عندما يُذكر اسم الإسكندرية، غالبا ما تُختزل في صورة مدينة كانت أجمل، فنلوذ بالماضي كلما ضاق الحاضر. لكن الحنين وحده لا يفسر سبب عودتنا المتكررة إلى طراز معماري مثل «الآرت ديكو». احتفلت مكتبة الإسكندرية هذا الشهر بمئوية الآرت ديكو في ندوة بعنوان «عمارة الآرت ديكو: منظور متوسطي»، لتسليط الضوء على هذا الطراز التاريخي وإعادة قراءته في ضوء الأسئلة المعاصرة.
هذا الحدث لا يقتصر على الاحتفال بالتراث المعماري، بل يطرح سؤالًا أوسع: لماذا نعيد قراءة هذا الطراز اليوم؟ فما الذي يمثله هذا الطراز، وكيف استطاع أن يصبح أول طراز معماري عالمي، وكيف تكيف داخل مدينة متوسطية مثل الإسكندرية؟
ما هو الآرت ديكو؟
ظهر الآرت ديكو في فرنسا خلال عشرينيات القرن العشرين، في أعقاب الحرب العالمية الأولى. كان العالم آنذاك مضطربًا، ويبحث عن لغة فنية جديدة تعكس التغير الجذري في واقع باتت تسيطر عليه الآلة والصناعة والسرعة والتحولات الاجتماعية. فلم يعد الفن الكلاسيكي وحده قادرًا على التعبير عن هذا الواقع الجديد. كما لم تكن الحداثة الخالصة كافية أيضًا. فجاء هذا الطراز حلًا وسطا؛ طرازا يحتفي بالتقدم الصناعي دون التخلي عن الجمال.
وجاء الاسم من “المعرض الدولي للفنون الزخرفية والصناعات الحديثة” الذي أُقيم في باريس عام 1925. غير أن هذا المصطلح لم يُستخدم على نطاق واسع إلا في ستينيات القرن العشرين. خلال موجة إعادة اكتشاف هذا الطراز في الولايات المتحدة وأوروبا. إذ كان يُشار إليه قبل ذلك باسم “الفن الحديث”.
قامت فلسفة الآرت ديكو على الجمع بين المتناقضات: بين الصناعة والحرفة، وبين الزخرفة والتبسيط، وبين الفخامة والوظيفة. وكان سعيه الأساسي محاولة للإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن للإنسان أن يجد مكانًا للجمال في عالم تحكمه الآلة والسرعة؟
طراز الآرت ديكو في عمارات بحري الإسكندرية.. تصوير: ميرنا جوهر
لماذا أصبح فنًا عالميًا؟
أصبح الآرت ديكو فنًا عالميًا؛ لا لمجرد انتشره الجغرافي الواسع عبر المعارض الدولية – مثل معرض باريس الذي شارك فيه نخبة من فناني العالم-. بل لأنه اعتمد على مجموعة من المبادئ البصرية العابرة للحدود. مثل التبسيط الهندسي، والاحتفاء بالعصر الصناعي، والتوازن بين الجمال والوظيفة.
استلهم الآرت ديكو بعض زخارفه من الحضارات القديمة، كالحضارة المصرية القديمة وحضارة الأزتيك. لكنه لم يفرض قالبًا جامدًا، بل أتاح تعدد الرؤى داخل لغة بصرية مشتركة.
وهكذا تجلى في مدن مختلفة حول العالم: في باريس بزخارفه الأنيقة، وفي نيويورك بارتفاعاته العمودية الجريئة. وفي مدن البحر المتوسط بملامح مختلفة تمامًا. وبهذا المعنى، يمكن اعتباره أول طراز معماري عالمي، لا بالتشابه، بل بالقدرة على التكيف.
الإسكندرية كنموذج متوسطي
كان من الطبيعي أن يظهر الآرت ديكو في الإسكندرية، التي جذبت منذ القرن التاسع عشر فنانين ومعماريين من جنسيات متعددة. ومع النصف الأول من القرن العشرين، خاصةً بعد الحروب العالمية، أصبحت المدينة ملاذًا للهاربين من دمار أوروبا. فوجدوا فيها مساحة لتجربة اتجاهات معمارية جديدة لم تكن مقبولة في بلدانهم، من بينها هذا الطراز.
وخلال الندوة، أشارت المعماريتان أماني محمد وريم عبد العظيم، في عرض بحثهما «تأثير العالمية على فن الآرت ديكو»، إلى أن المنطقة الواقعة بين ميدان المنشية وجامع المرسي أبو العباس من ناحية الكورنيش. والشارع الموازي له – شارع الترام المعروف بمحمد كريم- إضافة إلى الشوارع الواصلة بينهما، تضم نحو 48 مبنى على طراز الآرت ديكو من أصل 160 مبنى في المنطقة.
وتزامنت هذه الكثافة مع توسعة كورنيش الإسكندرية في عهد الملك فؤاد الأول. ما أتاح مساحات عمرانية جديدة استخدمت لإنشاء بعض أحدث الصيحات المعمارية العالمية، وفي مقدمتها الآرت ديكو.
أنواع الآرت ديكو في الإسكندرية
بحسب ما أوضحه المهندس المعماري محمد العواد، المتخصص في الحفاظ على التراث ونائب مدير مركز أبحاث “أليكس ميد”، لم يظهر الآرت ديكو في الإسكندرية بصيغة واحدة ثابتة. بل اتخذ أشكالًا متعددة عكست تنوّع المدينة وتعدد خلفيات المعماريين العاملين بها.
وأشار العواد إلى وجود أربع صيغ رئيسية للآرت ديكو في الإسكندرية، أولها الآرت ديكو المبكر، الذي اتسم بالبساطة والخطوط الرأسية الواضحة. والثاني طراز انتقائي بتأثيرات كلاسيكية، كما في سينما ريو. أما الثالث فمزج بين الآرت ديكو والزخارف المحلية أو الرموز الفرعونية أو الإسلامية، مثل عمارة هيكل بجوار فندق سيسل. بينما تمثلت الصيغة الرابعة في الآرت ديكو الحديث، الذي اتجه نحو التبسيط والانسيابية وتقليل الزخارف. كما في مبنى شركة التأمين في منطقة سبورتنج.
ويعكس هذا التعدد قدرة الطراز على الامتزاج بالبيئة المحلية، سواء من حيث المواد المستخدمة أو المرجعيات الثقافية. وهو ما يجعل تجربة الإسكندرية مثالًا واضحًا على المنظور المتوسطي الذي تناولته الندوة.
“799” /> عمارة الآرت ديكو في منطقة بحري الإسكندرية.. تصوير: ميرنا جوهر
السينمات والآرت ديكو: لغة العصر الحديث
من أبرز المجالات التي ظهر فيها الآرت ديكو في الإسكندرية مباني السينما. وبحسب رؤى سامح، مدرس مساعد العلوم والفنون الحديثة في جامعة أكتوبر، خلال عرض بحثها «تتبع التراث المعماري لدور السينما ذات طراز الآرت ديكو في الإسكندرية والقاهرة». فإن هناك علاقة بين نشأة السينما وانتشار هذا الطراز.
فالسينما، بوصفها فنا حديثا في مطلع القرن العشرين، احتاجت إلى مبان مخصصة لعرض الأفلام، وهو ما تزامن مع انتشاره. ومع تحول السينما من عروض مؤقتة إلى مؤسسات ثابتة. كان الآرت ديكو من أوائل الطرز المعمارية التي استُخدمت في تصميم دور العرض، لقدرته على التعبير عن روح العصر القائم على الآلة والتكنولوجيا.
الإضاءة والحركة
تجلت روعة طراز الآرت ديكو في واجهات هندسية واضحة، ومداخل مصممة بعناية لتشكل تجربة بصرية للجمهور. إلى جانب الاهتمام بالإضاءة والحركة داخل المبنى. لذلك بنيت سينمات مثل ريالتو وريو على هذا الطراز.
لكن هذا الإرث لما يبقى كاملًا. فسينما ريالتو، التي أشارت إليها “رؤى” بوصفها أول سينما شيدت على هذا الطراز، هدمت عام 2013. بينما لا تزال سينما ريو قائمة حتى اليوم في شارع فؤاد، وتعد نموذجًا حيًا يمكن من خلاله قراءة ملامحه.
لماذا نحتفل؟
نحن لا نحتفل بالآرت ديكو من أجل استخدامه مرة أخرى في البناء، ولا لأننا نبحث عن استعادة طراز من مئة عام. بل نحتفل لأنه يذكرنا كيف استطاعت العمارة أن تجيب بوضوح عن أسئلة عصرها، وتعكس لحظة تاريخية تغير العالم بعدها جذريًا.
لقد كان الآرت ديكو محاولة نابعة عن وعي للتوفيق بين الجمال والآلة، بين العالمي والمحلي، بين الحداثة والإنسان. والاحتفال به هو محاولة لفهم كيفية ولادة تلك الإجابة، وليس من أجل استنساخها. وهنا نقف لنسأل أنفسنا: هل نملك اليوم المناخ الفكري والثقافي الذي يسمح بظهور طراز معماري جديد، قادر على أن يجيب عن أسئلتنا المعاصرة، كما أجاب الآرت ديكو عن أسئلة زمنه؟
إعداد: أسماء الشرقاوي ودعاء عبدالحميد وجاسمين مهنى وأسماء منتصر
بعد إدراج «الكشري المصري» ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي لدى منظمة اليونسكو، أجرى «باب مصر» جولة ميدانية، تتبع خلالها رحلة هذا الطبق من جنوب الصعيد إلى شماله، وصولا للمدن الساحلية، لرصد طرق إعداده وطقوس تناوله، باعتباره جزءا أصيلا من الهوية الغذائية المصرية ووجبة يومية لا غنى عنها.
قنا.. عربات الكشري في قلب الشارع
تنتشر في محافظة قنا عدد كبير من عربات الكشري منذ سنوات طويلة، ويقبل عليها الزبائن من مختلف الفئات. ما جعل الكشري الأكلة الأكثر شهرة والأقل سعرا. ويقبل على تناوله في الشتاء والصيف، ليلا ونهارا، لا سيما من طلاب المدارس والجامعات والعاملين في الوظائف الحكومية.
ويرجع انتشار الكشري إلى توافر مكوناته الأساسية بسهولة، وانخفاض تكلفتها مقارنة باللحوم. إذ يعتمد على الأرز والمكرونة والبصل والطماطم، وهي عناصر بسيطة لكنها مشبعة. وتجول «باب مصر» في عدد من الأماكن التي تقف بها عربيات الكشري المتنقلة بمدينة قنا. ومن بينها منطقة عمر أفندي، ومنطقة الشبان المسلمين، والسوق الفوقاني، وهي مناطق تتسم بالكثافة السكانية العالية.
منطقة الشبان المسلمين بمدينة قنا
في هذه المنطقة، اعتاد الشاب بلال أمين منذ صغره مساعدة والده صاحب عربة الكشري. وعندما بلغ الثامنة عشرة من عمره، بدأ في تولي نصف اليوم لبيع الكشري بعربة والده، التي أصبحت معروفة بثباتها في منطقة الشبان المسلمين. ما جعل الزبائن يتوافدون عليها من مناطق مختلفة.
يقول بلال أمين إن أسرته تعمل جميعها في مجال الطهي، واختار والده الكشري لأنه في متناول الجميع، وتستطيع مختلف الفئات شراءه. فضلا عن كونه من أشهر وأسهل الأكلات بالمحافظة، وأرخصها سعرا، وأكثرها أمانا صحيا مقارنة باللحوم.
ويحكي لـ«باب مصر» أن والدته تبدأ يوميا في تجهيز الكشري من الساعة الثامنة صباحًا، ويخرج به في العاشرة على عربة الكشري، ليبدأ البيع للأطفال والكبار والشباب. بأسعار تبدأ من خمسة جنيهات للأطفال، وتصل إلى 30 جنيها للشباب.
ويجلس بعربته الزرقاء منتظرا زبائنه المعتادين، ومعظمهم من الأطفال والشباب، حتى ينتهي من البيع قبيل العصر. ثم يعود إلى المنزل. وبعدها تبدأ والدته في تجهيز كمية أخرى يخرج بها والده في الفترة المسائية، لتصبح الأسرة واحدة من شهر بائعي الكشري بالعربات المتنقلة في قنا.
2
5
منطقة عمر أفندي بالمدينة
في مكان آخر من شوارع المدينة، وتحديدا بمنطقة عمر أفندي، إحدى أقدم مناطق قنا. يجلس الشاب مصطفى أبو عبدالله بعربته المخصصة لبيع الكشري، بعد أن ورث المهنة عن والده وأخيه الأكبر. وتزين عربته عبارات مكتوبة بخط جميل، منها: “عايزة صبر”، و”الله المستعان”، و”الله غالب”.
ويقول إن والدته تبدأ منذ الساعة السادسة صباحا في تجهيز كمية كبيرة من الكشري يوميا، يأخذ جزءا منها إلى منطقته. حيث يجلس من الساعة العاشرة صباحا وحتى المغرب، حتى يتمكن من بيعها. فيما تجهز كميات أخرى لوالده وأخيه، اللذين يتنقلان في شوارع المدينة بعربات أخرى مخصصة لبيع الكشري.
من قنا إلى قوص
يشير مصطفى إلى أنه يعمل في بيع الكشري منذ عام 2012، بينما كان والده يعمل بالمهنة منذ أكثر من 20 عاما، فتعلم منه ومن شقيقه الأكبر، حتى استقل بذاته في البيع. ويؤكد أنهم يقدمون الكشري البسيط الذي اعتاد عليه أهالي قنا. والمكون من الأرز والمكرونة والشعرية والعدس، مع كميات وفيرة من البصل والطماطم، دون إضافة مكونات جديدة.
ويضيف أن الكشري يقبل عليه المواطنون من جميع الفئات، فهو وجبة الغني والفقير. إذ يشتري الطفل طبقا صغيرا بخمسة جنيهات. بينما يشتري الشباب أطباقا أكبر بسعر 20 و30 جنيها، وينفق من عائده على أسرته.
ولا تقتصر شهرة عربات الكشري على مدينة قنا فقط، فهناك بائعون معرفون في مراكز أخرى مثل قوص. من بينهم حمدي بصل، أحد أشهر بائعي الكشري في منطقة السوق الفوقاني، أقدم مناطق قنا. حيث يلتف حوله طلاب الجامعة من الساعة الثامنة وحتى العاشرة مساءً. ويُنهي كامل ما لديه نظرا للإقبال الشديد، وهو يعمل بالمهنة منذ أكثر من 20 عاما.
وفي قوص أيضا، توجد عربة كشري لشاب متزوج يعول أسرة، يجلس أمام مدرسة التعليم الصناعي بنين، ويقبل عليه الطلاب أثناء دخولهم وخروجهم. كما توجد عرب أخرى بقرية البطحة، تعمل يوميا من السابعة حتى العاشرة صباحا. ليتناول العمال والطلاب وبعض الأهالي وجبة الإفطار. ويعد صاحبها من أفضل صانعي الكشري بالمركز، لانتمائه إلى عائلة متوارثة في إعداد الكشري والطعمية.
من جنوب الصعيد إلى شماله.. الكشري حاضر
بالانتقال من قنا جنوبا إلى محافظة المنيا شمالا، لا يختلف المشهد كثيرا، وإن اختلفت طريقة التقديم. ففي شارع بورسعيد بمركز أبو قرقارص، تتحول “ساندوتشات الكشري الحارة بالورد المقرمش” إلى وجبة تجمع الفقير والغني.
تتردد هذه الجملة في ساعات الظهيرة على ألسنة الصغار والكبار أمام محلات الكشري. حيث يتزاحم المواطنون على وجبة سريعة تخفف عنهم مشقة الحياة اليومية. حتى أصبحت محلات الكشري أيقونة للأكلات الشعبية، يقبل عليها الناس في الإفطار أو الغداء.
ولا تقتصر ظاهرة “ساندوتش الكشري” على المنيا فقط، بل تمتد إلى محافظات شمال الصعيد مثل الفيوم وبني سويف، في تقليد قد لا تجده منتشرا بنفس الشكل في باقي المحافظات.
ويقول الحاج فيصل، صاحب محل “كشري فيصل” بالمنيا لـ”«باب مصر»: “الكشري معشوق الجماهير، ومن النادر أن تجد شخصا لا يحبه، فهو وجبة متكاملة تعبر عن وجدان الإنسان المصري. ولا أحد يستطيع مقاومة رائحة العدس والبصل والدقة والثوم والصلصة. هذه الخلطة تدفع المارة لشراء طبق أو ساندوتش كشري حتى لو لم يكونوا يشعرون بالجوع، فلكل طباخ سر وحكاية ولمسة خاصة”.
ويضيف أن الطلاب والموظفين وعمال اليومية من أكثر الفئات إقبالا على الكشري. وكثير منهم يفضل تناوله في صورة ساندوتش، يختلف سعره حسب رغبة الزبون، بين من يفضله بالعيش البلدي، أو بساندوتش المكرونة.
أصناف جديدة للكشري
لم يكتف أصحاب محلات الكشري بالطبق التقليدي المعروف، بل استحدثوا العديد من الإضافات والأشكال الجديدة. ويقول الحاج فيصل إن من بين هذه الأصناف: الكشري باللحمة المفرومة، والكشري بالفراخ، والكشري بالكبدة. إلى جانب طواجن الكشري “اللوكس”.
ويوضح أن كثيرا من الزبائن يطلبون إضافات متعددة، مثل “الورد” وهو البصل المحمر، والدقة، والمخلل، والشطة بقطع الطماطم. فضلا عن العيش المحمص المتبل.
ويشير الحاج فيصل إلى أن أسعار الكشري تغيرت كثيرا مقارنة بالسنوات السابقة. إذ كانت تتراوح قديما بين جنيه وجنيه ونصف، وكان الطلاب وعمال اليومية يكتفون بكيس كشري بجنيه ورغيف عيش لسد جوعهم طوال اليوم. ويضيف: “المطعم يتردد عليه أعداد كبيرة من الشباب والسيدات والأطفال، اللي معاه فلوس بياكل واللي معهوش بياكل، ودعوة صادقة من شخص غير قادر هي أهم مكسب أحققه”. ويؤكد أن الإقبال الأكبر من الطلاب يظل على ساندوتشات الكشري.
594346361 1279648090667840 6551903899270494537 n
597182654 1867520484140084 5541441923145298883 n
ساندوتش الكشري بعد صلاة العيد
يتابع فيصل: “لا ننسى أن ساندوتشات الكشري هي بطلة الأعياد”. إذ يقبل المصلون بعد أداء صلاة العيد في الصباح الباكر على محلات الكشري، ليصبح طبق الكشري وساندوتش الكشري من أهم طقوس الاحتفال بالعيد.
ويقول الحاج صبحي عبدالعال، أحد الزبائن، إن الكشري لا غنى عنه في حياته اليومية. ويلجأ إليه باستمرار ليعينه على مشقة اليوم. وأحيانا يطلب أصنافا مختلفة مثل الكشري باللحمة أو الفراخ أو الكبدة، ولكل مذاقه الخاص.
وتقول منة عبدالله، طالبة، إنها تواظب وزميلاتها على شراء ساندوتشات أو أطباق الكشري مع العيش المحمص طوال فترة الدراسة من مصروفهن اليومي. مؤكدة عشقهن لطواجن الكشري بالفراخ، خاصة مع الدقة الزيادة والورد المقرمش.
ويقول عمر عبدالرحمن، طالب، إن ساندوتش الكشري هو “بطل يومه” خلال الدراسة. ولا يستطيع مقاومة رائحته أثناء مروره أمام المحلات. وغالبا ما يطلبه مع العيش المحمص والمخلل والشطة بقطع الطماطم لمذاق أفضل.
عشق المهنة
يقول محمد مصطفى، عامل بمحل كشري، إنه يعشق هذه المهنة ويتفنن فيها حسب طلب الزبائن، فكل طباخ أسراره ونكهته الخاصة. وهو ما يجعل بعض الزبائن يفضلون محلا بعينه دون غيره. ويضيف: “لم أتعلم أسرار طبخ الكشري فقط، بل تعلمت أخلاق المهنة من والدي، الذي أوصاني بأن أكون دائما بشوشا وحسن اللسان. حتى أكسب قلوب الناس، فكانت هذه الوصية منهج حياة”.
ساندوتش “المرمرية”
يضيف علي إبراهيم، أحد عمال محلات الكشري، أن كثيرا من الزبائن يطلبون ساندوتش “المرمرية” وهو ساندوتش المكرونة بالصلصة. إلى جانب ساندوتش الكشري “اللوكس” بالورد، كما يلقى الإقبال ساندوتشات الكشري بالعيش السوري والشامي. وساندوتشات الكشري بالفراخ والكبدة، وكشري اللحمة المفرومة.
ويشير الحاج علاء فكري، أحد الزبائن، إلى أن أطباق الحلو مثل المهلبية، وأم علي، والأرز باللبن، من أهم ما يميز المطاعم عن بعضها. خاصة أنها تخفف من الشطة الحارة في الكشري.
وعن قائمة الأسعار، يقول علي إبراهيم إن لديهم: علبة لوكس 7 جنيهات، وعلبة “شبح” 10 جنيهات، وكشري جامبو 12 جنيها، وكشري ميجا 15 جنيها، وكشري العمدة 20 جنيها, وطاجن كشري لحمة أو كبدة أو فراخ 25 جنيها. أما الحلويات فتبدأ من 5 جنيهات، وكذلك الإضافات مثل العدس، والورد، والحمص، والعيش.
من المنيا إلى أسيوط.. ذاكرة الكشري
من شمال الصعيد إلى قلبه، يحضر الكشري بقوة في محافظة أسيوط. حيث لا يمثل مجرد وجبة شعبية، بل جزءا من هوية المدينة وذاكرتها اليومية. ففي قلب أسيوط القديمة، وعلى بعد خطوات من محطة القطار، تقف أقدم محلات الكشري شاهدا على أكثر من ثلاثة عقود من النكهة والتاريخ.
كشري وحلواني “نجمة الحمصاني”
بين الواجهات العتيقة والبيوت القديمة، ولد أول طبق كشري في أسيوط داخل محل “كشري وحلواني نجمة الحمصاني”. الذي جمع عمالا وطلابا ومسافرين على طاولة واحدة. ولم يكن المكان مجرد مطعم، بل محطة دفء يومي يتوارثها الناس جيلا بعد جيل، كما يقول عم رمضان شفيق، أحد الزبائن الدائمين.
ae1acbce 776e 4d70 8f5f fbbd7330008d
7fa6eedd b049 43ef 94b3 03e5d851cbdd
0b0b7b70 0653 4c51 b074 04fca55dbe8f
سعر الكشري زمان
يتابع شفيق: “يُعد المكان أول مطعم كشري في مدينة أسيوط، وأحد المطاعم اللامعة التي ارتبط اسم المدينة بها. ويتوافد عليه الزبائن ثقة في مذاق الكشري وجودة مكوناته. فضلا عن نظافة المكان وتاريخه الممتد بين أهل أسيوط وزائريها. ومع كل طبق يخرج من القدر العتيق، يعود الزبائن بذاكرتهم إلى الطعم الأول. الذي بقي كما هو رغم تغير الأزمنة. وإلى صاحب المحل الذي ظل يعرف زبائنه بأسمائهم ويفتح أبوابه قبل أن تستيقظ المدينة”.
ويحكي عم شفيق أن أول طبق كشري في “كشري وحلواني نجمة الحمصاني” كان يباع بـ25 قرشا فقط. ومع تعاقب السنين وتغير الأجيال، ارتفعت الأسعار نتيجة زيادة تكلفة مكونات الكشري من مكرونة وأرز وبصل وعدس. إضافة إلى ارتفاع أجور العمال، لتتراوح الأسعار حاليا بين 20 و40 جنيها.
وتتنوع الأحجام بين: “التوب، والوسط، والكبير، والجامبو نجمة الحمصاني”. مع إمكانية إضافة الحمص أو الفراخ أو العدس المحمص أو البصل، إلى جانب المشروبات.
ويضيف عم رمضان أن المطعم يقدم أيضا طواجن إضافية بجانب الكشري. مثل طواجن المكرونة بالفراخ أو اللحمة أو الكبدة. فضلا عن ركن الحلويات الذي يضم الأرز باللبن، والأرز بالفرن، والكاسترد، والمهلبية بالفرن، وأم علي، والمشمشية.
كشري الهناء
على بعد خطوات من محطة السكة الحديد بأسيوط، وبالقرب من موقف الأربعين. يقف مطعم كشري “الهناء” كأحد معالم المدينة، بوصفه ثاني أقدم مطعم كشري في أسيوط. يحمل المكان عبق التاريخ. وتتشابك بين جدرانه ذكريات رسمتها أجيال متعاقبة. حيث يتصدر الكشري كرمز من رموز التراث الشعبي الذي حافظ على حضوره رغم تغير الزمن.
ويقول هشام مصطفى، المسؤول عن إدارة المطعم، إن “الهناء” يفتح أبوابه منذ عشرات السنين، ورغم صغر مساحته والمنافسة المحيطة به، فإنه يتميز بطعم خاص ورائحة تجذب المارة. ويضيف أن للمحل خلطته المميزة التي تجعل زبائنه يعودون إليه مرارا. مع اختلاف الأسعار حسب حجم الطبق وجودة المكونات المستخدمة، والتي يحرص أصحاب المكان على اختيارها بعناية رغم ارتفاع تكلفتها.
ويتابع أن سعر الكشري قديما كان لا يتجاوز الجنيه الواحد، لكن ارتفاع أسعار المكونات خلال السنوات الأخيرة انعكس على السعر الحالي. ورغم ذلك، ظل كشري “هناء” محتفظا بروحه الأولى وبساطته المميزة. بطعم لا يتغير وذاكرة ممتدة تعيد الزائر إلى زمن أكثر هدوءا. وتتنوع أسماء أطباق الكشري داخل المحل بين “كشري عادي، سوبر، سوبر لوكس، كشري الهناء، كشري جامبو، وكشري جامبو الهناء”.
ذكريات الأسايطة مع الكشري
“الكشري مش أكله وخلاص.. ده عشق من وأنا طفل لحد النهاردة”، بهذه الكلمات بدأ محمد عبد الباسط، في نهاية الأربعينات من عمره، حديثه لـ«باب مصر» مستحضرا ذاكرة ممتدة مع الكشري. ويقول: “فاكر وأنا طفل أجري أروح أشتري كشري وآكله وهو سخن قبل ما يبرد. كل ما بكبر بحس إن طعمه مرتبط بعمري. وبالشوارع اللي اتغيرت وبالناس اللي لسه فاكرة طعم الكشري زمان. وعشان كده مهما فتحت مطاعم كشري جديدة، خطواتي دايما بتاخدني للمطاعم القديمة اللي ليَ في كل ركن فيها ذكرى”.
وبالمثل تقول سهير محمد، ربة منزل في العقد الثالث من عمرها: “نجمة الحمصاني من الأماكن اللي ليها مكانة مميزة في قلبي. لما أحب آكل كشري مظبوط بروح له من غير تفكير. طعمه ثابت، والنظافة باينة، والتعامل راق”.
وتضيف أنها تتردد على المحل منذ أكثر من 15 عاما. وأصبحت تصطحب أبناءها معها: “الكشري عندهم مختلف، الرز مظبوط، والمكرونة فريش، وريحة الدقة تفتح النفس، والصلصة فيها حرارة خفيفة تخليك تخلص الطبق كله. وبعدها نطلب الحلو رز بلبن. مهما نبعد، بنرجع له”.
ويقول أحمد حسين، مهندس في الأربعينات من عمره: “الكشري بالنسبة لي مش مجرد وجبة، ده طقس يومي من أيام الجامعة. بروح لنفس المحل، ريحة البصل وهو بيتحمر كانت بتسوقني أنا وصحابي قبل ما نوصل. والطعم زي ما هو ما اتغيرش. الكشري في أسيوط له نكهة خاصة لأنه مرتبط بذكريات الصحبة واللمة”.
IMG 20251213 WA0011
IMG 20251213 WA0012
من الصعيد إلى البحر.. “الكشري بالكبدة” أيقونة الإسكندرية
بعد أن حمل الكشري في محافظات الصعيد ذاكرة ودفء الحكايات، يصل الطبق الشعبي الأشهر إلى الإسكندرية. حيث تكتسب نكهته ملامح مختلفة، ويبرز “الكشري بالكبدة” بوصفه أحد أكثر الأنواع إقبالا بين جمهور المدينة.
تقول نهال مصطفى، باحثة في الأنثروبولوجيا والتراث الثقافي غير المادي بالمعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون، إن الكشري ليس مجرد وجبة، بل يرتبط بالعادات والتراث. ويعكس جانبا أصيلا من الشخصية المصرية، التي استطاعت من خلال حبوب بسيطة أن تصنع وجبة متكاملة ذات هوية مصرية خالصة. وتشير إلى أن للكشري جذورا تاريخية وثقها عدد من المستشرقين الذين زاروا مصر. ما يجعله جزءا من التراث الغذائي القادر على أن يكون عنصرا من عناصر الجذب السياحي، في ظل انتشار ما يعرف عالميا بـ”سياحة الطعام”.
وتضيف أن من الأنواع التي تتميز بها مدينة الإسكندرية طبق الكشري المكون من الأرز والعدس الأصفر فقط. وهو ما تفسره بطبيعة نمط الحياة السريع الذي يميز السكندريين. وتوضح أن الكشري في الإسكندرية يعد وجبة موفرة تلجأ إليها الطبقات الشعبية، لكنه ينتشر أكثر كوجبة منزلية مقارنة بانتشاره في محال الكشري كما هو الحال في القاهرة.
كما تشير إلى تميز المدينة بالكشري الجمبري، باعتبارها مدينة ساحلية تنتشر بها أسواق السمك والصيادين على طول شواطئها. ولكنه أيضا طبق يُطلب خصيصا وليس معتاد وجوده في محال الكشري. ويُعد طبق الكشري بمكوناته المعروفة هو الأكثر انتشارا.
مكونات الكشري المصري المتوازن
يقول علاء الحنفي، إنه بدأ عمله في مجال مطاعم الكشري منذ عام 2002 في القاهرة قبل أن ينتقل إلى الإسكندرية، ولاحظ التفاوت الكبير في أسعار الكشري على مدار سنوات عمله.
ويسترجع قائلاً إن أكبر طبق كشري في بداية عمله كان يباع بجنيه واحد. بل إن البعض كان يتناوله بنصف جنيه أو ربع جنيه. بينما يصل سعر الطبق الكبير اليوم إلى نحو 60 جنيها دون إضافات، ويبدأ سعره من 25 جنيها.
ويشير الحنفي إلى أن طرق تناول الكشري الشائعة في القاهرة مثل ساندوتشات الكشري أو تناوله في الأكياس، غير معروفة في الإسكندرية، ولا يطلبها الزبائن. على عكس ما هو موجود في المناطق الشعبية بالقاهرة مثل السيدة زينب والزاوية الحمراء. ويؤكد أن من أكثر الأطباق طلبا وتميزا في الإسكندرية هو “الكشري بالكبدة”.
ويوضح أن مكونات طبق الكشري المصري الأصيل تشمل الأرز، والشعرية، والعدس بنوعيه الأصفر والأسود. والمكرونة بنوعيها الصغيرة والإسباجيتي. مع إضافة التوابل والبهارات والصلصة وبصل “التقلية”. مضيفا أن الكشري المتوازن يقوم على تقسيم واضح: ثلث أرز، وثلث عدس ومكرونة، وثلث حمص و”تقلية”. مؤكدا أن أي إخلال بهذا التوازن لا يمكن أن يطلق عليه “كشري مصري”.
في قلب المنشية الصغرى بالإسكندرية، أعاد مشروع «إسكندرونا» في نسخته الثامنة تسليط الضوء على ملامح المدينة الثقافية والمعمارية الفريدة. أقيم المعرض في البيت الثقافي الروسي بالإسكندرية، وبدأت فعالياته في 4 ديسمبر 2025، متضمنة ورش عمل ومعرضا للفنون والتصميم المعماري وتوثيق التراث.
مشروع إسكندرونا
تقول الدكتورة دعاء محفوظ، مسؤول المشاركة المجتمعية في مؤسسة راقودة، في تصريحها لـ«باب مصر»: “مشروع (إسكندرونا) هو أحد مشروعات المؤسسة غير الهادفة للربح، والتي تأسست منذ عشر سنوات. وحصلت على اعتماد اليونسكو عام 2024 في لجنة التراث الثقافي غير المادي. إلى جانب عضوية منظمة الإيسيسكو، واعتماد آنا ليند عام 2025”.
وأوضحت أن النسخة الثامنة من المشروع انطلقت بمجموعة من ورش العمل شارك فيها فنانون ومعماريون متخصصون تم اختيارهم بعناية من قبل لجنة متخصصة. وخلال الورش دارت نقاشات حول أهم عناصر التراث المادي واللامادي في المنشية الصغرى، والعمارة، والفنون الشعبية. إضافة إلى العمل على محاور أساسية للمشروع، منها: الفكر العمراني، التصوير، التصميم المعماري، التراث الثقافي غير المادي. وكذلك علاقة الترام بالإنسان والمكان، التراث الشعبي، والتعددية الفكرية والدينية التي عرفت بها المنطقة والإسكندرية عموما باعتبارها مدينة كوزموبوليتانية عبر العصور.
وبعد الانتهاء من وضع الخطوط الأساسية، تم التنسيق لتنفيذ المشروع بدعم من هيئة تنشيط السياحة برئاسة الدكتورة أمل العرجاوي. واختيار البيت الثقافي الروسي لإقامة المعرض نتاج المشروع. كما استقبل متحف الإسكندرية القومي أولى ورش العمل بدعم كبير منه.
IMG 20251210 WA0009
IMG 20251210 WA0014
رفع الانتماء والتأصيل.. من أهم أهداف المشروع
يقول الدكتور نادر محمد غريب، أستاذ مساعد العمارة بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، وأحد مدربي المشروع، إن الهدف من “إسكندرونا” هو تعزيز روح الانتماء لدى الشباب عبر التأصيل ومعرفة جذور منطقة تراثية. مثل المنشية الصغرى، إلى جانب إبراز المواهب الفنية المتنوعة.
ويضيف أن دوره كان الإشراف على جانب الفكر المعماري والعمراني. وبعد اختيار المشاركين والتدريب والعصف الذهني معهم، تمت تنظيم جولات ميدانية في المنطقة للتعرف على تفاصيلها والتفاعل مع سكانها.
ويتابع: الجولات أثمرت عن أفكار إبداعية من الشباب، ورفعت مستوى إدراكهم لقيمة التراث ومفرداته. كما يمكن أن تفتح لهم في المستقبل فرصا لتحقيق عائد اقتصادي عبر هذا الفن. وشهد معرض المشروع زخما فنيا ملحوظا.
هل سنترك تراثا جيدا؟
أوضح غريب: “ما تعلمته من أساتذتي منذ 25 عاما هو ما أعلمه لطلابي اليوم. وهي خمس كلمات متتابعة: نظام، فانتظام، فالتزام، فانتماء، ثم عطاء”. معتبرا أن عطاء الشباب الفني اليوم سيصبح تراثا حيا لاحقا، وأن لكل جيل تراثه. متسائلا: هل سنترك تراثا جيدا مثل من سبقونا؟ لذلك يجب دراسة القديم وتأصيله لضمان التطبيق والمعاصرة وترك تراث مفيد للأجيال القادمة.
ويشير إلى أن الإسكندرية شهدت مؤخرا تغييرات عديدة في مناطق تراثية، بعضها إيجابي والآخر سلبي. نتيجة غياب التكامل بين الجانب العملي والتطبيق العملي. فالباحثون والمتخصصون غالبا بعيدون عن التنفيذ على أرض الواقع. ومع السرعة في تنفيذ بعض المشروعات ظهرت نماذج سلبية. مثل ما حدث في مجمع المساجد ومسجد أبو العباس المرسي. وعلى الجانب الإيجابي، جاء تطوير شارع النبي دانيال والمتحف اليوناني الروماني.
جانب من معرض “إسكندرونا”.. تصوير: دعاء عبدالحميد
توثيق كنائس المنشية الصغرى
تقول نوران الشافعي، طالبة الهندسة المعمارية بجامعة الإسكندرية ومشاركة في المشروع، إنها فوجئت بأن منطقة المنشية الصغرى المعروفة والقديمة لا تتوفر عنها وثائق تاريخية كثيرة. حتى على مستوى السكان لم تجد من ينظر إليها بعمق أو بتفحص لتراثها المعماري. لذلك قررت أن يكون مشروعها عبارة عن توثيق لثلاث كنائس تراثية بالمنطقة. وهي: سانت كاترين، الكنيسة اليونانية، وكنيسة الروم الكاثوليك.
وأضافت أنها اكتشفت خلال بحثها أن إنشاء الكنيسة اليونانية جاء لأن الكنيسة التي كانت تخدم الجالية اليونانية سابقا كانت تقع خارج الإسكندرية. أما كنيسة الروم الكاثوليك “سيدة النياح” فقد بناها تاجر دمشقي يدعى “جورج طويل” لخدمة الروم الكاثوليك الناطقين بالعربية آنذاك.
أما كنيسة سانت كاترين- وهي الأشهر- لكونها كنيسة ومدرسة معا، فتقع في أكبر مساحة بميدان المنشية الصغرى. وتشير نوران إلى أن مساحتها كانت أكبر بكثير في الماضي. لكن أجزاء منها تم التبرع بها عبر العصور لضمها إلى الميدان. وخلال العمل بالمشروع درست نوران تاريخ كل كنيسة وعمارتها. واكتشفت أن الكنائس الثلاث تشكل مثلثا يشبه مثلث الميدان. الذي كان يمثل الميدان، الذي كان يمثل قديما مركز الحركة التجارية. ومكان تجمع السكان، ويضم مباني ومنشآت مهمة.
دعم المتخصصين للحفاظ على التراث
تؤكد الدكتورة دينا عز الدين، أستاذ الإرشاد السياحي ووكيل كلية السياحة والفنادق لشؤون خدمة المجتمع بجامعة الإسكندرية، أهمية دعم المؤسسات المهتمة بالتراث مثل مؤسسة راقودة، خاصة مع كون فريقها من الشباب. وتشير إلى مشاركاتها المتعددة مع المؤسسة منذ عام 2017. وإلى دورها المهم في الحفاظ على التراث السكندري.
وتوضح حرصها على حضور معرض “إسكندرونا” في نسخته الثامنة هذا العام، مشيرة إلى أن مشاركتها ليست الأولى. لكنها ترى أن اختيار منطقة المنشية الصغرى هذا العام كان موفقا للغاية، فهي منطقة غنية بالتراث والتاريخ والذكريات. وقالت: “عندما تجولت في المعرض ورأيت صور المكان، عادت إلى ذهني ذكريات قديمة مع أسرتي منذ الصغر والتجوال بين المحال القديمة. ومن الجميل أن نلفت نظر الأجيال الجديدة، التي لم تعايش هذا التراث، إلى المكان وإلى إدراك مدى أهميته”.
وتابعت “عزالدين” أن المعرض هذا العام تميز بتنوع كبير في الأفكار والفنون المشاركة. حيث قدم المشاركون رؤى فنية مختلفة للشوارع والميادين وحتى المحال التجارية. وأكدت أن “نظرة الفنان دائمة مختلفة، فهو قادر على رؤية الجمال في التفاصيل والأماكن التي قد لا نلتفت إليها عادة”.
أثارت إجراءات هدم «القصر الأحمر»، أو قصر «إسكندر باشا»، غضب مثقفي المنصورة، واستياء المهتمين بهوية المدينة البصرية ومبانيها الأثرية. ولقيت صور الهدم ضجةً عارمة على مواقع السوشيال ميديا في أنحاء الجمهورية، ولا عجب؛ فقد جعلت السوشيال ميديا من الدولة المصرية -شأن العالم- قريةً صغيرة جدًّا، يتفاعل أبناؤها مع كل حادثة، بعقلانية وموضوعية حينًا، وبالعاطفة الجارفة أحايينَ كثيرة.
ومن المؤكد أن أغلب المتفاعلين على السوشيال ميديا – سواء بالإيجاب أو بالسلب- ليسوا على دراية كافية بالخلفية التاريخية لما وقع يوم الخميس 4 ديسمبر 2025 من أعمال الهدم التي تعرض لها القصر. وليسوا كذلك على معرفةٍ وافية بخلفية المحاولات الجادة من أبناء المدينة. والسعي المتواصل من أجل الدفاع عن القصر، والحفاظ عليه. وضمه إلى قائمة الأماكن المعمارية ذات الطابع الأثري المتميز، ضمن ما يشكل الهوية البصرية والحضارية للمدينة.
مؤسس مبادرة أنقذوا المنصورة
يقول د. مهند فودة، مؤسس مبادرة أنقذوا المنصورة: “المبنى كان مسجَّلًا كمبنى تراثي، على قوائم الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ‘ضمن سجل المباني ذات الطراز المعماري المتميز. بموجب قرار وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية رقم 226 لسنة 2016. والتي لا يجوز التعرض لها بالهدم أو التعديل، طبقًا لقانون 144 لسنة 2006”.
وتابع: “وفقًا للمادة الثانية منه، فإنه ‘‘يحظر الترخيص بالهدم أو الإضافة للمباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز، المرتبطة بالتاريخ القومي، أو بشخصية تاريخية، أو التي تعتبر مزارًا سياحيًّا”.
وبحسب المادة الأولى منه: “تسري أحكام هذا القانون على المباني والمنشآت غير الآيلة للسقوط. وكذا المباني والمنشآت التي يتوافر فيها أحدُ الأوضاع المبيَّنة في الفقرة الأولى من المادة الثانية من هذا القانون، أيًّا كان موقعها أو مالكها”.
WhatsApp Image 2025 12 04 at 12.46.24 b4297793
WhatsApp Image 2025 12 04 at 12.46.17 c3f31ce6 1
حول قانون 144 لسنة 2006
يؤكد د. مهند فودة أنه لا يبدي أي اعتراضٍ على حكم المحكمة، الذي مضى تمامًا وفق القانون. لكنه في الوقت نفسه يطالب ‘‘مجلس النواب‘‘، بالتعاون مع ‘‘جهاز التنسيق الحضاري‘‘، بتشكيل لجنة لدراسة مواد القانون رقم 144 لسنة 2006، وإعادة النظر فيها. ويشير إلى أن طلبه هذا غير متعلق بهذه القضية تحديدًا؛ وإنما بالظاهرة المتكررة في قضايا مشابهة.
الخبراء المنتدبون.. والقيمة النسبية للمبنى
يشير د. فودة إلى أن لجنة الخبراء التي تنتدبها المحكمة عادة ما تتشكل من متخصصين من خارج المحافظة. ورغم كفاءتهم، فإنهم أحيانا يغفلون ‘‘القيمة النسبية‘‘ للمبنى. ويضرب مثالا بالقصر الأحمر: فبالنسبة لمباني القاهرة الخديوية ووسط البلد، قد لا يبدو مميزا، وربما لا يساوي شيئا أمامها، على حد قوله. لكنه بالنسبة لمباني المنصورة، فهو في مقدمة المباني المميزة من حيث قيمته الحضارية. وما يضيفه إلى الهوية البصرية للمدينة. وكأن – لو لقي الرعاية المناسبة- ليكون أحد أبرز معالمها الأثرية ومزارًا سياحيًّا معتبرًا.
ويؤكد أيضا أنه لا يلقي بأي لوم على المالك، موضحا أن المالك لم تتح له البدائل المناسبة ولا الفرص الاستثمارية أو التسهيلات المادية من الجهات المعنية. وتنص المادة 3 من القانون نفسه على أن ‘‘للدولة أن تباشر في أي وقت وعلى نفقتها -بعد إخطار المالك والشاغلين- ما تراه من الأعمال اللازمة لتدعيم وترميم وصيانة المباني والمنشآت المحظور هدمها”. وعلى مدار أكثر من عشر سنوات، قدم المهتمون بالقصر مطالبات عديدة بالتدخل لإنقاذه وإعانة المالك.
إجراءات الهدم
قدم المالك الحالي تظلمًا للجهاز باعتباره مالكًا للقصر وله حق التصرف فيه بالهدم، وقوبل التظلم بالرفض. ثم قدم طعنًا بدعوى قضائية، فانتدبت المحكمة لجنة من الخبراء. وبعد المعاينة، قررت اللجنة أن: “القصر لا يتمتع بمعايير المباني ذات الطراز المعماري المتميز، وأنه مجرد تقليد لطراز معماري في نفس فترة إنشائه. ولا يمثل حقبة تاريخية معينة، وغير مرتبط بشخصية تاريخية، ولم يشهد أي أحداث تاريخية على مستوى دولي أو محلي. كما لا يعتبر مزارًا سياحيًّا‘‘، وذلك وفق بيان محافظة الدقهلية المنشور تزامنًا مع أعمال الهدم.
وبناء على الحكم القضائي، وبعد عرضه على وزارة الإسكان: ‘‘أصدر القرار الوزاري رقم 661 لسنة 2025 بحذف العقار من كشوف الحصر‘‘. ثم عُرض العقار على ‘‘لجنة المنشآت الآيلة للسقوط”، التي درست حالة المبنى وقررت إزالته بالكامل نظرًا لخطورة حالته الإنشائية. وصدر على إثر ذلك ترخيص بهدم العقار بعد استيفاء جميع الإجراءات القانونية.
موقع القصر وقصة بنائه
يقع القصر بشارع أتابك نور الدين، بحي المختلط، قسم ثان المنصورة، الموازي للشارع المعروف اليوم بشارع ‘‘فريدة حسان‘‘، أو “المختلط” سابقًا.
بدأ بناء القصر عام 1920 على يد الخواجة ‘‘ألفريد جبور‘‘ أو ‘‘دبور‘‘، واكتمل بناؤه في غضون عامين، عام 1922. ثم آلَ القصر سنة 1934 إلى ‘‘إسكندر رزق بن رزق حنا‘‘، كما ورد في بعض المصادر. وهو الاسم الذي ينسب إليه القصر اليوم. أما تسميته بـ”الأحمر” فترجع إلى لون طلائه الأحمر غير المألوف بالمقارنة مع المباني الأثرية الأخرى بالمدينة. ويسميه البعض أيضا “بارون المنصورة” لتشابهه النسبي مع قصر “البارون إمبان” الشهير بمصر الجديدة.
القصر الأحمر في المنصورة.. تصوير: عبد الرحمن الأمديدي
معالم القصر
يتكون القصر من ثلاثة طوابق وروف، وتبلغ مساحته 514 مترًا. وقد بني على طرازٍ قوطي مستوحًى من المفردات المسيحية في عمارة الكنائس. حيث تتخذ نوافذه فتحاتٍ على شكل صلبان. وتحيط به من جهاته الأربع حديقة خضراء ذكر أنها كانت تضم مجموعةً من أندر أنواع نباتات الزينة. وفي واجهة القصر يرتفع برجٌ يعلوه سقف مغطى بطبقة من القرميد على هيئة ‘‘قشور السمك‘‘. وهي هيئة يقال إن لها دلالة رمزية في أدبيات الكنيسة.
مآل القصر فيما بعد
بعد وفاة إسكندر باشا، آلت ملكية القصر إلى ابنه الأكبر ‘رزق‘، الذي تزوج وعاش فيه. وبعد وفاته هو الآخر، رحلت أسرته خارج البلاد، تاركين القصر يواجه مصيره المأساوي. إذ بدأ بالتنازع حول ملكيته بين عدة أشخاص، ثم تعرض منذ التسعينيات للإهمال والخراب. ثم عَمل في تخريبه ملاكه الجدد؛ بنزع أبوابه ونوافذه، وتهديم السور المحيط به وبحديقته؛ سعيًا لهدمه. وتعاقبت عليه السنون حتى أصبح في أيامه الأخيرة طللًا باليًا مهجورًا، كعزيز قومٍ ذل، تُنسج حوله الأساطير؛ من مكونه مسكونًا بالجن والعفاريت، التي يزعم بعض الجيران والمارين ليلا أنهم يسمعون أصواتها.
مبادرة ‘‘أنقذوا المنصورة‘‘ والقصر الأحمر
سعت المبادرة، بقيادة مؤسسها د. مهند فودة، سعيًا حثيثًا إلى إنقاذ القصر الذي يعتبر في نظرها تحفةً معمارية داخل مدينة المنصورة، لدرجة أن المبادرة حينما قررت استخدام ‘‘لوجو‘‘، لصفحاتها على مواقع التواصل، وقع اختيارها على هذا القصر بالتحديد، منذ تأسيسها عام 2013. لكونه في نظرها خير معبر عن توجهاتها واهتماماتها الرئيسية.
وكان من أبرز الأنشطة التي نفذتها المبادرة: إقامة حفل بعنوان ‘‘أوبرا البلكونة‘‘ داخل القصر، بالتعاون مع ‘‘محطات للفن المعاصر‘‘، مساء السبت 14 مارس 2015م، وامتد الحفل لمدة ساعة كاملة بحضور عشرات من شباب المنصورة. حيث كانوا يستمعون لمزيجٍ من الطرب الشرقي، قدمه الفنان أحمد صبري، والغناء الأوبرالي الذي قدمته الفنانة لبنى الدغيدي. وذلك كان دعوةً جادة من المبادرة، والقائمين عليها، والمشتركين فيها. من أجل الحفاظ على القصر مما تعرض له من إهمال، ومن الهدم المخطط له.
كما قدمت المبادرة فيما بعد حلولًا جادة ومقترحاتٍ بديلة للاستفادة من القصر. وطالبَت الجهات المعنية بالأمر بالتدخل وطرح القصر للاستثمار بعد الاتفاق مع المالك، وإعادة ترميمه والاستفادة منه على ما يرضي جميع الأطراف.
مباني مماثلة
على الرغم من أن “القصر الأحمر” لقي مصيره المحتوم وفق إجراءات قانونية سليمة، فإن في المنصورة وغيرها من المدن المصرية مبانيَ مماثلة لها بُعد تاريخي وقيمة حضارية، وحضور في ذاكرة ووجدان أبناء تلك المدن. جار عليها الزمن، وتركت مهجورةً تحت وطأة الإهمال، وتتعرض لنفس تلك الإجراءات ‘‘القانونية‘‘. وينتهي بها الأمر مسوَّاةً بالتراب، لم تصبح أثرًا بعد عين، وإنما لم يصبح لها أي أثر.
ويبقى الأمل معقودا على الجهات المعنية، ومن بيدهم مقاليد الأمور؛ للنظر في هذا القانون بعين الناقد البصير، ومعالجة ما يمكن معالجته من ثغرات، وسد الباب على من يحاول التحايل عليها، من أجل تحقيق غرضه. فالغاية العظمى هي تحقيق العناية الكاملة، بالهوية البصرية والحضارية للمدن المصرية، بالنظر لكل مدينة على حدة، والحفاظ على معالمها التراثية ودعمها، بدلًا من السعي في هدمها. ولن يتم إلا بالتعاون التام بين الملاك، والجهات المعنية، بتوفير البدائل التي تعود على جميع الأطراف بالنفع العام.
قبل رحيله بعدة أشهر، أقام الفنان خالد فاروق معرضه الأخير، تاركا بصمة مميزة وعلامة نهائية ستظل حاضرة في الذاكرة. جاء المعرض بعنوان «مثل ظل الماء»، عقب مسيرة فنية طويلة بدأت في منتصف الثمانينيات بمشاركاته في صالونات ومعارض عديدة داخل مصر وخارجها.
قدم خلال رحلته عددا من المعارض الفردية المميزة، مثل معرضه في قاعة إخناتون بمجمع الفنون عام 1999، كما نال عدة جوائز محلية وعالمية، من أبرزها الجائزة الكبرى للرابطة الدولية لنقاد الفن التشكيلي (AICA) عام 1995. وجاء هذا المعرض الأخير في القاهرة في إبريل 2024 ليكون خاتمة لمسيرته، قبل رحيله عن عالمنا في 31 ديسمبر من العام نفسه.
رسالة أخيرة مكتوبة بالخيال
كان المعرض بمثابة رسالة أخيرة مليئة بالقصص يلخص فيها الفنان تجربته الفنية والإنسانية، من خلال لوحات تحكي عن رؤى ومشاهد خيالية تشبه الأحلام، إذا ما حاولنا تصنيفها وفق المدارس الفنية لوجدناها قريبة للسريالية، لكنها أوضح وأقرب للتأويل.
هذه الرؤى أو الأحلام يمكن أن نعتبرها انعكاسًا للواقع أو نبوءات مستقبلية، رسمها الفنان دون الدخول في متاهات مدارس الفن الحديث أو المعاصر، ودون أن يسعى إلى أسلوب مغترب أو منعزل في مخاطبة الذات، بل جاءت عناصر أعماله واضحة وقريبة إلى الكلاسيكية، وأسلوب سلس في طرح الخيال والرموز والأفكار حتى وإن اتسمت أحيانًا بغموض المعنى. وهذه السلاسة في التعبير انعكست بدورها على استقبال المتلقي للحالة والمشاعر الكامنة وراء كل لوحة. ورغم أن الفنان كان يعبر عن نفسه بشكل ذاتي، لكن هذه الذاتية جسدت حالة عامة وأوسع يشترك فيها الكثيرون، وترجمت هموم إنسان معاصر ملتبس الهوية والانتماء، ومدينة متقلبة الحال مثل الإسكندرية.
من لوحات معرض مثل ظل الماء.. الصورة من صفحة قطاع الفنون التشكيلية
عوالم متحركة بين الواقع والحلم
لا تخلو معظم اللوحات من الحركة. حيث تتحرك في إحدى اللوحات مجموعة من المباني الضخمة بواسطة أقدام طويلة بسراويل مرقعة تمشي على سطح الماء، وليس من الواضح هل تغادر مكانها أم تعود إليه.
وفي مجموعة أخرى نرى أشخاصًا لديهم أجنحة وبينهم وبين الأرض مسافة قليلة، ووجوههم مغطاة بأقمشة لا فتحة فيها للرؤية. هل هم في بدايات تحليقهم؟ أم هابطون بعد رحلة طيران؟ أم هي مجرد محاولة لم تسفر إلا عن هذا القدر المنخفض من الارتفاع؟
وتظهر في لوحات أخرى لأشخاص بأقدام طويلة، كل لوحة فيها شخص يعزف على آلة موسيقية في زوايا محاطة بالظلال. هل هم وحدهم؟ هل يعزفون بعد رحيل الآخرين؟ أم حولهم أشخاص غير ظاهرين لنا؟
مساحة للتأويل والتفاعل
كل هذه الأسئلة بالإضافة إلى ما في اللوحات من رموز ودلالات وحركة للعناصر، خلقت بعدًا تفاعليًا بينها وبين المتلقي، حيث يمكن أن يفسرها ويشعر بها كل شخص بطريقته الخاصة، وذلك وفقًا لرؤيته وخياله وإحساسه.
رسالة في زجاجة.. وإرث بصري باق
لم يكن معرض خالد فاروق خطوة عادية ضمن مسيرته الفنية، بل كان رسالة لشخص ترك نفسه للحلم واتّبع خياله وصوّره بصدق، كمن يكتب رسالة في زجاجة لمن سيأتي بعده. رسالة أشبه بقصيدة شعر صامتة تحمل نبوءة الشاعر الذي أمسك بخيط الوحي:
هل هذا عالم مستقبلي سوداوي؟ أم صورة من صور الواقع؟ وهل مَن في اللوحة انعكاس لي؟ أم انعكاس له؟ أم صورة لإنسان العصر الذي يبحث لنفسه عن مكان؟
رحل الفنان خالد فاروق، لكنه ترك إرثًا بصريًا يفتح أبواب التأمل والخيال، وستظل أعماله حاضرة في ذاكرة ووجدان من شاهدوها وتفاعلوا معها واستطاعت أن تترك فيهم أثرًا. كما ستظل هذه الأعمال أيضًا جزءًا من ذاكرة الفن المصري الحديث، بكل ما فيه من تاريخ وإرث.
في إحدى قاعات مركز الجزويت الثقافي تجلس مجموعة من الأمهات في دائرة صغيرة، تتنفس كل واحدة منهن ببطء، كأنها تحاول للمرة الأولى استعادة صوتها الداخلي الذي اختفى وسط صخب المسؤوليات اليومية. تتبادل النساء نظرات صامتة محمّلة بما هو أعمق من الكلام: تعبٌ مزمن، وذنبٌ متراكم، وخوفٌ من الاعتراف بالهشاشة. هنا، في هذه المساحة التي تحمل اسم «ماما.. خطي العتبة»، يبدأ شيء نادر الحدوث؛ أن تتكلم الأم بلا دفاعات، بلا مقارنة، بلا محاولة لإظهار القوة. أن تقول ببساطة: «أنا بشر.. ومحتاجة حد يسمعني»”.
هكذا وُلد العرض؛ من الرغبة في تحويل الهمس إلى حكاية مسموعة، ومنح الأمهات فرصة لعبور عتبة جديدة في حياتهن، ليست عتبة البيت، بل عتبة أنفسهن.
صدمة الأمومة الأولى
افتُتح العرض الختامي للورشة برقصةٍ تعبيرية من تصميم وأداء حنين أحمد، تُعيد رسم الحلم الأول: طفلة صغيرة تتخيل الأمومة كخطوة ساحرة نحو النضج. تتحرك الراقصة بخفة تُشبه خطوات الحلم نفسه، لكن مع اقترابها من “تحققه” يتغير كل شيء. يثقل الجسد، يتباطأ الإيقاع، وتظهر في الحركة ارتعاشة صدمة أولى، ثم ثانية.. كأن الضغوط تتساقط عليها من كل الجهات.
تتحول الرقصة إلى مواجهة صامتة مع الألم، ومع التنظير المتكرر الذي تتلقاه من الأمهات الأكبر سنًا. تلك النصائح الجاهزة التي تخترقها أكثر مما تساعدها. وفي اللحظة الحاسمة، تتوقف الراقصة في منتصف الخشبة، ظهرها منحني قليلًا كأن الوحدة هوت فجأة فوق كتفيها.
ورغم الحب الذي يشع في كل حركة تجاه طفلها، يمر في الجسد نزيف خفيف من الحنين، رغبة مكبوتة في أن تعود طفلة مرة أخرى، فقط لتنسى ما كسرته التجربة وتركته خلفها.
كانت الرقصة، بتصميم وأداء حنين أحمد، وحدها كافية لقول القصة كلها، بدون كلمة واحدة.
كيف صاغت ميار منصور عرضًا يمشي بين الحكاية والمسرح؟
حرصت مخرجة العرض على ألا يبقى العمل مجرد تجميع لحكايات متجاورة. بل نَسْجٌ بصري ودرامي يتحرك بين الحكي المباشر وبناء مسرحي متخيَّل.
في البداية اختارت مزيجًا من الفانتازيا والحلم: “حدوتة” عن مدينة تتمنى الأمهات العيش فيها، مدينة نور بعيدة عن مدينة الظلام التي يسكنها الاكتئاب والخوف. كانت تلك الافتتاحية محاولة لفتح باب تخيّل جماعي، يتيح للجمهور رؤية ما يأتي من حكايات ليس فقط كوقائع شخصية، بل كرحلة بحث عن ضوء مشترك.
واحد من أهم رهاناتها كان أن تُغنّي الأمهات بأنفسهن بين الحكايات. كأن الغناء هنا هو الفراغ التنفسي بين جروح الحكاية، أو الجسر العاطفي الذي يسمح للجمهور أن ينتقل من تجربة لغيرها دون أن يفقد الإحساس بالخيط المشترك.
كما ربطت ميار بين القصص التي تجمعها تيمة واحدة، مثل حكايات “الرحم”، لتظهر النساء كأنهن مرايا لبعضهن، تعكس كل واحدة ما تخبئه الأخرى. وفي إحدى اللحظات، صاغت حوارًا بين أم وابنتها يشبه رسالة تُبعث وتعود، فيتحول العرض نفسه إلى بريد عاطفي مفتوح.
هكذا بدأت ميار منصور الرحلة
تشرح ميار منصور، مدرّبة ورشة “ماما.. خطي العتبة” ومخرجة العرض، أن الفكرة وُلدت من قلب تجربتها الشخصية مع الأمومة. بعد إنجاب طفلها عمر وجدت نفسها في مواجهة تحدٍّ جديد كل يوم. لحظات تشعر فيها بالنجاح وأخرى يسيطر فيها الفشل والذنب على المشهد. كانت تخجل من التعبير عن هذه المشاعر بصوت عالٍ، فتتسلل الوحدة إليها بصمت.
ومع الوقت اكتشفت أن ما تمر به ليس استثناءً، وأن معظم الأمهات، باختلاف تجاربهن وظروفهن، يحملن الثقل نفسه. من هنا ظهرت الفكرة: لماذا لا نصنع مجتمعًا صغيرًا نتشارك فيه التجربة وندعم بعضنا؟ مساحة تقول فيها كل أم: “أنا مش لوحدي”. وجاءت الورشة امتدادا لشغف ميار بالحكي الذي يرافقها منذ أكثر من أحد عشر عامًا. وتحول لاحقًا إلى عرض فني يخرج هذه الأصوات إلى النور.
ذنبٌ يتكرر على ألسنة الجميع: القاسم المشترك الذي وحّد الأمهات
استندت التجربة إلى اقتباس من كتاب إيمان مرسال “كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها” الذي تقول فيه: «يبدو الشعور بالذنب. وكأنه الشعور الذي يوحد الأمهات على اختلافهن». تؤكد ميار أن هذا الشعور كان حاضرًا في أغلب الحكايات.
تقول: «الأم اللي قارنت نفسها بالغير اضطرت تضغط على ولادها ليكونوا مبهرين للناس، لدرجة فقدان التواصل معهم، أو الأم الطموحة اللي كل خطوة في طموحها بتحس إن الوقت ده كان ممكن يُستغل لصالح ابنها. حتى ابنها الصغير شجعها على متابعة أحلامها».
وتضيف: «شعور الذنب ملازم للأمومة، مهما حاولنا نعالجه، بيظهر ويختفي. ولما نتقبله نصبح قادرين على تحويله لحكاية فنية تُعرض على المسرح».
بهذا، تحوّل الذنب من شعور ثقيل ومسكوت عنه إلى مادة درامية تسمح للأمهات بمواجهة تجاربهن والتعبير عنها بصوتٍ مسموع.
ورشة تجمع نساء مختلفات
في اختيار المشاركات، حرصت ميار على التنوع: «أهم حاجة إن الأمهات تكون مختلفة في كل شيء… في الأعمار، والحالة الاجتماعية. وفي كون بعضهن ربات بيوت والبعض الآخر عاملات، الفكرة إن كلنا مشتركات في كل المشاعر والتجارب، رغم اختلاف الخلفيات».
شاركت في الورشة: أميرة محسن، ريهام حسين، ولاء محمود، أمير إبراهيم، إيمان عيسي، أماني إدوارد، سحر عبدالخالق، رشا أحمد مراد، نسرين طلعت، إيناس محي الدين، مروة عبدالله، وهالة الزقم. هذا التنوع أتاح مساحة غنية للحكي. حيث برزت طبقات من المشاعر لم تكن متوقعة.
توضح ميار: «كنت متوقعة إن مش كل الأمهات هتشارك على المسرح، لكن مع شعورهم بالأمان بدأت الحكايات المدفونة تظهر. حكاية أم لم تجرؤ على التعبير عن ألمها بصوت عالي بعد تجربة استئصال الغدة اللبنية. وأخرى عن استئصال الرحم في سن صغير وشعورها بالفقد، حتى تجاه الأطباء».
التنوع في الخلفيات جعل المشاهد الشخصية للألم والنجاح أكثر تأثيرًا. وأظهر كيف يمكن لمكان آمن أن يحفّز البوح ويحوّل التجارب الفردية إلى مادة فنية ملموسة.
معمل الحكي العاطفي
حين بدأت ميار في تصميم الورشة، كانت ترى أن مفتاح التجربة هو خلق مساحة آمنة. تقول: «هي مساحة دعم من غير تنظير أو نقد أو تقييم». فجوهر ورشة الحكي الشخصي بالنسبة لها هو أن تسمح لكل أم بأن تنظر داخل تجربتها بصراحة. قبل أن تتحول هذه الصراحة إلى مادة فنية.
اعتمدت ميار في البداية على تمارين الكتابة الإبداعية باعتبارها خطوة أولى نحو التعافي. إذ تكتب المشاركات تجاربهن ومشاعرهن بصورتها الخام. ثم يُعاد تشكيل هذه النصوص لتصبح حكايات معدّة للأداء. بعدها بدأت مرحلة التدريب الفني: «ابتدينا نتعلم بشكل مبسط أداء الحكايات، وتمارين الصوت والنفس، علشان الستات يكتسبوا ثقة في صوتهم وحضورهم».
ولتعميق التجربة، دمجت ميار بين الحكي وفنون الارتجال والسايكودراما. استضافت الفنانة هبة مؤنس لتقديم ورشة ارتجال ساعدت الأمهات على اكتساب الجرأة والانفتاح والتخلص من رهبة المسرح. ثم جاءت إيمان جابر، الأخصائية النفسية والمعالجة بالسيكودراما، لتفتح طبقات أعمق من المشاعر. تقول ميار: «كانت تجربة عظيمة. قدرت تفتح أبواب وطبقات من المشاعر المدفونة، وخلّت الأمهات يتكلموا عن الوجع بأريحية».
بهذا المزج بين التعبير الفني والعمل العاطفي، تحوّلت الورشة إلى مساحة للتعافي الجماعي، وإلى معملٍ حيّ يُصاغ فيه الألم والخبرة الشخصية ليصبحا مادة درامية تُقدَّم على المسرح دون أن تفقد صدقها مع الجمهور.
خصوصية التجربة وجرأة المسرح
واحدة من أبرز التحديات التي واجهت المدربة كانت الحفاظ على خصوصية المشاركات وحساسية تجاربهن، في الوقت ذاته الذي تتحول فيه هذه التجارب إلى مادة فنية للجمهور. توضح ميار: «كنت مدركة إن مش كل الناس تقدر تتكلم عن تجاربها الصعبة. فوفرت مساحة للبوح دون أي تدخل مني في شكل الحكاية. مع استرسال في المشاعر وتعاطف كامل من جانبي».
في الورشة، كان للأمهات حرية اختيار مشاركة قصصهن أمام الجمهور، أو الامتناع عن ذلك، أو الاعتماد على حكاءة محترفة لتوصيل الحكاية. ومع مرور الوقت، اكتسبت السيدات الجرأة، وأدركن أهمية تحويل تجاربهن الخاصة إلى صوت يُسمع ويُحتفى به على المسرح.
من الخوف إلى الثقة
التحدي الأكبر كان تدريب أمهات لم يسبق لهن الوقوف على المسرح أو تجربة الأداء أمام جمهور. توضح ميار: «أنا أم ومريت بمعظم التجارب، وبينا أشياء مشتركة كثيرة، وده ساعد في بناء ثقة بسهولة بيننا، لأنني أتعامل بعين الأم مش بعين المدرب فقط». لم يكن هدفها إخراج الأداء المثالي، بل خلق مساحة آمنة للتعبير والمشاركة. شاركت فيها ميار أيضًا مواقف مؤلمة من تجربتها الشخصية.
خلال التدريبات، بدأت السيدات تكتسب الجرأة تدريجيًا، من ثمانية مشاركات في البداية، ارتفع العدد إلى عشر. ثم إلى اثنتي عشرة مشاركة. ومع الوقت، كسر التدريب والخبرة المشتركة رهبة المسرح، وتحولت الورشة إلى مساحة للتعافي والمواجهة، تعزز الثقة بالنفس وتفتح المجال لكل واحدة للتعبير بحرية.
حين يلتقي الحكي بالوعي
يأتي العرض النهائي لورشة “ماما.. خطي العتبة” بالتزامن مع حملة الـ16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة. توضح المخرجة: «اهتمامي الأول والأخير في المشروع هو توصيل صوت الأمهات وتجاربهن بشكل فني جذاب وممتع ليهم وللجمهور».
وحول علاقة الفن بالنقاش المجتمعي، تقول ميار: «الفكرتين غير متعارضتين.. الفن فن من أجل ذاته ومن أجل المتعة. وهذا هو أساسه، لكن يمكنني استخدام الفن الممتع والجذاب في طرح قضايا توعوية ومجتمعية وتنموية، ليكون أكثر تأثيرًا ووصولًا لفئات أكبر من الجمهور». وهكذا يتحول عرض الحكي إلى مساحة تتقاطع فيها المتعة الفنية مع الرسالة الاجتماعية. مما يخلق توازنًا بين التعبير الفني والتأثير المجتمعي.
شبكة الضوء
لم تكن الورشة والعرض ليظهرا إلى النور لولا شبكة الدعم التي أحاطت بالمشروع منذ لحظته الأولى. تتصدر مؤسسة “نساء من أجل العدالة” هذا الدعم. تقول ميار: «المؤسسة عندها مشروع كبير اسمه “استعادة أصواتنا”، يخص إن النساء يعبّروا عن مشكلاتهم من خلال الحكي. علشان كده تكفّلوا بالدعم المالي للورشة. وكمان دعمونا كقائمات على المشروعات علشان نطوّر أدواتنا الفنية والإدارية للاستمرارية».
أما مركز الجزويت الثقافي، فله مكانة خاصة في التجربة؛ فهو أحد البيوت الأولى التي احتضنت ميار منذ بداياتها مع الحكي عام 2014. تستعيد تلك العلاقة بامتنان قائلة: «الجزويت بيدعمني من أول يوم اشتغلت فيه حكي، أبوابه كانت مفتوحة دايمًا. ولما اتكلمت مع مدير المركز، أبونا ماريو، ساعدني جدًا في توفير المساحات اللي اشتغلنا فيها الورشة، وكمان المسرح اللي استضفنا عليه عرض نتائجها».
هكذا اكتملت الدائرة: شغف شخصي، ومساحة داعمة، وشركاء يؤمنون بقوة الصوت حين يتحوّل إلى حكاية.
حكايات تتغيّر بالجغرافيا
لم تتوقف التجربة عند حدود الإسكندرية، فميار تسعى لتكرار الورشة في مناطق أخرى، مع مراعاة خصوصية السياق الاجتماعي والثقافي لكل منطقة. تقول: «السنة اللي فاتت كنت بدرب سيدات عاملات في مجال الزراعة والصيد في بني سويف والبحيرة مع مؤسسة نواة. ومن خلال الورشة المصغرة لاحظت كيف تتقاطع أعباء العمل مع ضغوط الأمومة». وتضيف: «إذا كررت التجربة في الصعيد، أنا متأكدة إن الموقع الجغرافي والموروث الثقافي سيكون له تأثير قوي على تجربة الأمومة. مما يخلق حكايات مختلفة تماما».
في الأسبوع الماضي، كان جمهور المسرح السكندري على موعد مع عرض المونودراما «بيتر الأحمر» على مسرح الجراج بالجزويت. العرض مقتبس من قصة «تقرير إلى الأكاديمية» لفرانز كافكا، التي يروي فيها القرد بيتر حكايته منذ لحظة وقوعه في الأسر في إفريقيا، حين أدرك أن السبيل الوحيد للنجاة هو تقليد البشر. بعدما خُيّر بين حياة حديقة الحيوان أو العمل على مسرح المنوّعات.
قدّمت فرقة الورشة المسرحية العرضَ بمعالجة بالعامية المصرية، من إخراج حسن الجريتلي وأداء ياسر مجاهد، مع إتاحة ترجمة نصية إلى الإنجليزية. وجاء العمل محاولةً لنقل روح كافكا المتأرجحة بين العبث والرعب والسخرية اللاذعة التي تشكّل جوهر الكوميديا السوداء. أعقب العرضَ نقاشٌ أدارته د. أمينة الحلواني، أستاذ الأدب الإنجليزي والمقارن بكلية الآداب، جامعة الإسكندرية.
ملتقى «مطبخ للفنون الأدائية»
أُقيمت الفعالية ضمن ملتقى «مطبخ للفنون الأدائية» الذي تنظمه مبادرة “حوار للمسرح المستقل والفنون الأدائية”، بدعم من معهد جوته بالقاهرة ومركز الجزويت الثقافي بالإسكندرية. على الخشبة أعاد ياسر مجاهد- بيتر الأحمر- بشعره وذقنه الطويلة وشعر فرو القرد الظاهر من تحت بدلته، تقديم حكاية كائن (قرد) خضع للترويض، وإنسان يحارب ويتكيف من أجل البقاء، في مواجهة مجتمع لا يشبه حقيقته. يكشف العرض الفجوة بين الصورة التي تفرضها المجتمعات، وبين الكائن الذي يحاول النجاة بطريقته.
بدا لي هذا العرض كأنه إعادة مساءلة للفكرة الكافكاوية نفسها: من يمتلك حق الكلام؟ ومن يملك السلطة لتحديد صورة الآخر؟ القرد في النص يخضع لترويض قاسٍ حتى يصبح مقبولًا. وفي العرض بدا ياسر مجاهد وكأنه يعيد إنتاج هذا الصراع مسرحيًا. لكن داخل سياق محلي يواجه فيه الإنسان المصري مؤسساته بقدْر من السخرية والألم في الوقت نفسه.
بين قصة كافكا ومونودراما الجريتلي: قراءة نقدية حية
بعد انتهاء عرض «بيتر الأحمر»، وبعد تحية الجمهور، جلست د. أمينة الحلواني على كرسيها أمام الجمهور على المسرح لبدء الندوة. بدأت حديثها عن العلاقة بين نص كافكا الأصلي وعرض الجريتلي. وقالت: “معالجة الجريتلي في المونودراما جاءت متسقة مع النص الأصلي… نص كافكا أصلاً به ما يكفي من المرونة. لكن اختيار تقديمه بالعامية قربه كتير من الجمهور”.
التحويل من الألمانية إلى العربية الفصحى، ثم تطويعه للعامية، بدا كطبقات تتشكل على خشبة المسرح، تضيف بعدًا طبيعيًا للانتقال من القراءة إلى الأداء. وأكدت: “كل معالجة بالضرورة تحتوي على تغيير… اختيار العامية كان موفقًا في استقبال المشاهد، بدلًا عن القارئ”.
البعد الرمزي للشخصية
ثم انتقلت إلى البعد الرمزي للشخصية، لا بوصفها رمزا مجردا. بل كشخص واقعي يعيش صراع الفرد مع المجتمع، بين نقد الحداثة الأوروبية وعلاقات الشرق والغرب اليوم. قالت:”النص في جوهره يعبر عن العلاقة بالآخر… ولما يتمثل في “بيتر الأحمر”، بنشوف إعادة تشكيل لوجهة النظر عن الشرق الأوسط والمجتمع الغربي”.
ذكرت أيضًا تأثير كافكا على المسرح المصري، من “مصير صرصار” لتوفيق الحكيم، إلى عروض الخمسينيات والستينيات، مؤكدة أن الأدب الكافكاوي لم يكن غريبًا عن السياق المحلي.
ثم تحدثت عن تفاعل الجمهور: كل شخص يختبر صراع بيتر بطريقته، دون الحاجة لمعرفة مسبقة بالنص. وأضافت: “بغض النظر عن خلفية الجمهور عن النص الأدبي، أظن الناس تفاعلت وأعجبت بالعرض. تلقي المسرح أو الأدب، يحدث على مستويات مختلفة. لا يفترض أن يصير كل الناس ناقد متخصص عشان تستمتع بالعمل الأدبي أو المسرحي”.
وفي لحظة، أشارت إلى بساطة الديكور: كرسي ومكتب فقط، وقالت: “العرض ركّز على العلاقة بين الممثل والنص والجمهور… هم الثلاثة أبطال للعرض”. بدا الحضور وكأنهم يرون بيتر يتحرك بين الكلمات. وياسر مجاهد ينجح في تحويل كل لحظة من مونولوجه إلى تجربة حية، يُشرك الجمهور في أنافسه وحيرته وصراعه.
٢٠٢٥١١١٢ ١٩٢٧٥٩
٢٠٢٥١١١٢ ٢٠٠١٠٦ 2
حسن الجريتلي والممثل: الجذر الأساسي في المسرح
كان تركيز حسن الجريتلي خلال تدريبات عرض «بيتر الأحمر»، منصبًا على الممثل، كما الرياضي في ملعبه يراقب كل حركة. يقول: “أنا دايمًا بدور عن مواد لتدريب الممثلين… وده اللي عملته مع ياسر بطل العرض. التدريب الأساسي زي تدريب الرياضي. أنت مش بتدربه عشان ماتش واحد، لكن بتدربه على المهارات اللي تؤهله يلعب أي ماتش”.
ويتابع موضحا فلسفته: “اهتمامي الأساسي في المسرح بالممثل، خصوصا في المسرح الفقير… فمثلاً إذا حصل حريق واختفى المسرح. بالتأكيد هختار أنقذ الممثل أولاً، ويمكن أضحي بعناصر أخرى”. الممثل بالنسبة له هو جوهر التجربة المسرحية، والرصيد الحقيقي لأي عرض حي.
وبالرغم من أن المونودراما تبدو على خشبة المسرح منعزلة، إلا أن حضور الآخر يظل خفيًا في كل جملة وحركة. يوضح الجريتلي ذلك بالمقارنة بين تجربته مع عبلة كامل في “نوبة صحيان” والتحضير للنص الكافكاوي: “نص كافكا قائم على مونولوج طويل، فيه آخرين هم – أعضاء الأكاديمية- اللي بيتر بيوجه ليهم كلامه. هو مش بيكلم نفسه، لكن فيه مونودرامات مختلفة، فيها مشكلة في عزلة الممثل على خشبة المسرح”.
شخصية بيتر
حين وجهت له سؤالاً عن البعد الرمزي في شخصية بيتر، أجاب حسن الجريتلي بصوت يحمل نوعًا من عدم الارتياح لفكرة السؤال الذي يحتمل إجابة ضمنية: “بصراحة أنا مش بفكر في الرموز خالص، مش بشتغل بالطريقة دي يعني. لكن بشوف إن القصة نفسها بتحمل حقايق وأفكار ومشاعر إنسانية. أنا مش بستخدمها كأداة لتوصيل رسالة جاهزة. نص تقرير إلى الأكاديمية، فيه عناصر ولغة أعمق أهلته إنه يعيش أكتر من مئة سنة”.
ويضيف: “الإفراط في الرمزية غالباً بيحول النص لشيء سطحي، لكن النص الكافكاوي غني بذاته، وقادر على بقاء الشخصية حية ومتجاوزة للزمن”. بهذا المنهج، يبدو أن التجريب المسرحي بالنسبة له عملية اكتشاف مستمرة، تتجاوز الانشغال بالإحصاءات أو ردود الفعل الجماهيرية. وعلى خشبة المسرح، تتحول العلاقة بين الممثل والنص والجمهور إلى قلب نابض للتجربة.
عبر الصندوق الضيق: ياسر مجاهد يروي تجربة بيتر
تحدّث ياسر مجاهد عن تجربته في تجسيد شخصية بيتر، وكأنه ما زال يحمل شيئًا من آثار الصندوق الخشبي في باخرة «هاجينبك». بدا وكأن ملامحه تستعيد القرد الجالس منحني الظهر، يده على ركبته المصابة. حين قال: “كان تحديًا كبيرا ومتعبا، لكن ممتع”. ثم أوضح كيف بدأ العمل من النص نفسه: “اشتغلنا أولاً على ترجمة النص وفهم معانيه…”.
كان ياسر يتتبع حركة بيتر كما كتبها كافكا: ذلك القرد المحشور في قفص ضيق، يحني ظهره ويُسنِد وجهه إلى الصندوق، عاجزًا عن الوقوف أو الجلوس. يعلق: “راقبت حركة القرود وطريقتهم في التفكير والإحساس…”. أراد أن يفهم من الداخل كيف كان يشعر حين أدرك أنه لا مخرج، وأن عليه أن يصنع مخرجًا، وأن الحركة صارت وسيلته للبقاء.
تعلم مجاهد الصبر الذي يجعل بيتر يلعق جوز الهند بإرهاق، ينظف جسده من البراغيث، يضرب رأسه بالحائط. ثم يتعلم أخيرًا أن يمد يده كأول فعل بشري. يقول: “بيتر مثال في التكيّف والمقاومة… عنده ذكاء وصبر ملهم لأي إنسان”. ويضيف: “الشخصية أثرت في جداً… فيها مبادئ إنسانية وتسامح وسعي للحرية مهما كانت الصعاب”.
معوقات وصعوبات
يتحدث عن أصعب جوانب الأداء: “التدريب الجسدي كان الأصعب… ميكانيكا حركة القرود مختلفة تمامًا. احتاجت وقت طويل عشان أقرب منها. ولو عيدت الدور، هستمر في تطويره”. كأنه استعاد لحظة إصابة بيتر في الركبة، ذلك العرج الذي يرافقه حتى بعد أن «استقر بين البشر».
وكان واضحًا أن علاقة العمل مع المخرج حسن الجريتلي مبنية على الاحترام والتعلم المشترك: “أنا سعيد ومتشرف جدًا بالعمل مع حسن الجريتلي، لأنه أستاذ كبير وإنسان جميل. اتعلمت منه كتير. وفي البروفات هو ذوق جدًا، وبيهتم دايمًا بما وراء الكلام من معاني، وده ساعدني أشتغل على النص بعمق أكتر”.
المسرح المستقل في الإسكندرية: تحديات البقاء وفرص الشراكات
جلس عادل عبد الوهاب، مدير الملتقى، متأملًا العروض الأولى، ثم بدأ يوضح سبب اختيار عرض “بيتر الأحمر” ضمن فعاليات “مطبخ مفتوح للفنون الأدائية”. قال، وكأنه يستعيد لحظة تواصلهم مع فرقة الورشة: “اتواصلنا معاهم عن مشروعهم الجديد. وكنا بنسعى لتقديم تجارب جديدة، بتتعرض لأول مرة، وتعتمد على التدريب المتخصص”.
ومع انطلاق الملتقى بثلاث تجارب متباينة – رقص معاصر، حفل موسيقي، ومسرح – بدا أن بيتر الأحمر يمثل نوعًا من التوازن بين البساطة والإبداع: “العرض ده كان مناسب لأنه بسيط إنتاجيًا، لا يحتاج عناصر كبيرة. لكن يرتكز على نص أدبي قوي، تحول لمونودرادما تعتمد على أداء الممثل والسينوغرافيا البسيطة المعبرة”.
عن فكرة الملتقى، قال: “هو محاولة للتجريب، وتطوير التواصل بين الفنانين، وإعطاء مساحة للعروض المنتجة عشان تتحرر من فكرة العرض في مهرجان مكتمل”. ورغم أن معظم العروض اكتملت قبل أيام قليلة من الملتقى. إلا أن العمل كان مستمرًا مع الفرق منذ أشهر عبر الاجتماعات والبروفات لضمان جودة التجربة الفنية.
وأشار إلى الدور الحيوي للمراكز الثقافية، مؤكدًا على شراكاتهم مع مؤسسات مثل معهد جوته: “معهد جوته شريك رئيسي من سنين… واهتمامه بالمسرح المستقل والفنانين الشباب له تأثير إيجابي واضح على الحركة المسرحية. خاصة في دعم تجربتين اتقدموا في الملتقى”. كما لعبت أماكن البروفات مثل استديو روك ساوند ومساحة شيلتر للفنون دورًا كبيرًا في وصول العروض إلى جمهور متنوع.
الجمهور ورد الفعل
أما عن الجمهور، فقال بنبرة تجمع الحماس بالرضا: “الشباب والفنانين الصاعدين هما جمهورنا الأساسي، والحضور ونوعيته أكدوا أن الملتقى حقق أهدافه”. وعن المستقبل، قال وهو يلتفت إلى ما بعد الخشبة: “أكيد فيه تعاون ونقاشات لمشاريع مستقبلية بين فريق حوار وفرقة الورشة. كتدريب وتوثيق للحركة المسرحية المستقلة”.
وأضاف مبتسمًا أن الحركة المسرحية المستقلة في الإسكندرية متميزة جدًا، لكنها تواجه تحديات من نقص المسارح والمساحات وتعدد مصادر التمويل. معبرًا عن تفاؤله بأن الإسكندرية خلال سنوات قليلة قد تؤسس لمواسم مسرحية مستقرة تجذب جماهير متنوعة.
جوته يطلق عام كافكا لدعم الفنانين المستقلين
في مكتب معهد جوته بالقاهرة، حيث تتقاطع الجلسات الرسمية مع حوارات الفن والثقافة، جلست فردريكا بيريا، مديرة قسم البرامج الثقافية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تتحدث -باللغة الإنجليزية التي نُقلت هنا مترجمة- عن دعم المعهد لعرض “بيتر الأحمر” ولملتقى “مطبخ مفتوح للفنون الأدائية”.
تقول، وكأنها تستعيد بدايات تلك الحوارات الطويلة: “بدأت المناقشات حول العرض قبل عامين مع حسن الجريتلي، مؤسس فرقة الورشة، الذي تحمس لفكرة تحويل قصة كافكا القصيرة “تقرير إلى الأكاديمية” إلى مونودراما مسرحية”. وأضافت أن اهتمام المعهد بأعمال كافكا خلال الفترة من منتصف 2023 حتى منتصف 2024 لم يأتِ عبثًا. بل جاء في سياق رؤية ثقافية أوسع: “كتابات كافكا تعكس عبثية ما يسمى بالحداثة. وتؤكد صراع الفرد في مواجهة القيود الهيكلية الطاغية”.
ثم شرحت فردريكا كيف يتعامل المعهد مع المسرح المستقل والفنون الأدائية: “هناك طرق متعددة لدعم هذا الحراك، من منح الإنتاج والاستشارات الفنية، إلى توفير مساحات للورش والتدريب ضمن برنامج تخشينة. وإتاحة فرص التقدم لبرامج التدريب الوظيفي أو الصناديق الدولية للإنتاج. وحتى دعم السفر لتقديم عروض في ألمانيا والمشاركة في مهرجانات محلية، تتضمن غالبًا ورش عمل ودورات تدريبية متقدمة”.
تنوعت المحاضرات التي شهدتها الدورة السادسة عشرة من احتفالية «أيام التراث السكندري» لتقدم نظرة شاملة على تاريخ المدينة ووجوهها المتعددة. تناولت الموضوعات جوانب من التراث المعماري والفني والأدبي، وطرحت قراءات جديدة في تاريخ الطباعة والعمارة. وجمعت اللقاءات بين باحثين وفنانين ومهتمين بالتراث، في حوار مفتوح يستعيد ذاكرة المدينة ويبحث سبل الحفاظ عليها أمام تغيرات الزمن.
بالوثائق.. الإسكندرية عاصمة الطباعة الأجنبية
في تصريح خاص لـ«باب مصر»، قال الدكتور أحمد منصور، مدير مركز دراسات الخطوط بمكتبة الإسكندرية، إن بحثه يدور حول كون الإسكندرية عاصمة الطباعة الأجنبية في مصر، مشيرا إلى أن هذا العمل استغرق سنوات من البحث. وتمكن خلال العام ونصف من الحصول على مستندات ووثائق قديمة تتحدث عن المطابع التي كانت قائمة في المدينة.
وأوضح أنه تحقق من هذه المطابع من خلال إنتاج الكتب الموجود في قسم الكتب النادرة بمكتبة الإسكندرية.
وأضاف “منصور” أن أهم مطبعتين تناولهما البحث هما: المطبعة الفرنسية لأنطوان موريس، الذي كان عاملا في مطبعة بولاق قبل أن يؤسس مطبعته الخاصة. ولد موريس في جنوب فرنسا، وجلب معه ماكينة طباعة يُطلق عليها “ألوزيه” تعمل يدويا وتطبع أوراقا كبيرة الحجم. وقد تأسست مطبعته في الإسكندرية عام 1875 بالعقار المجاور لكنيسة سانت كاترين بمنطقة المنشية. وتُعد أول مطبعة تطبع الحروف الهيروغليفية في أواخر القرن التاسع عشر.
أما المطبعة الأخرى، فهي مطبعة اليوناني لاجوداكيس، الذي ترك أثرا بارزا في تاريخ الإسكندرية. إذ أسس مصنعا للورق وآخر لتغليف السجائر باسم “ورق بفرة”. وكان الأول من نوعه في المدينة، وتواجد بمنطقة المحمودية واستمر حتى ستينيات القرن الماضي. ومن أهم إنتاجه “قاموس الإدارة والقضاء”.
وبين منصور أن إنتاج مطابع الإسكندرية كان يتم توزيعه داخل المدينة، وفي القاهرة وبورسعيد، بل ويصدر أحيانا إلى الخارج. حيث تعيش الجاليات الأجنبية.
جانب من محاضرة الإسكندرية عاصمة الطباعة الأجنبية.. تصوير: دعاء عبدالحميد
توثيق الطباعة الأجنبية في الإسكندرية
أوضح الدكتور أحمد منصور أن بحثه يتضمن تحليلا للإصدارات والمعلومات التاريخية والروايات التي تسهم في توثيق تاريخ الطباعة الأجنبية بالإسكندرية. كما استعان بالدراسات المنشورة على موقع مركز الدراسات السكندرية الفرنسي حول الصحافة الفرنسية والفرانكوفونية. إضافة إلى الكتب الموجودة في مكتبة الكتب النادرة بمكتبة الإسكندرية.
وأشار إلى أن مشاركة هذا البحث في الدورة الـ16 من “أيام التراث السكندري”، التي حملت عنوان “فسيفساء الأحياء”. جاءت لما كشفت عنه الدراسة من انتشار المطابع قديما في معظم أحياء المدينة مثل كليوباترا ومحرم بك والمنشية. سنجد تقريبا في كل حي مطبعة للجاليات الأجنبية أو للمصريين.
رمسيس ويصا واصف.. العمارة بروح الإحساس
قالت المهندسة المعمارية والباحثة المستقلة إحسان أبو شادي، المشاركة في تأليف كتاب “رمسيس ويصا واصف في الإسكندرية والبحيرة”، إن فكرة العمل على الكتاب بدأت عام 2015. بعد أن لاحظت غياب كتاب يجمع كل أعمال ويصا واصف.
وأضافت أن الكتاب يوثق معظم أعماله المعروفة، رغم وجود مشاريع أخرى لم توثق بعد. وكان المصدر الأهم في إعداد الكتاب قسم الوثائق المعمارية في مكتبة الجامعة الأمريكية.
وأشارت “إحسان” إلى أنها عثرت على رسومات لمشروع كنيسة القديس يوسف بالإسكندرية، الذي لم ينفذ بسبب اندلاع ثورة 1952. ووصفت أسلوب ويصا واصف بأنه “عمارة تعبر بالإحساس أكثر من الزخرفة”.
جانب من لقاء الباحثة إحسان أبو شادي، من تقديم منسق البرنامج مروة عبد المجيد.. تصوير: دعاء عبدالحميد
مشروع فندق فلسطين
أما في مشروع فندق فلسطين بالإسكندرية، فقد شارك في تصميم سقف صال الفندق فقط، بطلب من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. حين جرى إنشاء الفندق بسرعة لاستضافة المؤتمر العربي عام 1964. حيث أنجزت الأعمال في ستة أشهر فقط. ونفذ ويصا واصف القبة الجبسية المزخرفة والملونة في سقف الصالة.
كما صمم الزجاج الملون في كنيسة الشهيد مارمينا بفلمنج. بينما في كنيسة الشهيدين أباكير ويوحنا بأبوقير وجد أن التصميم المنفذ يختلف عن ما ورد في أرشيفه. كذلك وضع بصمته في كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بدمنهور التي بنيت في خمسينيات القرن الماضي.
وقدمت “إحسان” عرضا لتصميماته الخاصة بفيلات أبوقير، ومنها فيلا المصيف التي صممها لوالد ووالدة زوجته “أوجيني عبد السيد وحبيب جورجي” على طراز البحر المتوسط. وكذلك فيلا والدته برلنتي يوسف التي بناها على الطراز الحديث.
الإسكندرية وكڤافي .. بين البيوت والأبيات
تحدث الدكتور محمد عادل دسوقي، رئيس قسم العمارة بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا بالعلمين، عن سيرة حياة الشاعر كڤافي، السكندري ذو الأصول اليونانية. موضحا أنه ولد في الإسكندرية وتلقى جزءا من تعليمه فيها، وعمل بها حتى وافته المنية ودفن في ترابها.
وأكد “دسوقي” أن كڤافي شاعر بارز ومجدد يستحق الاهتمام العالمي، مشيرا إلى أن بداية علاقته به كانت أثناء مشروع إعادة إحياء متحف كڤافي بالإسكندرية. حيث شارك ضمن لجنة متخصصة درست سيرته وحياته الأدبية.
وأوضح أن كڤافي كان مشغولا بالمعاني والأفكار أكثر من اهتمامه بالمحسنات اللغوية. ولم يصدر في حياته أي ديوان مطبوع. إذ كان يعدل قصائده باستمرار بالحذف أو الإضافة، وينشرها في المجلة الدورية الخاصة بالجالية اليونانية. ولم يجمع شعره في كتاب إلا بعد وفاته بعامين ثلاثة.
جانب من فعالية “كفافي” بإدارة مدير مركز الدراسات السكندرية.. تصوير: دعاء عبدالحميد
العودة إلى الإسكندرية
أضاف “دسوقي” أن كڤافي كان شديد التعلق بمدينة الإسكندرية وشوارعها التي عاش فيها، خاصة في محيط المنشية ومحطة الرمل وشارع فؤاد. ورغم سفر عائلته إلى بريطانيا بعد وفاة والده. حيث تلقى تعليمه الأساسي هناك، فإنهم آثروا العودة إلى الإسكندرية مجددا. وبعد قصف الاحتلال الإنجليزي للمدينة عام 1882، انتقلت الأسرة إلى إسطنبول لفترة قصيرة. ثم عادت مرة أخرى إلى الإسكندرية. ويعد آخر بيت أقام فيه كڤافي هو المبنى رقم 17 بشارع رشيد (فؤاد حاليا)، والذي أصبح متحف كڤافي.
وبسبب الضائقة المادية التي ألمت بأسرته بعد أن كانت من أغنى عائلات المدينة. اضطر كڤافي للعمل موظفا في وزارة الري، كما عمل مضاربا صغيرا في البورصة. لكنه ظل وفيا للشعر، يكتب قصائده ويلقيها في الأندية الاجتماعية والثقافية مثل كازينو سان ستيفانو ومقهى أتينيوس بمحطة الرمل. وكانت الإسكندرية حاضرة دائما في وجدانه وإبداعه الشعري.
وأشار “دسوقي” إلى أن بيت كڤافي ومكتبه كانا أكثر الأماكن التي يقضي فيها وقته. كما كان يتردد على مكتبة بلدية الإسكندرية، والمتحف اليوناني الروماني، وتياترو زيزينيا، باعتبارها من أهم المؤسسات الثقافية آنذاك. حيث كان يبحث من خلالها عن التفاصيل الصغيرة وقصص المهمشين والمهزومين أكثر من المنتصرين.
واختتم قائلا إن كڤافي دفن في مقابرالجالية اليونانية بالإسكندرية، التي تُعد من الكنوز المعمارية والفنية المبهرة.
الإسكندرية بين الماضي والحاضر
قالت الباحثة ياسمين حسين، مدير البحوث في منظمة الإنسان والمدينة للأبحاث الإنسانية والاجتماعية، في تصريح لـ«باب مصر»، إن أيام التراث السكندري من أهم الفعاليات في الثقافية في المدينة، لأنها تدعو للتفكير العميق في الشأن السكندري. مؤكدة حرصها على المشاركة فيها باستمرار.
وأوضحت أنها شاركت هذا العام بمحاضرة في مكتبة الإسكندرية لمناقشة كتاب “الإسكندرية بين الماضي والحاضر”، مشيرة إلى أن العمل على الكتاب بدأ بين عامي 2015 و2018 وصدر عام 2021. وكان هدفه رصد التحولات التي شهدتها المدينة بطريقة مبسطة تتيح للجمهور فهمها دون أحكام مسبقة أو توجيه.
كما شاركت في فعالية أخرى عبارة عن ورشة تفاعلية تهدف إلى تشجيع الناس على كتابة ترثهم بأنفسهم والبحث فيه من خلال ألعاب تعليمية وتراثية.
وأضافت “ياسمين” أن رؤية الكتاب تتوقف عند عام 2018 فقط، لكن السنوات التالية شهدت تغيرات كبيرة في المدينة قائلة: “في رأيي، المدينة كائن حي يتأثر ويؤثر، فهي ليست مفعولا به فقط. بل لها رد فعل على كل هذه التغيرات. فالإنسان والبيئة يؤثران في بعضهما سلبا أو إيجابا. وهذا التفاعل ينتج تغيرات قد لا تتناسب لاحقا مع تطور الأجيال واحتياجاتها. لذا تبقى مهمتنا الأساسية هي التوثيق المستمر. لأن الإسكندرية تغيرت كثيرا منذ 2017 وحتى اليوم”.
من محاضرة الإسكندرية بين الماضي والحاضر.. تصوير: دعاء عبدالحميد
“قصة حي”.. خرائط تكشف تحولات المدينة
شهد اليوم الأول من الاحتفالية افتتاح معرض “قصة حي” بالمعهد الفرنسي. حيث أوضحت الدكتورة سيسيل شعلان، المسؤولة عن قسم المساحة والخرائط بمركز الدراسات السكندرية الفرنسي، في تصريحها لـ«باب مصر» أنها أعدت خرائط المعرض بالتعاون مع عدد من أقسام المركز الفرنسي للدراسات السكندرية.
وأشارت إلى أن المعرض يضم خرائط من عام 1850 تبرز التطور العمراني والإداري الذي حدث في الإسكندرية، وتغير الأسماء والحدود الإدارية مع توسع المدينة شرقا وغربا. مؤكدة أن الهدف من المعرض هو تتبع التطور بمرور الوقت.
تطور الأقسام على مر السنين
قالت “شعلان” إن من أبرز التحديات التي واجهتها قلة الوثائق والخرائط التي تظهر حدود المدينة بدقة. لكنها استطاعت، عبر تتبع المستندات القديمة ووصفها الإداري، رسم خريطة لتطور الأقسام على مر السنين. مثل سجلات التعداد السكاني التي توضح الأقسام والشياخات. وأضافت أن المعرض يضم خرائط تظهر تقسيم الإسكندرية الإداري في أعوام 1910 و1970 و2017.
وتابعت: من خلال استطلاع آراء الزائرين، اكتشفنا أن الناس لا تستخدم الحدود الإدارية الموجودة على الخرائط. بل تعتمد على الأسماء الأصلية للأحياء أو على معالم مميزة في المنطقة، حتى وإن تغير اسمها لاحقا.
IMG 20251106 WA0022
IMG 20251106 WA0021
حفلات وجولات ميدانية
حرص مركز الدراسات السكندري برئاسة توما فوشيه، على أن تتضمن الدورة الـ16 من “أيام التراث السكندري” عددا من الفعاليات الفنية والموسيقية المتنوعة لجمهور المدينة منها:
حفل غنائي “الحي اللاتيني” في المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية. وعرض حكي موسيقي “راكيتوس” للفنانين محمد عبد الواحد وفريد جزر، على مسرح الجزويت الثقافي. كما استقبل متحف الإسكندرية القومي حفل غنائي “كوم الدكة” لفرقة فلكلوريتا. وعرض صوت “بصمة صوت” في نادي البحارة الألمان، للفنان أسامة حلمي (ؤزؤز). تلاه حفل غنائي لـBako FM. وجاء حفل الختام “باكوس من تراث إذاعة الإسكندرية” للفنان ابن البلد.
كما شملت الدورة جولات ميدانية متخصصة، منها: جولة مع ميسرة حسين بمنطقة بحري، وجولة في شارع فؤاد مع فريق فوت نوت. وزيارة لمتحف كلية الفنون الجميلة، وزيارة لقنصلية فرنسا بالإسكندرية. وختام الفعاليات بجولة في قصر عمر طوسون بمنطقة جليم.
إلى جانب ذلك، شهدت الاحتفالية عروضا مسرحية على مسرح المعهد الفرنسي ومركز الجزويت.
مع ختام أحد العروض الراقصة في مهرجان الإسماعيلية الدولي للفنون الشعبية، امتلأ المسرح بمؤدين من رومانيا والإسكندرية إلى جانب راقصين من فرقة «هيئة قناة السويس لذوي الهمم»، التي تشارك للمرة الثانية رسميا بعرض كامل في المهرجان، في رقصة جماعية على أنغام أغنية المهرجان.
تجلى خلال العرض اندماج فني وإنساني فريد بين راقصين محترفين وأعضاء فرقة من ذوي الهمم. في مشهد عكس اعترافا متبادلا بالقدرات الفنية دون حواجز نفسية أو فنية. ما يعزز الاندماج الاجتماعي عبر الفنون الشعبية كجسر ثقافي يتجاوز الإعاقة، ويجعل من ذوي الهمم عنصرا فاعلا ومحبوبا في التعبير عن التراث الوطني.
الدورة الـ25 من مهرجان الإسماعيلية
في الدورة الخامسة والعشرين من المهرجان، شاركت فرقتا “القلوب البيضاء” و”هيئة قناة السويس لذوي الهمم” في برنامج عروض متكامل. وليس مجرد فقرات ترفيهية ضمن الاستعراض الافتتاحي. بعد مشاركات سابقة في مهرجان المانجو الصيفي ومهرجان الفراولة الربيعي بالإسماعيلية.
يقول إبراهيم المصري، مدرب الرقص لفرقة القلوب البيضاء لـ«باب مصر»: “مشاركتنا في مهرجان دولي إنجاز كبير في مسيرتنا. أداؤنا يتطور باستمرار منذ بدأنا مع مصمم الرقصات سامي البرنس قبل أربع سنوات فقط”.
تفاعل بين راقصي فرقة قناة السويس لذوي الهمم وفرقة الحرية بالإسكندرية تصوير محمد عوض
مشاركة فرقة القلوب البيضاء في استعراض مهرجان الإسماعيلية للفنون الشعبية تصوير محمد عوض
كيف نبتت «القلوب البيضاء»
بدأت مشاركة راقصين من أصحاب متلازمة داون بشكل استعراضي شرفي ضمن فرقة الأطفال للفنون الشعبية. تحكي رحاب زكريا، والدة جومانا سالم، عضوة فريق هيئة قناة السويس لذوي الهمم، عن بدايات ابنتها كحاملة لعلم فريق الأطفال بقصر ثقافة الإسماعيلية مع المدرب سامي البرنس. وانضمام كل من محمد جمال نصار وعمر خالد لتشكيل ثلاثي استعراضي مميز ضمن العروض.
تقول رحاب: “بتفاعل الثلاثي أصبح من الممكن تكوين فريق من ذوي الهمم وخاصة متلازمة داون. اجتهد أولياء الأمور في جمع الأطفال سواء من المدارس المتخصصة أو الأندية. وحتى خلال اللقاءات العفوية في عيادات العلاج والتأهيل”.
من هذه النواة الصغيرة تأسس فريق القلوب البيضاء بالإسماعيلية. ومع تزايد عدد الأعضاء، انشق بعضهم لاحقا لتأسيس فريق جديد حصل على دعم رسمي من هيئة قناة السويس. ليصبح امتدادا لعمل مركز رعاية الأطفال ذوي القدرات الخاصة تحت اسم فرقة هيئة قناة السويس لذوي الهمم للفنون الشعبية.
دعم المؤسسات والمدارس والجمعيات
يرتبط النشاط الفني للهيئة بمنظومة رعاية يقدمها مركز رعاية الأطفال ذوي القدرات الخاصة، الذي يوفر خدمات طبية وتأهيلية وتربوية متخصصة. إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي للأسر.
يقول المصري: “90% من أعضاء الفريق من متلازمة داون، معظمهم من مدرسة التربية الفكرية وجمعية التثقيف الفكري. صممت الرقصات بما يتناسب مع قدراتهم ليظهروا بأفضل صورة ممكنة. ساعدنا كذلك إعلان الدولة أعواما مخصصة لذوي الإعاقة، ما زاد تقبل المجتمع للمختلفين”.
سبق للمصري تدريب فرق الإسماعيلية القومية للأطفال. كما درب فريقا تابعا لجمعية خيرية لرعاية الأيتام. ويضيف: “في العام الماضي قدمنا عروضا على المسرح المكشوف بحديقة الشيخ زايد ومدينة القصاصين. وهذا العام طُلب منا تقديم عروض جديدة بعد الدعم والتفاعل الكبير من الجمهور”.
day 2 47 scaled
day 2 48 scaled
نموذج للرعاية المؤسسية
توفر هيئة قناة السويس نموذجا متكاملا للرعاية المؤسسية التي تضمن استدامة النشاط الفني لذوي الهمم. تقول رحاب زكريا: “الهيئة توفر دعما ماديا ومقرا للتدريب وملابس العروض والانتقالات، إلى جانب التنسيق للمشاركات في المهرجانات. هذا الدعم خفف العبء عن أولياء الأمور. وجعل دورهم يتركز في الدعم النفسي لأبنائهم”.
وتوضح أن التدريب على الرقص الشعبي ساهم في تحسين مهارات ابنتها الأكاديمية، مثل اللغة والحساب، وزاد من قدرتها على التركيز والانضباط. خاصة مع ارتباطها بأيام التدريب وشعورها بالانتماء داخل الفريق. وتضيف: “في المدرسة كانت جومانا تشعر بالاختلاف، لكن في الفريق لا توجد فوارق. الكل أصدقاء وأبطال”.
الفن والرياضة كعلاج
قبل انضمامها إلى الفريق، جربت جومانا رياضات السباحة وكرة اليد. لكنها وجدت شغفها الحقيقي في الرقص الشعبي، مثل زميليها محمد جمال نصار (حمودي) وعمر خالد.
تقول سماح رجب، والدة حمودي: “وجد ابني نفسه مع فريق الفنون الشعبية. وهو أول راقص من متلازمة داون في الإسماعيلية، شجعه أصدقاءه على الانضمام. فتكون الفريق وتعمق التفاهم بينهم أكثر”. وتتابع: “عند تجميع الفريق لأول مرة، يظهر الخوف والترقب في أول حصتين. لكن سرعان ما ينطلق العضو الجديد مع الفريق كأنهم أصدقاء منذ أعوام، طاقتهم تشع معا”.
ويقول حسن الدكروري، مدرب فريق هيئة قناة السويس لذوي الهمم: “يضم الفريق أطفالا من أصحاب متلازمة داون. إضافة إلى إعاقات ذهنية بسيطة وسمعية. نراعي في التدريب الفروق الفردية في الاستيعاب، ونوزع الأدوار وفقا لذلك”.
خلال أحد العروض، يجلس الدكروري على مقعد في الصف الأول أمام المسرح، موجها الراقصين بإشارات يده. خاصة أحد أعضاء الفريق الذي يؤدي رقصة التنورة باحتراف رغم إصابته بإعاقة سمعية.
تدريب منظم ومنهجية علمية
نجاح فريقي القلوب البيضاء وقناة السويس لذوي الهمم، لم يكن من محض الصدفة، بل هو نتاج منهج تدريبي منظم. يخضع الأعضاء لبروفات منتظمة ومكثفة لصقل مهاراتهم. مع التدريب على أفكار فنية جديدة لضمان جاهزيتهم للمشاركة في الفعاليات. يجتمع فريق الهيئة مرتين أسبوعيا، لمدة ساعتين في كل مرة، في أجواء تجمع بين الجدية والحماس.
من عروض فرقة قناة السويس للفنون الشعبية.. تصوير: محمد عوض
دراسات أكاديمية تدعم التجربة
يتوافق النظام التدريبي للفريقين مع نتائج بحث أكاديمي للدكتورة جنات عبد الغني، أستاذ المناهج وطرق تعليم الطفل المساعد بكلية رياض الأطفال -جامعة الإسكندرية، بعنوان “دور أنشطة الفنون في تنمية بعض المهارات لدى الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة (متلازمة داون)”.
تشير الدراسة إلى أن الموسيقى تسهم في تنمية شخصية الطفل عبر تنمية الذوق الجمالي والقدرة على التعبير. كما تزيد من دافعيته للتعلم، مما يجعلها من الأنشطة المحببة لأطفال متلازمة داون. نظرا لطبيعتهم المرحة واستجابتهم العالية للإيقاع والحركة.
وتؤكد إحدى أولياء الأمور – والدة الطفلة ملك، عضوة فريق هيئة قناة السويس- على الأثر الواضح للتدريب الفني قائلة: “ابنتي أصبحت تتحدث بشكل أفضل بعدما انضمت للفرقة، والاندماج مع زملائها. بالتأكيد ساعدتها المدرسة ولكن تطورها في الكلام كان أسرع بعدما دخلت الفرقة”.
دور الأسرة والدعم المجتمعي
إلى جانب جهد المدربين، يلعب أولياء الأمور والأشقاء دورا بطوليا في دعم الأبناء. يحرص العديد منهم على حضور التدريبات والمساعدة في تجهيز الأطفال قبل العروض، مؤكدين أنهم لاحظوا مبكرا ميول أبنائهم للفنون.
هذا الدعم الأسري المكثف هو ما يضمن استمرارية الالتزام بالتدريبات التي تتسم بالصعوبة أحيانا. ويساهم في خلق الدافع الداخلي لدى المؤدين. وتشير منهجيات التربية الخاصة إلى أن إيجاد الحافز لدى الطفل ومكافأته عند تحقيق السلوك المطلوب هما أساس النجاح في عملية التعليم والتأهيل.
نحو مهرجان خاص بذوي الهمم
بعد مشاركة فريقي القلوب البيضاء وهيئة قناة السويس لذوي الهمم في مهرجان الإسماعيلية الدولي للفنون الشعبية، طرح المدربان فكرة إقامة مهرجان خاص لفرق الفنون الشعبية من ذوي الهمم على اللواء أكرم جلال محافظ الإسماعيلية.
يقترح المشروع أن يبدأ المهرجان بفرق مصرية، مثل فرق مراكز الشباب وفرقة القلوب البيضاء بمدينة المحلة، على أن تمتد الدعوة لاحقا إلى فرق أجنبية مماثلة، ليصبح مهرجانا دوليا جديدا.
وخلال اجتماع المحافظ مع الفرق المشاركة، تم عرض المقترح رسميا، وينتظر المدربان لقاءً لاحقا لمناقشة التفاصيل التنفيذية، في خطوة تمثل انتقالا من مفهوم “العرض الترفيهي المخصص” إلى “الاندماج الثقافي الشامل”، حيث تكون الفنون الشعبية مساحة متكافئة للتعبير والإبداع لكل فئات المجتمع.
افتُتحت فعاليات «أيام التراث السكندري» في دورته السادسة عشرة بلقاء مع المعماري السكندري الكبير الدكتور محمد عوض، بمشاركة الدكتور محمد عادل الدسوقي، تحت عنوان «الإسكندرية.. الأحياء التاريخية»، وأدار اللقاء توما فوشيه، مدير مركز الدراسات السكندرية الفرنسي.
النشأة وسط تحولات المدينة
تحدث الدكتور محمد عوض عن نشأته في مدينة الإسكندرية قائلاً: “نشأت في حي برجوازي، كل ما حولي ڤيلات، وكان السكان خليطا من جنسيات مختلفة. وكانت الحياة الاجتماعية قوية في منطقة بولكلي، وكان الشارع يسمى م.فيرمن. وبالبحث عن شخصية فيرمن اكتشفت أنه أول من حصل على امتياز ترام الرمل”.
وأضاف: “رغم أن منطقة بولكلي كانت برجوازية بعض الشيء، إلا أن الناس كانوا بسطاء. وكانت هناك فيلات كبيرة لجنسيات مختلفة؛ من سويسرا ومالطا ومصريين أيضا. وكان الحي يغلب عليه الطابع الإنجليزي. إذ كان يسكن فيه المندوب السامي، إلى جانب عدد من العائلات الأخرى. كما كان يسكن فيه الأخوان وانلي، وكنت أراهما يستقلان ترام الرمل للذهاب إلى كلية الفنون الجميلة”. ووصف المنطقة بأنها كانت كوزموبوليتانية الطابع.
مراحل نشأة المنشية
من جانبه تحدث الدكتور محمد عادل الدسوقي، رئيس قسم العمارة بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا- فرع العلمين، عن نشأته في وسط المدينة، وتحديدا في منطقة المنشية، وعرض صورا لمراحل نشأته المختلفة. وشكل المدينة آنذاك من مبانٍ وميدان المنشية الذي يختلف كثيرا عن شكله الحالي، مرورا بمحطة الرمل وخريطة الإسكندرية التي كانت معلقة بها. وكانت أول خريطة يراها للمدينة، والتي اختفت لاحقا في ظروف غامضة!
كما عرض “الدسوقي” تطور مدينة الإسكندرية منذ نشأتها بالخرائط، مشيرا إلى أن تخطيطها القديم كان شبكيا متعامدا. بينما التقسيم الإداري الحالي لم يعد متسقا تماما مع الصورة الذهنية لدى سكانها.
IMG 20251031 WA0002
IMG 20251031 WA0001
DNA لمدينة الإسكندرية
تساءل الدكتور عوض: هل يمكن أن يكون للمدينة DNA خاص بها؟ وأوضح أن المدينة كائن حي له خصائص مميزة. ويمكن أن نطلق على هذه الخصائص (DNA). فالتنمية في أي مدينة يجب أن تراعى الجوانب الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، لأنها جميعا تصب في قاعدة المدينة أو أساس التنمية الحضرية.
وأشار إلى أنه منذ القرن الـ19، عندما عاد محمد علي باشا إحياء الإسكندرية، فرض على المدينة الطراز العثماني، الذي جمع بين العمارة الإسلامية والأوروبية. ومن أهم مباني حي الجمرك آنذاك قصر رأس التين. وبجواره سكنت العائلات الكبيرة فيما عرف بالحي التركي.
واهتم محمد علي باشا بإنشاء الميناء والخرسانة البحرية دعما لأسطوله العسكري، وكانت الإسكندرية نواة هذا الأسطول. كما أنشأ أول مجلس تخطيطي للمدينة، يشبه بلدية الإسكندرية لاحقا. وسكن القناصل الأجانب (ميدان محمد علي حاليا)، الذي اتسم بالعمارة الإيطالية على غرار مدن البحر المتوسط.
بورصة مينا البصل
تابع “عوض” أن الميناء توسع في عصر الخديوي إسماعيل، الذي أنشأ كذلك بورصة مينا البصل، ما أعطى دفعة قوية للاقتصاد السكندري. وبعد قصف الإسكندرية عام 1882 بدأ عمران جديد، وتأسس مجلس بلدية الإسكندرية الذي خطط للمدينة. وأنشأ بورصة الأوراق المالية والمحاكم المختلطة. ووضع تمثال محمد علي في ميدان المنشية، لتتحول المدينة تدريجيا إلى مركز تجاري ومالي.
وأكد أن اختلاط الحضارات أهم ما يميز الإسكندرية، حتى في عمرانها الحديث، مثل منطقتي كوم الشفافة وعامود السواري. ومع امتداد المدينة بدأت العائلات البرجوازية ببناء القصور في شارع فؤاد. وفي عام 1873 ظهر الحي اللاتيني بنماذجه المعمارية المتنوعة، إلى جانب الحي اليوناني الذي ضم مباني عائلات الشوام.
رموز يجب الحفاظ عليها بالإسكندرية
أشار الدكتور عوض إلى أن شارع فؤاد بدأ يضم مباني ذات أهمية ثقافية، مثل تياترو ومسرح محمد علي (مسرح سيد درويش حاليا)، وبيت باسيلي الذي تحول إلى متحف الإسكندرية القومي. وفي عام 1898 افتتح المتحف اليوناني الروماني ليصبح أحد أبرز رموز العصر اليوناني الروماني في الإسكندرية الحديثة.
كما تحدث عن شارع أبوقير الذي يضم مدافن اللاتين والمنارة ومقابر الحرب العالمية الأولى. مشيرا إلى أنها من أجمل المدافن التي يجب الحفاظ عليها وجعلها حدائق مفتوحة للزيارة. على غرار ما هو متبع في فرنسا وإيطاليا. وأوضح أن منطقة الشاطبي تم التخطيط لها لتكون حيا للمؤسسات. إذ تضم الجامعة والمستشفى ومكتبة الإسكندرية. أما محرم بك فتمثل تفرعا بين شارعي فؤاد وأبوقير، وكان يسكن شمالها اليهود.
كيف تحولت قناة المحمودية؟
أما قناة المحمودية، فكانت في الماضي امتدادا زراعيا يمد المدينة بالخضروات والفواكه. ثم تحولت إلى منطقة صناعية، والآن أصبحت مساكن بعد أن فقدت ملامحها القديمة. رغم أنها كانت متنزها يرتاده الناس في رحلاتهم إلى رشيد وأبوقير.
وأشار إلى أن فكرة المدن الحدائقية ظهرت في الإسكندرية منذ عام 1918 في مناطق مثل سموحة والرأس السوداء والسيوف. فيما شكل الكورنيش ببحره وشواطئه أحد أعمدة اقتصاد المدينة. وانتقد ما حدث مؤخرا قائلا: “كل ما يحدث على الكورنيش الآن لا يخدم تنمية المدينة ولا يشجع السياحة”. مشددا على أن قصر المنتزه يمثل رمزا مهما يجب الحفاظ عليه.
وأضاف أن مناطق سيدي كرير والعجمي في غرب الإسكندرية تحولت إلى تجمعات سكانية بعد أن كانت مقصدا سياحيا مميزا، متسائلا: “من يتذكر ما كانت تمثله العجمي سياحيا من قبل؟”. كما أشار إلى أن بيت حسن فتحي ببرج العرب يعد من رموز المنطقة.
ما الذي حدث للإسكندرية؟
اختتم الدكتور محمد عوض حديثه متسائلا بمرارة: “ما الذي حدث لمدينة الإسكندرية؟” موضحا أن المدينة أصبحت تعاني عمرانا بلا هوية، فقدت معه كثيرا من مبانيها التراثية. وانتشرت فيها المساكن العشوائية والتدهور الحضري.
وأكد أن أهم مشكلتين تواجهان أي مدينة هما: إدارة التخطيط العمراني، وزيادة السكان. إلى جانب التدهور البيئي وتقليص المساحات الخضراء. ضاربا المثل بميدان محمد علي الذي فقد طابعه التاريخي وأصبح ساحة فوضوية.