باب مصر

الكاتب: . .

  • صنع الله إبراهيم في مذكرات محمد ملص: يوميات «موسكو»

    صنع الله إبراهيم في مذكرات محمد ملص: يوميات «موسكو»

    في عام 1971 ترك صنع الله إبراهيم برلين حيث كان يعمل صحفيا إلى موسكو في منحة لدراسة السينما. وسجل صنع الله تفاصيل هذه السنوات في روايته «الجليد».

    في موسكو تزامل صنع الله مع المخرج السوري محمد ملص، حيث سكنا سويا في العرفة 403 في بيت طلبة معهد السينما بموسكو، وقد كتب صنع الله أول أفلام ملص عن تجربة السجن، وشارك في التمثيل أيضا، وهو الفيلم الذي كان مشروع تخرج كليهما.

    سجل ملص يومياته في موسكو، ونشرها في كتاب «مذاق البلح» ليقدم فيها بورتريها عذبا لصاحب «تلك الرائحة»، بوتريه لروائى خاص، حيث جاء صنع الله إلى موسكو ليكتب، يكتب فقط كان هذه مشروعه. يكتب ملص في مقدمة يومياته: ومن مصادفات صداقتنا، أن طلبه هذا أوصله إلى معلمي المخرج “تالانكين”. بعد أن التقى “تالانكين” بصنع الله، أدرك كما قال لي: يجب أن تكون مهمتنا مع صنع الله، ليس تحويل هذا الكاتب إلى سينمائي، بل أن تكون السينما في نسيج تجربته الأدبية”. نختار هنا – بإذن خاص من ناشر الكتاب الروائي السوري خليل صويلح- مقاطع من يوميات ملص عن علاقته بصنع الله.

    -1-

    روايتاه اللتان قدمهما لي لأقرأهما، كانتا مخطوط رواية “67” التي لم تنشر، وروايته الجميلة “تلك الرائحة”، وقد شعرت وأنا أقرؤهما، أنه هو نفسه بلحمه ودمه يقفز من بين سطور روايتيه وينظر إلى القارئ بشماتة. بعد أيام روى لنا صنع الله حكاية الاعتقال والسجن.

    كانت ليلة رأس السنة. وكان عام ١٩٥٩ يهل علينا بيومه الأول. كنت قد عدت إلى البيت بعد سهرة رأس السنة، وبدأت أستعد للنوم، فجاءوا وأخذوني. أتذكر كيف وقفنا واحدنا إلى جانب الآخر، في سيارة “اللوري” صامتين. وكل يزال بملابس النوم. منا غارق في أحواله وعالمه الخاص. كان المنظر مضحكاً لأن الكثير منا، كان لا يزال بملابس النوم.

    هذه السيارة الداكنة كانت تزحف في شوارع القاهرة التي كانت تلك الليلة نائمة، وهي التي لا تنام عادة يداي مقيدتان بسلسلة واحدة مع شهدي عطية الشافعي، وننتقل من “القلعة”، إلى “الواحات” إلى “أبي زعبل”. بعد مراسم الاستقبال في “الواحات” في ذلك النهار اللاهب، أخذوا شهدي، ولم تعرف بعدها ماذا فعلوا به.

    في اليوم التالي سرت شائعات، بأنهم قتلوه! كان حديث صنع الله هذا، يرن بإيقاع شخصي وخاص. وقد حملت رغبته بالتعبير مذاقاً فصلنا عن كل شيء آخر. حتى صديقتي العزيزة “فيرا” التي لا تفقه اللغة العربية، كانت تصغي باهتمام وتأثر كانت فيرا قد لجأت إلينا هربا من صبايا الطابق الخامس الغارقات في خلط الطحين بالملح، وانتظار منتصف الليل، ليرمين بفردة من أحذيتهن من النوافذ، وليهرعن بعدها إلى الشارع لتستقبل كل واحدة منهن أول رجل تصادفه، فيعرفن من اسمه أسم رجلها في المستقبل. بدا هذا البوح النادر عند صنع الله، في ليلة الميلاد الروسي، أشبه بخلط الحزن بالدم، فقد كانت عيوننا تجوس كل همسة تزفرها هذه الذكريات.

    وفجأة وبشكل لا يشبه إلا الرعد الروسي دخل صديقنا الألماني “كورت” مخموراً؛ وأزرار قميصه المنفلتة؛ تكشف عن صدر تتهدل على صفحته ربطة عنقه في هذه الأيام كان كورت بعد أن عاد من ألمانيا إلى المعهد ليتابع دراسته السينمائية… يعيش في ضيافتنا. كان كورت يكن لفيرا مشاعر خاصة ويحس بالسعادة حين يلتقيها. لكنه حين دخل إلينا على هذا النحو ورآها شعر بالخجل. جلس معنا، ودعا فيرا لتقترب منه فصدم واستغرب انغماسها بما لا تفهمه ولما طالت الحكاية، ولم يعد “كورت” يستطيع تحمل منفاه بيننا. نهض وهو يردد بشكل سينمائي:

    أحس يا أصدقائي بأني أشبه بمكنسة في هذه الغرفة… إني وحيدا وحيدا

    ساد الغرفة وجوم بعث شحنات من المشاعر المتناقضة. وأخذت كلمات كورت تتصادي وتنداح، ثم تعود نحونا مغمسة بالوحدة تارة، وبالعزلة تارة أخرى. لم يكن يعذبنا في تلك اللحظة، شيء أكثر من انقطاع الحديث بين حدي القتل والأسيد. وكانت مشاعر “كورت” تتسرب بين هذين الحدين. جمع كورت أغراضه كلها، رمى مفتاح الغرفة على الأرض، وصفق الباب وراءه وكأنه يغادرنا بلا عودة. تاه كل منا في عالم من السكينة والصمت. وبعد فترة نهض صنع الله ومضى إلى غرفته لينام.

    شهادة تخرج صنع الله من موسكو
    شهادة تخرج صنع الله من موسكو
    -2-

    قادني حديثه عن السجن إلى الحوار عن “السيناريو” الذي نعد معاً لكتابته من أجل “فيلم التخرج”. اتفقنا ألا يهدف هذا السيناريو إلى التعبير عن القسوة أو صعوبة أو القمع السائد في السجون العربية

    وأن علينا البحث للإمساك بالفكرة التي تجعل من الفيلم أكثر راهنية على أرضية من التجربة التي كان المثقفون المصريون قد عاشوها في أوائل الستينيات إذا كانت هزيمة حزيران ٦٧ “الانكسار” الذي لا يغادرنا أبداً. فقد كان لدينا نحن الاثنان، ما يكفي من التقدير لعبد الناصر، ما يحول بيننا والوقوع في مصيدة الهجمة اللاوطنية السائدة الآن ضده. وكنا نغلب إبرة التسديد باتجاه إطلاق نار على “النظام”. في بوحنا المرسل لمست بقوة، كم تستهوي صنع أخبار السياسية في حياة المعتقلين المصريين….

    فكثيراً ما كان يتذكر ذاك الهوس بتهريب الصحف المصرية، الذي يتدبره المعتقلون داخل السجن، والحالة والوجدانية لتلقف هذه الصحف. في استعراض صنع الله للصور والنماذج والأفراد، أدركت أن هذه الحمى لدى النظام في القضاء على هؤلاء، استهدفت خيرة المثقفين والمبدعين الفعالين في حياة المجتمع المصري. وجعلتني أتوهم أن كل المثقفين المصريين شيوعيون، وأن أتساءل عما إذا كانت تلك الحمى كانت تستهدف “الثقافة” أكثر مما تستهدف الحزب الشيوعي؟

    ال حنين العميق عند صنع الله لشخصية كانت محببة جداً لدى السجناء، يطلقون عليها “شيخ العرب”. كما أن حنينه للدور الذي كان يقوم به هو نفسه، داخل السجن كـ قارئ الأخبار…. وحال تلك البلاد الذي تأخذ بمثقفيها إلى السجن وبجيشها إلى الحرب. لعب دوراً كبيراً في تثبيت عناصر البناء الدرامي المشروع السيناريو المقترح.

    قررنا بعدها، أن ينصرف صنع الله لكتابة “مفكرة” عن السجن، تسبق كتابة

    خلال انصراف صنع الله لكتابة السيناريو، كان يشغلني بإلحاح الإحساس بأن ثمة “شيء” نفتقده في العناصر التي توصلنا إليها. وفي فضاء هذا الشعور عثرت على “فكرة” أخذت أهتف بها كشعار:

    السينكرون ! أي التزامن!

    فقضية التزامن بين الصوت والصورة في السينما واختلاف سرعة وصول الصوت إلى الأذن واختلاف سرعة وصول الضوء إلى العين، كما في التزامن المتفاوت بين وصول البرق ووصول الرعد…. هما اللذان أوحيا لي بالفكرة.

    فإذا كان جو السجن المشبع باللهفة إلى تلقف الخبر السياسي، هو الفضاء الدرامي للسيناريو، وأحداث الفيلم تحدث زمن حرب يونيو ٦٧ أدركت بأنه لا بد من اللاتزامن درامياً بين اللهفة والحدث… أي أن تصل أخبار انتصارات حرب يونيو للسجناء من خلال الصحف، في الوقت الذي تكون فيه هذه الحرب قد انتهت إلى هزيمة… فيعيش السجناء حالة النصر بينما البلاد في حالة الهزيمة.  أن يكون “السجناء” ضحايا “اللاتزامن”، كما كنا نحن خارج السجن ضحايا النفاق. أصبحت هذه الفكرة عصب “السيناريو” ويجب أن تكون “روح” الفيلم القادم…. روح فيلم تجري أحداثه في عالم سجن، لا نغادر جدرانه.

    مشهد من الفيلم
    مشهد من الفيلم
    -3-

    الجو بارد، السماء ممطرة.

    خرجنا معاً كعجوزين يحتاجان إلى هواء الصباح لاستعادة طاقتهما من جديد في الشارع كانت الأوراق المتساقطة من أشجار “البتولا” قد التصقت على أرض الرصيف وعلى الإسفلت وغطته، وكان الطوب الأحمر الذي يستر الأبنية أكثر قتامة ونقاء، ونقاط المطر على أطراف المظلة السوداء التي تغطينا معاً، تقطر كالدموع.

    اتجهنا نحو محل بيع الصحف فوجدناه مغلقاً. ذهبنا للبريد فلم نجد أية رسالة لنا.

    فاشترينا اللبن والخبز والخمر من الأنواع الأكثر رخصاً. ثم قرأنا لوحة الأفلام التي تعرض في موسكو، واخترنا فيلماً بولونياً بعنوان “تشريح الحب”، وعرفنا أيام وساعات ومكان عرضه ثم اتجهنا عائدين إلى البيت.

    في مدخل البيت كانت هناك مناوشات عاصفة بين الطلاب ومديرة البيت. فقد كان الطلاب يحتجون بعنف على ظهور الجرذان في طابقهم، وكان وجه المديرة يمتعض ويشمئز تارة من آثار “فودكا” الأمس، وأخرى من تخيلها لزحف الجرذان.

    كانت قامات الطلاب المحتجين توحي بأنهم مصورون، إذن هم قاطنو الطابق الثاني، شعرنا بالاطمئنان من أن الجرذان ستحتاج إلى المزيد من الأيام لتجتاح طابقنا الرابع.

    أثناء الفطور ورشف الشاي الأحمر، وتدخين السجائر… دخلنا عالم الكلام فتحدثنا عن الكتابة الروائية وعن عبد الناصر، وعن الضرورة بعمل فيلم

    عنه …

    قال صنع الله: “أحس بأن كل ما أفعله هو تمهيد لهذا النص المؤجل ….

    تستهويني عذابات عبد الناصر الداخلية والوجدانية، والسلطة عنده وحب التعلق، لقد كان سعيداً بزعامته” الذات. لقد صاغ بجهود كبيرة، وصنع عملية اهتمام الناس به، ليعيش لذة هذا التعلق، لقد كان سعيدا بزعامته”

    -4-

    الشتاء القاسي، والأمزجة في حقبة “الالتهابات” المختلفة، قد نجحا في إسقاطنا في الكأبة. فصار المساء للصمت، والصباح للبوح. كان هذا البوح يبدأ ما أن يتقلب كل منا في سريره باتجاه الآخر…. ثم نتابعه مع المؤثرات الصوتية لقضم القطع اليومية الأربع للخبز المحمص، و”شرق” البيضة ورشف الشاي الأحمر.

    كان يجب أن يستمع لـ “باخ”، وكنت أحب “تشايكوفسكي”.

    وكنا نجلس دائماً وسط الغرفة، فتبدو أشبه بتكوين مسرحي على منصة، جدارها الرابع هو الغابة التي تبدو وكأنها المتفرج الوحيد لعروضنا اليومية هذه.

    مذاق البلح - غلاف كتاب محمد ملص
    مذاق البلح – غلاف كتاب محمد ملص

    بوحنا وحواراتنا يتخللها دائماً دوس باسوس، وجراهام جرين فرويد، دوستويفسكي، السجن القنيطرة، الحب، المرأة، والختام دائماً منام الليلة الفائتة. وعلى مائدة الغداء اليومي، كانت تظهر على المنصة، شخصيات من مجلس قيادة الثورة، من ناصر إلى عامر، إلى السادات إلى علي صبري إلى خالد محي الدين. فكانوا أشبه بالعسس الذين يتلصصون على العرض. حين تنتهي الموسيقى، يبدأ عمود الرافعة المعمارية وراء النافذة بالتحرك حاملاً قطع الطوب الأحمر ليرصفها جنبا إلى جنب في مشروع المشفى المجاور. وحينها يعود صنع الله إلى صمته. يتناول الصحيفة القديمة ليتأملها، ثم يقصها ليرصف القصاصة مع غيرها من القصاصات جنباً إلى جنب.

    وفي المساء كثيراً ما يغدو حديثنا المتباعد، أشبه بمونولوج يتناهى من باطن الأرض إلى فضاء مقبرة شرقية. مونولوج تتداخل جمله المتناثرة مع صوت القلم الذي أكتب به روايتي، وبصوت قرقعة الصحيفة بين يدي صنع الله وهو يفتحها، أو يغلقها، أو يرمي بها على الأرض، ثم يئز صرير مقصه في لحم الجريدة مختلطاً بتنهداته.

    في آخر الليل، كان صنع الله يسحب الكرسي من تحته ثم يقف. يتجه إلى النافذة ويفتح “الكوة” العلوية الصغيرة، يجول في الغرفة قليلاً، يتناول علبة سجائره الكيلوباترا ويستل سيجارة واحدة، ثم يطق صوت عود الكبريت المشتعل. يقرفص فجأة فتتناهى طقطقة مفاصله وهو يجمع بنزق بقايا الصحف المقصوصة التي رمى بها فيحملها ويخرج إلى الممر مجرجراً أقدامه في الخطوات الأربع أو الخمس وهي تبتعد، ثم تعود فتتناهى إلى من الممر مختلطة تارة بكعب نسائي، وأخرى بصرخات معربده، أو بصوت سفح البطاطا في الزيت المغلي آتية من المطبخ العمومي، أو صوت “السيفون” في المرحاض العمومي أيضا. دائماً تنتهي سيمفونية النهار وصنع الله يربط الساعة المنبه ويشحن طاقتها على الرنين.

    بعدها العتمة التي تبث في قضاء الغرفة تكتكة الزمن.  استيقظ صنع الله مبكراً أكثر مما اعتاد عليه. لا يجلس جلسته الصباحية التأملية في السرير. ولم يدفن رأسه مطولاً بين كفيه. لم يضع نظارته كي يغرق في تأمل الخلايا الخشبية التي توصف الغرفة، لم يقم بقفزاته الرياضية المضحكة لم يتناول شفرة الحلاقة أو “قنينة” ماء تمر حضه. لقد نهض على عجل، وابتسم للشمس، واستل سكيناً غزها في الورق الملصق على الخط الفاصل بين درفتي النافذة، ثم سحب السكين ممزقا الورق كله، وشد المزلاج فانفتحت النافذة ودخل الهواء الطازج. تناول قطعة من القماش، وبللها بالماء، وأخذ ينظف بلا هوادة أثار لصاق الأوراق على النافذة. فازداد الهواء نقاء والشمس بهاء.

    جلس وراء طاولته، وتناول صحيفة من عام 1970، تأملها مطولاً، ثم أمسك بالمقص وقص جزاً صغيراً منها. لعله خبر سياسي أو نعي أو زواج أو انتحار أو جنون الصق الخبر على ورقة بيضاء، وكتب تحته كلمتين أو ثلاث، ثم عاد وفعل الشيء نفسه، مع صحيفة أخرى من يوم آخر أو عام آخر…. فعل هذه الأشياء من جديد مرة بعد مرة، وكأن الصحف لا نهاية لها، بينما كانت أوراقه تتراكم أمامه كما الأيام.

    اقرا أيضا:

    ملف| صنع الله إبراهيم: تجربتي الروائية

    صنع الله إبراهيم يجيب على السؤال: كيف أكتب؟

    واقعية صنع الله رائد جيل التسعينات

     عبد المنعم رمضان يكتب: «العدو»

  • محمود الورداني يكتب: «المشاغب»

    محمود الورداني يكتب: «المشاغب»

    على الرغم من أن الظروف لم تتح لي أن أقترب من صنع الله إبراهيم كثيرا، ولم نكن أصدقاء في الحقيقة، إلا أنني كنت أكن له محبة خاصة، ليس فقط بوصفه كاتبا، بل وعلى المستوى الإنساني أيضا، بسبب اختياراته ومواقفه المستقيمة الحادة على الدوام وفي كل الظروف، حتى لو اختلفت معه.

    مثلا يمكن القول باطمئنان شديد إن روايته “تلك الرائحة“، التي كتبها قبل ما يزيد على نصف القرن، تعد نقلة كيفية للرواية العربية من دون أي مبالغة. هي انجاز الباهر لجيل الستينات، حيث أسقطت الرواية السائدة من عليائها، وقدمت بلاغة مغايرة وجرأة غير مسبوقة، سواء على مستوى اللغة الحادة العارية الخالية من المجاز، أو على مستوى البناء الذي يشبه لطمة واحدة قاسية عمودية.

    ***

    وإذا كان جيل الستينات الذي ينتمي له صنع الله قدّم في بداياته الباكرة إنجازا ضخما تمثل في القصة القصيرة، فإن هناك كاتبين فقط بدآ بالرواية: صنع الله في ” تلك الرائحة”، ثم تلاه تاريخيا عبد الحكيم قاسم في “أيام الإنسان السبعة”. وليست صدفة أن قصص صنع الله القصيرة قليلة جدا وعادية أيضا، فمأثرته الكبرى هي الرواية التي ظل يكتبها أكثر من نصف قرن، بدأب وانكباب وبلا توقف.

    كتب صنع الله نصا واحدا، على مدى أحد عشر عملا، وأكاد أقول رواية واحدة (أظن أنها جميعا مكتوبة بضمير المتكلم)، وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا النص بالغ التنوع والحيوية، حقق فرادته بنفي الرواية السائدة والتخلص منها والسباحة ضدها. لا يكمن اختصار إنجاز صنع الله في العالم الذي اقتحمه، عالم المثقف الثوري الخارج من السجن لتوه، أو عالم الحرب الأهلية اللبنانية، أو ما جرى في ثورة ظفار المغدورة، أو العين المفتوحة المحدقة في أمريكا، أو ما يجري لمسجون جنائي، أو نلك اللجنة الغامضة القادرة على تلطيخ الناس وقهرهم وإجبارهم..لا يكمن إنجازه في تقديم العالم المترامي الذي أشرت إليه الآن، عبر نص واحد طويل ممتد، عبر جدارية لعصرنا وأيامنا خلال نصف القرن الفائت.

    ***

    لا أتحدث هنا عن القيمة الفنية، فأنا شخصيا لست معجبا بكل أعماله، وأرى مثلا أن رواية “شرف” طالت أكثر مما ينبغي، ولا أميل كثيرا لرواية “العمامة والقبعة” أو رواية “الجليد”، لكن صنع الله إضافة كبرى بكل أعماله على الرغم من أنه لم يكتب سوى أحد عشر عملا روائيا، من دون أن أضيف سيرته الذاتية “يوميات الواحات”، أو الكتب الثلاثة التي ترجمها، أو روايات الفتيان التعليمية.

    وفي الوقت نفسه يكاد صنع الله ينفرد باختياراته التي دفع ثمنها بهدوء ومن دون ضجيج. لا أقصد السنوات الخمس التي أمضاها في سجن الواحات، فكثيرون من كتاب ومثقفي اليسار المصري دفعوا الثمن نفسه، لكن صنع الله أضاف إلى ذلك قراره واختياره بالتفرغ للكتابة وحدها، من دون أن يغادر شقته في الدور السادس في ضاحية مصر الجديدة. لم يلتحق بأي عمل لدى الدولة ولم يتاجر بذلك، وتجاهل كل المغانم المطروحة والجوائز وشهوة التواجد والمناصب.

    ***

    وعندما كان الوزير فاروق حسني يتباهى ويتطاوس بأنه أدخل كل المثقفين في مصر “حظيرة الدولة” بتعبير حسني نفسه، قبل الثورة، وفي ذروة سطوة حكم حسني مبارك وفي عز جبروت نظامه القمعي، وقف صنع الله بكل هدوء بلا أي استعراض وعلنا على رؤوس الأشهاد، وفي المؤتمر نفسه المقرر أن يتسلم فيه جائزة مالية ضخمة ومعنوية أضخم، ليعلن رفضه لجائزة الرواية العربية لأن الدولة التي تمنحها أهانت شعبها وأذلته وأفقرته وداست على كرامته.

    أجزم أن موقف صنع الله هو موقف شخصي تماما ويتسق مع مجمل اختياراته التي دفع ثمنها بكل تواضع حقيقي.

    اقرأ أيضا:

    ملف| صنع الله إبراهيم: تجربتي الروائية

    صنع الله إبراهيم يجيب على السؤال: كيف أكتب؟

    واقعية صنع الله رائد جيل الستينات

     عبد المنعم رمضان يكتب: «العدو»

    د. محمد بدوي يكتب: عندما تصبح الرواية شهادة وفضحا

  • د. محمد بدوي يكتب: عندما تصبح الرواية شهادة وفضحا

    د. محمد بدوي يكتب: عندما تصبح الرواية شهادة وفضحا

    يحكى صنع الله إبراهيم في واحدة من طبعات تلك الرائحة عن لحظة خروجه من المعتقل التي تزامنت مع انشغاله بالعثور على صيغة ما ملائمة للكتابة، وقادرة على احتواء هواجسه وأفكاره ومشاعره تجاه نفسه والعالم. كان قد بدأ وهو سجين كتابة بعض القصص القصيرة عن طفولته.

    وبعد خروجه من السجن، بدأ يسجل يومياته، لتكون مادة لكتابة قادمة، ربما، أو لتسجيلها خشية التبدد، في سياق خروجه من المعتقل واضطراب حياته. لكنه مصادفة عرضها على يوسف إدريس، الذي كان يختار قصصًا لكتاب جدد، ويقوم بتقديمها في مجلة الكاتب. وبحدس الكاتب القلق تجاه الأشكال المستقرة من السرد، أدرك إدريس أنه أمام “عمل فني”، لا يحتاج إلا لبعض الرتوش. وهكذا نشرت تلك الرائحة بعد بعض التعديلات القليلة، وبعد اختيار إدريس للعنوان، الذي أسهم في منح النص قوامه.

    وهكذا أيضًا وجد صنع الله إبراهيم طريقته في السرد، على الأقل في بداية حياته الأدبية. أعنى أنه وجد طريقة كيفية القول السردي، أو طرائق صوغ الأحداث. أنا متكلم شاهد عيان يقول الأشياء ويصفها ويكتب الحدث دون تعليق، تاركًا المجال للأشياء والأقوال أن تدل بنفسها.

    ** **

    أما الحدث نفسه فهو ينمو “تلقائيًّا”، لأن الأنا المتكلمة تقول ما ترى وما يحدث لها دون تدخل أو تعليق، لأن الخطاب الروائي يقول لنا إنها لا تملك ما تقوله، وفي ذلك دلالة على “رفض دور الأديب الكلى المعرفة والسلطة”، وخوف من مسؤولية الكلام، بعد أن لوثت الأيديولوجيا المهيمنة جماليًّا، العلامات اللغوية والرموز، بل لعلها قامت بتزييف الواقع، أو عكست في الخطابات الروائية، على نحو رآه كثيرون من أدباء الستينيات، واقعًا مزيفًا غير الواقع “الحقيقي”.

    ** **

    حياد السارد ظاهرة واضحة لدى كثيرين من أدباء الستينيات، ولعلها فضلًا عن ضغط الواقع وأزمة سلطة يوليو/ ناصر، قبيل 1967 وبعدها، متحددة في مصادر عدة، بل من كتب بعينها مثل كتاب إرنست هيمنجواى لكارلوس بيكر أو كتاب نحو رواية جديدة لآلان روب جرييه الذى ترجم في مصر عام 1968.

    لكن تلك الرائحة و67–النص الذي بين أيدينا- فضلًا عن وسم اليوميات الماثل بجلاء، يذكرني بالفصل الأول من الصخب والعنف لوليم فوكنر. وهو الفصل المسرود من منظور الطفل المعتوه “بنجمن”. في هذا الفصل تصلنا الأحداث من منظور الطفل المعتوه، وفي خطابه تأتأة وتقطع، وانعدام للأسباب بين الأشياء، ولأن اللغة تعكس الوعي، ولأن بنجى مصابٌ في آلة الإدراك، فإن الواقع يصلنا متقطعًا، متشظيًا.

    لا أعرف إن كان صنع الله إبراهيم قد قرأ الصخب والعنف أم لا. ولست مهتمًّا بإثبات تاريخية هذه العلاقة. لكنى أشير إليها، لكي أصف خصوصية الحياد السردي في كتابي تلك الرائحة و67، أعنى خصوصية استعمال إبراهيم للحياد، الذي يختلف عن استعمال مجايليه له. فالبطل في تلك الرائحة و67 مريضٌ بشكل ما.

    غلاف رواية 67 لصنع الله إبراهيم
    غلاف رواية 67 لصنع الله إبراهيم
    ** **

    في هذين النصين تحديدًا، نحن مع إيقاع سردي ناتج عن إيقاع الحياة اليومية كما هو الحال في اليوميات. الزمن هنا عادى وغير متقطع ولا تلتبس لحظاته، لكن “الخطاب الروائي” يفرض منطقه فبرغم إيقاع “اليوم” في اليوميات فإن الكاتب يضطر أحيانًا للتلخيص أو للقفز الزمني مما يعنى أن الاختيار بين الممكنات السردية يفرض نفسه، على منشئ الخطاب. مع هذا لا يضطرب الإيقاع السردي، ومن ثم، تصبح الفجوات الزمنية، سمة خطابية، لا عيوب كتابة. بل تصبح عناصر دلالية مهمة.

    على أي حال ما إن يبدأ الكاتب سرده، حتى نصبح مع أنا متكلمة وصانعة للحدث أو متلقية له، لكننا على الفور ندرك أن الأنا نهبٌ للخوف، لا لأنها بصدد فعل مهدد لها، بل لأنها واقعة تحت سلطة “المراقبة”. ثمة رائحة منبثة في الجو، ثمة هواءٌ ملوث لأن رئات الشخوص تكاد تجاهد لكي تتنفس، نكاد نشعر بها وهي تتلقف الأوكسجين بصعوبة.

    ** **

    في تلك الرائحة البطل مفردٌ وحركته بسيطة، ومن ثم تبرز في افتتاحية النص سمة “اليوميات”، لكننا هنا في الفصل الأول مع مشهد واسع، تحديدًا مع حفلة رأس السنة، ومن ثم علينا أن نصبر قليلًا، لنبدأ في التمييز بين كل هذه الشخصيات. وخصوصًا أن آلية الحياد السردي، تكتم مشاعر السارد، فلا نرى انعكاس الأحداث عليه، كما أن هذه الآلية تخشى تلخيص الشخصية، بل تقدمها من خلال الحركة في الفضاء، حريصة دائمًا على ألا تقول إلا ما تراه الكاميرا المحايدة، وكلما توغلنا في القراءة وتراكم السرد، لمسنا الطرائق غير المباشرة في رسم الشخصيات.

    فبرغم أن السارد يحاول إقناعنا بصرامته في السرد وموضوعيته فإن ذلك لا يعنى خضوعه لمنطق الحياة اليومية. إنه سارد رواية. ينتقى أحداثًا، ويستبعد أحداثًا، ويؤكد من خلال التكرار أحداثًا أخرى… إلخ.

    ** **

    هذا الحياد السردي تدرج من هيمنة طرائق سرد اليوميات في تلك الرائحة إلى تطعيم هذه الطرائق بقليل من استراتيجيات السرد الروائي في 67مثل استخدام الأحلام والكوابيس، وظل صنع الله إبراهيم، يدعمه بالتناصات والوثائق منذ الفصل الخاص بليوناردو دافنشي في نجمة أغسطس والفانتازيا الكافكاوية في اللجنة.

    ثم بتعدد الاستراتيجيات الخطابية في بقية الروايات. وهذا معناه أن الحياد السردي لم يعد مجرد طريقة في السرد، بل أصبح أيديولوجيا جمالية مفادها أن الكتابة تشهد على واقع بعينه، وغالبًا ما تدَّعى أنها تدع الأشياء تدل بنفسها ولذلك لا تحبِّذ هذه الكتابة المجاز، ولا تحب التباس الأزمنة –إلا في البنيات الصغيرة كالأحلام- ولذلك يشعر المتلقي بشُح في الوصف، وسعى متقصد إلى نفي الذات، برغم أنها المتكلم المهيمن في عمل صنع الله إبراهيم الروائي.

    ** **

    لكن هذه الذات لا تتكلم لكي تقول أعماقها. الأحرى أنها معادية لمفهوم “الأعماق”، وتركز على “السطح”، لا لكي تغرق في تفاصيله وتجاعيده بل لكي تفضح زيفه وخواءه. دليل ذلك أننا في رواية 67 مع فضاء ضاج بالجنس ولكننا في الوقت نفسه مع جنس مأزوم، دال على رياح السموم التي تملأ الفضاء، فالرجال والنساء لا يتواصلون عبر أجسادهم، بل يفرون من الخوف، فهم في النهاية كائنات صغيرة. اغتيلت أحلامها، تقريبًا تم إخصاؤها برغم أنها ما زالت قادرة على النزو.

    على أي حال يمكنني أن أقول إن هذه الرواية هي الجزء الثاني من تلك الرائحة فالبطل الذي يتحرك أمامنا واحدٌ، ليس فقط في اللغة أو فضاء “مصر الجديدة” أو ماضي السجين السياسي، وإنما وهذا هو المهم في الإحساس بالعالم وطرائق النظر إليه ومنطق تأويله.الجديد هو وسم الكاتب “المحترف” الذي يظهر واضحًا في اللغة والإيقاع واستخدام طرق الروائي في التمهيد للحدث من خلال الاستباق مثلًا.

    ولذلك أشعر أن تلك الرائحة أقرب إلى الشكل المباغت المنفجر الذي يصعب تكراره، فيما تبدو –على استحياء – أن 67 أقرب إلى الانصياع لحرفة الكتابة، هذا الميل إلى المؤسسية سيظل يقوى لدى صنع الله في أعماله التالية. لكن مهما تكن التفسيرات سيظل الأدب شهادة وفضحًا، وسيظل كائن صنع الله إبراهيم حيوانًا سياسيًّا، حتى وهو يمارس الجنس، أو يقضى حاجته في الحمَّام.

    رواية تلك الرائحة
    رواية تلك الرائحة
    ** **

    لقد قامت تلك الرائحة بوضع يد صنع الله إبراهيم على لقياه التي جاءت مصادفة فتعلم أن ما نقوله في اليوميات لأنفسنا هو وظيفة الرواية في سياق التجربة الناصرية. دليل ذلك استقبال القراء والنقاد للرواية، وترجمتها إلى أكثر من لغة. وهذا ما يفسر قولي السابق أن رواية 67هي الجزء الثاني من تلك الرائحة.لكن مع هذا المعنى في هذا الفضح السياسي للتجربة الناصرية -وهو أمرٌ لم يكن مثيرًا بالنسبة لي، لأنه في أدب إبراهيم وغيره من الكتاب– إلا أنني شعرت أن رواية 67 جاوزت مهمة الفضح السياسي إلى إنتاج صورة لعالم معقد، فالممارسات الجنسية في الرواية لا تنتمي إلى عالم “السياسي”، وهذا أمر طبيعي لأن “الجنس” ينتمي إلى “الثقافي”. وبذلك تتجاوز رواية 67 تخوم رواية تلك الرائحة، لأنها وضعت يدها على جراح عميقة تتصل بما يتجاوز السياسي المتغير إلى “الثقافي” الموغل في الزمان والمكان.

    اقرأ أيضا:

    ملف| صنع الله إبراهيم: تجربتي الروائية

    صنع الله إبراهيم يجيب على السؤال: كيف أكتب؟

    واقعية صنع الله رائد جيل الستينات

     عبد المنعم رمضان يكتب: «العدو»

  •  عبد المنعم رمضان يكتب: «العدو»

     عبد المنعم رمضان يكتب: «العدو»

    لما غضب مني محمود الورداني، الروائي الهادئ مثل بحيرة، لم أسترح قبل استرضائه ونوال عفوه، لأنني اكتشفت أن الذين أحبهم منذورون للطفولة، وبسبب الخوف منهم والخوف من الحرية، أحسست أن قلبي ينفرط أمامي مثل الشارع الجديد، وفي أثناء اجتيازي هذا الشارع، رأيت أبي ورأيت أمي في لباسين بلون واحد، ورأيت المازني يمشي بمفرده، وأدونيس وأنسي الحاج يطردان معًا الآلهة من الجنة، ورأيت سعدي يوسف يحشو جيوبه بقصائده العالقة في حجارة البصرة ليقذف بها الأنظمة كلها، ورأيت الشيوعي المصري أحمد القصير يهتف ضدي وضد الورداني وضد صنع الله إبراهيم، آنذاك ظهر صنع الله ثم سمعت صوتا يهتف بي: إياك أن تخونه باللغة البيضاء، فارتبكت، ومثل شخص طائش أزحت عن طريقي الشعر القديم كله، إن الثمانين، وبُلّغتَها، عيد بأية حال، وعمدت إلى تثبيت الكادر على صورة صنع الله في قلبي، بجسده النحيل وشعره الهائش ونظراته النافذة، ورأيته على الرغم من بروز الثلاثة: الجسد والشعر والنظرات، عفريتًا من الجن، قلت: لعله إسقاط الحدود، لكنني قبل أن أتمّ قولي، سمعت صوتًا آخر يخرج من حلقي: لعلها صورة الفنان في شبابه، فاتكأت على نفسي، وحرصت على كتابة اسمه تحت الصورة، وتذكرت أنني في أول معرفتي باسمه، صرت كالممسوس أردد كأنني أزهو، إن صنع الله في عامه، في العام التاسع عشر، دخل الزنزانة، وبينما كان يرسم صورة مبتكرة لفجر جديد سوف يصادفه، رآهم يقتلون شهدي عطية الشافعي، ورأى الله يغفر لهم، ورأى الصحراء تحاول أن تغزو قلبه لتحتله وتحرره من أحلامه، وعلى الرغم من انتصار الأحلام، استمرت غربته الغربية وغربة الواحات مثل شوكتين حتى استرختا وأصبحتا مكانًا مبسوطًا تحت جلده، لم يتخلص منه إلا بعد أن فرده على الورق في كتابيه (يوميات الواحات) و( برلين 69)، في سبعينيات القرن الماضي، بدأنا قراءة صنع الله، قرأناه منجمًا، تلك الرائحة أولًا ثم نجمة أغسطس ثم اللجنة ثم بيروت بيروت، واختلفنا حوله وشغلتنا بعض التقابلات والتقاطعات بين رواياته تلك وروايات الغريب لألبير كامو والقضية لفرانز كافكا والولايات المتحدة الأمريكية لدوس باسوس، وظللنا نحفظ له مكانًا أُثيرًا بعيدًا عنهم وقريبًا منهم، وقرأناه مجمعًا بين أقرانه الستينين، ولأنه كان أكثرهم برّيّةً، لم نستطع أن نضعه في خلاء واحد مع أحدهم، باستثناء غالب هلسا، الذي ظننا أغلب الوقت أنه يحمل في حقيبته صورة صنع الله، وأن صنع الله يخفي اسم غالب في أماكن سرية من  ذكرياته، بعدها بدأت وحدي قراءة ترجماته لحمار ديبرون وعدو جيمس دروت، أعترف أنني لم أصحب حمار ديبرون أكثر من مرتين، ربما لأنني لست فلاحًا، وربما لطول ملازمتي حمار الحكيم وحمار خيمنيث، لكنني تأبطت ذراع (العدو)، ومازلت ألجأ إليها عندما أصطدم بالأوهام العارية، مازلت أحلم بأنني ذلك البنّاء العظيم الذي يؤسس بناية تنشأ فوق قاعدة حلزونية تسمح بدوران البناية، لكن أهل المدينة لم يستطيعوا أن يقبلوها مكانًا للسكنى أو الإدارة، فجعلوها مدينة ملاهيهم، البنّاء العظيم الذي يصنع الحلم تواجهه الجماهير التي تمسخ حلمه، فيما بعد حاولت أن أقارب بين الاثنين، البنّاء وصنع الله، غير أنني توقفت خشية التعسف في تبجيل الوعي الشقي، وخشية الغلو في تبخيس الوعي الزائف، والخشية الثالثة كانت يقيني من اعتراض صنع الله على تآويلي كلها، لكنني فوجئت بأنني أقارب بين صنع الله وأبي، كلاهما آثر ألا يعمل غير العمل الذي يحبه، نظر أبي إلى العالم فلم يعجبه، وإلى نفسه فأعجبته نفسه وهتف: سأتبعها، ونظر صنع الله فلم يعجبه العالم ولم تعجبه نفسه وهتف: سيتبعانني، كلاهما غسل يده من تراب الميري وانصرف إلى تراب الروح، ينبشه ويستخرج منه الفأس التي تخصه، كلاهما كان يتأرجح بين الحرية أو الموت، أذكر أنه في يوم الأربعاء 2 فبراير 2011م والذي أطلقنا عليه ( يوم موقعة الجمل)، أذكر أنني تلقيت ضربة عصا غليظة، بعد أن هاجم الرجال الجوف والخيول والجمال الميدان، ليس غريبًا أن الرجال الجوف مازالوا، أذكر أنني في أثناء فراري باتجاه مجمع التحرير والجامعة الأمريكية، التقيت صنع الله داخلًا الميدان فصرخت فيه: اخرج اخرج، وارتجفت خوفًا عليه، وخشيت أن أسقط لولا أن ثبتتني خطوته الهادئة، بعد انصرافي بخطوات نظرت إليه عن بعد، فغمرتني ذكريات الأوقات القليلة التي جمعتنا، مما جعلني أتعالى على آلام ضربة العصا، وأغرق في نفسي، خاصة أن تجاربي العديدة في الغرق كانت من أجل صيد الأحلام، لذا رأيتني كمن ينزل رأسه على صدره ويجهش بالبكاء، لأن المعلم الأول ماجدة فكري شعراوي ماتت، رأيتني كمن يهيم في الليل بحثًا عن ليل أبيض يخصها، وبينما فجأة أصبحت أجلس في سرادق العزاء، دخل صنع الله ولمحني، فجلس إلى جواري، كان الشيخ يقرأ قرآنه، عندها مال صنع الله ووشوشني: طبعًا أنت تحفظ كل هذا، نظرت في عينه وغلبتني الابتسامة، ولما اتسعت الابتسامة رأيتني أترك السرادق وأنتقل إلى صالة أحد فنادق الدقي بالقاهرة، حيث سنحتفل بعرس الكاتبين رانيا خلاف وياسر إبراهيم، كنا أقل من عشرين شخصًا، وكنت قد اصطحبت صديقة مغربية تدرّس الفلسفة وتعشق الرقص الشرقي وتحترمه، وتجيد المؤامرات، بنظراتنا تواطئنا على أن نحول العرس الصامت إلى عرس له أجنحة، قمنا ورقصنا وتبِعَنا الآخرون، الأصدقاء والعروسان عدا صنع الله، دعوته للرقص فأبى وقال: إنني أرى فقط، تذكرت أنه كان منذورًا لتغيير العالم وتغيير نفسه، وأن الرؤية/ الرؤيا وسيلته وغايته، يرى ما نراه فنطمئن، ويرى ما لا نراه فنستزيد، لم آسف على اختلافي مع ما يراه إلا عندما لبس ملابسه البسيطة وذهب مثل أحد المبشِّرين، علّه يرفع صوته ويأمر باحتلال المثقفين وزارة الثقافة واعتصامهم بها، أحسب أن حنجرته لم تستجب، يومها طلبني تليفونيًا الشاعر سماح الأنور، وعاتبني على غيابي، فاستحييت وأنا أقول له لا أستطيع لأنني أرتاب،، أيامها قابلت صنع الله مرة واحدة، كان عائدًا من ثكنات وزارة الثقافة، ذاهبًا إلى عمله بدار الثقافة الجديدة، وكان اتجاهي عكس اتجاهه، بعد أن أولاني ظهره لاحقته بنظراتي، إنه لا يمكن أن يكون إلا الرجل الصوفي العابر في الوقت العابر، وخرقته رواياته، حكى لي أحد أصدقائي، أنه ذات يوم ركب المترو ففوجئ بصنع الله جالسًا، وكان يراه للمرة الأولى، دنا منه وانتصر على خجله وحيّاه وأخبره كيف يحب كتاباته، وصنع الله ينظر في عينيه وينتظر صمته، ولما صمت، ابتسم صنع الله وسأله: كيف عرفتني، وبعد فاصل سكوت، ذام صديقي وشد على يد صنع الله، وافترقا، هكذا أصبح صنع الله في نظر صاحبي كاتبًا صوفيًا عذبًا، فأول التصوف عنده ألا تنشغل برؤية الآخرين لك، وآخره أن تنشغل بضرورة عدم رؤيتهم لك، وحافة اللاطمأنينة عند الصوفي أن يتهمه بعضهم بأنه من طلاب الولاية، وحافة الهاوية أن يكون كذلك، في سنة 2003م رفض صنع الله جائزة مؤتمر الرواية، وأغلب الذين اتهموه بطلب الولاية والشهرة هم أغلب  الذين شاركوه فيما بعد في احتلال وزارة الثقافة، أذكر أنني يوم الجائزة رأيت صوفيته السياسية في أوجها، خاصة أننا جميعًا لم يحدث أن ضبطناه عضوًا في وفود الكتاب التي ذهبت وتذهب لمقابلة الرؤساء، اختار صنع الله خلوته على مقاس جسده النظيف، واختار أن يكون الكاتب فقط لا أن يكون الكاتب العمومي، آخر مرة رأيته فيها، كانت تحت راية الخيال، وذلك في أثناء قراءتي لروايته الأولى 1967، التي أعانني نشرها مؤخرًا على استقبال الإشارة وفهمها، نحن بالتحديد، نحن الأعداء، والأعداء في اللغة جمع العدو، لذا أرجوكم أن تتلصصوا على صنع الله وتراقبوا البورتريهات التي تملأ خياله، ففيها ربما ستجدون صورة الكومبرادور وصورة البكباشي وصورة الأصولي ذي اللحية وصورة العدو.

    شاعر مصري

    اقرأ أيضا:

    ملف| صنع الله إبراهيم: تجربتي الروائية

    صنع الله إبراهيم يجيب على السؤال: كيف أكتب؟

    واقعية صنع الله رائد جيل الستينات

    د. محمد بدوي يكتب: عندما تصبح الرواية شهادة وفضحا

    محمود الورداني يكتب: «المشاغب»

  • صنع الله إبراهيم يجيب على السؤال: كيف أكتب؟

    صنع الله إبراهيم يجيب على السؤال: كيف أكتب؟

     ليس من السهل أن يتحدث الكاتب عن تجربته، فهو عندما يفعل، يكون كمن يشق طريقه وسط غابة من الأغصان المتشابكة، يحتاج تخليصها من بعضها بعضاً إلى جهد وبراعة، فضلا عن تعيين نقط البدء.

    وربما كانت العوامل الخارجية المؤثرة في مسيرة الكاتب، خير مدخل لهذا الحديث. فهي أقل استعصاء، فضلاً عن أنها عادة ما تكون مشتركة بين عدد من الكتاب، بل جيل منهم بأكمله. فلم أكن أنا وحدي الذي تفتح وعيه على غليان بداية الخمسينات، وشهد مولد التيار الواقعي الجديد في الشعر والقصة والرسم والنحت والموسيقى.

    ها هي برجوازية جديدة فتية تستولي على السلطة بواسطة الجيش، وتشتبك في صراع ضار مع الاستعمار والإقطاع. وها هو محمود أمين العالم يخوض مع عبد العظيم أنيس المعركة الشهيرة ضد طه حسين والعقاد دفاعاً عن الدلالة الاجتماعية للفن والأدب وعن وحدة الصياغة والمضمون في العمل الفني. ويوسف إدريس يكتب قصصه الأولى بلغة عصرية لا تأنف من استخدام العامية، مصوّراً، هو والشرقاوي، حياة الريف الحقيقية لا السينمائية. وإحسان عبد القدوس يعرّي زيف الأخلاق السائدة من خلال تناول عصري لعلاقة الرجل بالمرأة. ونجيب محفوظ، بعد مجاهدة شاقة للأسلوب واللغة، يكتب ثلاثيته الخالدة.

    ***

    لكن الواقعية الجديدة لم تلبث أن تكشفت عن وجه غير واقعي بالمرة. لقد تقدمت القيادة الفتية للبرجوازية بمشروع قومي طموح للمستقبل، قوامه الاستقلال الوطني والوحدة والتنمية القائمة على التصنيع والعدالة الاجتماعية.

    وكان من الطبيعي أن تتجمع في هذه النهضة العارمة مجموعة من التناقضات الفريدة على مستويات مختلفة، منها ما بدا شديد الالتباس. فالعمال، على سبيل المثال، يشاركون في إدارة المشروعات، بينما القهر البوليسي الذي تطلبه الصراع الضاري ضد الاستعمار والرجعية يطول أيضاً من يجرؤ على الاختلاف أو المشاركة.

    شيئاً فشيئاً بدا الواقع أكثر تعقيداً من مجرد أغنية للنضال ضد الاستعمار ومن أجل المستقبل، وسادت المجتمع حالة من الاستلاب، وتكشفت الواقعية الجديدة عن رومانسية ضحلة، لم تلبث أن فقدت مصداقيتها وجاذبيتها.

    وتبدى شيء من الشبه بين حالة الاستلاب التي عرفها المجتمع، وتلك التي شهدتها مراكز الحداثة الغربية قبل ذلك نتيجة لأسباب مغايرة مرتبطة بانسحاق الإنسان أمام الآلة والدولة، وتهاوت الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة، وقد انعكست تلك الأزمة على الرواية الغربية، فلم يعد التسلسل الزمني المألوف يفيد فهم الواقع، ولا الحبكة التقليدية. راوحت الرواية التقليدية مكانها لمغامرات تعتمد التغريب والغموض، وتخاصم الحدث والتشخيص السيكولوجي، والانفعال.

    ***

    وكان حتماً أن تتأثر الرواية العربية بهذه التطورات بحكم وسائل الاتصال الجديدة التي أوشكت أن تزيل الحدود والقيود، وبحكم أوجه الشبه بين الأزمة هنا والأزمة هناك، وبالتحديد بين النتائج هنا والنتائج هناك، لأننا لا ننسى أبداً أن أزمتنا هي وليدة مجتمع يتجه إلى التصنيع، والأزمة هناك وليدة مجتمع يعاني من نتائج التصنيع.

    انطلق نجيب محفوظ في تجاربه مع تيار الوعي، وتعدّد وجهات النظر، والعبث وبرزت إلى الوجود الظاهرة التي عرفت باسم «جيل الستينات». في هذا الجو جاءت أولى خطواتي في الكتابة، بقصص قصيرة تعكس تأثرات مختلفة، واهتماماً غير عادي بالشكل والتجريب. وبدأت رواية لم ألبث أن هجرتها عندما تبينت تأثرها الواضع بفرجينيا وولف. ثم بدأت رواية واقعية بأسلوب غنائي، على النسق السائد، وربما ببعض التأثر بثلاثية محفوظ، طعمتها بأجواء غامضة تثير الرهبة. وسرعان ما تخليت عنها، وقد عاد يلح على السؤال الذي يعرفه كل الكتاب: كيف أعبر عن واقع، كيف أكتب؟

    رواية التلصص
    رواية التلصص
    ***

    وفي لحظة يأس ولدت روايتي الأولى «تلك الرائحة» التي اكتفت بأن ترصد الواقع كما هو دون محاولة للتأويل أو التفسير، على الأقل من الظاهر، فقد كان ثمة إيحاء ما من خلال عملية الانتقاء للظواهر المرصودة وانعكس ذلك الاختيار على اللغة، فالجملة فعلية، قصيرة، تخلو من التشبيهات وألوان البلاغة التقليدية، من الترهل والاسترسال المعتادين في السرد العربي، جملة محايدة تقريرية، لا تحيل على شيء، منظومة في تتابع لاهث، لا يتوقف للتحليل والتمحيص والتعقيب، ترصد كل شيء، فظواهر الواقع كلها تتساوى في القيمة، ترصد وحسب، دون أن تحفل بالتقاليد الاجتماعية (فتتحدث ببساطة شديدة عن اللواط والاستمناء).

    ولا بالتقاليد الأدبيـة (فلا تتورع عن الركاكة في التركيب، أو التكرار لبعض الأفعال وأدوات الوصل، ولا تحفل بضيق القاموس المستخدم)، ولكنها تسمح بمعارضات غنائية تتعلق بالماضي.ولم تكن صدفة أن صدرت الرواية عند نشرها بكلمة لجيمس جويس على لسان بطل «صورة الفنان في شبابه» يقول فيها: «أنا نتاج هذا الجنس وهذه البلاد وهذه الحياة.. ولسوف أعبر عن نفسي كما أنا». وكأنما حسمت هذه الجملة المرجعية كل شكوكي حول قضية الكتابة.

    لكني لم ألبث أن اكتشفت أن معاودة الكتابة بالطريقة نفسها لن تؤدي إلى شيء يذكر، سوى مراكمة لظواهر متشابهة. فما زال الهم الأساسي هو الإلمام بالواقع، ومحاولة فهمه لا مجرد رصده.

    ***

    وقد تجلت لي إمكانية لذلك في موضوع «السد العالي». فقد رأيت في هذا المشروع الهندسي الضخم البؤرة التي يمكن أن تجمع تناقضات الواقع كلها. ذلك أنه ولد في مواجهة ضارية مع الاستعمار، قديمة وجديدة، واشتمل على عملية ذات مغزى هام هي تغيير مجرى النيل الذي لم يبارح مكانه منذ آلاف السنين، كما أنه تطلب إدخال آلات وتقنيات جديدة، وتم بحماسة شعبية في ظل إدارة عسكرية، اشترك فيه ممثلون لكل الطبقات، بل تجلت فيه ملامح الطبقة القادمة إلى الحكم، وهي طبقة المقاولين والسماسرة ووكلاء الشركات الأجنبية.

    وبالإضافة إلى ذلك، انقسم العمل في المشروع إلى مرحلتين: مرحلة أولى من العمل البسيط الواضح، مجرد حفر وردم على نطاق هائل ومرحلة ثانية صار العمل فيها كثر فنية، على مستوى تقني أعلى، وبآلية أكثر تعقيدا.

    ألا تمر الثورات، والانقلابات التاريخية، بهاتين المرحلتين دائماً في البداية يكون الهدف بسيطاً واضحاً. وكل شيء في أحد لونين الأبيض أو الأسود. مع أو ضد. والحماسة متوافرة هي والثقة بالمستقبل وبالقدرة على تغيير منحى التاريخ. وليس هناك وقت للتأمل والتحليل ثم تتحقق الثورة وتبدأ مرحلة أخرى ذات إيقاع أقل: المهام أكثر تعقيداً، والهدف أقل وضوحاً، والظلال الرمادية تزحف على اللونين الأبيض والأسود. ويصبح «هناك وقت للتفكير» في ماذا؟ في أخطاء المرحلة الأولى واحتمالات المستقبل.

    ***

    هنا موضوع بل شكل غني يسمح بتصوير الجوانب المتعددة للواقع، كما يسمح بحل تقني آخر هو تحقيق أقصى وحدة ممكنه بين الشكل والمضمون. ذلك أن جسم السد العالي نفسه يتكون من ثلاثة أجزاء واحد يواجه الجنوب، وآخر يواجه الشمال وثالث صغير بينهما، تتمثل فيه البؤرة، بل يحمل اسم «النواة».

    وبينما يتألف الجزءان الخارجيان من مواد متماثلة عبارة عن حجارة ورمال بدرجات متعددة من الخشونة والنعومة، فإن النواة تتألف من أكثر المواد هشاشة: من التراب. ومع لك يصبح هذا التراب الهش أقوى نقطة في جسم السد إذا ما رتب بصورة معينة تستجيب لحجم المشروع واحتياجاته وظروف التربة، ثم حقن بمواد معينة، بعضها مستورد من الخارج، ومن الاتحاد السوفيتي بالتحديد.

    هنا ظهرت جملة مرجعية جديدة عبارة عن بيتين من الشعر لمايكل أنجلو:

    «لا تخطر فكرة للفنان مهما كانت عظمته

    وليس لها وجود في قشرة الصخرة

    وكل ما تستطيعه اليد التي تخدم العقل

    هو أن تفك سحر الرخام»

    الصخر هو السيد. الواقع هو الشكل.

    ***

    وكلما تمعنت في التفاصيل الهندسية الخاصة ببناء السد، وخصائص المواد المستخدمة، ونوعية الآلات، وطبيعة العمليات الجارية، وتوزع كل ذلك في وحدات متناسقة، تجلت أمامي الإمكانيات المذهلة التي تسمح بمواصلة أشكال السرد المحببة إلى قلبي: الجملة الفعلية القصيرة التقريرية والمحايدة، والأخرى الغنائية التي تستحضر الماضي، ثم الوثيقة المضمنة، وأخيراً الجملة التي تمزج كل هذا في تدفق أكثر حرارة، في بؤرة دقيقة تتحقق فيها وحدة كلية، لحظة خلاص لحظة الفعل التي تفسر وتبرر التي تسمح بفهم الواقع وبإمكانية تغييره في الوقت نفسه.

    في دراسة قيمة عن هذه الرواية، كتب بطرس الحلاق يقول):مظهر الجدة في هذه الرواية، إنها لا تحيل إلى واقع مستقل بنفسه، خارجاً عنها، تحاول هي أن تقترب منه ما أمكن الاقتراب؛ إنها هي نفسها الواقع… فمدلول الكلمة بالمعنى اللغوي لا يحيل إلى شيء. أو إلى شيء ذي بال. أقصى دلالاته بعض الجزئيات هنا هو تركيب الكلمة. إنه يسكن ويستقر في الكلمة المركبة. هنا، التركيب وحده يبلغك الواقع… أو بكلمة أصح: التركيب هنا هو الواقع. لا تنفذ منه إلى شيء، لا تنفذ منه إلا إلى نفسه، ربما نبلغ هنا «الكلمة / الفعل» التي تغنى أدونيس بميلادها في الشعر العربي بعد أن حمل بها الغرب في أجلى معانيها».

    ***

     

    إلا أن «الحلاق» لا يلبث أن يتحدث عن مأزق الشكل الروائي في «نجمة أغسطس»، فيقول في الدراسة نفسها: الروائي في الواقع يرسم عالم ما بعد الآلة، فيما يظن أنه يرسم العالم الراهن. إنه يعبر عن أزمة ما بعد التصنيع… وليس مجرد صدفة أن تكون الأداة الفنية في البناء الروائي مقتبسة من المجتمع الذي يعاني من أزمة التصنيع، لا من مأزق الحداثة، أعني الغرب. فلا نفضح سراً إذا قلنا إن البناء الروائي هنا مقتبس من الرواية الأوروبية الحديثة. فالشبه كبير بين هذه التقنية والأشكال الجديدة التي تبنتها الرواية الأوروبية منذ أكثر من عشر سنين… التقنية تقتبس في الشكل الروائي كما في التصنيع، من المصدر نفسه».

    وهو اتهام لا يزعجني بالمرة، طالما توافرت لدي المبررات الموضوعية للشكل الذي ولدت به الرواية. وواقع الأمر أن المأزق المشار إليه هو في الأساس مأزق «الحلاق» نفسه.

    استمع إليه يقول في الدراسة نفسها : «فالحداثة عندنا هي في الواقع عالم مفتت أبيد فيه العرف القديم الذي كان ينظم علائق المجتمع القديم ويعكس تصوراته لنفسه ومثله وأساطيره التي تغذي ديناميكيته الخاصة، وأقحم عرف جديد، بل قوانين جديدة من عالم مغاير لتحل محل العرف القديم، فانفجر المجتمع، تفتت، تذرر. هذه هي الحداثة عندنا ليست وضعاً جديداً راهناً له حركيته الخاصة التي تؤلف مختلف عناصر المجتمع في بناء جديد متناسق، بقدر ما هي مأزق راهن يتمثل بأزمة الحكم والتصنيع يراد تجاوزه بشق الأنفس».

    ***

    مأزق الحلاق» أنه يريد حداثة بلا أزمة، بلا تناقضات، من خلال عملية متناسقة ناعمة، حداثة بلا صدمة، بلا تصنيع أو آلة، كي لا نستورد شيئاً فتتلف الديناميكية الخاصة لمجتمعنا العظيم المتخلف.

    يريد رواية لا تحدث صدمة، لا توجد بينها وبين أية رواية أوروبية أو غربية مشابهة ما، في حين أننا استوردنا هذا الجنس التعبيري ذاته من الغرب مع أول آلة وصلتنا منه، عندما بلغ المجتمع درجة من التطور أحوجته إليهما معا.

    لكن هل المأزق فعلاً هو مأزق الحلاق» وحده؟

    لقد تمخضت «نجمة أغسطس» عن سجن بارد من القواعد الصارمة التي خيل إلي أنها تمثل طريقي الخاص. وهي ليست مجرد قواعد في تقنية الكتابة فحسب، بقدر ما هي أيضاً نظرة إلى الحياة أساسها المراقبة والتورط المشكوم.

    وداخل الجدران الباردة لهذا السجن، كنت أتطلع إلى تلك الحرية التي كتب في ظلها كل عمل عظيم امتلك من السحر ما جعله ينفذ إلى القلوب.

    ***

    لكن الخروج من السجن أصعب دائماً من دخوله. وتطلب الأمر عدة سنوات، هاجرت خلالها إلى جانب آخر من الواقع هو الطبيعة. فعكفت على صياغة مجموعة من القصص والروايات عن عالم الحيوان والنبات أطلقت فيها العنان لكل نزعاتي إلى كتابة حرة مؤسسة على الحكاية ذات الحبكة، تتضمن المغامرة والإثارة والفكاهة، لا تتقيد بقواعد صارمة، غير الالتزام تماماً بالحقائق العلمية، الالتزام تماماً، مرة أخرى، بالواقع.

    وفي هذه الأثناء كان المجتمع يتعرض لتغيرات واسعة النطاق؛ فالمشروع الحداثي العظيم للخمسينات والستينات آل إلى فشل مطبق ونفض أصحاب المشروع أيديهم منه، مستكينين إلى وضع التبعية. وخلال سنوات قليلة عاد كل شيء إلى نصابه: أعيدت الأموال والأراضي المصادرة إلى أصحابها، وتعدل سلّم القيم، وفقد العمال مكانتهم المتميزة وعادوا إلى القاع، وأجهضت الصناعات الوليدة أو دجنت، واستعادت الامبريالية مراكزها القديمة سافرة أو متخفية خلف الشركات متعددة الجنسيات، وعربدت إسرائيل بغير رادع وانتشر الفكر الرجعي السلفي على جناحين: مال النفط والإحباط.

    ***

    وبدا هذا الوضع أقل التباساً مما سبق. هل أقول إن الصورة فقدت رماديتها وعادت تتشكل من جديد في لونين متباينين من الأبيض والأسود؟ لكن شتان بين هذين اللونين الآن وبينهما في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات عندما ولدت الواقعية الجديدة في الأدب والفن. قد تكون الصور الآن واضحة كما كانت آنذاك، لكنها بالتأكيد أكثر عمقاً وتعقيداً من ذي قبل.من الطبيعي، إذن، أن يراوح التعبير عنها بين الإمعان في التغريب والغموض، وبين الهجرة إلى التراث. لكن ما تجلى في البداية احتجاجا على الواقع بتغريبه حيناً وتصويره في لغة مملوكية حيناً آخر، تحول بالتدريج إلى قبول وموافقة، من خلال الابتعاد بالألغاز، أو الانتقال من لغة عصر الانحطاط المملوكي إلى لغة التصوف… أي من خطوة إلى الأمام إلى عشر خطوات إلى الخلف.

    مرة أخرى السؤال المعهود: كيف أعبر عن الواقع، كيف أكتب؟ في لحظة يأس جديدة، عدت إلى ورقة صغيرة دونت فيها منذ سنوات وصفاً مبدئياً لفرد أعزل يواجه لجنة من الممتحنين ليرد على استفسارات غير محددة بموضوع بعينه، هدفها النهائي هو امتهانه وإذلاله.حين كتبت هذه الورقة، بدا لي أن تطويرها إلى عمل متكامل، رهن باستبعاد الدلالات الواقعية، مما يؤدي مباشرة إلى العالم الكافكاوي. ولم أكن وقتذاك مستعداً للابتعاد عما كنت أخاله طريقي الخاص، فنحيتها جانباً. عدت إذن إلى هذه الورقة بعد تدريب طويل على كسر القواعد، ومراقبة طويلة لمسلسل الانهيار والتبعية. ودون أن أعباً بشبهة الكافكاوية، بدأت أكتب رواية «اللجنة» بشيء كثير من العفوية.

    يوميات الواحات صنع الله إبراهيم
    يوميات الواحات صنع الله إبراهيم
    ***

    ولم ألبث أن ابتعدت عن الطريق الكافكاوي، فضلاً عن طريقي أنا السابق؛ فقد تسللت الوثائق إلى الصفحات، وتخلى الحياد البارد عن مكانه للفكاهة السوداء وأصبحت الجملة طويلة، وصارت مفتوحة لألوان التشبيهات والاستطرادات والألاعيب اللغوية وكل ما كنت أتحاشاه في السابق. وحلت السخرية المباشرة محل النبرة التقريرية والحياد الظاهري، وفعل الاغتيال الشرير محل الاعتراض السلبي. والأهم من هذا كله، أن الحكاية بحبكتها التقليدية تسللت إلى النص على استحياء.

    وعندما عثرت على بؤرة جديدة مماثلة لبؤرة «نجمة أغسطس» يمكنها أن تلم شتات الواقع العربي في الثمانينات، وأقصد بذلك «بيروت» واستوت الحكاية ذات الحبكة في مكانها الطبيعي، الذي شيد عليه فن القص منذ الأزل، هي والتسلسل الزمني التقليدي، والتشخيص السيكولوجي. لكن السرد أسلم نفسه للجملة الفعلية، القصيرة، التقريرية، المحايدة ظاهرياً، التي فرضت نفسها في مواجهة موضوع شديد الالتباس، متعدد الزوايا ووجهات النظر. وهو السبب نفسه الذي أفسح المجال للوثيقة، ودفعها لأن تتبوأ مكان الصدارة في البناء الروائي.

    ***

    في دراسة عن «نجمة أغسطس» نشرت في مجلة «ألف» (1982)، كتبت سیزا قاسم تقول: القضايا التي تواجه الأدب (العربي) اليوم قضايا إبستمولوجية أساساً. فالأدب هو الوسيط ذو الامتياز، وربما الأساسي، للمعرفة: معرفة العالم ومعرفة الذات. وفي مجتمعات يتم فيها إخفاء الحقيقة وتشويهها وقمعها، تصبح وظيفة الأدب هي كشف الحقيقة وفضحها. لقد أصبح الكاتب العربي اليوم، الناطق الجريء باسم المجتمع. وتمخض ذلك عن أدب مغموس في مشاكل الحياة اليومية ومرتبط ارتباطاً مباشراً بوسائط الإعلام والاتصال، بحيث حل محل القنوات التي تنقل عبرها المعرفة اليومية، وأصبح في بعض الحالات التعبير الوحيد الأصيل حقاً، إن لم يكن الفوري، عن مشاكل المجتمع الملحة.

    لست أتبني هذه النظرة بشكل مطلق. فقد علمنا التاريخ أن نتحفظ أمام أي حديث جازم بشأن وظيفة الأدب أو الدور الاجتماعي للإبداع، كما تعلمنا أن هناك دروباً عديدة تؤدي إلى الواقع بعضها قد يبدو للوهلة الأولى أبعد ما يكون عنه.

    وعند محاولة تلخيص تجربة إبداعية ما، يكفي القول بأنها مسعى آخر، من بين عديد من المساعي المتباينة، للامساك، عن طريق الأدوات المتاحة، وعلى أساس من مزاج وتكوين متفرّدين، بذلك الهدف المستعصي دائماً عبر العصور… ألا وهو الواقع.

    نشرت شهادة صنع الله إبراهيم في مجلة مواقف البيروتية – نوفمبر 1992.

    اقرأ أيضا:

    ملف| صنع الله إبراهيم: تجربتي الروائية

  • ملف| صنع الله إبراهيم: تجربتي الروائية

    ملف| صنع الله إبراهيم: تجربتي الروائية

    لقد حاولت بكل جهدي أن أتجنب الحديث في هذا الموضوع، لسبب بسيط، هو إيماني بأن روايتين أو ثلاثاً لا تصنع كاتبا، ولا يمكن الحديث عن التجربة الروائية إلا من خلال كم من الأعمال. لكن كان من الضروري أن أشارك في هذا الملتقى الهام، ولما كنت قد ابتعدت قاصدا عن النشاط النظري والنقدي، فلم يعد أمامي، إلا الخوض مرغما في هذا الحديث.

    وليس هنا، على ما أعتقد، مجال لتناول الظروف والعوامل التي دفعتني إلى كتابة الرواية، وهو على أي حال موضوع طرق كثيرا في أطره العامة المتماثلة من جانب عدد كبير من الكتاب الكبار في مختلف أنحاء العالم، بحيث يصعب على أن أضيف جديدا ذا قيمة إلى ما ذكروه، رغم الخصوصية الواردة. يكفي أن أقول إني قد اتخذت قراري بكتابة الرواية تأكيدا لذاتي ودفاعا عنها في ظروف صعبة للغاية، هي ظروف السجن. فكان الحصول على الورقة والقلم، الممنوعين، ثم توفير المخبأ الملائم لهما، يمثل انتصارا على القضبان، وعلى الورقة كان بوسعي أن أمارس كل الحرية المفتقدة.

    ***

    ومنذ البداية كانت لعبة الشكل تستهويني، فالحرية التي يتعامل بها الكتاب المعاصرون مع مادة الرواية كانت تثيرني للغاية. كل رواية تصبح مفاجأة تامة ومغامرة مثيرة جديدة، لا تكرار فيها أو ابتذال. وكان من الطبيعي أن تتحول الطفولة، التي استيقظت أدق لحظاتها في أيام السجن ولياليه الطويلة، إلى منجم غني بالنسبة للعمل الأول. لكني لم أكتب غير بضع فصول، توقفت بعدها عندما واجهت المشاكل التي يواجهها كل كاتب في بداية عمله، وأحيانا كثيرة بعد الرواية الأولى: أي طريق بين عشرات الطرق؟ الأساليب والأشكال والمدارس؟ تشيكوف، وجوركي، وجويس، وبروست، فضلا عن زولا، وبلزاك، ونجيب محفوظ، ثم الآن روب -جربيه وأصحاب الرواية الجديدة في فرنسا، الذين كانوا يحدثون ضجة كبرى في ذلك الوقت (بداية الستينات)؟

    لم يكن الأمر متعلقا بالحرفة، بالتكنيك وحسب، ونما كان يشمل أساساً وجهة النظر، الرؤية، ما تريد أن تقوله. كنت قد بدأت حركتي من موقع التمرد على ما كان يعرف في ذلك الحين بالواقعية الاشتراكية. فقد شعرت، أنا وكثيرون غيري، أنها تزيف الواقع وتزوقه وقدرت أن هذا الخداع لا يساعد الإنسان بل يضلله.

    هكذا عاهدت نفسي منذ البداية أن أذكر الحقيقة، ولأن الحقيقة ليست مطلقة، فلا بد من أن أبذل كل جهد، مسلحاً بالعلم والتجربة، بماركس وفرويد ومن أضاف إليها، لاقترب منها قدر الإمكان. وكان لدي قدر كاف من الغرور وقتذاك (كنت ما أزال في الثانية والعشرين من عمري) لأعاهد نفسي ألا أكرر أو أقلد، وأن أصمت إذا لم يكن عندي ما أضيفه.

    ***

    تجمعت في تلك الأثناء مكتبة سرية ضخمة في السجن الصحراوي الذي كنا به. وكانت المكتبة متنوعة للغاية ومعاصرة، حتى أنها ضمت أحدث الدراسات والمجلات الأدبية والنظرية الفرنسية. وأتيحت لي فرصة نادرة للقراءة في مجالات متنوعة. وأعدت قراءة ما قرأته من قبل بعين مختلفة، تبحث عن أجوبة لأسئلة محددة.

    وكنت أستعين بالمرحوم إبراهيم عامر ليترجم لي عن الفرنسية، التي لا أجيدها، كل ما يستهويني من دراسات فلسفية أو أدبية، ومنها دراسة مثيرة نشرتها مجلة “لا نوفيل كريتيك” عن البناء المعماري لرواية “بوليسيز”.

    ووقع في يدي كتابان عن هيمنجواي لهما الأثر في مسيرتي: الأول للناقد الأميركي كارلوس بيكر، والثاني للناقد السوفييتي كاشين أو كاشكين (إن لم تخني الذاكرة). وفي رأيي أن هذين الكتابين يمثلان إحدى الحالات النادرة التي يكون فيها الناقد عونا للكاتب. فقد تغلغلا إلى أعماق الرؤية الفنية للكاتب الأميركي العظيم، واهتما أساساً بأدواته والقواعد التي وضعها لنفسه. وتقبل مزاجي الخاص كثيرا من هذه القواعد، إذ وجدت فيها دعامات يمكن الاستناد إليها في المرحلة الأولى: ألا أكتب إلا عما أعرفه جيداً – أن يكون النثر واقعيا محددا للغاية ذا أبعاد متعددة (جبل الثلج) في مواجهة السيولة العربية التقليدية -التركيز والاعتماد على الإيحاءات والارتباطات الداخلية للنثر، وحذف كل ما هو زائد أي كل ما يمكن الاستغناء عنه.

    رواية اللجنة
    رواية اللجنة
    ***

    عدت إلى محاولة الكتابة. كان من الصعب أن أكتب عن تجربة السجن لأني كنت أعيشها وكانت لها جوانب كثيرة تفتقر إلى الوضوح. وكان من الطبيعي أن أتحول مرة أخرى إلى منجم الطفولة، فقررت أن أقتطع منها لحظات يمكنني، في حدود وعي الآني، أن أسيطر عليها. ولا زلت أحتفظ بأرق المشاعر لتلك اللحظات التي كنت أنفرد فيها بنفسي إلى جوار سور السجن، مشرفا على مساحات شاسعة من رمال الصحراء، لأكتب فصولا من رواية ثانية، لم يقيض لها، هي الأخرى، أن تكتمل.

    ذلك أنه أفرج عنا فجأة في منتصف عام 1964، قبل أيام قليلة من تحويل مجرى النيل وانتهاء العمل في المرحلة الأولى من السد العالي. وخرجت إلى الحرية بعد خمس سنوات ونصف من السجن، لأواجه عالما مختلفاً بحكم ما تعرضت له أنا شخصياً من تغيرات بالغة (دخلته في الواحدة والعشرين، وغادرته في السادسة والعشرين)، بالإضافة إلى التغيرات التي لحقت بالمجتمع نتيجة الثورة الاجتماعية التي قام بها جمال عبد الناصر في أوائل الستينات. ألفيت طبقات قد اندثرت وطبقات غيرها ظهرت. وجدت أجهزة التلفزيون تحتل أغلب البيوت. والناس تعاني هموماً مختلفة للغاية.

    ***

    وكان ثمة أشياء غير مفهومة: الحديث يجري عن اشتراكية تطبق هي ما كنت أحلم به ودخلت السجن من أجله. أما الذين يطبقونها فهم والمنتفعون بها أجنحة متعددة من البرجوازية الصغيرة، انطلقت من عقالها لتنشر كل فكرتها في الحياة والأدب والسياسة والفن باسم الاشتراكية العلمية. عالم مختلف إذن عما كنت أحلم به. لكن النظام مشتبك في معركة ضارية مع الامبريالية وليس هناك غير مكان واحد للمناضل السياسي: أن يقف في الصف. أما الكاتب الروائي، لماذا يفعل؟

    كان من الصعب على أن أحبس نفسي عما يحدث حولي وأدفنها في منجم الطفولة الذاخر. وفشلت كل محاولاتي في استكمال الرواية الثانية التي بدأتها في السجن، وبدلا من ذلك كنت أعود كل مساء إلى غرفتي لأسجل في سطور محمومة أحداث اليوم، دون أي محاولة لتحليل أي شيء، مقتصراً على الصدمات التي أتلقاها في كل ساعة أثناء بحثي المشروع عن عمل وامرأة، ومن خلال محاولاتي لإيضاح موقفي إزاء الأسئلة التي تنهمر على من الأقارب والمعارف والأصدقاء.

    وذات يوم لا أنساه، بينما أنا ساخط على نفسي لعجزي عن الكتابة، وقد بدأت تعذبني من جديد الأسئلة عن طريقي الخاص وصوتي المتميز، ألقيت نظرة على هذه السطور المحمومة التي تجمعت في أوراق قليلة وألفيتني في موقف أرشميدس. ها هو الصدق الذي أبحث عنه. ها هي قطعة خام من واقع حقيقي لا تزويق فيه ولا محاولة لإخضاعه لتنظير سياسي أو فلسفي قد يخطئ. قطعة خام تنتظر أصابع الفنان لتصنع منها كائنا متكاملا متميزا. لقد وجدت موضوعي الخاص بشكله المتميز المرتبط به.

    ***

    فبينما كانت الجملة القصيرة ذات السطح الجاف اللامبالي، في محاولاتي السابقة مبدأ متلقناً من هيمنجواي الذي رفع في بداية عمله شعار «المس وامض»، إذا بها هنا نابعة من العمل ذاته: ففي حمى محاولتي للامساك بلحظة معاشه في ظروف غير مواتية، لم تكن لدي الإمكانية لان أتمعن في التفاصيل وأتقصى الخلفيات والتعليلات. لكن «جملتي» ولدت نابضة بتيارات وموارب خفية، تستكمل هذا النقص، وتخاطب في القاري، كلا من وعيه ولا وعيه وفي بعض الأحيان كنت أجدها غير كافية، فاستكمل الموقف بمعارضة انفعالية. وفي أحيان أخرى أجدها مكررة وزائدة عن الحاجة فاحذفها. هكذا ولدت «تلك الرائحة».

    وقد واجهت هذه الرواية القصيرة الرفض التام في البداية سواء من جانب الدولة التي صادرتها أو النقاد الذين هاجموها، أما القراء الذين تسربت إليهم، فقد صدموا من صراحتها القاسية التي مست الأبنية العقائدية والتقاليدية لديهم.

    وفي رأيي أن هذه الصدمة التي حققتها هي دليل نجاحها ونذير مبكر (أوائل 1966) بفجيعة 1967، وما تلاها من انتكاسات. فقد أكدت غربة بطلها عما يجري حوله ورفضه ما هو مستدل وبرجوازي وغير إنساني. والغريب أن عدداً من النقاد التقدميين البارزين رأوا فيها «تشيوا» واستنكروا هذه الغربة غير المفهومة، وأدرجوها ضمن عجز المثقفين المنعزلين عن إدراك الظواهر الاجتماعية. فقد نظروا إليها من واقع التسليم بالواقع المعاش على أمل تطويره في المستقبل من خلال وحدة مجردة من الصراع للقوى التقدمية هي في حقيقتها تبعية مطلقة للسلطة الثورية المستبدة.

    ***

    حددت «تلك الرائحة» الموقف الذي يدفعني إليه مزاجي الخاص: الوحدة بين الرواية والواقع والمؤلف، وهي وحدة جعلتني أقف دائماً على حافة السيرة الذاتية، لا يفصلني عنها غير حاجز التشكيل الفني. ولم تنصرم ثلاثة شهور على الانتهاء من روايتي «الأولى»، حتى كنت في طريقي إلى موقع العمل في السد العالي. ففي ظل القيود المفروضة على حرية «الفعل»، بدا السد العالي كأنه المكان الوحيد الذي تتحقق فيه هذه الحرية، فضلا عما يعنيه هذا البناء من الناحية المادية بالنسبة المستقبل بلادي. كانت لدي شكوكي المختلفة وكنت أريد أن أقطع فيها برأي، وكنت أبحث عن امرأة: عن وجودي الجنسي الذي أربكته للغاية الأحداث الحياتية المتعارضة والمتلاحقة. وكنت ما أزال أتلمس طريقي في الكتابة.وحملت معي بالصدفة كتاباً عن «مايكل أنجلو» كنت أقرأ فيه قبل النوم كعادتي كل ليلة، وإذا بي أجد في مسيرته الفنية.

    ***

    كما فسرها مؤلف الكتاب، صدى للمشاكل الفنية التي أعانيها. فهو الذي رفض أن يكون موضوعه الأول من الأساطير كما شاء أساتذته، وأمر أن يكون ذاتياً خاصاً به، وهو الذي كتب هذه الأبيات عن وظيفة الفنان:

    «لا تخطر فكرة للفنان مهما كانت عظمته،

    وليس لها وجود في قشرة الصخر

    فكل ما تستطيعه اليد التي تخدم العقل،

    هو أن تفك سحر الرخام»

    منهاج كامل للتأليف الفني، بل ورؤية فلسفية للحياة والفعل عموماً. انطلقت أكتشف معالم السد العالي الجغرافية والهندسية والتاريخية والسياسية والإنسانية، وسرعان ما أصبحت «أنا» والسد ومايكل أنجلو، وحدة متفاعلة لا يمكن تجزئتها. وفي هذه الوحدة تكمن شروط الرواية المطلوبة كل ما يتعين على عمله هو أن أفك سحر الرخام.

    يتألف السد، جغرافياً وهندسياً – من ثلاثة أقسام: قسم أمامي وآخر خلفي وثالث بينها، وتتألف رحلتي من ثلاثة أقسام: القاهرة السد – السد نفسه – السد أبو سمبل. ويتكون البناء من القسمين الأمامي والخلفي، من أربع عمليات مختلفة، ترتبط كل منها بالة معينة ومادة معينة.

    وردة
    وردة
    ***

    أربعة فصول صعدا إلى السد وأربعة هبوطاً منه. أما السد نفسه فله قلب: النواة الصماء أو الستارة الحديدية المنيعة التي تتألف – للغرابة – من أبسط المواد وأكثرها ضعفاً: التراب. لكن هذا التراب عندما يمزج بالماء ويحقن ببعض المواد المستوردة من الاتحاد السوفييتي يتحول إلى حاجز منبع في وجه الزمن. وفي هذا الجزء الوسطي تلتقي كل عناصر السد والرواية وتتجمع تلك الشذرات والإيماءات والذكريات والأحداث في بؤرة حية، لحظة فعل متوترة، وهي الخلاص المشروط (بالحب) والمنفى (من أجل أي شيء كل هذا؟).

    رفعت شعار تحقيق أقصى وحدة بين الشكل والمضمون. وقضيت شهوراً في محاولة لإعطاء كل صفحة من مخطوطي، وكل فقرة في هذه الصفحة، شكلا يتفق وأشكال المواد الرئيسية المكونة له: الصخور والرمال والأتربة. ثم تخليت عن هذا الهدف – من الناحية التشكيلية البصرية – عندما وجدت أنه يحتاج مني إلى سنوات. وركزت جهدي على اللغة.

    في تلك الرائحة، كانت لغتي تلقائية بها شيء من الركاكة التي حافظت عليها عن قصد عندما وجدت لها جمالية من نوع خاص، تخدم الخطاب المقصود. لكن «نجمة أغطس» كانت تتطلب، بحكم الوحدة المبتغاة بين الشكل والمضمون موقفاً مختلفاً من اللغة. فالصخور، وهي المادة الرئيسية لبناء السد، هي على حد تعبير مايكل أنجلو، شيء يقيني لا يناقش من أي زاوية. وفي عملية جمع شتات العالم المتناثر للسد، حيث كل شيء قابل للتأويل والتحليل، كانت ثمة حاجة إلى هذه الصخور، الدعامات التي لا تحتمل النقاش.

    ***

    الالتجاء إذن للأسلوب التقريري البارد من السطح، الذي جرب من قبل، مع إضافة جديدة، هي الاعتناء بان يكون محددا للغاية، وأن تتطابق اللفظة مع المعنى تطابقاً تاماً، وان يخلو تماماً من التشبيهات والألاعيب اللغوية والأدبية التقليدية. الرمال مادة أخرى هامة من مواد البناء، هي أحياناً خشنة وأحياناً ناعمة وفي الأصل كانت الرمال صخوراً رسوبية ترسبت مع الزمن وتفتتت بعوامل التعرية، ألا تتطابق هذه المادة من مواد السد، مع مادة أخرى من مواد الرواية هي الذكريات؟ والتأملات المرتبطة بالإبداع الفني لدى مايكل أنجلو؟ من هنا جاء الأسلوب الغنائي في المعارضات الانفعالية للسرد الرئيسي.

    وفي القسم الوسطي، حيث تختلط كل العناصر في وحدة حية، تصبح الحاجة ماسة إلى جملة واحدة متوترة تصور تلك اللحظة النادرة، لحظة الفعل على مستوياته المتعددة الجنس – السياسة -الفن) في لحظة تحقق قصيرة وعميقة.من هنا جاءت التعددية اللغوية الأسلوبية التي كان الدكتور برادة أول من اهتم بدلالتها في بحثه القيم واعتبرها مفتاحاً لتحديد الرؤية للعالم في «نجمة أغسطس».

    ***

    ومن قبل، بذل الدكتور بطرس حلاق جهداً عميقاً في دراسة البناء الداخلي للرواية، لكنه أسقط عليها نتائج مسبقة تتفق ووجهة نظره الخاصة بشأن الحداثة والمعاصرة. ولهذا السبب لم يعبأ بهذه التعددية الأسلوبية، وتوقف عند الأسلوب التقريري في السرد الرئيسي ليستخلص منه أوجه بل ومحاكاة لرواية التحولات لميشيل بوتور. والواقع أنني لم أقرأ الرواية المذكورة، لأني أولا لا أقرأ بالفرنسية. أما قراءاتي بالإنجليزية لأعمال أصحاب الرواية الجديدة في فرنسا فلم تتعد بعض أعمال روب آلان جربيه، وناتالي ساروت، وكلود سيمون. والأطرف من هذا أني لم أقرأ من أعمال هؤلاء غير بضع صفحات أشعرتني بالملل الشديد مما صرفني حتى اليوم عن مواصلة القراءة.

    لكن هذا لا يكفي لنفي إمكانية التأثر بهذه المدرسة من خلال الدراسات النقدية والعروض الصحفية. ولست أجد غضاضة في هذا التأثر إن صح. فنحن لا نكتب من فراغ. ومن حقي أن أستفيد من معطيات وتجارب الآخرين بشرط أن أضيف إليها شيئاً. فالتاريخ الأدبي هو تاريخ الإضافات والتجاوزات. وقد سبق أن اعترفت باني تخرجت من مدرسة هيمنجواي. لكن التأثر غير التقليد والمحاكاة. فإذا ما استخدم أحد المنولوج الداخلي، هل تعتبره مقلدا لجويس؟ المشكلة تبقى دائما في الرؤية.

    ***

    وعلى سبيل المثال، فان الآلة عند أصحاب الرواية الجديدة في فرنسا عدو. وهي في «نجمة أغسطس»، على عكس ما ارتأى الأستاذ بطرس الحلاق صديق حميم. وقد أعطى الأستاذ محمود أمين العالم هذه النقطة حقها في البحث الذي استمعنا إليه. لكن بحثه بصورة عامة كان أقرب إلى العرض الصحفي منه إلى التحليل النقدي العميق.

    والأستاذ العالم هو نفسه الذي روى في كلمة الافتتاح كيف رفع في الخمسينات شعار تأمل الظاهرة الأدبية من حيث الصياغة والمضمون، لأن الصياغة ليست الإطار الخارجي للصنيع الأدبي بل هي عملية داخلية فعالة فيه، والعلاقة عضوية بينها. واعترف الأستاذ العالم في كلمته، بأنه في التطبيق، كان يقف عند حدود الظواهر الخارجية ولا يغوص في أعماق التقنية الداخلية. وقال إنه يطمح الآن إلى نقد يتدارس «بدقة وعناية تفاصيل التقنية الداخلية للعمل الأدبي» كنقطة انطلاق لتحديد الدلالات الخارجية.

    لكن بحثه جاء مجرداً من هذا الطموح، إذ اكتفى بالظواهر الخارجية العامة للرواية، أي ذلك الجانب من النقد الموجه – عبر الصحيفة – إلى القاري. فلماذا أستفيد أنا – الكاتب – من مثل هذا النقد؟

    ***

    إن العلاقة بين الكاتب والناقد العربيين، هي إلى الآن علاقة غير سوية. فالكاتب يتطلع إلى الناقد منتظراً منه بلورة – ولا أقول حلولاً – للمشاكل التي تعترضه في عمله، ورأياً كاشفاً يستند إلى نظرة أشمل، تحليلية، مقارنة، متمرسة، يمكن أن يسترشد به. لكننا لا نجد لدى النقاد العرب – فيما عدا حالات استثنائية – سوى الخطاب الموجه للقارئ وحده.

    ويتعين على أن أعكف على مشاكلي في وحدة تامة: هل من حقي أن أكتب خلال وحدة متصورة بين ذاتي الإنسانية وذاتي الروائية والواقع نفسه؟ هل أواصل طريقي المضاد «للتأليف»، القريب من السيرة الذاتية؟ هل إذا طعمته ببعض الحيل الصغيرة القالب البوليسي مثلا كان من الممكن استخدامه في نجمة أغسطس من أجل التشويق يصبح في إمكاني أن أصل إلى الجمهور العريض؟ كيف يمكن أن أحكي حكاية تمتع القارئ العادي في نفس الوقت الذي تستجيب فيه إلى مطالب القاري المثقف المتعمق ولا تقدم أي تنازل عن المبادئ التي تحكم رؤية متميزة أطمح إلى التعبير عنها؟ ألا تتحول القواعد الصارمة التي يضعها الكاتب لنفسه إلى سجن؟ ألم تكتب كثير من الأعمال العالمية المحبوبة بحرية ما؟ هل يصل الكاتب في عمله إلى درجة من التمرس والنضج تتيح له ان يكسر القواعد التي وضعها لنفسه؟ وألا يعني هذا العمل من خلال قواعد جديدة؟ وهل يمكن أن تكون القواعد الجديدة أكثر مرونة؟

    ***

    في بداية هذا العام كتبت قصة قصيرة بعنوان «اللجنة» تحولت الآن إلى رواية. وقد كتبت في إطار التمرد على كل القواعد التي سجنت نفسي في حدودها طوال السنوات الماضية. فهي أساساً مكتوبة بصورة عفوية للغاية، وان كانت محكمة من خلال قانونها الخاص. إنها ليست قطعة من الواقع تعيد أصابع الفنان تشكيلها لتصبح واقعا جديداً، فهي منذ البداية واقع مواز تماماً، على نسق التقليد الأدبي العام. هل هي «نقلة» جديدة؟ لا أعتقد. فقبلها كنت أعمل في رواية جديدة تمثل تطويراً للمبادئ التي حكمت «نجمة أغسطس… وعندما أنتهي من «اللجنة» سأعود لأواصل العمل في الرواية الأخرى ولن يعدو الأمر في حالة «اللجنة» أن يكون مجرد رغبة نزقة في التمرد على الذات.

    في مقاومة رتابة الكتابة وفقاً لنهج صارم. إنها لعبة من لعب الخيال قد تتكرر أو لا تتكرر. وهي نفس الرغبة التي دفعتني لكتابة الروايات العلمية. وهي شيء مختلف عما يعرف بالروايات العلمية الخيالية. وقد كتبت منها حتى الآن أربعاً استنشر قريباً عن دار الفتى العربي (البيروتية) متبعاً نفس المنهج دراسة المادة العلمية دراسة عميقة والتعامل معها بخيال مفتوح (مع ضرورة المحافظة على الحقائق العلمية) بحيث تعطي الشكل والأسلوب الضروريين. وتصبح كل رواية مغامرة مستقلة.  وفي الروايات العلمية لم يكن ثمة مجال للجملة القصيرة المحايدة أو الموجزة. إن «جبل الثلج» لا نفع له هنا. فلا بد من شرح تفاصيل هذا العالم كي يصبح مفهوماً من القارئ. ولا بأس من استخدام التشبيهات وكافة الحيل اللغوية لتحقيق هذا الهدف.

    ***

    ثمة «صخرة» يمكن الاستناد إليها: كل شيء يخضع لما تريد أن تقوله وهي مقولة قديمة جداً يثبت تجددها كل يوم. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فلا بد من أقصى حرية في الخيال، وأقصى معرفة ممكنة بحقائق الحياة والعلم وقوانين المجتمع والتطور، والتراث العالمي والتجارب المعاصرة، وأقصى جرأة على التجريب وكر القواعد البالية واستحداث قواعد جديدة، ولا بد أساساً، وقبل كل شيء، من الصدق.

    نص الشهادة التي ألقاها صنع الله إبراهيم في ملتقى الرواية العربية الذي أقيم في مدينة فاس المغربية عام 1979.

    اقرأ أيضا:

    رفضته الرقابة: «شرف» صنع الله إبراهيم في فيلم متعدد الجنسيات لمخرج مصري ألماني

  • جمال عمر يكتب في ذكري نصر أبوزيد: ثلاثة عقود من قصة التفرّيق

    جمال عمر يكتب في ذكري نصر أبوزيد: ثلاثة عقود من قصة التفرّيق

    كنت أستمع لمحاضرة بالإنجليزية للباحثة الألمانية أنجيليكا نويفيرت، وقدمتها في مركز الدراسات الإسماعيلية بجامعة آغا خان بلندن هذا العام، عن الدرس الأدبي للقرآن، وأفكر في حالة عدم الاهتمام بمدرسة الشيخ أمين الخولي بجامعة فؤاد الأول في دراسة الموضوع، وفي كل المحاضرات التي سمعتها لها عن الدرس الأدبي لا تشير لهذه الجهود.

    وفي موضع من مواضع المحاضرة، ذكرت اسم نصر حامد أبوزيد، منطوقا بكيفية نطقة في اللهجة المصرية، وليس منطوقا بكيفية نطق اللغة الفصحى.

    أبوزيد، الذي أعده آخر حلقة من حلقات مدرسة الخولي للدرس الأدبي للقرآن الكريم، المدرسة التي تم محاربتها في أربعينات القرن العشرين، وتم القضاء على جهودها في قسم اللغة العربية بكلية آداب القاهرة. وكانت دراسات نصر في سبعينات وثمانينيات القرن الماضي هي إحياء لهذه المدرسة.

    كل هذا تجمع في شهر يوليو، الذي يشير إلى مرور عقد ونصف على رحيل نصر أبوزيد عن عالمنا. لكن عام 2025 يشير إلى مرور ثلاثة عقود على حكم محكمة استئناف مصرية على التفريق بين نصر أبوزيد وزوجته د. ابتهال يونس، القضية التي رفضتها محكمة ابتدائية، وقبلتها محكمة استئناف وقضت فيها، وتم إيقاف تنفيذ الحكم وأيدت محكمة النقض الحكم.

    محنة عدم الترقية

    كانت عملية انهيار الكتلة الشرقية/ الشيوعية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وموجة أعمال العنف التي تولدت من جماعات العائدين من الجهاد في أفغانستان بعد خروج السوفيت، عامل حافز للتيارات الدينية، وكانت أيضا مناظرات ومواجهات فكرية، بين أصحاب التيار “الإسلامي”، وأصحاب التيار “المدني/ العلماني”، المواجهات أخذت أشكال متعددة. وكانت هناك حالة من الاحتقان الفكري والسياسي.

    وفي نهاية عام 1991، قضت محكمة لأمن الدولة بمصر بسجن الكاتب علاء حامد ثماني سنوات، بعد تقرير لمجمع البحوث الإسلامية على رواية. وكانت محاولة مصادرة كتب المستشار سعيد العشماوي من قِبل لجنة أزهرية بمعرض كتاب القاهرة.

    والمناظرة المشهورة ضمن أنشطة المعرض: بعنوان “مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية”، التي شارك فيها د.محمد أحمد خلف الله، ود.فرج فودة ممثلان للتيار المدني، والشيخ محمد الغزالي، ونائب المرشد العام للإخوان المسلمين الهضيبي، ود.محمد عمارة، وأدارها د.سمير سرحان رئيس الهيئة العامة للكتاب. حالة من الاحتقان بين تيارين فكريين في الحياة الثقافية.

    ***

    وفي التاسع من مايو سنة اثنين وتسعين تقدم د. نصر أبوزيد بإنتاج علمي للجنة الدائمة لترقيات أساتذة أقسام اللغة العربية في الجامعات المصرية – بعد هذا التوقيت بشهر تم اغتيال الكاتب فرج فودة وهو خارج من مكتبه – قامت اللجنة بتوزيع الأعمال في الثامن والعشرين من الشهر على ثلاثة من الأساتذة: د. شوقي ضيف (1910- 2005) رئيس لجنة الترقيات، د. محمود علي مكي (1929- 2013) د. عوني عبد الرؤوف (1929- 2020) على أن يقدم كل منهم تقرير عن الأعمال خلال ثلاثة أشهر. في الثاني والعشرين من أكتوبر اعتذر د. شوقي ضيف، لظروفه الصحية، وخرج من لجنة تقييم الأعمال، وأدخل مكانه د. عبد الصبور شاهين (1929- 2010).

    اجتمعت لجنة الترقيات في الثالث من ديسمبر، فقدم د. محمود علي مكي تقرير عن الأعمال يقر بأحقية المتقدم في درجة الأستاذية، وكذلك تقرير د. عوني عبد الرؤوف، يوصي بأحقية المتقدم في درجة الأستاذية، والتقرير الثالث من د. عبد الصبور شاهين يوصي بأن أعمال المتقدم لا ترقى به إلى درجة أستاذ. وتمت عملية التصويت فوافق سبعة أعضاء في اللجنة ضد ستة أعضاء على أحقية نصر أبوزيد للأستاذية، رغم وجود تقريرين بأحقيته ضد تقرير واحد.

    اجتمع أساتذة قسم اللغة العربية بكلية آداب القاهرة يوم السابع من ديسمبر لمناقشة تقرير اللجنة، ورفض أساتذة القسم الاثنا عشر المجتمعون قرار اللجنة. وكتبوا تقريرا بأحقية نصر أبوزيد في درجة الأستاذية، وتم رفعه لمجلس كلية آداب القاهرة.

    ***

    في اجتماع مجلس الكلية يوم التاسع من ديسمبر، تشكلت لجنة ضمت: د. مصطفى سويف (1924 – 2016)، د. عبد العزيز حمودة (1937 – 2006)، د. حسن حنفي (1935 – 2021)، د. جابر عصفور (1944 – 2021). وكتبت اللجنة تقريرا ردت فيه على تقرير لجنة الترقيات، ووافق مجلس الكلية بالإجماع. وتم إرساله لرئاسة جامعة القاهرة.

    أشار لموضوع عدم الترقية الأستاذ فهمي هويدي بمقاله الأسبوعي في جريدة الأهرام 26 ديسمبر 1992، في سياق سجال بينه وبين نصر أبوزيد عن مقدمة أبوزيد لترجمة كتاب صوت الجنوب.

    تم حجز الموضوع في أدراج مجلس الجامعة. وحدثت مفاوضات من رئاسة الجامعة مع نصر أبوزيد علي أن لا تتم ترقيته هذا العام وتتم الترقية العام القادم، فما الداعي أن تتم ترقيته ويتم اغتياله أو طعنه. وفي اجتماع طارئ يخص فرع الجامعة في الخرطوم في الثامن عشر من مارس عام 1993، أقر مجلس الجامعة مبدأ الاعتداد بتقارير اللجان العلمية، في حين أن القرار كان دائما هو قرار المجلس.

    ***

    تفجر موضوع عدم الترقية في الصحافة المصرية:

    • كتب فهمي هويدي 23 مارس 1993 بجريدة الأهرام يقترح خلق مناطق فكرية آمنة لا يتناولها البحث والنقاش.
    • كتبت مجلة روزاليوسف 29 مارس 1993 خبر حجب الترقية.
    • جريدة الأخبار تقرير صحفي كتبته عبلة الرويني، بعنوان “أزمة في جامعة القاهرة”.
    • كتب جمال الغيطاني عموده “مسألة د. نصر”.
    • فريدة النقاش في جريدة الأهالي: “الإرهاب يكفر أستاذا”.
    • غالي شكري في مقاله الأسبوعي بالأهرام “قضية نصر أبوزيد”.
    • يوم الجمعة الثاني من إبريل، صدرت مجلة المصور، بتحقيق لحلمي النمنم بعنوان: “معركة في جامعة القاهرة، حول ترقية أبوزيد”.

    وفي خطبته الأسبوعية بجامع عمرو بن العاص، أول مساجد إفريقيا، تطرق الشيخ د. عبد الصبور شاهين، الأستاذ بدار العلوم، عضو اللجنة الدائمة للترقيات للقضية تحدث في الموضوع.

    وكتب الأستاذ لطفي الخولي مقالا من صفحة كاملة بجريدة الأهرام بعنوان: “جامعة القاهرة وكُتّاب سيدنا”، وفتح صفحة الحوار القومي الأسبوعية التي يشرف عليها في الجريدة للقضية، وقام بنشر التقارير العلمية الثلاث من لجنة الترقيات، وفتح الصفحة لنشر التعليقات عليها. كذلك مجلة القاهرة نشرت ملف كامل به كل التقارير.

    نصر أبوزيد وزوجته
    نصر أبوزيد وزوجته
    محنة قضية التفريق بين الزوجين

    تقدم المحامي محمد صميدة عبد الصمد، مستشار سابق بمجلس الدولة، ومجموعة من المحامين: عبد الفتاح عبد السلام الشاهد، وأحمد عبد الفتاح أحمد، وهشام مصطفى حمزة، وأسامة السيد بيومي، وعبد المطلب محمد أحمد، والمرسي المرسي الحميدي، وجميعهم من مكتب محمد صميدة عبد الصمد، واتخذوا من العنوان ثلاثة وثلاثين، بشارع جامعة الدول العربية بالمهندسين بالجيزة مقرا لهم.

    تقدموا برفع قضية حسبة للتفريق بين د. نصر أبوزيد وبين زوجته الأستاذة بجامعة القاهرة، أمام محكمة الجيزة الابتدائية في دائرة الأحوال الشخصية، بدعوى أن هناك علماء قالوا بأنه خارج عن الإسلام وأنه لا يجوز لمسلمة أن تكون متزوجة بغير مسلم، وأنها دعوى حسبة دفاعا عن حقوق الله، يوم الإثنين السابع عشر من مايو سنة ثلاثة وتسعين.

    في هذه الفترة كانت تُنظر قضية اغتيال فرج فودة، وفي شهر سبتمبر محاولة اغتيال رئيس الوزراء المصري، ومحاولة اغتيال وزير الإعلام المصري.

    اعتمدت الدعوى على أن هناك فارق بين حرية العقيدة وبين الآثار المترتبة على هذا الاعتقاد من الناحية القانونية. الجزء الثاني أن هذه دعوى حسبة تدافع عن حق من حقوق الله، وهي حقوق يعود نفعها على الناس كافة لا على أشخاص بأعينهم.

    ***

    والدعوى هنا تطرح سؤال قانوني آخر: هل الحسبة موجودة قانونيا أم ألغيت. حيث أنه كان هناك محتسب وكانت له ممارسات في القرن التاسع عشر، ومع عمليات التقنين والمحاكم الأهلية الحديثة ووضع قوانين تنظم الإجراءات، لم يتم النص على إجراءات تنظم الحسبة ولا تم وضع نصوص تقول أن الحسبة قد تم إلغاؤها.

    هيئة الدفاع عن د. نصر في القضية ركزت على الجانب الشكلي؛ بأنه لكي تقضي محكمة بالتفريق يتعين عليها أن تحكم بردة الزوج، ولا يوجد في القانون المصري ولا في لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، ما يجيز لأي محكمة أن تقضي بإسلام مواطن أو كفره أو ردته، وأن أحكام التفريق التي صدرت في المحاكم كانت في حالات ردة ثابتة بطريقة لا تدع مجال للشك، بإثبات في أوراق رسمية مثل حالة مسيحي أسلم ثم رجع إلى المسيحية وغير ذلك في أوراق بطاقته.

    الدفع الآخر أنه ليس للمدعين أي صفة قانونية لرفع الدعوى فهم لم يقع عليهم ضرر شخصي، بمعنى أن طلب الطلاق يكون من حق من وقع عليه الضرر وفي هذه الحالة زوجة دكتور نصر.

    ***

    في جلسة الخميس السابع عشر من يناير عام أربعة وتسعين انعقدت المحكمة برئاسة القاضي محمد عوض الله، وعضوية القاضيين محمد جنيدي ومحمود صالح ووكيل النائب العام وائل عبدالله. وحكمت محكمة الأحوال الشخصية الابتدائية برفض الدعوى، ورفض التفريق بين دكتور نصر أبوزيد وزوجته د. ابتهال يونس.

    استندت المحكمة في رفضها إلي أنه حين تم إلغاء المحاكم الشرعية تمت التفرقة بين القواعد الموضوعية وبين القواعد الإجرائية التي تحكم الأحوال الشخصية السابقة في المحاكم الشرعية، وأن الإجراءات أصبحت تخضع لقانون الإجراءات، والذي صدر عام 1968. وهذا القانون لم ينظم إجراءات دعوى للحسبة. وأقر أيضا القانون أن لا تقبل دعوى لا يكون لصاحبها مصلحة قائمة يقرها القانون، وتكون مصلحة مباشرة.

    الجزء الآخر الذي استندت عليه حكم المحكمة أن نص المادة الثانية بالدستور المصري التي تشير إلى أن مبادئ الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع، هذا النص موجه للمشرع من خلال المجالس التشريعية وليس موجه ليطبقه القاضي مباشرة بدون أن يصدر تشريع ينظم الأمر. فحكمت المحكمة بعدم قبول دعوى التفريق وإلزام رافعيها بالمصاريف.

    القضية في محكمة الاستئناف

    قدم المحامي طعن على حكم المحكمة الابتدائية في العاشر من شهر فبراير عام أربعة وتسعين، أمام محكمة الاستئناف، نظرته المحكمة في 24 يوليو عام أربعة وتسعين. ليصدر الحكم بعدها بعام في شهر يوليو عام خمسة وتسعين.

    استند حكم الاستئناف، إلى أن حكم المحكمة الابتدائية هو حكم في موضوع القضية يتعلق بأصل الحق في الدعوى، وبذلك تكون قد أخذت موقف، فتكون قد استنفذت ولايتها ولا تُرد لها القضية للنظر في موضوعها. وأن محكمة الاستئناف ستتصدى للفصل في موضوع القضية. وأن المحكمة تختص ببحث حصول الردة من عدمه لتستطيع الفصل في التفريق بين زوجين بسبب حدوث ردة أحدهما. لكن المحكمة فرقت بين الاعتقاد وكونه داخل الإنسان، وبين الردة التي لها كيان ووجود خارجي.

    ***

    النقطة الأخرى التي تثيرها القضية هي هل الحسبة موجودة، وهل الحسبة أصبحت من اختصاص النيابة العامة أم أن الحسبة تم إلغاؤها؟

    لذلك فحكم محكمة الاستئناف حدد أن النيابة العامة في مرافعتها كان عليها أن تقول إن كتابات نصر أبوزيد المستأنف ضده لا تشكل في نظرها ردة، أو أنها تُشكل ردة، مع توضيح الأسباب. والنيابة لم تفعل هذا. وبناءً عليه قبلت المحكمة دعوى الاستئناف في موضوع القضية، وحكمت بالتفريق بين نصر أبوزيد وبين زوجته د. ابتهال يونس. ولكن تم إيقاف تنفيذ حكم المحكمة من قِبل المحامي العام لأنه لا توجد في قانون الإجراءات إجراءات لكيف يتم تنفيذ حكم كهذا. فتوقف حكم التفريق وظل حكم الردة.

    ***

    قدم محامو نصر أبوزيد، وقدمت النيابة العامة أيضا، طعون في حكم محكمة الاستئناف أمام محكمة النقض. وكان حكم الاستئناف مفاجئا للحكومة، التي سعت إلى تعديل في قانون الإجراءات أُقر في شهر مايو عام ستة وتسعين، تقر فيها بوجود الحسبة، لكنها جعلتها من اختصاص النيابة العامة، على أن ترد المحاكم كل القضايا المرفوعة أمامها على وجه الحسبة التي لم يصدر بها حكم نهائي إلي النيابة العامة من تلقاء نفسها. متصورة الحكومة بهذه الإجراءات أنها قد أنهت موضوع حكم التفرقة.

    فتقدم محامو نصر أبوزيد بطلب لمحكمة النقض لفتح باب المرافعة في القضية لكي يستفيد موكلهم من تغيير القانون، فمدت المحكمة الأجل لحكمها إلى الخامس من شهر أغسطس عام ستة وتسعين، ورفضت إعادة فتح الباب لمرافعة الدفاع.

    وحكمت المحكمة بتأييد حكم التفريق، وأن نصر أبوزيد لا يستفيد من تغيير القانون لأن المحكمة كانت قد حجزت القضية للحكم فيها قبل تغيير القانون. ومحكمة النقض دورها يقتصر على مراجعة الحكم وليس على الفصل في موضوع القضية.

    ***

    ومنذ هذه اللحظة من ثلاثة عقود وكأن الزمن توقف، فنحن دائما نقف في منتصف طريق التحديث، حيث يتجاور القديم والجديد، فالحسبة موجودة ولكنها غير مفعلة، وحكم الردة والتفريق صادر، لكنه موقوف التنفيذ لأنه ليس هناك إجراءات لتنفيذه. وبعد عقد ونصف من رحيل نصر أبوزيد يظل الدرس الأدبي للقرآن الكريم في مصر متوقف عند نفس اللحظة في جامعة القاهرة، لكن هل يمكن أن تأتي الجهود من ألمانيا وفي كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر بعد توقفها في آداب القاهرة؟

    اقرأ أيضا:

    «كارل مولر».. فنان ألماني أحب مصر

  • محمد الغيطاني يكتب: يعيش جمال «الغيطاني» حتى في موته

    محمد الغيطاني يكتب: يعيش جمال «الغيطاني» حتى في موته

    التاسع من مايو، يوم ميلاد «جيمي»… ثمانون عامًا على ميلاد الشاب صاحب الألف عام. وكأنه أبى أن يأتي إلى الدنيا في تاريخ عادي، فتزامن تاريخ ميلاده مع لحظة انتهاء الحرب العالمية الثانية، ليظل علامة حاضرة كاشفة عن ميلاد ذلك الشاب غير العادي.

    قطعا، كل أب هو استثنائي في أعين امتداده من الأبناء، لكن الغيطاني.. جيمي، كان استثناء الاستثناء. مشاعر متضاربة انتابتني قبل كتابة هذه السطور: من ناحية، شعور عميق بالرغبة في استحضار السيرة، ربما تتاح لي فرصة لقائه في الخيال.. ومن جانب آخر، خوف من شعور الفقد غير القابل للجبر، فقد مضت عشر سنوات منذ الاحتفال بعيد ميلاده السبعين في بيت السحيمي.

    ***

    ربما لا أجد وصفا أدق لجيمي من “الشاب الذي عاش ألف عام”، وهو اقتباس محمود من أوائل أعماله. ذلك كان دائما انطباعي عنه: كيف استطاع سبر أغوار كل تلك المعارف في تلك السنوات المحدودة؟ فنان تصميم السجاد في الجمعية التعاونية بخان الخليلي.. الصعيدي المتباه بصعيديته، جذورنا التي صرنا نأنس بها أنا وشقيقتي.

    كان جيمي بالنسبة لنا بمثابة “محرك البحث جوجل” -بمقاييس اليوم- أطرح أي سؤال، ستجد الإجابة موثقة، حانية، دالة. وهي قدرة نتاج التزام صارم بالتحصيل المعرفي على مدار اليوم.

    كان يومه يبدأ في تمام الخامسة صباحا: صوت القرآن، يعقبه الأخبار من مذياعه الصغير، ثم بداية الحركة والرحلة. مطالعة الصحف، صوت القهوة وإعداد الإفطار. كنت استمتع بمنازعته على الصحف، لأظفر بها أولا. مشوار الصباح معا في السيارة، يوصلني حيث أعمل على كورنيش النيل، ثم يمضي إلي مكتبه في جريدة الأخبار. وفي المساء، كنت أنتظر العودة للمنزل لسماع حكايات ومغامرات الشاب صاحب الألف عام.

    كانت لديه قدرة غريبة على الالتزام شديد الانضباط، وهي سمته، بما يطلق عليه “قوة الاعتياد”. وجد في الدأب والالتزام حلا لمعضلة توازن بين عالميين: أحدهما مصدر الرزق من عمله في الصحافة، والثاني حيث يتحقق ويجد نفسه في الأدب. والغريب أن الأديب عادة ما يصور كأسير لإبداعه، تابعٍ لمحفزات إلهام، لكن الأمر مع جيمي انعكس، فروض إبداعه لقوة اعتياده. لم يملك رفاهية إهدار الوقت، فقد عاش دوما في صراع معه.

    علاقة الغيطاني بالزمن مزيجا من احترام قوة الدهر وسلطانه، والرغبة في هزيمة النسيان الناتج عن مروره في آن واحد. كان يطرح دوما استفسارا قد يبدو بديهيا في ظاهره، ولكنه شديد العمق في مضمونه، مثل تساؤلات الأطفال: “أين ذهب الأمس؟“. من خلال هذا السؤال، تشكلت رحلته في عالم الأدب، حيث أصبح الإبداع وسيلته لقهر الموت وأثره الأعظم: النسيان والفناء، ذات التخوف الذي دفع بالمصري القديم إلى الإبداع.

    ***

    لقد ظل الزمن، والصراع مع تداعياته، عنصرا طاغيا على جيمي، فهو في حالة سبق دائم معه. الوقت، عنده، إما أن يتحول إلى معارف مكتسبة، مقروءة كانت أو مسموعة، أو إلى إبداع.

    خياله لم يكن له حدود. لا زلت أذكر رحلة توصيله لي وشقيقتي من منزلنا في حي المعادي إلى مدرستنا. لم تكن حكاياته تقليدية، بل سردا لتاريخ مصر، وتعلقه الخاص بتاريخ مصر، وملوك مصر القديمة خاصة من خاضوا حروب التحرير ضد الهكسوس، وعلى رأسهم “سقنن رع”، الذي استشهد متأثرا بجراحه، ولا تزال مومياؤه تحمل آثار ضربات قاتلة في رأسه، وعن أحمس، وتحتمس الثالث الذي عبر سيناء 17 مرة على قدميه. وحين كان يروي التاريخ، كان الشعور وكأنه أحد صانعيه، لا مجرد راو له.

    ولعل من المثير استرجاع حبه وربطه للعلوم الطبيعية بهواه الأدبي. وجد ضالته في علوم الفيزياء الكمية الحديثة التي امتلك مكتبة كاملة منها، في إطار سعيه للإجابة على سؤال الزمن. ربط الزمن بالفلك، فكان خبيرا بمواقع النجوم، ومظاهر تجلي الخالق وقدرته سبحانه في علم الفلك، حيث يسود اللامحدود، ويتضاءل الإنسان أمام سلطان الطبيعة.

    محمد الغيطاني بصحبه والده الروائي جمال الغيطاني في لقاء مع نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم
    محمد الغيطاني بصحبه والده الروائي جمال الغيطاني في لقاء مع نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم
    ***

    كان جيمي دوما في مكان خبير الحياة وأمورها الأعظم، تطرح أي سؤال تأتيك الإجابة بوضوح وحكمة وعدم مواربة. كرامته وطهارة يده ظلتا درة تاجه، عبرهما استند إلى ندية مع العالم، وأورثنا إياهما شقيقتي وأنا، فصار الحفاظ على اسمه وإعلاؤه هدفا لنا، ودليلا لنا في حياتنا.

    أحيانا كثيرة، ينتابني شعور بالضيق والغضب، لو جيمي كان بس هنا… لكانت إجابته دليلا في الحياة، وحسمه قاطعا لما التبس من أمر. كيف كانت الحياة لتبدو في حضوره؟ انتصاراتي الصغيرة التي كنت أود أن أشاركه بها، أن أسعده باجتهادي في الحياة. كيف تراجع تمردي على ما أحبه من بعض أنواع الفنون لصالح رغبتي في اقتفاء أثره. فصرت أحب صباح فخري، والموسيقى الأندلسية، والسيرة الهلالية، وأسعى لسبر أغوار الصوفية، واستجلاء دروبها.

    هل هو إدراك متأخر يستحق الندم، أم هي سنة الحياة ودورتها؟ فننتهي، في موضع ما، إلى ما آل إليه آباؤنا؟

    لا زلت أذكر سبر جيمي لأغوار الصوفية، وتعلقه بالإمام الأكبر محيي الدين بن عربي، الذي وجد في رحابة الحب الإلهي ما أرشده في بحثه عن إجابات لمعضلة الزمن والخلود. كان يحب الموسيقى ويتذوقها بخبرة، ويعرف صنوفها من كل ركن من أركان الكوكب.

    ***

    تمضي الحياة وأجدني قد صرت مقتفيا أثره في مرجعيات الحياة: لا مساومة في الكرامة، لا تمييع للحق، ولا خشية لنصرته، ولا مهادنة عندما يتعلق الأمر بمصر ومصالحها، وجيش مصر.

    ولعل علاقته بالجيش المصري أمر صار معروفا وجليا. غريب أمر ذلك القدر، فبداية جيمي جاءت في رحاب جيش مصر، وتحديدا في حرب الاستنزاف، وامتدت حين انتفض مقاتلا مدافعا عن جيش مصر من تطاول الجهل والتآمر عقب 2011، وصولا للحظة الرحيل أيضا في رحابه، وكانت كلمته موجزة: “يبني دمنا كاكي”. علاقة ميزت جيمي، فالجيش كان في قلبه ودمه. كانت حكاياته لنا، ونحن صغار في الطريق إلى المدرسة، لم تكن “الشاطر حسن”، بل “الرفاعي”، وبطولات إبراهيم عبدالتواب، وعصام الدالي.

    رفاقه الأقرب من أبطال أكتوبر: عبدالعاطي، الذي أذكره طفلا في بيتنا، وأعمامي: معتز الشرقاوي، محيي نوح، محمد زكي عكاشة، الفاتح كريم، عبدالمنعم واصل، عبدالمنعم خليل، الفريق محمد فوزي – مع حفظ الألقاب. أسماء كتبت تاريخ مصر، عرفناهم من خلال جيمي أطفالا: عبدالمنعم قناوي، وأحمد العطيفي من منظمة سيناء. فكان التكريم للاسم من جيش مصر للغيطاني في ذكري النصر خلال الندوة التثقيفية في عام 2021.

    ***

    كثيرا ما أشعر بالاستفزاز، كيف له أن يقوم بتلك الأعمال العظيمة، ويأتي بتلك الأفكار الكونية، ثم يتناولها بهذه البساطة، وكأنها أمور مسلم بها؟ كيف يتدفق كل هذا الإبداع؟ عندما قرأت التجليات، لم اصدق أنها كتبت في بيتنا، كيف جاء جيمي بهذه الأعمال دون أن نشعر؟

    شعور غريب بالرغبة في فرصة أخرى للحياة معه، ربما لم أكن لأتركه أبدا. فأقصى ما أشعر به هو أنني لا زلت اكتشف عظمة وعمق جيمي بعد غيابه. لا أرغب في أن أبدو مبالغا، ولكنني لمست معنى البقاء والخلود في السيرة، ومن خلال الإبداع… عمل وإنتاج وسيرة جمال الغيطاني… جيمي.

    ربما لا أجد ما اختتم به حديثي إلا اقتباسا من قصيدة لعمي عبدالرحمن الأبنودي، وإن قيلت رثاء للزعيم الراحل جمال عبدالناصر، إلا أنني أجد في كلماتها صدى لما أشعر به تجاه الشاب الذي عاش ألف عام… جيمي.. إلى أن نلتقي… يعيش جمال حتى في موته.

    اقرأ أيضا:

    هاني فوزي يكتب: «دفاتر تدوين الغيطاني».. إبداع على غير مثال سابق

  • هاني فوزي يكتب: «دفاتر تدوين الغيطاني».. إبداع على غير مثال سابق

    هاني فوزي يكتب: «دفاتر تدوين الغيطاني».. إبداع على غير مثال سابق

    أسرتني لسنوات طويلة «دفاتر التدوين» لجمال الغيطاني. بدأت قراءتها، وقراءته، بعد أيام قليلة من يوم بلوغي الثلاثين، فأثارت في نفسي الكثير من الأسئلة والتداعيات. بدأت وقتها بقراءة “دفتر التدوين الخامس”، وراوغتني الأسئلة، هزمت كل ما أتصوره يقينا، العنوان بليغ: ” نثار المحو”. حين تنظر ورائك في سنواتك التي هربت: “المحو”، وما تبقى في ذاكرتك هو مجرد “نثارا”: نثار ذكريات، أشخاص، أماكن، مواقف، مشاعر، وجوه ألوان… أهذا هو كل ما يبقى؟

    ما يكتبه الغيطاني في دفاتر تدوينه- وهو إمتاع خالص- لا يدفعك فقط إلى التفكير أو التساؤل، بل أيضاً إلى أن تنظر لحياتك بطريقة مغايرة: أن تفكر أن كل يوم من أيامها هو تدوينة عنك، جزء منك؛ أن تجعله يعبر بلا أثر أو ذكرى، بلا لحظات حقيقية من مرح أو ألم أو صدق أو سعادة، فكأنك تقتطع جزءا منك لترميه في طي النسيان، في أغوار لن تعود إليها حين يأتي وقت النظر ورائك، ليس فيما أنجزت ولكن فيما عشت.

    مع دفاتر تدوين الغيطاني، تنازعتني تلك الفكرة: المقابلة بين “الإنجاز” من ناحية، و”العيش” من ناحية أخرى، نحن ننجرف للتفكير في “الإنجاز” في كل شيء حتى في العلاقات الإنسانية، وربما لا نفكر في الحياة نفسها: في خوضها بعمق، في ممارسة فعل الحياة من خلال الآخرين. تحاوطنا نفايات التنمية البشرية التي تتحدث عن حياة تصنعها وحدك، هدفها “نجاح” تقيسه بمقاييس منمطة صنعها غيرك، حياة “تتحكم” فيها وحدك وتسعد بها وحدك. أما الغيطاني، فيأخذك إلى حياة لك مع الآخرين، تمارس معهم مكاشفة وإفضاء، السعادة والشقاء، معهم وبهم.

    ***

    دفاتر التدوين، بعيداً عن لغتها شديدة الخصوصية والإبداع – في هذا تفصيل ليس هنا مجال لذكره يستحق الخوض فيه منفصلاً – تجذبك إلى عوالم جمال الغيطاني شديدة الخصوبة والسحر، وتدفعك دفعاً إلى النظر داخلك، ناظراً من خلال حياة ثرية عاشها هو وقدرة فريدة على البوح واستعادة تفاصيل إنسانية صغيرة: وجوه من عرفهم، رائحة بعضهن، نظرات آخرين.

    كنت أعيد قراءة دفتر تدوينه الثالث “رشحات الحمراء”. “الحمراء” هو اسم سيدة عرفها في طفولته الأولى، واكتشف، حين بدأ التدوين، أن كثيرات ممن فتن بهن، وأثرن فيه، وبقين في ذاكرته ونفسه، كن فقط “رشحات” منها، هي الأصل وجميعهن فروع، جميعهن ترديد واستعادة لبعض تفاصيلها. هذه “الرشحات” تجذبك بنعومة ومكر لمراجعة الكثير من علاقاتك الإنسانية: محاولة الخوض في التفاصيل ومراجعتها، محاولة فهم لحظات الانبهار أو النفور، ما يدفعك لحظات لأن يتهدج صوتك أو يحتد، أن تحن نظراتك أو تقسو.

    أسئلة الغيطاني، المطمورة في ثنايا تدوينه- سواء أسئلته في لحظات وقوع الأحداث أو أسئلته في وقت تدوينه لها- تبدو محيرة، مبهمة الإجابات. وربما لم تعد كذلك له هو الآن، إنها مبهمة الإجابات لمن يقرؤها باحثاً ليصوغ إجاباته هو، منقباً في حياته ومساراتها، دروبها وتعقيداتها.

    أسئلة الغيطاني تجبرك على البحث عن أجوبة لأسئلة عصية: ماذا سيتبقى من اللحظات التي نعيشها الآن؟ لماذا تحتفظ ذاكرتنا بأشياء بدت لنا في لحظات حدوثها تافهة بلا قيمة، ويضيع منها ما ظنناه ذو أهمية قصوى؟ أين تذوي لحظات ظننا، لفرط ألمها أو مرارتها، أننا سنبقى فيها للأبد؟ ماذا يفعل بنا الزمن – هذا الحاضر الغائب المبهم؟ وحين يأتي وقت النظر للخلف، هل سنفخر بـ”الإنجازات” (إن وجدت) أم سنفتش عن لحظات السعادة لنستعيدها؟ أيهما سيكون أكثر أهمية حينئذ؟ تعجز عن بسط كل هذه الأسئلة الدائرة بداخلك.

    ***

    داهمني شعور آخر خلال قراءتي لـ”رشحات الحمراء”: الحسرة.

    حسرة على فرص لممارسة الحياة فقدناها بسبب سلطة مجتمع ساهم في تكوين جيلي من خلال عقله القديم السائد، مجتمع عاش لعقود متكلس قارب الموت، تملأه محاذير وتابوهات. مقارنة بمجتمع أكثر حرية وانفتاحا، ورغبة في الاستكشاف والمغامرة، عاش فيه الغيطانى في شبابه، لحظات تفجر الأحلام بالوطن والناس.

    وبعد أن عادت الأحلام في يناير – لست متأكداً إن كان جمال الغيطانى قد رأى معنا تلك الأحلام – تظل صعوبات ميلاد المستقبل من رحم كل هذا القبح الذي نحياه ربما تضيع حياتنا ذاتها. دفاتر تدوين جمال الغيطانى عن امتلاك الجرأة لنحيا، عن أن يصير “ممارسة فعل الحياة” مشروعنا الأساسي.

    شكرا جمال الغيطاني.. ومحبة لك ولأدبك في ذكراك، ولتبق دائما.

    اقرأ أيضا:

    قاهرة جمال الغيطاني.. مدينة بنفس صوفي

  • «ملتقى دوامة للفنون» في دورته الثانية: الفن يطرق أبواب القرى

    «ملتقى دوامة للفنون» في دورته الثانية: الفن يطرق أبواب القرى

    «أن يتشارك الجميع في نشر الثقافة والفنون».. أمرا ليس بالسهل أو العادي، لكن بمجرد النظر، تجد بالفعل أن جميع أهالي قرية «دوامة» التابعة لمركز فاقوس في محافظة الشرقية، يتشاركون على اختلاف أعمارهم في تنظيم «ملتقى دوامة للفنون» في دورته الثانية.

    من مدخل القرية وحتى خيمة الملتقى، أو «الشادر» كما يطلق عليه البعض، ترى أهلها سعداء جدا وهم يستقبلون ضيوفهم- حسب ما يرددون دوما- وبيوتهم مفتوحة أمام زوار الملتقى، كما يشارك أطفالهم في تنظيم الفعاليات.

    ملتقى دوامة للفنون

    هيثم عبد ربه السيد، مدرس اللغة الإنجليزية – أو “مستر هيثم” كما يلقبه أطفال القرية – هو أيضا كاتب للأطفال وحكاء، وصاحب مبادرة “عربية الحواديت”، ومؤسس ملتقى دوامة للفنون. يقول: «الملتقى استطاع أن يجذب نظر العديد من الفنانين والمثقفين والإعلاميين والكتاب والحكائين والرسامين وأيضا المصورين».

    وعن هدف الملتقى، أضاف: “حاولنا نقرب المسافات بين أطفال القرية ومجموعة من الفنانين». مؤكدا أن الملتقى يؤتي ثماره عندما ترتسم الابتسامة على وجوه الأطفال والضيوف، والتفاعل أيضا خلال الفعاليات. وأوضح أن البعد عن العاصمة لم يكن أبدا مشكلة، لكن المشكلة الأكبر هي أن يتوقف الإنسان عن المحاولة.

    إزاي تختار الكتاب الحلو؟

    بدأت فعاليات الملتقى من مدخل القرية. حيث استقبل أهاليها الضيوف بالطبل والمزمار، ويطوقون أعناقهم بالورود. ثم انطلقت الفعاليات وتوزعت ورش العمل والحكي بين أماكن كثيرة مختلفة، أهمها دوار العمدة محمد نجاح القرناوي، الذي استضاف ورشة مهمة بعنوان: «إزاي تختار الكتاب الحلو». وشهدت تلاقي أطفال ويافعين من كل الأعمار، ونقاشات عديدة.

    وعلى بعد أمتار قليلة من دوار العمدة، أقيمت ورشة رسم مع الفنانة سمر صلاح الدين، رائدة الرسم بالصلصال في كتب الأطفال بمصر والعالم العربي، وبجانبها حواديت وحكايات للأطفال يقدمها الحكواتي هيثم شكري. كما تعلم الأطفال مهارات التصوير مع المصور المصري العالمي الدكتور جلال المسيري.

    وعلى مسرح صغير أنشأه أهالي القرية، يغني كورال الأطفال، وتظهر مواهب شديدة الخصوصية؛ بينها أطفال وكبار، وعلى رأسهم معلم اللغة العربية السيد مصطفى البكري إسماعيل، معلم اللغة العربية، وابن عم الفنان الراحل سيد إسماعيل، والذي شدا بأغنية “حبيت بلدي”.

    معرض دوامة للكتاب

    بجوار المسرح الذي يرتاده أطفال القرية وكأنهم في رحلة، وُضعت 3 طاولات خشبية طويلة، تنتشر عليها العديد من الكتب الملونة، يحتضنها معرض كتاب صغير يُنظم على هامش الملتقى.

    تقوم فكرة المعرض على تبرع الناس بالكتب الزائدة لديهم. ويقول محمد محمود، أحد القائمين على تنظيم المعرض: «بنبيع الكتاب بجنيه عشان اللي بيشتري الكتاب يبقى حاسس بجدية. مش إنه هدية وهتتوزع عليه، والفلوس بنستخدمها بعد كده في تنمية مكتبة القرية».

    وبالرجوع إلى ورش العمل والفعاليات، نشاهد الأطفال داخل غرف بسيطة معدة من القماش والأخشاب. يستمعون ويشاركون بحب في الفعاليات التي يقدمها مجموعة من المثقفين والمبدعين، مثل: المخرجة والكاتبة الدكتورة عفاف طبالة. والمخرج حسن الجريتلي، مؤسس فرقة الورشة، والإعلامية منى الشايب، والدكتور هيثم الحاج، أستاذ النقد الأدبي والرئيس الأسبق للهيئة المصرية العامة للكتاب. وغيرهم ممن حرصوا على المشاركة في الملتقى، ونقل خبراتهم للأطفال الصغيرين ورفع وعيهم الثقافي والفني.

    اقرأ أيضا:

    الرسم بالرمال: «تراثنا» ملتقى الحرف اليدوية والتراثية

باب مصر