باب مصر

التصنيف: بحرى

باب مصر بحرى

  • «استدامة التراث الثقافي بالإسكندرية».. ما هو مستقبل المتاحف في المجتمعات سريعة التغير؟

    «استدامة التراث الثقافي بالإسكندرية».. ما هو مستقبل المتاحف في المجتمعات سريعة التغير؟

    استمرارًا للاحتفال باليوم العالمي للمتاحف، نظم متحف الإسكندرية القومي ملتقى ثقافيا حول استدامة التراث الثقافي في المجتمعات من خلال المتاحف، تحت شعار «مستقبل المتاحف في المجتمعات سريعة التغيير»، وذلك تأكيدا لأهمية الحفاظ على الموروثات الثقافية واستدامتها.

    تحدثت المخرجة ومقدمة البرامج نسمة مدحت عن أصل وحكاية العديد من الجمل والكلمات والأمثال الشعبية الموروثة، التي نرددها حتى اليوم دون معرفة أصول كثير منها. ومن بين ما تناولته، حكاية تعبير «القرد في عين أمه غزال». الذي يعود أصله إلى حاكم مدينة قديمة أقام مسابقة جمال للحيوانات. تقدمت قردة وسط الحيوانات الجميلة وأصرت على جمال ابنها. فضحك الحاكم وقال: «القرد في عين أمه غزال».

    أصل وفصل الأمثال الشعبية

    شرحت “نسمة” أيضا تعبير “تيتي تيتي، زي ماروحتي، زي ماجيتي”. الذي تعود قصته إلى دودة طلبت منها أمها البحث عن طعامها بنفسها. خرجت ووجدت ثمرة جوز هند، أكلت منها حتى سمنت ولم تستطع الخروج. فبقيت بداخلها أياما دون طعام حتى ضعفت مرة أخرى وخرجت لأمها جائعة، وعند عودتها، قالت لها هذا التعبير.

    أما مثل “جه يكحلها عماها”، فيعود أصله، بحسب “نسمة”، إلى كلب أراد تقليد عيون القطط فكحل عينيه. لكنه فقأ عينه بمخالبه.

    وفيما يتعلق بـ”مسمار جحا”، فهو يرمز للدهاء. ويعود إلى قصة جحا الذي أراد بيع منزله واشترط على المشتري أن يحتفظ بمسار في الجدار ويأتي ليطمئن عليه باستمرار. ومع كثرة زياراته، غضب المشتري ويأس وترك له المنزل.أما شخصية “جحا” في التراث، فترمز إلى الشخص سريع البديهة وخفيف الظل، الذي يخرج من المواقف المختلفة.

    وتطرقت نسمة إلى بعض معاني الكلمات مثل:

    • “جاك أوه”: أي “جالك وجع”.
    •  “يابن الأيه”: “الأيه” تعني البقرة وكانت مقدسة في مصر القديمة.
    •  “معلش”: تعني “ما عليه شيء”، وكان يستخدمها القاضي قديما عند الحكم بالبراءة.
    •  “ياموكوس”: أصلها “تي  كوس”، وتعني “ادفن نفسك” في اللغة المصرية القديمة.
    •  “يا ما جاب الغراب لأمه”: حيث إن الغراب علميا يهتم بتجميع أشياء تعكس أشعة الشمس لا قيمة لها. وعندما تراها أمه تقول هذا المثل.
    •  أما “مراية الحب عامية”: فتعود علميا للمخ الذي لا يعمل على السلبيات في حالة الحب.
    السياحة الريفية وتعزيز الاستثمار في صعيد مصر

    تناولت داليا ساري، أخصائية بالهيئة العامة لتنشيط السياحة، موضوع السياحة الريفية وتعزيز الاستثمار في صعيد مصر، موضحة أن السياحة الريفية تشمل جميع الأنشطة السياحية التي تمارس في المناطق الريفية، ويقصد بالريف لغوياً الأراضي الخصبة المزروعة.

    وقالت إن هناك مشروعا يجري تنفيذه لإنشاء منصة إلكترونية لتنشيط السياحة الريفية، بالتعاون مع عدة وزارات. بهدف تعريف الجمهور المصري والأجنبي بالأماكن والنشاطات المختلفة التي تتم عبر السياحة الريفية. وأشارت إلى وجود العديد من الكنوز والأماكن الرائعة غير المعروفة في المحافظات، والتي تحتاج إلى اهتمام وتطوير.

    وأضافت أن مصر تمكنت خلال السنوات القليلة الماضية من إدراج أربع قرى ضمن قائمة أفضل القرى الريفية السياحية، وهي: غرب سهيل بمحافظة أسوان، وأبو الغصون (البحر الأحمر) في عام 2024. أما قريتي دهشور (الجيزة)، وسيوة (مرسى مطروح) فتم تصعيدهما عام 2023. هذا إلى جانب قريتين على قائمة الترقي وهما: قرية فوة (كفر الشيخ) عام 2021، وسانت كاترين (جنوب سيناء) عام 2023.

    التراث الثقافي المادي واللامادي

    اختتمت جهاد شوقي، منسقة التواصل المجتمعي والأنشطة الثقافية بإدارة الوعي الأثري بالأقصر، الملتقى الثقافي بجلسة حول التراث الثقافي اللامادي. بدأت بتعريف “المتحف” الصادر عام 2022، بأنه “مؤسسة دائمة غير هادفة للربح تعمل في خدمة المجتمع. وتبحث وتجمع وتحفظ وتفسر وتعرض التراث المادي واللامادي. وهي مؤسسة متاحة للجمهور، شاملة، تعزز الاستدامة والتنوع، وتوفر تجارب متنوعة للتعليم والاستمتاع والتأمل وتبادل المعرفة.

    وأوضحت أن التراث الثقافي اللامادي يتضمن التقاليد الشفهية، وفنون الأداء، والممارسات الاجتماعية، والطقوس، والأعياد، والمعارف والممارسات التي تخص الطبيعة والكون. إضافة إلى المهارات المتعلقة بالحرف التقليدية. وأكدت أن هذا التراث يتغير ويتطور باستمرار، ويزداد غنى مع كل جيل جديد.

    وتابعت شوقي: هناك العديد من مظاهر هذا التراث مهددة بسبب العولمة، ونقص الدعم والتقدير، ما يتطلب رعاية خاصة للحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال القادمة. واستعرضت دور “الموالد” كمكون ثقافي يتجاوز الطقوس الدينية، ليشمل أبعادا اجتماعية واقتصادية وروحية. ووفقا لإحصاء عن الجمعية المصرية للموروثات الشعبية، فإن عدد الموالد في مصر يبلغ حوالي 2850 مولدا، يحتفل بها المسلمون والأقباط.

    اقرأ أيضا:

    وداعا «عصمت داوستاشي»: فنان صوفي بملامح شعبية

  • «مولد عبد الله الغريب».. حكاية تمتد جذورها لأكثر من 100 عام في السويس

    «مولد عبد الله الغريب».. حكاية تمتد جذورها لأكثر من 100 عام في السويس

    في مدينة السويس، وتحديدًا عند مسجد عبد الله الغريب، الموجود في حي يطلق عليه أبناء المدينة اسم صاحب المسجد، يتجدد كل عام واحد من أعرق وأقدم الموالد الشعبية في مصر، مولد «عبد الله الغريب»، الذي يُعد مناسبة روحية واجتماعية وتراثية استثنائية تمتد جذورها لأكثر من مئة عام. أقيم المولد هذا العام، وشهد مشاركة واسعة من أكثر من 8 طرق صوفية، جاءت إلى المدينة برفقة الأتباع من مختلف محافظات الجمهورية، في مشهد مليء بالألوان والابتهالات والروحانية.

    الاحتفال بمولد عبد الله الغريب ليس مجرد طقس ديني، بل هو أيضًا تظاهرة شعبية وثقافية تبرز الكرم السويسي الأصيل. تمتلئ الساحات المحيطة بالمسجد بالزوار وأهالي المدينة الذين يحرصون على تقديم الطعام والمشروبات والحلويات مجانًا. في تقليد يعكس الروح المصرية الأصيلة في حسن الضيافة والتقدير لمن جاء يشاركهم هذا الحدث الجليل.

    مولد عبد الله الغريب طابع احتفالي وروح جماعية

    يبدأ المولد بتوافد أبناء الطرق الصوفية، يعقبه حلقات ذكر وابتهالات دينية تقودها الطرق الصوفية المشاركة. وتتحول الساحة إلى مسرح مفتوح للإنشاد الديني والمديح النبوي، وسط أجواء تملؤها الروحانيات ويعلو فيها صوت التسبيح والدعاء، وتتباري حلقات الإنشاد في تقديم أفضل المنشدين والمداحين ابتهاجا بهذا الحدث الفريد.

    وفي مشهد روحاني مهيب يعكس عمق التراث الصوفي في مصر، شهدت الليلة الختامية لمولد سيدي الغريب مشاركة متميزة للعديد من الطرق الصوفية. يتقدمهم مريدو الطريقة الجازولية الذين شاركوا بقوة في الابتهالات والمدائح، جنبًا إلى جنب مع الطريقة الرفاعية، والطريقة البيومية الأحمدية، وطريقة السادة السعدية من أبناء العارف بالله الشيخ زرزور، والطريقة البرهامية، وطريقة السادة الأحمدية المرزوقية.

    ليلة روحانية مهيبة في مولد الغريب بالسويس

    امتزجت أصوات الذكر والإنشاد مع أجواء المولد المليئة بالنور والإيمان، حيث صدحت حناجر المنشدين بأعذب القصائد في مدح الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وسط تفاعل جماهيري كبير من محبي التصوف الذين جاءوا من مختلف أنحاء الجمهورية.

    وكانت الطريقة الجازولية من أبرز الحاضرين، حيث قدّم مريدُوها لوحات روحانية من الابتهالات والمدائح، تحمل في طياتها عبق المدرسة الجازولية العريقة، المعروفة بتعمقها في مدارج المحبة والتجلي الصوفي. وأبهر المنشدون الحضور بأداء مميز اتسم بالخشوع والقوة، مما أضفى روحانية خاصة على الليلة الختامية.

    أما الطريقة الرفاعية، فقدمت عروضًا مميزة من حلقات الذكر الجماعي المصحوبة بالدفوف،فيما ظهر مريدو الطريقة البيومية الأحمدية بثوبهم المميز وأناشيدهم العذبة التي تمزج بين الذكر والمديح والحكمة، مما جذب أنظار الحضور وأشعل قلوبهم بحب الله ورسوله.

    دمج التراث الشعبي الصوفي في الإنشاد

    طريقة السادة السعدية، والتي يعود نسبها إلى العارف بالله الشيخ زرزور، شاركت بأداء قوي وعميق تميز بالتماسك بين المريدين، والالتزام بالورد السعدي المعروف في حلقاتهم. كما لفتت الطريقة البرهامية الأنظار بتنوع أساليبها في الإنشاد، وحرصها على دمج التراث الشعبي الصوفي في أداء مميز نال إعجاب الحضور.

    فيما أضاف مريدو السادة الأحمدية المرزوقية لمسة من الأصالة والوقار. حيث مزجوا بين الابتهال الفردي والجماعي، في تناغم شديد الروعة مع بقية الطرق. وتؤكد هذه الليلة الصوفية أن مولد الغريب بالسويس لم يعد مجرد مناسبة دينية تقليدية. بل تحول إلى ملتقى سنوي للطرق الصوفية في مصر، ومجالاً لإحياء التراث الروحي والثقافي الذي تزخر به البلاد.

    وسط هذه الأجواء، تتجلى معاني التسامح والمحبة والوحدة الروحية التي تجمع الطرق رغم تنوع مشاربها، ليظل التصوف المصري مدرسة فريدة في تربية النفوس وتهذيب الأرواح، عنوانها: “الحب طريقنا، والذكر زادنا، ومحبة النبي غايتنا”.

    تراث مستمر عبر السنين

    رغم مرور العقود والقرون، ما يزال مولد عبد الله الغريب محتفظًا بزخمه وأهميته. فهو ليس فقط ذكرى لاستشهاد بطل صوفي ومحارب شجاع، بل يمثل أيضًا لحظة سنوية لإحياء التراث الروحي والإنساني للسويس، وملتقى شعبيًا للصوفية في مصر.

    ولعل ما يجعل هذا المولد مميزًا عن غيره من الموالد، هو المزج الفريد بين الطابع الديني والاجتماعي، بين البُعد التاريخي والاحتفال الحي، وبين الماضي والحاضر، في مشهد يؤكد أن الذاكرة الشعبية في مصر لا تزال حيّة تنبض بالتاريخ والإيمان.

    من هو عبد الله الغريب؟

    صاحب المولد هو القائد المغربي أبو يوسف بن محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن عماد، والمعروف بـ”الغريب”، وقد اشتهر بالتقوى والزهد، وكان من رجال الفتوحات في القرن العاشر الميلادي، ارتبط اسمه بمدينة السويس حين كلّفه مؤسس الدولة الفاطمية، عبد المهدي، بقيادة حملة عسكرية للتصدي لهجمات القرامطة الذين هاجموا الحجاج المصريين في طريقهم إلى الأراضي المقدسة.

    وقاد الغريب الحملة من القاهرة مرورًا ببلبيس وصولًا إلى منطقة القلزم في السويس. حيث دارت معركة حاسمة انتهت باستشهاده ليلة الجمعة، 17 من ذي القعدة عام 320 هـ، الموافق لعام 936 ميلادية. وقد دفن في ذات المكان الذي يحمل اسمه اليوم، ليصبح مزارًا ومقامًا يرتاده الزوار طلبًا للبركة والتبرك بسيرته.

    ويُقام في مسجد سيدي الغريب كل عام مولد شعبي كبير، يعد من أقدم الموالد في السويس، ويحضره آلاف الزوار من مختلف المحافظات. تحتوي الاحتفالات على حلقات ذكر وإنشاد ديني. كما تنتشر الخيام التي تقدم الطعام والشراب مجانًا، في مشهد يعكس الكرم الشعبي والارتباط العميق بأولياء الله الصالحين. ويحرص أهالي المنطقة على استضافة الزوار في بيوتهم، تقديرًا لمجيئهم ومشاركتهم في هذا الحدث الروحي الكبير.

    الغريب.. المبعوث الفاطمي لمواجهة القرامطة

    تقول الروايات الشعبية إن عبد المهدي، مؤسس الدولة الفاطمية، حين علم بتكرار اعتداءات القرامطة على الحجيج وتهديدهم لأمن مصر والحرمين. أرسل أبا يوسف، الذي عرف فيما بعد بـ”الغريب”، على رأس حملة عسكرية من المغرب إلى مصر عام 936م. قاد الغريب جيشه من القاهرة مرورا ببلبيس، وصولا إلى منطقة القلزم (المعروفة حاليًا بطريق السويس). حيث التقى بالقرامطة في معركة شرسة. انتهت باستشهاده ليلة الجمعة، 17 من ذي القعدة عام 320 هـ.

    ودُفن الغريب في ذات المكان الذي سقط فيه، وهو ما أصبح لاحقًا المسجد والمقام المعروف اليوم. وكان برفقته في الحملة أربعة من مشايخ الصوفية: الشيخ عمر، الشيخ أبو النور، الشيخ حسين، والشيخ الجنيد، الذين دفنوا بجواره. ليصبح الضريح رمزًا للبطولة والإيمان معا.

    اكتشاف نادر: رسالة بجوار الجثمان

    خلال أعمال التطوير والترميم داخل الضريح، عثر فريق العمل على أحد أندر الاكتشافات المرتبطة بتاريخ المسجد. حيث وُجدت لفافة قديمة من الجلد محفوظة داخل تجويف بجوار جثمان سيدي الغريب. وبعد الرجوع إلى المتخصصين في الترميم واللغات القديمة. تم استخراج اللفافة بعناية فائقة. وتبين أنها رسالة مكتوبة باللغة الأمازيغية القديمة، ممزوجة ببعض العبارات العربية. ويعتقد أنها كتبت بخط يد عبد الله الغريب نفسه. أو أحد مرافقيه في الحملة العسكرية.

    ترجم الرسالة أساتذة متخصصون في اللغات القديمة من جامعة القاهرة، وكانت مفاجأتها كبيرة، إذ حملت وصية روحية من سيدي الغريب، يقول فيها: “إن كنتم وجدتموني، فأخبروا الناس أنني ما جئت إلا لأرفع الظلم عن الحجاج، وأمنح الأرض سلامًا، وإنني ما قصدت مصر إلا حبًا في الله، وامتثالًا لأمره. لا تذكروني بالبكاء، بل اذكروني بالدعاء، وواصلوا طريق الحق، فالدين لله، والوطن للجميع”.

    هذا الاكتشاف الفريد أضفى قيمة روحية وتاريخية إضافية على المسجد والمقام، وجعل كثيرًا من أهالي السويس يشعرون بأن الغريب لا يزال حيًا في قلوبهم، وأنه ترك لهم رسالة تستمر في حملها الأجيال.

    أثر الرسالة على أهل السويس

    أحدثت الرسالة صدى واسعًا بين أهالي السويس، الذين رأوا فيها دليلًا على صدق نية الغريب وكرامته. بل وزادت من محبتهم وتقديرهم له. تحوّلت الرسالة إلى جزء من الروايات الشعبية التي تُروى في ليالي المولد. كما طُبعت منها نسخ على لوحات في مدخل المسجد لتكون مفتوحة أمام الزوّار.

    ولم يكن مقام الغريب مكانًا دينيًا فقط، بل تحوّل إلى مزارٍ روحي وثقافي. خاصةً لحجاج بيت الله الحرام، الذين كانوا يتبركون به أثناء مرورهم من السويس. وكان يوجد بئر داخل المقام يُعرف بـ”بئر الغريب”، يشرب منه الزوّار وأهل المدينة. وكان يعتبر من مصادر المياه الأساسية قبل إنشاء ترعة الإسماعيلية، التي تمد السويس بالمياه العذبة.

    ومن القصص الشعبية المتداولة عن كرامات سيدي الغريب، ما حدث خلال حرب أكتوبر 1973. عندما حاصر العدو الإسرائيلي مدينة السويس وقطع عنها المياه بوقف تدفق ترعة الإسماعيلية. تقول الراويات إن بئر سيدي الغريب تفجر بالماء وسقى السكان. مما جعل البعض يعتبره كرامة من كرامات الولي الصالح، وإشارة لعنايته بأهل السويس في أصعب لحظاتهم.

    اقرأ أيضا:

    «متحف السويس القومي».. كنوز تُجسد عبقرية المصري القديم

  • ملف| «متحف آثار طنطا».. هنا حكايات التاريخ تُروى في صمتٍ

    ملف| «متحف آثار طنطا».. هنا حكايات التاريخ تُروى في صمتٍ

    هل جربت يومًا أن تغرد داخل السرب باختلاف؟ أن تتخلص من أفكارك القلقة عبر تأمل جميل لماضٍ عتيق؟ أن تعبِّر عن حبك لوطنك بتفردك في حب الأشياء التي يضمها: متاحفه، آثاره، قدماؤه، بيوته الأثرية ومبانيه؟ ربما حان الوقت لنأخذك معنا في رحلة لأهم متحف إقليمي في الدلتا؛ يضمك بين طرقاته وأضوائه الخافتة والزاهية في آنٍ معا، لتتعلم معه الركض عبر الزمن ببساطة، وتخشع لماضٍ يخرجك من قسوة الحاضر؛ إنه «متحف آثار طنطا» بمحافظة الغربية.

    في اليوم العالمي للمتاحف، قررنا أن نبرز جمالا من نوعٍ خاص في متحف آثار طنطا، فهو يدعوك للتأمل بمجرد أن تطل عليك واجهته، حيث يقع بجوار كلية التربية – جامعة طنطا، تحديدًا عند تقاطع شارعي البحر ومحب. يضم المتحف ثلاثة طوابق للمعروضات الأثرية، وطابقين لهيئة الإدارة والأمن.

    متحف آثار طنطا يبرز جمال الدلتا

    يجذبك الطابق الأول بحديث معروضاته الأنيقة عن المعبود “حابي” إله النيل والفيضان في مصر القديمة. حيث يضم تماثيل ولوحة تعريفية تبرز دوره في حياة المصريين القدماء. كذلك تطالعك لوحة للسيدة العذراء وتراتيل مسيحية. وفي المنتصف خريطة المواقع الأثرية في مصر تعطيك نبذة عن جمال التراث المصري القديم والحديث. كما يدخلك جو الطابق في روح العصر الحجري رغم أنها تنتمي للعصر المتأخر، فقد نحتت التماثيل من الجرانيت كما شهدت البرديات المكتشفة معها.

    يعكس الطابق الثاني خصوصية منطقة الدلتا. حيث يضم قطعا أثرية من مناطق متعددة، من تل الفراعين في دسوق (كفر الشيخ) إلى منطقة قويسنا (المنوفية). كما يعرض آثارا من صا الحجر (الغربية)، على بعد 7 كيلومترات من مدينة بسيون، وتضم ثلاثة تماثيل لـ”إيزيس أفروديت”، آلهة الحب والجمال، المصنوعة من البرونز وتعود للعصر اليوناني.

    كما تأخذ التماثيل الأخرى المعروضة الطابع الجنائزي، وهو طابع خاص بمنطقة صا الحجر، التي احتفظت بأهميتها التاريخية بعد سقوط سياستها القوية على يد الرومان. في الطابق أيضًا عرض لتماثيل من منطقة صان الحجر بمركز الحسينية (الشرقية)، التي كانت مركزا مهما في الأسرتين 21 و22، واهتم بها الملك رمسيس الثاني حتى أنه شيد بها معبدا لآمون.

    وتضم الفتارين المعروضة أدوات زينة للملكات، أواني تطهير برونزية،  وعقودا ومرايا وأواني من مختلف الأشكال والأحجام. أما قرية “بهبيت الحجارة” (سمنود – الغربية)، فعرضت منها أحجار من الجرانيت الوردي منقوشة بنقوش دقيقة تظهر عظمة الفن المصري.

    تحنيط الحكايات داخل متحف آثار طنطا

    في الطابق الثالث، أدركت أن من يتأمل تاريخ مصر لا يدرك عظمته إلا من خلال رؤية آثاره، رغم أن بعض التماثيل متكسرة، فإن جمالها يكمن في نقصانها، كتمثال فيلسوف يوناني، وأدوات طهي ومائدة من الدولة الحديثة، ومراكب خشبية دقيقة الصنع.

    وفي زاوية مع ضوء خافت، كانت هناك مومياء حقيقية لطفل، وتابوت مرسوم عليه عيون مصرية ساحرة، وأدوات تحنيط تثير الفضول عن سر تخليد الأجساد كما خلدت الحضارات. أكد لي المشرف أن كثيرا من هذه الآثار اكتشفت خصيصا لهذا المتحف.

    ويضم الطابق أيضا نماذج لمهن مارسها المصريون: من الكتابة والزخرفة الإسلامية، إلى فن الغزل وتجميع الفخار، وكذلك تماثيل المصارعة، ومقتنيات من العقود والخواتم، وأدوات الخياطة، وقميص منسوج لطفل، وعملات متنوعة استخدمها المصريون القدماء في تجارتهم.

    دهشة ومرارة للغياب

    رغم انتهاء جولتي، لم ينته إحساسي بعبقرية المكان. التقيت بزوار، منهم عزة محمد، 19 عامًا، التي قالت إنها لم تكن تعلم بوجود متحف آثار في طنطا حتى أخبرتها صديقتها بعد الامتحان. وأضافت: “رأيته كلوحة ضخمة رسمت بإتقان لتاريخ مصر، شعرت بقداسة في تفاصيله”.

    أما رؤيا خالد، 25 عامًا، أكدت أن جولتها كانت رائعة، وأشادت بتعاون العاملين لكنها أعربت عن حزنها لقلة الزوار، مشيرة إلى أن المشكلة ليست في إدارة المتحف، بل في قلة وعي الناس بجماله وأهميته.

    لم يكن غريبًا عليَّ الشعور بالقداسة، تماما كما شعرت عزة، فقد أحسست بها هناك، بين زوايا المتحف التي كشفت لي جوانب مجهولة من تاريخ هذه الأرض العظيمة. جولتي، التي بدأت بقطع تذكرة قيمتها عشرين جنيها للفرد العادي، وعشرة جنيهات للطلاب، لم تقف عند حدود التأمل داخل المتحف فقط، بل امتدت لاكتشاف محيطه الخارجي. حيث يمتزج القديم بالحديث في تناغم يليق بمدينة مثل طنطا.

    المتحف الذي يطل على شارع محب لم يتوانَ عن هدفه النبيل يومًا وهو تثقيف الزوار وطمأنتهم أنه ثمة معالم لا تبتلعها العاصمة في جوفها كما تبتلع جماهير الأقاليم. هذه الجدران لا تزال قادرة على بث الثقة في الأرض وجذورها الأصيلة. إن طنطا عاصمة الدلتا قديمًا وحديثًا، ولا تيأس في جذب الكثير من الزوار لها، حتى ولو كان المتحف متغيبًا عن الظهور إعلاميًا.

    برتوكول تعاون لزيارة المتحف

    تقول “م.ح” إحدى المسؤولات بالمتحف: «في الدراسة تكثر الزيارات المدرسية والرحلات ضمن بروتوكول مبرم بين الوزارات لزيارة المتحف. الذي يضم أكثر من 500 قطعة أثرية موجودة كما هي منذ اكتشافها. ولأن طنطا تعد عاصمة الأقاليم في الدلتا. فقد عرض المتحف آثارًا من الأقاليم المجاورة مثل آثار تل الفراعين وقويسنا وصان الحجر».

    أما أحد حرَّاس المتحف، فيقول إنه أصبح المتحف بيتًا ثانيًا له، يدخله من بوابة سحرية. ويتأكد له هذا المعنى في نفسه عندما يستقبل الكثير من الأجانب الذين يأتون خصيصًا لزيارة مسجد السيد البدوي. فهم عندما يدخلون المتحف يندهشون بمعالمه وجوه الرائع. رغم أنه يشبه في تقديري مقتنيات من متاحف مكتبة الإسكندرية إلا أنه يتفرد بعبقرية وخصوصية شديدة عنه.

    نهاية الرحلة

    في النهاية؛ كانت جولتي شغوفة داخل المتحف. قابلت حيًا تارخيًا عتيقًا يمشي على أطرافه، صامت، جليل. تأملت الوجوه القديمة المنحوتة داخل قوالب الجرانيت المختلفة. وسمعت أصواتًا تناديني تحكي لي عن الحب والحرب والقتال والكتابة والغزل في تاريخ مصر. ورغم أن قلة الزوار أعيتني، فإن روح المتحف تنبض بحنين لا يشيخ، يكفي أن تنظر إلى عيون التماثيل ولو كانت مكسورة لتتأكد من بريق لم ولن تفقده الحضارة المصرية.

    هذا المتحف هو ذاكرة دلتاوية خالدة، تحتضنها طنطا في أعماقها، تناديك أروقته مع كل خطوة: هنا التاريخ.. هنا حضارة أعوام لا عدد لها.

    في اليوم العالمي للمتاحف، بينما يحتفل العالم بالآثار، نحن نؤكد لك: لا تعرض عن تأمل حضارتك وتاريخك وماضيك في كل منطقة تعيشها.

    اقرأ أيضا:

    «متحف السويس القومي».. كنوز تُجسد عبقرية المصري القديم

    من أعماق البحر إلى صفحات العلم.. قصة معهد علوم البحار ومتحفه العريق بالسويس

    «متحف النصر للفن الحديث».. ذاكرة بورسعيد في لوحات ومنحوتات

    «متحف قناة السويس».. تاريخ من سخرة الحفر إلى إرادة التأميم والتطوير

  • «متحف النصر للفن الحديث».. ذاكرة بورسعيد في لوحات ومنحوتات

    «متحف النصر للفن الحديث».. ذاكرة بورسعيد في لوحات ومنحوتات

    في قلب مدينة بورسعيد، تلك المدينة المصرية التي جسدت على مدار عقود صورة الصمود والبطولة، يقف متحف «النصر للفن الحديث» كواحد من أهم منارات الثقافة والفن التشكيلي في مصر. إنه ليس مجرد متحف اعتيادي، بل صرح ثقافي وتاريخي ينبض بروح أبناء بورسعيد، يحكي بطولاتهم، وينقش ذكرياتهم في لوحات ومنحوتات، ليظل شاهداً على عبقرية المكان والزمان.

    ويقع «متحف النصر للفن الحديث» في حي الشرق أحد، أرقى أحياء بورسعيد، بشارع 23 يوليو، تحديداً أسفل “مسلة الشهداء” التي تُخلّد ذكرى شهداء المدينة الباسلة.

    افتتاح متحف النصر للفن للحديث

    افتتح المتحف رسميًا في 25 ديسمبر 1995، ضمن احتفالات بورسعيد بعيدها القومي الذي يوافق 23 ديسمبر من كل عام، تكريما لصمود المدينة وأهلها. وذلك في عهد اللواء فخر الدين خالد، محافظ بورسعيد الأسبق، والدكتور فاروق حسني، وزير الثقافة حينها.

    وتعود فكرة إنشاء المتحف إلى اقتراح قدمه الفنان التشكيلي البورسعيدي عاطف زرمبة، لمحافظ بورسعيد. وقد تولى زرمبه نفسه إدارة المتحف آنذاك لعدة سنوات.

    تحف فنية ووثائق مقاومة تحكي قصة بورسعيد

    يضم المتحف 119 عملًا فنيًا نادراً لأشهر رواد الفن التشكيلي المصري، من نحو 100 فنان، منهم: فاروق حسني، أحمد نوار، السيد عبده سليم، مصطفى مهدي، مديحة متولي، وغيرهم من كبار الفنانين.

    وتتنوع هذه الأعمال بين النحت، والتصوير، والجرافيك، والخزف، والرسم، حيث تسلط الضوء على موضوعات قومية ووطنية أبرزها المقاومة، الحرب، والسلام.

    كيف تطور متحف النصر للفن الحديث؟

    شهد المتحف عام 2014 تطويراً شاملاً، بإضافة قاعة معارض متغيرة تستضيف معارض لفناني بورسعيد في مختلف الفنون البصرية، وذلك بحضور وزير الثقافة حينها الدكتور صابر عرب، ومحافظ بورسعيد اللواء مصطفى عبد اللطيف.

    وفي عام 2017، أضيف جزء ديوراما يستعرض تاريخ بورسعيد منذ نشأتها، مرورا بأعمال حفر قناة السويس، ومراحل النضال خلال العدوان الثلاثي 1956، وحرب الاستنزاف، وحرب أكتوبر 1973. إضافة إلى ركن خاص بالمشروعات القومية التي تمت على أرض بورسعيد، وزيارات الرئيس عبد الفتاح السيسي للمحافظة. وكان ذلك في عهد اللواء عادل الغضبان، محافظ بورسعيد السابق، وحلمي نمنم وزير الثقافة.

    كما يضم المتحف تماثيل لشخصيات أيقونية من المقاومة الشعبية، مثل زينب الكفراوي، ومحمد مهران، والسيد عسران، وأبطال عمليات اختطاف الضابط البريطاني “أنتوني مورهاوس”.

    أنشطة ثقافية وإبداعية متواصلة

    لا يقتصر “دور متحف النصر للفن الحديث” على عرض الأعمال الفنية فقط. بل يساهم في تنشيط الحياة الثقافية ببورسعيد. من خلال تنظيم ورش فنية للأطفال والشباب، وندوات فنية وثقافية، وأمسيات موسيقية، تواكب المناسبات القومية والوطنية. وقد كان المتحف يستضيف معارض لفناني بورسعيد تحت رعاية القطاع الثقافي، دون أي تكلفة على الفنان، وعمل الدعاية اللازمة للمعرض. لمدة تتراوح من أسبوعين إلى شهر.

    وحاليًا، يواصل المتحف رسالته المجتمعية من خلال ورش إبداعية فنية في مجالات متنوعة مثل: الرسم، الخيامية، النحت، الخط العربي، والفن العربي، يتم تنظيمها شهريا. مما يجعله منصة فريدة لرعاية المواهب الفنية ببورسعيد. هذا إلى جانب الندوات الفنية والتثقيفية في كل المناسبات القومية. سواء على مستوى الجمهورية أو المناسبات الخاصة ببورسعيد.

    مواعيد الزيارة والدخول المجاني

    يفتح المتحف أبوابه للزوار  يوميا من الساعة 9 صباحًا حتى 4 عصرًا. ويتيح الدخول المجاني للجمهور أيام الجمعة، والسبت، والأحد، في إطار دعم نشر الثقافة والفن بين المواطنين. فيما تكون الزيارة برسوم رمزية في بقية أيام الأسبوع.

    وتسعى وزارة الثقافة المصرية إلى تطوير المتحف مجددًا خلال الفترة القادمة. مع الحفاظ على طابعه التراثي وقيمته الفنية والتاريخية، التي تمثل جزءاً من ذاكرة الوطن.

    خطط تطوير مستقبلية للحفاظ على التراث

    التقى «باب مصر – بحري» بالمؤرخ البورسعيدي المهندس محمد بيوض، الذي أكد أن متحف النصر للفن الحديث يعد صرحا ثقافيا وتراثيا. وتعود فكرته إلى ما بعد افتتاح “مسلة الشهداء” عام 1957. حيث صدر قرار باستغلال المساحة أسفل المسلة لإنشاء متحف قومي يحكي تاريخ المدينة الباسلة.

    وأوضح “بيوض” أن المتحف ظل سنوات دون تطوير، حتى اقترح الفنان التشكيلي عاطف زرمبة تحويله إلى معرض فني مخصص للوحات وأقسام الفن التشكيلي. وتم افتتاحه رسميا في 1995م. وأضاف أن متحف النصر للفن الحديث يختلف عن المتحف الحربي، الذي يهتم بالمعلومات والمقتنيات العسكرية. ولكن الأول معني بالتراث والفن وتوثيق تاريخ بورسعيد.

    واختتم المؤرخ البورسعيدي حديثه بدعوة زوار بورسعيد من المحافظات الأخرى. خاصة المهتمين بالشأن الثقافي والفني، إلى وضع “متحف النصر للفن الحديث” ضمن برنامجهم السياحي. فهو يعتبر منارة ثقافية تستحق الزيارة والتعرف على تاريخ وتراث المدينة الباسلة.

    اقرأ أيضا:

    «متحف السويس القومي».. كنوز تُجسد عبقرية المصري القديم

    من أعماق البحر إلى صفحات العلم.. قصة معهد علوم البحار ومتحفه العريق بالسويس

    «متحف قناة السويس».. تاريخ من سخرة الحفر إلى إرادة التأميم والتطوير

    ملف| «متحف آثار طنطا».. هنا حكايات التاريخ تُروى في صمتٍ

  • «متحف قناة السويس».. تاريخ من سخرة الحفر إلى إرادة التأميم والتطوير

    «متحف قناة السويس».. تاريخ من سخرة الحفر إلى إرادة التأميم والتطوير

    في قاعتين متتاليتين بمتحف قناة السويس، ينتصب تمثالان متقابلان أحدهما للدبلوماسي الفرنسي فرديناند ديليسبس، والآخر للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وهو يرفع يده بورقة تحمل نص خطابه الذي أعلن فيه تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية. والمفارقة أن كلمة سر عملية التأميم كانت “ديليسبس”، لتبدأ مرحلة الإدارة المصرية للقناة من نفس المبني الذي أصبح اليوم متحف يعرض تاريخها منذ عهد المصريين القدماء.

    ويتاح المتحف حاليا للزيارة ضمن التشغيل التجريبي قبل الافتتاح الرسمي، وقد زاره بالفعل أكثر من 45 ألف زائر حتى  كتابة هذه السطور، وفقا للموقع الرسمي للمتحف، من بينهم الملك السابق أحمد فؤاد الثاني، خلال زيارته السنوية لمصر، بحسب الصفحة الرسمية للمتحف على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

    مقتنيات متحف قناة السويس

    يتيح الموقع الرسمي لمتحف قناة السويس عرضا تقديميا من خلال كتيب يلخص مقتنيات قاعات العرض.

    وبجانب الأهمية التاريخية للمقتنيات، يتمتع المبنى نفسه بأهمية خاصة. إذ يرجع تاريخ إنشائه إلى عام 1862، كمقر إداري للشركة العالمية لقناة السويس البحرية، ومسكن لوكيل الشركة الأعلى في مصر، رئيس الأشغال  فرانسوا فيليب فوازان بك. وبجوار المبنى تقع فيلا سكن فرديناند ديلسبس.

    وتطور المبنى عبر توسعات أعوام 1906 و1911 و1920 و1924 و1946، وظل مقرا لإدارة قناة السويس بعد التأميم عام 1956. حتى انتقلت الإدارة إلى مبنى الإرشاد بمدينة الإسماعيلية منتصف الستينات. ثم تحول المبنى في عام 1978 إلى مقر للحزب الوطني الديمقراطي، قبل أن تعود ملكيته إلى هيئة قناة السويس عقب ثورة يناير 2011. وقد صدر قرار مشترك بين وزارة الثقافة وهيئة القناة بتحويل المبنى إلى متحف لتاريخ قناة السويس.

    متحف قناة السويس.. طراز معماري مميز

    أُدرج المبني ضمن سجلات المباني ذات الطراز المعماري المميز، وسجل ضمن الآثار الإسلامية والقبطية بقرار عام 2004، ويجمع تصميمه بين الطابع العربي والإسلامي والأوروبي، بطراز بناء المستعمرات الأوروبية في إفريقيا وآسيا، بشرفاته ونوافذه الكبيرة. ويتكون، بحسب وصف الموقع الرسمي للمتحف، من بدورم، ودور أرضي، وطابق أول علوي مغطى بمظلات خشبية تحيط بالمبنى، محمولة على أعمدة خشبية، ويغطيها أسقف خشبية مائلة مغطاة بالقرميد.

    العرض المتحفي

    بحسب بيان تعريفي لهيئة قناة السويس، توثق المقتنيات فترات زمنية مختلفة، بدءا فكرة حفر القناة الأولى في عهد “سيزوستريس”، وحتى حفل الافتتاح الأسطوري في 1869، وتأميم القناة، وعمليات التطوير وتوسعة المجري الملاحي، وصولا إلى مشروع قناة السويس الجديدة وافتتاحها عام 2015، والمشروعات المرتبطة بها.

    وتعرض قاعات المتحف مقتنيات أصلية لرؤساء قناة السويس السابقين، ووثائق الحفر، ومخاطبات رسمية، وإهداءات من مؤسسات دولية مثل” جمعية أصدقاء ديليسبس” الفرنسية، بالإضافة إلى نموذج السفينة الملكية التي استقبلتها الإمبراطورة “أوجيني” والخديوي إسماعيل وفرديناند ديليسبس في افتتاح القناة.

    ويتبع المتحف “استراحة ديليسبس” التي تضم غرفة نومه الأصلية، وما زالت تحتفظ بوضعها الأصلي ممن ورق الحائط والستائر الأصلية بعد ترميمها.

    ترميم متحف قناة السويس 

    كون المبنى مسجلا كأثر تاريخي، خضع لعملية ترميم دقيقة. حيث تعاملت لجنة الترميم بوزارة الآثار مع كل عنصر داخلي باعتباره قطعة أثرية. شملت الأعمال ترميم واستبدال 274 عمودًا خشبيا بنفس الشكل والمقاسات الأصلية. والحفاظ على الزخارف والحليات والألوان، وترميم 114 بابا، و175 شباكا، وحليات وعقود خشبية.

    كما شمل العمل استبدال وترميم التالف من القرميد الذي يغطي الأسطح بمساحة 6 ألاف متر مربع. وتخفيض عدد القاعات من 145 غرفة إلى 85 قاعة عرض.

    وشملت عملية الترميم أيضا عزل الأنفاق الأرضية أسفل المتحف، والحفاظ على الحوائط والأسقف. وتدعيم العناصر الإنشائية، وأعمال الشبكات الأرضية، والري والصرف الصحي، مع إزالة المباني المستحدثة والإنشاءات الجديدة.

    اقرأ أيضا:

    «متحف السويس القومي».. كنوز تُجسد عبقرية المصري القديم

    من أعماق البحر إلى صفحات العلم.. قصة معهد علوم البحار ومتحفه العريق بالسويس

    «متحف النصر للفن الحديث».. ذاكرة بورسعيد في لوحات ومنحوتات

    ملف| «متحف آثار طنطا».. هنا حكايات التاريخ تُروى في صمتٍ

  • «متحف السويس القومي».. كنوز تُجسد عبقرية المصري القديم

    «متحف السويس القومي».. كنوز تُجسد عبقرية المصري القديم

    «متحف السويس القومي» من أهم المعالم الأثرية والثقافية في مصر، إذ يضم مجموعة متنوعة ومميزة من القطع الأثرية التي تعكس ثراء الحضارة المصرية القديمة وتطورها عبر العصور المختلفة. من أبرز معروضات المتحف تمثال الملك سنوسرت الثالث، ونموذج لمركب الملكة حتشبسوت، فضلًا عن أدوات التجميل التي تجسد تفاصيل الحياة اليومية للمصريين القدماء. هنا نستعرض أهم معروضات المتحف وقيمتها التاريخية والثقافية.

    يقع المتحف في مدينة السويس، ويتميز بحديقته المتحفية التي تحتوي على حوضين مائيين يربط بينهما مجرى مائي يمثل قناة السويس. في الحوض الأكبر يرسو نموذج لمركب الملكة حتشبسوت، التي أمرت بإبحاره في البحر الأحمر للتبادل التجاري مع بلاد بونت. يبلغ طول هذا المركب 20 مترًا، وعرضه 5 أمتار، ويعكس مهارة المصريين القدماء في بناء السفن.

    افتتاح متحف السويس القومي

    يضم المتحف عدة قاعات متميزة، منها “قاعة قناة السويس” التي تعرض العربة الملكية التي شاركت في افتتاح القناة عام 1869. وتعكس أهمية القناة في التاريخ الحديث. كما توجد “قاعة التحنيط” التي تحاكي أجواء المقبرة الفرعونية وتبدأ بتمثال الإله أنوبيس، حامي الجبانة. وتشمل أدوات التحنيط، ولوحات، وموائد القرابين. إلى جانب توابيت ملونة ومومياء كاهن مصحوبة بتعويذة سحرية.

    وتتضمن “قاعة المحمل” عرضا لدور القناة في العصر الإسلامي. حين كان موكب المحمل ينطلق منها إلى مكة المكرمة حاملاً كسوة الكعبة. أما “قاعة الملاحة والتجارة”، فتوضح براعة المصريين القدماء في الملاحة، من خلال نماذج سفن عثر عليها في المقابر. وسفن منحوتة في الصخور، وتماثيل لبحّارة تعكس تاريخًا بحريًا وتجاريًا عريقًا.

     عبق التاريخ وروح المعاصرة

    يحمل متحف السويس القومي مكانة متميزة ضمن المعالم الثقافية والتاريخية في محافظة السويس. فهو يجمع بين عبق التاريخ وروح المعاصرة، ويُجسد الدور المحوري للمدينة عبر العصور. افتُتح المتحف عام 2012 على خليج السويس، ويضم نحو 2500 قطعة أثرية تُبرز تطور الحياة في المدينة من عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الحديث.

    يتميز تصميم المتحف بشكل معماري فريد، يتكون من طابقين يتوسطهما فناء مكشوف وحديقة متحفية، تضم نموذجا لسفينة من أسطول الملكة حتشبسوت داخل حوض مائي. في إشارة إلى التراث البحري للمنطقة. وقد استعادت السويس عبر هذا المتحف عددا من آثارها التي نقلت إلى المتحف المصري بالقاهرة بعد حرب 1967. كما جرى دعمه بقطع أثرية أخرى من مناطق مجاورة مثل عيون موسى ووادي الجواسيس.

    تتناول موضوعات القاعات بين الملاحة القديمة، والآثار الإسلامية واليونانية. إضافة إلى قاعة تُوثّق تاريخ المدينة الحديث وبطولات أهلها، خاصة خلال معركة 24 أكتوبر 1973 ضد الاحتلال الإسرائيلي. كما يبرز المتحف أهمية السويس في التجارة، وتاريخ قناة نكاو القديمة، ودور المدينة في رحلات الحج وبناء السفن.

    جائزة أفضل تواصل مجتمعي

    حصل المتحف على جائزة أفضل تواصل مجتمعي عن مشروع “محكي الحفائر للأطفال”. وهو ما يعكس اهتمامه بالتعليم الثقافي ونشر الوعي الأثري بين الأجيال الجديدة. يقدم المتحف تجربة تعليمية متكاملة، لا تقتصر على عرض الآثار. بل تمتد إلى تعزيز الصلة بين الزائر وتاريخ المدينة وهويتها الوطنية.

    من خلال سيناريو عرض متحفي تفاعلي. يبدأ الزائر رحلته من قصة القلزم، الميناء القديم، مرورا بتاريخ قناة نكاو التي مثلت أول محاولة لربط البحر الأحمر بالمتوسط، ووصولا إلى العصرين الإسلامي والحديث. حيث كانت السويس محطة رئيسية للحجاج، ومركزا للتجارة وبناء السفن.

    توثق القاعات الحديثة في المتحف بطولات أبناء السويس خلال المقاومة الشعبية ضد الاحتلال البريطاني. وتعرض مشاهد من معركة 24 أكتوبر 1973، التي تعد رمزًا لصمود المدينة وشجاعة أبنائها. كما يسعى المتحف إلى تقديم تجربة ثقافية متكاملة من خلال استضافة الندوات وورش العمل والمعارض المؤقتة. ما يجعله مركزًا حيًا للتفاعل الثقافي. فمتحف السويس لا يحفظ الماضي فحسب، بل يلهم الحاضر ويصنع الوعي بالمستقبل.

    قاعة قناة السويس

    يقول يسري أحمد موسى، رئيس جمعية أصدقاء متحف السويس، إن المتحف يضم عدة قاعات متميزة، أبرزها “قاعة قناة السويس”، التي تعرض العربة الملكية التي شاركت في افتتاح قناة السويس عام 1869. كما تتضمن وثائق وصورا زيتية لكل من الخديوي سعيد باشا، الذي أصدر مرسوم امتياز الحفر، والخديوي إسماعيل، الذي افتتحها، ومجموعة من النياشين والميداليات والأدوات التي استخدمت في أعمال الحفر.

    تمثال الملك سنوسرت الثالث

    يوضح رئيس جمعية أصدقاء المتحف أن تمثال الملك سنوسرت الثالث يعد من أبرز معروضات المتحف، ويعود إلى عصر الدولة الوسطى، وتحديدًا الأسرة الثانية عشرة. يجسد التمثال ملامح أحد أعظم ملوك تلك الحقبة. تميز حكم سنوسرت الثالث بالقوة المركزية والانفتاح على العالم الخارجي، وقد عرف بشخصيته القوية وإصلاحاته الإدارية والعسكرية.

    والتمثال مصنوع غالبًا من حجر الجرانيت، ويظهر الملك بملامح حازمة، بعينين غائرتين وفم مغلق، ما يعكس الصرامة والحكمة. وعلى الرغم من الأسلوب التقليدي في تماثيل الفراعنة. يتميّز هذا التمثال بتعبيراته الإنسانية القوية التي تدل على التفكير العميق والمسؤولية الثقيلة التي يحملها الملك.

    لا يعد هذا التمثال عملًا فنيًا رائعًا فحسب، بل وثيقة بصرية تجسد ملامح الحكم والدولة في تلك الفترة. ويعكس اهتمام الفن المصري بتجسيد شخصية الملك كإله حي يحكم البلاد بقوة وحنكة. ما يجعل التمثال واحدًا من الكنوز النادرة التي تجسّد الفكر السياسي والفني للدولة الوسطى.

    مركبة الملكة حتشبسوت رمز التبادل التجاري والريادة البحرية

    يشير موسى إلى أن نموذج السفينة المعروض في حديقة المتحف يمثل إحدى سفن أسطول الملكة حتشبسوت، التي حكمت خلال الأسرة الثامنة عشرة. ويجسد النموذج بعثة الملكة الشهيرة إلى بلاد بونت لأغراض التبادل التجاري.

    استلهم تصميم السفينة من نقوش معبد الدير البحري في الأقصر، حيث تظهر القوارب الخشبية الكبيرة، المجدفون، والحيوانات والنباتات التي جلبت من الرحلة. يعكس هذا العرض تفوق المصريين في فنون الملاحة  والتجارة البحرية.

    كما يمنح النموذج الزائر لمحو عن أهمية البحر الأحمر كطريق تجاري، ويبرز دور السويس التاريخي كميناء ومركز للتجارة العالمية منذ آلاف السنين.

    أدوات التجميل: أسرار الجمال والروح في مصر القديمة

    يقول عماد الدين محمد، أمين عام جمعية أصدقاء المتحف، إن متحف السويس يحتوي على مجموعة من أدوات التجميل استخدمها المصريون القدماء. والتي تعد من أعمق الشواهد على نمط الحياة اليومية وفهم المصريين للجمال والنظافة. من بين هذه الأدوات: المرايا النحاسية، أواني الكحل، الأمشاط، الزيوت العطرية، وأدوات طحن المواد التجميلية.

    تُظهر هذه الأدوات دقة عالية في الصنع، كما تكشف عن اعتقاد المصريين بأن الجمال لا يقتصر فقط على المظهر الخارجي. بل يتصل بالنقاء الداخلي والروحاني. فقد كان للكحل، على سبيل المثال، وظائف وقائية إلى جانب الجمالية. حيث استخدم للوقاية من أشعة الشمس والتهابات العين، وكان يُعتقد أيضًا أنه يدرأ الأرواح الشريرة.

    الزيوت العطرية أيضا كانت تستخدم في التجميل والتطهير، وفي الطقوس الدينية أيضًا. مما يعكس تداخل الجمال بالروحانية في الثقافة المصرية القديمة، تعكس أدوات التجميل هذه مكانة المرأة والرجل على حد سواء في المجتمع. حيث كان الاهتمام بالمظهر والنظافة جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية.

    اقرأ أيضا:

    من أعماق البحر إلى صفحات العلم.. قصة معهد علوم البحار ومتحفه العريق بالسويس

    «متحف النصر للفن الحديث».. ذاكرة بورسعيد في لوحات ومنحوتات

    «متحف قناة السويس».. تاريخ من سخرة الحفر إلى إرادة التأميم والتطوير

    ملف| «متحف آثار طنطا».. هنا حكايات التاريخ تُروى في صمتٍ

  • من أعماق البحر إلى صفحات العلم.. قصة معهد علوم البحار ومتحفه العريق بالسويس

    من أعماق البحر إلى صفحات العلم.. قصة معهد علوم البحار ومتحفه العريق بالسويس

    يُعد «متحف معهد علوم البحار» في السويس أحد أبرز المعالم العلمية والبحثية في مصر، وهو جزء من المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد التابع لوزارة البحث العلمي. يعكس هذا المتحف الإرث العريق والتطور المستمر في مجال علوم البحار، ويمثل نافذة هامة على الحياة البحرية في البحر الأحمر، خاصةً في منطقة خليج السويس، ويفتح أبوابه مجانا للمؤسسات المختلفة.

    وتعود أصول هذا المعهد إلى عام 1928، حين أنشئت محطة الأحياء البحرية، التي تُعد أول محطة علمية بحرية متخصصة في الأحياء المائية على ساحل البحر الأحمر، في مدينة السويس. بدأت هذه المحطة عملها البحثي فعليًا عام 1932 تحت رئاسة العالم البريطاني سيريل كروسلاند، وكانت آنذاك تتبع كلية العلوم بجامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا). وقد تميزت المحطة بكونها الوحيدة المتخصصة في دراسة البيئة البحرية والأحياء المائية على ساحل البحر الأحمر لمدة ثلاثين عامًا.

    نشأة وبداية متحف معهد علوم البحار

    في عام 1934، تولى العالم المصري الكبير الدكتور حامد جوهر رئاسة محطة الأحياء البحرية. واستمر في هذا المنصب لمدة أربعين عامًا. وقد شكّلت هذه المرحلة طفرة في تاريخ المحطة، حيث شهدت نشاطًا علميًا مكثفًا ومؤثرًا. أسس الدكتور جوهر متحف الأحياء المائية التابع للمحطة، وهو المتحف الذي أصبح لاحقًا من أبرز معالم السويس. حيث يضم العديد من الكائنات البحرية النادرة، ومنها أسماك ضخمة تم اصطيادها خلال فترة إشراف الدكتور جوهر على المعهد.

    كما أجرى الدكتور جوهر العديد من الأبحاث الرائدة في مجال علوم البحار. مما أسهم في ترسيخ مكانة المعهد كصرح علمي مرموق في المنطقة والعالم العربي.

    تطور حديث لمعهد ومتحف علوم البحار

    اليوم، تعرف المحطة باسم المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد – فرع البحر الأحمر، وهي جهة حكومية تابعة لوزارة البحث العلمي. وقد توسع المعهد ليشمل عدة فروع، من أبرزها فرع خليج السويس والعقبة، الذي أُسس لرصد الموارد البحرية في شمال البحر الأحمر وقناة السويس، والمساهمة في الحفاظ عليها وتنميتها. يعد هذا الفرع مركزًا مهمًا للبحث العلمي والتطبيق العملي. حيث يركز على مصايد الأسماك والتنمية المستدامة للمناطق الساحلية. بالإضافة إلى إدارة الموارد المائية بكفاءة.

    متحف الأحياء المائية: ذاكرة البحر الأحمر

    يضم المعهد متحفًا للأحياء المائية يحتوي على مجموعة فريدة من الأسماك والكائنات البحرية، منها أنواع نادرة وضخمة تم اصطيادها في الفترات السابقة. خصوصًا أثناء تولي الدكتور حامد جوهر إدارة المعهد. وقد تم طلاء بعض الأسماك المحنطة بمواد صناعية مثل “البوية” بعد فقدانها لألوانها الطبيعية. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال المتحف يشكل مرجعًا علميًا وثقافيًا هامًا، ويستقطب الزوار والمهتمين بعالم البحار من داخل مصر وخارجها.

    ويعتبر متحف الأحياء المائية من الوجهات التعليمية والترفيهية المميزة. حيث يجمع بين المعرفة والمتعة في آنٍ واحد، ويضم مجموعة متنوعة من الكائنات البحرية التي تعكس التنوع البيولوجي الفريد في البحر الأحمر وخليج السويس.

    مقتنيات متحف الأحياء المائية

    من أبرز المعروضات في المتحف “عروسة البحر” أو ما يعرف بـ”الدوجونغ”، وهو من الكائنات البحرية النادرة والمهددة بالانقراض، كما يحتوي المتحف على نماذج حقيقية ومحفوظة لأسماك القرش بأنواعها، بالإضافة إلى الدلافين التي تُعرض بطريقة تعليمية شيقة.

    ويضم المتحف أيضًا مجموعة رائعة من الشعب المرجانية الملوّنة التي توضح أهمية هذا النظام البيئي الحساس، إلى جانب نماذج من الترسة البحرية (السلحفاة البحرية) والسلاحف المختلفة.

    ويهدف المتحف إلى توعية الزوار، خاصة الطلاب، بأهمية البيئة البحرية وضرورة حمايتها. كما يوفر معلومات قيمة عن الكائنات التي تعيش في أعماق البحار. وتعد زيارة هذا المتحف تجربة غنية تسهم في تعزيز الوعي البيئي لدى الجمهور، وتفتح آفاقًا لفهم أسرار الحياة تحت الماء.

    فرع خليج السويس والعقبة: بوابة البحر الأحمر العلمية

    يعتبر فرع المعهد في خليج السويس والعقبة من المراكز الحيوية، حيث يختص بدراسة وتحليل الموارد البحرية في المنطقة. ويحتوي على ثلاثة أقسام علمية: مصايد الأسماك، البيئة البحرية، وتربية الأحياء المائية. تشمل هذه الأقسام مختبرات متخصصة تغطي معظم فروع العلوم البحرية، مثل: (علم الأحياء البحرية، الكيمياء والفيزياء البحرية، الجيولوجيا البحرية، تربية الأحياء المائية، بيئة الشعاب المرجانية، التلوث البحري). ويعمل الفرع أيضًا على التعاون مع مؤسسات علمية محلية ودولية بهدف تطوير حلول علمية للمشكلات البيئية والاقتصادية التي تواجه البيئة البحرية المصرية.

    ويمثل معهد علوم البحار في السويس، بمتحفه العريق وفروعه البحثية، جزءًا أساسيًا من البنية العلمية في مصر. ومنذ تأسيسه قبل ما يقرب من قرن، لعب دورًا محوريًا في استكشاف وحماية البيئة البحرية، وتنمية الثروات المائية. وبين إرث الدكتور حامد جوهر، ورؤية العلماء والباحثين الحاليين، يواصل المعهد أداء رسالته في خدمة العلم والبيئة، ويعد نموذجًا يحتذى به في ربط البحث العلمي بالتنمية المستدامة.

    الخدمات البحثية والعلمية

    يقدم المعهد عددًا من الخدمات العلمية والبحثية التي تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة للثروة السمكية بالمياه المصرية، وتشمل هذه الخدمات:

    • تنمية المصايد الطبيعية ونشاط الاستزراع السمكي

    يتم ذلك من خلال تحديد مواقع تجمعات الأسماك الاقتصادية، وتطوير تقنيات الصيد بالجر القاعي. بما يسهم في زيادة الإنتاج السمكي من الأسماك القاعية في المياه المصرية. كما يعمل المعهد على تعزيز الاستزراع السمكي وتقليل التكلفة باستخدام نظم الاستزراع المكثف في المياه العذبة. إلى جانب التركيز على تنمية استزراع اللافقاريات البحرية على سواحل البحر المتوسط.

    • البحث في المواد الفعالة للكائنات البحرية ومكافحة الملوثات بالتكنولوجيا الحيوية

    يقوم الباحثون في المعهد بدراسة إمكانية استخلاص مواد فعالة من الكائنات البحرية الموجودة في البحر الأحمر، لاستخدامها في تطبيقات متعددة، منها الطب والصناعة. ويسعى المعهد إلى استخدام التكنولوجيا الحيوية لمواجهة التحديات البيئية. خاصة الملوثات التي تهدد البيئة البحرية.

    • الحفاظ على المسطحات المائية وتنميتها والبحث عن مصادر الطاقة البحرية

    تشمل جهود المعهد حماية البحار والبحيرات من التدهور، وتنمية مواردها الطبيعية على مستوى وطني. ويتم العمل على استكشاف الثروات الطبيعية في المياه المصرية. بما في ذلك الموارد المحتملة للطاقة. ويسهم المعهد في تعزيز الثقافة العلمية لدى الجمهور. من خلال برامج توعوية وفعاليات تعليمية تهدف إلى تعريف المجتمع بأهمية البيئة البحرية وثرواتها.

    اقرأ أيضا:

    «متحف قناة السويس».. تاريخ من سخرة الحفر إلى إرادة التأميم والتطوير

    «متحف السويس القومي».. كنوز تُجسد عبقرية المصري القديم

    «متحف النصر للفن الحديث».. ذاكرة بورسعيد في لوحات ومنحوتات

    ملف| «متحف آثار طنطا».. هنا حكايات التاريخ تُروى في صمتٍ

  • وداعا «عصمت داوستاشي»: فنان صوفي بملامح شعبية

    وداعا «عصمت داوستاشي»: فنان صوفي بملامح شعبية

    برحيل الفنان «عصمت داوستاشي»، فقدت الساحة التشكيلية أحد رموزها الكبار، فنانا ومؤرخا ترك أثرا لا يُمحى في مسيرة الفن والثقافة. وقد عمت حالة من الحزن الوسط الثقافي في الإسكندرية ومصر بأكملها، مع تداول خبر وفاته. هنا نستعرض محطات من حياته وإبداعه وملامح تجربته في الفن والتوثيق.

    من هو الفنان عصمت داوستاشي؟

    وُلد عصمت داوستاشي في الإسكندرية عام 1943، ودرس النحت في كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية وتخرج فيها عام 1967. وهو فنان شامل قدَّم ما يزيد على 60 معرضا فنيا، كما مارس التصوير والنحت والرسم. وتميز بأسلوب له طابع خاص، متأثرا بملامح مصرية شعبية وتراثية. وبرزت في أعماله معاناة الإنسان وأحلامه وطموحاته، مقدمًا نقدًا اجتماعيًا لأحوال المجتمع، وكان له أثر بالغ في الساحة الفنية المصرية.

    أسهم بدور بارز في توثيق تاريخ الحركة التشكيلية المصرية. وتميزت تجربته الفنية بالتجريب. واتجه في أعماله إلى استخدام أساليب فنية متنوعة، بدءا من التشكيل التجريدي، مرورًا بالكولاج والتصوير. ومن أبرز المناصب التي شغلها «داوستاشي» كانت الإشراف على الأنشطة الثقافية والمعارض بالمراقبة العامة للفنون الجميلة بمتحف محمود سعيد، وإدارة متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية. فضلا عن رئاسة مركز الإسكندرية للإبداع.

    مسيرته الفنية

    واتسمت مسيرته الفنية بمراحل متعددة ومتنوعة، تميزت إحداها بالانعزال والابتعاد عن الآخر. حيث اتخذ منحى الصوفية كطريقة لتأمل ما حوله في بوتقة انعزل فيها مع أفكاره. لتخرج منه فكرة “المستنير داد”، ذلك الرمز الكبير الذي نتجت عنه سلسلة رائعة تعد من أبرز تجاربه الفنية. وقد ظهرت في هذه الأعمال الأيقونات التي شكلت رؤيته الفنية، التي تعكس فكرا شديد الخصوصية. حيث قدم من خلالها رؤية فنية مبتكرة لأشكال وعناصر متعددة بأسلوب مميز.

    حصد داوستاشي العديد من الجوائز، من أبرزها: جائزة مختار عام 1984، وجائزة لجنة التحكيم عن بينالي الإسكندرية الثامن عشر 1994، وجائزة بيكاسو وميرو من المركز الثقافي الإسباني. وجائزة راديو فرنسا عن أحد تصميماته. وتم تكريمه عام 2015 في فعاليات معرض “من النيل إلى الحرمين” بأتيليه جدة للفنون بالمملكة العربية السعودية.

    الشباب في لقاء عصمت داوستاشي
    الشباب في لقاء عصمت داوستاشي
    صداقات وتلاميذ «داوستاشي»

    يسترجع المخرج السكندري حازم العطار ذكرى لقائه بالفنان عصمت داوستاشي عام 2019، ضمن مشروعه الوثائقي عن متحف الفنون الجميلة. ويقول: “جلسنا وتجاذبنا أطراف الحديث، وتحدث داوستاشي عن الفترة التي تولى فيها المتحف. واكتشفت حرصه على توثيق الحركة التشكيلية في مصر. إذ كان يمتلك مكتبة غنية بمؤلفاته. وكان مستمرًا في جمع الوثائق والصور. وخلال حديثنا كان يسجل أي معلومة جديدة عن معرض أو لوحة أو فنان لم يضفها بعد إلى توثيقه. وفوجئت بامتلاكه متحفا عظيم صغيرا يجمع فيه أعماله ولوحاته الرائعة”.

    ويقول الشاعر والكاتب السكندري ميسرة صلاح الدين: “تعرفت على عصمت داوستاشي ككاتب قبل معرفتي به كفنان تشكيلي، فله مجموعة من الكتابات المهمة والمتنوعة في نقد الحركة التشكيلية وروادها. وكان أول كتاب قرأته له بعنوان “الرملة البيضاء”، وهو سيرة ذاتية. ثم اندمجت في أعماله الفنية والمعارض. ولاحظت تركيزه على الموتيفات والأيقونات الشعبية وتحويلها إلى أساطير”.

    وتابع: “ما لفت انتباهي في أعماله هو تكرار رمز الكف. وسألته عنه ذات مرة، فأجابني إجابة غريبة حين قال: “رمز الكف هو نقطة البداية في تكوين شخصيتي الفنية”. وبالفعل كان فنانا عظيما، صاحب بصمة فنية مميزة استطاع من خلالها المزج بين الفن الحديث والفنون الشعبية التقليدية في الرسم. ولذلك كان إنتاجه مختلفا”.

    عصمت داوستاشي فنان ومؤرخ

    يقول عنه الفنان التشكيلي خالد هنو: “توطدت علاقتي بعصمت داوستاشي على مدى 10 سنوات خلال عضويتي بمجلس إدارة أتيليه الإسكندرية. حيث أقمنا معارض سويًا، وكان له معرض خاص في الطابق الثاني فوق مقر الأتيليه. يعد قبلة لكثير من الفنانين التشكيليين من كل أنحاء مصر، وخاصة يوم الثلاثاء من كل أسبوع. حيث كان يعقد صالون فني مصغر لمناقشة الحركة الفنية”.

    وأضاف أن «داوستاشي» يتميز بكونه مؤرخا للفن أكثر من كونه ممارسا له. فقد كان يحرص على جمع أي وثيقة وكتاب لمكتبته الخاصة، ولديه أوراقا خاصة ووثائق نادرة. وقد أصدر كتابا بعنوان “أتيليه الإسكندرية”، يوثق تاريخ الأتيليه منذ إنشائه عام 1934، ويحتوي على صور للمستندات والعقود والمخاطبات القديمة بين الفنان محمد ناجي والفنانين الأجانب، وأسماء مجالس الإدارات المتعاقبة. كما ألف كتبا عن عدد من الفنانين مثل محمود سعيد، ومحمد ناجي، وعبد المنعم مطاوع، وغيرهم. فهو فنان تشكيلي ومؤرخ فني متميز.

    واختتم هنو حديثه عن الراحل: “بالقرب من داوستاشي تشعر بأنه شخص بسيط ومتواضع، ومحب للشباب، لذلك كانوا يتجمعون عنده دائما. كان متحررا وله وجهة نظر في أعماله. وقد فقدت الإسكندرية برحيله فنانا ومؤرخا لعب دورا كبيرا في الحركة التشكيلية بمصر، ويعد من أهم فنانيها”.

    اقرأ أيضا:

    إنشاء متحف «سيد درويش» في كوم الدكة: هنا تتعرّف على فنان الشعب

  • «بيت المساجيري».. إرث عظيم يبحث عن اهتمام

    «بيت المساجيري».. إرث عظيم يبحث عن اهتمام

    في قلب مدينة السويس، وتحديدًا في حي السويس، أمام شاطئ الخور على طريق الكورنيش القديم، كانت الحياة تنبض ذات يوم بحركة لا تهدأ من البضائع والمسافرين. هنا، في هذا الموقع الاستراتيجي، كانت ترسو المراكب القادمة من مختلف بقاع الأرض، حاملة شحناتها من البضائع والمسافرين، قبل أن تُفرغ حمولتها في بيت يُعرف باسم «بيت المساجيري»، أحد أهم مراكز التبادل التجاري في المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ويطالب أهالي السويس بتحويل المنطقة إلى منطقة تراثية، بمكوناتها الثلاثة: الميناء، السكة الحديد، وبيت المساجيري.

    ابن حميدو في بيت المساجيرى.. سحر السينما وعبق التاريخ

    يُعد فيلم “ابن حميدو” من أبرز علامات السينما الكوميدية المصرية، وبطله الفنان الراحل إسماعيل ياسين، أحد أبناء مدينة السويس. قدم من خلاله عملاً لا يُنسى، يجمع بين خفة الظل وروح المكان الذي دارت فيه أحداث الفيلم. ومن أشهر مشاهده، المشهد الذي يُسكب فيه الماء على “الباز أفندي”، الذي أداه ببراعة الفنان توفيق الدقن. من إحدى نوافذ منزل تاريخي يُعرف بـ”بيت المساجيري”.

    ما لا يعرفه كثيرون أن هذا المشهد لم يُصوّر في استوديوهات السينما. بل داخل منزل يحمل تاريخًا عميقًا يعود إلى ما قبل حفر قناة السويس.

    وشهد “بيت المساجيري” أيضا تصوير فيلم “حكايات الغريب”، المأخوذ عن قصة للكاتب جمال الغيطاني. وغنى فيه الفنان محمد منير أغاني فرقة “أولاد الأرض” السويسية. وتمنح هذه الأعمال البيت حضورًا في ذاكرة المصريين. فهو من ناحية موقع تاريخي عريق. ومن ناحية أخرى أحد مواقع التصوير السينمائي لمشاهد هي الأجمل في تاريخ الكوميديا المصرية.

    شاهد على عبقرية البناء المصري

    بالرغم من مرور نحو 200 عام على بناء بيت المساجيري في مدينة السويس، إلا أن عبق التاريخ وأصالة الماضي لا تزال تنبض بين جدرانه وساحاته. يعد هذا البيت من أعرق المباني في المدينة، إذ يحتفظ بكثير من ملامح العمارة القديمة التي تعكس دقة البناء ورُقي الذوق الفني آنذاك.

    تُدهشك الأسقف الخشبية المصنوعة من عروق متينة، لا تزال قائمة تتحدى الزمن، بينما تضفي الأبواب الضخمة والنوافذ المرتفعة لمسة من الهيبة والوقار على المكان. لم تكن هذه العناصر مجرد تفاصيل معمارية، بل كانت تعبيرًا عن عمق ثقافي واجتماعي، وحرصا على التهوية والإضاءة الطبيعية داخل المنزل.

    البيت ليس مجرد مبنى، بل سجلٌّ حيٌّ يروي قصص أجيالٍ مضت، وتجسيدٌ للفخامة التي ميزت العمارة في تلك الحقبة. إنه شاهد حي على عبقرية البنّاء المصري الذي صاغ من الحجارة والخشب تحفةً لا يزال الزمن يقف أمامها بإجلال.

    أقدم مبنى تراثي إنشائي غير مسجل كأثر

    يقول فاروق خزيم، مدير هيئة تنشيط السياحة الأسبق في السويس: “موقع بيت المساجيري بعد حفر القناة لفت أنظار الفرنسيين. فاختاروه موقعا لإدارة الحركة الملاحية بالمدخل الجنوبي لقناة السويس، عقب افتتاح القناة عام 1869. وقد تولت الشركة الفرنسية للملاحة، أول شركة أدارت الحركة في القناة، تجهيز المكان بالمعدات والأجهزة ليكون مركزا للتحكم في حركة المدخل الجنوبي ومرور السفن التجارية. وكان يشهد تواجد المرشدين الملاحيين ومشرفي الحركة.

    وأضاف أن هذا الوضع استمر عدة عقود، حتى أنشأت الشركة الفرنسية مباني جديدة للمديرين وكبار المرشدين بمنطقة بورتوفيق. وهي المباني والفيلات والاستراحات التابعة لهيئة قناة السويس حاليا.

    ويوضح “خزيم” أنه على الرغم من أن بيت المساجيري هو أقدم مبنى تراثي إنشائي في السويس. ويزيد عمره عن 200 عام، إلا أنه غير مسجل كأثر إسلامي. فقد زارت اللجنة الدائمة للآثار البيت عام 1989. وضمت أكثر من 30 عالم آثار، تناوبوا على زيارة “البيت” لأكثر من شهرين. فحصوا خلالها جميع أركانه ومنشآته. وفي النهاية، انتهت اللجنة إلى عدم وجود شواهد أثرية تثبت أن البيت أثري. مثل الزخارف المعمارية أو اللوحات الرخامية المسجل عليها بيانات للمنشأ، أو الكتابات الزخرفية. ومع ذلك، أشادت اللجنة بالحالة الإنشائية للبيت رغم مرور الزمن.

    إرث عظيم يحتاج إلى اهتمام

    يرى كثير من سكان السويس أن بيت المساجيري لا يجب أن يترك للاندثار. ويقول المؤرخ السويسي الدكتور سادات غريب، إن بيت المساجيري ليس مجرد بناء قديم، بل يمثل وثيقة حية لتاريخ مصر الملاحي والتجاري. ويؤكد أن إعادة ترميمه وتحويله إلى متحف أو مركز ثقافي يمكن أن يساهم في الحفاظ على هذا الإرث وتقديمه للأجيال القادمة، باعتباره مثالاً على تداخل التجارة والتكنولوجيا والعمران في صناعة الحضارة.

    كما أن إعادة إحياء خط السكك الحديدية، ولو من خلال مسار تراثي أو سياحي، يمكن أن يعيد ربط المدينة بتاريخها، ويوفر فرصة لتنمية اقتصادية قائمة على الذاكرة والتاريخ.

    وتابع: المراكب كانت تدخل من قناة السويس، التي ربطت بين البحرين الأبيض والأحمر، وغيرت خريطة التجارة العالمية. وبمجرد عبورها إلى خليج السويس، كانت تتوجه إلى ميناء بورتوفيق أو إلى الأرصفة القديمة المطلة على الخور، وهناك تبدأ عملية التفريغ، حيث تنتقل البضائع من السفن إلى المخازن، ومنها إلى قطارات السكك الحديدية، وقبل حفر القناة، كانت هذه المنطقة جزءا من طريق الحرير.

     

    بيت المساجيري: ذاكرة ملاحية عتيقة

    يقول الباحث والمؤرخ حسام الحريري، إن تاريخ بناء بيت المساجيري يعود إلى عام 1862 في عهد محمد سعيد باشا، وتم تشييده على يد الشركة الفرنسية “Les Messageries Maritimes”، والتي يعني اسمها “البريد السريع”.وكان الهدف من بناء هذا البيت أن يكون مركزًا لنقل الرسائل والبضائع والأفراد من الشرق الأقصى إلى أوروبا، قبل افتتاح قناة السويس.

    وتابع: لذا لم يكن البيت مجرد مبنى، بل مركزا ملاحيا متكاملا أسسته شركة فرنسية تعد من أوائل الشركات التي أدخلت نظام “التوكيلات الملاحية” إلى الشرق الأوسط، وكانت هذه الشركة تتولى عمليات التنظيم والتنسيق بين السفن القادمة وبين وسائل النقل االبري والسكك الحديدية، لتصبح همزة وصل بين العالم الخارجي وبين السوق المصري الداخلي.

    ولفت إلى أن هذا البيت، الذي يقف شامخا رغم تغير الزمن، تحول بمرور الوقت إلى رمز لمرحلة كاملة من تاريخ الملاحة والنقل في مصر. ومن هنا، انطلقت أفكار تأسيس شركات قطاع عام لاحقاً مثل “دمنهور” و”المنيا” و”القبارى”، والتي ساهمت في تنظيم حركة التجارة والنقل عبر الموانئ المصرية، خاصة في فترة ما بعد التأميم.

    أقدم خط سكة حديد

    ويضيف الحريري أن من أبرز مظاهر النشاط في تلك الحقبة كان خط السكك الحديدية الذي يمتد من أمام بيت المساجيري حتى العاصمة القاهرة. هذا الخط، الذي يعد ثاني أقدم خط سكة حديد في مصر، وثالث أقدم خط في العالم، كان يلعب دوراً جوهرياً في نقل البضائع التي تصل عبر المراكب من الخارج إلى الأسواق المحلية، خاصة في القاهرة.

    وكان القطار ينطلق من السويس محملاً بالبضائع، من الزيوت والحبوب والقطن، إلى الأجهزة الصناعية والمنتجات الاستهلاكية. وعلى متنه أيضاً ركاب من جنسيات مختلفة، من تجار وعمال ومهاجرين يبحثون عن فرص جديدة. وكان الخط يمر بعدة محطات، ليمثل شرياناً حيوياً يربط الميناء بالعاصمة، ويعزز مكانة السويس كأحد أهم المراكز الاقتصادية في مصر.

    يغير خريطة المنطقة ويزيد المنافسة

    يشير “الحريري” إلى أنه مع الوقت، ومع دخول الألفية الثالثة، تلاشى هذا الخط الحديدي العريق. وتغيرت خريطة النقل والاقتصاد، وتحولت الأولويات. ودخلت الشاحنات والطرق السريعة بقوة على خط المنافسة. ما أدى لانخفاض الاعتماد على السكك الحديدية. واندثار هذا المسار التاريخي الذي كان يوما ما محورا للتنمية.

    وترافق ذلك مع تغيرات أخرى في البيئة المحيطة، فقد تم ردم البحر المواجه للبيت، مما غيّر شكل المنطقة بالكامل. وبعد افتتاح القناة تحوّل هذا المنزل إلى مركز لإدارة الحركة الملاحية، حيث كانت تدار من خلاله عمليات عبور السفن والبضائع عبر السويس. واستمر هذا الدور لسنوات، قبل أن تنتقل العمليات إلى منشآت أحدث في منطقة بورتوفيق. ومع ذلك، ظل البيت شاهدًا على تاريخ طويل من النشاط البحري والتجاري.

    من مركز تجاري إلى سكن شعبي

    يضيف المؤرخ حسام الحريري، أنه مع تراجع دور الميناء وتوقف خط السكة الحديد. فقد بيت المساجيري وظيفته الأساسية كمركز ملاحي، وتحول مع مرور السنوات إلى مبنى سكني يأوي 8 عائلات. بالإضافة إلى استخدام بعض غرفه كمخازن للبمبوطية. وهم الباعة الذين يعملون في مهنة البيع للسفن الراسية في الميناء، ويشكلون بدورهم جزءا من النسيج الثقافي والاقتصادي للميناء.

    ويؤكد المؤرخ أن أهمية بيت المساجيري لا تقتصر على دوره البحري فقط، بل تمتد أيضًا كونه شاهدًا على أحداث تاريخية وسياسية. فقد كان أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ملاذًا آمنًا لسكان السويس، الذين احتموا بخنادقه تحت الأرض من القصف الجوي. هذا الدور الوطني أضاف إلى المكان قيمة تتجاوز الجانب المعماري أو الوظيفي.

    وهكذا، تحوّل المكان من صخب السفن وصفير القطارات إلى سكون نسبي يعبّر عن تغيّرات عميقة في وظائف المدن وتاريخها. ولم يتبق من الماضي إلا الذكريات، وبعض المعالم المتهالكة التي تقاوم الزمن. لتحكي للأجيال الجديدة عن عصر كانت فيه المراكب والقطارات ترسم ملامح الحياة.

     تفاصيل دور ومكونات المساجيري مع السفن والتجار

    يوضح عامر عبدالله، مفوض شركة النقل والمحطات وأحد سكان البيت، أن البيت يتكون من طابقين: كان الطابق الأول يستخدم كمخزن لمخلفات السفن. بينما يضم الطابق العلوي غرفًا واسعة، ويعلو المبنى صواري وبرجان خشبيان لا يزالان قائمين حتى اليوم.

    في تلك الحقبة، كان على سطح البيت تلسكوب ضخم يستخدم لتحديد جنسية السفن العابرة. وبمجرد التعرف عليها، يقرع جرس كبير لتنبيه العمال، ويرفع علم الدولة التي تنتمي إليها السفينة على الصاري. ثم يتحرك العمال على لنشات وسفن صغيرة لنقل البضائع من السفن إلى السكك الحديدية، التي كانت تمر حينها بشارع بورسعيد لنقل البضائع إلى القاهرة.

    وبين المراكب التي كانت ترسو على بحر الخور، والقطارات التي كانت تذهب إلى القاهرة، تشكلت ملامح السويس القديمة، مدينة ميناء نابضة بالحياة، تتوسط طرق التجارة وتجمع بين الشرق والغرب. واليوم، يقف بيت المساجيري شاهداً على كل هذه التحولات. إنه أكثر من مجرد مبنى، إنه حكاية مدينة بأكملها، تحتاج إلى من يرويها، ويحافظ عليها، ويعيد لها الحياة من جديد.

    عامر عبدالله: “هنا ولدت.. في بيت المساجيري”

    يشير عبدالله إلى إنه وُلد وعاش حياته كلها في بيت المساجيري. وأن البيت يحتفظ برونقه وروحه الأصلية، رغم مرور العقود. ولا يزال شاهداً على عبور الزمن بكل تفاصيله. ويضيف أن الأبراج والتلسكوب ما زالت في أماكنها، كدليل على عظمة البناء ودقة الغرض الذي أنشئ من أجله.

    ويروي أن اليابانيين قاموا بردم بحر الخور خلال أعمال توسيع قناة السويس، حيث استخدموا التراب الناتج من الحفر لردم أجزاء من البحر بدلاً من نقله إلى الضفة الأخرى، مما أدى إلى اندثار جزء كبير من المعالم الطبيعية والتاريخية التي كانت تميز المكان.

    اقرأ أيضا:

    حكايات الكابتن غزالي.. كيف يخطط نجله لإحياء فرقة «ولاد الأرض»؟

  • إنشاء متحف «سيد درويش» في كوم الدكة: هنا تتعرّف على فنان الشعب

    إنشاء متحف «سيد درويش» في كوم الدكة: هنا تتعرّف على فنان الشعب

    ترتبط منطقة «كوم الدكة» في الإسكندرية باسم فنان الشعب «سيد درويش»، فكلما تجولت في شوارعها تجد مكانا يحمل ذكرى له؛ فهنا كان المقهى الذي اعتاد الجلوس فيه ليغني لأصدقائه على أنغام العود، وهناك كان يسكن، وعلى جدران الحي رسمه السكان تخليدا لذكراه. فضلا عن الحكايات المتوارثة التي يحرص أهالي المنطقة على سردها لكل من يأتي لزيارة المكان إحياءً لسيرته.

    بداية الفكرة

    بدأت فكرة إقامة متحف على أرض المنزل الذي عاش فيه سيد درويش حتى وفاته عام 1920، كمبادرة من مشروع “سيرة الإسكندرية” منذ عام 2020. خلال إحدى الجولات بمنطقة كوم الدكة بعد المرور على منزله. وكان بعض أفراد أسرته قد ناشدوا على مدار سنوات طويلة بإنشاء متحف يخلد ذكراه.

    جلسنا في مقهى الشتيوي، حيث قابلنا الحاج علي الشتيوي، المالك الحالي لأرض منزل سيد درويش، وتبادلنا أطراف الحديث معه، وحاولنا إقناعه بتحويل الأرض، بدلا من بقائها خالية بعد هدم المنزل، إلى متحف يخلد ذكرى سيد درويش، وقد وافق سريعًا.

    توقيع عقد المتحف

    يقول مينا ذكي، مؤسس مبادرة “سيرة الإسكندرية”، في تصريحات خاصة لـ«باب مصر»: “أخيرًا جاءت لحظة التوقيع الرسمي لعقد إنشاء متحف سيد درويش على أرض المنزل الذي عاش فيه. بعد خمس سنوات من النقاشات مع عائلة ورثة الأرض ومحاولات إقناعهم بالفكرة. مدة العقد 25 عاما، وسنتسلم الأرض فعليًا في 6 يونيو القادم، على أن يبدأ العمل في يوليو 2025. ونسعى جاهدين لأن يكون الافتتاح التجريبي للمتحف في ذكراه الـ102، في شهر سبتمبر هذا العام”.

    وأضاف: “المهندس كريم الشابوري سيتولى تصميم المبنى الخارجي ووضع سيناريو العرض الداخلي، بتمويل شخصي من مؤسس المبادرة وبعض أصدقائي. الهدف الأساسي من المتحف هو تخليد ذكرى سيد درويش، وهو مشروع غير ربحي. وسنستخدم أي إيرادات لتغطية النفقات، ثم تخصص للعائلة”. وسيضم المتحف صورا لسيد درويش على الجدران، وجرامافونا وأسطوانات أصلية من إنتاج شركة “مصر فون” آنذاك. والعود، وبعض النوتات الأصلية بخط يده، إلى جانب مفاجآت أخرى سيتم الكشف عنها عند الافتتاح.

    ولمن لا يعرف، فإن متحف سيد درويش سيكون الأول من نوعه في الإسكندرية. رغم وجود مقتنيات خاصة به في متحف الفنانين بالمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية بالزمالك. منها عقد زواجه من “جليلة” عام 1919، وطربوشه، وعوده، وعصاه المصنوعة من الأبنوس. كما يحتوي المتحف على مجسم لمسرح سيد درويش، الذي أنشئ عام 1921 في طريق الحرية بالإسكندرية، على طراز أوبرا باريس. وصممه المهندس الفرنسي جورج بارك.

    واستطرد “ذكي”: “تم جمع هذه المحتويات من بعض الأسواق الشعبية كسوق ديانا، ومن بعض هواة التحف والأنتيكات”. موضحا أن المتحف سيركز على سرد قصة حياة فنان الشعب ومسيرته، لا مجرد عرض مقتنيات، نظرا لكون المنزل القديم قد هدم ولم يتبق منه سوى الأرض. وسيكون المتحف برعاية محافظة الإسكندرية.

    تجربة سيد درويش

    يقول الصحفي محمود التميمي، مؤسس مبادرة “القاهرة عنواني”: “زرت كوم الدكة عدة مرات، وحزنت للحالة التي آل إليها منزل فنان الشعب. وأرى أن تحويله إلى متحف ومزار يعد إنجازا مهما لمبادرة سيرة الإسكندرية”. وأضاف: “أتمنى أن يعكس المتحف المشروع الفني لسيد درويش. لا فقط جانبه الشخصي أو المكاني، وأن يشكل إضافة فنية وسياحية جديدة للإسكندرية”.

    وتابع: زرت بيت بيتهوفن في ألمانيا، وكانت تجربة معايشة كاملة. ليس فقط رؤية مقتنياته، بل من خلال عرض سمعي وبصري يحاكي الوجدان. وأتمنى أن يُستلهم من تجارب بيوت الموسيقيين الكبار في أوروبا أفكار مبتكرة في تصميم المتحف. وأنا واثق من أن المشروع سيكون عظيما يليق بسيد درويش. لأن القائمين عليه مخلصون ومحبون له. وعن التعاون مع مبادرة “القاهرة عنواني”، وهو مشروع ثقافي لحفظ الذاكرة المصرية، يقول “التميمي”: “توقيع عقد متحف سيد درويش يُعد أولى فعالياتي مع مبادرة سيرة الإسكندرية. وسينتج عن هذا التعاون فعاليات مشتركة قادمة سواء في القاهرة أو الإسكندرية”.

    مكان المنزل الذي عاش فيه فنان الشعب في صورته الحالية
    مكان المنزل الذي عاش فيه فنان الشعب في صورته الحالية
    حياة فنان الشعب

    يتحدث الكاتب السكندري ميسرة صلاح الدين عن بدايات سيد درويش، قائلاً: “بدأ كعامل بناء، ولأن صوته كان جهوريا، اعتاد العمال على سماع غنائه خلال العمل. ولاحظ كبير العمال أن غناءه يزيد من إنتاجية العمال، فقرر تفريغه للغناء فقط. لاحقا، سمعته فرقة أمين عطاالله وعلي عطالله، فعرضوا عليه العمل في القاهرة، ومن هنا بدأت مسيرته”. وتابع: كانت له بدايات في الغناء بالإسكندرية، حيث كان يغني في الأحياء الشعبية وعلى المقاهي، ومع فرق مسرحية بسيطة. لكن الانطلاقة الحقيقية كانت في القاهرة، في شارع عماد الدين.

    واستطرد صلاح الدين حديثه: عمل سيد درويش مع العديد من الفرق المسرحية، منها فرقة عزيز عيد، نجيب الريحاني، علي الكسار، بديعة مصابني. وشارك في مسرحيات وأغانٍ مهمة، وواكب ثورة 1919. وتنامى لديه الحس الوطني بالتعاون مع شعراء مثل بديع خيري ويونس القاضي. فظهرت أغاني وطنية مثل “قوم يا مصري” و”يابلح زغلول”.

    واختتم ميسرة حديثه بقوله: “للأسف، المنزل الذي عاش فيه سيد درويش تم هدمه منذ زمن. ولكن فكرة إحيائه كمتحف مهمة جدا. لدينا في الإسكندرية تجربة مشابهة مع متحف الشاعر كفافيس. وكذلك منزل الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذي تحول إلى مقر ثقافي في باكوس تحت إشراف صندوق التنمية الثقافية. كما أنه من المتوقع أن يضم المتحف أيضا عروضا مسرحية قصيرة، وندوات ثقافية، وعروضا موسيقية. وهذا بدوره سيساهم في إحياء هذا الحي القديم الذي طالما كان رمزا للفن في الإسكندرية، كوم الدكة”.

    اقرأ أيضا:

    دعم «المهرجانات السينمائية».. أزمة تبحث عن حل

باب مصر