باب مصر

التصنيف: قبلي

باب مصر قبلي

  • 200 جنيه شهريا دون مقر أو زي.. أزمة فرقة الموسيقى القومية بسوهاج تتصاعد

    200 جنيه شهريا دون مقر أو زي.. أزمة فرقة الموسيقى القومية بسوهاج تتصاعد

    تواجه «فرقة الموسيقى القومية» بفرع ثقافة سوهاج العديد من التحديات منذ تأسيسها في التسعينيات، كادت أن تؤدي إلى حلها، قبل أن تعود مجددا بجهود شخصية في عام 2014. وعلى الرغم من نجاحاتها المحلية والدولية، تعاني الفرقة حاليا من نقص الدعم المادي واللوجستي من وزارة الثقافة. إذ يتقاضى الأعضاء أجورا رمزية لا تتجاوز 200 جنيه شهريا، ويستخدمون آلاتهم الشخصية، دون زي رسمي أو مقر ثابت.

    فرقة سوهاج للموسيقى العربية

    تأسست الفرقة عام 1997، وكان المدرب حينها هو «حمادة الشاذلي». يروي خالد حبشي، المايسترو الحالي للفرقة، قصة تأسيسها وأزماتها. ويقول لـ«باب مصر»: “كنت عضوا في الفرقة في التسعينات، وكانت آنذاك تعاني من التفكك والانهيار. لكنني منذ عام 2014 قمت بإعادة هيكلتها، وجمعت بين أعضاء ذوي خبرة وآخرين جدد”.

    وخلال العقد الماضي، نجح حبشي في رفع تصنيف الفرقة من الفئة (ج) إلى الفئة (أ). ويضيف: “شاركنا في احتفالات رسمية بمحافظة سوهاج وجميع محافظات مصر، وبدأت الهيئة العامة لقصور الثقافة تدرك قوتنا الفنية. فدعمت مشاركاتنا السنوية في احتفالات القاهرة، سواء في رمضان أو غيره”.

    فرقة سوهاج للموسيقى العربية
    فرقة سوهاج للموسيقى العربية
    مذكرة ومطالب بتحسين العقود

    منذ عام 2014، تم التعاقد مع مدرب الفرقة بنظام التدريب السنوي مقابل أجر شهري قدره 600 جنيه. ويحصل كل عضو على 15 جنيها مقابل كل بروفة، و40 جنيهًا عن كل حفل، بمعدل 8 بروفات وحفلتين شهريًا. “بحساب هذه المشاركات، يُفترض أن يحصل العضو على ما يقارب 200 جنيه شهريًا. لكن بعد الخصومات، لا يتجاوز المبلغ الفعلي 150 جنيهًا”، كما أوضح حبشي.

    وأشار إلى أنه تم تقديم مذكرة مفصلة بهذه الأوضاع إلى رئيس إقليم وسط الصعيد الثقافي بأسيوط. مع الإشارة إلى أنه سيتم رفع نسخة منها إلى وزارة الثقافة. بعد تعديل المسمى الرسمي لتوجه إلى المحافظ، ورئيس الهيئة، والوزير، بحسب السياق الإداري.

    إهمال الفنون في الصعيد

    تتكون الفرقة من 35 عضوا، بينهم عازفون على آلات مختلفة مثل: الأورج، القانون، العود، الكمان، الكلارينيت، الطرمبيت، الرق، الدرامز، الطبلة، الدُهلة، والدفوف. بالإضافة إلى مطربين ومطربات ضمن الكورال، فضلًا عن مدير الفرقة.

    ومع غياب التعيين الرسمي، والاكتفاء بالتعاقد السنوي بنظام التدريب، بدأ الهيكل المتماسك للفرقة يتفكك تدريجيًا. وغادر العديد من أعضائها بسبب تدني العائد المادي. وأعاد حبشي تجميع الفرقة عام 2014، بعد أن كانت على وشك الانهيار.

    وأكد أن السبب الرئيسي وراء هذا التراجع هو الإهمال المستمر من جانب وزارة الثقافة والهيئة العامة لقصور الثقافة. وهي أزمة عامة تعاني منها معظم الفرق الفنية في محافظات الصعيد، وليس سوهاج فقط.

    وأوضح حبشي أن الوضع كان صعبًا للغاية، حتى على مستوى الإمكانات. حيث كانت هناك بقايا آلات موسيقية غير صالحة للاستخدام، منها دفوف وأورجات تحولت إلى “خردة” بالفعل. ولم تكن الفرقة تمتلك معدات أو أدوات.

    إعادة الإحياء

    قال حبشي: “أنا أحد أبناء هذه الفرقة، عزفت فيها لسنوات، وعشت مع أعضائها أيامًا لا تُنسى. وكان من المؤلم أن أراها تنهار أو تُنسى وسط تجاهل المسؤولين. خوفي على اسم محافظة سوهاج ومكانة الفرقة فنيا. ورغبتي الشخصية في الحفاظ على تراث الموسيقى العربية، دفعتني لإحيائها من جديد رغم كل العقبات”.

    وتابع: “في ذلك الوقت، كانت مكافأة العضو عن البروفة 15 جنيهًا، وسعر كيلو اللحم لا يتجاوز 100 جنيه. الآن، كل شيء تضاعف 10 مرات، باستثناء الأجور التي بقيت كما هي دون أي تعديل”.

    وأشار إلى أن الواقع الحالي لا يسمح بجذب شباب جدد إلى الفرقة: “من غير المنطقي أن أطلب من شاب يدرس في الجامعة أو يعمل بوظيفة أن يترك مصدر دخله. مقابل مكافأة لا تساوي أجرة المواصلات”.

    محاولات للبقاء

    لا يزال في الفرقة 35 عضوا من أصحاب الخبرات، تحاول الفرقة الاحتفاظ بهم. وأوضح حبشي: “نتمنى أن يُعاد النظر في أوضاع فرق الصعيد، لأنها تمثل هوية حقيقية لفن مصر”.

    وعلى مدار سنوات، كان الشغف بالموسيقى هو الدافع الحقيقي للاستمرار، كما قال حبشي، الذي بدأ كعازف أورج بالفرقة عام 1998. وأشار إلى أن الفرقة شاركت في مهرجانات كبرى مثل مهرجان الموسيقى العربية بالمنيا، ومهرجانات الغناء التي كانت تنظم بانتظام. مضيفا: “كانت منافسة شريفة بين فرق الصعيد، وكان التقدير المعنوي كفاية ليدينا دفعة نستمر”.

    لكن الوضع تغير، وأصبحت ضغوط الحياة أكبر: “غلاء المعيشة بقى ضاغط على الشباب. ومعظمهم عنده شغل خاص أو بيجهز للجواز أو بيصرف على بيت. ومش منطقي نطلب من حد يسيب شغل بـ3 أو 4 آلاف جنيه عشان ييجي بروفة ياخد فيها 15 جنيه”.

    غياب الدعم

    يعيش معظم أعضاء الفرقة في ظروف مادية صعبة، في ظل غياب الدعم المؤسسي. ويضيف حبشي: “بعض أعضاء الفرقة موظفون حكوميون في التربية والتعليم أو مهندسون في قطاعات الدولة. لكن الغالبية حاصلون على دبلومات أو شهادات جامعية دون وظائف ثابتة”.

    وتساءل: “شباب لسه طالعين للحياة ومفيش شغل ثابت. الطبيعي إن الواحد يسأل نفسه: أضحي بوقتي وجهدي عشان الفن من غير مقابل؟”.

    وأوضح أن “حب الموسيقى” هو السبب وراء استمرار أعضاء الفرقة حتى الآن. لكن الاحترام المتبادل بين الأعضاء والمدرب لم يعد أمرا كافيا في ظل عدم وجود مقابل مادي أو تقدير معنوي حقيقي. كما لا تمتلك الفرقة مقرا ثابتا للتدريب: “قصر الثقافة اللي كنا بنتدرب فيه داخل في تطوير بقاله 3 أو 4 سنين. ومفيش بديل حقيقي لحد النهاردة، والموضوع كله بقى مجهود ذاتي مننا كأعضاء ومدرب”.

    واختتم قائلا: “كنا نشارك سنويا في حفلات رمضان ونمثل صعيد مصر في فعاليات مهمة على مستوى الجمهورية. لكن السنة اللي فاتت ما قدرناش نشارك، لا فيه دعم مالي، ولا وفروا لنا وسيلة مواصلات أو أتوبيس. باختصار: مفيش أي اهتمام بالصعيد”.

    عمل بجهود ذاتية

    “الفرقة تعمل منذ سنوات دون امتلاك أي آلات موسيقية مملوكة للوزارة” هكذا استكمل خالد حبشي حديثه عن التحديات التي تواجه الفرقة القومية للموسيقى العربية بسوهاج. لافتا إلى أن جميع الآلات التي تُستخدم في البروفات والعروض هي ملكية شخصية لأعضاء الفرقة أنفسهم.

    وأضاف: “طلبنا أيضا زيا موحدا يليق بنا- بدلات للشباب وفساتين للمطربات- لكن حتى الآن لا توجد استجابة. رغم أن الفرقة حصلت على إشادات رسمية من إدارة الموسيقى في الهيئة العامة لقصور الثقافة. وتُعد من أفضل الفرق الموسيقية في صعيد مصر”.

    وتابع: “هناك مخاطبات رسمية من مسؤولي الثقافة في الصعيد موجهة إلى الهيئة والوزارة تطالب بدعم الفرقة. وأرسلنا خطابات أكثر من مرة، لكن للأسف لا يوجد رد حتى الآن”.

    خطاب رسمي من فرقة سوهاج للموسيقى العربية إلى محافظة سوهاج
    خطاب رسمي من فرقة سوهاج للموسيقى العربية إلى محافظة سوهاج
    تقييم رسمي

    كشف حبشي عن تفاصيل هامة في مسيرته مع الفرقة، تعود إلى يونيو 2014. حين تم تقييمه رسميا من قِبل لجنة مختصة من إدارة الموسيقى التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة.

    وأوضح أنه، وفقًا للإجراءات المتبعة، فإن أي مدرب يتولى قيادة فرقة موسيقية تابعة للهيئة. يجب أن يخضع لتقييم دقيق من لجنة فنية مركزية. وفي حالته، تم تحديد يوم 4 يونيو 2014 موعدًا رسميًا للتقييم، بحضور لجنة ضمت كلًا من محمد عزت، ومعتز عبد الخالق، ومحمد سلطان.

    وأشار إلى أن فرقة سوهاج كانت، في ذلك الوقت، مصنفة ضمن الفئة (ج). أي في أدنى تصنيف بين فرق الجمهورية. لكن الأمور تغيرت بعد العرض الفني الذي قدمته بكامل طاقتها على مسرح قصر ثقافة سوهاج.

    وقال حبشي: “بذلت كل ما لديّ من جهد خلال العرض. وظهر أعضاء الفرقة بأفضل صورة ممكنة، وكانت النتيجة مشرفة جدًا. اللجنة قررت رفع تصنيف الفرقة إلى الدرجة الأولى (أ)، وهو أعلى تصنيف ممكن. كما منحتني اللجنة تصنيف (أ) كمدرب من الطراز الأول.

    وأضاف: “كان هذا التقييم نقطة تحول في مسيرة الفرقة، ودفعة قوية أثبتت أننا قادرون على المنافسة مع الفرق الكبرى على مستوى الجمهورية، رغم كل التحديات”.

    إنجازات دولية

    أشار حبشي أيضا إلى إنجازات الفرقة على مستوى التمثيل الدولي، قائلا: “اعتُبرت فرقتنا أول من مثل الهيئة العامة لقصور الثقافة خارج البلاد في ذلك التوقيت. حيث سافرنا لإحياء مهرجان نيروبي الثقافي في دولة كينيا عام 2019، وشاركت الفرقة تحت قيادتي كمايسترو”. وأوضح أن المشاركة في كينيا سبقتها دعوة رسمية عام 2018، “وقد وثقتها تقارير رسمية أشادت بالأداء المميز للفرقة، وهو ما مثل اعترافا دوليا بمستوانا الفني، رغم ضعف الإمكانيات”.

    اقرأ أيضا:

    في ظل العنب: تاريخ عمل الأطفال والفتيات من دفاتر مصر القديمة

    سمر دويدار: الفلسطينيون ليسوا أرقاما.. و«حكايات فلسطينية» هي الدليل

    هروب تاجر آثار باع قطعا مصرية منهوبة بـ50 مليون يورو.. هل تُغلق القضية؟| مستندات

  • «نخطو سويًا».. عندما يرقص الأطفال والجدّات معًا في الأقصر

    «نخطو سويًا».. عندما يرقص الأطفال والجدّات معًا في الأقصر

    في مساء دافئ بالأقصر، كان قصر ثقافة بهاء طاهر ينبض بالحياة على نحو مختلف. لم تكن أمسية شعرية، ولا عرضًا تقليديًا، بل حدث غير مسبوق في صعيد مصر، أول عرض مسرحي راقص يدمج الأطفال بكبار السن، في تظاهرة فنية وإنسانية تحت عنوان «نخطو».

    ثلاثون مشاركًا ومشاركة، ما بين جدات وأحفاد، أمهات وفتيات صغيرات، رجال متقاعدين وأطفال في عمر الزهور، التقوا على خشبة المسرح لا ليرقصوا فحسب، بل ليعيدوا ترميم فكرة “الترابط الإنساني” المنسي، عبر جسد يتحرك، وقلب ينبض، وروح تعبر.

    نخطو سويا

    العمل هو ثمرة شهور طويلة من التدريب والورش في مجالات الرقص المعاصر، والعلاج بالحركة، والمسرح الجسدي، والألعاب التفاعلية. ضمن مشروع “نخطو سويًا”، الذي تنفذه شركة “إيكو للفنون” بالتعاون مع “جمعية الصعيد للتربية والتنمية”. وبدعم من الاتحاد الأوروبي واتحاد المعاهد الثقافية الأوروبية.

    العرض لا يحكي قصة واحدة، بل عشرات القصص الصغيرة، التي تخرج من جسد يتحرك، من يد تحتضن يدًا، من عين تلتقي بعين. لا حوار، لا مونولوجات درامية، فقط حركة، إيماءة، وخطوة مشتركة. وكأن العرض يقول: الانتماء يبدأ من الجسد.. من القدرة على الرقص معًا، رغم اختلاف الأعمار والتجارب.

    علاج بالجسد.. وولادة شعور جديد

    تقول نرمين حبيب، مخرجة عرض نخطو سويا، والمؤسسة المشاركة لشركة “إيكو”: “عرض (نخطو سويًا) صُمم خصيصًا لكبار السن والأطفال. أردنا أن نعيد اكتشاف الجسد الفطري داخل كل فرد، أن نوقظ الطفل في الشيخ، ونمنح الطفل إحساسًا بالهوية والفضول من خلال الفن. في عالم يزداد عزلة، صارت الحركة وسيلة للمقاومة”.

    أما ماريو مشيل سيحة، الشريك في إدارة المشروع، فيوضح أن هذا العمل يعد تجربة نادرة في الصعيد، فدمج الأجيال عبر فن الحركة ليس شائعًا. ورش الرقص المعاصر والمسرح الجسدي كانت فرصة للناس لاكتشاف أنفسهم خلال اللعب، والفن، والجمال. “في العرض مثلًا، شارك أحد كبار السن رقصة عفوية مع طفلة عمرها 7 سنوات. مثل هذه اللحظة وحدها كافية لتغيير نظرتك للحياة”.

    “كنت فاكرة إن الرقص عيب!”

    كرمينا هاني، 17عاما، من الأقصر، تتحدث بعينين تلمعان بالحماس: “أنا بلعب تحطيب من 4 سنين، لكن عمري ما حسيت باللي حسيته هنا. كنت فاكره إن الرقص عيب للبنت، حاجة مخجلة. لكن لما بدأت أرقص رقص معاصر، فهمت إن ده فن، مش بس تمرين جسدي. ده وسيلة أعبر بيها عن مشاعري اللي مش بعرف أقولها. في الأول كنت ضعيفة في جسمي.. دلوقتي جسمي أقوى. وثقتي بنفسي زادت، واللياقة عالية، الفن ده علاج”.

    الحياة تبدأ بعد الستين

    من جانب آخر، يقف يوسف حبيب، ستيني متقاعد، وقد ارتدى ملابس العرض بفخر، ليقول: “أنا فنان بطبعي. كنت بعمل اسكتشات فنية. وحبيت فكرة الرقص رغم سني، أول ما دخلت التدريب، حسّيت إني شباب تاني. شاركت في العرض مع طفلة كانت بتلاعبني وتضحك، وأنا كمان رجعت طفل. إحساس اللعب ده مهم، خصوصًا في زمن كله شاشات وانعزال. أنا مؤمن إن الحياة تبدأ بعد الستين. والمسرح ده أثبتلي إن الجسد ممكن يرقص، مهما تقدم العمر”.

    ليس فقط رقصًا.. بل رحلة

    لم يتوقف المشروع عند العرض المسرحي، بل شمل أيضًا فيلمًا وثائقيًا قصيرًا يحكي رحلة المشاركين وتجاربهم الشخصية مع الجسد والرقص. بالإضافة إلى معرض فني تشكيلي بالتعاون مع مركز “ريتروسبوت”، جمع لوحات وأعمالا تفاعلية أنتجها المشاركون أو عبرت عن مشاعرهم.

    وقد حظي العرض بحضور واسع من الجمهور المحلي، وعدد من المهتمين بالفنون المجتمعية. ومن المقرر إعادة تقديمه في القاهرة قريبًا، ليحمل رسالة من جنوب مصر إلى كل من يظن أن الفن ترف، أو أن الجسد لا يرقص بعد سن معينة.

    اقرأ أيضا:

    قضية آثار الأقصر تُعيد الجدل: مّن يملك الكلمة الفصل في التمييز بين الأصيل والمزوَّر؟

  • قضية آثار الأقصر تُعيد الجدل: مّن يملك الكلمة الفصل في التمييز بين الأصيل والمزوَّر؟

    قضية آثار الأقصر تُعيد الجدل: مّن يملك الكلمة الفصل في التمييز بين الأصيل والمزوَّر؟

    في مطلع مايو الماضي، طوت محكمة جنايات الأقصر صفحة واحدة من أخطر قضايا الاتجار بالآثار في مصر، بإصدار حكم بالسجن 15 عاماً على أربعة متهمين، من بينهم ثلاثة موظفين بالوحدة الأثرية بمطار الأقصر الدولي، ونحات متخصص في المنحوتات الفرعونية.

    جاء الحكم عقب ضبط سيارة ملاكي بداخلها قطعتان أثريتان، أحدهما تمثال لرجل جالس من الحجر، والأخرى وجه للإلهة “حتحور” إلهة الجمال والحب في مصر القديمة، إلى جانب طرد على تروسيكل يحتوي على قطعة حجرية على شكل أسد تزن 150 كيلوجراماً. لم تكن القضية مجرد واقعة تهريب آثار، بل فتحت الباب على مصراعيه أمام أسئلة أكثر عمقًا: من يحرس بوابات التاريخ؟ ومن يميّز الزيف من الحقيقة؟

    قضية أخرى… وذات الارتباك

    في سبتمبر 2018، وصلت شحنة مكوّنة من خمس قطع حجرية إلى مطار الأقصر، متجهة إلى الكويت. فحصها المفتشون، وقرروا أنها قطع مقلدة. غير أن سلطات الجمارك في مطار الكويت قررت التحفّظ على الطرد، وبعد فحص دقيق أعلنت أن أربعًا من القطع أثرية.

    القضية، التي عرفت إعلاميًا بـ”آثار الكويت”، كشفت عن تضارب كبير في التقارير الفنية بين الجهات المصرية والخليجية. ففي حين أصدرت لجان مصرية لاحقة تقريرًا يؤكد أن القطع “مقلدة”، أصرّت لجان دولية وخبراء آثار كويتيون على أنها “أصلية”.

    مضبوطات القضية الأخيرة 2019 - قطعة حجرية على شكل أسد تزن 150 كيلوجراماً
    مضبوطات القضية الأخيرة 2019 – قطعة حجرية على شكل أسد تزن 150 كيلوجراماً
    بين الأصيل والمزوَّر… من يملك الكلمة الفصل؟

    هاتان القضيتان أعادتا طرح معضلة جوهرية: كيف يمكن لمفتش الآثار، تحت ضغط الوقت وقلة الموارد، أن يحدد ما إذا كانت القطعة أمامه أصلية أم لا؟

    بحسب مصدر مسؤول الوحدات الأثرية بالمطارات، فإن تكنولوجيا تزوير القطع الأثرية شهدت تطورًا مذهلًا. إذ يستخدم المزيفون حجارة أصلية تعود للعصور القديمة، ويعالجونها كيميائيًا لتبدو كأنها خرجت للتو من مقبرة فرعونية حقيقية.

    لكن الأزمة الأعمق تكمن في بنية العمل داخل الوحدات الأثرية بالمطارات. هذه الوحدات، التي أنشئت عام 1983 لحماية التراث، أصبحت اليوم تعمل كـ”جهة استدعاء” فقط، لا تتحرك إلا بإشعار من سلطات الأمن، ولا تمتلك أدوات فنية أو أجهزة حديثة تؤهلها لاتخاذ قرارات دقيقة في لحظات.

    القرنة: مسرح الجدل بين الفن والتزوير

    غرب الأقصر، تقع قرية القرنة، المعروفة بورشها التي تنتج المنحوتات الفرعونية، الأصلية والمقلدة. مئات الحرفيين يمارسون مهنة توارثوها عبر الأجيال، بعضهم فنان بالفطرة، وبعضهم يبدع تماثيل لا يمكن التفريق بينها وبين الأصل إلا من خلال عين خبيرة للغاية.

    النحات سيد المطعني، أحد أشهر وأقدم النحاتين، لا ينكر براعته في نحت تماثيل فرعونية “تخدع حتى أعين المفتشين”، لكنه يقول إنه يتعمّد ترك علامات صغيرة على كل قطعة، ليكشف لمن يُجيد الفحص أنها مقلدة. ويضيف: “أنا لا أزوّر… أنا فنان. وإن لم أُتقن عملي، فما قيمته؟”.

    أما أشرف العمدة، صاحب أحد أكبر مصانع المنحوتات في القرنة، فيشدد على أن مسؤولية التمييز بين الزائف والأصيل ليست من مهام النحات، بل المفتش، الذي يُفترض أن يملك التدريب الكافي لكشف التفاصيل الدقيقة. “التناسب، ملامح الوجه، أبعاد الرأس… كل هذه لا تُقلد بسهولة، لكنها تحتاج إلى عين خبيرة، ووقت، وأمان قانوني”.

    النحات سيد المطعني
    النحات سيد المطعني
    مفتشون تحت الضغط… والخوف من السجن

    العمل في الوحدات الأثرية بات محفوفًا بالمخاطر. فرغم الرواتب المجزية نسبيًا، يتردد الكثير من المفتشين الشباب في الالتحاق بها، خشية الوقوع في خطأ يكلّفهم حريتهم.

    ففي معظم الحالات، يطلب من المفتش اتخاذ قرار مصيري خلال دقائق، دون أجهزة تحليل دقيقة أو مرجعيات ثابتة، بينما يلاحقه شبح الاتهام بالإهمال أو التواطؤ.

    يقول أحد المفتشين – رفض ذكر اسمه- إنهم يعملون في ظروف أقرب إلى “فخ قانوني”، إذ يُحمّلون مسؤولية قرارات يصعب حسمها حتى داخل المعامل المتخصصة.

     التزييف والتزوير.. وجهان لعملة واحدة

    من جانبه، قال الدكتور محمود سيد قرني، أستاذ الترميم بكلية الآثار بجامعة الأقصر، إن موضوع التزييف أو تزوير القطع الأثرية يعد من الموضوعات الشائكة والمعقدة. في البداية، لا بد من التفرقة بين مفهومي التزييف والتزوير.

    فالتزييف يعني أن تكون القطعة مزيفة بالكامل، أي أنها قطعة حجرية حديثة تم نحتها كليًا لتبدو وكأنها تمثال لرمسيس الثاني أو لسيتي الأول أو لأي شخصية فرعونية أخرى. وهذا يُعد تزييفا.

    أما التزوير، فيتمثل في أن تأتي بلوحة أصلية تعود مثلًا للعصر اليوناني الروماني، وتبدأ في نقش اسم أو خرطوش عليها لتوحي بأنها تعود لعصر الدولة القديمة أو الوسطى أو الحديثة. في هذه الحالة، يعد ذلك تزويرًا، لأنه تغير جزئي في الأصل الأثري بهدف تقديم معلومة مغلوطة. بالتالي، فالتزوير هو تعديل بسيط في القطعة الأصلية لتضليل بشأن حقيقتها، أما التزييف، فيكون عندما تكون القطعة كلها غير أصلية من الأساس.

    د. محمود سيد قرني أستاذ الترميم بآثار الأقصر
    د. محمود سيد قرني أستاذ الترميم بآثار الأقصر
     التكنولوجيا هي الحكم

    وأضاف الدكتور قرني أن كشف التزييف أو التزوير يعتمد على عدة نقاط. أولًا، لا بد من الإشارة إلى أن أهالي القرنة قد بلغوا مستوى عاليًا من المهارة والدقة في نحت القطع الأثرية المزيفة لتبدو مطابقة تمامًا للأصل. وهم يعتمدون على عنصرين أساسيين:

    أولًا: تقليد السمات الفنية، كأن يقلد تمثال من الدولة القديمة من حيث أسلوب النحت والملامح الدقيقة.

    ثانيًا: تقليد النصوص، سواء كانت بالهيروغليفية أو الديموطيقية.

    بهذا الشكل، فإن المزور أو المزوّر يعتمد على الناحية الفنية والتاريخية معًا، وهي نفس الطريقة التي يستخدمها أهالي القرنة. وأوضح أنه في كثير من الحالات، تحدث مشكلات أثناء فحص القطع في المطارات، إذ يعتمد مفتشو الآثار على المقارنة الفنية والتاريخية للقطع من حيث السمات الفنية والنصوص، فيظنون أن التمثال يعود للإله آمون أو رمسيس الثاني مثلًا، وبالتالي يقرّون بأثريته، لأنهم اتبعوا نفس المنهجية التي يستخدمها المزيفون.

    كشف التزوير

    وتابع: “نحن كأساتذة في الترميم نقول إن التكنولوجيا الحديثة تلعب دورًا محوريًا في كشف التزوير والتزييف، ولذلك يعد من الخطأ أن يكتفي مفتشو الآثار بالفحص الظاهري بناءً على السمات الفنية فقط، دون اللجوء إلى الأجهزة العلمية الحديثة”.

    وأكد أن الخطوة الأولى هي التأكد من خامة القطعة، حيث إنه العديد من القطع المقلدة مصنوعة من خامات حديثة. كما نستخدم الأجهزة المتخصصة لفحص آثار التشكيل، لأن المصري القديم استخدم أدوات نحت مأخوذة من الطبيعة، وآثار هذه الأدوات معروفة لنا.

    فعند فحص النقش أو الحز، نستطيع تمييز ما إذا كان قد نحت بإزميل قديم أم بإزميل حديث. على سبيل المثال، في إحدى الحالات، كشف التحليل عن وجود عنصر “الفناديوم” على قطعة أثرية، وهو عنصر يدخل في صناعة الأزاميل الحديثة، مما يدل بوضوح على أن القطعة حديثة وليست أثرية.

    أدوات حديثة

    أشار الدكتور قرني إلى وجود أدوات حديثة تستخدم في التزييف، مثل “الفريزة”، وهي تترك أثرًا مختلفًا تمامًا عن الأثر الذي تتركه الأدوات البدائية المستخدمة قديمًا. كما يستخدم المزيفون طبقة سطحية تعرف بـ”طبقة الباتينا” أو “جلد الأثر”، وهي طبقة داكنة توحي بقدم القطعة، ويتم تصنيعها من خلال طحن حجر معين ورفعه إلى درجات حرارةعالية، ثم دهنه على سطح التمثال. ويتم فحص هذه الطبقة باستخدام الأجهزة لتحليل مكوناتها والتأكد مما إذا كانت ناتجة عن قدم طبيعي أم مصنوعة صناعيًا.

    وشدد على ضرورة أن يعرف مفتش الآثار مصدر القطعة أو موقع اكتشافها، لأن ذلك يعطي مؤشرات مهمة جدًا حول أصالتها. فإذا قيل إن تمثالًا يعود للدولة الحديثة تم العثور عليه في الفيوم، فعلى مفتش الآثار أن يبدي الشك، لأن الدولة الحديثة لم يكن لها نشاط أثري واسع في الفيوم، بل كان تركيزها في مناطق مثل طيبة أو صان الحجر عندما نقل رمسيس الثاني العاصمة إلى هناك.

    واختتم الدكتور محمود سيد قرني حديثه مؤكدًا: “نعم، أهالي القرنة بلغوا مستوى عاليا من الإتقان في نحت القطع المقلدة، لكن يمكننا كشف هذه القطع من خلال عدة وسائل. يجب أن يكون هناك دائمًا مرمم متخصص وأخصائي ترميم، بالإضافة إلى الاعتماد على التحليل باستخدام الأجهزة العلمية الحديثة، لأنها الأساس العلمي والدقيق لكشف ما إذا كانت القطعة أصلية أم مزيفة”.

    فرنسيس أمين مؤرخ وأثري
    فرنسيس أمين مؤرخ وأثري
    فرنسيس أمين: أهالي القرنة صنعوا مقبرة ملكية مزيفة وخدعوا خبير “أناتيك” في 1906

    كشف الدكتور فرنسيس أمين، المؤرخ والأثري المعروف، عن واحدة من أقدم حكايات تزييف الآثار المصرية، تعود إلى عام 1906. حيث تمكّن عدد من أهالي القرنة غرب الأقصر من تصنيع مقبرة ملكية مزيفة بالكامل. وبيعها لأحد تجار “الأناتيك” بفندق ونتر بالاس الشهير، مقابل 600  جنيه ذهبًا، وهو مبلغ ضخم للغاية في تلك الحقبة.

    وأوضح أمين أن تفاصيل الواقعة ذُكرت في كتاب نادر بعنوان Forged Egyptian Antiquities للمؤلف T.G. Wakeling، الذي روى أن أحد أصحاب محلات بيع التحف بالفندق أراد عرض قطع “باهرة”. فأخبره بعض الأشخاص بوجود مقبرة كاملة بالقرنة. بدأت مفاوضات طويلة مع الأهالي انتهت بعرض المقبرة، التي بدت كأنها ملكية، ومليئة بالتماثيل واللقى النادرة. فدفع التاجر المبلغ المطلوب واقتناها.

    لكن المفاجأة جاءت حينما عرض التاجر تلك القطع في محله، فزاره عالم الآثار الشهير جورج رايزنر، وأكد له أن كل القطع “فالصو”، وأن ما اشتراه مجرد صناعة متقنة مزيفة، مشيرًا إلى أن أهالي القرنة استطاعوا، ومن دون أي تقنيات حديثة، أن يصنعوا مقبرة متكاملة تخدع حتى المتمرسين.

    متاحف عالمية وقطع مزيفة

    تابع أمين حديثه: “هذا النوع من التزييف لم يكن محصورًا فقط في الأسواق المحلية، بل وصل إلى المتاحف العالمية. فـالمتحف البريطاني يضم صالة ضخمة تحتوي على قطع أثرية اكتشف لاحقًا أنها مزيفة. من بينها تمثال شهير يعرف بـ”تي تي شيري”، درس في الكتب لسنوات، إلى أن أثبتت التقنيات الحديثة زيفه”.

    كما أشار إلى واقعة مشابهة في متحف المتروبوليتان بنيويورك. الذي كان يفتخر بعرض قطعة حجرية على هيئة أبو الهول تُنسب للملكة “تي”. قيل إن هوارد كارتر باعها للمتحف قبل اكتشافه لمقبرة توت عنخ آمون. إلا أن الأبحاث الحديثة كشفت أن القطعة مصنوعة من عجينة زجاجية. وأن صائغًا من أصل أرمني في القاهرة هو من صنعها لكارتر.

    وأردف أمين: “لدينا في أماكن مثل القرنة والكرنك خبراء تزييف محترفين، بقدرات تتفوق أحيانًا على المختصين. حتى العالم الكبير الدكتور أحمد فخري، مفتش الآثار في ثلاثينيات القرن الماضي، شكّ في تمثال لإحدى بنات رمسيس الثاني عرض في المتحف المصري. وبحث خلفه حتى عرف أن مجموعة من العمال صنعوه خصيصًا لإرضاء راعٍ أثري ثري يدعى موند. كان قد قرر وقف الحفائر بعد قلة الاكتشافات، فقام العمال بإلقاء التمثال في بئر ليبدو وكأنه اكتشف صدفة”.

    واختتم بالقول: “حتى المتروبوليتان عرضت فيه قطعة عبارة عن رأس زنجي من الأسرة الثامنة عشرة. تبين أنها حديثة الصنع من خلال فحص الكربون المشع، رغم أنها نسبت لكارتر، الذي ادعى اكتشافها في وادي الملوك”.

    اقرأ أيضا:

    أمفورة وشواهد أثرية.. تفاصيل جديدة في واقعة التنقيب عن الآثار أسفل قصر ثقافة الطفل بالأقصر

  • من العديسات إلى أوروبا.. بدء موسم جني العنب في مزارع الأقصر

    من العديسات إلى أوروبا.. بدء موسم جني العنب في مزارع الأقصر

    في قلب قرية «العديسات»، تنبض الحياة مع بداية موسم جني العنب في مزرعة «العديسي» الواقعة جنوب محافظة الأقصر. هنا، لا يُعد العنب مجرد محصول زراعي، بل هو ثمرة شغف، ورمز لتفوق زراعي مصري يُنافس في الأسواق العالمية بجدارة.

    ثمار تجنى قبل الجميع

    يشتهر عنب الأقصر بجودته العالية ونضجه المبكر، ما يمنحه ميزة تنافسية قوية، خاصة في الأسواق الأوروبية التي تسعى للحصول على العنب الطازج قبل بدء الإنتاج في الأسواق الآسيوية، وتحديدًا الهندية.

    ويؤكد المهندس محمد العديسي، مالك المزرعة، أن ارتفاع درجات الحرارة في الأقصر يجعل موسم الجني يبدأ مبكرًا، وهو ما يمنحهم أولوية التصدير قبل كثير من المنافسين.

    جودة لا تترك للصدف

    تمتد مزرعة العديسي على مساحة 60 فدانا، وتنتج حوالي 370 طنا سنويا من أجود أصناف العنب التصديري. إلا أن الوصول إلى هذا الرقم لا يأتي بسهولة، بل عبر التزام صارم بالمعايير العالمية، خاصة ما يتعلق بحجم الحبة ونسبة السكريات، وهي معايير لا يمكن تجاوزها في سوق التصدير العالمي.

    ويضيف “العديسي” أن بعض الأصناف المزروعة يتم استيرادها بموجب عقود حصرية من الخارج، ولا يمكن زراعتها أو تصديرها دون الحصول على موافقات رسمية من الجهات المالكة لحقوقها.

    رحلة العنقود من الشجر إلى البحر

    يبدأ يوم العمل في المزرعة قبل بزوغ الفجر، فمن الثانية صباحًا وحتى الثامنة، يجمع العنب بعناية فائقة. يشرح سالم سلطان، مدير المزرعة، أن الجمع يتم في درجات حرارة منخفضة لا تتجاوز 28 درجة مئوية حفاظًا على نضارة العنب. ويبدأ الحصاد بصنف “برايم” – الأسرع نضجًا- ثم “فليم”، ثم”سبيريور”.

    ويقول: “بعد الجني، ينقل العنب إلى وحدات التبريد في درجات لا تتجاوز 20 مئوية. ثم يشحن إلى محطة الفرز والتعبئة في مدينة طيبة شمال الأقصر، ومن هناك إلى موانئ التصدير. تستغرق رحلة العنب من الأقصر إلى أسواق بريطانيا وألمانيا وهولندا من 8 أيام إلى شهر”.

    أيدٍ ناعمة تقطف الذهب الأخضر

    ما يميز هذا الموسم ليس فقط جودة العنب، بل المشاركة النسائية الواسعة فيه. توضح جنات أبوالحسن، إحدى العاملات في المزرعة، أن العمل يتطلب دقة وصبرًا ومهارة في اختيار العناقيد الناضجة. وتقول: “تلقينا تدريبًا خاصًا لاختيار العناقيد التي تحمل خيطًا بلون مميز يدل على تمام النضج، ونعمل باستخدام كشافات ضوئية في الظلام حتى تشرق الشمس”.

    اقرأ أيضا:

    «أحمد عبود».. رائد البالون الطائر يروي حكايات التحليق فوق معابد الأقصر

  • «أحمد عبود».. رائد البالون الطائر يروي حكايات التحليق فوق معابد الأقصر

    «أحمد عبود».. رائد البالون الطائر يروي حكايات التحليق فوق معابد الأقصر

    عند السادسة صباحًا، بينما لا تزال الشمس تتثاءب خلف الجبال الشرقية للأقصر، كان أحمد عبد الواجد، الشهير بـ«أحمد عبود»، يحمل حقيبته الصغيرة ويتهيأ لرحلة جديدة في السماء. عبود، ذو الـ55 عامًا، ليس مجرد طيار بالون طائر، بل هو رائد هذه المغامرة الجوية في سماء الأقصر، ومن أوائل من قادوا هذا النوع من السياحة في مصر منذ أواخر الثمانينيات، حتى بات ينسب إليه الفضل في تطويرها وتأسيس شركاتها، التي وصلت اليوم إلى 22 شركة.

    معدات وأدوات

    داخل الحقيبة التي يحملها، كان هناك جهاز لاسلكي، وولاعة، وجهاز GPS، ومقياس سرعة الرياح ودرجة الحرارة، وقفازات، وبعض الأدوات الأخرى اللازمة لسلامة الرحلة. بدأ عبود كعادته بالتوقيع على أمر التشغيل، ثم أشرف بنفسه على تفقد كل شيء: منسوب الوقود، ومعدلات الغاز، والحالة الفنية للبالون. خمس خزانات وقود، مزيج من غاز الهيليوم والنيتروجين، يتم أولا ضخ الهواء البارد لملء البالون حتى منتصفه، ثم يُضخ الهواء الساخن عبر الشعلات، التي تمنحه القدرة على الارتفاع.

    وبينما كان البالون ينتصب شامخًا في ساحة الإقلاع، بدأ السياح يتوافدون وركبوا الصندوق المصنوع من الخيزران. هنا، أمسك عبود بجهاز الإشعال وضغط مطولا على شعلة النار، ثم التفت إلينا قائلاً بابتسامة الواثق: “سننطلق الآن، بعد دقيقة سترون أمامكم معبد حتشبسوت. الرحلة ستستغرق من 35 إلى 45 دقيقة”.

    البدايات.. كيف بدأت الحكاية؟

    أثناء التحليق، فتح عبود ذاكرته ليحكي لنا:”بدأت مغامرة البالون الطائر في الأقصر عام 1989، بثلاثة بالونات فقط. لم يكن بيننا طيارون مصريون، كانوا أجانب يدربون من يرغب. كنت من أوائل المصريين الذين تلقوا التدريب، وفي عام 2003 أسست أول شركة خاصة بي”.

    للحصول على رخصة الطيران، كما أوضح، يتوجب على المتقدم قضاء عام كامل من التدريب النظري والعملي. تمامًا كما هو الحال مع طياري الطائرات. ورغم أن الرحلة تبدو هادئة وخلابة، إلا أن عبود لا يخفي نسبة الخطورة التي تحيط بهذه المهنة، التي وصفها بأنها: “مغامرة مفتوحة في الهواء”، لا أحزمة أمان، ولا سترات نجاة. نحن نحلق حسب الرياح، نقرأ طبقات الجو، ونوجه البالون بالخبرة، وليس بالمقود”.

    ما لا تراه العيون

    من السماء، بدت الأقصر لوحة مرسومة بإتقان: معابد، ومزارع، وحقول مفتوحة. لكن عبود أشار إلى ما لا تراه العيون، إذ تكمن الخطورة الكبرى في تغير اتجاهات الرياح بشكل مفاجئ. أو هبوب رياح قوية قد تدفع البالون نحو مناطق وعرة أو خطرة. هنا، يظهر دور الطيار الحقيقي، في كيفية البحث عن رياح بديلة، أو اختيار موقع هبوط آمن وسط الطبيعة. مردفا: “كلما زادت ساعات الطيران، زادت الخبرة. نحن نُرقّى حسب عدد ساعات التحليق، وننتقل إلى طرازات أكبر تستوعب عددًا أكبر من الركاب”.

    الأقصر.. جنة البالون الطائر

    تُعد الأقصر الرابعة عالميًا في نشاط البالون الطائر، وفقًا لعبود، ويعود ذلك إلى عدة أسباب: غياب المنشآت الاستراتيجية أو البحار التي قد تعيق الطيران، هدوء الرياح، وكونها مدينة أثرية ساحرة بطبيعتها. لذا، يتم تنظيم الرحلات فقط بعد الفجر بنصف ساعة، وحتى السابعة والنصف صباحًا، إذ بعد ذلك ترتفع درجات الحرارة وتشتد معها الرياح.

    وبينما كنا نستمتع بمشهد بانورامي نادر لوادي الملوك، انطلق صوت من اللاسلكي ينبه الكابتن عبود بقرب انتهاء الوقت المسموح للطيران. بدأ على الفور في المناورة استعدادا للهبوط، لكن الرياح لم تكن في صفه هذه المرة. حاول الهبوط أكثر من مرة دون جدوى، إلا أن الرياح كانت تعانده وتدفع البالون بعيدًا. في لحظة حاسمة، ألقى عبود بحبل طويل إلى فريق “الدعم الأرضي – الكرو”، الذي كان يتتبع مسارنا بسيارات الدفع الرباعي. أمسك الفريق بالحبل، وبدأ بسحب البالون تدريجيًا نحو موقع آمن وملائم للهبوط. ومع كل هبّة ريح، كان عبود يثبت نفسه ببراعة، محافظًا على توازن السلة، وسلامة الركاب.

    “استعدوا للهبوط… نفذوا وضع القرفصاء!” صاح عبود بصوت حازم، ومع ارتطامة قوية بالأرض، اهتزت السلة للحظة. ثم استقر البالون بعد ثوان بدت لنا دهرا. خرجنا نضحك ونصفق. واختتم عبود حديثه معنا بابتسامة هادئة: “لو كانت الرياح رفيقتنا دائمًا، لما كانت المغامرة تستحق الحكاية”.

    اقرأ أيضا:

    أمفورة وشواهد أثرية.. تفاصيل جديدة في واقعة التنقيب عن الآثار أسفل قصر ثقافة الطفل بالأقصر

  • أمفورة وشواهد أثرية.. تفاصيل جديدة في واقعة التنقيب عن الآثار أسفل قصر ثقافة الطفل بالأقصر

    أمفورة وشواهد أثرية.. تفاصيل جديدة في واقعة التنقيب عن الآثار أسفل قصر ثقافة الطفل بالأقصر

    لم يتوقع أحد أن يؤدي هبوط بسيط في شارع هادئ بمنطقة أبو الجود شمال الأقصر، سيقود إلى واحدة من أخطر وقائع التنقيب عن الآثار، وفي قلب مؤسسة ثقافية يفترض بها أن تكون حارسة للتراث، لا مدخلًا سرّيًا للتنقيب أسفلها.

    هبوط بسيط يكشف سرا خطيرا

    كشفت التحقيقات الأولية عن تفاصيل عديدة في القصة التي بدأت قبل أيام، حين لاحظ رئيس الحي هبوطًا أرضيًا أمام قصر ثقافة الطفل. بدا الأمر في البداية غير واضح، لكنه كان مريبا بما يكفي لإبلاغ مجلس المدينة، الذي بدوره أخطر المحافظة. تحرك المحافظ على الفور وشكل لجنة من مفتشي الآثار وممثلين عن عدد من الجهات المعنية لمعاينة الموقع.

    وصلت اللجنة إلى المكان وبدأت في تفقد الهبوط الأرضي، الذي بدا غامضًا وغير محدد المعالم. لكن المفاجأة ظهرت عندما نزل أعضاء اللجنة إلى الحفرة، فعثروا على سرداب طوله نحو 6 أمتار يمتد مباشرة أسفل القصر. ورغم ذلك، لم يعثر على فوهة الحفر الأصلية، إذ كانت مغطاة بثلاثة أبواب خشبية مموهة بطبقة من الرمال.

    طلب أعضاء اللجنة دخول القصر المغلق، إلا أن من بداخله ماطلوا كثيرًا في فتح الأبواب. وبعد وقت ليس بالقصير، فُتح الباب وبدأت رحلة البحث عن مصدر السرداب. وفي منتصف القصر، لفتت كومة من الرمال انتباه أحد أعضاء اللجنة. وما إن وقف فوقها حتى شعر باهتزاز خفيف وصوت غير مألوف، فبدأ الحفر بيده ليكشف عن الأبواب الخشبية التي تخفي الحفرة الرئيسية المؤدية إلى السرداب المكتشف.

    معدات حفر وأدلة على التنقيب

    ومع نزول أعضاء اللجنة إلى الموقع، بدأت الصورة تتضح الصورة أكثر: معدات حفر، موتور لشفط المياه، ورديم موزع بعناية في ثلاث غرف. كل هذا دون وجود ما يدل على أعمال ترميم أو رفع كفاءة. رغم أن الشركة المفترض أنها تتولى عملية تطوير القصر تسلمت الموقع منذ 25 فبراير. وكان من المقرر تسليمه في 1 يونيو، مما يعزز الشكوك بأن الهدف من دخول الموقع لم يكن الترميم، بل التنقيب عن الآثار.

    وكشف مصدر بوزارة الآثار – رفض الكشف عن اسمه- أنه أثناء تفتيش القصر، تم العثور على أمفورة أثرية كاملة تعود للعصر الروماني. إلى جانب قطع فخارية مكسورة تعود للعصر الفرعوني المتأخر. ما يرجح وجود كشف أثري محتمل تحت القصر.

    وأكد المصدر أن منطقة أبو الجود تقع ضمن نطاق الإشراف الأثري. إذ ينص القانون على أن المناطق الواقعة في محيط ثلاثة كيلومترات من المعالم الأثرية تخضع لإشراف هيئة الآثار. وبالتالي فإن أي أعمال حفر أو إنشاءات فيها تتطلب تصريحًا رسميًا.

    وفي تطور لاحق، رافقت اللجنة النيابة العامة اليوم لمواصلة المعاينة، لكنهم فوجئوا بأن أبواب القصر أُغلقت عمدًا، ما اضطر النيابة لاستصدار أمر بكسر الأبواب لاستكمال التحقيقات الميدانية.

    اقرأ أيضا:

    إحالة مسؤولين بثقافة الأقصر للتحقيق بعد كشف «سرداب» أسفل قصر ثقافة الطفل

  • إحالة مسؤولين بثقافة الأقصر للتحقيق بعد كشف «سرداب» أسفل قصر ثقافة الطفل

    إحالة مسؤولين بثقافة الأقصر للتحقيق بعد كشف «سرداب» أسفل قصر ثقافة الطفل

    في واقعة مثيرة شهدتها منطقة أبو الجود شمال مدينة الأقصر، فوجئ الأهالي بحدوث هبوط أرضي مفاجئ أمام قصر ثقافة الطفل، ما دفعهم إلى إبلاغ مجلس المدينة، الذي اكتشف وجود «سرداب» يمتد أسفل الشارع حتى مبنى قصر الثقافة، لتتكشف بذلك واحدة من أكبر عمليات التنقيب غير المشروع عن الآثار في المدينة.

    بداية الواقعة

    بحسب مصادر مسؤولة في ثقافة الأقصر، تعود بداية الواقعة إلى شهر فبراير الماضي. حين تقدمت إحدى شركات المقاولات بطلب إلى إقليم جنوب الصعيد الثقافي لرفع كفاءة أحد المواقع الثقافية. وبعد عرض عدة مواقع، وقع اختيار الشركة على قصر ثقافة الطفل بمنطقة أبو الجود. بحجة أن الموقع يناسب ميزانية الشركة، وسيشكل دعاية جيدة لها مقابل تنفيذ أعمال التطوير مجانا.

    وأكدت المصادر أن الجهة الثقافية طلبت من الشركة الحصول على الموافقات الرسمية من مجلس مدينة الأقصر. نظرًا لكون مقر قصر ثقافة الطفل يقع في شقتين مؤجرتين بالطابق الأرضي داخل إحدى عمارات الإسكان الاجتماعي. وبالفعل، أبلغت الشركة الجهة الثقافية بحصولها على الموافقات. وبدأت أعمالها يوم 25 فبراير الماضي، وكان من المقرر تسليم الموقع مطلع شهر يونيو.

    لكن المفاجأة الكبرى ظهرت قبل أيام، عندما كشف الهبوط الأرضي عن سرداب بعمق ثلاثة أمتار. يمتد من أسفل قصر الثقافة إلى الشارع المجاور، ويصل حتى مخازن الحي التابع لمجلس المدينة. وتبين أن السرداب ناتج عن عمليات حفر وتنقيب سرية.

    وأثارت الواقعة جدلا واسعا حول الجهة المسؤولة عن المتابعة والإشراف. حيث أشارت مصادر ثقافية إلى أن مسؤولية المتابعة كانت من اختصاص مجلس المدينة باعتبار أن المبنى يتبعه. في حين ألقى المجلس باللوم على ثقافة الأقصر، مدعيا أن الشركة لم تستكمل الإجراءات الرسمية.

    وزير الثقافة ومحافظ الأقصر

    وعقب انتشار الخبر، وصل منذ قليل كل من وزير الثقافة ومحافظ الأقصر إلى موقع الحفر لتفقد الوضع ومتابعة التحقيقات الجارية.

    وكشف الوزير، خلال الزيارة، عن وجود مخالفة جسيمة تمثلت في قيام الشركة المنفذة لأعمال ترميم ورفع كفاءة بقصر ثقافة الطفل. بالحفر خلسة لمسافة عدة أمتار داخل إحدى الغرف بشقة تابعة للقصر، في ما يشتبه أنه بغرض التنقيب عن الآثار. وذلك في ظل غياب تام للقائمين على الموقع من فرع الثقافة والإقليم التابع للهيئة.

    وزير الثقافة ومحافظ الأقصر
    وزير الثقافة ومحافظ الأقصر

    وعلى أثر ذلك، وجّه الدكتور أحمد فؤاد هنو بإحالة كل من رئيس إقليم جنوب الصعيد الثقافي السابق، والمدير العام الحالي للإقليم، ومدير فرع الأقصر، وعدد من مسؤولي الإدارة الهندسية، والمكتب الفني، والصيانة، إلى جانب مديري قصر ثقافة الأقصر وبيت ثقافة الطفل، ومسؤول الأمن بفرع الأقصر، إلى التحقيق الفوري، واتخاذ ما يلزم من إجراءات إدارية وقانونية.

    زيارة للمتابعة..وليست بالصدفة

    ومن جانبه قال عماد فتحي، رئيس إقليم جنوب الصعيد الثقافي السابق، والذي تم تحويله للتحقيق إن إحدى شركات التوريدات العمومية تقدمت شفهياً في ديسمبر 2024 بعرض لرفع كفاءة أحد قصور الثقافة بالأقصر. وبعد عرض عدة مواقع، اختارت الشركة قصر ثقافة الطفل بأبو الجود. وأضاف فتحي أنه طلب من الشركة تقديم طلب رسمي إلى الهيئة العامة لقصور الثقافة للحصول على الموافقات اللازمة، إلا أن ممثليها أفادوا بأنهم حصلوا فقط على موافقات من المحافظة ومجلس المدينة. وأكد فتحي أنه شدد عليهم بعدم كفاية هذه الموافقات، وأنه لابد من الرجوع إلى الهيئة، إلا أن ندبه انتهى في نهاية ديسمبر 2024، ولم يتابع الموضوع بعدها.

    من جانبه، نفى أحد مسؤولي فرع ثقافة الأقصر ما تم تداوله حول أن زيارة الوزير اليوم هي التي كشفت واقعة التنقيب بالصدفة، مؤكداً أن الواقعة اكتُشفت صباح أمس، حين تم إبلاغهم من مكتب المحافظ بوجود هبوط أرضي أمام القصر. وأضاف أنه تم التوجه إلى الموقع برفقة المحافظ في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً، حيث تم العثور على حفرة بعمق نحو 3 أمتار يتفرع منها عدد من السراديب المؤدية إلى الشوارع الجانبية، ووجدوا عمالاً بالموقع لم يدلوا بأي تصريحات.

    وأشار المسؤول إلى أن المحافظ أمر بتشكيل لجنة تحقيق في الواقعة وإحالة الملف إلى النيابة العامة، كما تم تداول الحادث عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مساء أمس، وتم إخطار وزير الثقافة رسمياً وقتها، ما ينفي تماماً ما أشيع عن اكتشاف الوزير للواقعة خلال جولته التفقدية اليوم، موضحاً أن الوزير حضر خصيصاً لمتابعة الحادث.

    كما أكد أن محافظة الأقصر حملت مسؤولية الإشراف على عملية رفع كفاءة القصر لفرع ثقافة الأقصر، رغم أن القصر مؤجَّر من قبل وزارة الثقافة، ما يجعل الجهة المالكة – أي المحافظة – هي المسؤولة عن الإشراف، خاصة أن موظفي قصر ثقافة الطفل تم نقلهم مؤقتاً للعمل بقصر ثقافة الأقصر طوال فترة رفع الكفاءة.

     

    اقرأ أيضا:

    ذهب الكرنك يبوح بأسراره: قطع أثرية نادرة في معرض بمتحف الأقصر

  • ذهب الكرنك يبوح بأسراره: قطع أثرية نادرة في معرض بمتحف الأقصر

    ذهب الكرنك يبوح بأسراره: قطع أثرية نادرة في معرض بمتحف الأقصر

    افتتح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، محمد إسماعيل، أمس المعرض المؤقت «حلي ذهبية من الكرنك» بمتحف الأقصر، والذي يضم مجموعة نادرة من الحلي الذهبية التي جرى اكتشافها خلال أعمال حفائر البعثة الأثرية المصرية الفرنسية في منطقة معابد الكرنك. ويأتي هذا المعرض كنتاج لجهود مشتركة بين المركز المصري الفرنسي لدراسة معابد الكرنك ووزارة السياحة والآثار، ويُعد إضافة مهمة للتراث الأثري المصري.

    العثور على الكنز

    تم العثور على الكنز في القطاع الشمالي الغربي لمعابد الكرنك، تحديدًا في منطقة المتحف المفتوح، خلال حفائر بدأت في نوفمبر من العام الماضي. وفي فبراير الماضي، تمكنت البعثة من العثور على جرة فخارية صغيرة بحالة حفظ جيدة. تحتوي على مجموعة من القطع الأثرية الذهبية التي تشمل خواتم مصنوعة من الذهب ومعادن أخرى، تمائم ذهبية صغيرة على أشكال حيوانات مثل الضفادع، البط، والذبابات التي كانت تُعتبر رموزًا دينية أو جالبة للحظ في العصر الفرعوني. كما شملت القطع بروشا معدنيا ودبوس زينة مكونا من 21 خرزة، بعضها مطلي بالذهب.

    أوضحت الدكتورة منى عبادي، عضو المركز المصري الفرنسي، أن هذه القطع تعود إلى بداية الأسرة السادسة والعشرين (664–525 ق.م)، وهي فترة تميزت بازدهار الصناعة والحرف اليدوية في مصر القديمة. مشيرة إلى أنه لا يوجد اسم محدد يُعرِّف مالك هذه المجموعة، لكنها على الأرجح كانت ملكية خاصة لشخص من النخبة أو كهنة المعبد، إذ يُعتقد أن الجرة خُبئت أثناء انهيار مبانٍ من الطوب اللبن بسبب حدث مجهول، ربما حريق أو زلزال. ويعد هذا الاكتشاف نادرًا. حيث لم يتم العثور على قطع ذهبية بهذه الكمية منذ فترة طويلة.

    الثالوث الإلهي

    يعد العنصر الأبرز في هذا الكنز هو الحلية الذهبية التي تصور الثالوث الإلهي في معبد الكرنك. يظهر في هذه الحلية الإله العظيم آمون رع، إله الكرنك، في المنتصف وهو يرتدي تاجه التقليدي الذي تعلوه ریشتان طويلتان. يحيط به من اليسار زوجته الإلهة “موت”، مرتدية التاج المزدوج لمصر العليا والسفلى. ومن اليمين يظهر الإله الابن خنسو، الذي يمكن تمييزه برأس الصقر يعلوه قرص القصر.

    وقد صنعت هذه الحلية بعناية فائقة، فالوجوه شديدة التعبير والمآزر مشغولة بتفاصيل دقيقة. وكذلك عقد آمون والخرزات التي تزينه يعد هذا النوع من القطع مثالاً نموذجيا للثالوث الذي يمثل العائلات الإلهية المصرية. والتي أنتجت خلال الألفية الأولى قبل الميلاد.

    كما يحتوي كنز الكرنك أيضًا على إشارات أخرى لهذه الآلهة، منها خاتم من الشبت الأخضر منقوش عليه صيغة عيد رأس السنة تمدح الإله آمون، وخاتم ذهبي آخر يحمل اسم الإلهة “موت” مع لقب مرتبط بمواكب النيل.

    خرزات وتمائم

    ويتضمن الكنز أيضا مجموعة متنوعة من القطع النفيسة، مثل خرزات بأحجام مختلفة مصنوعة من الذهب أو مطلية به. وتمائم تمثل أشكالاً حيوانية مصنوعة من الأحجار شبه الكريمة مثل البط والضفادع. ويرجح أنها كانت جزءا من عقد أو أكثر، بالإضافة إلى خواتم.

    وتظهر في الحلية الذهبية الصغيرة والدقيقة جدا صورة لإلهة على هيئة لبؤة. قد تكون سخمت أو موت، وهما من الإلهات المرتبطات بقوة بمنطقة الكرنك. وتعد سخمت من أبرز الآلهة المجسدة في التماثيل المحلية بالكرنك، ورؤوس اللبؤة المعروضة في متحف الأقصر من أبرز الأمثلة على ذلك.

    تطوير معابد الكرنك

    أوضح الدكتور محمد إسماعيل، أمين المجلس الأعلى للآثار، أن هذا الاكتشاف يأتي ضمن مشروع تطوير ضخم لمعابد الكرنك. بالتعاون بين مصر وفرنسا. يشمل تطوير المتحف المفتوح بالكرنك، تحسين خدمات الزيارة عبر تحديث مسارات الزائرين وتركيب نظام إضاءة متطور، وترميم مقصورة الملك أمنحتب الأول وإعادة تركيبها. مما يسهم في تعزيز التجربة السياحية لجذب المزيد من الزائرين المحليين والدوليين.

    وتابع: كما يسلط الكشف الضوء على الفنون والحرف في عصر الأسرة السادسة والعشرين. ويؤكد ثراء منطقة الكرنك الأثرية، والتي لا تزال تخبئ العديد من الأسرار. مما يعزز مكانة الأقصر كعاصمة للتراث العالمي، ويفتح الباب لدراسات جديدة حول الحياة الاجتماعية والدينية في تلك الفترة.

    اقرأ أيضا:

    «العالم يد واحدة»: زوجان أمريكيان يصلان للأقصر بعد زيارة 26 دولة

  • «حراس المعابد» و«الهجرة غير الشرعية».. قصص من معرض الفنون التشكيلية بالأقصر

    «حراس المعابد» و«الهجرة غير الشرعية».. قصص من معرض الفنون التشكيلية بالأقصر

    على هامش ختام فعاليات المؤتمر الدولي السابع للفنون التشكيلية وخدمة المجتمع، الذي نظمته كلية الفنون الجميلة بجامعة الأقصر الأسبوع الماضي على مدار يومين، أقامت الكلية معرضا فنيا ضم العديد من اللوحات التي تعكس الهوية البصرية لمدينة الأقصر، بالإضافة إلى تناول قضايا اجتماعية وإنسانية هامة مثل حراس المعابد والهجرة غير الشرعية.

    حراس المعابد

    من بين اللوحات التي تم عرضها بالمعرض، ثلاث لوحات لأحمد يوسف، خريج كلية الفنون الجميلة قسم الجرافيك، عن حراس المعابد. يقول يوسف لـ«باب مصر»: “كان لنشأتي وسط الحضارة والتاريخ بجوار المعابد في قرية الكرنك، تأثير كبير على اختياري لمحتوى لوحاتي. حيث نشأت على مراقبة حراس المعابد وتصرفاتهم وإيمانهم الكامل بالحفاظ على هذه المعابد. كما أنهم من أكثر الأشخاص المهمشين في هذا الوسط”.

    ظل الشاب يذهب ويتنقل بين المعابد في مدينة الأقصر ليراقب حركاتهم وتصرفاتهم أثناء حراستهم للمعبد،.حيث جسد الهوية البصرية لهم  في اللوحات. موضحا مدى حفاظهم على المعابد، وطريقة جلوسهم، ونظرتهم إلى تلك الأحجار التاريخية التي يرفضون لمسها أو إلقاء الأوراق أو القمامة عليها أو بجوار تلك الأعمدة الشاهقة.

    ويؤكد أنه رسم هذه اللوحات بناءً على إحساسه وشعوره بهؤلاء الحراس. ولم يكتف بذلك، بل ربط مشروع لوحاته، بالإله “نوبيس”، إله الحراسة والتحنيط عند المصريين القدماء، حيث كان يوضع رمز “نوبيس” على مقابر الملوك بعد موتهم لحراستهم من السرقات، ربطا بين الماضي بالحاضر. وأشار إلى أنه استخدم بعض الرموز للحيوانات، مثل الكلب، الذي يمثل الحراسة. وأوضح أنه استخدم أقلام الرصاص في رسم اللوحات، التي كانت الوحيدة التي تم اختيارها من قسم الجرافيك لهذا المؤتمر من بين عدد كبير من اللوحات.

    الصوفية والصبر

    بينما شارك محمود أحمد، طالب في الفرقة الثالثة بكلية الفنون قسم ديكور، بلوحتين عن الصبر وربطها بالصوفية. إذ جسد فيها اللون الرمادي كلون أساسي يعبر عن الصبر، واللون الأخضر الذي يعبر عن الصوفية، كما أضاف الحروف العربية في اللوحة لتعبر عن توهان الشخصية البطلة. واستخدم “المنكروم” (لون واحد بدرجاته) كدلالة على السوداوية والغموض الذي ظهر في الشخصية البطلة.

    أما لوحته الثانية التي شارك بها في المعرض، فقد عبرت عن “أميرة الهسكوس” من رواية “كفاح طيبة” للأديب العالمي نجيب محفوظ، وجسدها بزي الإغريق وهي تقف مائلة وترتدي مجوهرات كثيرة، مستخدما اللون الفيروزي والأحمر والشفاف.

    ندوات وأبحاث على هامش المؤتمر

    كما أقيمت على هامش المؤتمر ندوة بعنوان “من الطبيعة إلي التصميم: كيف تعيد الخامات الطبيعية مفهوم الاستدامة”، وكذلك ورشة عمل للرسم على الهوية البصرية لعدد من تلاميذ المدارس من ذوي الهمم. وتم مناقشة عدة أبحاث منها “دور الرسم في توثيق ونقل طقوس الموالد والاحتفالات الشعبية في الثقافة المصرية”، للباحث أحمد صابر عبد الظاهر، و”أثر الفن المصري القديم في تشكيل المفاهيم والأساليب في الفنون التشكيلية الحديثة”، للباحثة شروق عبد الحفيظ.

    كما قدم ثلاثة باحثين مقترحا كاملا للحفاظ على التراث الطبيعي وتعزيز السياحة فى ضوء أهداف التنمية المستدامة تحت عنوان “منتزه الدبابية الجيولوجي نموذجًا”، وبحثا عن” فن إعادة التدوير ودوره في أعمال النحت البارز المعاصر في ضوء التنمية المستدامة” للباحثة منال محمد مبارك، وعدد كبير من الأبحاث واللوحات التي تناولت قضايا مختلفة في جميع التخصصات.

    إعادة صياغة التراث 

    يقول محمود علام، وكيل الكلية للدراسات العليا: “الفنون الجميلة جسر يربط بين المبدعين والمفكرين. ونسعى من خلال هذه المعارض الفنية إلى صياغة عقول مبدعة في كلية الفنون الجميلة”.

    وأضاف أحمد محي حمزة، عميد كلية الفنون الجميلة بالأقصر: “الفن التشكيلي له دور كبير في تحقيق الاستدامة. وقد شهدنا افتتاح المؤتمر وورش عمل رسم للتلاميذ من المدارس المختلفة من ذوي الهمم في مكتبة مصر العامة. ويشير إلى أن المعرض ضم عددا كبيرا من القصص الإنسانية المستلهمة من المجتمع. والتي نُسجت بأيدي الفنانين التشكيليين المبدعين من الطلاب والباحثين”.

    أما الرئيس الشرفي للمؤتمر، صلاح عبد المعطي، فقال: “إننا نجهز ونعد جيلا قادرا على الإبداع والابتكار، ومزج الفن بالتكنولوجيا بالتراث. من أجل تنمية البلد. كما نستلهم ونعيد صياغة التراث والتاريخ من خلال الهوية البصرية لمدينة الأقصر”.

    اقرأ أيضا:

    احتفاءً بالمسرح الفلسطيني.. ختام مهرجان شباب الجنوب بقصر ثقافة قنا

  • «العالم يد واحدة»: زوجان أمريكيان يصلان للأقصر بعد زيارة 26 دولة

    «العالم يد واحدة»: زوجان أمريكيان يصلان للأقصر بعد زيارة 26 دولة

    وصل الزوجان الأمريكيان «جيسي هار» و«كاثرين» إلى مدينة الأقصر ضمن رحلة حول العالم بعنوان «العالم يد واحدة»، بدأاها عام 2020 بهدف نشر رسالة إنسانية تؤكد أن التواصل يمكن أن يتجاوز الحدود والثقافات. يقطع الزوجان آلاف الكيلومترات بسيارتهما، برفقة طفلتهما التي ولدت خلال الرحلة، ويتنقلون من دولة لأخرى لتوثيق تجربتهم.

    بداية الرحلة

    انطلقت المغامرة غير المألوفة منذ 5 سنوات من ولاية كاليفورنيا الأمريكية، حيث قرر الزوجان الشابان تحويل حلمهما إلى واقع، باستخدام سيارة دفع رباعي مجهزة خصيصا لهذه الرحلة الطويلة. وخلال خمس سنوات، قطعا أكثر من 150 ألف كيلومتر، وزارا 25 دولة، قبل أن تصل رحلتهما إلى مصر كالدولة السادسة والعشرين.

    أوضح جيسي، 34 عاما، أن الفكرة الأساسية للرحلة تدور حول “كوننا مواطنين عالميين”. وقال: “نريد أن نثبت أن العالم يمكن أن يتوحد من خلال التواصل المباشر بين الناس، بعيداً عن السياسات والحكومات. خلال رحلتنا، اكتشفنا أن كل إنسان لديه شيء يريد مشاركته مع الآخرين، وشيء يريد تعلمه من الثقافات الأخرى”.

    أثناء الرحلة في الإكوادور عام 2022، رزق الزوجان بابنتهما الأولى، برانا، التي أصبحت بدورها جزءاً لا يتجزأ من المغامرة. وعلى الرغم من حملها الجنسية الأمريكية، إلا أن الطفلة، التي تبلغ الآن عامين ونصف، لم تطأ أرض الولايات المتحدة بعد، لكنها زارت حتى الآن 18 دولة. يقول الأب بفخر: “برانا أعطتنا طاقة جديدة للاستمرار، ووجودها جعل الرحلة أكثر معنى”.

    عروض رقص النيران
    عروض رقص النيران
    محطات مصرية

    دخل الزوجان مصر عبر معبر العقبة البري، حيث قضيا أسبوعين في القاهرة قبل التوجه إلى الأقصر بالسيارة. ويخططان لقضاء أسبوعين إضافيين في المدينة التاريخية، ثم التوجه إلى أسوان، وأبو سمبل، قبل العودة مرة أخرى إلى الأقصر.

    واجهت العائلة تحديات مالية خلال الرحلة، لكنها استطاعت التغلب عليها بطرق إبداعية، فقد قدما عروضا لرقص النيران، ودرّسا اليوغا والتأمل، كما شاركا في تصميم أزياء محلية بالتعاون مع أصدقاء جدد تعرفا عليهم خلال الرحلة. وأوضح جيسي: “هذه التحديات علمتنا الاعتماد على أنفسنا، وعمّقت إيماننا بأننا لسنا وحدنا في هذه الرحلة”.

    الزوجان الأمريكيان جيسي هار وكاثرين
    الزوجان الأمريكيان جيسي هار وكاثرين
    رؤية مستقبلية

    كشفت كاثرين، 32 عاما، عن ثلاثة أهداف رئيسية للرحلة، وهي: توحيد العالم من خلال التواصل المباشر بين الثقافات، والنمو الشخصي وفهم العالم عن قرب، وبناء هرم رمزي في أمريكا بعد العودة لتخليد الرحلة. فيما كشف الزوجان عن خطط لإنتاج فيلم وثائقي عن الرحلة. وتأليف كتاب، وإنشاء مدرسة متخصصة في تعليم الثقافات العالمية وفنون السفر. مؤكدين أنه بعد مغادرة الأقصر، ستتجه العائلة إلى أوروبا ثم أستراليا. قبل أن تعود إلى الولايات المتحدة في عام 2029، لتنهي رحلتها التي من المقرر أن تستمر 9 سنوات كاملة.

    في النهاية، يؤكد الزوجان أن رسالتهما بسيطة: “العالم ليس كبيرا كما يبدو، وكل ما يحتاجه الأمر هو يد ممدودة وقلب مفتوح لبناء جسور التفاهم”. رحلة “العالم يد واحدة” تثبت يومياً أن الحواجز بين البشر يمكن تجاوزها، إذا توفرت الإرادة الصادقة للتواصل.

    اقرأ أيضا:

    «القرنة الجديدة» في خطر: «الترميم» يفشل في حل أزمة الصرف الصحي

باب مصر