باب مصر

التصنيف: بحرى

باب مصر بحرى

  • د. «محمد عوض»: القبح المعماري بالإسكندرية خطأ في التعليم منذ البداية

    د. «محمد عوض»: القبح المعماري بالإسكندرية خطأ في التعليم منذ البداية

    أرجع المعماري السكندري الكبير، الدكتور «محمد عوض»، حالة «القبح المعماري» التي نعيشها حاليا إلى خطأ في التعليم من البداية، فتعريف «العمارة» هو فن البناء، والتعليم لا يهتم بالفن، كما أن الفلسفة مهمة أيضا لأنها تعلم الإنسان كيف يرتب أولوياته.

    وتابع خلال لقائه مع جمهور الإسكندرية، لأول مرة منذ فترة طويلة، في المركز الثقافي الفرنسي لتقديم أحدث إصداراته: «القبح المعماري ناتج عن امتزاج الفهلوة المصرية بقلة العلم، وانعدام الإحساس بالجمال، وطريقة تربية المعماريين الخاطئة. فالفلسفة والتكنولوجيا يجب أن تميزا المعماري عن غيره، كما أن جزءا من التعليم يجب أن يرتبط بتاريخ الفن».

    القبح المعماري وكورنيش الإسكندرية

    وعن فكرة البناء على كورنيش الإسكندرية، قال متعجبا: “لا توجد دولة في العالم لديها كورنيش بحري يتجاوز طوله 24 كم، ولا تستطيع الناس لمس المياه أو رؤية البحر!”.

    بدأ الدكتور عادل الدسوقي، الأستاذ المساعد في الهندسة المعمارية بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا، بتقديم اللقاء، مؤكدا على إسهامات الدكتور محمد عوض في مدينة الإسكندرية، معماريًا وأثريًا. وأشار إلى أن الإسكندرية تدين له بالكثير، فهو مؤسس مركز الحفاظ على تراث الإسكندرية، الذي أصدر العديد من الإصدارات المهمة عام 1985. كما أنه المدير المؤسس لمركز دراسات الإسكندرية للبحر المتوسط عام 2003. بالإضافة إلى متحفه الخاص في مكتبة الإسكندرية، الذي يضم مجموعة نادرة من الخرائط التي توثق تاريخ المدينة.

    تطوير شارع فؤاد

    وأضاف: “في سابقة بين المحافظات المصرية، أسس «عوض» قائمة التراث العمراني للمدينة في أواخر التسعينيات. وعندما صدر قانون الحفاظ على التراث عام 2006، كان هو المشرف الأساسي عليه. كما قدم في التسعينيات بحثا شهيرا عن تطوير شارع فؤاد، تم تقديمه لليونسكو”.

    وأكد «الدسوقي» على دور «عوض» في الحفاظ على عدد من الأماكن التراثية من التخريب. ومن أبرزها ساحة المتحف اليوناني الروماني الحالية. إذ كانت إحدى معاركه ضد التخريب. فهو من أبرز نشطاء المدينة، وله الكثير من الإصدارات والمقالات والنشرات الإخبارية التي كانت تصدر عن المركز ولها أهمية كبيرة.

    وأشار إلى أن اللقاء أقيم بمناسبة إطلاق كتابين من أحدث إصدارات الدكتور محمد عوض، أحدهما حول العلاقات بين مصر وفرنسا. والآخر حول الدور الذي لعبه الفرنسيون في عمارة الإسكندرية.

    كتاب “مصر وفرنسا”

    قال «عوض» في بداية حديثه: “تأليف الكتابين جعلني أنظر للتاريخ، وتاريخ العمران بين فرنسا ومصر. وأفهم كيف نشأ هذا الولع الفرنسي بمصر؟ ومن أين جاء؟ فهي علاقة قوية وقديمة جدا”. وأشار إلى أن كتابة التاريخ أمر صعب، لأن الكاتب يجب أن يكون حياديا، وكتابة التاريخ بحيادية أمر غاية في الصعوبة. فدائما هناك شيء ناقص. وتابع: “هناك أحداث تدفعنا إلى إعادة التفكير وصياغة للعلاقات بيننا وبين فرنسا. ونكتشف كل يوم مصادر معلومات جديدة. ويجب أن ننتبه عند قراءة التاريخ إلى أن هناك مستجدات تغير رؤيتنا باستمرار.

    وأوضح أن العلاقة بين مصر وفرنسا علاقة مضطربة أحيانا، ومزدهرة أحيانا أخرى. فقد أنشئ أول فندق للفرنسيين في مصر في الإسكندرية. وأول قنصلية فرنسية في العالم أنشئت هناك عام 1563 تقريبا، وانتقلت ديانة إيزيس إلى فرنسا. ويقال إن اسم “باريس” مشتق من “بار إيزيس” أي “بجانب معبد إيزيس”. ثم قررت الحكومة الفرنسية إرسال نابليون بونابرت لغزو مصر. ومن هنا يبدأ تاريخ العلاقة المتوترة مع الحملة الفرنسية، والتي واجهت مقاومة شعبية.

    وقال «عوض»: “لكن في الوقت ذاته جاءت الحملة بعلمائها لتسجيل كل المعلومات، وأصدروا كتاب (وصف مصر) عام 1805 بأمر من بونابرت، وأنشأوا أول مركز للدراسات في القاهرة. ورغم أن وجودهم استمر نحو 3 سنوات فقط، فإن ما تركوه في الإسكندرية كان محدودا، ومنه حصن نابليون في كوم الدكة. ويبدأ التاريخ الحديث للعلاقات القوية  باكتشاف حجر رشيد، وكانوا الفرنسيون يريدون نقله إلى باريس، لكن الإنجليز منعوهم واستولوا على كل الآثار”. وأكد أن الراهب المصري “شفتشي” كان له دور مهم في تعليم شاملبيون اللغة القبطية، ما ساعده على فك رموز الحجر.

    علاقة محمد علي باشا بالفرنسيين

    وأوضح أن شامبليون هو من حث محمد علي باشا على إصدار أول قانون لحماية الآثار. وكذلك أول قانون يمنع تصدير الآثار المصرية والفرعونية، رغم أن شامبليون نفسه أخذ معه الكثير من الآثار.

    وذكر «عوض» أن متحف اللوڤر يضم نحو 4500 قطعة أثرية مصرية، بخلاف المسلات وغيرها. كما كانت لمحمد علي علاقات قوية بفرنسا، واستعان بمجموعة خبراء ومهندسين فرنسيين في شتى المجالات. منهم من ساهم في إنشاء ترعة المحمودية، والترسانة البحرية، والحوض الجاف، والميناء.

    وأشار إلى أن العلاقات توترت لاحقا بسبب طموح محمد علي التوسعي، لكنها ظلت قائمة رغم التوترات. وتعد البعثات العلمية بين البلدين من أبرز الروابط منذ عهد محمد علي. فقد أسهم الفرنسيون في تطوير التعليم في مصر. حيث كانت أول مدرسة للحقوق فرنسية، وتخرج فيها أحمد لطفي وطه حسين، كما أوفد كثيرون في بعثات إلى فرنسا. وفي مجال الهندسة، كانت البعثات الفرنسية ذات أثر كبير في التعليم المعماري المصري. كما دعمت فرنسا الحركات الإسلامية والوطنية. ومن رموزها جمال الدين الأفغاني ويعقوب صنوع الذي أصدر أول مجلة في مصر.

    وأضاف: “كما تعلمت بنات الأسرة العلوية جميعا في فرنسا، وأشهرهن الملكة نازلي، وكذلك تعلم هناك رموز الحركة الوطنية مثل مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول. وقدمت فرنسا أيضا دعما لفكرة التجديد في الخطاب الديني التي بدأت مع محمد عبده واستمرت بعد ذلك”.

    توقيع الدكتور محمد عوض على كتابه للجمهور في ختام اللقاء
    توقيع الدكتور محمد عوض على كتابه للجمهور في ختام اللقاء
    العمارة الفرنسية في الإسكندرية

    قال الدكتور محمد عوض: “أما الكتاب الثاني، فيتناول العمارة في الإسكندرية، والدور الذي لعبه الفرنسيون في بنائها. والكتاب مليء بالأفكار، والأحداث، والصور. ويهدف إلى التعريف بأهمية المباني، والطرز المعمارية المستخدمة، وتاريخ وأسماء من أنشأها”.

    وأضاف: “في الواقع، يعد الفرنسيون من أوائل من اكتشفوا مصر، وكانت لهم إسهامات مهمة في حفظ الآثار والتاريخ. إلى جانب تأسيس علم المصريات منذ الحملة الفرنسية، وهو ما زاد من اهتمامهم المتواصل بمصر”.

    وأشار إلى أنه بعد قصف الإسكندرية، وخلال أعمال إعادة الإعمار، ظهرت منافسة شديدة بين الإيطاليين والفرنسيين على صياغة الطابع المعماري للمدينة. ففي أوائل القرن العشرين، أنشأ الفرنسيون مباني كثيرة لصفوة المجتمع في الإسكندرية. وأسسوا أيضا أول جامعة أهلية قائمة على فكر ماسوني يدعو إلى تحرير العقل والعمال.

    المحكمة المختلطة والمحكمة الأهلية

    وتابع: “من بين الإسهامات الفرنسية كذلك، المحكمة المختلطة التي أنشأها نوبار باشا، وكانت مستوحاة من القانون الفرنسي. ثم جاء بعدها قانون المحكمة الأهلية، أي القانون المصري بعد عام 1882. كما يبرز هذا الكتاب دور المصريين في بعض المشروعات التي أنشأها الفرنسيون، وأغفلهم التاريخ”.

    وفيما يخص الحملة الفرنسية، أعلن الدكتور محمد عوض عن اعتراضه على الرأي القائل بأن الحملة أجهضت النهضة المصرية. مؤكدا أنه لم تكن هناك نهضة من الأساس، قائلا: “لم تكن هناك نهضة ليجهضوها. بل على العكس، أرى أن الفرنسيين ساهموا في نهضة مصر”.

    اقرأ أيضا:

    ختام فعاليات مؤتمر «2025 IASTE».. كيف تحافظ الإسكندرية على هويتها الحضارية؟

  • ختام فعاليات مؤتمر «2025 IASTE».. كيف تحافظ الإسكندرية على هويتها الحضارية؟

    ختام فعاليات مؤتمر «2025 IASTE».. كيف تحافظ الإسكندرية على هويتها الحضارية؟

    بعد أربعة أيام متواصلة، انتهت فعاليات المؤتمر العشرين للمنظمة الدولية للبيئات التقليدية «IASTE 2025» في مدينة الإسكندرية، والذي تضمن أكثر من 30 جلسة نقاشية وندوات عامة، قدمت خلالها 145 ورقة بحثية، عرضها باحثون من مختلف أنحاء العالم حول موضوع “الكوزموبوليتية والتراث”. وقد احتضنت مكتبة الإسكندرية هذا الحدث، ونظمه قسم العمارة بكلية الهندسة في جامعة الإسكندرية.

    أفضل ورقة بحثية في مؤتمر “IASTE”

    قال الدكتور مارك جيلام، رئيس منظمة “IASTE” المشرفة على تنظيم المؤتمر منذ تأسيسها عام 1988، إن الجولات الميدانية التي أقيمت على هامش المؤتمر هدفت إلى تعريف الباحثين من مختلف أنحاء العالم بتراث وتاريخ مدينة الإسكندرية. داعيا الجميع إلى إعداد أبحاثهم للمؤتمر القادم 2026، الذي سيعقد في مدينة شنغهاي بالصين.

    فيما أعلن الدكتور هشام عيسى، في ختام المؤتمر، عن فوز الدكتور نبيل محارب، الأستاذ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بجائزة “جيفري كوك” لأفضل ورقة بحثية. والتي كانت بعنوان: “استعادة تقاليد الإسكندرية العالمية: الملاحة في الصراع بين الإقليمية والتراث الحضري”. تناولت الورقة الطابع الكوزموبوليتي لمدينة الإسكندرية، الغنية بالثقافات. والتي تواجه تحديات الحفاظ على هويتها الحضارية في ظل تطور سريع وتحولات نحو الحداثة.

    استكشف البحث التفاعل المعقد بين الماضي العالمي للإسكندرية، المنعكس في أنماطها المعمارية المتنوعة وأماكنها العامة النابضة بالحياة، وبين التغيرات العمرانية الراهنة. وأشار إلى التدمير الواسع للفيلات والمباني القديمة متوسطة الارتفاع، واستبدالها بهياكل شاهقة ذات كثافة عالية. مما يغير ملامح المدينة ويمحو طابعها المعماري. ويسعى البحث إلى الإسهام في الخطاب المعماري العالمي حول الحفاظ على التقاليد في ظل التحولات السريعة. عبر اقتراح استراتيجيات توفق بين ضرورات النمو والحفاظ على التراث المعماري والثقافي الثمين للإسكندرية.

    وقد حظيت أيضا عدة أبحاث من مختلف دول العالم بإشادة اللجنة المنظمة للمؤتمر.

    أفضل ورقة بحثية في المؤتمر
    أفضل ورقة بحثية في المؤتمر
    الدورة السابقة للمؤتمر في الرياض

    قال الدكتور حمد الصعيري، أستاذ بجامعة الملك سعود وعضو اللجنة الاستشارية للمنظمة الدولية للبيئات التقليدية، ومدير النسخة السابقة للمؤتمر الذي أقيم في مدينة الرياض، في تصريح خاص لـ«باب مصر»: “المؤتمر يجمع بين الأكاديميين والباحثين، وتعرض خلاله الأبحاث المرتبطة بموضوع كل دورة، الذي يعلن عنه قبل فترة من انعقاد المؤتمر. ومن الآن نعلم موعد ومكان الدورة القادمة التي ستقام في يونيو 2026 بمدينة شنغهاي، ليبدأ الباحثون في إعداد أوراقهم”.

    وأضاف أن اختيار المدن المستضيفة للمؤتمر يتم من خلال تقديم طلب رسمي للجنة الاستشارية، مرفقا بخطة الاستضافة، ومن ثم تختار اللجنة المدينة الأنسب.

    وتابع «الصيعري»: “شاركت هذا العام في إدارة جلسة حول التنوع في المجتمعات من منظور مختلف، وتنوعت الأوراق البحثية بين تناول السينما للتراث، وعدم العدالة في التعددية، والتنوع في بعض المجتمعات، وفكرة الكوزموبوليتية المثالية التي يطمح إليها عدد من المجتمعات، لكنها غير ملموسة واقعيًا. هذا بالإضافة إلى حضوري العديد من النقاشات والعروض التي تميزت بالتنوع والاختلاف”.

    نموذج لمنطقة تراثية معرضة للخطر

    قالت فاطمة صيلا، الباحثة الليبية في جامعة ليدز البريطانية بقسم الهندسة المعمارية، إن من متطلبات الدراسة في الجامعة تقديم أوراق بحثية في مؤتمرات عالمية، وهذا المؤتمر يتوافق تماما مع موضوع دراستها. التي تتناول تقييم إدارة المخاطر للمواقع التراثية في ليبيا.

    وأضافت: “الورقة البحثية التي قدمتها تناولت أداء مؤسسات التراث في ليبيا، وتناولت مدينة غدامس التي أُدرجت في قائمة التراث العالمي منذ عام 1986، وهي مدينة طينية تقع وسط الصحراء، يعود تاريخها إلى أكثر من 4000 عام، وكانت ممرا لقوافل التجارة والحج. وتحتوي على آثار رومانية وفينيقية. وهي مدرجة حاليا ضمن قائمة التراث المعرض للخطر منذ عام 2011.

    وأكدت فاطمة عدم وجود أي محاولات حقيقية من الدولة للحفاظ على المدينة. ولذلك اختارت التركيز عليها في بحثها، خاصة وأنها مدينتها الأم. وقبل مغادرتها إلى بريطانيا كانت قد أسست جمعية خيرية باسم “مركز عيون غدامس القديمة”. لتمثيل صوت المعارضة والدعوة للحفاظ على المدينة.

    وأوضحت أن أبرز توصيات بحثها تضمنت تحديث قانون حماية التراث في ليبيا، الذي لم يحدث منذ عام 1993، ولا يتماشى مع المتغيرات الحالية، بالإضافة إلى ضرورة تعديل المناهج التعليمية، التي لا تتطرق إلى مفاهيم التراث والحفاظ عليه في جميع المراحل التعليمية.

    الباحثة الصينية "تشيواني لين"
    الباحثة الصينية “تشيواني لين”
    دراسة السينما والطعام كعوامل تراثية

    قدمت ميرنا ميخائيل، من الجامعة الألمانية بالقاهرة، ورقة بحثية تناولت كيف تغيرت صورة منطقة وسط البلد بالقاهرة في السينما منذ الثلاثينات وحتى اليوم، مع مقارنة بمدينة باريس، وناقشت ما إذا كانت التغيرات مراحل طبيعية أم أوجه اختلاف جوهرية.

    ركزت الورقة على تطور نمط حياة سكان المدينة واختلافه عبر العقود. وعن زيارتها للإسكندرية، قالت ميرنا: “أحب الإسكندرية كثيرا. وهذه أول مرة تتاح لي فرصة المكوث فيها عدة أيام متواصلة. ولكن إذا اختلف التعامل مع المدينة ستكون أجمل. فهي تضم أماكن مميزة كثيرة لا تحظى بالاهتمام الكافي، بينما نرى مدنا عالمية أقل منها قد استطاعت إبراز وتجميل معالمها”.

    كما ناقشت الباحثة الصينية “تشيواني لين”، من جامعة ليدز، ورقة بحثية عن سياحة الطعام. درست فيها كيف يتم إعداد أماكن الطعام وأنواع المأكولات. التي تمثل عنصرا جاذبا للسياح في مناطق عدة داخل الصين.

    وعن زيارتها الأولى لمصر ومدينة الإسكندرية، قالت: “أعجبت بالمدينة كثيرا، ولكنها تحتاج لبعض النظام. فلم أستطع في عديد من الأوقات عبور الطرق والسير بجوار السيارات. ولكنها تمتلك العديد من الأماكن المباني التراثية الجميلة”.

    اقرأ أيضا:

    كيف أصبحت الإسكندرية حلما؟ الروائي «إبراهيم عبدالمجيد» يُفسر

  • «كل حاجة حلوة».. عندما يصبح الجمهور جزءا من العرض المسرحي

    «كل حاجة حلوة».. عندما يصبح الجمهور جزءا من العرض المسرحي

    اختتمت مسرحية «كل حاجة حلوة» جولتها في المحافظات بعرض على المسرح الروماني بمكتبة مصر العامة في المنصورة، بالتعاون مع مبادرة «فيو منصورة». وجاء العرض من بطولة الممثلة السورية ناندا محمد، وإعداد وإخراج أحمد العطار، على مدار يومين من الأسبوع الماضي، وسط حضور وتفاعل كبير من الشباب، إلى جانب عدد من الأطفال وكبار السن.

    ويأتي هذا العرض بعد سلسلة من العروض التي تم تقديمها في 5 محافظات بين الدلتا والصعيد، هي: دمياط، بورسعيد، الإسكندرية، المنيا، وأسيوط، بدعم من المركز الثقافي البريطاني.

    تعريب المسرح الأوروبي المعاصر

    مسرحية “كل حاجة حلوة” مأخوذة عن نص من تأليف الكاتب الإنجليزي دنكان ماكيملان، بالاشتراك مع جوني دوناهو، والمبني على قصتهما القصيرة “ملاحظات على أغلفة الأسطوانات”. وهي مسرحية كوميدية تفاعلية، تمت ترجمتها إلى العربية ضمن مشروع “المسرح المترجم: تقديم المسرح الأوروبي المعاصر بالعربية”، الذي يهدف إلى ترجمة 24 نصا مسرحيا لكتاب أوروبيين إلى اللغة العربية.

    وقد اختار د.محمود اللوزي، الممثل والمخرج المسرحي، هذا النص من بين 10 نصوص إنجليزية ليكون ضمن المشروع. العرض من إنتاج شركة المشرق للإنتاج، وبدعم من المجمع الثقافي في أبو ظبي، والملتقى الدولي للفنون العربية المعاصرة، وصندوق دعم الفنون العربية بباريس.

     

    قصة أوروبية بروح مصرية

    بدأ العرض بتوزيع الممثلة ناندا محمد بطاقات ورقية تحمل أرقاما وعبارات مختلفة على الحضور. خلال العرض، وطلبت من الجمهور قراءة الجمل المكتوبة على البطاقات عندما تنادي على الرقم المقابل لها، في إشارة واضحة إلى تفاعلية العرض ومشاركة الجمهور في الأحداث.

    وبعدها بدأت ناندا بالنداء على الأرقام، ليتفاعل الحضور مع قائمة طويلة من الأشياء التي تسعد فتاة تبلغ من العمر 7 سنوات. تعيش مع أم تعاني من الاكتئاب، تصل حالتها إلى محاولة انتحار. يرافقها والدها في رحلة بالسيارة لزيارة الأم، حيث يسود الصمت بينهما، تعبيرا عن صعوبة التواصل، خاصة من طرف الأب قليل الكلام.

    تستعرض ناندا حوارا كانت الطفلة تتمنى حدوثه مع والدها، بديلا عن الصمت المتبادل. وهو أحد أكثر المشاهد تعبيرا عن الفجوة العاطفية داخل العائلة. وفي مشهد مؤثر، دعت ناندا أحد الحضور لأداء دور الأب، لتوضح كيف يعبر الأطفال عن فضولهم وشغفهم بفهم الأمور من خلال سؤال بسيط:”ليه؟”. ثم بدلت الأدوار، وتجسدت دور الأب الذي يعجز عن التعبير عن مشاعره، في مقابل طفلة تجيد الإفصاح لكن يخونها الخوف والخذلان.  كان هذا المشهد من أبرز لحظات العرض وأكثرها تأثيرا.

    جمهور الأقاليم: بين الخجل والانفتاح على المسرح

    يحكي عمر الخلاوي، 26 عاما، موسيقي، عن مشاركته في أحد الأدوار قائلا: “كنت محرجا في البداية، لكني كنت سعيدا بالتجربة. ناندا مشجعة جدا على التفاعل، وأعتقد أن لدينا جميعا قدرة على التعبير الفني عندما نجد المساحة المناسبة. القصة كانت واقعية وقريبة منا. والممثلة كانت مبهرة في التفاعل بين المشاعر بانسيابية”.

    أما أميرة الغرباوي، 29 عاما، فعبرت عن سعادتها بعد أول تجربة لها في المسرح قائلة: “العرض جميل وتعايشت مع المشاعر تماما. مكنتش أعرف إن في عروض زى دي في المنصورة. العرض لمسني لأني مريت بفترة اكتئاب. وحسيت إنها بتتكلم عني. ساعدني التفاعل مع ناندا على عدم الغرق في المشاعر السلبية. بالعكس حسيت بإيجابية أكثر”.

    اختلاف الخبرة المسرحية للجماهير بين المحافظات

    أوضح المخرج أحمد العطار، أن اختلاف استجابة الجمهور يعود إلى مدى خبرته المسرحية، قائلا: “الجمهور المعتاد على حضور العروض. مثل جمهور جيزويت الإسكندرية، لدية خبرة في التفاعل. على عكس جمهور المدن الأقل تعرضا للمسرح. لكنهم يظهرون حماسا وفهما كبيرين”.

    وأضاف: “العمل يتطلب مسرحا مغلقا، لارتباطه بالتفاعل المباشر. وفي عروض دمياط والمنصورة، واجهنا تحديات مع المسرح المفتوح، واستخدمنا ميكروفونات لضمان تواصل فعال بين الجمهور والممثلة. وهو أمر مهم في عرض يعتمد على التفاعل والانفعالات”.

    وتابع العطار: “رغم مهارات ناندا المميزة في التكيف والتفاعل، فإن احترام عقلية الجمهور وتقديم موضوعات قريبة من بيئتهم هو ما يصنع التأثير الحقيقي”. وأوضح أن النص المكتوب يلعب دورا كبيرا في تحريك مشاعر الجمهور وإبقائهم في حالة ترقب. كما حدث في أحد المشاهد عندما اختار الجمهور نهاية غير متوقعة لأحد الشخصيات.

    “كل حاجة حلوة”.. تأليف وتمثيل وإخراج الجمهور للعرض 

    فيما عبرت ناندا محمد عن اختلاف العروض بين المحافظات. مشيرة إلى الجانب الإيجابي في تقديم العرض في مسرح مكشوف، قائلة: “رغم صعوبة التواصل باستخدام الميكروفونات والسيطرة على الجمهور، فإن اختلاف تجربة العرض بجوار مشهد النيل، مع الأشجار ونسيم هواء الربيع، أثر بالتأكيد في تلقي الجمهور للعرض. في كل عرض أكتشف شيئا مختلفا مع الجمهور. أجد منهم من يبذل جهدا للتركيز والبقاء معي في اللحظة المسرحية، ويتجنب سلبيات المسرح المفتوح، وهذا في حد ذاته عنصر أساسي في التواصل المسرحي”.

    وتضيف: “العرض مزيج من المشاعر المختلفة، يتحرك صعودا وهبوطا مثل الرولر كوستر. ورغم حساسية موضوع العرض، فإن طبيعة التفاعلية تمنحه بهجة خاصة بسبب حماس الجمهور. وترقبهم لفرصة المشاركة في التمثيل”. واختتمت حديثها: “بالتأكيد أود مشاركة الجميع، لكن لكل شخص حريته. التفاعل في هذا العرض ليس قائما على الإجبار، بل على الاختيار”.

    عندما تتحول بطاقة ورقية إلى باب الكتابة

    انتهى العرض بعد ساعة واحدة، منذ توزيع البطاقات على الجمهور. احتفظت ببطاقتين: الأولى: رقم 2، وتحمل العبارة: “إنك تتخانق مع صحابك ببلاين المية”. والبطاقة الثانية: رقم 5، وتحمل عبارة: “الحاجات المخططة”.

    هذه القائمة التي تكتبها البطلة خلال العرض، ساعدتها على الامتنان للأشياء الصغيرة التي تحبها. وكانت وسيلتها لتجاوز نوبات الاكتئاب، والتعامل مع أثر تجربة والدتها عليها.

    اقرأ أيضا:

    بدء أعمال ترميم مرسى “الوالدة باشا” بالمنصورة بعد سنوات انتظار

  • بعد 40 عاما في البحر.. «محمد دياب» يصنع مجسمات تنبض بحياة الموانئ

    بعد 40 عاما في البحر.. «محمد دياب» يصنع مجسمات تنبض بحياة الموانئ

    هذه قصة رجل عاش أربعة عقود بين الموانئ والسفن، لا كزائر عابر، بل كأحد أبنائها، يتنفس رائحتها ويأنس بأصواتها. «محمد دياب»، ابن حي فيصل في محافظة السويس، أحد أولئك الذين شكّل البحر هويتهم، ورسم على وجدانهم معالم لا تُمحى. وبعد تقاعده، لم ينكفئ كما يفعل الكثيرون، بل حوّل صالة بيته إلى متحف صغير، و«البلكونة» إلى ورشة تصنع الحنين وتجسد الذكريات في شكل مجسمات بحرية مدهشة.

    محمد دياب.. رسالة من البحر إلى الجيل الجديد

    قصة محمد دياب ليست فقط عن مجسمات، بل عن الوفاء للشغف، والاستمرار في الإبداع حتى بعد التقاعد، وعدم التسليم لفكرة “انتهى الدور”. إنه نموذج يُلهم الأجيال الجديدة بأن الفن قد يولد من تجربة حياتية طويلة. وأن الحب العميق لمكان أو مهنة يمكن أن يتحول إلى عمل فني خالد.

    كما يقدم رسالة خفية لكل من غادر البحر مضطرًا: “البحر لا يُغادر القلوب بسهولة، وإن ابتعد الجسد، يظل الحنين سفينة تبحر في الذاكرة”.

    البحر الملهم والمعلم الأول

    لم يكن البحر مجرد مكان عمل لمحمد دياب، بل كان المدرسة التي تعلّم فيها التأمل، والدقة، والجمال. فمنذ أن التحق بالعمل في الموانئ والسفن، تعلق قلبه بتلك اللوحة المتحركة التي لا تهدأ، أمواج تتلاطم، مراكب تبحر، أضواء تتلألأ في العتمة، وصفارات سفن تشق السكون.

    كل هذه التفاصيل لم تكن تمر عليه مرور الكرام، بل كانت تخزن في ذاكرته وتختمر في وجدانه، حتى صار البحر جزءًا من كيانه. لذا، حين بلغ سن المعاش، لم يكن الرحيل عن البحر نهاية، بل بداية لرؤية جديدة.

    البداية من “بلكونة” المنزل

    لم يحتج “دياب” إلى ورشة أو مرسم فاخر لينفذ أفكاره، ولا إلى تمويل ضخم ليشتري الخامات. كانت “بلكونة” منزله كافية ليبدأ منها رحلته الثانية، جهزها بورشة صغيرة لتقطيع الأخشاب، وجلب أدواته البسيطة، وبدأ بتشكيل المجسمات التي تنوعت بين مراكب شراعية، وسفن بضائع، ولنشات، وبوارج، وحتى حاويات دقيقة التفاصيل، ويخوت سياحية.

    أما صالة المنزل، فتحولت تدريجيًا إلى معرض دائم يعرض فيه إنتاجه، في تشكيلة تأسر العين وتثير الدهشة بين ألوان زاهية، إضاءة متقنة، تفاصيل تنطق بالحياة.

    محمد دياب يشكل مجسمات تنبض بالحياة

    لم يكتفِ محمد دياب بتصميم مجسمات ساكنة، بل طور عمله عامًا بعد عام، حتى أصبحت مجسماته مضيئة ومحاكية للواقع. لم يكن الهدف مجرد صناعة مركب مصغر، بل إعادة إحياء التجربة البحرية داخل غرفة المعيشة.

    تراه يهتم بأدق التفاصيل: اختلاف تصميم المركب السياحي عن ناقلة البضائع، طريقة توزيع الألوان، نوع الإضاءة، ودلالة كل جزء في المجسم. يعيدك إلى البحر دون أن تغادر اليابسة، ويمنحك شعورًا بأنك أمام سفينة حقيقية، لا مجرد قطعة خشب منحوتة.

    كل مجسم له حكاية بين الذكرى والخيال

    لدى الفنان السويسي، حكاية لكل مجسم، ولكل تفصيلة قصة. فبعض المراكب التي صممها كانت جزءًا من عمله في البحر. وأخرى شاهدها فقط من بعيد. وثالثة استوحاها من قصص الحجاج والسفن العابرة في قناة السويس. وغيرها شاهدها في صور وترجمها إلى مجسمات رائعة.

    هذه التوليفة بين الذكرى والخيال صنعت له هوية فنية خاصة. لم يدرس الفن أكاديميًا، لكنه مارسه بقلب البحّار ودقة المهندس، فأنتج أعمالًا لا تقل إبداعًا عن المحترفين.

    فنان لا يبحث عن الربح قدر نقل ثقافة البحر للبر

    رغم أن مجسماته تلقى إعجاب الكثيرين، إلا أن محمد دياب لا يسعى للربح. هو يبيعها بسعر التكلفة، بل أحيانًا بأقل من ذلك، مكتفيًا بلذة الإنجاز. يقول: “أهم حاجة عندي إن الناس تحب شغلي وتعيشه، مش مهم أكسب كتير، أنا كده كده مستمتع. بعض المجسمات يطلبها زبائن خصيصًا من عشاق البحر أو أصحاب الذوق الرفيع في الديكور”.

    وطموح محمد دياب لا يتوقف. فكما تجاوز الخشب إلى الإضاءة. يطمح الآن إلى تصميم مجسمات صغيرة تستطيع أن تتحرك في الماء، بمحركات بسيطة، تحاكي السفن الحقيقية في حركتها. وهذا المشروع، وإن كان مكلفًا، فإنه يعده تحديا جديدا، وقدرة أكبر على إدهاش محبيه، وفتح نافذة أخرى على البحر الذي لا يهدأ في أعماقه.

    اقرأ أيضا:

    «السويس».. عتبة الحجاز التي حملت أمنيات ملايين الحجيج إلى مكة

  • «السويس».. عتبة الحجاز التي حملت أمنيات ملايين الحجيج إلى مكة

    «السويس».. عتبة الحجاز التي حملت أمنيات ملايين الحجيج إلى مكة

    «السويس» ليست مجرد مدينة ساحلية مصرية تقع على طرف خليج السويس، بل محطة تاريخية وروحية عظيمة، استحقت ألقابًا مميزة مثل «عتبة الحجاز»، و«عتبة الحجاج»، لما كان لها من دور بالغ الأهمية في نقل الحجاج من مصر والدول المجاورة إلى الأراضي المقدسة. ارتبط اسم السويس بموسم الحج لقرون طويلة، حتى باتت جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة الحجيج المسلمين من مختلف أنحاء العالم.

    تاريخيًا، كانت مدينة السويس تُعرف باسم «القلزم»، وهي مدينة قديمة ارتبطت دومًا بحركة التجارة والسفر، نظرا لموقعها الفريد بين الشرق والغرب. ومع تطور طرق الحج، بدأت المدينة تكتسب أهمية إضافية، إذ أصبحت الممر الرئيسي لقوافل الحجاج المتجهين إلى الحجاز عبر البحر الأحمر.

    السويس.. من القلزم إلى عتبة الحجاز

    أطلقت الشعوب والقبائل على السويس أسماء متعددة مثل “عتبة الحجاز”، لأنها كانت البوابة الأخيرة قبل ركوب البحر والانطلاق نحو الأراضي المقدسة. و”عتبة الحجاج”، لأنها كانت نقطة الانطلاق التي تمر منها آلاف القوافل. و”عتبة الرسول” تعبيرًا عن شرف وخطورة الطريق الذي يبدأ منها نحو المدينة المنورة ومكة المكرمة.

    تكمن أهمية السويس في موقعها الجغرافي الاستراتيجي. إذ تقع عند نهاية البر المصري المتصل بالبحر الأحمر. ما جعلها المعبر الطبيعي والأكثر أمانًا للحجاج القادمين من مصر وشمال إفريقيا، بل ومن بعض الدول الأوروبية والآسيوية. وفي زمن لم تكن فيه الطائرات أو السكك الحديدية متاحة، كانت القوافل تأتي من كل حدب وصوب إلى السويس. ثم تبحر من مينائها إلى ميناء جدة، قبل أن تبدأ الرحلة البرية إلى مكة المكرمة.

    السويس.. قلب الحجاج وروح التاريخ

    رغم التحولات الحديثة، لا تزال السويس تحتفظ بجذورها في ذاكرة الحج. فكل ركن فيها يحمل قصة، وكل حجر يشهد على آلاف الأرواح التي مرت من هنا تبتغي الرضا والمغفرة. فبين مآذنها القديمة، وطرقاتها التي عبرها المحمل الشريف، وأسواقها التي ازدهرت ببركة القوافل، تظل السويس “عتبة الحجاز” التي لا تُنسى.

    والسويس ليست مجرد ميناء على البحر الأحمر، بل بوابة عبرت منها دعوات الملايين ومشاعر الخشوع والرجاء. هي المدينة التي كانت تبدأ منها الرحلة الكبرى نحو النقاء الروحي. وكانت محطة للتزود بالإيمان والماء والمؤونة. واليوم، ونحن نقرأ تاريخها ونمشي في دروبها، لا نملك إلا أن نحيي أرواح من مروا بها في طريقهم إلى الله. ونثمن دورها في رسم واحدة من أجمل صور الذاكرة الإسلامية، رحلة الحج عبر بوابة السويس.

    الحجاج والتجمع على طريق القاهرة – السويس

    قال الدكتور كمال بربري حسين العمري، وكيل وزارة الأوقاف الأسبق بالسويس، إنّ السويس كانت مركزًا لتجمع الحجاج من مختلف محافظات مصر. إلى جانب القادمين من ليبيا وتونس والجزائر والسودان وبلاد الشام. وكان الحجاج يتجمعون في منطقة تقع حاليا على طريق القاهرة – السويس، بالقرب من “عجرود”.

    في هذا المكان، كانت تُجمع القوافل، ويتم تجهيزها بالمؤونة والماء، وتحديد القادة المرافقين لها. ثم تتحرك نحو ميناء السويس القديم، الواقع فيما يعرف اليوم بكورنيش السويس أو منطقة “الخور”.

    رحلة الحج من السويس - أرشيف المؤرخ حسام الحريري
    رحلة الحج من السويس – أرشيف المؤرخ حسام الحريري
    الشيخ السادات.. شيخ القوافل وحامي الطريق

    أوضح “بربري” أن من الأسماء البارزة التي لعبت دورًا محوريًا في تنظيم رحلات الحج من السويس، اسم “الشيخ السادات”، أحد مشايخ الأعراب المعروفين، الذين تولوا مسؤولية تنظيم قوافل الحج. وقد بدأ دوره عام 1885 واستمر حتى أوائل القرن العشرين. وكان يعرف بحكمته وخبرته في إدارة القوافل وضمان سلامة الحجاج.

    وأضاف: عند وفاته، تم دفنه على شاطئ الخليج في منطقة لا تزال تعرف حتى اليوم باسمه “السادات”، تكريمًا له واعترافًا بدوره في خدمة حجاج بيت الله الحرام. وعند نقل قبره، كما يروي وكيل الأوقاف الأسبق، وجدوا جثمان الشيخ السادات سليماً رغم مرور السنين، وتفوح منه رائحة طيبة.

    السويس تستقبل قوافل الحجاج من أوروبا وآسيا

    لم تكن السويس بوابة الحجاج المصريين فحسب، بل استقبلت أيضا قوافل الحجاج القادمين من أوروبا، سواء عبر البحر أو عن طريق العريش وسيناء. وكان الحجاج يفضلون القدوم إلى السويس ومنها الإبحار إلى جدة، لعدة أسباب؛ أبرزها الأمان وسهولة الإمداد. فضلًا عن وجود مرافق خدمية وتجارية تدعم الحجاج خلال توقفهم بالمدينة.

    وبحسب المؤرخين، كانت بعض الوفود الأوروبية من مسلمي البوسنة والشيشان والقوقاز. بل ومن الهند وشرق آسيا، تصل إلى مصر عبر البحر المتوسط أو الموانئ الشرقية. لتمر بالقاهرة وتستقر في السويس أيامًا قبل الإبحار إلى جدة. وهكذا أصبحت السويس ملتقى عالميًا ومركزًا حضاريًا يعج بالثقافات واللهجات المتنوعة.

    رحلة الحج من السويس - أرشيف المؤرخ حسام الحريري
    رحلة الحج من السويس – أرشيف المؤرخ حسام الحريري
    بئر الحجاج وقلعة قنصوة الغوري

    من المعالم التاريخية التي لا تزال شاهدة على مكانة السويس في تاريخ الحج، “بئر الحجاج” الشهير بمنطقة عجرود. والذي كان يعد مصدر المياه الرئيسي للحجاج أثناء رحلتهم إلى مكة. ويقدر عمر هذا البئر بأكثر من 600 عام، وكان الناس يقطعون عشرات الكيلومترات ليملأوا القَرب منه استعدادًا للرحلة البحرية.

    ولم يكن البئر وحده هو المعلم البارز، بل كانت هناك أيضًا “قلعة قنصوة الغوري”، القائد المملوكي الشهير. والتي شُيدت لحماية الطريق وحراسة الحجاج والقوافل. ورغم أن العثمانيين دمروها لاحقًا، لا تزال بعض آثارها باقية في صحراء عجرود. لتذكّرنا بعهد كان الحج فيه رحلة حياة كاملة، تبدأ بالإيمان وتنتهي بالرجاء.

    ويُعد بئر الحجاج من أقدم الآبار الموجودة في مدن القناة الثلاث، ويقع في قلب صحراء عجرود، التي كانت نقطة توقف أساسية لقوافل الحجاج. ولم يكن هذا البئر مجرد مصدر للماء، بل كان معلمًا روحيًا وجغرافيًا على الطريق المقدس، يقصده الحجاج بعد عناء السفر الطويل، ليستريحوا ويتزودوا بالماء قبل استكمال طريقهم نحو ميناء السويس. ومنه إلى جدة، عبر البحر الأحمر.

    شهادات تاريخية ومراجع موثقة عن بئر الحجاج

    أشار المؤرخون إلى أن بئر الحجاج في عجرود لم يكن مجرد مزار عابر، بل كان جزءا أصيلا من خريطة السويس القديمة. وقد ذكره ياقوت الحموي في معجمه الشهير معجم البلدان. حين قال: “ميرة أهل القلزم من بلبيس، وشربهم من السويس”، في إشارة إلى اعتماد مدينة القلزم (السويس قديمًا) على مياه هذا البئر تحديدًا.

    وتؤكد الروايات التاريخية أن أهل السويس القديمة كانوا يحصلون على المياه من بئر الحجاج، قبل انتقالهم تدريجيًا للعيش بالقرب من مياه الخليج. خاصة بعد هدم القلعة التي كانت تحيط بالبئر.

    رحلة الحج من السويس - أرشيف المؤرخ حسام الحريري
    رحلة الحج من السويس – أرشيف المؤرخ حسام الحريري
    قلعة قنصوة الغوري.. الحامية المجهولة

    بجوار بئر الحجاج، تقع أطلال قلعة “قنصوة الغوري”، التي بنيت لحماية طرق الحجاج وتأمينهم، لكنها دمرت بالكامل على يد العثمانيين عند دخولهم مصر. وبحسب المؤرخ فاروق متولي، فإن القلعة كانت تشكل علامة بارزة على السيادة المملوكية في المنطقة. ولذلك أصر العثمانيون على تدميرها حتى لا يبقى لها أثر يرمز للحكم السابق.

    لكن، وبرغم محاولات الطمس، لا تزال أجزاء من القلعة باقية في رمال عجرود، لتروي فصولًا من صراع القوى والسيطرة على طرق الحج والتجارة. وتؤكد أن السويس كانت، منذ قرون، مركزًا محوريًا في قلب التحولات التاريخية.

    الفخار المتناثر.. أثرٌ لا يُمحى بمرور السنين

    ما يميز محيط بئر الحجاج اليوم هو وجود كميات ضخمة من قطع الفخار المتناثرة على الأرض. وتظهر هذه الشظايا الأثرية، كما يقول المؤرخون، أنها كانت تستخدم لحفظ المياه والطعام للقوافل. وبعضها قد يكون بقايا لأوانٍ مملوكية أو فاطمية. وجود هذه الكسر يعكس حجم النشاط الذي شهدته المنطقة، ومدى اعتماد الحجاج عليها كمركز استراتيجي وعبور لا غنى عنه.

    الدكتور علي محمد علي، أستاذ الفنون التشكيلية بجامعة السويس، المعروف باسم “علي السويسي”، أكد قبل وفاته أن بئر المياه في عجرود هو دليل حي على وجود حياة مزدهرة في هذه المنطقة. وأنها لم تكن مجرد طريق عبور، بل مركزًا نابضًا احتضن الحجاج والمسافرين والتجار على مدار مئات السنين.

    وأضاف أن هذا البئر، إلى جانب البئر الآخر الموجود حتى اليوم داخل محل لتصليح الأحذية في منطقة “الغريب”، هما شاهدان حيان على عمق الجذور التاريخية لمحافظة السويس. مؤكدا أن حماية هذه المواقع واستكشافها يمكن أن يحولهما إلى مزارات أثرية وسياحية كبرى.

    رحلة الحج من السويس - أرشيف المؤرخ حسام الحريري
    رحلة الحج من السويس – أرشيف المؤرخ حسام الحريري
    النشاط الاقتصادي والاجتماعي في موسم الحج

    لم يكن موسم الحج حدثًا دينيًا فقط في السويس، بل كان أيضًا موسمًا اقتصاديًا واجتماعيًا ضخمًا. كان الأهالي يستعدون له قبل شهور. حيث تقام الأسواق، وتجهز السفن، ويعمل الحرفيون على إصلاح القوافل. بينما تقدم البيوت الطعام والمأوى للمسافرين.

    وكان التجار ينتظرون هذا الموسم لتبادل السلع بين مصر والمناطق التي يمر بها الحجاج. فقد كانت رحلة الحج فرصة تجارية كبرى، تباع فيها الأقمشة والتوابل والجلود، وتجلب منها بضائع من الحجاز واليمن والهند وغيرها.

    ورغم مشقة الطريق، لم تغب المرأة عن قوافل الحج، بل كان لها دور خاص، سواء كحاجة تؤدي المناسك، أو كمرافقة لأحد أقاربها، أو حتى كبائعة تعد المؤونة أو تبيع الطعام، وكانت نساء السويس يشاركن في تحضير الحجاج وإعداد المستلزمات، بل وهناك بعض الروايات التاريخية ذكرت نساء تولين رعاية الحجاج طوال رحلتهم، خاصة كبار السن والمرضى.

    تراجع دور السويس بعد تطور وسائل النقل

    مع تطور وسائل النقل وظهور الطائرات، بدأ دور السويس كميناء رئيسي للحج يتراجع تدريجيًا. لم تعد القوافل البرية ولا السفن هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى مكة. بل أصبحت الرحلات الجوية من مطار القاهرة مباشرة إلى جدة هي الأسرع والأكثر اعتمادًا.

    ومع ذلك، بقيت السويس في الذاكرة، رمزًا للرحلة الطويلة التي كانت تبدأ فيها الأرواح بالإحرام. قبل أن تمضي على بركة الله نحو بيت الله الحرام.

    اقرأ أيضا:

    «مولد عبد الله الغريب».. حكاية تمتد جذورها لأكثر من 100 عام في السويس

  • عادل مصطفى في معرضه «أحباب النيل»: أواجه ضغوط الواقع بالحلم في لوحاتي

    عادل مصطفى في معرضه «أحباب النيل»: أواجه ضغوط الواقع بالحلم في لوحاتي

    ينتقل الفنان التشكيلي «عادل مصطفى» بتجربته الفنية من تأثره ببحر الإسكندرية إلى سحر نهر النيل، من خلال معرضه الجديد «أحباب النيل»، المقام حاليا بقاعة الزمالك للفن، والمستمر في الفترة من 18 مايو الجاري إلى 5 يونيو. يستعرض المعرض ملامح جديدة من مشروع الفنان التشكيلي، حيث يغلب عليه الحس الشاعري والخيال الرومانسي، مستلهما من الطبيعة المصرية ما يعكس به عالما حالما في مواجهة صخب الواقع وضغوطه.

    تأثير النشأة في بيئة هادئة

    يعتبر مصطفى أن نشأته في كفر الشيخ أثرت في رؤيته للحياة من حوله. حيث نشأ في منطقة هادئة، لأب شاعر كان يصطحبه إلى الندوات وجلسات قراءة الشعر. مما انعكس على رؤيته كفنان من الصغر، في نظرته الشاعرية الحالمة للعالم من حوله.

    ويقول لـ«باب مصر»: “عندما انتقلت للدارسة الجامعية في الإسكندرية بكلية الفنون الجميلة، رأيت المدينة بشكل سلبي. لأنها كانت صاخبة بخلاف هدوء كفر الشيخ، وهو ما ظهر في تجربتي الأولي (خارج الإطار). حيث نظرت إلى الإسكندرية على أنها ليست البحر فقط، فخرجت اللوحات برؤية سلبية للمدينة الصاخبة. لكن، عندما عدت إلى رؤيتي الشاعرية ونظرت مختلفة. بدأت أرى تأثير الإسكندرية الفني بما تحمله من تنوع ثقافي، ومدرستها التشكيلية، وأساتذتها العظماء الذين أثروا حياتي ورؤيتي التشكيلية”.

    وأضاف: “أحسست أن معرض (خارج الإطار) يحمل طاقة سلبية. وأعتقد أن الفن لا يجب أن يُظهر عيوب المجتمع، بل يقدم صورة جميلة حالمة تعوضنا عن ضغوط الحياة اليومية. وقد تجسد هذا التوجه في معرضي (الطريق) عام 2018، حيث أوحى لي برؤية جديدة للطرق التي اعتدت السفر عليها بين الإسكندرية وكفر الشيخ والقاهرة والبرلس ورشيد”.

     حالة فانتزيا وحلم   

     يتجول عادل مصطفى في تجربته من البحر إلى النهر، بين ربوع المشهد المصري، ويسافر بالخيال الرومانسي الحالم، باحثا عبر اللغة البصرية التشكيلية عن العاطفة وعذوبة الطبيعة، في مواجهة سطوة الحضارة الخرسانية المعاصرة، بحسب ما ورد في الكتيب التعريفي للمعرض.

    ويضيف: “يصحبني دائما في تلك الرحلات التشكيلية الممتعة أبطال عالمي الخاص من العرائس الخشبية ذات الطابع الشعبي المصري، الزاهية الألوان. التي تذكرنا ببراءة الماضي والحنين للحالة المصرية الشعبية، وتوقظ سعادة الطفولة بداخلنا. عرائس النيل هنا تتعايش مع المشاهد في تنوعها وثرائها بين الألوان الفضية والذهبية والرمادية والأخضر بتنويعاته ودلالاته. حيث يلعب الفضي دورا هاما في تفاعل المتلقي مع العمل. فاللوحة في حالة تغير دائم، تماما كحال الحياة المستمرة”.

    ويقول مصطفى لـ«باب مصر»: “يدخل مشاهد المعرض معي في حالة من الفانتازيا والحلم والدهشة، وهذا أقصى أهداف الفنان من لوحاته أن يصل بها المتلقي إلى الدهشة والحلم وإن كان يري لوحة من واقع حوله”.

    لقد اخترعنا الفن لكي لا نموت

    ويقتبس هنا قول الفيلسوف الألماني نيتشه: “لقد اخترعنا الفن لكي لا نموت من الواقع”. ويستند إلى هذا المبدأ ليصوغ لوحاته في إطار من الواقعية السحرية. ففي لوحات “أحباب النيل” يظهر النيل نظيفا، خاليا من أي ملوثات على ضفتيه. حتى الصيادون تخرج شباكهم محملة بالورود والزهور لا بالأسماك.

    ويفسر ذلك بقوله: “منذ بدأت أرى الإسكندرية بعين مختلفة، وأركز على جماليات البحر فيها. بدأت استخدم تيمة أساسية في أعمالي، تمثلت في شخصيات تشبه العرائس الخشبية الصغيرة. وحتى البحر صار يلمع بالفضة، وقوارب الصيد باتت مليئة بالورود بدلاً من الأسماك. هذه الرؤية تعد معادلة لضغوط الحياة، إذ تنقل اللوحة جماليات الحلم. وتجعل المشاهد يشعر بالسعادة والاطمئنان، حتى لفترة لحظية. كما لو كان يشاهد فيلما أو مسلسلا جميلا أو لوحة تشكيلية”.

    ويقول: “لا تظهر مشاكل الحياة في لوحاتي، لأنني أناهض الواقع بالحلم، نقل الواقع كما هو ليس دور الفن. بل قد يكون دور الصحافة والأبحاث الأكاديمية”.

    في معرضه الحالي، يرى عادل مصطفى أن الماء في النهر أكثر هدوءا من صخب البحر. ويرى انعكاس الأرض على وجه النيل كأنه مرآة. وفي بعض الأماكن يظهر هذا الانعكاس بشكل مطابق. وحتى شكل المراكب السياحية المنارة بألوان صاخبة، والتي قد يراها البعض مزعجة. إلا أنها بالنسبة له تصنع نوعا من البهجة. وفي بعض اللوحات تختفي الألوان، ويكتفي بدرجات اللون الرمادي، وتظهر الألوان في ملابس شخوصه.

    رسالة ودعوة للاستمتاع بالمشهد

    في «أحباب النيل» والعروض السابقة، يؤسس الفنان لدعوة ورسالة مستمرة للاستمتاع بالمشهد الحالم الرومانسي، والعودة للطبيعة والجذور. في مواجهة نفسية لما يدور حولنا من صراعات وضغوط حياتية يومية. وكأن النيل العظيم يواصل مداده ونفحاته لأحبابه.

    ويقدم في تجربة جديدة ضمن المعرض مجموعة من أعمال الطباعة الغائرة (زنك) والطباعة الحجرية (ليثوجراف). لعمل شكل واحد يعاد تشكيله بتنوع من خلال لمسات وإضافات الفنان. ويقول في وصف التجربة: “كأني أعزف تنويعات متعددة على وتر واحد، وأتذكر هنا تغريدات أم كلثوم. حين تكرر الجملة الواحدة مرات عديدة. وفي كل مرة تقدم إحساس وحالة جديدة”.

    اقرأ أيضا:

    ما زال هناك من يرثي بائع الكتب «إدوارد منير»

  • كيف أصبحت الإسكندرية حلما؟ الروائي «إبراهيم عبدالمجيد» يُفسر

    كيف أصبحت الإسكندرية حلما؟ الروائي «إبراهيم عبدالمجيد» يُفسر

    «كيف كانت الإسكندرية وكيف أصبحت حلما؟» كان هذا العنوان الرئيسي لجلسة الكاتب والروائي الكبير «إبراهيم عبدالمجيد»، ضمن فعاليات المؤتمر العشرين للمنظمة الدولية للبيئات التقليدية، المقام في مكتبة الإسكندرية. وقد تحدث فيها عن ذكرياته في الإسكندرية، ورواياته التي تناولت حقبا تاريخية مختلفة للمدينة.

    كيف أصبحت الإسكندرية حلما؟

    قال الروائي والكاتب إبراهيم عبدالمجيد: “موضوع جلسة اليوم (كيف أصبحت الإسكندرية حلمًا؟) مبهج ومؤلم بالنسبة لي. فأنا من مواليد منطقة كرموز (راقودة)، وهي من أقدم مناطق الإسكندرية؛ تضم منطقة كوم الشقافة وعمود السواري والكثير من الآثار القديمة، وتحتها الخنادق القديمة. وكانت الإسكندرية تُذكر قديما بـ(المدينة القريبة من مصر)، وكأنها دولة مستقلة”.

    وأضاف: “من خلال قراءاتي علمت أن الإسكندر الأكبر، عندما قرر بناء المدينة، طلب من المهندس أن يرسم له حدود المدينة. فرسمها بالقمح لأنه لم يجد الجير الأبيض. لكن الطيور أكلت الحبوب، فقال له المهندس آنذاك: لا تحزن، فهذه المدينة ستكون مركزا للعالم كله”.

    واستعرض تاريخ المدينة قائلا إن العرب، عندما دخلوا مصر في القرن الثامن الميلادي. لم يكن لهم ارتباط بالموانئ، فحياتهم كانت في الصحراء. مما أدى إلى إهمال مدينة الإسكندرية. حتى جاء نابليون بونابرت إلى مصر، وكانت الإسكندرية لا يتجاوز عدد سكانها 6 آلاف نسمة، فقراء، رغم مقاومتهم القوية له آنذاك.

    وتابع: ثم جاء محمد علي، وكانت تلك نقطة التحول للمدينة. إذ أعاد بناء الإسكندرية بحفر ترعة المحمودية، فازدهرت التجارة والصناعة والترسانات البحرية. وبدأ اليونانيون والشوام والإيطاليون في العودة إلى المدينة مرة أخرى. وفي عام 1840 تقريبا، وصل تعداد المدينة لـ40 ألف نسمة. ثم ظهرت الثقافة والفنون، مثل الفن التشكيلي، الذي يعود إلى أيام الفراعنة. ولكن تم إهماله لاحقا، وظهر الفنانون يرسمون على ضفاف ترعة المحمودية، واستعادت المدينة روحها الكوزموبوليتانية العالمية. وظهرت حركات التجديد في الأدب والشعر مثل حركة أبوللو، وكانت اجتماعاتهم تعقد في مطعم “تريانون” بمنطقة محطة الرمل.

    الإسكندرية مدينة عالمية

    أشار عبدالمجيد إلى أنه في عهد الخديوي توفيق، وتحديدا عام 1895، أصبحت الإسكندرية مدينة عالمية في السينما والفن، فظهر أول استوديو في مصر بها، وكذلك أول مجلة، ولكن باللغة الفرنسية. وكان الناس في المقاهي يقرؤون الصحف بلغات متعددة. وفي عام 1915، كان هناك 35 مجلة للمرأة، بينما اليوم لدينا اثنتين، وربما لا تصدران أصلا. وعاش الناس من مختلف الديانات والجنسيات في المدينة بسلام، خاصة في الإسكندرية. وكان تمثال سعد زغلول، بنظرته نحو البحر الأبيض المتوسط، يرمز إلى التنوع والاختلاف في المدينة.

    واستعاد الروائي إبراهيم عبدالمجيد ذكريات شبابه قائلاً: “كان الجنوب؛ العصافرة والمندرة والمعمورة، عبارة عن حقول زراعية لكل الفواكه، وفيها فقط بيوت الفلاحين. وقد عٌرض علي عمل في منطقة باكوس، ولم يكن فيها إلا مبنى الشركة، وبقية المساحة عبارة عن مزارع. أما اليوم، فلا يمكن السير فيها بسبب الزحام. وفي منطقة غيط العنب، كانوا يصنعون الجبن والألبان”.

    وأكد: في السبعينات، وهي مرحلة شبابي، رأيتُ كيف تغيرت الإسكندرية، وكيف فتح الرئيس الراحل السادات الباب للإخوان والسلفيين، ما أدى إلى تدمير معظم دور السينما وإغلاق الملاهي الليلية، كما تغيرت الشواطئ، وانتهت مسابقات ملكات الجمال.

    ولم يكن هناك تحرش أبدا بالرغم من حرية ارتداء ملابس البحر، لكن اليوم أصبح التحرش ظاهرة، رغم اختلاف ملابس الشاطئ. كما انتهى الاهتمام بالموسيقى والشعر في الجامعات والمدارس. آنذاك أطلقتُ تعبير “الإسكندرية في غيمة” وتمنيت أن تنقشع، فقد ازدهرت ثقافة تحقير المرأة في مصر كلها.

    افتتاح المؤتمر العشرين IASTE 2025

    شهدت مكتبة الإسكندرية افتتاح المؤتمر العشرين للمنظمة الدولية للبيئات التقليدية. بحضور الدكتور عبد العزيز قنصوة، رئيس جامعة الإسكندرية، والدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، والدكتور مارك جيلام، رئيس منظمة IASTE، والدكتور وليد عبد العظيم، عميد كلية الهندسة. وممثلي وزارات البيئة والإسكان والسياحة والآثار والثقافة، والباحثين من مختلف دول العالم. ويعقد المؤتمر بالتعاون بين جامعة الإسكندرية والمنظمة الدولية للبيئات التقليدية ومكتبة الإسكندرية.

    ورحب الدكتور عبد العزيز قنصوة، رئيس جامعة الإسكندرية، بضيوف المؤتمر. مؤكدا أن الإسكندرية تعد المدينة المثالية لإقامة فعاليات المؤتمر العشرين للمنظمة، التي تناقش البيئات التقليدية والعلاقة المتبادلة بين المجتمع والعمران. وهو ما تتمتع به المدينة من مبان تراثية وتاريخية، التي تحكى قصصا عن عظمة وعراقة هذه المدينة الممتد عبر التاريخ. وأشار إلى أن المؤتمر انطلق منذ عام 1989 ويناقش عددا من القضايا المختلفة عن العلاقة بين المجتمع والعمران.

    ومن جانبه، صرح الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، بأن المؤتمر يُعد منصة أكاديمية وثقافية رفيعة. تجمع باحثين وممارسين من مختلف أنحاء العالم. لمناقشة التفاعل بين التقاليد المحلية والهويات العالمية في السياقات المعمارية والعمرانية والاجتماعية.

    فيما عبر الدكتور مارك جيلام، رئيس منظمة IASTE، عن سعادته بتواجده في رحاب مدينة الإسكندرية التراثية العريقة، مشيدا بحجم المشروعات الناجحة في المدينة.

    اقرأ أيضا:

    «حلوى الذاكرة»: استعادة ملامح الفنان خالد فاروق في ذكراه

  • ما زال هناك من يرثي بائع الكتب «إدوارد منير»

    ما زال هناك من يرثي بائع الكتب «إدوارد منير»

    لن يعرف «إدوارد منير» أن صورته تملأ صفحات موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، مرفقة مع كلمات رثاء وتبجيل يستحقها، كونه أقدم مالك محل مستمر في بيع الصحف والكتب الورقية بمدينة الإسماعيلية، منذ عام 1953، وقد غيبه الموت في 19 مايو الجاري.

    لعدة سنوات، بقي إدوارد منير، أحد معالم ميدان الممر، أشهر ميادين الإسماعيلية، وهو يجلس بهدوء بين أرفف الكتب وأكوام الصحف، يجيب عن أسئلة رواد المحل عن الكتب الجديدة المتوفرة أو مواعيد وصول الصحف، أو يبيع كتبا مستعملة بأسعار زهيدة.

    إدوارد منير: الكتب والصحف خير رفيق

    في لقاء سابق مع وكالة “رويترز” في ديسمبر 2024، قال إدوارد منير: “الكتب والصحف هما خير رفيق لي منذ أكثر من 30 عاما”. مشيرا إلى أنه كان يعمل صباحا مهندسا في شركة تتبع قطاع الأعمال. ثم يتوجه إلى محله الذي ورثه عن والده منذ أوائل الخمسينيات، ليواصل بيع الصحف.

    كان إدوارد صديقا لأجيال متعاقبة من قراء مدينة الإسماعيلية. يرتبط بعادة صباحية مألوفة لأرباب المعاش بانتقاء صحيفة وسندوتش من مطعم مجاور. ثم الجلوس مع كوب الشاي على “مقهى المثلث” على الرصيف المقابل لمحله.

    وفي المساء، بعد منتصف الليل، كان جمهور النادي الإسماعيلي يتجمع حوله ينتظرون وصول الصحف المسائية التي تفرد صفحات للحديث عن فوز الإسماعيلي في سنوات سابقة.

    إدوارد.. علامة من علامات الإسماعيلية

    الدكتور بهاء محمدي، أستاذ هندسة المعلومات الجغرافية بجامعة ووهان بالصين، كتب على صفحته في “فيسبوك”: “إدوارد علامة من علامات الإسماعيلية. معتقدش حد فى جيلى أو الجيل اللي قبلي واللي بعدي معداش عليه. كنت بشتري الكتب من عنده جديدة بسعر المستعمل، وأقرأ الكتاب، أخلصه وأرجعه له وأخذ كتاب تاني بمقابل أقل. كان فعليا يتعامل بمبدأ تأجير الكتب بمبلغ زهيد. ومعتقدش إني كنت أقرأ كم الكتب التي قرأتها في مرحلة المراهقة لو مكانش إدوارد موجود”.

    ويتذكر أحمد فؤاد، أحد سكان الإسماعيلية، كيف كان إدوارد يحجز له نسخة من “الأهرام المسائي” لمتابعة مقال الكاتب “محمد إسماعيل علي” بعد فوز مهم للإسماعيلي.

    وفي حواره مع صحيفة “القناة” المحلية في مارس 2027، قال إدوارد: “هذا المحل إرث أبي، افتتحه عام 1953. وكان قبلها يملك محلا في شارع نيجرللي (الجيش حاليا)، لبيع الصحف الأجنبية للإنجليز والفرنسيين والأجانب العاملين في قناة السويس وقتها. وبعد ثورة يوليو 1952 وجلاء الإنجليز، انتقل المحل إلى هذا المكان”.

    من هو إدوارد منير؟

    في الحوار ذاته، أوضح إدوارد أنه حصل علي بكالوريوس الهندسة من جامعة قناة السويس عام 1989. وكان منذ طفولته يساعد والده في إدارة المحل خلال الإجازات الدراسية. ورغم عمله كمهندس في شركة تابعة لقطاع الأعمال، لم ينقطع عن المحل.

    وأضاف أن معظم رواد المحل من المثقفين والسياسيين، تجمعه بهم علاقات صداقة ومعرفة قديمة. وحتى مع تراجع أرقام توزيع الصحف، ظل زبائنه من فوق الأربعين عاما، يأتون لشراء الصحف. بالإضافة إلى شباب من الجيل الأحدث، يفضلون الروايات لكتاب من نفس أعمارهم أو أكبر قليلا، ولا يهتمون كثيرا بالصحف الورقية. لأنهم يكونوا قد قرأوا الأخبار مسبقا على الإنترنت.

    وقال إنه كان يشعر بالسعادة عندما يتمكن من توفير نسخة من رواية أو كتاب سأل عنه أحد الزبائن. سواء كان في مخزن المحل أو أتي به خصيصا من دار نشر.

    وبرحيل إدوارد عن ساحة ميدان الممر، بقي محله يديره مساعده منذ سنوات. فيما تبقى سيرته حاضرة بين أرفف الكتب والصحف التي حفظت إرثه، وإرث أبيه منير جندي من قبله.

    اقرأ أيضا:

    «سيرة الإسماعيلية»: كل مكان له حكاية تستحق أن تُروى

  • «حلوى الذاكرة»: استعادة ملامح الفنان خالد فاروق في ذكراه

    «حلوى الذاكرة»: استعادة ملامح الفنان خالد فاروق في ذكراه

    تتواصل حتى العاشر من يونيو المقبل فعاليات المعرض الاستيعادي «حلوى الذاكرة» للفنان التشكيلي الراحل «خالد فاروق»، بمتحف الفنون الجميلة بالإسكندرية، وسط حضور فني وجماهيري لافت. ويقدم المعرض تجربة متكاملة للزوار من خلال عرض80 عملا فنيا، من لوحات زيتية ورسوم بخامات متنوعة. بينها 14 لوحة فقط سبق عرضها في آخر معارضه بالقاهرة، بينما تعرض بقية الأعمال للمرة الأولى. كما يشمل المعرض إعادة تجسيد مرسم الفنان الراحل، متضمنا أدواته وكتبه ولوحات غير مكتملة.

    معرض «حلوى الذاكرة»

    قالت سمر أبوزيد، زوجة الفنان الراحل خالد فاروق، في تصريح خاص لـ«باب مصر»: “يعد هذا المعرض الأول له بعد وفاته، التي وقعت منذ أشهر قليلة، في ديسمبر الماضي. كنت أتمنى إقامة المعرض في ذكرى ميلاده الستين في شهر مارس. لكنه صادف فترة عيد الفطر المبارك. وكان اليوم هو أقرب موعد لإقامة المعرض كما حدده قطاع الفنون التشكيلية. وأنا سعيدة جدا بوجود المعرض داخل متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية”.

    وعن تجهيزات المعرض قالت أبوزيد: “جهزت العائلة اللوحات، وأنا من وضعت اسما لكل لوحة لم يسمها الفنان الراحل. لتعبر عنها. يتكون المعرض من الصالة الرئيسية وغرفتين: الأولى في بدايته، والأخرى في نهايته. وتحتوي الصالة الأساسية على 14 لوحة سبق عرضها في معرض (مثل ظل على الماء). الذي أقيم بالقاهرة في إبريل 2024. وكان المعرض الأخير للفنان، وكل لوحاته زيتية”.

    وأضافت: تضم الغرفة الأولى لوحات صغيرة زيتية مرسومة على الورق. وهي تابعة للمشاريع التي عمل عليها الفنان؛ مثل “إسكندرية والبحر”، “المعرض”، و”مجنون ليلى”. أما الغرفة الأخرى في نهاية المعرض، فيها نموذج مصغر لمرسم الفنان. يضم الحامل، والكرسي، وطاولة ألوانه، والفرش، والباليتات التي كان يعمل بها. بالإضافة إلى مكتبة صغيرة بها مجلات فنية وبعض الكتب التي كان يوليها أهمية خاصة. إضافة إلى الكتب التي ترجمها في سنواته الأخيرة. وديوان “مجنون ليلى” الذي كان يقرأ منه كثيرا.

    معرض «حلوى الذاكرة»
    معرض «حلوى الذاكرة»
    لوحات غير مكتملة

    أوضحت زوجة الفنان أن هناك لوحة كبيرة تُعد من البورتريهات التي لم يكملها. حيث توقف عند رسم يد الشخصية ولم يكن راضيا عنها، فقام بمسحها. وأضافت: “له عدة دراسات خارج اللوحة بأكثر من وضع لليد، وضعناها بجوار اللوحة الكبيرة. لأنه لم يستكمل اللوحة بالوضع الذي اختاره، والذي حدده بعلامة (صح). وتوجد هذه اللوحة بغرفة المرسم الخاص به”.

    وتابعت: كما أضفنا اسكتشات بالقلم الرصاص لمشاريعه (إسكندرية والبحر- المعرض- مجنون ليلى)، هذا بخلاف بعض البورتريهات لأفراد العائلة؛ فهناك بورتريه شخصي لخالد فاروق، وبورتريه لابنه الكبير، وآخر للصغير، وبورتريه غير مكتمل لوالديه، موجودين أيضا بغرفة المرسم.

     محتويات «حلوى الذاكرة»

    روى الفنان محمد حسني كواليس اللوحة التي رسمها له الفنان الراحل خالد فاروق، قائلاً: “كنت أشارك في مسرحية (قواعد العشق الأربعون) بالقاهرة. وخلال زيارتي لمنزل الفنان الراحل، عزفت على العود عدة ألحان، فقام بتصويري فوتوغرافيًا. وبعد فترة دعاني لزيارته. وفوجئت بهذه اللوحة وشعرت بالسعادة الكبيرة. لأنه وثق لي هذه الفترة من حياتي”.

    وأكد «حسني» أنه شعر بوجود روح الفنان الراحل في المعرض، قائلا:”افتقدت وجوده، لكن أعماله تخلد اسمه، وكأنها تجسده روحيا”. مقدما الشكر لكل من ساهم في تنظيم المعرض.

    المعرض الأخير للفنان خالد فاروق

    استعاد عمر خالد فاروق، نجل الفنان الراحل، المعرض الأخير في القاهرة “مثل ظل على الماء”، قائلاً: “دائما ما كان يتحدث والدي عن أمنيته أن يكون معرضه الأخير قوياً شاملا لعدد كبير من أعماله. وبالفعل حدث هذا في معرضه الأخير في إبريل 2024. ثم تعرض لوعكة صحية أدت لوفاته”.

    وأضاف عمر: “معرض (حلوى الذاكرة)، المقام بمتحف الفنون الجميلة بالإسكندرية، أقيم في المدينة التي كان والدي يفخر بها. ومعروض به 14 لوحة فقط من معرضه الأخير. وباقي اللوحات تعرض لأول مرة. وقد عمل والدي على هذه المشاريع لفترات طويلة، وكان يطورها باستمرار، ويختلف شكلها في كل مرة. وأعتبر هذا المعرض إحياءَ لذكراه، وسط تجمع من أحبوه وأصدقائه”.

    اقرأ أيضا:

    «استدامة التراث الثقافي بالإسكندرية».. ما هو مستقبل المتاحف في المجتمعات سريعة التغير؟

  • «سيرة الإسماعيلية»: كل مكان له حكاية تستحق أن تُروى

    «سيرة الإسماعيلية»: كل مكان له حكاية تستحق أن تُروى

    يطمح «محمد حزين» مؤسس مبادرة «سيرة الإسماعيلية»، إلى إنشاء مركز ثقافي ينقل تراث المدينة. ويُمَني نفسه بأن يكون هذا المركز في مبنى ذي طراز معماري مميز يعكس الهوية التاريخية للمدينة.

    ودشن حزين «سيرة الإسماعيلية» مطلع مايو الجاري، كتطوير لمبادرته الأولى “الإسماعيلية أماكن وحكايات”، التي انطلقت في فبراير 2021، ليحكي من خلالها قصص المدينة وارتباطها بتاريخ قناة السويس.

    كيف بدأت فكرة سيرة الإسماعيلية؟

    يقول حزين: “الفكرة بدأت من خلال مجموعة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك باسم “الإسماعيلية أماكن وحكايات”. كان الهدف وقتها تسليط الضوء على تاريخ وتراث المدينة للجيل الجديد من سكان الإسماعيلية. وأيضا لمن هم من خارجها، وأعتقد أن جزءا كبيرا من تاريخ الإسماعيلية مجهول لمن لا يبحث عنه”.

    ويضيف أن الدافع الأول لتدشين مبادرته جاء خلال مشاركته مع فريق “سيرة القاهرة”. عندما تندروا بأن معرفتهم عن الإسماعيلية تقتصر على كونها مكانا مناسبا “للمانجو وأكلة سمك”. الأمر الذي جعله يفكر في البدء في تعريف أصدقائه بتاريخ مدينة مسقط رأسه ومكان إقامته، وما تحمله من تنوع ثقافي.

    تاريخ الإسماعيلية الإنساني

    يوضح حزين: “صحيح أن الإسماعيلية مدينة حديثة نسبيا، إذ لا يتجاوز عمرها 163 عاما. ويرتبط وجودها بحفر قناة السويس، إلا أنها تتمتع بتنوع ثقافي وحضاري بسبب نشأتها الكوزموبوليتانية. بفضل سكانها الأوائل من المصريين والسودانيين والإنجليز والفرنسيين والألمان واليونانيين والطليان. بالإضافة إلي جاليات من تشاد والنيجر والهند والأستراليين من جنود الجيش البريطاني. هذا يجعل من تاريخ الإسماعيلية تراثا إنسانيا مذهلا يجب تسليط الضوء عليه”.

    وتابع: هذا التنوع تعززه أيضا موجات الهجرات السكانية من وإلى المدينة. بداية من جلب العمال لحفر قناة السويس، ثم مغادرتهم عقب حفل الافتتاح، وحضور عمال وموظفين جدد. ثم التهجير بسبب معارك الحربين العالميتين الأولى والثانية على المدينة وقناة السويس. وبعدها التهجير الأشهر عقب حرب يونيو 1967، ثم العودة في 1975، وصولا إلى الهجرة الكبرى في الثمانينات والتسعينيات من سكان المحافظات المجاورة للإسماعيلية. للاستفادة من فرص الوظائف في المدينة الواعدة حينها”.

    ويشير حزين إلى حرصه على جمع ما كُتب عن تاريخ المدينة، وخاصة الحروب التي خاضتها مصر على أرض الإسماعيلية. كحامية عسكرية في معارك المصريين القدماء ضد الهكسوس وحماية الحدود الشرقية. وصولا إلى معركة التل الكبير ضد الجيش البريطاني، حتى حربي الاستنزاف وأكتوبر 1973.

    الإسماعيلية أكبر من “باريس الصغرى”

    يرى حزين أن هدف مبادرته هو البحث فيما هو أكبر من وصف الإسماعيلية بأنها “باريس الصغرى”. معتبرا أن هذا الوصف يختزل المدينة في الحي الذي سكنه الموظفون والعمال الفرنسيون بعد حفر قناة السويس. وهو الحي الأكبر الذي سكنته الجاليات الأجنبية المعروف حاليا بـ”الحي الأفرنجي”.

    ويقول: “بالتأكيد، يعد حي مساكن الفرنسيين الباقي حتى الآن علامة معمارية مهمة في تاريخ المدينة. لكن لا يمكن اعتباره التاريخ المعماري أو الثقافي الوحيد للمدينة. لذا، أفضل تسليط الضوء على تراث اليونانيين، بحكم أنهم أكبر جالية في مصر شاركت في تشكيل الثقافة المصرية بمدن القناة والإسكندرية. وعملهم كبحارة في قناة السويس أو التجارة.

    ويعتمد محمد حزين في مبادرته “سيرة الإسماعيلية” على تطوير مهارات البحث وأرشفة المعلومات التاريخية. ويعتبر نفسه هاوٍ اقتناء المجلات والكتب القديمة ومذكرات سكان المدينة القدامى، وأرشيف المجلات المصرية والأجنبية التي تحكي عن الإسماعيلية وقناة السويس.

    تاريخ الإسماعيلية وقناة السويس

    يقول حزين: “أصبحت أبحث في كل مكان أزوره عن معلومات حول تاريخ الإسماعيلية وقناة السويس في المجلات والكتب. وأبحث عن مذكرات وخطابات شخصية لضباط أو مهندسين قدامى بالمدينة وقت حفر قناة السويس وما بعدها. لأنها تشكل تراثا إنسانيا أكبر مما تحكيه جدران بيوت المدينة”. ويضيف أنه يعتمد أيضا على جمع شهادات بالتأريخ الشفهي للأحداث والوقائع التاريخية. لأن كثير من الروايات والحكايات الشعبية تطغى على  الروايات الرسمية.

    ويسعى حزين حاليا لنشر مبادرته من خلال تنظيم جولات ثقافية بأحياء الإسماعيلية، وفي الأماكن التي تحمل حكايات المدينة، وهو هدف اسم مبادرته السابقة، إذ يرى أن “كل مكان له حكاية تستحق أن تروى”.

    تراث المدينة وحكاياتها

    شاركت المبادرة في تنظيم ورش لتعليم الأطفال إنتاج الأفلام، وورشة للتدريب على إنتاج أفلام خاصة بالبيئة. خلال مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية في فبراير الماضي. بالإضافة إلى مبادرات لتنشيط السياحة البيئية والثقافية، وجولات للأطفال للرسم في الحدائق المفتوحة والحكي عن تراث المدينة.

    ويشير حزين إلى تنظيم 100 جولة ثقافية في المدينة، وفي الجولة المائة مع فريق “سيرة القاهرة”، تم الإعلان عن تغيير المبادرة إلى “سيرة الإسماعيلية”. كشراكة بين المبادرتين، ويتمنى أن تتحول المبادرة إلى مركز ثقافي يهتم بتراث المدينة وحكاياتها.

    اقرأ أيضا:

    «متحف قناة السويس».. تاريخ من سخرة الحفر إلى إرادة التأميم والتطوير

باب مصر