باب مصر

التصنيف: بحرى

باب مصر بحرى

  • حوار| الكاتب «محمد أيوب»: القصة القصيرة فنّي وعشقي.. والثقافة لا تُدار بعقلية الجزر المعزولة

    حوار| الكاتب «محمد أيوب»: القصة القصيرة فنّي وعشقي.. والثقافة لا تُدار بعقلية الجزر المعزولة

    في زمن تتراجع فيه المساحات الممنوحة للأدب الحقيقي، وتتزايد فيه ضوضاء الاستهلاك الثقافي، تظل للقصة القصيرة عشّاقها ومبدعوها، الذين يدافعون عنها بكل شغف وإيمان. ومن بين هؤلاء الكاتب «محمد أيوب»، أحد أبناء مدينة السويس، الذي ارتبط اسمه بفن القصة القصيرة، كتابة ودفاعًا وتطويرًا، لأكثر من عشرين عامًا.

    وفي هذا الحوار الخاص، نتوقف معه عند محطات من تجربته الإبداعية، ونستمع لرأيه في حال الأدب المصري والعربي، وعلاقته بمدينة السويس التي تسكن كتاباته كما يسكنها هو. يتحدث بصراحة عن المشهد الثقافي، عن الجوائز، وعن المؤسسات، ولا يخفي قلقه على بيوت الثقافة التي تمثل في نظره القلب النابض لأي نهضة فكرية. حوار يحمل بين سطوره مزيجًا من الحب والقلق، الأمل والنقد، الحنين والموقف.. مع قاص يؤمن بأن “القصة ليست عدد كلمات، بل لحظة صدق”.

    • بدايةً، كيف تقدم نفسك للقراء؟

    أنا مجرد عاشق للقصة القصيرة، أتابعها وأكتبها وأتنفسها منذ أكثر من عشرين عامًا. لم أكتب بحثًا عن شهرة أو جوائز، بل لأنني وجدت فيها صوتًا داخليًا لا يكف عن الهمس، يدفعني لأخط بقلمي معبراً عن أفكاري.  فالقصة القصيرة ليست مجرد فن أمارسه، بل هي نمط حياة.

    بدأت علاقتي بالكتابة مبكرًا جدًا، ونُشر أول نص لي وأنا دون الرابعة عشرة من عمري. كانت لحظة فارقة لا تُنسى، منحتني ثقة ومسؤولية مبكرة تجاه الكلمة.

    • ما الدور الذي لعبته الصحافة المحلية في تشكيلك الأدبي؟

    الصحف الإقليمية والمحلية كانت مدرستي الأولى، وكان لها فضل كبير عليّ شخصيًا، أتمنى عودتها بقوة، لأننا فقدنا مصدرًا مهمًا لاكتشاف المواهب. هذه الصحف كانت تنشر دون وساطة، تشجع وترشد، وتعطيك الإحساس بأن ما تكتبه يستحق أن يقرأ، لذا كانت محفزاً قوياً لي في بداياتي.

    •  لماذا القصة القصيرة بالتحديد؟ وما الذي يميزها عن غيرها من الأجناس الأدبية؟

    في رأيي المتواضع، القصة القصيرة هي أصعب الفنون الأدبية وأجملها في الوقت نفسه. صحيح أن الشعبية الأكبر اليوم للرواية، لكن القصة القصيرة تملك سحرًا خاصًا، لأنها تقوم على التكثيف، والدهشة، والدقة. هي كالموسيقى القصيرة التي تبقى في الذاكرة رغم قصرها، وتجذب قارئها بما تمنحه من متعة دون إطالة.

    • حدثنا عن أعمالك المنشورة، وكيف تميزت؟

    أصدرت حتى الآن أربع مجموعات قصصية، إلى جانب رواية واحدة. كل عمل يمثل جزءًا من رحلتي وتطوري ككاتب. أكتب من الواقع، ومن الذاكرة، ومن تفاصيل الحياة اليومية، وأحاول دائمًا أن تكون القصة نابعة من لحظة صدق، صدق في التصور، وصدق في التعبير، وصدق في الكلمات.

    • يبدو أن لمدينة السويس حضورًا قويًا في كتاباتك، حدثنا عن ذلك؟

    السويس ظهرت في كتاباتي رغمًا عني. ليست مجرد خلفية مكانية، بل حضور حي ونابض. أكتب عنها لأنها تعيش في داخلي، بكل تفاصيلها ومقاومتها وشوارعها ولهجتها. هي مدينة ملهمة، وكل من عاش فيها لا بد أن يكتبها بطريقة ما، حتى لو لم يقصد.

    •  من الأدباء الذين أثّروا فيك على المستوى الشخصي أو الفني؟

    الراحل محمد الراوي، رحمه الله، هو أستاذ أجيال وأهم أديب سويسي في نظري. تأثرت به كثيرًا، وأعماله كانت نواة فهمي لفن القصة. يسعدني أن يقال عني إنني خليفته، لكن هذا تكريم كبير لا أظن أنني أستحقه بعد، فأنا تلميذ يجوب في محراب أستاذه.

    ولا يمكنني أن أنسى الأستاذ عزت المتبولي، رئيس نادي الأدب المركزي بالسويس، الذي له فضل كبير في حياتي الثقافية، قدمني وساعدني كثيرًا، وكان أول من آمن بي. ولا أنسى الكابتن غزالي، الذي في أول حفل توقيع لي عام 2013 قال أمام الحضور: “محمد أيوب مبدع وأمل السويس”. كانت لحظة تاريخية ستظل محفورة في ذاكرتي.

    • ماذا تحتاج السويس ثقافيًا؟

    نحتاج استكمال مشروع تأهيل قصر ثقافة السويس، فقد طال كثيرًا. ونحتاج إلى نادٍ أدبي في حي الجناين وآخر في عتاقة. من غير المعقول أن نكون أقل محافظة من حيث عدد أندية الأدب على مستوى الجمهورية. السويس تستحق أكثر.

    كتاب بدون إبداء أسباب
    كتاب بدون إبداء أسباب
    • هل فزت بجوائز أدبية؟

    نعم، فزت بأول جائزة عام 2012 من الهيئة العامة لقصور الثقافة، وكانت دافعًا مهمًا لي للاستمرار. الجوائز ليست الهدف، لكنها أحيانًا تمنحك دفعة معنوية تحتاجها في لحظات الشك أو الإرهاق. ومؤخرا تم تكريمي لفوزي بالمركز الرابع للمواهب.

    • هل ترى أن القصة القصيرة تراجعت؟

    أسمع هذا الرأي كثيرًا، لكنه -في رأيي- غير دقيق. الأدب المصري لا يزال بخير، بل هو رائد، وهناك حراك حقيقي في العالم العربي في مجال السرد. لا يصح أن نتجاهل التجارب المتميزة التي تخرج من الخليج، والمغرب، وبلاد الشام.

    • كيف ترى تطور القصة القصيرة؟

    تطورت كثيرًا من حيث الشكل والبنية والمحتوى، دخلت مضامين جديدة، وتغيّر الإيقاع، وظهر جيل جديد مظلوم إعلاميًا، لكنه يكتب بإبداع حقيقي، علينا كقراء ومؤسسات أن نسلط الضوء عليهم.

    • ما رأيك في فرض قوالب على القصة القصيرة؟

    أنا ضد هذا تمامًا. الإبداع لا يمكن تقييده بعدد كلمات أو شكل معيّن. لا أفهم مسابقات تشترط ألا تتجاوز القصة 1000 كلمة مثلاً، من يقرر ذلك؟ القصة تكتب بالحاجة، وبالحالة، وليس بالتعليمات.

    •  كيف ترى دور المؤسسات الثقافية الرسمية؟

    أحيي اتحاد كتاب مصر وهيئة قصور الثقافة، ومراكز الشباب، فدورهم عظيم رغم التحديات. نحن بحاجة إلى دعمهم أكثر، لأنهم يمثلون خط الدفاع الأول عن الثقافة الحقيقية.

    • ما تعليقك على الحديث عن إغلاق بيوت الثقافة؟

    كارثة حقيقية إن حدث ذلك. هذه البيوت هي حضانات الإبداع. يجب أن نؤهلها لا أن نغلقها. وإذا كانت صغيرة أو متهالكة، فعلينا دعمها لا هدمها. معظمها تابعة للوحدات المحلية، وهي جزء من الدولة، فلا داعي لفكرة الانفصال بين الجهات. لا نعيش في جزر معزولة.

    • هل ترى أن على المبدعين دورًا في المناصب التنفيذية؟

    نعم، المبدعون يمكن أن يحدثوا فرقًا في الوظائف التنفيذية، خصوصًا الثقافية منها، لأن لديهم رؤية ووعيا مختلفا، الكثير من القرارات المصيرية تتخذ دون استشارة أهل الثقافة، وهذه فجوة خطيرة يجب سدّها.

    • ما رسالتك في النهاية؟

    رسالتي للدولة: الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة. ولا تقل أهمية عن الصحة والتعليم. ورسالتي للقراء، القصة القصيرة ما زالت تنبض بالحياة، وتنتظر من يقرؤها بصدق، لا تحكموا على الإبداع بالأرقام أو الجوائز، بل بالحسّ الحقيقي.

    اقرأ أيضا:

    بعد 40 عاما في البحر.. «محمد دياب» يصنع مجسمات تنبض بحياة الموانئ

  • «الإيطاليون في مصر».. ما وراء الحنين وحكايات الاندماج والتعايش

    «الإيطاليون في مصر».. ما وراء الحنين وحكايات الاندماج والتعايش

    شهدت مدينة الإسكندرية في القرنين التاسع عشر والعشرين حضورا بارزا للجالية الإيطالية، التي أسهمت في الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للمدينة. في هذا الإطار، نظمت مكتبة الإسكندرية محاضرة تناولت أرشيفات وتواريخ الإيطاليين في مصر بين عامي 1864 و1937، بمشاركة باحثين دوليين، بهدف إعادة قراءة هذه المرحلة من منظور اجتماعي وثقافي جديد.

    التاريخ الاجتماعي للجالية الإيطالية في مصر

    قالت الدكتورة هبة الرافعي، القائم بأعمال رئيس قطاع العلاقات الخارجية والمراسم بمكتبة الإسكندرية، إن وجود الجالية الإيطالية في الإسكندرية ساعد على نشر الثقافة الإيطالية بالمدينة، إذ كانت بوابة للانفتاح الثقافي على العالم، وأضافت أنه في لغتنا العامية المصرية العديد من الكلمات ذات الأصل الإيطالي نستخدمها دون أن نشعر.

    وتحدث “ماريو دي بيسكولي” القنصل الفخري الإيطالي بالإسكندرية، خلال المحاضرة التي نظمتها مكتبة الإسكندرية بعنوان: “ما وراء الحنين إلى الماضي: تواريخ وأرشيفات التابعين الإيطاليين في مصر في الفترة (1864 -1937)”، باللغة العربية التي وصفها بأنها الأسهل بالنسبة له، مؤكدا أهمية الموضوع الذي يتناول تاريخ الجالية الإيطالية في مصر في ظل تحولات ثقافية مصرية متعددة. ليس تاريخيا فقط ولكن متعمقا في تجربة المهاجرين الإيطاليين.

    وأشار توماس فوشيه، مدير مركز الدراسات السكندرية الفرنسي، إلى أنه هناك فترات متباينة من الوجود الإيطالي في مصر، وأن مضمون المحاضرة يدفعنا للنظر إلى الأرشيف كمؤرخين.

    الإيطاليون في مصر.. ما وراء الحنين إلى الماضي

    ألقى المحاضرة كلّ من: الدكتورة فرانشيسكا بيانكاني، والدكتور كونستانتينو باونيسا من جامعة بولونيا، والدكتورة كونستانزا ليزي من جامعة مودينا وريدجيو إميليا. وتناولت المحاضرة مشروعًا بحثيًّا يهدف إلى تحليل التاريخ الاجتماعي للجالية الإيطالية في مصر بين عامي 1864 و1937، باستخدام منهج مميز، من خلال دراسة وثائق القضايا المدنية والجنائية للمحاكم القنصلية الإيطالية في القاهرة والإسكندرية، المحفوظة في الأرشيف الدبلوماسي التاريخي لوزارة الخارجية الإيطالية.

    بدأت “فرانشيسكا بيانكاني” حديثها بتوضيح أهداف المشروع ومصادره، مشيرة إلى أن البحث يعتمد على دراسة التاريخ من خلال المحادثات المسجلة، ويتكون من محورين: الأول تاريخي، والثاني يرتبط بحفظ واستخراج البيانات.

    أرشيفات تالفة بسبب الرطوبة

    واستطردت قائلة: “اطلعنا على أرشيفات عديدة تتعلق بدبلوماسيين عملوا خلال الفترة من 1834-1937، وكذلك على الأرشيفات الجنائية. وكانت هذه الوثائق في خطر، إذ لم تكن محفوظة في أماكن مناسبة. بل كانت موجودة تحت الأرض، وتعرضت للتلف بسبب الرطوبة، وواجهنا صعوبات كبيرة في الحصول عليها وفحصها بالشكل الملائم”.

    وتابعت “بيانكاني” أن الاهتمام بهذه المصادر نابع من كونها توثق بشكل دقيق الحياة اليومية في تلك الفترة، وأن الجانب العلمي من البحث يتمثل في دراسة مفهوم “الكوزموبوليتية” وفهمه من منظور جديد، من خلال تحليل كيف عاش أشخاص من جنسيات متعددة في مكان واحد، وكيف تناول المختصون هذا المفهوم، مؤكدة ضرورة تجاوز النظرة النخبوية لفهم الكوزموبوليتية، والتركيز على رؤية المجتمع المحلي لها، بالإضافة إلى المقارنة بين التاريخ القديم والحديث للجالية الإيطالية في مصر.

    أرشيفات التابعين الإيطاليين في مصر

    عرضت “كونستانزا ليزي” مصادر الحصول على الأرشيف المستخدم في المشروع من القاهرة والإسكندرية. مشيرة إلى أن وجود كمية ضخمة من الأرشيف الدبلوماسي الإيطالي موزعة في أماكن مختلفة. كما ساهمت وزارة الخارجية الإيطالية بتوفير وثائق مهمة، ووجهت بالحفاظ على سرية بعضها. وقد تم الاعتماد كذلك على الصحف المصرية التي كانت محفوظة داخل القنصلية الإيطالية، رغم أن بعضها كان تالفا نتيجة سوء الحفظ.

    وأضافت “ليزي” أن وزارة الإعلام والثقافة في إيطاليا ساهمت بجهد كبير في المشروع. إذ كانت تمتلك وثائق ترجع لأكثر من 120 عاما. وقد تم جمع أرشيف ضخم للمشروع، يضم ما لا يقل عن 1800 صندوق غير متساوية في الحجم والوزن، تحتوي على وثائق ومستندات. واستغرق ترميم بعضها وقتا طويلا وجهدا استثنائيا. وأسفر ذلك عن تكوين أرشيف غني جدا، يضم أيضا صورا من المدارس الإيطالية التي كانت موجودة في الإسكندرية والقاهرة. وأسماء المعلمين، وتفاصيل الإنفاق على الكتب، والأنشطة المدرسية، وأرشيفا عن ملابس المواطنين، والمهن المنتشرة في تلك الفترة، وغير ذلك من المعلومات المهمة.

    الهجرة الإيطالية

    اختتم اللقاء كونستانتينو باونيسا بقوله: “ذكريات عامة الناس والحكايات المتوارثة عن العديد من الأشخاص، كانت دافعا قويا لدراسة هذه المرحلة من تاريخ الجالية الإيطالية. وأوضح أنه في القرن التاسع عشر، مرت الجالية الإيطالية بأحداث سياسية عدة، خاصة في ظل الفاشية بإيطاليا. مشيرا إلى أن هناك نقصا كبيرا في الدراسات التي تناولت أوضاع الجالية الإيطالية في مصر”.

    وبين أن كثيرا من أفراد هذه الجالية كانوا خبراء وعلماء في مجالات مختلفة. ولكل منهم قصة ترتبط بسياق تاريخ الهجرة الإيطالية إلى مصر. وكانت بدايتها في عام 1884، إذ بدأت أولى موجات الهجرة، وبلغ عدد الإيطاليين أكثر من 60 ألف نسمة، نتيجة للاستقرار السياسي الذي ساعد على تضاعف الأعداد في العقود اللاحقة.

    الحرب العالمية الأولى

    وأضاف أن أكبر عدد للإيطاليين في مصر كان تقريبا في عام 1872، ثم ازداد خلال الحرب العالمية الأولى، قبل أن تبدأ مرحلة الترحيل أو النفي. وذكر أن افتتاح قناة السويس لعب دورا كبيرا في تدفق هذه الأعداد، لا سيما من مجالات العمل بالميناء. فبعد أن تركوا إيطاليا، التي كانت تعاني من التهميش، جاء الكثير منهم إلى مصر بحثا عن لقمة العيش. ويعد عام 1991 نقطة تحول في تاريخ إيطاليا، وهو عام احتلال ليبيا، ما دفع مزيدا من الإيطاليين إلى الهجرة.

    وأشار إلى أن المشروع درس وثائق المحاكم الإيطالية، من تفاصيل القضايا حتى الأحكام الصادرة. والتي شملت بعض القضايا الجنائية. وأكد أن بعض هذه القضايا أسيء فهمها. إذ تم تصنيف الإيطاليين على أنهم متطرفون أو مجرمون، وهو ما لا يعكس حقيقة الجالية الإيطالية بكاملها. بل يقدم نظرة متعمقة من العلماء الباحثين حول تاريخها وسياقها المجتمعي.

    واختتم حديثه: “الجالية الإيطالية كانت تضم طبقات اجتماعية مختلفة، لكنها انصهرت في بوتقة واحدة، وأسهمت في إدارة الدولة بشكل تكاملي”.

    اقرأ أيضا:

    د. «محمد عوض»: القبح المعماري بالإسكندرية خطأ في التعليم منذ البداية

  • «تراثنا والأجيال».. مبادرة لإحياء التراث بروح عصرية وتعريف الأطفال بتاريخهم عبر الفن

    «تراثنا والأجيال».. مبادرة لإحياء التراث بروح عصرية وتعريف الأطفال بتاريخهم عبر الفن

    في محاولة لربط الأجيال الجديدة بجذورها الثقافية، انطلقت من الإسكندرية مبادرة فنية باسم «تراثنا والأجيال» تُعيد إحياء التراث بروح عصرية. تستهدف المبادرة الأطفال والناشئين، لتجعلهم شركاء في صناعة أعمال فنية تعكس هوية وتاريخ بلادهم.

    مبادرة “تراثنا والأجيال”

    تحدث المخرج السكندري حازم العطار لـ«باب مصر» عن المبادرة التي أسسها بالتعاون مع مصممة الأزياء التراثية والتاريخية سماح خير الدين، قائلا: “نشأت المبادرة منذ عامين، مستهدفة الأطفال والناشئين حتى عمر 18 عاما. بهدف تعريف الشباب والأطفال بتاريخ وتراث بلادهم. وأن يكونوا جزءًا من الأعمال الفنية سواء أبطالا أو عارضين، لأنهم أساس الفكرة”.

    ويوضح أن اختيار اسم المبادرة “تراثنا والأجيال” جاء للربط بين محتوى المبادرة، التي تهدف إلى التعريف بالتراث، والأجيال الجديدة التي تستهدفها. ويقول: “قبل التفكير في تأسيس المبادرة عام 2023، كنت أعمل في تصوير وصناعة الأفلام. خاصة الوثائقية والتاريخية، منذ عام 2017، وشاركت في عدة معارض مصرية ودولية. في عام 2022، شاهدت صورا لأطفال بملابس رمضانية على البحر في مجموعة على “فيس بوك”، وعلمت أن سماح خير الدين هي مصممة هذه الأزياء. تواصلت معها وأنتجنا معا فيديو موسيقيا مصورا في شوارع الإسكندرية القديمة بمنطقة الورديان باسم (رمضان عيد)”.

    من فاعليات "تراثنا والأجيال
    من فاعليات “تراثنا والأجيال
     ما قبل تأسيس المبادرة

    ويتابع: “كانت ردود الأفعال جيدة وطالبنا الجمهور بتكرار التجربة، وبالفعل أنتجنا فيديو آخر بمناسبة عيد الأضحى المبارك. ثم قررنا التوسع وصنعنا فيلما باسم “الهروب إلى الماضي” يتناول مدينة الإسكندرية في فترات زمنية مختلفة وأهم الأحداث في كل فترة على شكل قصة شيقة. وتم عرضه في متحف الإسكندرية القومي ومتحف المجوهرات الملكية. ثم في مركز الثقافة السينمائية بالقاهرة ومركز الحرية للإبداع في الإسكندرية”.

    ويضيف العطار: “توالت الأعمال الفنية بصناعة فيلم (حكاية قصر) عن متحف الإسكندرية القومي. وعرض أزياء ملكي وفيلم قصير عن الأزياء الملكية بمناسبة مرور 100 عام على إنشاء قصر الأميرة فاطمة حيدر. بالإضافة إلى الفعاليات المختلفة التي شاركنا فيها والمرتبطة بالتراث؛ مثل اليوم العالمي للمتاحف، ويوم التراث العالمي. وأيضا استقبال الشخصيات المهمة والدبلوماسية خلال زيارتهم للمتاحف، مثل استقبال رئيس اليونان خلال زيارته للمتحف اليوناني الروماني”.

    ويشير إلى أنهما شاركا في فعاليات البيت الروسي بعرض عن الأزياء التراثية المصرية والروسية على هامش استقبال وفد من الحكومة الروسية. ومن هنا قررا الإعلان عن المبادرة. مضيفا أن عمل المبادرة حتى الآن اقتصر على تاريخ وتراث مدينة الإسكندرية. ولكنهما يهدفان إلى توثيق التاريخ والتراث المصري، وإقامة فعاليات الفترة المقبلة خارج الإسكندرية.

    من إحدى فاعليات مبادرة تراثنا والأجيال
    من إحدى فاعليات مبادرة تراثنا والأجيال
     تجربة متكاملة يعيشها الأطفال

    تقول مصممة الأزياء التراثية والتاريخية سماح خير الدين: “قبل تنفيذ أي فاعلية لا بد وأن نحدد الهدف منها والفترة الزمنية الخاصة بالفاعلية. وأضع تصوري للأزياء المناسبة وأبحث كثيرا، فكل فترة زمنية لها أزياؤها المميزة. وأستعين بالمصادر الموثوقة، لأننا نتناول تاريخا فيجب أن يكون سليماً تماماً. ثم أبدأ في العمل على التصاميم مضيفة لمستي الخاصة كمصممة. بعد ذلك نحدد الأدوار والشخصيات التي سيقدمها كل طفل. فالأطفال في المبادرة هم جزء أساسي من العمل الفني ومشاركون فيه، ليسوا متلقين فقط، وهذا بالنسبة للأعمال التاريخية”.

    وتختتم حديثها: “بالنسبة للأعمال المرتبطة بمناسبة معينة، مثل الأعياد المختلفة أو شهر رمضان المبارك. يختلف العمل من ناحية إضافة الطقوس الخاصة بكل مناسبة بخلاف الملابس. مشيرة إلى أن هناك جلسات مع الأطفال قبل تنفيذ العمل الفني لشرح تاريخ وأصل المناسبة أو الفترة التاريخية لتكتمل تجربتهم بالمعرفة والمعايشة. وهنا يأتي دور المخرج حازم العطار في تقديم المعلومات التاريخية ورواية القصة بطريقة شيقة”.

    اقرأ أيضا:

    د. «محمد عوض»: القبح المعماري بالإسكندرية خطأ في التعليم منذ البداية

  • ملامح العيد تتغير في شوارع المنصورة : الباتيناج يحتل المدينة

    ملامح العيد تتغير في شوارع المنصورة : الباتيناج يحتل المدينة

    في شوارع المنصورة القديمة، حيث تختلط رائحة الكعك بصوت تكبيرات العيد، لا تزال بهجة العيد حاضرة، لكن بألوان مختلفة. ولم يعد الأطفال يركبون “العجلة” ويجوبون بها شارع العباسي أو حي توريل كما في الماضي، بل أصبحوا يتزلجون بـ”كوتشي بعجل” يلمع ويدور بسرعة، كأن الزمن نفسه يدور معهم.

    هكذا تغيّرت المنصورة.. لكن روح العيد فيها ما زالت تحاول البقاء. وفي أول أيام العيد، يتجمّع المصلّون منذ الفجر في ساحة مسجد النصر، أكبر مساجد المنصورة، تملأ الساحة تكبيرات العيد ووجوه الناس المضيئة بالفرح.

    ألعاب الأطفال في عيد الأضحى

    بعد الصلاة، تبدأ الأسر في التحرك نحو الكورنيش، أو “الفسحة الإجباري”، كما يسميها الأهالي، بينما ينطلق الأطفال يلعبون، بعضهم على الدراجات، لكن الأغلب بـ”الكوتشي اللي بعجل”.

    وأصبح هذا الكوتشي نجم الشارع.. تقول فيروز: بنتي، 7 سنوات، وهي تلتقط فيديو على الموبايل “بابا أنا عيد ميلادى جاي في العيد.. هات لي سكوتر هدية”، لا أعلم أين أو متى تغيّر مشهد الطفولة هكذا؛ فبينما كان الأطفال قديما يتفاخرون بـ”عجلة نيجر” أو “عجلة أبو جرس”، أصبح الآن “السكيت” أو “الباتيناچ” أو “السكوتر الكهربائي” هم الأبطال الجدد في كل الشوارع زي قناة السويس أو المشاية أو حي الجامعة.

    ومع ذلك فالكبار يتذكرون والمقارنة حاضرة، يجلس صديقي ومعلمي، 60 عامًا، على سطوح بيته في حي توريل، يراقب الأطفال ويبتسم: “احنا زمان كنا نجيب العيدية ونركب العجل بالدور، لكن النهارده الكوتشي بقى فيه عجلة ونور وشاحن كمان!”.

    العيدية بين الماضي والحاضر

    بين الماضي والحاضر، تظهر المقارنة في عيون الكبار، لا حسدًا، بل حنينًا لزمن بسيط. وكمان العيدية بقيت “فلوس محمولة”، حتى العيدية تغيّرت. لم تعد تُسلّم من يد ليد كما في السابق، بل صارت تُرسل أحيانًا عبر “فودافون كاش” أو تحوّل على التطبيقات البنكية.

    يضحك الأسطى إبراهيم، سائق تاكسي، ويقول: “أنا كنت أدي العيدية لولادي ورقة بعشرة ويفرحوا، دلوقتي عاوزين تحويل على الموبايل!”.

    وفي المنصورة كما في غيرها، التطور غيّر التفاصيل، لكنه لم يُلغِ فرحة اللقاء، العيد تغير، لكنه لم يختفِ. صحيح أن العجلة صارت “كوتشي”، واللعب صار على “تيك توك” أكثر من الشارع، لكن الفرحة تسكن الوجوه كما كانت.

    وفي كل ضحكة طفل ينزلق على الرصيف، أو عائلة تلتف حول كعك العيد، تنبض المدينة بالحياة.. بنكهة جديدة، لكنها لا تزال “عيد”.

    اقرا أيضا:

    «العيدية».. عملة الفرحة في التراث المصري

  • «هدى سلطان».. صوت الغربية الدافئ الذي لم يغًب

    «هدى سلطان».. صوت الغربية الدافئ الذي لم يغًب

    من بيتٍ كبير بقرية «كفر أبو جندي» التابعة لمركز «قطور» بمحافظة الغربية، إلى قصرٍ أكبر في قاهرة المعز، من شدوها الخفي في حمام منزلها وتمثيلها أمام المرآة، إلى نجمة تصدح بصوتها عاليًا بـ«لاموني» وغيرها. إنها الفنانة «هدى سلطان» التي رحلت عن عالمنا في مثل هذا اليوم، الخامس من يونيو عام 2006، ابنة الغربية التي تربت على الكفاح بصوتها، وعلى بساطة ظهرت في تمثيلها وقوة شخصيتها، وعلى ثورية تمردت بها على الأفكار والتقاليد وعاشت للفن.

    نجومية هدى سلطان

    لم يكن الفن بالنسبة لهدى سلطان رفاهية، بل امتدادا طبيعيا لما عاشت عليه في بلدها كفر أبو جندي. حيث كانت تستمع لحكايات مختلفة في الدوار. ويتشارك إخوتها حب الفن، حتى لو بشكل مستتر. كان إحساس هدى سلطان عالٍ، تمامًا كما كان دومًا في بلدتها، فقد ولدت في عام 1925 لعائلة إقطاعية، لأبٍ كان فلاحًا، وأمٍ لم لا تعمل، حسب قولها في حوارها مع مجلة “الكواكب.”

    وذلك الإحساس هو ما أبقى حب الريف في قلبها، رغم انتقالها إلى العاصمة، ورغم نجوميتها في السينما والدراما. إلا أنها لا زالت تتمتع بنغمة حياة الريف الصادقة حتى رحيلها. وعاش حب الغناء في قلبها حتى بعد اعتزاله.

    نشأة هدى سلطان

    تربت هدى سلطان على سماع التواشيح والمواويل الشعبية في مولد السيد البدوي في طنطا. وكانت تقلد المداحين بعد عودتها من الموالد، وهذا ما أثرى صوتها وجعلها تكتشف جماله.

    نشأت في بيتٍ محافظ، يلتزم بتعاليم الدين وتقاليد العُرف، ولم يسمح لها بممارسة الغناء إلا خفية. أما شقيقها الفنان محمد فوزي. فقد سبقها وتمرد على عالم الخفاء والمحافظة، وراح يمارس هوايته في الغناء بعيدًا. إلى أن أختار اللجوء للعاصمة.

    «كان أبي محافظًا جدًا، حريصًا على تعليمنا أمور ديننا. حتى إنني حفظت القرآن الكريم كاملًا في كتَّاب بقرية أبو جندي»، هكذا قالت هدى سلطان في حوارها مع المجلة.

    وفي حوارها مع الصحفية فاطمة شعراوي في عدد “الأهرام” الصادر في 24 مايو عام 1997، قالت هدى سلطان إنها لم تشعر بلحظة ندم واحدة على خوضها معركة ضد التقاليد. التي تربت عليها في بيتها في طنطا ولا على اتجاهها للفن في العموم. وأضافت أنها، على النقيض تمامًا تشعر دائمًا بأنها لا تستطيع العيش دون الفن. هذا لأنها هاوية وليست مجرد محترفة. فقد التحقت بالفن، وأنفقت من مالها وأرضها عليه. لأنها أحبته وتحملت الكثير حتى تصل لهدفها الذي طالما تمنته.

    الفنانة هدى سلطان
    الفنانة هدى سلطان
    كيف التقطها الفن من قلب بيتها المحافظ؟

    في حفلة من حفلات مدرستها بطنطا، تجرأت بهيجة عبد العال “هدى سلطان” بالبوح بموهبتها الغنائية في رائعة أم كلثوم «أنت فاكراني ولا ناسياني»، وكان هذا سببًا كافيًا لتزويجها دون الرابعة عشر عامًا.

    ولم يعلم أبيها أن زواجها من محمد نجيب سيساعدها في الحصول على فرصتها للجوء للعاصمة. حيث اكتشفها نجوم الفن والطرب. وغيرت اسمها من بهيجة عبد العال إلى هدى سلطان. واعتمدت بالإذاعة المصرية رسميًا كمطربة عام 1949.

    كان صوتها مميزًا دافئًا، فيه شجن معبِّر عن نقائها وإخلاصها لما تفعل. عبر عن ذلك أول أغنياتها بالإذاعة «حبيبي ملقيتش مثاله»، وهي من تأليف علي سليمان، وألحان أحمد عبد القادر.

    لماذا منع محمد فوزي شقيته هدى سلطان من الغناء؟

    في لقاءٍ لها على قناة “ماسبيرو زمان”، أكدت هدى أن غناءها لم يكن على هوى زوجها فتم تطليقها. ولم يكن أيضا على هوى شقيقها محمد فوزي، والسبب في ذلك أنها فتاة، وأنها ابنة الريف والبيت المحافظ.

    «كان خايف عليا، البنت غير الولد، وطنطا غير مصر، والفن له تضحيات». هكذا بررت سلطان سبب منع محمد فوزي لها من الغناء. مؤكدة أن تمردها هذا لم يكن إلا له، لأن أهلها في طنطا لم يعرفوا شيئًا عنها تقريبًا بعد موت الأب والأم.

    واختلف فوزي وهدى خمسة أعوام بسبب الغناء وأيضًا التمثيل. ثم ارتضت حديثه في الوقت الذي مرض فيه بشدة، ودعتها زوجته مديحة يسري إلى بيته لزيارته. وهناك اعترف بها محمد فوزي حينها بين أحضانه، ولحن لها العديد من الأغاني بعدها.

    وجوه الريف في ملامح أدوارها

    قبعت ملامح الريف في تكوين هدى سلطان الفني، وظهر هذا جليًا في لعبها أدوارا عديدة، من الأم الحنون والمحكمة في مسلسل «الوتد». والأم التي تخاف على ابنيها حق الخوف في مسلسل «أرابيسك». والأنثى اللعوب في «امرأة في الطريق»، وكذا بنت البلد الجدعة، والمرأة المكافحة،

    وكأن كل الشخصيات التي مثلتها ساكنة بداخلها، رأتها بعينها في بيئتها الريفية البسيطة قبل أن تنتقل من طنطا. هي وجوهٌ مكررة ولكن لم يعلم أحد عنها شيء إلا بإخراج سلطان لها من ثنايا روحها وتمثيلها بشغف.

    أكدت في حواراتها الصحفية المختلفة أن دور الأم متنوع في جميع أدوارها. فهي مثلت الأم الأرستقراطية والشعبية والريفية والحنون. وكل هذا متأصل في شخصيتها ونشأتها في ريف طنطا.

    أحبت هدى سلطان التفصيل والخياطة منذ طفولتها، نما هذا الشيء معها في كل مرة تمثل فيلمًا جديدًا. فكانت تخيط أزياء هذا الفيلم بنفسها، حتى فساتين زفافها وزفاف بناتها حاكتها بنفسها. ما يفسر ارتباطها الشديد بالبيئة التي خرجت منها وسكنت فيها.

    الفنانة هدى سلطان
    الفنانة هدى سلطان
    هدى سلطان بين الفن والحجاب

    ارتدت هدي سلطان الحجاب في منتصف حياتها المهنية، ولم تتوقف عن الفن ولا اعتزاله، لأنها بذلك رأت أن الفن يمنعها. أكدت على أن الفن هو روحها وأنها لن تعتزله، لكنها تنتقي أدوارًا مناسبة للحجاب، مشيرة إلى أن كل السيدات مررن بمرحلة التباهي بأجسادهن وصباهن.

    في النهاية؛ يمكننا القول إن هدى سلطان حملت طنطا في صوتها، في هدوئها الحالم، في قوتها وشجاعتها، وبهجتها المفرحة. لم تغادرها أبدًا، وفي دورها كفنانة، أيقنت أن الفن الحقيقي لا يصنعه الاستوديو وحده؛ بل الجذور.

    اقرأ أيضا:

    «القضية 68»: هل يمكننا تخطي الهزيمة؟

  •  «حنيدق أم هنيديك؟».. أسطورة وَلي على عتبة الجسر

     «حنيدق أم هنيديك؟».. أسطورة وَلي على عتبة الجسر

    بالكاد يتذكر الحاج منصور (61 عاما) كيف كانت الاحتفالات بمولد الشيخ حنيدق في قريته، إذ كان عمره يقارب السابعة عندما هاجر مع عائلته من الإسماعيلية بعد حرب يونيو 1967.

    يسكن منصور، بالمعاش، في عزبة «حنيدق الجبل»، التي يعمل أهلها  بالزراعة، وقد اكتسبت العزبة اسمها نسبة إلى ضريح قديم لشيخ كان يُقام له احتفال مولد في النصف الأول من شهر يوليو من كل عام. وتحمل قصة هذا الشيخ من التفاصيل ما يجعله أقرب إلى الأسطورة، وقد يكون شخصية نسجها المخيال الشعبي، بحسب رأي أستاذ في علم الاجتماع.

    ضريح الشيخ حنيدق

    اختفى الضريح، وأصبح أثرا مهملا بين مقابر القرية. نتيجة قصف وقع خلال الفترة ما بين حربي يونيو 1967 وأكتوبر 1973 على مدينة الإسماعيلية.

    يقول الحاج منصور: “ضريح حنيدق موجود في مكانه، في المنطقة التي أصبحت مقابر القرية. ولكن لم يعد يتم الاعتناء به أو تجميله كما كان يحدث من قبل، فلا يوجد سور يحيط به، ولا حارس له. ولا يأتي أحد لزيارته منذ عودة السكان إلى المدينة بعد التهجير بسبب الحرب”.

    ويضيف لـ«باب مصر»: ما أوعاش على المولد واللي كان بيحصل فيه. وإن كانت عائلة الحجف هي اللي كانت مسؤولة عن المولد وتنظيمه والأكل، لكني فاكر كلام إخواتي الأكبر مني وأمي عن المولد قبل الهجرة. وعن المنطقة اللي كانت مليانة ناس فرنساويين ويونانيين وإنجليز قبل الجلاء كمان. إنما من بعد حرب أكتوبر، مفيش حاجة من الكلام ده”.

    ضريح الشيخ حنيدق
    ضريح الشيخ حنيدق
    حكاية الشيخ حنيدق

    يقول الدكتور حمدي سليمان، الأستاذ بقسم الاجتماع في كلية التربية -جامعة العريش: “ربما تكون حكاية الشيخ حنيدق من الحكايات الغريبة التي يتوقف عندها الكثير من الباحثين في المعتقدات الشعبية. فهو شخصية أسطورية حاولت كل الجاليات الأجنبية التي كانت تسكن في مدينة الإسماعيلية نسبته إليها، إضافة إلى أبناء المنطقة من المصريين. وقد نال هذا الشيخ، الذي قد يكون وهميا، قدرا كبيرا من القداسة المبالغ فيها من قبل كل الجنسيات التي كانت تعيش في المدينة. حتى إن ضريحه والمولد السنوي. الذي كان يقام له يعد مظهرا قويا للتوافق والتجانس بين المصريين والجاليات الأجنبية”.

    وقد ورد ذكر “ضريح حنيدق” للمرة الأولى في مذكرات فرديناند ديلسبس، صاحب امتياز حفر قناة السويس. حين وصف طريق برزخ السويس قبل بدء أعمال الحفر. حيث كتب في مذكراته المنشورة بالفرنسية: “خلال اليومين الأولين من مسيرتها في الصحراء. اتبعت اللجنة مجرى القناة الفرعونية القديمة. التي لا يزال ارتفاع ضفافها في بعض الأماكن، يصل إلى 25 قدما، ويتراوح عرضها أحيانا ما بين 40 و50 مترا.

    وفي اليوم الثالث والعشرين، وصلت اللجنة إلى موقع معروف باسم الشيخ حنيدق، على ضفاف بحيرة التمساح. ثم اتجهت غربا، حيث قامت بمعاينة الوادي الذي كان من المقرر أن يمر فيه قناة المياه العذبة من القاهرة إلى بحيرة التمساح”. وفي موضع آخر من المذكرات يقول: “بعد اجتياز منطقة سرابيوم، فوق بحيرة التمساح، توجد نقطة معروفة باسم الشيخ حنيدق، وهي قبر لولي يدعى كذلك، وتم بناء القبر من الحجر الجيري المأخوذ من الطبقة التي تقع تحته”.

    ضريحان في “حنيدق الجبل

    في كتاب “رحلة إسماعيل في جميع محافظات وعموم القطر المصري”، المنشور عام 1927. ورد عن رحلته بالإسماعيلية: “بها ضريحان، أحدهما للشيخ حنيدق والآخر للشيخ داود الضاني، فالأول في جبل مريم ومولده في 15 محرم من كل عام، والثاني بالجبانة”.

    وفي “كتاب أولياء الله – مصر في قصص كتابها المعاصرين”، الصادر عن دار نشر هنداوي، وردت قصة ضريح ولي في الإسماعيلية يحتفل بمولده كل عام، يُدعى الشيخ حنيدق. ويقال إن المسلمين يعتبرونه وليا مغربيا، بينما يقول الفرنسيون إنه ناسك فرنسي، ويعتقد اليونانيون أنه قديس يوناني”.

    كما نشر في عدد مجلة “الدنيا المصورة” لشهر أغسطس 1927، تقرير عن زيارة “حضرة علي بك زاهر، مأمور الإسماعيلية بهذا المولد، وقد بلغ أقصى درجات الرونق والجمال، حيث دعا قيادات الجيش البريطاني وأعيان الجاليات الأجنبية إلى حفلة شاي أقيمت في مكان المولد، وذهب المدعوون إلي الإسماعيلية في رتل من السيارات تتقدمهم موتوسيكلات الكونسبلات الإنجليز، حيث استقبلتهم فرق موسيقية وكشافة من السويس والإسماعيلية، وتناولوا الشاي”.

    نسخة زنكوغراف من مجلة الدنيا المصورة عدد أغسطس 1927
    نسخة زنكوغراف من مجلة الدنيا المصورة عدد أغسطس 1927
    مولد الشيخ حنيدق

    وصف التقرير المولد بأنه ” كانت بحيرة التمساح، التي تقوم عليها الإسماعيلية، تمتلئ باللنشات والزوارق البخارية تنقل الزائرين ليلا ونهارا، فتشق البحيرة. ثم تسير في القنال ساعة طويلة حتى مكان المولد. وكان البعض يذهب بالسيارات عبر طريق من أجمل الطرق، أنشأته شركة القناة على طول الممر المائي، بين التلال. فترى ذلك الطريق متعرجا بين التلال البيضاء ويخترق الغابات والصحاري، ويسير محازيا للقنال حتى يصل إلى مكان المولد.

    وهناك تنصب خيام الزائرين، حيث تنصب كل عائلة خيمة تقضي فيها أسبوع المولد، وتقام مضارب المشعوذين والملاهي والمغنيين والمغنيات، وأكواخ البائعين، ومضارب قبائل العرب. وكان النهار يمضي في مسابقات الخيل والفروسية، والليل في الرقص والغناء تحت ضوء القمر، حتى يخيل للمرء أن هذه الصحراء قد تحولت إلى مخيم دولي”.

    من هو الشيخ حنيدق؟

    منذ أكثر من ألف عام، توفي في جبال المغرب الأقصى ولي من أولياء الله الصالحين. فلما غسله المغسلون وكفنوه، وهموا بوضعه في النعش، طار من بين أيديهم وارتفع إلى السماء ثم اختفى عن أنظارهم.

    وفي ذلك اليوم، كان بعض البدو يرعون أغنامهم في الصحراء الواقعة إلى شمال السويس. فرأوا شبحا طائرا يهبط إلى الأرض بينهم. وتبينوه فإذا به شيخ مكفن تشع منه الأنوار، فدفنوه في المكان الذي هبط فيه، وتناقلوا خبره وروته القوافل. حتى بلغ بلاده، فقدم إلى مصر بعض مريديه وأتباعه وأقاموا على قبره ضريح، وأبقوه في المكان الذي اختاره ليكون مرقده الأخير. هذا هو اعتقاد عامة المصريين في منطقة قناة السويس حول أصل الشيخ حنيدق وتاريخه، بحسب ما ورد في تقرير مجلة “الدنيا المصورة” عام 1927.

    ويذكر أن القبر بقي في موقعه إلى أن شقت قناة السويس وتأسست مدينة الإسماعيلية. فشيد فوقه ضريح تعلوه قبة شامخة، وأحيط بسور منيع، وكان قريبا من محطة طوسوم. وهي المنطقة التي دارت فيها المعركة الحربية بين الجيش العثماني والجيش الإنجليزي في أواخر سنة 1914. وكان يقام المولد في النصف الأول من شهر يوليو، وتشارك في هذا الاحتفال الجاليات الأجنبية. إذ كانت تعتقد في الشيخ اعتقادا يختلف عن اعتقاد عامة المصريين.

    ضريح الشيخ حنيدق
    ضريح الشيخ حنيدق
    ناسك فرنسي أم قديس يوناني

    يرى الفرنسيون أن الشيخ حنيدق هو فرنسي اسمه “هنيديك”، وكان جنديا في حملة نابليون على مصر. وقد اشتهر بتقواه وتدينه وقوة إيمانه. فلما زحف بونابرت على سوريا، أقام في الصحراء نقاطا عسكرية لحماية خطوط المواصلات. وكان هينديك مقيما في الموقع الذي يوجد فيه ضريحه الآن، وظل به حتى وفاته.

    أما اليونانيون، فيعتقدون أن حنيدق ما هو إلا قديس يدعى “هيدنيه”. جاء إلى مصر في فجر الديانة المسيحية، ومات فيها. وظل أمره مجهولا إلى أن بدأ ديليسبس في حفر قناة السويس. وكان رئيس العمال في تلك المنطقة مهندسا يونانيا كبيرا تحت إمرته عدد كبير من العمال المصريين.

    الحفاظ على رفاته

    وقد حدث أنه كلما حفر العمال جزءًا من القناة، عادوا في اليوم التالي، وإذا بذلك الجزء مردوما بصخور وحجارة. إلى أن جاءه القديس له في المنام يحذره من الحفر، طالبا الحفاظ علي رفاته. فأقام له المهندس ضريحا، وأصبح موقعا مقدسا.

    ويلخص د. حمدي سليمان تناقضات قصة حنيدق بقوله: “المدهش في حكايات حنيدق، في كل هذه الروايات، أن هذا الرجل- سواء كان شيخا أو ضابطا، أو ناسكا، يونانيا أو مغربيا أو فرنسيا- هو شخص أو شيخ كوزموبوليتاني، متعدد الثقافات والجنسيات. كمدينة الإسماعيلية التي حملت أسطورته”.

    اقرأ أيضا:

    عادل مصطفى في معرضه «أحباب النيل»: أواجه ضغوط الواقع بالحلم في لوحاتي

  • «قبة» قناة السويس.. من مقر التحركات إلى متحف قومي يحفظ ذاكرة الوطن

    «قبة» قناة السويس.. من مقر التحركات إلى متحف قومي يحفظ ذاكرة الوطن

    في قلب حي الشرق العريق، حيث يعانق الماء الأرض من ثلاث جهات، ويقف الزمن شاهدا على أمجاد مضت، ينتصب مبنى «القبة» شامخًا على ضفاف قناة السويس، كأنه حارسٌ على بوابة التاريخ. هنا، لا تُروى فقط حكايات السفن والموانئ، بل تنبض الجدران بذكريات الزعماء، وتروى على نوافذه قصص المقاومة والكرامة الوطنية.

    لقد كان المبنى، منذ تأسيسه في أواخر القرن التاسع عشر، أكثر من مجرد مقر إداري، بل أيقونة معمارية وثقافية، تحمل ملامح الطراز الإسلامي وروح مدينة بورسعيد الباسلة.

    قبة قناة السويس متحف قومي

    بعد عقود من النضال الشعبي والجهود المجتمعية، يتحقق الحلم القديم بتحويل “القبة” إلى متحف قومي يسرد ملحمة قناة السويس، ويصون ذاكرة مدينة صنعت التاريخ وواجهت الغزاة. إنها ليست قبة من حجر، بل قبة من مجد.

    ويقع مبنى “القبة” في حي الشرق، أرقى وأقدم أحياء محافظة بورسعيد. ويحاط المبنى بالماء من ثلاث جهات: الواجهة الشرقية تطل على المجرى الملاحي للقناة. ومن الجهة الشمالية حوض التجارة، أما الجنوبية فتطل على حوض الترسانة. ويتمتع الموقع بمميزات عمرانية وسياحية وثقافية مهمة، لما يحيط به من مبان أثرية وتراثية.

    كتب المهندس محمد إبراهيم، مدير الآثار في بورسعيد، في أحد مقالاته، أن الشروِع في تشييد هذا الصرح بداية من عام 1890م. حين اتخذت الشركة العالمية لقناة السويس للملاحة البحرية قرارا ببناء مقر إداري جديد لها في بورسعيد. عوضا عن المبنى الخشبي القديم. وذلك في الموقع نفسه، على الناصية الفاصلة بين حوض التجارة وحوض الترسانة، في الجهة الغربية من القناة.

    وقد وقع اختيار الشركة على المعماري الباريسي شارل مارتن لوضع التصاميم الخاصة بالمبنى الجديد. وبناء على قرار الشركة، توجه المعماري إلى مصر لدراسة وتصميم بعض المشروعات الإنشائية الخاصة بها.

    تصميم قبة قناة السويس

    أضاف “إبراهيم” أن المعماري شارل مارتن قدم، في 15 ديسمبر عام 1891، ملفا كاملا بمشروعه الذي سيقام على مساحة 2.230 متر مربع. والذي سيتكون من ثلاثة طوابق يعلوه ثلاث قباب: القبة المركزية وهي الكبرى، وقبتان جانبيتان قائمتان على هياكل معدنية من الحديد. يكسوها ويزخرفها من الخارج بلاطات خزفية. وقد فضلت الشركة التعاقد مع شركة “آدمون كوانييه” للكتل الخرسانية لتنفيذ أعمال البناء في 3 مارس عام 1891. دون طرح المشروع في مناقصة بين شركة المقاولات الفرنسية الأخرى.

    وتابع أن الشركة بدأت فعليا في تنفيذ البناء في الأول من مايو عام 1893. غير أن وفاة المعماري شارل مارتن في الأول من أبريل من العام نفسه أدت إلى اقتراح من المقاول آدمون كوانيه على رئيس الشركة، يقضي باستخدام الأسقف المصنوعة من الخرسانة المسلحة بدلا من الخشبية. خاصة فوق العقود في الواجهات، وهو ما وافق عليه مجلس إدارة الشركة.

    وأشار إلى أنه، رغم وفاة المهندس المعماري، لم يطأ أي تغيير على تصميم القباب. سواء من حيث الهيكل المعدني الداخلي أو التغطية بالبلاطات الخزفية. وقد استغرق البناء عامين، نُفذ خلالها المشروع بواسطة شركة آدمون كوانيه، وتحت إشراف كبير مهندسي الشركة. وبمشاركة عدد كبير من العمال المصريين، والإيطاليين، والفرنسيين، وغيرهم من جنسيات أخرى. وتم تسليم المبنى للشركة في 28 يوليو عام 1895، بينما جرى التسليم النهائي عام 1920.

    مبنى قبة قناة السويس: إرث معماري وقيمة تاريخية

    يروي المهندس والمؤرخ البورسعيدي محمد بيوض قصة هذا المبنى العريق، ويقول لـ”باب مصر – بحري”، إنه يعود إلى عام 1895م، في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني. وقد كان في البداية مبنى خشبيا لخدمة حركة الملاحة، وسُمي حينها “مبنى التحركات”. ولاحقا، طورت الشركة العالمية لقناة السويس المبنى. فأنشأته على الطراز الإسلامي المميز بثلاث قباب خضراء: واحدة رئيسية ضخمة في المنتصف، واثنتان أصغر حجما على الجانبين.

    احتوى المبنى على برج مراقبة أُسندت إليه مهام متابعة دخول السفن وخروجها من ميناء بورسعيد حتى تسليمها إلى منطقة رأس العش. كما كان مركزا لإدارة المياه والمخازن والكراكات. ومقرا رئيسيا لإدارة هيئة قناة السويس في عهد الفرنسيين. ما يجعله من أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ الملاحة في القناة.

    إدمون فرانسوا كونييه مهندس فرنسي صاحب براءة اختراع الخرسانة المسلحة
    إدمون فرانسوا كونييه مهندس فرنسي صاحب براءة اختراع الخرسانة المسلحة
    زيارات عالمية وذكريات وطنية خالدة

    يؤكد “بيوض” أن المبنى حظي باهتمام بالغ من قادة العالم الذين زاروا بورسعيد، أبرزهم الزعيم سعد زغلول، والمهاتما غاندي، والرئيس السوفيتي خروتشوف، إلى جانب رؤساء مصر من جمال عبد الناصر إلى أنور السادات وحتى حسني مبارك. كما استُخدم كموقع رسمي خلال إعادة افتتاح قناة السويس في يوليو 1975، بدعوة من الرئيس السادات إلى شاه إيران، في احتفالية وطنية ضخمة شهدها أبناء بورسعيد، وكان بيوض أحد شهودها.

    تحويل المبنى إلى متحف قومي: حلم شعبي يتحقق

    يشير “بيوض” إلى أن نقل إدارة التحركات إلى مبنى جديد بشرق بورسعيد جعل من الضروري استغلال مبنى “القبة” التاريخي بما يليق بتاريخه. فجاء القرار بتحويله إلى متحف قومي يروي قصة قناة السويس ومدينة بورسعيد. ويتمتع المبنى بإمكانية رسو السفن السياحية أمامه. ما يعزز من فرصه كمزار سياحي عالمي قادر على استقطاب الزوار والسياح من مختلف الجنسيات.

    وأكد أن قرار الرئيس السيسي جاء استجابة لمطلب شعبي ملح، مدعوم بجهود الأهالي والمهتمين بالتراث الذين عارضوا أي محاولات لاستغلال المبنى في أنشطة تجارية، مثل تحويله إلى فندق أو قاعة أفراح. وأشاد بهذا القرار الذي يحافظ على الهوية التاريخية للمدينة، ويعزز من مكانتها السياحية والثقافية.

    المبني الخشبي لقبة قناة السويس قبل بناء المبنى الحالي
    المبني الخشبي لقبة قناة السويس قبل بناء المبنى الحالي
    تحفة معمارية على الطراز الإسلامي المميز

    من الناحية المعمارية، يعد مبنى هيئة قناة السويس ببورسعيد أحد أبرز المعالم الإسلامية الفريدة. حيث تم تشييده بواسطة شركة آدموند كونييه الفرنسية مباشرة على ضفة قناة السويس. تميز المبنى بقبابه المزينة بالبلاطات القاشاني، ونوافذه ذات الطراز الشرقي، والنجف الفاخر الذي يزين قاعاته. إضافة إلى العقود المخموسة التي تميز الواجهات الخارجية.

    اختيار موقع المقر الرئيسي للشركة العالمية بقناة السويس بمدينة بورسعيد لم يكن عبثا. بل جاء انطلاقا من كونها المدخل الشمالي للقناة، وملتقى للتجارة العالمية بين الشرق والغرب. المبنى كان القلب النابض لإدارة واحدة من أهم المجاري الملاحية في العالم.

    مغالطات تاريخية حول قبة قناة السويس

    أوضح المؤرخ البورسعيدي محمد بيوض، أن ما تم تداوله حول تدمير مبنى “القبة” بالكامل غير صحيح. لافتا إلى أن المبنى الذي تعرض للتدمير كان يعرف بـ”الماڤي هاوس”. وكان يقع بجوار مبنى القبة، ويشبهه من حيث التصميم، ولكن دون وجود القباب الثلاث.

    وأضاف أن “الماڤي هاوس” مبنى تاريخي يحمل عبق الماضي. وقد تم رفع عليه العلم المصري عام 1956م، في مشهد تاريخي. وذلك بالتزامن مع انسحاب آخر جندي بريطاني من بورسعيد في 18 يونيو من العام نفسه، بعد 72 عاما من الاحتلال. وقد خرج الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من قاعة “الماڤي هاوس” ليقوم برفع العلم المصري فوقه.

    وأشار بيوض إلى أن مبنى “الماڤي هاوس” كان مملوكا لشركة هولندية، استخدمته لاحقا كمتحف. ثم تم بيعه إلى بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى، والتي اتخذته كقاعدة بحرية عسكرية نظرا لموقعه الاستراتيجي على مدخل قناة السويس. وبعد رفع العلم المصري عليه، ردت بريطانيا ضمن العدوان الثلاثي على مصر بنسف المبنى وتدميره. بينما نجا مبنى القبة، الذي ظل قائما حتى اليوم دون أن يصيبه أي تدمير أو تخريب.

    وتابع أن المبنى تعرض خلال حرب 1973م لغارة جوية إسرائيلية، وأصيبت القبة بقذيفة أحدثت ثقبا كبيرا بجانبها. ولكن، بفضل الله، لم يتأثر الهيكل العام للمبنى. وبعد نصر أكتوبر، تم ترميمه وإعادة افتتاحه في عهد الرئيس الراحل أنور السادات عام 1975.

    المبنى الخشبي لقبة قناة السويس قبل بناء المبنى الحالي
    المبنى الخشبي لقبة قناة السويس قبل بناء المبنى الحالي
    ذكريات المقاومة والعدوان

    يحتفظ مبنى القبة بسجل طويل من الأحداث الوطنية، أبرزها رفع العلم المصري عليه يوم 18 يونيو 1956، عقب انسحاب آخر جندي بريطاني من بورسعيد، في مشهد خالده التاريخ، حيث رافق الرئيس جمال عبد الناصر ذلك الحدث التاريخي.

    وخلال حرب أكتوبر 1973، أصيب المبنى بقذيفة إسرائيلية، دون أن يتأثر هيكله الأساسي، ما دفع إلى ترميمه لاحقاً وإعادة افتتاحه في 1975. كما استخدمته القوات الأمريكية وقوات الأمم المتحدة خلال عمليات تطهير قناة السويس عام 1974، للوصول إلى كاسحات الألغام، قبل إعادة تشغيل القناة بالكامل.

    وأكد المؤرخ البورسعيدي أن الأبناء والأحفاد، عند زيارتهم لهذا المتحف سيرون عظمة تاريخ بلدهم، وسيشاهدون في تصميمه الكثير من نقوش وتجاويف وأبواب وشبابيك وعرضه وطرازه يعتبر قصر إسلامي.

    مواجهة محاولات استغلال المبنى تجاريا

    قال النائب حسن عمار، عضو مجلس النواب وأمين سر اللجنة الاقتصادية بالمجلس، إنه خلال الفترة الماضية انتشرت شائعات حول بيع مبنى القبة الأثري وتحويله إلى فندق. مما أثار القلق في الشارع البورسعيدي وبين المهتمين بالتراث. وأوضح أنه بالفعل تقدم أحد المستثمرين بطلب إلى هيئة قناة السويس لاستئجار المبنى بغرض تحويله إلى فندق ومرسى يخوت وقاعة أفراح. وهو ما دفع الكتلة البرلمانية بالكامل إلى لقاء الفريق أسامة ربيع، رئيس الهيئة، للتأكد من صحة المعلومات.

    وأضاف عمار: “كنا حريصين على تمثيل رأي الشارع والرأي العام في بورسعيد، الذي يرفض بشدة أي تغيير في هوية هذا المبنى التاريخي. لا سيما أن قناة السويس مدينة دفعت ثمنا غاليا في سبيل الدفاع عن الوطن”.

    وأشار إلى أن نواب بورسعيد، بدعم من اللواء محب حبشي محافظ بورسعيد، أجروا اتصالات موسعة، وأرسلوا مخاطبات رسمية إلى مجلس النواب ورئيس الجمهورية. وتمت مناقشة القضية كذلك مع رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي خلال زيارته للمحافظة.

    قبة قناة السويس رمز تاريخي

    أكد النائب حسن عمار أن مبنى القبة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحول إلى فندق. بل يجب الحفاظ عليه وتحويله إلى متحف قومي يسرد تاريخ محافظة بورسعيد ونضالها وبسالة رجالها. وأعرب عن شكره للرئيس السيسي الذي أصدر قرارا جمهوريا بتحويل المبنى إلى متحف وعدم استغلاله في أي نشاط تجاري.

    من جانبه قال عبد الرحمن بصلة، عضو مجلس إدارة جمعية بورسعيد التاريخية والمتحدث الرسمي باسمها، في تصريحات خاصة لـ”باب مصرـ بحري”، إن اللواء محب حبشي، محافظ بورسعيد، أعلن بشرى سارة منذ أيام خلال المؤتمر السنوي للجمعية بالمحافظة. وهي تحويل مبنى قبة قناة السويس لمتحف قومي.

    ويأمل المؤرخون والمهتمون بالتراث  أن يتضمن المتحف عروضا حية، وجولات بحرية تحاكي تاريخ الملاحة في قناة السويس، ما يعزز من وعي الأجيال الجديدة بأهمية هذا المعلم الوطني.

    اقرأ أيضا:

    «ترزي الباشوات» في بورسعيد.. حكايات 65 عاما من تاريخ الموضة المصرية

  • على رائحة الشاي والأنفاس الصوفية الحية.. يوم في رحاب «القهوة الأحمدية» بطنطا

    على رائحة الشاي والأنفاس الصوفية الحية.. يوم في رحاب «القهوة الأحمدية» بطنطا

    «ما لذة العيش لولا صحبة الفقرا، هم السلاطين والسادات والأمرا».. كانت هذه أولى الدندنات التي سمعتها وأنا جالسة في مقعدي بـ«القهوة الأحمدية» بساحة مسجد السيد البدوي بطنطا. قالها السيد عبد التواب، وهو رجل قَدِم من أسيوط لينعم بصحبة الراحة في مسجد السيد البدوي.

    ورحب السيد بالحديث إلى «باب مصر» معللًا بأنه لا يحب الحديث إلى الصحافة ولا الظهور فيها، لكن ما دام الأمر يتعلق بالقهوة الأحمدية فسيختلف رأيه بالطبع؛ القهوة التي رأتها عيناه لأول مرة منذ 65 عامًا مع أبيه في زيارته الأولى للسيد البدوي، حيث ضمهم المكان بعد سفر طويل، بعدما تفاجأوا بإغلاق المسجد لأعمال الصيانة في ذلك اليوم.

    ذاكرة القهوة الأحمدية

    يقول عبد التواب: «منذ ذلك اليوم وأنا أعشق الجلوس في هذه القهوة، مُنحت يومها ألذ كوب شاي كشري شربته في حياتي. ولا يزال هذا طلبي إلى الآن رغم تغير الجودة. هنا في القهوة كانت حكاياتي مع رواد مسجد سيدي البدوي، تعلمت على أيديهم الكثير من أصول الفقه والحديث والتفاسير والتسابيح، التي لا تخلو من صيغ الصوفية. وهو ما جذبني للمجيء إلى هنا 6 مرات في العام، بين كل شهرين مرة».

    وذكر أنه يعمل مقاولًا، وارثًا مهنته عن أبيه مثل وراثته لحب القهوة والمسجد. مؤكدًا أنه شهد تجديد القهوة خمسة مرات حتى الآن. قائلًا إنها تغيرت جدًا، لكن هناك روحا فيها لا تغادره، روح ترتبط بتاريخ جلوس الأولياء فيها، واسمها وصل إلى الرؤساء والوزراء في يوم من الأيام.

    السر في السيد البدوي

    أوضح عبد التواب أن القهوة تعاقبت عليها أجيال كثيرة لأنها تخطت القرن من الزمان. لكنه ما زال يندهش في كل مرة تطرح عليه أفكاره حول ترك الدنيا والعمل في هذه القهوة. المكان الوحيد الذي يتمنى قضاء باقي عمره فيه، والسر يرجع إلى السيد البدوي.

    ويقول: «يجذبني الأحمدي نحوه جذبًا، لا أصدق في السحر بقدر ما أصدق في قوة الجذب. آتي إلى هنا فأشعر أنني مجذوب. لا أعد نفسي من المتصوفة لأنهم أعلم مني، ولا أعد نفسي من الأولياء رغم تحقق رؤاي. لكني أعد نفسي من عاشقي هذا المكان أكثر من الأماكن الأخرى مثل مسجد الشاذلي في المنوفية والقنائي في قنا. هنا فقدت ووجدت غايتي على أعتاب القهوة».

    وحكى عبد التواب عن مصادفة تكررت أكثر من أربع مرات متتالية، عندما يدخل القهوة وهي فارغة. يدخل ورائه الزبائن كأنه يفتح لهم الباب! حتى أن عادل، نادل في القهوة، لاحظ القصة وطلب منه مباركة المكان. فكان رد السيد وقتها عنيفًا على نفسه، حيث ترك القهوة دون زيارة المسجد، وتسوق من طنطا لأبنائه وعاد إلى بلدته مرة أخرى.

    ذاكرة تاريخية خالدة

    وأشار إلى أن ارتباطه بالقهوة رسالة يريد الله أن يعرفها، وهي أنه مهما تقرب من الأولياء، فلن يرتقي إلى منازلهم إلا بأمر الله. لذا كان غضبه متصاعدًا وحرم نفسه من الزيارة في المرة التي هيأ له الشيطان فيها أنه «عبدٌ مطاعٌ ووليٌ آمر». عاد بعدها بشهرين ليستغفر الله يومه كله في كل جزء من القهوة كي يكون شاهدًا له يوم القيامة.

    شكلت القهوة الأحمدية بطنطا، الواقعة في ساحة مسجد السيد البدوي، نسيجًا ثقافيًا واجتماعيًا مختلفًا. تأثرت بها ذاكرة المدينة، حيث افتتحت في العام 1902. وضمت بين جدرانها أعلاما بارزة، من رؤساء ووزراء وأئمة وسياسيين ومشايخ وقراء وفنانين. وكانت في وقت من الأوقات منبرًا بديلًا للمهمشين الذين لا تصل أصواتهم إلى الإعلام الرسمي.

    من يجلس على القهوة الأحمدية؟

    كانت القهوة ملاذًا من الرئيس أنور السادات وحتى الشيخ محمد متولي الشعراوي، مرورًا بعمالقة التلاوة المصرية والإنشاد، على رأسهم الشيخ محمود خليل الحصري، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ سيد النقشبندي. وحتى فنانو مصر، مثل عبد السلام النابلسي، وكرم مطاوع، وشكري سرحان.

    قضيتُ يومًا كاملًا في القهوة أراقبها عن قرب. وكان السؤال الثائر في عقلي طوال الوقت هو: لماذا الشعور العميق بالسكون هنا؟ وتعددت الإجابات في نفسي، هل لأن المكان تاريخي وأنا أنجذب للأماكن العتيقة؟ أو أن ذكر الله فيها هو الغالب. لذا كان السكون؟ إذًا، هل لا يجلس على القهوة سوى الصالحون فقط والأولياء؟

    راقبت الجدران الصامدة وبها تشققات يخفيها الطلاء، والسور الحديدي الذي يلفها ويبرق متأثرًا بعوامل الزمن. تأملت المشربيات الطويلة، والصور الفوتوغرافية المعلقة، والآيات المكتوبة بالخط العثماني والأذكار. دققتُ أكثر في وجوه القهوة المختلفة، كراسيها، طاولاتها، ووجوه الناس وأُنسهم!

    حكايات القهوة الأحمدية

    لم يجذبني حكايات الناس بقدر ما جذبني تأملاتهم في المسجد. كانت أحاديثهم تدور بين الانتخابات البرلمانية المقبلة. وغلاء أسعار الحلويات في محيط السيد البدوي. والزبائن الذين «خفّت رجلها عن القهوة»، وطقوس المولد القادم وأمنياتهم في حضوره.

    وفي زاويةٍ من زوايا القهوة رأيته، يذكر الله بصوت خفيضٍ ويرفع يديه إلى السماء، ممسكًا بيده سبحة، وبالأخرى يقلب الشاي بالنعناع، قد تجده إنسانًا عاديًا في حاله. لكنه سرعان ما ترك مقعده وراح يساعد نادل القهوة في تنظيفه ومسحه للأرض، وذكر الله يعلو، يمسح طاولة وينظر للمسجد. ويقول: «ارض عني يا رب»، يرش الماء ويقول: «عدت للقهوة يا رب».

    وظننته من المجاذيب حتى طمأنني عامل في القهوة أنه ترك العمل بها منذ عامين، لسبب لا أحد يعلمه، واختفى. هذه أول زيارة له. حاولت الحديث معه ولكنه رفض، فعلمت أن في القهوة سرا لا يعلمه إلا الله.

    القهوة الأحمدية: مؤسسة اقتصادية مصغرة

    تعمل القهوة الأحمدية كمؤسسة اقتصادية مصغرة. إذ تعد مصدرًا لرزق العديد من الأفراد، من القهوجي والصبي والعاملين بها، إلى بائعي السجائر والسبح والأذكار والتمائم. وتدور فيها دورة رأس مال يومية صغيرة تعتمد على العلاقات الاجتماعية والثقة، ويكسوها الرفق والسكون. أما أسعار المشروبات، فهي معقولة، لا مغالاة فيها رغم شهرة القهوة. وتناسب مختلف الفئات المترددة عليها.

    ولاحظتُ تنوعًا كبيرًا في مرتادي القهوة، رغم أن اليوم كان هادئا. هناك نساء يعملن بجوارها، ومشايخ زائرون للضريح. وأزواج وخُطَّاب، وبائعون متجولون، وأسر صغيرة تأكل على طاولاتها وتتأمل في المسجد. معتبرين القهوة محطة لفسحتهم القصيرة.

    وتحتضن القهوة حكايات شعبية تمثلت في روادها. حيث ارتادها العديد من المشايخ الحاملين للسبح، وآخرون يرتدون أزياء خضراء، يتحدثون عن الأوراد، وطرق القرب من الله، وصيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بالطرق الصوفية. إلى جانب حديث جاد جدًا عن الأحداث الأخيرة في الإفتاء. وأحاديث جامعة أخرى عن العيد وموعد الأضحية، وصمت مطبق في بعض الأحيان إلا من ساحة المسجد.

    منبر هامشي يطل على المسجد الأحمدي

    يتغير الزمان ويدور، وتبقى حركة القهوة كما هي. بطرازهاٍ الإسلاميٍ الآسر، لا يتغير ديكورها حتى في أيام المولد والمواسم المختلفة، ما عدا رمضان. تطل القهوة على المسجد الأحمدي بواجهة أنيقة. ويتفرع منها ممر طويل تحيط به طاولات متعددة ودكك خشبية، تحافظ على تراثها الأصيل بنقوش بارزة على جدرانها الخارجية.

    ولا توجد شاشة داخل القهوة، ولا صوت عال لقرآن أو موسيقى. فقط أحاديث الناس وتفاعلاتهم هي الخلفية، مع تأملات عميقة في مسجد له تاريخ. هكذا كانت القهوة منذ البداية، وستظل. يقول محمد فتحي، أحد العاملين بها، إن جده كان يعمل في القهوة منذ عام 1946، وكانت تموج آنذاك بأخبار البلاد. وبعدها أخبار حرب فلسطين وغيرها، وكان الناس يعبرون عن آرائهم بمنتهى الحرية دون خوف.

    وأشار فتحي إلى أن القهوة حافظت على دورها خلال ثورة 25 يناير وثورة 30 يونيو. فلم تغن وسائل التواصل الاجتماعي الناس عن التعبير عن ألمهم حيال البلد وحبهم تجاهها. فكانت القهوة منبرًا هامشيًا في طنطا لحديث الناس، ولكن أثره عميق.

    ذاكرة حية

    في النهاية، تبقى القهوة الأحمدية أكثر من مجرد مقهى؛ إنها ذاكرة حية لمدينة طنطا، تحفظ بين جدرانها قصصًا وحكايات لأجيال تعاقبت على الجلوس فيها. كانت مكانًا تلتقي فيه الأرواح الطيبة قبل كلماتها، وكانت ملاذًا لي أيضًا بين أيامٍ عصيبة.

    اقرأ أيضا:

    ملف| «متحف آثار طنطا».. هنا حكايات التاريخ تُروى في صمتٍ

  • شيخ عازفي السمسمية بالإسماعيلية: نحارب من أجل ألا تموت أصوات القنال

    شيخ عازفي السمسمية بالإسماعيلية: نحارب من أجل ألا تموت أصوات القنال

    في أحد شوارع الإسماعيلية النابضة بالحياة، شارع عبد الحكيم عامر، وعلى أحد مقاهي المنطقة الشهيرة «قهوة أبو صباع»، التقينا بالريس «طارق السني»، أحد أقدم وأبرز العازفين على آلة السمسمية، تلك الآلة الموسيقية التي لا تحمل فقط نغمات وأغاني جميلة، بل تختزن بين أوتارها تاريخًا من المقاومة، والشجن، والفرح الشعبي، وجذورًا ضاربة في عمق الحضارة المصرية القديمة.

    وفي هذا الحوار الممتد، يأخذنا السني في رحلة زمنية تبدأ من معابد الكرنك، مرورًا بفترة الاحتلال الإنجليزي، وصولا إلى حاضرٍ يحاول فيه وأبناء جيله إنقاذ هذه الآلة من الانقراض، وسط غياب تام لأي دعم.

    • بداية.. ما أصل آلة السمسمية؟

    السمسمية، باسمها الحالي، هي نتاج تطور له جذور عميقة. فأصلها في التاريخ القريب هو آلة تدعى “الطنبورة“، وهي كبيرة الحجم وقد جاءت من السودان. أما في التاريخ القديم، فتمتد جذورها إلى الحضارة الفرعونية. وأعتقد أن كثيرين لا يعرفون أن النقوش القديمة في معابد مثل الكرنك والأقصر تظهر نسخًا بدائية من السمسمية. كانت تستخدم في الطقوس الدينية، وكان لها شكل يشبه القيثارة. ومع مرور الزمن واختلاط الثقافات، تحولت إلى الطنبورة، ثم لاحقًا تطورت في مصر إلى الشكل الحالي وأصبحت تسمى “السمسمية”. ويقال إن الاسم مشتق من كلمة “مسمسمة” باللهجة المصرية، أي صغيرة وخفيفة ومليئة بالنغم.

    • مما تصنع آلة السمسمية؟ وهل تدخل فيها خامات خاصة؟

    السمسمية مرآة للبساطة الشعبية المصرية، وتصنع أساسا من الخشب الطبيعي، وغالبًا ما يستخدم خشب الزان أو الصنوبر لصنع هيكلها الرئيسي، لكونهما خفيفين وقويين في آن واحد. أما الأوتار، ففي الماضي كانت تصنع من شعر الخيل أو من خيوط معدنية بدائية، واليوم تُستخدم أسلاك معدنية رفيعة كتلك المستخدمة في الجيتار. ويغطى وجه السمسمية (السطح الذي تخرج منه النغمات) أحيانا بجلد رقيق ليمنح صوتًا أكثر دفئًا. أما زخرفتها، فهي تتم يدويًا، وغالبًا ما يضع الصانع لمسته الخاصة لتكون كل آلة فريدة من نوعها، كأنها قطعة فنية تنطق بروح صانعها.

    آلة السمسمية
    آلة السمسمية
    •  متى بدأت السمسمية فعليًا الانتشار في مصر؟ وهل ارتبطت بلحظات تاريخية معينة؟

    انتشرت السمسمية بشكل كبير في مدن القناة وقت حفر قناة السويس، حيث كان العمال المصريون يصطحبونها معهم في استراحاتهم بين فترات العمل. كانت ملاذهم الوحيد للترفيه وسط المعاناة. لكنها لم تكن آلة للتسلية فقط، ففي فترة الاحتلال الإنجليزي لمصر، تحولت السمسمية إلى سلاح فني، وكانت تغنى على أوتارها أغاني المقاومة الشعبية في السويس وبورسعيد والإسماعيلية، تحث الشعب والجنود على الصمود. «كانت تعزف للحرية وللوطن وللكرامة». ولا أبالغ إن قلت إنها آلة المقاومة الأولى في مدن القناة.

    • هل تختلف السمسمية من مدينة لأخرى في شكلها أو عدد أوتارها؟ وما الذي يميز الإسماعيلية عن غيرها؟

    بكل تأكيد. في الإسماعيلية، تكون السمسمية غالبًا ذات خمسة أوتار أو ستة، وهذا الشكل هو الأكثر شيوعًا. أما في بورسعيد، فقد تجدها بسبعة أوتار، وأحيانًا تصل إلى 10 أو أكثر، حسب ذوق الصانع والعازف. الشكل الخارجي لا يختلف كثيرا، ولكن تحاول كل مدينة أو فرقة أن تطوع السمسمية بما يتناسب مع بيئتها ونمطها الفني. ومع ذلك، تظل السمسمية روحًا واحدة بأجساد متعددة.

    • من هم أبرز العازفين  على آلة السمسمية الذين كان لهم أثر كبير في مسيرتها الفنية؟ وما هي أهم الأغاني؟

    هناك أسماء لامعة لا يمكن أن تنسى، فقد ساهم عدد من الفنانين الموهوبين في حفظ هذا التراث ونقله عبر الأجيال، خاصة في الإسماعيلية. من بينهم: الفنان إبراهيم العتملي، والفنان فوزي الجمل، وموسى بركة، وسيد مصطفى، والريس الوزيري. كل واحد منهم كانت له بصمته الخاصة وأسلوبه المميز في العزف والتلحين. وقد شكلوا مجتمعًا فنيًا متماسكًا كان له الفضل في استمرار السمسمية إلى يومنا هذا.

    أما الأغاني، فهناك أعمال لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور وتطلب كثيرًا في المناسبات، مثل: «غصن الحبيب»، و«يا بنت حساني أبوكي وصاني»، و«مولد في مدينة طنطا». هذه الأعمال ليست مجرد أغان، بل  قصص مغناة تعبر عن مشاعر الناس وأفراحهم وتقاليدهم، وكلها رويت على أوتار السمسمية، التي كانت دائمًا صوت الشعب والوجدان.

    • كيف يتم تناقل هذا الفن بين الأجيال؟ وهل توجد مؤسسات أو مراكز تعلم هذا الفن؟

    للأسف، لا توجد معاهد أو مدارس متخصصة في تعليم السمسمية. نعتمد فقط على التناقل الشفهي، حيث نتوارثها أبًا عن جد، من جلسة على مقهى إلى سهرة على شاطئ القناة، من يد إلى يد، ومن قلب لقلب. وهذا أمر يقلقني جدًا، لأن الجيل الجديد محاصر بموجات موسيقية حديثة تلهيه عن تراثه، مثل المهرجانات الشعبية الحديثة.

    • كيف يمكننا الحفاظ على آلة السمسمية وتعليمها للأجيال الجديدة؟

    هذا هو التحدي الأكبر، الحفاظ على السمسمية لا يكون فقط بالحفاظ على شكلها، بل بروحها. وأول خطوة نحتاجها هي التوثيق، سواء عبر تسجيلات صوتية ومرئية للعازفين القدامى -وهذا ما نفعله في فرقتنا «الصحبجية»- أو من خلال كتابات تؤرّخ للآلة وتشرح طرق صناعتها وعزفها. كما نحتاج إلى إدماجها في الأنشطة المدرسية، لا سيما في مدن القناة، ويستحسن إدراجها ضمن مناهج التربية الموسيقية إذا أمكن. ويمكن دعم ورش عمل ميدانية يشارك فيها الأطفال ويتعلمونها عمليًا.

    أما المراكز الثقافية، فيمكنها أن تلعب دورًا محوريًا إذا خصّصت ركنّا ثابتًا لها ضمن أنشطتها. كذلك الإنترنت وسيلة قوية يمكننا استغلالها في إنشاء قنوات تعليمية على يوتيوب، وصفحات تعرف الشباب بهذا التراث، وتجعله جزءًا من هويتهم، بدل أن يبقى حبيس الذاكرة.

    • هل تلقيتم أي دعم من وزارة الثقافة؟ أو هل تم إدراج السمسمية ضمن جهود الحفاظ على التراث؟

    للأسف، لا توجد أي جهود ملموسة من وزارة الثقافة لدعمنا. نحن وحدنا نحارب على جبهتين: جبهة الحفاظ على التراث، وجبهة مواجهة الإهمال. لكن، ورغم هذا التهميش، فقد تم اعتماد السمسمية رسميًا من قبل منظمة «اليونسكو» كواحدة من عناصر التراث الثقافي، وهذا اعتراف دولي مهم، لكنه لم يترجم إلى دعم فعلي على أرض الواقع.

    • هل هناك إقبال من الزوار على حفلات السمسمية الخاصة بكم في هذا المقهى أو غيرة من الأماكن؟

    بكل فخر، نعم. وهذا يمثل دعما نفسيا كبيرا لنا. نستقبل زوارًا من مختلف محافظات مصر، بل ومن دول عربية وأجنبية أيضًا. يأتون من أجل مشاهدة هذه الآلة، وسماع نغماتها المميزة، والتقاط الصور، والتفاعل مع الأغاني الشعبية. وهناك من يأتي خصيصًا من أوروبا أو من دول الخليج، بحثًا عن تجربة ثقافية أصيلة.

    • ما الذي تتمناه للسمسمية وللفن الشعبي المصري؟

    أتمنى، بالإضافة إلى ما ذكرته سابقًا، إنشاء معهد قومي لتعليم السمسمية، ينقذ هذا الفن من الضياع ويخرج جيلاً جديدًا من العازفين. كما أتمنى أن يتم إدماجها في المهرجانات الكبرى والمناسبات الوطنية، فهي آلة مصرية أصيلة تستحق كل احتفاء. وأتمنى فقط أن يرى المسؤولون أننا لا نعزف من أجل الشهرة أو المال، بل من أجل الوطن والهواية.

    أصوات القنال لا تزال تتردد

    هكذا كان لقاؤنا مع طارق السني، شيخ عازفي السمسمية في الإسماعيلية وفرقته «الصحبجية»، الذين لا يحملون في صدرهم سوى حب صادق لهذا الوطن والمدينة، ولتراثهم الذي يسكن أوتار آلة صغيرة في حجمها، عظيمة في معناها، ومقدسة في قلوبهم.

    السمسمية ليست مجرد آلة موسيقية، بل هي ضمير حي، يغني حين يعجز اللسان، ويصرخ حين يكمم الصوت، ويقاوم حين يخيم الظلم، وينير الطريق حين يحل ظلام المغتصبين.

    اقرأ أيضا:

    ع السمسمية.. أسمع يا سيدي

  • «ترزي الباشوات» في بورسعيد.. حكايات 65 عاما من تاريخ الموضة المصرية

    «ترزي الباشوات» في بورسعيد.. حكايات 65 عاما من تاريخ الموضة المصرية

    في أحد أقدم شوارع حي الشرق ببورسعيد، يعمل الحاج «محمد علي»، المعروف بـ«ترزي الباشوات»، منذ أكثر من 65 عاما في خياطة القمصان. ورث المهنة عن والده، وشهد عبرها تغيرات الموضة والمجتمع، محتفظا بأدواته القديمة وشغفه بالحرفة التي يعتبرها فنا وإرثا.

    من الباشوات إلى الشباب.. كيف تغيرت الموضة؟

    من داخل ورشته الكائنة بحي الشرق، يجلس الحاج محمد علي وسط أدواته التي لم تفارقه منذ عقود، يُمسك القماش كأنّه يقرأ فيه تاريخًا مكتوبًا بخيوط من حرير، لا حاجة له إلى “باترون” أو أجهزة حديثة؛ فالعين واليد والعقل أدواته الحقيقية.

    يقول: “زمان كان الباشوات يلبسون القمصان المصنوعة من قماش البوبلين والكتان الصافي، بألوان هادئة وقصات واسعة. دلوقتي الشباب بيحبوا القمصان الضيقة والقصيرة، والألوان الجريئة”. ورغم تغير الذوق العام، ما زال “ترزي الباشوات” يحيك القمصان لكل الطبقات، من بشوات خمسينيات القرن الماضي إلى شباب جاءوا إليه خصيصا ليفصّلوا قمصان زفافهم.

    المهنة تتراجع.. ولكن الشغف لا يموت

    رغم شغفه الدائم، يعترف الحاج محمد علي أن المهنة لم تعد كما كانت: “دلوقتي الناس بتشتري من المحلات الجاهزة، والمهنة بتموت شوية بشوية. لكن اللي اتربى على حب الشغل عمره ما يسيبه”. ورغم دخول التكنولوجيا عالم الخياطة، لا تزال يداه تفضّلان المقص القديم والإبرة التي خاط بها آلاف القمصان.

    65 عاما من تغير الأذواق

    يقول الحاج محمد لـ«باب مصر – بحري»: “أنا من مواليد بورسعيد عام 1948، وأعمل بالخياطة منذ 65 سنة. ورثت المهنة عن والدي، الذي كان أقدم ترزي قمصان في المدينة ومؤسس جمعية صناع الملابس. لدي 9 أشقاء من الرجال والنساء”.

    وأضاف: “كان ترزي القمصان وقتها 95، واليوم لم يتبق سوى 3 أو 4 فقط، منهم 2 من أشقائي. والدي علم الكثيرين المهنة. وكانت له سمعة طيبة بين أهالي محافظة بورسعيد. وقمت بحياكة القمصان للكثير من باشوات بورسعيد وصفوة المجتمع، من أطباء ومهندسين. وكذلك للجالية الأجنبية التي كانت تعيش في المحافظة”.

    الأزياء الراقية في بورسعيد

    أشار الحاج محمد إلى عدد من العائلات العريقة مثل عائلة لطفي باشا سيارة، وعبده صديق اللمعي، وعائلة زكري، وطيرة، وغندر وغيرها. ومن أكثر الباشوات الذين بنوا المساجد التراثية في بورسعيد كان لطفي باشا شبارة، الذي شيد مسجدا أمام الكنيسة الكاتدرائية بحي الشرق.

    وأوضح: “كان هناك كبار التجار في مجال الأقمشة مثل أبو العينين، وسالم وندا. وكان الزي زمان محترم والأزياء راقية، والسائد للرجال في بورسعيد القميص والبنطلون والبدلة. أما للنساء فكان الجيب والبلوزة، والفساتين. كنت متخصصا في القمصان والبلوزات. وأغلب الأقمشة من الكتان الإسباني، والساتان الياباني، والڤوال السويسري، والزقطان والجوبلان، والأسماكن”.

    ونوه إلى أن أغلب الأقمشة كانت مستوردة، فكانت الأسواق بها محال كل منها متخصص في نوع مستورد؛ منها القماش السويسري، والألماني، والإيطالي، والياباني. وكنا بنخيط فساتين الأفراح التي أصبحت مرتفعة السعر الآن، والبدل السفاري والكتان الصيفي”.

    أشهر خياطين السيدات في بورسعيد

    يقول الحاج محمد: “كان من أجمل ما يصنعه الترزي الحريمي هو البالطو الفرو. فكانت تأتي الزبائن من بورسعيد وخارجها، لحرفتهم ورُقي ذوقهم في اختيار أنواع الأقمشة والأزياء. ومن أشهر أسماء خياطين السيدات في بورسعيد؛ عبد الفتاح إسماعيل والزهيري وحسونة، وكان لديهم متدربين كُثر يتعلمون الصنعة”.

    وتابع: أما بعد الانفتاح وتحويل بورسعيد لمنطقة حرة، تغيرت نوعية الأقمشة والموضة. وأصبحت خطوط الموضة العالمية لها طابع وتأثير على موضتنا وأزيائنا. ونقُص عدد محال تفصيل الملابس، وأيضا محال بيع الأقمشة. أصبحت الموضة تأتينا جاهزة. وتخصصت بعض المحال في بيع الملابس الجاهزة على أحدث موضة ومستوردة كمحل “روما” و”سير”؛ وغيرها في شارع النهضة.

    وأوضح أنه وقت رسو السفن السياحية على رصيف ميناء بورسعيد، كانت تنتعش الأسواق. حيث ينزل السياح الأجانب من الأطقم البحرية والقباطنة وركاب السفن، للتجول في شوارع المحافظة الخامسة فجرا، وكانت المحال تظل مفتوحة طوال الليل حتى الثامنة والتاسعة صباحا.

    غزو “الدنجريه” لأسواق بورسعيد

    يضيف الحاج محمد: “كانت تباع الجواكت الجلد (السويتر) المصنوعة من أجود أنواع الجلود بأسعار تصل إلى 30 أو 40 جنيها، واشتهر ببيعها محل “الشراع المصري”، ويعتبر جيلنا من تربى على البناطيل الجينز وكان يسمي قديما بـ”الدنجريه”، والبدلة الجينز والجاكيت أيضا”.

    وأشار إلى أنه بعد غزو “الدنجريه” لأسواق بورسعيد، أغلقت محال ومصانع كثيرة لصناعة البنطلون القماش، بسبب إقبال الجميع على ارتداءه وعزوفهم عن البنطلون القماش، وبعدها ظهرت أيضا أقمشة “الجبردين”، والتي كانت نوعا ما بين الجينز والقماش، وظلت مستمرة حتى الآن ويرتديها الجميع.

    أما الأحذية، فكانت أغلاها سعرا تباع بـ3 جنيهات فقط، وبالتقسيط بتسديد 25 قرشا كل أسبوع. وحوالي 10 محلات جميعهم عليهم إقبال كبير في شارع النهضة لبيع الأحذية. كان أشهرهم محل أحمد حرب الذي كان يبيع منها بـ99 قرشا فقط.

    أزياء زمان.. حكايات من الزمن الجميل

    لا تخلو ذاكرة “ترزي الباشوات” من حكايات نادرة، يروي إحداها قائلا: “وفي مرة جاء زبون لي بقميص سويسري ثمنه بلغ 125 جنيها. في حين أن أغلى قميص وقتها كان بـ25 جنيها فقط، وقال لي فصل لي مثله تماما،. واشترى قماش سويسري مستورد، فقمت بحفظ الموديل والطريقة بعد فحصي إياه. وقمت بتفصيله كأنه هو تماما وحتى أزرار القميص اشتراها مخصوص مستوردة أيضا. فكل البورسعيدية زمان كانوا بشوات حتى لو لم يحصلوا على اللقب رسميا. جميعهم يحبون ارتداء أغلى الملابس والأكثر أناقة، “اتربوا على الغالي وخير القناة والبحر”.

    واستكمل حديثه: “ليس فقط في الملابس، بل في المأكل والمشرب والثقافة وكل شيء، لكننا كنا آخر الجيل الذي رأي الخير والبركة في الحياة وكل شيء، فقد تربينا على الأصول وكانت أمهاتنا تعلمنا 3 أشياء مهمة؛ الرضا والقناعة وعدم النظر لرزق الغير. أما الآن فلا تجد النساء وقت لتربية الأبناء، ضاعت لمة العيلة على سفرة واحدة لتناول الطعام. وضاعت الأذواق الراقية واحترام الأصول، وما نجده في الشوارع اليوم يحزنني”.

    أين الأزياء الراقية؟

    يتساءل الحاج محمد علي: “أين الملابس المحترمة والأذواق الراقية؟ فالبناطيل مقطعة، وهذه هي الموضة. والبنات تغير ذوقهن وأصبحت تتبعن خطوط الموضة التي لا تناسب أنوثتهن. ويتشبهن بالذكور في ارتداء البناطيل المقطعة من الأرجل والضيقة والجينز والملابس غير المناسبة حتى لأعمارهن”.

    ويضيف: “كنا زمان في المدرسة الجميع يرتدي نفس الزي والحذاء والحقيبة المدرسية، نفس الأدوات ونفس الطعام. كلنا كنا نشبه بعضنا البعض الغني مثل الفقير. فكنا نشعر كأننا أسرة واحدة، أما الآن فهناك اختلاف كبير في الطبقات الاجتماعية والاقتصادية وأسلوب الحياة، والبركة ضاعت”.

    حرفة تراثية تستحق البقاء

    وفي رسالته للأجيال القادمة، يقول “ترزي الباشوات”: “لو كل واحد حافظ على مهنته وحبها، عمر التراث ما هيندثر. الخياطة مش بس شغل.. دي فن وأصل، ولازم نعلّمه للّي بعدنا”.

    وفي دكانه المتواضع، حيث لا يُقاس الزمن بالساعات بل بالخيوط، تظل حكاية “ترزي الباشوات” شاهدًا حيًا على جمال الحرفة وبساطة الأناقة، وتاريخ مدينة ما زالت تفخر بأهلها وصنّاعها.

    اقرأ أيضا:

    «متحف النصر للفن الحديث».. ذاكرة بورسعيد في لوحات ومنحوتات

باب مصر