، أنه يجهز بوقت كاف لإهدائه إلى الأهل والأقارب داخل أسوان وباقي المحافظات، وكذلك لإرساله إلى الأسر التي تعيش خارج مصر. في مشهد يعكس مظاهر التكافل الاجتماعي بين أبناء النوبة في الداخل والخارج.

    تحضير الأبريه.. تصوير: وفاء أمين
    تحضير الأبريه.. تصوير: وفاء أمين
    يبدأ الإفطار بالتمر وكوب الأبريه

    تابعت الحاجة حنان أن الإفطار يبدأ بتناول التمر مع كوب من “الأبريه”، ثم أداء صلاة المغرب قبل استكمال وجبة الإفطار. مؤكدة أنه لا يخلو منه أي بيت نوبي طوال الشهر الكريم. وأوضحت أنه بعد تمام النضج  يوضع “الأبريه” على الطبق النوبي “الشوور” أو “التاجدي”. ثم ينقل إلى غرفة أخرى ويفرد على حصير من الخوص يسمى «نبيد» للحفاظ على التهوية وبعيدا عن الأتربة.

    وأضافت أنه يُفتت إلى قطع صغيرة ويوضع في أكياس قماش للحفاظ على جفافه وتهويته، كما يرص أحيانا في “المشنة”، وهو طبق عميق مصنوع من الخوص مخصص للمخبوزات. وأشارت إلى أنه قديما كانت التسوية تتم على “الدوكة” باستخدام جريد النخل. أما الآن فأصبحت كل سيدة تحضره في منزلها باستخدام أنبوبة الغاز.

    ولفتت “درديري” إلى أنه قديما كان “الأبريه” يشرب بإضافة الماء والسكر والليمون، ومع التطور يمكن إضافة نكهات مختلفة مثل التفاح أو الفراولة أوالمشمش أو الموز، من خلال وضع القليل منها فوق المشروب مع التقليب. ثم يصب في أكواب ويزين بقطع الموز أو المانجو، ويقدم على الإفطار بعد تناول البلح.

    اقرأ أيضا:

    جيل وراء جيل.. حكايات بناة السد العالي عن العزيمة والتحدي

    حوار| الأثري أحمد مسعود: جبانة الاغاخان تكشف الحلقة المفقودة في تاريخ جبانات أسوان

    «شبابيك للثقافة والفنون».. ملتقى يفتح نوافذ الإبداع على مواهب الجنوب

  • «فول نابت طاب واستوى».. حكاية مهنة لم تخرج من يد عائلة «الترامسية» في قوص

    «فول نابت طاب واستوى».. حكاية مهنة لم تخرج من يد عائلة «الترامسية» في قوص

    عندما تعيش في دروب وأرجاء محافظة قنا، وخصوصًا مدينة قوص، تجد الكثير من المهن التي ارتبطت بالعائلات كما ارتبط الإنسان بالطبيعة. ومن هذه المهن مهنة صناعة الفول النابت، الذي أضيف إليه فيما بعد الفول المدمس والطعمية، مستخدمين أدوات من الطبيعة كالأواني الفخارية والنحاسية. وارتبطت تلك المهنة بعائلة الترامسية في منطقتي البطحة والنوبة بمدينة قوص، حيث كانت البطحة مكان انبطاح الجمال للعبور عن طريق الحجاج بقوص إلى ميناء عيذاب، وتُعد من أقدم مناطق المدينة.

    صناعة الفول النابت

    تعود صناعة الفول النابت في قوص إلى أكثر من 700 عام. ويزداد الطلب على شراء الفول النابت والمدمس في شهر رمضان الكريم.

    يقول المعلم طه الترامسي، وهو في الخمسينات من عمره، إن جده صاحب الصنعة، وإن مهنة الفول النابت تعود لعائلة الترامسية. فهم أول من امتهنوها منذ ما يزيد على 700 عام، حين كانت قوص تمر بها قوافل الحجاج قديمًا القادمين من أنحاء شمال إفريقيا، ليمروا بها حتى يصلوا إلى ميناء عيذاب في القصير عبر البحر الأحمر. تمهيدا للدخول إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج. وكانت العائلة تستضيف هؤلاء الحجاج في منطقة البطحة، وتقدم لهم أطباقا من الفول النابت مجانا كضيافة وزاد يعينهم على استكمال الطريق الشاقة.

    بئر تاريخي

    في تلك المنطقة كان يوجد بئر يعود تاريخه إلى العصر الروماني، كان يشرف عليه أهل الترامسية، ويقدمون منه المياه للحجاج. لذلك اشتهروا بالكرم والجود والشهامة، وهي صفات توارثتها الأجيال حتى الآن.

    وتوارث أهل الترامسية تلك المهنة عبر الأجيال المتعاقبة. وأصبح لديهم خبرات عميقة في صناعة الفول النابت، فلا يكاد زائر غريب يأتي إلى مدينة قوص إلا ويقصدهم لتناول الفول النابت لديهم. وكانت العائلة تصنع وتجهز الفول النابت بالطريقة التقليدية القديمة. إذ كان يتم سربه وتنظيفه وغسله، ثم يُبل في ماجور برام أو شقف كبير من الفخار.

    وفي السابق كانت العائلة تكتفي بتقديم الفول النابت للزبائن. أما الآن فقد أدخل الورثة الفول المدمس والطعمية إلى جانب الفول النابت. فاقت شهرة العائلة مدينة قوص وقراها، بل أصبح القادمون من خارجها يقصدونهم للأكل لديهم. ولم يغيروا مكان الأجداد في البيع والشراء، ويؤكدون أن سر نجاحهم يكمن في إرضاء جميع الزبائن، فلا يخرج زبون غاضب.

    قدرة الفخار التي تعود لأكثر من 100 عام

    يقول محمد طه، وريث المهنة، إنه بعد استواء الفول النابت يتم وضعه في قدرة مصنوعة من الفخار تعود لأكثر من مائة عام. وهي القدرة الفخارية الوحيدة المستخدمة في حفظ الفول النابت في قنا.

    ويضيف: ورثناها عن أجدادنا، وكانوا يستخدمونها أثناء البيع ليظل الفول محتفظًا بسخونته. سواء تناوله الزبون في أطباق داخل المحل أو أخذه في فوالات منزلية قديما أو في أكياس حاليا. ويقبل البعض على الفول النابت لحالات التعب والإعياء، بينما يتناوله آخرون في وجبة العشاء لأنه منخفض السعر.

    وما زلنا نحتفظ بطريقة الصناعة ووضع الفول والبيع منه في قدرة الفخار الكبيرة التي لا مثيل لها بسبب قدمها. ورغم ثقلها في الرفع والنقل، فإننا نلتزم بطريقة الأجداد حفاظا على ثقة الزبائن الممتدة منذ سنوات طويلة.

    مهنة الأجداد

    يحكي محمد طه الترامسي، 42 عامًا، أنه ورث المهنة عن والده وأجداده. كان يخرج مع والده صغيرا، يراقبه ويتعلم كيف يعمل وكيف يتعامل مع الزبائن. وكان يملأ الزعافة الفخارية، ويخرج بها إلى المحل حيث البيع.

    ويضيف: “ورثت مهنة صناعة الفول النابت عن والدي ومن قبله أجدادي، حفاظًا على الصنعة وتاريخ العائلة وتراث المهنة، التي مرت بمراحل متغيرة. إذ كان الفول يستوي وينضج على الجل والوقيد، ثم على بابور الجاز، وصولا إلى البوتاجاز الآن”.

    ويتابع: “كان عمري أقل من عشر سنوات. وكنت أري والدي يضع الفول بعد غسله في ديست نحاسي ليستوي على نار هادئة لمدة 15 ساعة، ثم يوضع في قدرة فخار ليحتفظ بسخونته”.

    الترامسية في رمضان

    يقول الترامسي: “نصنع الفول النابت ونبيعه طوال العام، لكن في رمضان يزداد الطلب عليه. ونضيف حاليًا المخلل والفول المطبوخ، بسبب كثرة الطلب من السيدات والرجال”.

    ويشير إلى أنهم يضطرون، لكثرة الطلب، إلى افتراش مكان أمام المحل لتلبية احتياجات الزبائن. من الساعة الثامنة صباحًا حتى قبيل أذان المغرب. ويضيف: “نشتري كميات من الفول ونبدأ في تجهيزها من أول رمضان، ونستمر يوميًا في التحضير. فكلما انتهى بيع قدر بدأنا في بيع آخر حتى ينتهي اليوم، وهكذا طوال الشهر الكريم”.

    المهنة للعائلة فقط

    يؤكد الترامسي أن أجداده لم يكونوا يسمحون لأي شخص من خارج العائلة أن يضع يده في الصنعة. حتى في تنظيف الفول، حفاظا على الأمانة وثقة الزبون. ففي الماضي كانت العائلات تعمل أمام منازلها في الهواء الطلق، وكان جده يخرج الطبلية لجرد الفول من أي عود أو حصى. ويرفض أن يساعده أحد من خارج العائلة، خشية أن تمر حصاة تؤذي زبونا. وكان يقول لوالده: “هي أمانة قبل أن تكون تجارة، فلا بد أن تصنعها بيدك”، لذلك لم تخرج المهنة من يد العائلة.

    ويضيف أنه كان يرى والده في المطعم يراقب الزبائن. فمنهم من يدخل يأكل ويدفع، ومنهم من يأكل ويغادر دون دفع، فكان يتركه ولا يستوقفه، قائلا: “اتركها لله، فربما لم يكن معه ثمن الطبق”، وكان يوصيه دائما بأن يتركها لله.

    ويكمل الترامسي: “قبل 30 عامًا كنا نبيع الفول النابت في فوالات. حيث يأتي المشتري بطبق أو فوالة من منزله ليأخذ فيها”، وذلك قبل انتشار الأكياس الشفافة. أما الآن، فمن يشتري نبيع له في كيس، ومن يجلس للأكل يقدم له في طبق ويعيده إلى مكانه بعد الانتهاء”.

    فول عائلة الترامسية.. تصوير: أسماء الشرقاوي
    فول عائلة الترامسية.. تصوير: أسماء الشرقاوي
    من قروش حتى 5 جنيهات للطبق

    منذ سنوات كان ثمن طبق الفول النابت قروشا قليلة، ثم وصل إلى جنيهين قبل عدة سنوات. وبعد ارتفاع سعر الفول في عام 2020 بلغ سعر الطبق خمسة جنيهات، وما يزال يحظى بإقبال كبير حتى الآن.

    وفى مشهد غريب لم أكن أتوقعه، وأثناء حديثي – المحررة- داخل المحل بمنطقة النوبة بمركز قوص بمحافظة قنا، دخل علينا رجل مسن. وعندما وجدنا نتحدث عن الأجداد وتاريخ العائلة، مد يده وقرأ الفاتحة، واغرورقت عيناه بالدموع. وقال لي: “الله يرحم أبوه ، كنت آخذ منه الفول النابت، ولم يسألني عن الدفع يوما. ولم يحصل مني على ثمن طعامي قط في هذا المكان الذي لم يتغير”.

    طيبة الأجداد سر الصنعة

    يكمل طه حديثه بعد مغادرة الرجل، قائلا إن والده كان يوصيه بنظافة الفول وغسله جيدًا، لأن في كل حبة “خطا أسمر” – يقصد به الخط الأسود الذي يشبه حرف الألف-. وهو أول حرف في اسم الله، رمز الجلالة، لذلك يجب احترامها وغسلها جيدا، فهي مباركة من عند الله، ولا يجوز تقديمها للزبون غير نظيفة.

    ويقول إن سيدات ما زلن حتى الآن يشترين منه، ويسألنه: “ماذا تضيفون إلى الفول النابت ليخرج لديكم أفضل مما نصنعه في منازلنا؟ فيرد: هذا من بركة الأجداد”. ويشير الترامسي إلى أنه كان، بمجرد دخوله الشارع الذي يسكن فيه بمنطقة البطحة، يشم رائحة الفول على النار ويحدد درجة استوائه. ما أكسبه خبرة عميقة في صناعة الفول النابت.

    الديست النحاسي القديم

    يختتم الترامسي حديثه ويقول: “نحن لا نسوي الفول إلا على نار هادئة بطيئة. نتحكم في درجتها حسب تغير لون الحبة ودرجة نضجها داخل الديست النحاسي. لأننا نصنع كميات كبيرة يستغرق استواؤها نحو 15 ساعة، لذلك نصبر عليها حتى تنضج جيدًا لنقدمها للزبائن بأفضل صورة”.

    ويؤكد أنه إذا خرجت الحبة غير مكتملة النضج فلا يقدمها للزبون. بل يخصصها للمنزل ويبدأ في إعداد كمية جديدة، حفاظا على الثقة. فالزبون هو الهدف الأساسي وإرضاؤه سر النجاح، ويساعده في عمله زوجته. وكانت تساعده والدته في المنزل حتى وفاتها منذ أيام.

    اقرأ أيضا:

    عميد كلية الفنون بجامعة الأقصر: «الفنان الملتزم ببيئته المحلية هو الأقدر على تمثيل مجتمعه»

    من المزود إلى شجرة الميلاد.. طقوس عيد الميلاد المجيد في قنا

    «كيهك».. شهر النور والتسبيح بين الكنيسة والحقول

  • بين الكهوف والكثبان.. أسرار الحياة البرية في «وادي إيمو»

    بين الكهوف والكثبان.. أسرار الحياة البرية في «وادي إيمو»

    قبل أن تشرق الشمس بقليل، وحين يكون الضوء خافتًا والهواء باردًا على غير عادة الصحراء، تبدو الأرض ساكنة تمامًا، فلا أصوات تسمع، ولا حركة تُرى. لكن من يقترب من سفح الجبل داخل محمية الوادي الأسيوطي، ويخفض نظره قليلًا إلى الرمال، سيكتشف أن الليل كان صاخبًا بالحياة.

    آثار أقدام صغيرة بجوار أخرى أكبر، وخطوط متعرجة تركتها حركة حذرة، وبقايا فرائس متناثرة تحكي قصة مطاردة انتهت قبل ساعات. هنا، في «وادي إيمو».

    منطقة الذئاب والضباع

    يبدأ الدكتور إبراهيم نفادي، مدير المحمية، حديثه لـ«باب مصر» عن واحدة من أغنى مناطقها بالحياة البرية، قائلًا: “وادي إيمو ليس مجرد موقع داخل المحمية. بل عالم كامل يعيش وفق قوانينه الخاصة، بعيدًا عن أعين البشر”.

    وتابع: “منطقة وادي “إيمو”، المعروفة بين الزوار باسم وادي الذئاب والضباع تعد محطة رئيسية للرحلات المدرسية والعائلية وطلاب الجامعات. لما تحمله من تنوع طبيعي فريد يجمع الكهوف الجبلية والكثبان الرملية في مشهد صحراوي بديع، يرون من خلاله الحياة البرية في بيتها الطبيعية”.

    الكهوف الجبلية.. بيت تحت حماية الجبل

    أسفل تكوين صخري يشبه المظلة الطبيعية، تقع ثلاثة كهوف متصلة ببعضها البعض. تبدأ بكهف صغير تتناثر داخله آثار الأقدام في كل زاوية، ثم كهف أكبر، وصولا إلى الكهف الرئيسي، وهو الأعمق والأوسع.

    يقول نفادي: “الكهوف هنا بالمحمية ليست مجرد تجاويف صخرية، بل بيوت حقيقية للحيوانات. الكهف الرئيسي يمتد قرابة 15 مترًا داخل الجبل، وينخفض في الداخل ليمنح حماية من أي خطر محتمل. داخل هذه الكهوف تقضي الحيوانات ساعات النهار في هدوء تام، تختبئ من حرارة الشمس وتحتضن صغارها. وكأن الجبل نفسه يفتح ذراعيه ليحميها”.

    ويضيف: “تم رصد ستة أنواع من الحيوانات البرية داخل الكهوف. من بينها الذئاب والثعالب والنمس والأرانب البرية، وأغلبها حيوانات ليلية”. ويشير إلى أن حياة هذه الحيوانات تبدأ حين ينام الإنسان. فهي تتحرك في الظلام بثقة، تعرف مساراتها جيدًا، وتعود قبل الفجر كأن شيئًا لم يكن. تخرج بحثًا عن غذائها ضمن السلسلة الغذائية الطبيعية. سواء من القوارض والأرانب البرية داخل نطاق المحمية أو مصادر أخرى. ويستدل على نشاطها من خلال آثار الأقدام وبقايا الطعام المنتشرة في محيط الكهوف”.

    ابن آوى”.. حضور تاريخي ممتد

    من بين الحيوانات التي تستوطن وادي “إيمو” يبرز “ابن آوى”، ذلك النوع من الذئاب الذي ارتبط بالحضارة الفرعونية القديمة. ويوضح “نفادي” أن الفراعنة جسدوا هيئته على جدران المعابد وفي التماثيل، لما كان يمثله من رمزية خاصة لديهم. مؤكدًا أن هذا الحيوان بطبيعته لا يهاجم الإنسان إلا في حالات نادرة إذا شعر بالتهديد ضمن مجموعة.

    ويضيف أن الحياة البرية ليست عدوًا للإنسان، بل جزء من توازن أكبر، وكل كائن فيها يؤدي دوره.

    الغزال المصري.. مشهد يمنح الأمل

    في لحظة مختلفة من اليوم، ومع أول خيوط الفجر، يظهر مشهد يخطف الأنفاس، مجموعة من الغزلان تتحرك بخفة فوق الرمال.

    يقول إبراهيم نفادي إن الغزال المصري أحد أهم الثدييات داخل المحمية، مؤكدا أنه من الأنواع المهددة بالانقراض، ما يجعل حمايته مسؤولية أساسية. وقد رُصدت مجموعات بلغ عددها نحو 13 غزالة دفعة واحدة، وكان مشهدًا يمنح الأمل. فالغزال يختار النزول بعد الفجر مباشرة، حين تتغطى النباتات بطبقة من الندى، فيحصل على احتياجاته من المياه من الرطوبة الطبيعية، ما يمكنه من التكيف مع البيئة الجافة لأسيوط.

    ويوضح أن الغزال المصري له مميزات وأهمية كبيرة، فعلى سبيل المثال، لون دمه يميل إلى الأحمر الوردي أو الفوشيا، على عكس لون دم الإنسان والحيوانات الأخرى. ويستشهد بقول أحد الشعراء: “والمسك بعض دم الغزال”. إذ يرتبط المسك تاريخيا بغدة موجودة في بطن نوع من الغزلان، تستخرج منها كتل خام تخفف ويصنع منها المسك.

    كما يتميز الغزال بلحمه، فهو من أشهى أنواع اللحوم لاعتماده في غذائه على النباتات البرية والطبيعية، فأكله يعتبر غذاء ودواء في نفس الوقت. وتوجد مزارع في بعض القرى على طريق إسكندرية الصحراوي، منها قرية “الأسد”، تضم مزارع للغزال المصري وتقدم وجبات من لحمه. ونظرًا لكونه من الأنواع المهددة بالانقراض، فقد تم تجريم صيده.

    بين الجفاف والحياة.. جهود لا تتوقف

    في بيئة صحراوية نادرة الأمطار، كان لا بد من تدخل يحافظ على استمرارية هذا التوازن، لذلك أنشأت إدارة المحمية أحواض مياه في عمق الصحراء تملأ دوريا لدعم الحياة البرية، خاصة في ظل الطبيعة الجافة لمحافظة أسيوط وندرة سقوط الأمطار. ولهذا السبب يحصل الغزال المصري على ما يحتاجه من ماء من قطرات الندى التي تتناثر على النباتات، وقد يبقى لمدة عام دون شرب مياه.

    ويقول نفادي: “نحن لا نطعم الطبيعة، بل نساعدها على الاستمرار، فدورنا أن نحمي هذا التوازن لا أن نغيره”. وتابع: “كثيرون يظنون أن الصحراء فراغ، لكنها في الحقيقة عالم متكامل، كل أثر قدم على الرمل دليل حياة، وكل كهف يحمل قصة بقاء”.

    الزيارات المدرسية.. وزيادة الوعي

    يؤكد إبراهيم أن حماية الوادي لا تعني فقط الحفاظ على الذئاب أو الغزلان، بل صون منظومة كاملة مترابطة، فاختفاء نوع واحد قد يخل بتوازن دقيق استغرق تشكيله مئات السنين. وأن التحدي الحقيقي لا يكمن في رصد الحيوانات فحسب، بل في نشر الوعي بأهمية وجودها وحقها في الحياة.

    موضحًا أنه حين يرى طفل آثار أقدام على الرمال ويسأل عنها، تبدأ أول خطوة نحو الوعي البيئي، فالرحلات المدرسية إلى المحمية ليست مجرد نزهة، بل فرصة لغرس مفهوم جديد عن العلاقة بين الإنسان والطبيعة.

    كهوف الوادي الأسيوطي وادي إيمو.. تصوير: جاسمين مهني
    كهوف الوادي الأسيوطي وادي إيمو.. تصوير: جاسمين مهني
    شمس تغرب.. وحياة تبدأ

    مع اقتراب الغروب، وحين تتلون السماء بدرجات البرتقالي وتبدأ حرارة النهار في الانكسار، يعود وادي”إيمو” إلى هدوئه الظاهري. تختفي الحركة تدريجيًا داخل الكهوف، لتتهيأ الحيوانات ليوم جديد من دورة لا تتوقف. لكن هذا السكون ليس نهاية المشهد، بل استراحة قصيرة قبل أن يبدأ فصل جديد من الحكاية مع حلول الليل.

    اقرأ أيضا:

    من قلب الصحراء.. كيف تحولت «محمية الوادي الأسيوطي» إلى ذاكرة حية للتنوع البيئي؟

    «النحل الفرعوني» بأسيوط.. كنز بيئي وطبي موثق منذ آلاف السنين

    «صالح رياض».. حكاية حرفي يضيء البيوت والكنائس بالمجسمات القبطية

  • «الغابة الشجرية» في الحبيل.. استثمار بيئي يحمي المناخ ويوفر المياه

    «الغابة الشجرية» في الحبيل.. استثمار بيئي يحمي المناخ ويوفر المياه

    تمثل «الغابة الشجرية» بمنطقة الحبيل في محافظة الأقصر واحدة من أكبر الغابات الصناعية في مصر، ومشروعا بيئيا مستداما يعتمد على استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة في ري مساحات واسعة من الأشجار، بهدف حماية البيئة من التلوث وتوفير المياة العذبة، إلى جانب تحقيق عائد اقتصادي من إنتاج الأخشاب والزيوت والوقود الحيوي.

    من أكبر الغابات الصناعية في مصر

    يقول المهندس محمد علي، مدير عام الغابات الشجرية بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بالأقصر: “أنشأت وزارة الزراعة الغابة الشجرية عام 1996 في مركز البياضية، وتحديدًا في منطقة الحبيل بمحافظة الأقصر. ثم انتقلت ملكيتها إلى شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالأقصر عام 2007. وزادت مساحتها المزروعة على مدار سنوات طويلة، منها 120 فدانا لصالح الشركة”.

    ويضيف: “تأتي فائدة الغابات الشجرية بشكل رئيسي في التخلص الآمن من مياه الصرف الصحي. بعد معالجتها لري الأشجار على مساحات واسعة من الأراضي، منعًا لتلوث البيئة وتوفيرًا للمياه العذبة. كما تعمل المسطحات الخضراء على تنقية الهواء من غاز ثاني أكسيد الكربون، وإنتاج الأكسجين. حيث يُنتج الفدان الواحد تقريبًا 250 كيلو أكسجين ويستهلك 450 كيلو ثاني أكسيد الكربون، فضلا عن تلطيف الجو وخفض درجات الحرارة”.

    شجرة الكايا.. أجود أنواع الأخشاب

    يستكمل المهندس محمد علي حديثه، قائلا: “تتعد أنواع الأشجار في الغابة الشجرية، أبرزها شجرة الكايا التي توفر أفضل أنواع الأخشاب. بالإضافة إلى أشجار السرسوع الخشبية، وأشجار الجزورين، وأشجار الأثل البلدي التي تتحمل الحرارة والجفاف، وأشجار الجوجوبا الشهيرة المثمرة”.

    وتابع: “من الناحية الاقتصادية، توفر أشجار الكايا عائدا اقتصاديا خلال 25 – 30 سنة. بينما توفر أشجار الجوجوبا دخلا إضافيا خلال ثلاث سنوات، لكن الكميات التي يتم إنتاجها من بذور الجوجوبا منخفضة ولا يمكن تصديرها، لذا تباع للتجار المحليين. ويصل متوسط إنتاج الفدان الواحد من 800 كيلو إلى طن و200 في حالة توفر الظروف المثلى للزراعة”.

    أشجار الجوجوبا.. أغلى الزيوت والوقود الحيوي

    يقول المهندس محمد علي، مدير عام الغابات الشجرية بشركة مياه الشرب والصرف الصحي: “أشجار الجوجوبا من الأشجار المثمرة المزروعة في الغابة. حيث تُنتج بذورا يُستخلص منها أغلى الزيوت في العالم، وتستخدم كوقود حيوي. كما تدخل في صناعة بعض مستحضرات التجميل الطبية، مع ضرورة زراعتها على مياه عذبة للاستخدام الطبي. ويصل العمر الافتراضي للأشجار في الغابة إلى 15 عاما، مع  إعادة زراعة شتلات جديدة للأشجار بعد تقطيعها”.

    كيف تؤثر التغيرات المناخية على الأشجار؟

    يوضح المهندس حسام محرم، المستشار الأسبق لوزير البيئة، أن المسطحات الخضراء تمثل “رئة الكوكب” في ظل التغيرات المناخية المتفاقمة. وتساهم في امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون، ما يقلل ظاهرة الاحتباس الحراري. كما تساعد في خفض درجات الحرارة وكسر الموجات الحارة من خلال تظليل الأرض وإطلاق بخار الماء. وتنقي الهواء من الأدخنة والغبار، وتنتج الأكسجين النقي، مما يحسن جودة الهواء في المناطق الحضرية والصناعية.

    ويضيف في تصريحات خاصة لـ« باب مصر»، أن الأشجار تحمي التربة من الانجراف وتحسن امتصاص الأرض للمياه. ما يقلل مخاطر السيول ويساعد في تغذية مخزون المياه الجوفية. فضلاً عن كونها المأوى للكائنات الحية وحفظ التنوع البيولوجي.

    ودعا إلى ضرورة الحفاظ على الأشجار وزيادة الرقعة الخضراء كاستثمار استراتيجي يُقلل التكلفة الصحية والاقتصادية الناتجة عن التلوث والتغيرات المناخية. مع دمج التوسع الخضري في خطط التنمية لضمان حق الأجيال القادمة في بيئة آمنة وصحية.

    مشروع تنموي مستدام

    يشير المهندس محمد رضوان، مدير إدارة شؤون البيئة بمحافظة الأقصر، إلى أن الغابة الشجرية تمثل مشروعا تنمويا مستداما. يتم فيه استغلال الموارد بشكل جيد، سواء من خلال معالجة مياه الصرف الصحي. أو تقليل استخدام المياه العذبة، أو الحد من غازات ثاني أكسيد الكربون والملوثات. ما يجعل زيادة المساحات الخضراء ضرورة ملحة خاصة في ظل التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة.

    وأضاف أن هناك توجها لزيادة الرقعة الزراعية والمساحات الخضراء في مختلف المحافظات. ضمن المبادرة الرئاسية لزراعة 100 مليون شجرة والتي أطلقت في أكتوبر 2022 بالتزامن مع مؤتمر المناخ في شرم الشيخ، على أن تُنفذ المبادرة على 7مراحل.

    ندوات توعوية وتشجيع الزراعة

    لفت رضوان إلى أهمية زراعة الأشجار في المناطق الجبلية كمصدات للرياح، وتقليل الرياح في المدن. مع تشجيع زراعة الأشجار في الطرقات العامة والمناطق الخالية. واستمرار عمليات تقليم الأشجار حفاظًا على سلامة الطرقات. كما يتم تشجيع زراعة النباتات المتقزمة على أسطح المنازل مثل العنب، للحفاظ على البيئة ومنحها مظهرا طبيعيا وجماليا.

    ومن جانبها، تحرص إدارة شؤون البيئة بالمحافظة على تنفيذ العديد من الندوات التوعوية والتثقيفية للمواطنين في مراكز المحافظة. للتأكيد على أهمية الحفاظ على البيئة وزراعة الأشجار أمام المنازل. وذلك بعد التنسيق مع المجلس المحلي.

    اقرأ أيضا:

    «فوانيس جريد النخيل».. تراث رمضاني لا يختفي في الأقصر

    تعتمد على الطبيعة.. «البيوت النوبية» عمارة تعزل الحرارة وتحافظ على البيئة

    الطيور المهاجرة تضع «أسوان» على خريطة السياحة البيئية

باب مصر