باب مصر

التصنيف: بحرى

باب مصر بحرى

  • اكتشف سحر «الإسماعيلية».. معالم سياحية وتراثية لا تفوتها

    اكتشف سحر «الإسماعيلية».. معالم سياحية وتراثية لا تفوتها

    هي جوهرة قناة السويس التي تروي حكايات البطولة والأصالة، بين الماضي العريق والحاضر الزاهر، فإذا كنت تخطط لزيارة مدينة الإسماعيلية، «مدينة السحر والجمال»، فاستعد لرحلة تستكشف فيها مزيجًا فريدًا من التاريخ الحي، والثقافة النابضة، والطبيعة الخلابة، من مواقع شهدت ملاحم مقاومة صنعت مجدًا، إلى شوارع تتنفس التراث المصري الأصيل وتهوى الرياضة والحياة. الإسماعيلية ستخطف بصرك، وستجد نفسك في واحة ثرية بكل ما يبهج الزائر.

    في هذا الدليل الشامل من «باب مصر»، نأخذك في جولة بين أهم الأماكن التراثية والثقافية التي يجب أن تكون ضمن قائمة زيارتك لـ«عروس القنال»، بدءًا من «تبة الشجرة» الصامدة شاهدا على بطولات أبناء المدينة، مرورًا بـ«متحف الإسماعيلية» الذي يحفظ ذاكرة القرون، وصولًا إلى «كورنيش نمرة 6» الساحر، حيث تلتئم روعة الطبيعة الخضراء الخلابة مع نبض الحياة اليومية. فكل مكان هنا يحمل قصة تنتظر من يكتشفها. فهل أنت مستعدّ لرحلة لا تنسى؟

    المعالم التراثية والتاريخية للإسماعيلية

    متحف الإسماعيلية

    من أبرز المعالم الأثرية في المدينة، وهو واحد من أقدم المتاحف الإقليمية في مصر. إذ شيد عام 1911م على يد مهندسين أوروبيين. يضم المتحف آلاف القطع الأثرية التي تمثل مختلف العصور، من الفرعونية حتى الإسلامية.

    يحتوي المتحف على تماثيل نادرة، أدوات فخارية، حلي ذهبية. كما يتميز بتصميمه المعماري الكلاسيكي وتنسيقه الداخلي الذي يسهل على الزائر التفاعل مع مقتنياته. ومن اللافت للنظر أن المتحف يضم قطعا تم العثور عليها خلال حفر قناة السويس، مما يربطه ارتباطا وثيقا بتاريخ المجري الملاحي المصري، وهو حاليًا قيد التطوير والترميم.

    منزل فرديناند ديليسبس

    يقع في قلب مدينة الإسماعيلية، ويعد من أقدم مبانيها التاريخية، حيث بُني عام 1859 ليكون مقر إقامة المهندس الفرنسي خلال إشرافه على حفر قناة السويس. يتميز المنزل بتصميمه الأوروبي الريفي وحديقته الواسعة، ويضم مقتنيات نادرة مثل خرائط أصلية وبعض الأدوات الشخصية التي استخدمها ديليسبس.

    وبعد تأميم القناة، أصبح المنزل جزءًا من التراث المصري، ويعد اليوم رمزًا لتاريخ مشترك بين مصر وفرنسا، وشاهدًا على ملحمة إنشاء أحد أهم الممرات المائية في العالم. يقع المنزل في شارع محمد علي، بالقرب من مديرية الأمن.

    تبة الشجرة

    موقع استراتيجي يقع شرق الإسماعيلية، وقد ازدادت أهميته خلال حرب أكتوبر 1973، إذ كان نقطة تحصين قوية أنشأتها إسرائيل بعد نكسة 1967 لمراقبة الضفة الغربية لقناة السويس، وسميت بـ«رأس الأفعى المدمرة».

    وتعرف التبة بهذا الاسم لتصميمها الذي يشبه جذع الشجرة، واحتوت على أنفاق وغرف قيادة ومعدات عسكرية متقدمة. وفي اليوم الثالث من الحرب، اقتحمتها القوات المصرية وسيطرت عليها بعد معركة ضارية، أُسر خلالها قائد الموقع الإسرائيلي.

    تحولت التبة إلى رمز للبطولة ومتحف مفتوح يجسد تضحيات الجيش المصري، وتضم الكثير من مقتنيات الجيش الإسرائيلي المهزوم في المعركة المجيدة. وتعد مقصد لأغلب زائري المدينة، بالإضافة إلى «النصب التذكاري».

    تل المسخوطة

    من المعالم التراثية المهمة، ويقع غرب مدينة الإسماعيلية في منطقة أبو صوير. هو موقع أثري يعود إلى عصر الدولة الحديثة، ويعتقد أنه يضم أطلال مدينة “بير رعمسيس” العاصمة التي أسسها رمسيس الثاني.

    وتم العثور فيه على بقايا معابد، تماثيل حجرية، تمائم، كما تشير الدراسات إلى وجود أنشطة دينية وتجارية واسعة في هذا المكان. يعد التل نقطة جذب للباحثين والمهتمين بالتاريخ المصري القديم.

    مركز الإسماعيلية للوثائق

    تأسس في إبريل 2017 بمبنى ديوان عام محافظة الإسماعيلية القديم، ضمن مبادرة الرئيس عبدالفتاح السيسي لحفظ الوثائق المهمة على مستوى الجمهورية. يضم وثائق نادرة عن حفر قناة السويس، وصورا تاريخية للمدينة، بالإضافة إلى توثيق للحركة السياسية والمناسبات التاريخية بالمحافظة.

    المعالم الطبيعية والترفيهية

    بحيرة التمساح

    إحدى أبرز المعالم الطبيعية، وتتميز بمياهها الصافية ومناظرها الخلابة. تعد مقصدا للسكان المحليون والسياح للاستجمام. وتحيط بها مساحات مفتوحة والكثير من النوادي والمطاعم، التي تتواجد بطريق عبد المنعم عمارة السياحي، المشهور بـ«طريق البلاجات». تنتشر الطيور في محيط البحيرة، وتستخدم شواطئها وكوبري البلاجات لممارسة الصيد، التصوير، والتنزه. وسميت بهذا الاسم لأنها كانت موطنًا للتماسيح قديما، قبل أن تتغير طبيعتها بفعل الزمن.

    طريق نمرة 6

    من أجمل المناطق الترفيهية والسياحية في المدينة، يطل مباشرة على قناة السويس و«مبنى الإرشاد». وتزينه مساحات خضراء وأشجار وزهور.. يعد مكانًا مثاليًا للتنزه، والاستجمام، والرياضة، ويضم فنادق فاخرة، نوادي مثل «نادي الجولف». وعددا من الكافيتريات والمقاهي التي تقدم أجواء هادئة ومميزة.

    كما يحتوي على حدائق مخصصة للعائلات. ويحمل الطريق طابعًا تاريخيًا لوجود المعدية التي تربط ضفتي القناة، ويعد من أبرز رموز الجذب في المدينة. حيث يجمع بين الراحة، الجمال، والتاريخ.

    شارع السلطان حسين

    يعد من أقدم وأشهر شوارع مدينة الإسماعيلية، ويتميز بأصالته وتاريخه الممتد منذ فترة الاحتلال البريطاني. حيث كان من الشوارع الراقية التي سكنت فيها الطبقة الأرستقراطية والقيادات الأجنبية. يتمتع الشارع بتخطيط هندسي كلاسيكي، وتحيط به مبان تراثية ذات طابع أوروبي، يعود بعضها إلى أوائل القرن العشرين. ما يمنحه طابعًا معماريًا فريدًا.

    يقع الشارع بالقرب من وسط المدينة، ويحتضن العديد من المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم. ويعد نقطة ربط بين عدد من الأحياء الحيوية وميداني «شامبليون ومصطفى كامل». وهو مكان محبب للتنزه والمشي، ولا يزال يحتفظ برونقه القديم مع الطابع الحديث، ويعتبر من أهم رموز الهوية التاريخية والعمرانية في الإسماعيلية.

    جناين الملاحة

    في المنطقة نفسها، تقع واحدة من أجمل وأعرق معالم المدينة، وهي «جناين الملاحة»، التي تتميز بموقعها الفريد المطل على قناة السويس وبجوار «معدية نمرة 6». تمتد هذه الحدائق على مساحة خضراء واسعة تزينها الأشجار النادرة والنخيل الطويل، مما يضفي عليها طابعا من الهدوء والسحر الطبيعي.

    تعود هذه الحدائق إلى بدايات تأسيس المدينة، وكانت منذ عقود طويلة وجهة للراحة والاستجمام، خاصة في الأعياد والمناسبات مثل شم النسيم. وتبقى حتى اليوم مقصدا مفضلا للعائلات والزوار الباحثين عن جمال الطبيعة وسكينة المكان.

    حي الإفرنج

    تضم الإسماعيلية أيضا حي الإفرنج، وهو حي تاريخي تأسس بالتزامن مع حفر قناة السويس. وقد سمي بهذا الاسم لأنه كان مخصصا للأجانب العاملين في الشركة العالمية لحفر القناة.

    يضم الحي مباني قديمة على الطراز الأوروبي، وشوارع مرصوفة، وبعض الفنادق التاريخية التي لا تزال قائمة حتى اليوم. والسير فيه يشبه جولة في التاريخ الحديث لمصر خلال الحقبة الكولونيالية، حيث يروي تفاصيل حياة العمالة الأجنبية والطبقات الراقية في ذلك العصر.

    ويضم الحي مجموعة من المساجد والكنائس القديمة، أبرزها «الكنيسة الكاثوليكية»، مما يعكس التنوع الديني والثقافي الذي ميز المدينة منذ نشأتها.

    الإسماعيلية.. تجربة لا تنسى

    الإسماعيلية من المحافظات التي تستحق الزيارة لمن يرغب في الجمع بين عبق التاريخ وجمال الطبيعة. فهي تقدم تجربة متكاملة للزائر من خلال مواقعها الأثرية العريقة. ومعالمها الطبيعية الخلابة، وأجوائها الهادئة التي تضفي على الرحلة طابعًا مميزًا لا ينسى.

    وفي الختام، لا ننسى «المانجو» الفاكهة التي تشتهر بها الإسماعيلية. فإذا صادفت زيارتك موسمها، فأنت من سعداء الحظ، و«يا سعدك يا هناك»، وتذكر دائما: «الإسماعيلية وقت المغربية».

    اقرأ أيضا:

    شيخ عازفي السمسمية بالإسماعيلية: نحارب من أجل ألا تموت أصوات القنال

  • 14 عاما من الصمت.. متى يرى «متحف الموزاييك» بالإسكندرية النور؟

    14 عاما من الصمت.. متى يرى «متحف الموزاييك» بالإسكندرية النور؟

    عاد الحديث مجددا إلى الواجهة بإنشاء متحف متخصص بفن الموزاييك «الفسيفساء» بالإسكندرية، بعد مطالبات من متخصصين بضرورة استكمال المشروع المتوقف منذ قرابة 14 عاما.

    فكرة إنشاء متحف الموزاييك

    ترجع الدكتورة إيمان محسن شهاوي، مدير تسجيل وتوثيق متاحف الإسكندرية، فكرة إنشاء متحف لفن الفسيفساء إلى طرح سابق من قبل المجلس الأعلى للآثار ـ قبل إنشاء وزارة الآثار- نظرًا لأهمية هذا الفن. الذي يعود تاريخه للعصور القديمة وما زال يحظى باهتمام واسع. وأوضحت أن الإسكندرية تحديدا تتمتع بتاريخ خاص بها في هذا الفن. وكان الهدف من المتحف أن يضم القطع الأثرية المستخرجة من المدينة. بالإضافة إلى القطع النادرة الموجودة في جميع أنحاء مصر.

    وأضافت أن مشروع المتحف لا يزال مجرد فكرة لم تكتمل، حيث بدأت أولى خطواته في عام 2009 عندما خصصت له محافظة الإسكندرية قطعة أرض بمنطقة باب شرق، وسط المدينة. كما تم تخصيص نحو 200 مليون جنيه وقتها لبناء المتحف. وقد بدأ العمل بالفعل في العام ذاته. وكان من المخطط أن يشمل المتحف صالات عرض، ومنطقة خدمية، ومساحة مكشوفة للعروض أو الحفلات.

    وتابعت «شهاوي»: “توقفت الأعمال في أعقاب ثورة يناير 2011، وتم تنفيذ الأساسات الخرسانية وجزء من المنطقة الخدمية فقط. ومن ذلك الحين لم يستكمل المشروع. ولا أحد يعلم متى سيستأنف العمل. كما لا أعلم ما إذا تم صرف كامل المبلغ المخصص للمتحف أم لا”.

    متحف الموزاييك بالإسكندرية
    متحف الموزاييك بالإسكندرية
    أهمية متحف الموازييك

    وعن استكمال المشروع، قالت مدير تسجيل وتوثيق متاحف الإسكندرية: “من الضروري وجود رغبة حقيقية من القيادة السياسية لإنشاء المتحف، كما حدث مع المتحف اليوناني الروماني. نحن كمتخصصين يمكننا بسرعة إنجاز الدراسة العلمية اللازمة لوضع سيناريو العرض المتحفي. ويجب على المجلس الأعلى للآثار المطالبة بإدراج المتحف ضمن خطة تطوير المتاحف”.

    وأكدت أن هذا المتحف سيكون من أهم المتاحف النوعية في دول حوض البحر المتوسط، وليس في مصر فقط. نظرا للاهتمام المشترك بفن الفسيفساء في هذه الدول. ما يجعله عاملا مهما في التواصل السياحي والثقافي والعلمي.

    وأوضحت أن المتحف يُعد نقلة ثقافية كبرى لمصر عامة، ومدينة الإسكندرية على وجه الخصوص، وسيسهم في تعزيز التعاون مع الدول المعنية بهذا الفن. وتسليط الضوء على القطع الفريدة الموجودة في مصر. ولا سيما تلك ذات الطابع الخاص الذي تميزت به مدرسة الإسكندرية في العصر البطلمي.

    وأضافت «شهاوي» أن براعة المصريين في هذا الفن كانت سببا في استعارتهم للعمل بروما، عاصمة الإمبراطورية الرومانية، نظرا لإتقانهم الشديد. وأكدت وجود العديد من القطع الأثرية النادرة الجاهزة للعرض فور إنشاء المتحف، على الرغم من نقل بعض القطع إلى المتحف اليوناني الروماني عند افتتاحه. إلا أن هناك قطعا أخرى تم استخراجها من كوم الدكة ومن حفائر أثرية متعددة في الإسكندرية.

    فن الفسيفساء

    من جانبه، أوضح الدكتور محمد كشك، وكيل شؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، أن كلمة “الموزاييك” (mosaic) هي الترجمة الإنجليزية لفن الفسيفساء. وهذا الفن يعد أحد أهم وأقدم فنون التصوير. وتتكون أعمال الفسيفساء من عدد كبير من قطع الأحجار صغيرة الحجم، لتكَون بمجملها صورة تمثل مناظر طبيعية أو أشكال هندسية أو حيوانية.

    وأشار إلى أن هذا الفن استخدم منذ العصور السومرية، وازدهر في العصرين الروماني والبيزنطي. حيث تم إدخال خامات جديدة مثل الزجاج والفخار والمعادن والأصداف. وبلغ ذروته في القرنين الثالث والرابع الميلادي، حيث صورت به مشاهد من الحياة البحرية والطبيعة. وزينت به جدران وأرضيات المعابد والكنائس والقصور.

    فن يعكس شخصية الفنان

    وأضاف «كشك» أن فن الفسيفساء هو فن تلقائي فطري، يقدم لغة بصرية نلمس من خلالها شخصية الفنان، التي تأثرت حديثا بتعدد وسائل التعبير الفني والوسائط التكنولوجية التي أتاحت للفنان إمكانية تطبيق أفكاره التصميمية بسهولة. وهو ما أنتج أساليب أداء وتوجهات وأفكار جديدة، حافظ الفنان فيها على هويته ولعب فيها الرمز دوراً بارزاً بما له من قدرة على التعبير عن الأبعاد التاريخية التي يحملها الإبداع الشعبي. ونقل الخبرات الثقافية المتراكمة للمجتمع في إطار جمالي مرن يقبل التغير والتبدل وفق روح ومتطلبات الزمن. فهو في مجمله حالة تشكيلية تعبر عن فكرة محددة لمجموعة من المثيرات الثقافية والاجتماعية والسياسية، لها القدرة على التواصل مع عامة المجتمع.

    وتابع: “تذوق هذا النوع من الفنون هو تذوق شعبي بالأساس. إذ يشارك الجمهور الفنان في أفكاره ورؤيته. ولدى بعضهم القدرة على ممارسته بقدر مختلف. إذ يجد فيه ما يعبر عن بيئته ويخدم وظيفة العمل بشكل بنائي جمالي. تؤكدها مهارة الفنان ودقته في تنفيذ وإخراج العمل في صورته النهائية متفقا مع مفاهيم وتقاليد واتجاهات المجتمع”.

    مطالب باستكمال المتحف

    وفيما يتعلق بإنشاء متحف الموزاييك بالإسكندرية، أكد الدكتور محمد كشك أن وجود متحف متخصص في هذا الفن أمر مهم وضروري. خصوصا في مدينة ذات تراث عريق كالإسكندرية. وأضاف: “الفكرة جيدة، لكنها تحتاج إلى تطوير ورؤية إدارية متخصصة، مع توسيع دور المتحف ليشمل أنشطة ثقافية. وورش عمل لفن الفسيفساء بوصفه فنا تراثيا يمثل جزءا من حضارة دول البحر المتوسط”.

    ودعا إلى تنظيم برامج لدعم الحرف التراثية وزيادة الوعي المجتمعي بأهمية فن الفسيفساء. مشيرا إلى أن المتخصصين يسمعون عن مشروع المتحف منذ سنوات، لكن دون أن يكون له وجود فعلي أو نشاط ملموس.

    اقرأ أيضا:

    من تل بسطا إلى القراموص.. محافظة الشرقية تحتفي بتاريخها وتراثها من الإسكندرية

  • عندما يصبح الطرق على الحديد وسيلة للبقاء.. حكايات من قلب «تل الحدادين» في طنطا

    عندما يصبح الطرق على الحديد وسيلة للبقاء.. حكايات من قلب «تل الحدادين» في طنطا

    في جزء من الحي الثاني بمدينة طنطا، وقبل أن تطال الشوارع يد التطوير والحداثة، يقف «تل الحدادين» صامدًا أمام طرقات الزمن، كأثر حي ينبض بحكايات الصبر والأنين، مخلفًا تراثًا يصعب تكراره في ظل التحولات التي تشهدها المدينة.

    في جولتي بين شوارعه وطرقه، لم تخطئ أذني صوت التل العتيق، الذي تنبض به الورش، ويعتاد عليه أكثر من 3000 عامل يوميًا، من أبناء التل والوافدين للعمل فيه. كما أن الطرقات لم تكن ممهدة بشكل كافي للسير عليها، ما أوضح لي مدى معاناة أهل التل.

    في التل، ذاكرة من نار وحديد تمتد لأكثر من مائتي عام، ومساحة إنسانية أرهقها الزمن، وأهلها ما زالوا يعملون في هذه الشوارع الضيقة، يتوارثون المجال أبًا عن جدٍ منذ أسسها الحاج نادي السباعي والحاج حسين السباعي. ورغم الإرهاق البادي على وجوههم، إلا أنهم يقاومون حبهم وحاجتهم وما فرضته التقاليد عليهم.

    ورش الحدادة.. بيوت ثانية

    سرت في شوارع التل الضيقة، وشعرت أنني داخل حكاية قديمة مختلفة تمامًا عن حكايات طنطا التي عهدتها. لم أشعر أني غريبة على المكان، رغم علمي التام بأن يد الحداثة لم تطله قط. التقطت أنفي رائحة الدخان والفحم وصدأ الحديد وعرق الشقيانين، وكذلك رائحة القمامة التي تستقبلك بها المنطقة للأسف.

    وعندما سألت أحد الرواد عن هذه الرائحة، وماذا تفعل الحكومة حيالها، أجابني بأن الأهالي هم السبب، وأن الحكومة لا تتوانى عن إزالتها يوميا تقريبًا، لكنها تتزايد مع كل صباح، مما أزعج الباعة هنا بشكل لا يوصف.

    في أحد الورش، يجلس عم جميل، 65 عامًا، يمسك بيده مصحفًا يقرأ فيه وينتظر عودة الحركة إلى الشارع بعد إجازة عيد الأضحى. قال إنه لم يأخذ إجازة أصلًا، فهو يعتبر ورشته أهله وحياته، حتى وإن توقف فيها عن العمل أسبوعا.

    ورث جميل الورشة عن أبيه الحاج إسماعيل، ولم تغلق أبدًا إلا يوم وفاة والده، تنفيذا لوصيته، أما بقية وصاياه فكانت الحفاظ على صلاة الفجر، والعمل بالحديد المستعمل فقط، والوقوف بجانب عمال اليومية في ورش التل دون أن يبخل عليهم بتقديم المساعدة المادية أو المعنوية.

    الحديد.. لغة التل

    «الحديد هو اللغة التي أستطيع الحديث بها»، قالها يوسف، الشاب ذو الـ28 عامًا بقلبه، قبل أن ينطقها لسانه. يعمل في التل منذ كان في العاشرة من عمره، تضحك عيناه رغم التعب، ويربت على قطع الخردة كأنها جزء منه، لم يخل عالمه يوما من الحديد، حتى في بيته الصغير بشارع الجلاء، لكنه حزين لتراجع حركة البيع والشراء.

    يعزو يوسف هذا التراجع إلى غلاء أسعار الحديد، والقوانين التي فرضت على الأهالي عدم البناء إلا بتصاريح تأخذ شهورًا، ما تسبب في إغلاق بعض الورش لعجزها عن إنتاج ما يباع أو ما «يملي عين الشاري».

    في الورشة التي يعمل بها يوسف، لا يتمنى أبدًا أن تغلق حتى لو خلت من الزبائن، فصاحبها رجل طيب وقوي، وذكاءه يجعله يسوق لنفسه في المحافظات المجاورة، خاصة المنوفية، فأكثر رواده منها، وأحيانًا من البحيرة. أما داخل المحافظة فيعتبر خطا السنطة وزفتى من أهم خطوط التوريد.

    رجال التل لم يتغيروا كثيرًا، مثل التل نفسه. وجوههم السمراء المحروقة بالشمس، وملابسهم المتسخة بالرماد والعرق، تخبرك أنهم يعرفون قيمتهم، وأنهم باقون هنا باختيارهم، وكأنهم يقولون: “نحن من يشعلون النار لتسير الحياة، لا من يطفئونها”.

    المطرقة التي علمت أبناءها الشرف

    أهل تل الحدادين لا يرون مهنتهم مجرد صنعة. يقول أحمد لـ«باب مصر»: “الطرق على الحديد ليس مجرد صوت، بل بداية جديدة لليوم”، وهو ما علمه احترام لقمة العيش، وخوفه من فراغ البطالة.

    يؤكد بوجع دفين أن الزبائن باتوا يهجرون التل ويسمعهم في كل مرة يستنكرون غلاء الأسعار والرائحة الكريهة. هذا ما يقلقه في كل يوم: أن يقضي نهاره خارج هذا التل. أو أن تأتي عليه لحظة تخونه فيها صحته ولا يستطيع الحركة والعمل.

    التاريخ المنسي في قلب طنطا

    يقول الحاج عبد المهيمن لـ«باب مصر – بحري» إن تل الحدادين كان شاهدا على بداية صورة صناعية صغيرة في وسط الدلتا. فلم تكن المصانع الكبرى بنيت بعد. كان يصلح فيه كل شيء ويباع الحديد بالجديد، وتصنع أدوات الزراعة. وإصلاح عجلات العربات وقطع السيارات، واللحام، والخردة المختلفة، وحديد التسليح. وما كان يحفر على بوابات البيوت الحديدية من أسماء عائلاتها.

    ويؤكد أن التل كان مدرسة حرفية ثقيلة، خاصةً في الستينيات كما حكى له والده. كثير من الصنايعية الكبار في الإسكندرية والقاهرة ومدن الصعيد، بدأوا من هنا.

    ورش تل الحدادين
    ورش تل الحدادين
    بداية حكاية التل

    كانت المنطقة في بدايتها مجرد تجمع لورش الحدادة. استقر فيها الحدادون وصناع النحاس والنحاس الأصفر. وأسسوا ورشهم جنبا إلى جنب، لتظهر بعد ذلك معالم سوق كبير للخردة والحديد، أضيف إليه بيع الحديد الجديد.

    وكان أول من خط أساس ورشته في التل المعلم نادي السباعي، الذي بدأ بجمع الخردة من الشوارع وبيعها بأسعار زهيدة. إلى أن صار “معلم السوق” وكبيره، بحسب حديث مجدي راشد، أحد كبار السوق.

    يقع تل الحدادين في قلب طنطا، بالقرب من أسواقها الرئيسية التي تضم حلقة السمك، وحلقة القطن، وشارع الخضار. كما يقع خلف سوق الذهب، وضريح السيد البدوي، ومحطة القطار. هذا الموقع الاستراتيجي ساعده على الانتشار في جميع المحافظات، خاصة أنه السوق الوحيد في طنطا المتخصص في تصنيع الحديد وبيعه، بنوعيه الجديد والمستعمل.</p>

    وقد تميزت المنطقة منذ نشأتها بعمالها المهرة وتنوع المنتجات. حتى صنفت قطع الغيار التي تباع فيها ضمن أفضل قطع في الدلتا. واستمر التل في الازدهار حتى الربع الأخير من القرن العشرين. قبل أن يتراجع بسبب التحديات المتزايدة، وفي مقدمتها منافسة المنتجات المستوردة، بحسب شهادة الحاج عبد العزيز العتيبي لـ«باب مصر».

    حين يتحول التراث إلى مقاومة يومية

    اليوم، يقاوم سكان تل الحدادين كل يوم: يقاومون الإهمال، والتهميش، وغلاء الأسعار وإغلاق الورش. لكنهم يقاومون بأسلوب شاعري، يمثل حياتهم التي يعانون فيها ويصمدون بكل حب. يقاومون بالطرق! فكل مطرقة على الحديد تثبت وجودهم، تعلن صوتهم، وتؤكد حقهم وإصرارهم على البقاء. إنهم يقاومون بكل ما أُوتوا من إخلاص.

    وفي زمن يركض كل شيء نحو الربح السريع والتكنولوجيا، تجمد تل الحدادين وسط طنطا كأنه خارج الزمن. لكن الحياة فيه تعلمنا أن كل الصور، وإن بدأت بسيطة وتألقت، ستظل كما هي بسيطة.. لأنها حقيقية جدًا.

    اقرأ أيضا:

    في عيدها القومي| المنوفية كما يراها فنانوها: قصائد تتلى وقرى تحكي وثقافة لا تغيب

  • «يوم رجع الوطن لأهله».. حكاية الجلاء يرويها شاهد من قلب مدن القناة

    «يوم رجع الوطن لأهله».. حكاية الجلاء يرويها شاهد من قلب مدن القناة

    في يوم من أيام مصر التي لا تُنسى، لم تكن الشمس تشرق على معسكر بريطاني في قناة السويس، بل كانت تشرق على فجر جديد.. وطن يعود لأهله. كنت هناك، شاهدًا على اللحظة، حين طويت سبعون سنة من الاحتلال، ليس فقط بخروج آخر جندي بريطاني، بل بصوت زغاريد الأمهات، وبدمعة على خد أب فقد ابنه شهيدًا، وبضحكة طفل عاد بيته من التهجير.

    ومن قلب التل الكبير إلى شوارع بورسعيد، ومن كفر أحمد عبده حتى قسم شرطة الإسماعيلية، سنتعرف على القصة كما عاشها الكاتب والأديب السويسي «عزت المدبولي».

    الجنود يرقصون السامبا.. والاحتلال يودع

    من يصدق أن جنود الاحتلال غادروا وهم يرقصون؟ في معسكرات التل الكبير والإسماعيلية، لم تكن هناك بنادق في الأيدي، بل دفوف وصخب وضحك. تابع الجنود البريطانيون المفاوضات بشغف، وعندما أعلن الاتفاق، انطلقت الموسيقى، وعلت أصوات السامبا، وكأنهم يحتفلون بنهاية كابوسهم أيضًا.

    ويقول عزت المدبولي: “رأيت بعيني الأطفال الإنجليز يركضون بين الخيام، يلتقطون الصور، بينما أمهاتهم يشترين تذكارات من الأسواق المحلية، وكأنهم يودّعون بلادًا لم يشعروا فيها يومًا أنهم في بيتهم”.

    مواكب فرح.. ومدن تكتسي بالعلم المصري

    على الجانب الآخر، كانت الفرحة في السويس والإسماعيلية وبورسعيد لها طعم آخر.. طعم الانتصار. خرجت الجماهير في مواكب تهتف: “الحرية.. الاستقلال.. الجلاء!” عادت العائلات التي هجّرتها نيران الحرب، وعاد النور إلى بيوتٍ ظلت مظلمة لسنوات.

    امتلأت الأسواق، وازدانت الشرفات بالرايات، وفتح التجار محالهم بعد ركود طويل. شعرتُ أن الوطن نفسه تنفّس للمرة الأولى منذ عقود.

    قوات الاحتلال البريطاني في مصر
    قوات الاحتلال البريطاني في مصر
    كفر أحمد عبده.. حين قرر الاحتلال هدم الحيّ عن بكرة أبيه

    من المشاهد التي لا تنسى في ذاكرتي، صباح 8 ديسمبر 1951. يقول المدبولي: ” أمر الجنرال البريطاني “إرسكين” بهدم حيّ كفر أحمد عبده في السويس، الذي أصبح شوكة في حلق الاحتلال، ومسرحًا للعمليات الفدائية. كان الفدائيون يهاجمون الدوريات، ويفخخون المداخل، ويزرعون الخوف في قلوب الجنود”.

    حاصرت القوات الحي، وأجبرت سكانه على الخروج، ثم سوّته بالأرض. لكننا لم ننهزم.. بل اشتد عودنا. انتقلنا إلى كفر محمد سلامة، وواصلنا التخطيط والتنفيذ من جديد.

    معركة الإسماعيلية.. يوم صمد فيه رجال الشرطة حتى الشهادة

    لا يمكن الحديث عن الجلاء دون التوقف أمام يوم 25 يناير 1952. في صباح ذلك اليوم، حاصر الاحتلال قسم شرطة الإسماعيلية. وطالب رجال  الشرطة بالاستسلام، لكنهم رفضوا. قاتلوا حتى الرصاصة الأخيرة. استشهد كثير منهم، لكنهم حفروا أسماءهم في ذاكرة الوطن. وفي اليوم التالي، اشتعلت القاهرة بالغضب.. وكانت الشرارة التي سبقت الثورة.

    وحين جلس عبد الناصر على طاولة التفاوض، لم يكن يحمل بندقية، بل عناد شعب بأكمله. في 19 أكتوبر 1954، وقّع اتفاقية الجلاء مع اللورد “ستانسجيت”، لتدخل حيز التنفيذ في 18 يونيو 1956، وهو اليوم الذي أصبح عيد الجلاء الرسمي. والاتفاق لم يكن مجرّد ورقة.. كان ثمرة سنين من المقاومة، من ثورة عرابي لثورة 1919، ومن فدائيي القناة لأحلام الضباط الأحرار.

    الفدائيون.. أبطال لم تكتب أسماؤهم في الكتب

    لم يكن الفدائيون جنودًا نظاميين، بل طلابًا، وعمالاً، وفلاحين. محمد عفران في بورسعيد، ورفاقه في السويس، حفروا طريق الجلاء بأجسادهم. تحرّكوا في الظلام، خططوا ونفذوا، وسقط بعضهم شهداء دون أن يعرفهم أحد. هم من صنعوا الرأي العام العالمي، وجعلوا بقاء الاحتلال أمرا مستحيلاً.

    ورغم الاحتلال الذي بدأ عام 1882 بذريعة حماية المصالح، ورغم معاهدة 1936 التي سمحت ببقاء القوات البريطانية في القناة، لم يرضخ الشعب. وحتى بعد “الاستقلال الاسمي” عام 1922، لم تكن مصر حرة في قرارها. وكانت إنجلترا تعتبر القناة شريانًا لمستعمراتها.

    من التهديد إلى التحرير.. ثورة يوليو تغير المعادلة

    مع قيام ثورة 23 يوليو 1952، تغيّر كل شيء. أعلن الضباط الأحرار أن الجلاء هدف لا مساومة فيه. بدأت المفاوضات في يوليو 1954، واستمرت  وسط ضغوط ومناورات حتى تم التوصل إلى الاتفاق النهائي.

    هذا الاتفاق لم يكن نهاية فقط، بل كان بداية جديدة. فقد مهد لتأميم قناة السويس، ولهزيمة العدوان الثلاثي، ولحلم وطن لا يدار من الخارج.

    وبعد الجلاء، تسلمت القوات المسلحة المصرية المعسكرات، ورفضت عودة أي نظام يقصي المصريين. بدأت التعيينات الجديدة، لكن كثيرًا من الأجانب رفضوا العمل تحت إدارة مصرية. ورغم ذلك، صمّم الجيش على أن تكون المرحلة الجديدة “مصرية مئة بالمئة”، وبدأت إعادة توزيع الموارد والمنشآت لمصلحة الشعب.

    الجلاء.. ذكرى ليست كأي يوم

    الجلاء ليس فقط يوم خَرَج فيه محتل. هو يوم ولدت فيه مصر الجديدة. يوم استعدنا فيه كرامتنا. اليوم الذي أصبحت فيه “الحرية” فعلاً لا شعارًا. هو اليوم الذي قال فيه المصري للمحتل: “ارجع.. ده الوطن مش للبيع”.

    لا تزال ذكريات الجلاء تسكن وجداننا، نعلم أبناءنا أن الحرية لا تهدى، بل تُنتزع. وأن الكرامة أثمن من الحياة نفسها. وأن شعبا يصبر 74 عامًا على الاحتلال ثم ينتصر، هو شعب لا يقهر.

    أنا عزت المدبولي، من أبناء السويس. عشت تلك الأيام. لا أحكيها من كتاب.. بل من وجع، ومن فرح، ومن حلم تحقّق.

    اقرأ أيضا:

    «كما دخلوها أول مرة».. كيف قاوم فدائيو قناة السويس الاحتلال البريطاني؟

  • «كما دخلوها أول مرة».. كيف قاوم فدائيو قناة السويس الاحتلال البريطاني؟

    «كما دخلوها أول مرة».. كيف قاوم فدائيو قناة السويس الاحتلال البريطاني؟

    يُعد يوم الجلاء، الموافق 18 يونيو 1956، أحد أبرز المحطات الفارقة في التاريخ المصري الحديث، إذ يمثل نهاية حقبة طويلة من الاحتلال البريطاني الذي استمر أكثر من سبعة عقود، لم يكن هذا اليوم مجرد انسحاب لآخر جندي بريطاني من مصر، بل كان تتويجا لنضال شعبي ومقاومة ممتدة.

    ففي أغسطس من عام 1882، دخل الجيش الإنجليزي مدينتي بورسعيد والإسماعيلية عبر قناة السويس، بعد معركة الإسكندرية، وذلك لمواجهة جيش أحمد عرابي في معركة التل الكبير، تمهيدا لاحتلال بقية الأراضي المصرية ووضع البلاد تحت الحماية البريطانية.

    وقبل هذا التاريخ، قاد أحمد عرابي ثورة ضباط الجيش المصري ضد الخديوي توفيق، بسبب سماحه بالتدخل الأجنبي في شؤون البلاد. وفي كتابه “الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي”، يروي عبد الرحمن الرافعي كيف فكر عرابي في تعطيل الملاحة بقناة السويس خوفا من دخول الجيش الإنجليزي. لكنه تراجع بعدما استمع لنصيحة فرديناند دي لسبس، رئيس هيئة القناة وقتها.

    يوم الجلاء عن مصر

    بعد هذه الأحداث بـ74 عاما، وقعت مصر اتفاقية الجلاء 19 أكتوبر عام 1954م. وغادر آخر جندي بريطاني الأراضي المصرية في 18 يونيو 1956، من قاعدة منطقة قناة السويس، كما دخلوها أول مرة.

    وخلال الفترة ما بين أغسطس 1882 ويونيو 1956، برزت بطولات الفدائيين المصريين في مواجهة الاحتلال البريطاني. ودونت هذه البطولات في مذكرات ضباط بالجيش المصري وفدائيين وثقوا مقاومة المصريين عبر عقود الاحتلال.

    من بين هذه المذكرات ما كتبه الدكتور أحمد فهمي عبد القادر، الرئيس السابق لجمعية الإسماعيلية للتنمية الثقافية والاجتماعية، عن وقائع يوم 16 أكتوبر. حيث شهدت المدينة مظاهرات لطلبة مدرسة الإسماعيلية الثانوية وعمال المصانع، تحولت إلى اشتباكات مع جنود بريطانيين، وأُعلن لاحقا هذا اليوم عيدا قوميا للإسماعيلية.

    مذكرات كمال الدين رفعت 

    في مذكراته “حرب التحرير الوطنية بين إلغاء معاهدة 1936 واتفاقية 1954″، يسرد كمال الدين رفعت ما عايشه خلال مقاومة الاستعمار البريطاني. من تصريح 28 فبراير عام 1922 إلى اتفاقية 1936. وظهور تنظيم الضباط الأحرار، وميثاق منقباد، وعلاقته بالضباط الأحرار.

    تتطرق المذكرات أيضا إلى علاقة الملك فاروق بالنحاس باشا وحزب الوفد، خاصة في عام 1942. حيث شهد يوم 16 أكتوبر انطلاقة شرارة حرب التحرير الوطنية ضد الاحتلال البريطاني في منطقة قناة السويس. كما أشار إلى بطولات رجال الشرطة في 25 يناير عام 1952، وحريق القاهرة، وثورة يوليو 1952، وانتهاء باتفاقية الجلاء في 1956.

    سيرة فدائي قناة السويس: غريب تومي

    سلط كمال الدين رفعت الضوء في كتابه “حرب التحرير الوطنية” على سيرة غريب إبراهيم خضيري، الشهير بـ”غريب تومي” (1927 – 2010). وصفه كمال الدين بـ”الفدائي الصغير”. إذ كان في السادسة عشرة من عمره عندما جُند، وتمكن خلال 10 أيام متواصلة من اﻻستيلاء على ما يعادل حمولة 30 شاحنة ذخيرة من مخازن الإنجليز. ما أثار المخابرات البريطانية التي اعتقلته لاحقا وعذبته لاستجوابه. نال غريب شهرته نسبة إلى مسدس إنجليزي من نوع “توم جن”. حيث عرف بلقب “تومي”.

     شهادات غريب تومي

    في لقاء مع صحيفة الخليج الإماراتية المنشور في أغسطس 2006، تحدث غريب عن نشأته في حي المحطة الجديدة. حيث عمل والده موظفاً بسيطا في شركة قناة السويس. يقول: “كنت سعيد الحظ عندما ألحقني أبي بالدراسة في إحدى المدارس الفرنسية التي كانت مخصصة للأجانب فقط، فتلقيت تعليما متميزا وأتقنت اللغتين الإنجليزية والفرنسية. لكن والدي، رحمه الله، علمني منذ البداية أن هؤلاء الأجانب محتلون. وأنهم يجب أن يغادروا أرضنا مهما كلفنا الأمر”.

    صدام الاحتلال والطفولة

    يسترسل الفدائي غريب تومي في سرد ذكريات طفولته، مشيرا إلى تفوقه الدراسي في سن مبكرة، يقول إنه بلغ المرحلة النهائية من دراسته بتفوق لافت. ما دفع إدارة المدرسة الفرنسية لاختياره ضمن الطلاب المتفوقين المكرمين في حفل نهاية العام.

    ويحكي: “كانت تلك أول لحظة صدام بيني وبين الاحتلال، ممثلا في ناظر المدرسة مسيو مونيه، فرنسي الجنسية. وقفت في طابور المكرمين انتظر جائزتي. لكني فوجئت بأن الجوائز الموضوعة على ثلاث مناضد كانت عبارة عن صلبان ذهبية، وأطقم ملابس فاخرة، وبعض الهدايا العينية الأخرى. وعندما جاء دوري طلب مني ناظر المدرسة اختيار جائزة. وجدت نفسي في حيرة، لا يمكن أن أختار صليبا ذهبيا لأني مسلم. كما أنني لست عاريا كي تهديني المدرسة بعض الملابس، فاعتذرت عن قبول أي جائزة، ما أوغر صدر مدير المدرسة ضدي”.

    لم تنته المواجهة عند هذا الحد. فقد تضمن الحفل أيضا مباراة كرة قدم بين الطلاب المصريين وأبناء الجاليات الأجنبية. ويصفها تومي قائلا: “خضنا المباراة وكأنها معركة حقيقية، وكنت مصمما على الانتصار. سجلت هدفي الفوز. لكنني فوجئت بعد المباراة بناظر المدرسة يعاقبني، وأمرني بالركوع على ركبتي، ووضع تحت كل منهما حجرا صغيرا. حتى سال الدم من قدمي. عدت إلى البيت محطما نفسيا، وهناك لقنني أبي أول دروس الوطنية”.

    رفع العلم المصري على القلعة
    رفع العلم المصري على القلعة
    مذكرات اللورد كيلرن ودور الفدائيين

    تتزامن ذكريات تومي مع ما ورد في مذكرات اللورد كيلرن، المندوب السامي البريطاني في مصر (1934-1946)، التي أعدها تريفور أ.إيفانز. وترجمها الدكتور سامي أبو النور. توثق هذه المذكرات تفاصيل مفاوضات معاهدة 1936، التي أتاحت لبريطانيا تأمين قواعدها العسكرية في مصر خلال الحرب العالمية الثانية. ورغم ما نصت عليه المعاهدة من اعتراف شكلي باستقلال مصر. فإنها كرست فعليا استمرار الوجود العسكري البريطاني. خاصة في منطقة قناة السويس، ما أثار استياءً شعبيا واسعا.

    بين عامي 1945 و1951، تصاعدت العمليات الفدائية في مدن القناة الثلاث: الإسماعيلية، السويس، بورسعيد. ووفقا لإحصاءات وزارة الدفاع البريطاني (أرشيف العمليات الخارجية 1950-1956). أسفرت تلك العمليات عن مقتل أكثر من 500 جندي بريطاني، إضافة إلى مئات الشهداء من أبناء المقاومة.

    قناة السويس: من الاستغلال إلى السيادة

    بعد الجلاء، أصبحت قناة السويس أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري. تشير بيانات هيئة قناة السويس الرسمية إلى أن إيراداتها عام 1957 بلغت نحو 35 مليون دولار. بينما ارتفعت إلى 9.4 مليار دولار في العام المالي 2023/2024، وهو أعلى رقم مسجل في تاريخ القناة حتى الآن (هيئة قناة السويس).

    لعب القناة دورا محوريا في تعزيز الاحتياطي النقدي المصري وتوفير العملة الصعبة. وأسهمت بنحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد استُثمرت عوائدها في مشاريع قومية، أبرزها السد العالي، الذي تم تمويله بدعم سوفيتي بعد رفض الغرب تمويله.

    التحول العسكري والدبلوماسي: من التبعية إلى التوازن

    لم يكن الجلاء فقط انسحابًا عسكريًا، بل إعلانًا عن تحول كامل في توجهات السياسة الخارجية المصرية. فمع خروج القوات البريطانية، أعاد الرئيس جمال عبد الناصر هيكلة الجيش المصري. وأطلق برامج محلية لصناعة السلاح، وانفتح على المعسكر الشرقي في إطار تبنيه لسياسة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز.

    وقد لعبت مصر دروا رئيسيا في تأسيس حركة عدم الانحياز رسميًا بعد الجلاء بسنوات قليلة. لتكون أحد أقطاب العالم الثالث في مواجهة الاستقطاب الدولي بين المعسكرين الغربي والشرقي.

    لكن استعادة السيادة لم تمر دون مواجهة. ففي 26 يوليو 1956، أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس، ردا على سحب الغرب تمويل مشروع السد العالي. وقد أدى ذلك إلى العدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في محاولة فاشلة لإسقاط النظام الجديد واستعادة السيطرة على القناة. إلا أن الضغط الدولي، خصوصا الرفض السوفيتي، وضغوط الولايات المتحدة، إلى جانب الدعم العربي الشعبي، أجبر المعتدين على الانسحاب في نهاية المطاف.

    إعلان الحرية: مصر بلا احتلال

    في يونيو 1956، غادر آخر جندي بريطاني الأراضي المصرية، ليعلن عبد الناصر بعدها بأيام من الإسماعيلية قائلا: “لقد أصبحت مصر حرة حقيقية لأول مرة منذ احتلال الإنجليز”.  وقد اعتبرت هذه اللحظة، سواء في الإعلام المصري أو البريطاني، من أكثر الأحداث رمزية في تاريخ ما بعد الاستعمار.

    اقرأ أيضا:

     «حنيدق أم هنيديك؟».. أسطورة وَلي على عتبة الجسر

  • من تل بسطا إلى القراموص.. محافظة الشرقية تحتفي بتاريخها وتراثها من الإسكندرية

    من تل بسطا إلى القراموص.. محافظة الشرقية تحتفي بتاريخها وتراثها من الإسكندرية

    على مدار يومين متتاليين، نظم متحف الآثار التابع لقطاع التواصل الثقافي بمكتبة الإسكندرية الملتقى الثقافي السنوي الثامن «تراثنا الأثري.. رؤية للمستقبل»، وجاء هذا العام بعنوان: «محافظة الشرقية.. تراثها ومكانتها التاريخية»، وذلك بالتعاون مع الهيئة الإقليمية لتنشيط السياحة بمحافظة الشرقية.

    جلسات حوارية

    تضمن الملتقى عددا من الجلسات الحوارية التي ناقشت مواقع أثرية بارزة تمثل أهم مدن المحافظة. واستعرضت مكانتها الدينية والتاريخية على مر العصور. ومن مدينة تانيس تطرقت النقاشات إلى ممارسات إعادة  الاستخدام في جبانة الأسرة الحادية والعشرين. وملامح التحول في العصرين البطلمي والروماني في منطقتي تل بسطا وتانيس.

    كما شمل البرنامج محورا لقراءة تراث الشرقية من حيث الصناعات المتميزة والحرف اليدوية مثل صناعة البردي والنسيج وغيرها. بالإضافة إلى محور عن تأصيل الخيل، التي تشتهر بها المحافظة. وكذلك التراث القبطي ومسار العائلة المقدسة.

    تراث محافظة الشرقية

    افتتح الدكتور محمد سليمان، القائم بأعمال نائب مدير مكتبة الإسكندرية ورئيس قطاع التواصل الثقافي، معرضا للصور بالتعاون مع نادي كاميرا بالإسكندرية. تناول موقعي تل بسطا وصان الحجر (تانيس)، وذلك بمدخل المكتبة. كما افتتح معرضا للحرف التراثية والمنتجات اليدوية التي تميز محافظة الشرقية، وفن رسم البورتريه. بالتنسيق بين الهيئة الإقليمية لتنشيط السياحة بالشرقية ومؤسستي الفن والحياة والأسر المنتجة بساحة الحضارات.

    وأكدت الدكتورة رشا حسن رأفت، مدير الهيئة الإقليمية لتنشيط السياحة بمحافظة الشرقية في تصريح لموقع «باب مصر – بحري»، سعادتها بإقامة هذا الملتقى الثقافي عن محافظة الشرقية في مكتبة الإسكندرية، بوصفها منارة للعلم والثقافة.

    وأضافت: “حرصنا خلال التجهيز للملتقى على إظهار محافظة الشرقية بالكامل؛ آثارها وفنونها وحرفها اليدوية. بالإضافة إلى تخصيص ركن للترويج السياحي والتعريف بأهم معالم المدينة. مع تصميم ديكورات تعكس الحياة الريفية ببساطتها. بالإضافة إلى إنتاج مجموعة من الفيديوهات التعريفية بالتعاون مع المكتبة، سيتم نشرها لرفع الوعي الثقافي عن المحافظة”.

    الملتقى الثقافي السنوي الثامن
    الملتقى الثقافي السنوي الثامن
    الأماكن السياحية الطبيعية في الشرقية

    وتابعت «رأفت»: “سلطنا الضوء أيضا على الفنون التشكيلية من خلال إقامة ورش فنية قبل الملتقى لاختيار أبرز الأعمال الفنية المشاركة. وشارك في الملتقى عدد من الجهات، منها: مؤسسة الفن والحياة، ونقابة الفنانين التشكيليين، والأسر المنتجة، ووحدة أيادي مصر. وحرصنا على إبراز الفنون الحرفية المميزة في الشرقية. إلى جانب عرض مزيج من الأماكن الطبيعية والكنوز الأثرية”.

    وأشارت إلى عدد من المواقع الطبيعية في المحافظة مثل بركة النصر في الحسينية، التي تستقبل الطيور المهاجرة من أوروبا خلال الفترة من نوفمبر إلى مارس كل عام وسط طبيعة ريفية خلابة. وقرية القراموص التي تجسد نمط الحياة الريفية بكل تفاصيلها. وتعمل وزارة السياحة والهيئة العامة لتنشيط السياحة حاليا على تجهيزها لتكون أول موقع سياحي بيئي ريفي في مصر، ضمن رؤية 2030. يليها تجهيز منطقة المشهدي سياحيا لصناعة الفخار.

    هذا بالإضافة إلى مرابط الخيل، التي تعد من الأهم في مصر. وتحتضن ثلاثة أنواع من الخيول: خيول السباق، وخيول الجمال، وخيول تراث أدب الخيل، وتستقبل عددا كبيرا من الزوار.

    مسار العائلة المقدسة

    وأضافت رأفت: “أما المناطق الأثرية، فقد بدأنا مبدينة تانيس. حيث أطلقنا جولات تعريفية لها بعنوان “كنوز تانيس”، بالإضافة إلى تل بسطا، الذي يعد جزءا من مسار العائلة المقدسة. ويتميز بموقعه وأهميته الدينية. وقد وصفه المؤرخ هيرودوت بأنه من أجمل الأماكن التي مر بها”.

    وذكرت أن الشرقية كان لها السبق هذا العام 2025 في إطلاق المنتدى السياحي الدولي الأول لمسار العائلة المقدسة في مطلع يونيو الجاري. بحضور سفير الفاتيكان وممثلين من مختلف الطوائف. وبدعم من وزارة السياحة ورعاية الهيئة العامة لتنشيط السياحة، وقداسة البابا تواضروس الثاني. إلى جانب مشاركة جامعة الزقازيق والغرفة التجارية وغرفة اتحاد شركات السياحة.

    ومن أبرز التوجهات السياحة الجديدة في المحافظة، التحول نحو فكرة “الكامب” كبديل عن الفنادق التقليدية. بهدف معايشة السائح لطبيعة البيئة عن قرب. وقد نظمت جولة ميدانية في بداية الشهر الجاري بمشاركة 13 شركة سياحية كبرى لتقييم البرامج السياحية. ولاقت الفكرة ترحيبا كبيرا وجار توقيع بعض العقود السياحية.

    البردي والنسيج أبرز حرف الشرقية

    وعلى هامش الملتقى، أقيم معرض للمنتجات التراثية الفريدة بمحافظة الشرقية، شمل العرائس الخشبية، ومنتجات البردي، الذي يعد من أهم الحرف بالشرقية. حيث تحتضن قرية القراموص- الوحيدة في العالم التي تزرع وتنتج البردي. كما ضم المعرض صناعات مثل الكليم اليدوي، والفخار، والمنتجات الخشبية.

    وفي ثاني أيام الملتقى، انطلقت جولة ميدانية إلى محافظة الشرقية، شملت زيارة قرية القراموص لمتابعة مراحل زراعة وصناعة البردي التقليدية. بداية من الزراعة والتقطيع، مرورا بالضغط والتجفيف. وصولا إلى إنتاج ورق مزخرف يدويا، باستخدام الطرق التقليدية المعروفة منذ الحضارة المصرية القديمة.</p>

    كما شملت الزيارة موقع تل بسطا الأثري (Per‑Bastet)، أحد أبرز مراكز عبادة المعبودة “باستت”. حيث شاهد المشاركون بقايا المعابد القديمة، وتمثال الملكة مريت آمون. إلى جانب زيارة متحف تل بسطا الذي يضم مجموعة مميزة من القطع الأثرية المرتبطة بتاريخ الموقع.

    اقرأ أيضا:

    «دخلت مرة جنينة وما لقيتش الورود».. عندما تحكي الحشرات والشجر قصة الإنسان

  • في عيدها القومي| المنوفية كما يراها فنانوها: قصائد تتلى وقرى تحكي وثقافة لا تغيب

    في عيدها القومي| المنوفية كما يراها فنانوها: قصائد تتلى وقرى تحكي وثقافة لا تغيب

    في عيدها القومي الـ120، يحتفل «باب مصر» مع المنوفية بتاريخها المجيد، ويصغي إلى شهادات من عاشوا في قراها وأحبوها، ومن استلهموا من بيئتها أعمالهم الإبداعية من مسرح وشعر وقصص وروايات. هؤلاء الذين حملوا المنوفية في قلوبهم حتى بعد الرحيل عنها، يؤمنون بأن ثقافتها تنبع من كونها أرضا تنبض بالحكايات.

    في كل شبرٍ من أرضها حكاية، وعلى أسطح قراها هناك دائمًا روايات نابضة بالحنين عن بطولاتها وشجاعة أهلها وقوة صبرهم. فالمنوفية لا تسكن الخريطة فقط، بل تسكن القلوب، إذ يرويها أهلها بالذكريات والمواويل الجميلة، في ليالي الحصاد، وتفاصيل المدن، وعلى الأرض التي تحتضن الجميع بحبٍ وإخلاص.

    الحياة في قرى المنوفية

    تحدث الكاتب قطب حبيب، رئيس نادي الأدب المركزي بالمنوفية ورئيس نادي أدب قصر ثقافة شبين الكوم، عن حبه لقريته وقرى محافظته. فقد عشق “القرية الفرعونية” بمركز أشمون منذ انتقاله إليها في المرحلة الابتدائية. وأكثر ما لفت انتباهه فيها هو بساطتها وطبيعتها المختلفة.

    وأكد أنه شهد تحول القرية من جمودها وجهلها إلى رونق مختلف بفضل احتضانها للمهاجرين من مدن القناة خلال فترة التهجير من 1967 إلى 1973. وقد تجلى ذلك في الحياة اليومية، إذ اندمجت ثقافة أهالي بورسعيد- بما في ذلك من الصيد الانفتاح- مع خصوبة أرض أشمون وثقافة الزراعة.

    احتضان المهاجرين

    أشار حبيب في حديثه لـ«باب مصر – بحري» إلى أن هذه التجربة أثّرت في نشأته وطباعه، وعززت حبه للمنوفية. حيث ألف رواية «في قريتي مهاجرين» التي لاقت حفاوة واستقبالًا من الجمهور خاصةً من بورسعيد، وفيها عبر عن طبيعة الحياة بعد انتقال المهاجرين إلى قريته. وكيف اختلفت العادات مع الحفاظ على طابع أهل الأرض.

    واستعرض أيضا مظاهر الحياة الريفية في قريته، معتبرا أن ريف المنوفية أكثر ثراء من مدنها، ولها طابع تراثي مميز من العادات والتقاليد الأصيلة التي بالطبع اختلفت الآن. ولكنها لا زالت تحتفظ ببعض الأصالة، وما تحتفظ به الآن من صفات متوارثة مثل الكرم والشجاعة والبسالة في المواجهة والمصادقة والوفاء.

    واسترجع ذكرى حادثة دنشواي التي سمعها مرارا في طفولته. مؤكدا أن تكرار الرواية أضاف لكل مرة خيطا جديدا حتى اكتملت لديه الحكاية التي تكشف بسالة فلاحي المنوفية.

    مادة الإبداع في براح المنوفية

    أما الشاعر أحمد عايد، فاسترجع ذكريات طفولته في قرية “ميت الكرام” بمركز تلا، والتي أثرت في شخصيته وساهمت في ولعه بالشعر منذ صغره. فهو ولد في بيت أجداده لأمه وبين أخواله، إذ كان والده كثير السفر للعمل في البحر. ما أتاح له فرصة التلاقي العميق مع الأرض في صورتها البكر.

    وصف عايد بيت طفولته قائلًا: «كان أول بيت في القرية، يشبه السرايات، له بوابة حديدية، وفيها ممر يستظل بتكعيبة عنب. وعلى الجانبين توجد أشجار فواكه، ومن فوق سطحه أرى القرية كاملة في ضوء النهار. وفي المساء على وقع حكايات أخوالي، كما توجد تفريعة من الترعة قريبة منه».

    تشكيل الفكر والوجدان

    يؤكد عايد أن هذا البراح هو ما غذى روحه الشاعرة، فقد شكلت المساحة والهدوء والأفق والصمت وتيرة الحياة البطيئة أساسا لتأملاته وأفكاره. وهو ما لم يجده لاحقا في القرى الأخرى. وأشار في حديثه لـ«باب مصر» إلى أنه انتقل لاحقا إلى مدينة السويس، لكنه لا ينسى صوت الريف المنوفي أبدًا. حيث كانت بداياته التعليمية والثقافية في الكُتَّاب، الذي لم يكن مجرد مكان لتلقي العلم بل لتعلم أصول الأرض وعاداتها.

    واختتم حديثه قائلًا: «لا شك عندي أن ثقافة أخوالي وحبهم للأدب والثقافة والتطور وأكثر ساعد في تكوين الشاعر داخلي. وأن اللغة، التي سمعتها من القرآن في الكتاب وأشعار وخطب أخوالي، منحت للغتي أصالة. وفي روحي وقصائدي، مساحات كبيرة تنتمي للطفل الذي وُلد ونشأ في قرية ميت الكرام. قبل أن ينتقل إلى محافظة السويس حيث استقر».

    ساعة عصارى وقطن بلدنا.. تابلوهات الريف لفرقة المنوفية
    ساعة عصارى وقطن بلدنا.. تابلوهات الريف لفرقة المنوفية
    ثقافة أصيلة وحكايات لم تندثر

    فسر الشاعر أحمد الصعيدي حالة العشق التي تعتريه عند الحديث عن بلدته «الماي» التابعة لمركز شبين الكوم. تلك القرية التي اشتهرت بـ«فن العديد». وهو طقس جنائزي كانت تستأجر فيه المعددات، ويقترب من عرض مسرحي متكامل العناصر. حيث النص والإيقاعات والملابس والإضاءة والمكياج.

    ومن أبرز ذكرياته عن هذا الفن ما قاله: « كانت المعددة تجلس على ركبتيها، ترتدي هدمتها السوداء بالمقلوب، وتمسك طرفي طرحتها السوداء المشدودة على رقبتها. وقد دهنت وجهها بطين النيلة المأخوذ من طمي الترعة. وعلى الشجرة فوقها يتطوح الكلوب القديم نتيجة هواء الشتاء، فتروح وتجيء الإضاءة في صورة مفزعة. ومن حولها النساء يجلسن في دائرة ويكررن الفعل».

    وأكد الصعيدي أن هذه النشأة كان لها الأثر الكبير على عالمه الشعري والمسرحي. كما كانت ليالي الحصاد والغناء والحوادث الطريفة، وأغاني جمع القطن والياسمين وليالي المنشدين والراوي الشعبي وحكاياتها عن “موال زهران” و”حادثة دنشواي”. والتي ظل يردد بدايتها:«دنشواي حمامة بترفرف.. الإنجليز قطعوها بالحتة». لقد كانت المنوفية والموروث الثقافي بها وما زالت تمثل رقمًا كبيرًا في حياته الأدبية والفنية والعملية.

    في مدن المنوفية شيءٌ لا يموت

    يعشق المخرج المسرحي أحمد عباس مدينة شبين الكوم، ويعبر عن هذا الحب في كل محفل. فهو لا يفوته أن هذه المدينة هي التي خرجت عظماء سجلوا بصماتهم في التاريخ المصري. يحبها للحد الذي جعله يخرج لها فيلمًا مثل فيه مع حفيده.

    يروي في الفيلم قصة عشقه لهذه المدينة، وتحولاتها من الطابع القديم للحديث. مع تركيزه على أن تطويرها وحداثتها لا تنفي احتضانها للكثير من ذكرياته البسيطة مع أسرته، والتي أثرت حياته الإخراجية والإبداعية. وقال لـ«باب مصر»: “مسرح القصر كان شاهدًا على العديد من مسرحياته التي ركزت على إبراز الهوية الوطنية للمنوفية. والتأكيد على أصالة أهلها وتمركز الزراعة في صورتها النقية والخصبة فيها”. مشيرًا إلى أنه برغم عدم عودة المدينة إلى «أيام زمان» لكنها لا زالت جميلة جدًا.

    ويختتم عباس رؤيته قائلًا: «في شبين الكوم روح حلوة تدفعك للعودة مجددًا إليها كلما خرجت منها. تخبرك وقتها أنها جميلة وقادرة على إبهارك، وندائها لك من أجل وجودك. وهو ما يدعوه كل مرة للعودة إليها، وكأنه يعتبرها مدينته الفاضلة».

    الموروثات الثقافية كعلامة على الهوية

    أما الروائي والقاصّ حسين منصور، فيرى أن نشأة الإنسان لها أثر كبير في تكوينه. ويصف المنوفية بأنها مكان حي، وأهلها بحكم نشاطهم الزراعي يملكون مقومات البيئة الملهمة. حيث تتراكم الحكايات والمواويل وأمثال الأجداد.

    ويضيف أن تراث المنوفية كان له أثر واضح على كتابته القصصية. خاصةً الكتابات البكر؛ حيث ترد الأساطير وحكايات عن الجنيات وعرائس البحر. كما استلهم التراث الفرعوني لإنتاج قصص معاصرة تعبر عن رؤيته للواقع. واختتم حديثه قائلا: “المنوفية اختارت تاريخ حادثة دنشواي كيوم قومي لها. وهو اختيار موفق، ولو لم تختره، لاختارت تاريخ مقاومة أهالي قرية «غمرين» للحملة الفرنسية. حيث تصدى الأهالي لها معبرين عن رفضهم الاحتلال والاستضعاف ونهب أقوات الناس.

    الحب والحرب في المنوفية

    يقول الشاعر أحمد مرسال لـ«باب مصر – بحري» إن المنوفية تجلت في إبداعه العاميّ. فهي تبقى مكثفةً في قريته “شرانيس” بكل مفرداتها، مشيرا إلى أن تلك القرية الرائعة ما زالت باقيةً فيه، والحنين إليها لم ينقطع، فهي تختزل معاني الطفولة وخصوبة الذاكرة.

    ويؤكد مرسال أنه “منوفيته” تتجلى أيضا في مدينة “قويسنا”، مدينة الحلم لكل طفل للالتحاق بالتعليم الإعدادي بها. كما تبرز المنوفية في قيادتها لانتصاراتنا المدوية والعظيمة في السادس من أكتوبر، ويصفها بأنها أرض الزعماء والرؤساء. ويضيف أن المنوفية هي مجاذيبب سيدي خميس، واحتضانات سيدي الخضري في “شرانيس”. كما تتجذر في ذاكرته منذ نضالاتها المبكرة، وخاصة في 13 يونيو 1906م، حينما هبت قرية دنشواي ضد المحتل الإنجليزي.

    ويختتم حديثه مؤكدا أن المنوفية باقية، وبقاؤها جزء من بقاء مصر بكل مفاخرها الثقافية، التي كانت ميراث أبيه الذي ورثه عنه. هذا الميراث الذي ظهر في قصيدته الأخيرة «حتى إذا بلغت الحلقوم»، والتي كتبها بعد ما شهده هذا العام من قرارات مؤلمة بإغلاق بعض بيوت ومكتبات وقصور الثقافة. معتبرا إياها هجمة على روح مصر الثقافية.

    قصر ثقافة دنشواي
    قصر ثقافة دنشواي
    المنوفية.. ذاكرة وطن 

    في الثالث عشر يونيو من كل عام يحل العيد القومي للمحافظة، إذ لا يكون يومًا عابرًا على أهل المحافظة، فهم يحتفون بشجاعتهم في الوقوف أمام الإنجليز في معركة دنشواي عام 1906، حيث أدت الاشتباكات بين الضباط الإنجليز والفلاحين المصريين في دنشواي إلى مقتل عدد من المصريين بالنار، ما أدى إلى رد فعل أصعب من الإنجليز وتطور الأمر.

    وفي النهاية، تم عزل اللورد كرومر، صاحب السلطة البريطاني في مصر. وكتب الفلاحون في المنوفية سطور كرامة وعزة في سجلاتهم. وأصبحت المحافظة تحتفل به كل عام وقد تركت علامة على هذه الحادثة أيضًا في شعارها على هيئة نار من الجانبين.

    خريطة ثقافية مميزة

    المنوفية من المحافظات التي تنبض فيها الثقافة من كل حقل وبيت. في قراها ومدنها تنتشر الحكايات الشعبية، وتروى الأساطير، وتحفظ الحرف، ويورث الغناء والفلكلور الشعبي. وتتميز المحافظة بخريطة ثقافية متنوعة، حيث ينفرد كل مركز بطابع خاص.

    فمركزي منوف والباجور يتميزان بالصناعات الحرفية مثل الفخار والأشغال اليدوية والبيوت التراثية القديمة. وينفرد الباجوز بصناعة الأثاث الخشبي وزوايا المساجد. بينما يمتاز مركزي الشهداء وأشمون بالطابع الثقافي الديني القوي، الذي يضم عددًا من الأضرحة والمقامات الصوفية الشعبية. بالإضافة إلى التراث القروي والحكايات الشعبية.

    وتتركز الصناعات في مركزي قويسنا والسادات. حيث يتوسعان في الثقافة الصناعية باستمرار، مما يضيف لهم طابعًا تراثيًا بيئًيا مختلفًا وخاصًا. كما تنتشر في السادات عدة مراكز ثقافية ومكتبات تخدم محبي الثقافة. وتتمحور ثقافة مركزي بركة السبع وتلا في إحياء التراث الشعبي الفلاحي الأصيل، ويعرفان بمهرجانات الحصاد والاحتمالات الزراعية التقليدية في المواسم. وهما مسقط رأس بعض مشاهير الفن الشعبي. كما هناك جمعيات أهلية تهتم بإحياء الفن الشعبي الأصيل.

    ويهتم مركز سرس الليان بالأنشطة الثقافية المختلفة للأطفال والنشء. وتعقد فيه مسابقات أدبية كثيرة وفعاليات أدبية مستمرة بشكل دوري. فهو صغير في المساحة لكنه نشط ثقافيًا، ويوجد به قصر ثقافة. أما الحياة الثقافية الأصيلة فتتمركز في شبين الكوم. وهو مركز تجمع بين أهله والثقافات المتطورة مع دمجها بالتاريخ الأصلي للمدينة. ويوجد به قصر ثقافة بالإضافة إلى مكتبة مصر العامة، وهو العاصمة الإدارية والثقافية للمنوفية.

    رموز مبدعة

    في كل زاوية من المنوفية حكاية مختلفة تستحق أن تروى، وتفاصيل يكتبونها دومًا بإصرارهم على احتلال المراكز الأولى وأفضلها. فكانت قصور الثقافة علامة على هذا التنوع الثقافي، بشهادة مثقفيها وفنانيها في كل المحافل. فقصور الثقافة هناك تعلم الأطفال كيف يحرسون التراث وينمّون أنفسهم باستمرار.

    في عيدها القومي، لا تحتفل المنوفية بانتصاراتها السياسية فقط، بل تحتفي بتخريج مثقفين وأدباء وشعراء تحيي ذكراهم. فقد خرّجت رجال دولة ورؤساء مثل الرئيس محمد أنور السادات والرئيس حسني مبارك، وعلماء مثل الطبيب والأديب الدكتور مصطفى محمود، والشاعر إبراهيم عبد القادر المازني.

    كما خرجت عددًا من قراء القرآن الكريم منهم الشيح محمود علي البنا، والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، والشيخ شعبان الصياد. وممثلون وفنانون منهم ممدوح عبد العليم، وماجدة الخطيب، وسعيد صالح، وفاروق الفيشاوي، وتوفيق الدقن وصلاح ذو الفقار.

    تراث تاريخي مختلف

    تحتل المنوفية مكانة تاريخية عميقة أكسبتها شهرة تراثية. حيث اشتهرت في العصور الفرعونية باسم “باثنون”، وضمت مناطق أثرية كثيرة منها قويسنا وأشمون التي استخرج من باطنها تماثيل بأسماء ملوك محليين. كما تشتهر الكنائس والمساجد في عصور الدولة الإسلامية، والعائلة النقدية التي سكنت أرضها. مما جسد ملتقى للثقافات والأديان.

    وفي مشهد ثقافي حي، تقع في المنوفية عدة قصور ثقافة، منها قصر ثقافة شبين الكوم والباجور ودنشواي والسادات وسرس الليان. وأيضًا متاحف مختلفة مثل متحف السادات بميت الكوم الذي يحمل مقتنيات الرئيس الراحل، ومتحف دنشواي وهو عبارة عن ذاكرة بصرية للأحداث الواقعة في دنشواي.

    تستضيف هذه القصور والمتاحف أمسيات شعرية وأدبية، وحلقات نقاشية ومؤتمرات تراثية احتفاءً بالعيد القومي للمنوفية. هذا إلى جانب العروض المسرحية وعروض الفلكلور الشعبي الفلاحي الأصيل الذي تختص به المحافظة.

    توثيق القرى الفرعونية والرومانية

    كما تسعى المؤسسات الثقافية المحلية إلى تأسيس ورش تدريبية للأفراد من نسج السجاد الحريري والتطعيم بالصدف وتعليم الكروشية والتطريز. وتحمل قصور ثقافة الطفل هذه المسؤولية على عاتقها حتى لا ينسى تراث الأرض وهويتها. وفي جامعة المنوفية هناك عدة جهود لتوثيق القرى الفرعونية والرومانية بالمنوفية. كما تعد فيها دفاتر بحثية مكثفة من أجل نقل إرث المحافظة إلى الأجيال وحفظه.

    في النهاية؛ تستحضر المنوفية الروح الأصيلة للشعب المصري،.فعلى ضفاف النيل نشأت الحكايات وتجلت الأمنيات، وهي اليوم تحفظ التراث بكل ما أوتيت من قوة. صمود أهلها يتمركز حوله ازدهار الأرض نفسها. فتكون تراثًا دلتاويًا مختلفًا بجمع بين الحرف اليدوية والبيوت الزراعية وتجارب الموسيقى والسعر والغناء. إضافة إلى مواقع الموالد والطقوس الشعبية في الأعراس.

    اقرأ أيضا:

    «الطريق».. رحلة فلسفية تطرح تساؤلات الوجود

  • مش مجرد متحف.. «حكاية مدينة» يوثق تراث بورسعيد بقلب ناسها

    مش مجرد متحف.. «حكاية مدينة» يوثق تراث بورسعيد بقلب ناسها

    «حكاية مدينة» هو أول متحف تراثي يُقام في بورسعيد، ليحتضن ذاكرة المدينة الباسلة داخل جدران واحدة من أقدم عماراتها، بيت «لهيطة». وقد جاء تأسيس المتحف بمبادرة مجتمعية أطلقها عدد من المهتمين بالشأن الثقافي والتراثي، وعلى رأسهم الدكتور محمود فشارة والدكتور محمد شجر، اللذان كرّسا سنوات من حياتهما في جمع وتوثيق كل ما يتعلق بتاريخ بورسعيد العريق.

    متحف يروي ذاكرة بورسعيد

    يقع المتحف في عمارة “بيت لهيطة” بشارع فلسطين، أحد أقدم شوارع حي الشرق، الذي يعد من أرقى أحياء بورسعيد. ويطل الشارع على المجرى الملاحي لقناة السويس. ويضم مجموعة من أبرز المعالم السياحية والمعمارية ذات الطراز الفريد.

    وشهد حفل الافتتاح أجواءً فنية أصيلة على أنغام آلة السمسمية البورسعيدية. حيث قدّمت فرقتا “صوت البحر” و”صحبة” للفنون الشعبية باقة من الأغاني التراثية التي تعبّر عن الهوية الثقافية للمدينة الباسلة. وسط حضور عدد من القيادات التنفيذية والثقافية، والشخصيات العامة، والإعلاميين بالمحافظة.

    ذاكرة مدينة في صور ولوحات ومقتنيات نادرة

    يضم المتحف عدة أقسام تحكي محطات مهمة من تاريخ بورسعيد. من بينها قسم يوثق الحقبة الملكية من خلال الصور واللوحات. وآخر يبرز أعيان وباشاوات المدينة، وقسم مخصص لفترة العدوان الثلاثي عام 1956، وتفاصيل المقاومة الشعبية. إلى جانب توثيق وجود الجاليات الأجنبية مثل اليونانية والإيطالية. وزاوية خاصة لاحتفالات شم النسيم وعاداتها التراثية. بالإضافة إلى صور لعائلات وشخصيات بارزة من حي العرب.

    ولا يقتصر المتحف على كونه معرضًا ثابتًا، بل يمثل نشاطًا ثقافيًا تابعًا لنقابة العاملين بديوان عام محافظة بورسعيد. ويتم تنظيمه تحت إشراف النقابة وتنسيق مباشر معها.

    أكد الدكتور محمود فشارة أن المتحف أقيم بالكامل بجهود ذاتية. ويعد معرضًا دائمًا ستحدد له مواعيد أسبوعية للزيارة. وأوضح أن فكرة المتحف بدأت من شغف الدكتور محمد شجر بجمع الصور الأصلية والمقتنيات التراثية. حتى لقيا دعما من رئيس نقابة العاملين، الذي وفر لهما المكان ليكون مقرا لهذا النشاط الثقافي. وأشار إلى أن حلمهما يتمثل في توسيع المتحف ليصبح مشروعًا أكبر. يشارك فيه الهواة والمهتمون، ليغدو كيانًا شاملاً يليق بتاريخ بورسعيد.

    15 عامًا من التوثيق.. وتاريخ المدينة في سطور بصرية

    صرّح الدكتور محمد شجر، أحد مؤسسي المتحف، بأنه أمضى قرابة 15 عامًا في جمع المقتنيات والصور النادرة وتوثيق كل قطعة بأصلها. وقال لـ«باب مصر – بحري»: “بورسعيد تستحق كيانًا خاصًا يحكي بطولاتها وتراثها. هذه الخطوة مجرد بداية لمشروع أكبر بمشاركة جميع محبي المدينة الباسلة”.

    وأضاف أن تنفيذ المتحف استغرق 8 أشهر من العمل المتواصل صباحًا ومساءً حتى خرج بهذه الصورة التي تليق باسم بورسعيد. وأشار إلى أنه تم تقسيم المتحف إلى جزأين: الجزء الأول، يوثق الفترة من ما قبل عام 1956، مرورًا بالحقبة الملكية، وافتتاح القناة. وزيارات الملوك والباشاوات، حتى العدوان الثلاثي.

    أما الجزء الثاني، يسرد تاريخ المدينة بعد عام 1956، متناولًا بطولات أبنائها، ودور الجاليات الأجنبية. خاصة الإيطالية، في توسعة المدينة. إضافة إلى خريطة بورسعيد عام 1934، وحقبة الرئيس السادات، وإعلان المدينة منطقة حرة، وإعادة افتتاح قناة السويس في 5 يونيو 1975.

    حكايات لا تنتهي.. من “أم الفدائيين” إلى الكنائس والجاليات

    من أبرز القصص المعروضة في المتحف حكاية الحاجة نرجس الداوي، أو “أم الفدائيين”، التي اشتهرت بشجاعتها في إخفاء الفدائيين من جنود الاحتلال داخل منزلها في حي العرب. حيث كانوا يختبئون تحت الأريكة الخشبية- المعروفة بـ”الكراويتة”-بعيدا عن أعين الجنود الإنجليز.

    وقالت حفيدتها نرجس الشاعر، في لقاء خاص مع “باب مصر بحري” :”كانت جدتي تتسم بالجرأة والشهامة. وتم تكريمها من الرئيس جمال عبد الناصر، الذي تكفل بعلاجها وأهداها مكافأة مالية تقديرًا لبطولتها”.

    كما يحتوي المتحف على مقتنيات نادرة. مثل سفينة خشبية عمرها عن 100 عام، صنعت على يد أحد أفراد الجالية اليونانية لابنه، مع صورة للطفل بجوارها. إضافة إلى توثيق تاريخ كنائس بورسعيد وتعايش الطوائف الدينية فيها، بما يعكس تنوع النسيج الثقافي للمدينة.

    “حكاية مدينة”: جسر من الذاكرة بين الأجيال

    يبقى “حكاية مدينة” أكثر من مجرد معرض للتراث، فهو مرآة لذاكرة بورسعيد، ومبادرة لإحياء التاريخ وتوثيق الذاكرة الجماعية، كما يدعو أبناء المدينة للتفاعل والمشاركة، من أجل أن يظل ماضي بورسعيد حيًا في وجدان أجيالها القادمة.

    اقرأ أيضا:

    «قبة» قناة السويس.. من مقر التحركات إلى متحف قومي يحفظ ذاكرة الوطن

  • «دخلت مرة جنينة وما لقيتش الورود».. عندما تحكي الحشرات والشجر قصة الإنسان

    «دخلت مرة جنينة وما لقيتش الورود».. عندما تحكي الحشرات والشجر قصة الإنسان

    افتتحت وكالة «بهنا» بالإسكندرية، المعنية بفنون السينما والفنون المعاصرة والتعليم البديل، معرضا بعنوان: «دخلت مرة في جنينة.. وما لقيتش الورود». وتستمر فعاليات المعرض حتى يوم 23 يونيو 2025، من الساعة الحادية عشر صباحا وحتى الساعة السابعة مساءً، عدا يومي الثلاثاء والأربعاء من كل أسبوع.

    يُعد المعرض ختاما لبرنامج «زمالات بهنا 2025»، الذي انطلق في فبراير الماضي تحت عنوان: “لا حديث إلا ذلك الذي عن الطقس والأشجار”. وهو برنامج فني وبحثي ضم مجموعة من الفنانين والممارسين البصريين في رحلة جماعية من البحث والتجريب، استكشفت العلاقة مع ما هو “أكثر من بشري”، في زمنٍ يتشكل تحت وطأة التوحش العمراني والتحولات البيئية المتسارعة.

     لا حديث إلا ذلك الذي عن الطقس والأشجار

    عرض الفنانون المشاركون في البرنامج أعمالًا فنية تتقاطع مع حيوات غير بشرية مثل النباتات البرية، وسلوك الحيوانات والحشرات. وكائنات مرئية لكن مُهملة. وقد كشفوا، من خلال وسائط بصرية متنوعة، عن شبكات وجود نابضة تنمو في الظل وتؤثر علينا بعمق. حتى وإن لم تكن مرئية دائمًا.

    دعا الناقد علي العدوي، ميسر برنامج الزمالة “لا حديث إلا ذلك الذي عن الطقس والأشجار”، جمهور المعرض إلى الإنصات والتأمل. والتقمص العاطفي مع هذه الكائنات والأنظمة. وإعادة التفكير في موقع الإنسان ضمن محيط حيوي واسع تتقاطع فيه الحيوات وتتداخل الحساسيات. وأوضح أن عنوان المعرض مستوحى من أغنية أسمهان “دخلت مرة في جنينة” (1938) من كلمات عبد العزيز سلام وألحان مدحت عاصم. كاستعارة لغياب متخيل، وبحث حسي وشعوري عن جمال لا يزال يقاوم.

    شجرة الصفصاف

    أضاف “العدوي” أن من الفعاليات المصاحبة للمعرض لقاءً مفتوحا مع عمرو خيري حول شجرة الصفصاف. يتناول فيه علاقة المصريين بهذه الشجرة المعروفة أيضا بـ(أم الشعور) منذ التوسع في زراعتها في عهد محمد علي باشا. وحتى حضورها البارز في أدب وشعر الحداثة في الستينيات، كرمز للأصالة والرومانسية في الريف المصري. وأشار إلى أن هذا اللقاء محاولة لفهم الجوانب التي تشكّل التاريخ الاجتماعي لشجرة تعيش في وجدان الناس. ومن خلالها نعيد النظر في تاريخ مصر الحديث وعلاقته بتغيّر المناخ.

    الفنانون المشاركون بالمعرض

    ضم معرض “دخلت مرة في جنينة.. وما لقيتش الورود” مجموعة من الفنانين من خلفيات مختلفة. عبر كل منهم بطريقة فنية مختلفة عن الآخر، عن علاقة الإنسان بالكائنات من حوله، ومدى تأثيره في تدهور حال البيئة المحيطة.

    وفي تصريح خاص لـ«باب مصر» قال محمد عادل الدسوقي، أحد الفنانين المشاركين، إن مشاركته في برنامج الزمالة كان له تأثير وبُعد فلسفي. فقد أثارت اللقاءات الأسبوعية ومناقشة الكتب التي يطرحها ميسر البرنامج تفكير المشاركين في خبايا الطبيعة وتأثرها بالبشر. بعيدا عن الدراسة الأكاديمية والضوابط المحددة. وأكد أن البحث في الفن المعاصر وقراءة التاريخ شيء مهم جدا. مضيفا: “في ختام البرنامج، فكرنا سويًا في إقامة المعرض. وكل فنان عبر عن أفكاره بطريقته الخاصة”.

    فيديو الصولجان

    تابع “الدسوقي”: “كانت مشاركتي كانت من خلال فيديو بعنوان “الصولجان”، مدته لا تتجاوز ثلاث دقائق. بدأت فكرته عندما طلب ميسر برنامج كتابة نص تخيلي على لسان أحد الكائنات غير البشرية. فاخترت النمل الأبيض، نظرا لكونه يشكل أزمة في مدينتي، الإسكندرية.

    قرأت كثيرا عن هذا الكائن وتكوين أسرابه. ووجدت تشابها كبيرا بين المجتمعات البشرية ومجتمعات الحشرات. ثم ربطت النص الذي كتبته بنصوص قرآنية، ولكن من منظور غير مقدس. وتدور الفكرة المحورية للفيديو حول تساؤل: كيف يمكن أن تكون نهاية كائنات ضخمة مثل البشر على يد كائنات صغيرة جدا في الحجم مثل النمل؟”

    رسومات وصور فوتوغرافية

    شاركت نهال سلامة بمشروع عنوانه “مغلق للتطوير”، تضمن لوحات نفذتها بطباعة الحبر والرسم بالباستيل. ترمز فيها إلى تحول القاهرة إلى طرق شاسعة وغير إنسانية تضيق على ساكنيها. تساءلت نهال في أعمالها عن إمكانية المقاومة أثناء “تطوير” الحدائق، وأبرزت أدوارا للكائنات الأخرى مثل الشجر والنمل.

    وأشارت إلى أن برنامج الزمالة أثار لديها أفكارا وتساؤلات حول العلاقة بين الإنسان والكائنات الأخرى: من يؤثر على الآخر؟ من يستغل من؟ ومن هو الأهم، ومن أي منظور؟ هذه الأسئلة حفزت خيالها وغيرت نظرتها لمدينتها القاهرة. التي باتت تراها مدينة متوحشة تقل فيها ملامح الطبيعة، مع الانحسار المتسارع للمساحات الخضراء.

    الرفاق الصامتون

    أما سلمى حسب الله فشاركت بمجموعة صور فوتوغرافية تحت عنوان “الرفاق الصامتون”. وثقت فيها خمسة مسامير معدنية وشريحة طبية فضية من سبائك التيتانيوم. قالت سلمى إن هذه القطع تمثل جزءا من تجربة شخصية. حيث ساعدتها خلال إصابتها في 21 أكتوبر 2024، قبل أن تزال من كاحلها بعد التئام الجرح في مايو 2025.

    وأضافت: “انضمت هذه القطع إلى جسدي الجريح، دعمت العظام، وساندتني في رحلة التعافي. وأصبحت جزءا من ذاكرة الألم. لقد شاركتني هذه الأدوات رحلتي. فتحولت من مجرد أدوات إلى كائنات لها حضور ووفاء، حراس صامتون. فهل الأشياء صامتة حقا، أم أننا لم نتعلم لغتها بعد؟”

     عرض أدائي تفاعلي

    شارك هلال الإسكندراني بمشروع أدائي تفاعلي بعنوان “تكهّن”، قُدم خلال افتتاح المعرض. يستند العمل إلى قفزات شعورية وسردية بين الذاتي والعام، وبين الحسي والمجرد. يغوص العرض في طبقات الشعور بالذنب، والإنهاك، والتمرد، وفقدان المعنى. كاشفًا هشاشة التجربة البشرية في عالم يطالبنا دائما بالإنتاج، والتبربر، وإعادة تعريف ذواتنا باستمرار.

    استعان الإسكندراني بحيوات كلاب الشوارع وما يقابله من تحديات، منطلقا من عبارة صادمة: “الكلبات حبلاوت. وكل ما أستطيع التفكير فيه هو بشاعة رائحة الجراوي المتحللة في قيظ الصيف”.

    اقرأ أيضا:

    «الإيطاليون في مصر».. ما وراء الحنين وحكايات الاندماج والتعايش

  • «الطريق».. رحلة فلسفية تطرح تساؤلات الوجود

    «الطريق».. رحلة فلسفية تطرح تساؤلات الوجود

    «عاشق وصوتي في الفضا حايم.. طال الطريق وأنا غريق هايم» كانت هذه أولى الكلمات التي بدأ بها العرض المسرحي «الطريق» على مسرح المركز الثقافي بطنطا، معبرة عن جوهره باختصار، وعن أصل العلاقة بين المحبين في بعض الأحيان.

    جلست في «بنوار 7»، ومن أمامي مسرح المركز الثقافي، أركز في الإضاءة التي أدهشتني، وتُتلى على مسامعي ترانيم أشعار مسعود شومان، وتتأهب عيناي لظهور عناصر أكثر في العرض، حتى يزول الغموض واللبس.

    العرض المسرحي «الطريق»

    كانت المشاهد الأولى معبرة عن الحالة التي ينخرط فيها كل مجتمع لا يتفق على حاكمه، من محاولات السيطرة على الحكم، والوشاية بأعوان الحاكم، وترقب أخطائهم. وفي صورة موازية، برزت الألحان الصوفية وإتباع الطريقة كعنصر أساسي من عناصر المسرحية.

    يكشف العرض عن طبيعة علاقة الولي والسلطان، متشابكًا مع التيمة الثقافية الأبرز لمدينة طنطا. وهي تميزها بمسجد الولي السيد البدوي. فقد كشف العرض عن علاقة السيد البدوي بالسلطان الظاهر بيبرس، سلطان مصر والشام ورابع سلاطين الدولة المملوكية.

    السير في الطريق

    بدأ العرض بإلقاء أشعار صوفية من تأليف الشاعر مسعود شومان، مع إبراز مريدي الولي وتابعيه كملمح أساسي من ملامح “السير في الطريق”. وهم لا يحيدون عن طريقة الولي. وتلا هذا المشهد الرئيسي مشاهد اتفاق الخونة، ومحاولات الشيعة لخلخة حكم السلطان وإثارة المشكلات. وهو ما يعكس بالفعل الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر في تلك الفترة، وما بلغ السلطان لاحقا من أخبار هذه المؤامرات.

    حاول بيبرس تأكيد دعائم حكمه، ومحاسبة هؤلاء الخونة وصدهم، فاستشار أعوانه في الحكم. وتعددت الآراء بين المحارب بالسيف أو بالحكمة أو حتى بالدعاء؛ وهو ما اتجه إليه بيبرس في نهاية حياته، من خلال مناجاته السيد البدوي في المنام.

    السير في طريق الوهم

    ينتمي العرض المسرحي «الطريق» إلى التصنيف التاريخي -الاجتماعي- الصوفي، ويعبر عن الحالة التي يلتبس فيها التابع للطريقة الصوفية، ومناقشته للولي حتى يتم عليه علمه، ويمنحه المعرفة. حتى وإن لم يصل إلى أي إجابات، كما حدث تمامًا في الحوار الذي دار بين السلطان بيبرس والسيد البدوي.

    شعرت أن كل كلمة موجهة في العرض إليَّ، ليس كرسالة فقط أو نصيحة، بل كحالة شعورية انخرطت بها يوما ما مع نفسي. إذ أجابني العرض عن تساؤلات عدة دارت في خلدي: عن الحلم والواقع، وأيهما أكثر إنصافًا لي؟ عن الأفكار التي لم أزرها يومًا إلا في أحلامي. وأيضا نهاية طريق لا أدرى أكانت بدايته صحيحة أم لم تكن هناك بداية أصلًا؟ وماهية هذا الطريق. والطريقة التي تجعلني أسير فيه بهدوء، دون صدامات فكرية واسعة؟ عن العلاقات التي تتشكل حولي وتجذبني نحوها دون إرادة مني أو وعي؟

    إجابة على التساؤلات

    أجابني العرض عن كل تلك التساؤلات. وقدم لي رؤية وجودية مختلفة، لم أظن أن المسرح قادر على التعبير عنها يومًا بهذه البساطةٍ والجمال. عن كل تلك الأفكار التي تسكنني وتشككني أحيانا في وجود عالم موازٍ لما نعيشه في واقعنا.

    وفي اللحظات التي اختارت الأميرة عائشة زوجا للظاهر بيبرس من ابنة أعدائه، لأجل إمكانية التحالف. تيقنت أنه لا بد من تضافر الجهود دومًا للمصلحة العليا. لا سيما إن كانت مصلحة الوطن. مع عدم إغفال الجانب النفسي في هذه العلاقات المتشابكة، التي أبرزها الكاتب طارق عمار ببراعة في مؤلفته «الطريق».

    سيرة مستمرة في الوجدان المصري

    أكد الكاتب طارق عمار، مؤلف العرض، في حديثه لـ«باب مصر»، أن «الطريق» نص ينتمي إلى حد بعيد للمسرح التاريخي. حيث يستعرض واقعة تاريخية شهيرة، وهي الوقيعة التي حدثت بين العارف بالله «أحمد البدوي» والسلطان الظاهر بيبرس. وانتهت بتبرئة البدوي من تهمة محاولة استعادة الخلافة الفاطمية على حساب الدولة في ذلك الوقت.

    وأضاف أن النص هو نتاج جهد بحثي شاق استمر نحو عشر سنوات. وما لفت نظره إلى هذه الواقعة هو أنها حدثت بين شخصيتين متجذرتين في الوجدان الشعبي المصري، فبيبرس له سيرة شعبية تحمل اسمه. والبدوي يحتل مكانة روحية بارزة، بدليل الأعداد الغفيرة التي تحضر إلى مولده كل عام. وتأثيرهما ظاهرة جديرة بالتأمل.

    وأشار المؤلف إلى أن اللمسات الصوفية في العرض ضرورية، بحكم أن البدوي من كبار أقطاب التصوف في مصر والعالم الإسلامي. لكن الحالة الصوفية التي غلفت العرض، كانت نتيجة لاختيارات المخرج في تناول النص كعرض مسرحي. وتوظيفه للكوادر العاملة معه، كالأشعار التي صاغها بنفحة صوفية الشاعر مسعود شومان، ولحنها الموسيقار عبدلله رجال. بالإضافة إلى مجهود طاقم التمثيل.

    العرض المسرحي «الطريق»
    العرض المسرحي «الطريق»
    الطريق والطريقة

    وألمح قائلا: «العلاقة بسيطة بين ثنائية «الطريق والطريقة» في العرض. ما أرت قوله هو إن الدولة- أي دولة- لا يمكن أن تسير وتنمو وتحقق رفاهية شعبها دون عقل حاسم يستطيع مواجهة الأخطار في التوقيت وبالأسلوب المناسبين. لكن، في ذات الوقت، فإن الجانب الروحي هو غذاء الوجدان. ولكي تستقيم الأمور، يجب أن يمتزج العنصران معا لتحقيق حالة من التناغم بين العقل والروح».

    كما أوضح أن الطريق هو رحلة إنسانية داخل النفس، والنص قائم على تفكيك ما يعتري الشخصيات من حالات انفعالية متباينة تدفعها لاتخاذ قرارات حاسمة في توقيتات حاسمة. وتأثير تلك القرارات على الشخصيات الأخرى، والعكس.

    وفسر التحام الأشعار بالنص بقوله: “البنية الكلاسيكية للنص المسرحي لا تنطبق على نص «الطريق». والإحساس بأن العرض ذو طابع شعري، هو نتيجة حتمية لاستخدام البنية التعبيرية في الكتابة. سواء على مستوى البناء العام للنص المسرحي، أو على مستوى اللغة. وبالتالي، فإن اللغة كانت أكثر ميلاً لاستخدام المجاز منها للغة السرد التقليدي”.

    رحلة داخلية للنفس بوسيلة سوية

    كما عبر عن كتابته للشخصيات ومدى دلالتها على رموز لأفكار ومفاهيم. حيث إن كل شخصية تحمل رمزيتها الخاصة داخل الإطار التعبيري العام للعمل، وهو أمر محتم مع استخدام هذا المنهج في الكتابة. والرسالة التي يأمل إيصالها هي أن الإنسان هو صانع مصيره من خلال اختياراته الفردية الخالصة، وأن التناغم بين العقل والروح هو ما يمكن الإنسان من اتخاذ الخيار السليم في التوقيت المناسب.

    واختتم حديثه بالتعبير عن إيمانه العميق بالمسرح، قائلًا: «أنا مؤمن بأن المسرح قادر على فعل أي شيء. بما في ذلك طرح التساؤلات الوجودية في عصر يشوبه الكثير من انعدام اليقين والتشكك في كل شيء. بل إنه قادر على الوصول إلى إجابات شافية لمثل تلك التساؤلات».

    عرض فلسفي وتأملي

    يعرِّف المخرج المسرحي أسامة شفيق، مخرج العرض، «الطريق» بأنه عرض مسرحي فلسفي وتأملي، يتناول رحلة الإنسان في البحث عن المعنى والحقيقة. ويمزج بين الفلسفة والصوفية، ويطرح تساؤلات حول الوجود والإنسانية.

    ويوضح أن التحدي الأكبر الذي واجهه أثناء الإعداد للعرض، كان كيفية تقديم أفكار فلسفية معقدة بطريقة مبتكرة ومشوقة للجمهور. مع الحفاظ على عمق الفكرة والمعنى. ويضيف أنه تدخل بشكل كبير في إعادة بناء النص. دون المساس بالسياق الأصلي لكتابة طارق عمار، ليناسب الرؤية الإخراجية والتصميم المسرحي. بما يضمن انسجام العناصر وجعل العرض أكثر تأثيرًا وتماسًا مع الجمهور.

    كما يفسر ثنائية «الطريق والطريقة» التي وصف بها العمل، بأن الطريق يمثل الرحلة الداخلية للإنسان. بينما الطريقة تمثل الوسيلة أو النهج الذي يسلكه الإنسان في هذه الرحلة. موضحا أن العرض يطرح تساؤلات حول الطريق الصحيح والطريقة المثلى لتحقيق هدف سام من شأنه الرقي بالأمة.

    العرض المسرحي «الطريق»
    العرض المسرحي «الطريق»
    التأمل الصوفي والنقد لحالة الإنسان المعاصر

    أشار شفيق إلى أنه أراد أن يمتزج العرض بين التأمل الصوفي والنقد لحالة الإنسان المعاصر. حيث يبحث الإنسان عن المعنى في عالم سريع التغير. معللًا ذلك بأن العرض يقترب كثيرًا من مسرح الوجدان والمسرح الصوفي، كونه يخاطب الروح والعواطف، ويحفز الجمهور على التفكير العميق وإعادة تقييم مواقفهم الفكرية.

    واختتم حديثه مع «باب مصر» متمنيا أن يخرج المتلقي من العرض وهو يحمل أسئلة حول معنى الحياة والوجود. ودوره في فهم قضايا وطنه، مشيرا إلى أن مشروعه القادم سيتناول موضوعات مشابهة. وسيستكشف جوانب أخرى من التجربة الإنسانية.

    فريق العمل

    «الطريق» من تأليف: د. طارق عمار، وإخراج: أسامة شفيق، أشعار: د. مسعود شومان، موسيقى وألحان: عبد الله رجال، مخرج منفذ: حسن خليل، كريوجرافيا: أحمد جمال، سينوجرافيا: محمد محسن، تصميم إضاءة: أحمد راضي، مكياج: نسرين نصر.

    بطولة العرض

    يشارك في العرض عدد من أعضاء فرقة الغربية القومية المسرحية، منهم: سمير يوسف، محمد عبد العزيز، أحمد راضي، سمر مسعد، منار السيد، مارينا أمير، محمد جمعة، حسن عطية، أحمد الشريف، محمد السايس، محمد علاء، محمود قناوي، محمد هشام، ماجد صلاح، مصطفى فحل، ياسين أمجد، عبد الرحمن سمير، صلاح زكريا.

    وتضم هيئة الإخراج كلا من: هاني رمضان، مروة فريد، حنان عامر، ورامي الشناوي. العمل من إنتاج الإدارة العامة للمسرح برئاسة سمر الوزير، وبالتعاون مع إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي برئاسة أحمد درويش، وفرع ثقافة الغربية برئاسة وائل شاهين.

    اقرأ أيضا:

    «هدى سلطان».. صوت الغربية الدافئ الذي لم يغًب

باب مصر