في شم النسيم تتجدد طقوس ممتدة من عمق التاريخ، تمتزج فيها ملامح التراث الشعبي بالعادات الغذائية والموروثات الرمزية. ففي الصعيد تتصدر الموائد أطباق الفطير المشلتت والكشك، وتستعيد البيوت أجواء اللمة والفرح، بينما تحضر طقوس شعبية مثل «دق البصل» كجزء من ذاكرة ريفية مرتبطة بالمعتقدات القديمة. وعلى امتداد الجذور الفرعونية، ظل الاحتفال بالربيع قائما بطقوسه من تناول الفسيخ والبيض والخضراوات، ليبقى شم النسيم عيدا يجمع بين الماضي والحاضر.
الفطير المشلتت.. ملك المائدة
في محافظة المنيا، تتنافس ربات البيوت على إعداد الفطير، حيث يتحول هذا الطقس إلى مشهد تراثي نابض بالحياة. وفي إحدى تجمعات النساء اللاتي يصنعن الفطير المنزلي استعدادا للعيد، التقينا بمجموعة من السيدات اللاتي استعدن ذكريات الزمن الجميل، وروين حكايات إعداد الفطير، وأسرار الفطير المشلتت التي تتوارثها الأجيال.
تقول الحاجة أمال كمال، بالمعاش، من أبوقرقاص، إن الفطير المشلتت يعد طقسا أساسيا من طقوس الاحتفالات بشم النسيم والأعياد في الريف، ويعتبر ملك مائدة عيد الربيع، منافسا الرنجة والفسيخ. حيث تتصدر صينية الفطير، إلى جانب البيض والجبنة القديمة والمش والعسل والجرجير والخس والبصل الأخضر، موائد شم النسيم في الصعيد.
وتضيف أن يوم إعداد الفطير يعد مناسبة عائلية، تتجمع فيها السيدات حول “الطبلية” لفرد طبقات العجين. ثم يتم خبزه في فرن الطين على نار هادئة، أو في فرن البوتاجاز حسب المتاح. ومع خروجه من الفرن يدهن بالسمن والقشطة.
وتؤكد أم كرولس، ربة منزل، من مركز أبوقرقاص، أن الفطير المشلتت ارتبط منذ القدم بعيد شم النسيم. حيث تفوح رائحته في المنازل ليلة العيد، كما تحرص بعض السيدات على توزيعه على الجيران. وأثناء الخبز، يتجمع الأطفال حول الفرن في أجواء من الفرح، انتظارا لتناول الفطير الطري صباح العيد مع البيض المقلي.
وتشير إلى أن الفطير لا يقتصر على الأعياد فقط، بل يعد من طقوس العرس والزفاف. حيث ما زالت الأسر الصعيدية ترسل صينية الفطير مع الحلويات هدية للعروس في “الصباحية”. وهو تقليد موروث لا يزال حاضرا في الريف والمدن.
الفطير المشلتت في عيد شم النسيم بالمنيا.. تصوير: أسماء منتصر
من “فطيرة السعادة” إلى تنوع الحشوات
توضح الحاجة توفيقية علي، من قرية بني سعيد بأبوقرقاص، أن الفطير المشلتت كان يعرف قديما بـ”فطيرة السعادة”. ويمر بعدة مراحل تبدأ بالعجين، ثم إراحة العجين. تليها مرحلة الفرد التي تعد من أجمل لحظات إعداده. حيث تتحول قطعة العجين إلى فطيرة كبيرة.
وتضيف أن الفطير تطور من شكله التقليدي السادة إلى أنواع متعددة محشوة، مثل الفطير باللحمة المفرومة، والجبن والزيتون، والمش والجبنة القديمة، ليصبح أكثر تنوعا ومذاقا.
أما عن أسرار النجاح، فتؤكد أن السمن البلدي هو “سر الصنعة” والنكهة الأصيلة، إلى جانب أهمية راحة العجين. ثم مرحلة “التوريق” التي تمنح الفطير قوامه المميز، وصولا إلى الخبيز في فرن شديد السخونة. ليخرج الفطير طريا من الداخل ومقرمشا من الخارج، ويقدم مع الجبن القديم أو المش أو العسل.
لا تكتمل موائد شم النسيم في الصعيد دون “الكشك الصعيدي”، الذي يعد سلطان الموائد وملك اللمة العائلية، ويتواكب إعداده مع فصل الربيع.
تبدأ صناعة الكشك بفرك القمح وخلطه باللبن الحامض. ثم تشكيله إلى كرات صغيرة تُجفف على أسطح المنازل تحت أشعة الشمس. وبعد جفافها، يطهى الكشك مع المرق الدسم، سواء مرق اللحوم أو البط، ليمتص النكهات. ثم تضاف إليه “التقلية” من الطماطم والبصل المحمر.
وكان يقدم قديما في طواجن فخارية كبيرة تكفي أفراد العائلة، ويؤكل مع العيش الشمسي. ولا يزال حتى اليوم يحتفظ بمكانته كطبق تراثي أصيل في قرى المنيا.
الكشك الصعيدي.. تصوير: أسماء منتصر
أسيوط.. طقوس لا تغيب
لا تقتصر احتفالات شم النسيم في محافظة أسيوط على الفسيخ والرنجة أو الخروج إلى الحدائق، بل تمتد إلى طقوس شعبية متوارثة، من أبرزها “دق البصل” أمام الأبواب.
تقول سميرة السيد، سيدة خمسينية، إنها اعتادت منذ صغرها على الاستيقاظ مبكرا في شم النسيم ودق البصل على باب المنزل. ثم رش الماء عليه، وهي عادة ورثتها عن والدتها وجدتها، ولا تزال تحرص على تعليمها لأبنائها. وتضيف أن هذه العادة ليست مجرد طقس بسيط، بل جزء من التراث. ويعتقد أن جذورها تعود إلى العصور الفرعونية، حيث كان يستخدم البصل لطرد الحسد والأرواح الشريرة، نظرا لرائحته القوية.
وتستعيد سميرة ذكريات الماضي، حيث كان الأطفال يشاركون في هذا الطقس وسط أجواء من الفرح، ويجوبون الشوارع لمشاركة الجيران. في مشهد يعكس روح التآلف بين الجميع. تقول: “كنا زمان بنلف على البيوت ونشوف مين بيعمل كده زيّنا. وكان فيه إحساس إننا بنشارك بعض نفس الطقس. مسلمين ومسيحيين والفرحة تملى البيوت والحارات. دلوقتي بقى أقل شوية، لكن لسه موجود وبنحاول نحافظ عليه”.
وتضيف: “البصل ليه ريحة قوية، وكانوا بيقولوا إنه بيخلي الشر يهرب. يمكن الناس دلوقتي ما تصدقش الكلام ده، بس إحنا اتعودنا عليه وبنحبه وبنعمله”.
دق البصل مع شروق الشمس
يوضح حسين محمود، 60 عاما، من مركز صدفا بأسيوط، أن “دق البصل” كان يتم مع شروق الشمس. سواء بطرقه على الأبواب أو تعليقه، اعتقادا بأنه يجلب البركة ويحمي المنازل طوال العام. مشيرا إلى ارتباط هذه العادة بمعتقدات المصريين القدماء.
ويتابع أنه رغم التغيرات الاجتماعية وتسارع نمط الحياة، لا تزال هذه العادة حاضرة في بعض البيوت، حتى وإن لم يعد الجيل الجديد يدرك أبعادها القديمة بنفس العمق، مضيفا: “حتى لو الدنيا اتغيرت، في حاجات بنتمسك بيها علشان تفكرنا إحنا مين وجايين منين”.
ويؤكد أن دق البصل على الأبواب رغم بساطته، يظل طقسا يحمل دلالة خاصة. فليس مجرد صوت على الخشب، بل استدعاء لذاكرة ممتدة من التاريخ والحضارة، تتجدد مع كل شم نسيم.
عادة دق البصل على الأبواب في شم النسيم.. تصوير: جاسمين مهني
تعزيز الترابط الاجتماعي
تشير شيماء محمد، 35 عاما، معلمة، إلى أن هذه العادات الشعبية رغم بساطتها. تلعب دورا مهما في تعزيز الترابط الاجتماعي والحفاظ على الهوية الثقافية، قائلة: “هذه الممارسات تصنع حالة من الاستمرارية بين الأجيال، وتمنح الأبناء إحساسا بأنهم جزء من تاريخ ممتد وليسوا منفصلين عنه”.
وتضيف أن الممارسة نفسها، حتى لو تراجع الإيمان بتفسيرها الغيبي، أصبحت رمزا للانتماء ووسيلة لإحياء الذاكرة الجماعية. خصوصا في المناسبات المرتبطة بالاحتفال بالحياة والطبيعة.
كما تروي سميرة السيد قصة “الشمامة”، وهي حكاية شعبية تناقلتها الأجيال. تقول إن كائنا يدعى “الشمامة” يزور البيوت في ليلة شم النسيم ليفاجئ النائمين. ما كان يدفع الأسر إلى تجهيز الملابس الجديدة للأطفال والاحتفال بالعيد في أجواء من البهجة والاستعداد.
منذ آلاف السنين، يحتفل المصريون بعيد “شيمو”، الذي يعرف اليوم بشم النسيم، ولا تزال طقوسه وعاداته حاضرة حتى الآن. ومنها تناول الأسماك المملحة والبيض والخضراوات مثل الخس والبصل، على ضفاف نهر النيل وفي الحدائق العامة. في احتفال يعكس ارتباط المصريين بالطبيعة.
يقول الطيب غريب، الباحث الأثري ومدير عام معابد الكرنك سابقًا، إن المصري القديم احتفل بعيد “شمو”، الذي كان يشير إلى أحد فصول الدورة الزراعية. وجاء الاحتفال مع بداية الربيع كعلامة على اعتدال الجو. ويضيف أن المصريين القدماء مارسوا طقوسا استمرت حتى اليوم. مثل تزيين الزهور كاللوتس والسوسن والفل، وصناعة تيجان وقلائد منها.
الفسيخ والرنجة.. تصوير: جاسمين مهني
برديات تؤكد فوائد السمك المملح
يوضح مدير عام معابد الكرنك السابق أن بعض البرديات المصرية القديمة كشفت عن وصفات للسمك المملح. إلى جانب الإشارة إلى فوائده في علاج بعض الأمراض. كما عكست النقوش على جدران المعابد والمقابر مشاهد غنية للحياة الطبيعية في مصر القديمة. شملت البساتين والحقول الخضراء والبحيرات وزهور اللوتس والسوسن. فضلا عن مناظر صيد الأسماك والطيور في أحضان الطبيعة.
ويشير إلى أن هذه المناظر وثقت أيضا شكل موائد الطعام عند المصريين القدماء. والتي كانت تضم الخبز والأسماك واللحوم والطيور، إلى جانب الخضراوات مثل الخس والثوم والبصل والخيار، والفواكه مثل الرمان والعنب والكمثرى. إضافة إلى مشروبات مثل الماء والجعة واللبن. حيث كانت هذه المأكولات تقدم أيضا كقرابين للآلهة في المناسبات الدينية.
الاحتفال على ضفاف النيل
يؤكد صلاح الماسخ، المشرف العام على آثار معابد الكرنك، أن المصري القديم كان يحتفل بعيد شم النسيم باهتمام كبير. يبدأ بالاستعدادات من تجهيز الأدوات والأطعمة والأغاني. وفي الليل كان يتجه بالدعاء والتمنيات، ثم يستيقظ في الصباح الباكر قبل شروق الشمس. اعتقادا بأن من يفوته استقبال الشمس يصيبه الكسل والحظ السيئ طوال العام.
ويضيف أن الاحتفال كان يبدأ بخروج الناس في جماعات إلى الحدائق والحقول والمتنزهات لاستقبال الشمس حتى غروبها. حاملين أدوات اللعب والآلات الموسيقية، بينما تتزين الفتيات بعقود الياسمين ويحمل الأطفال سعف النخيل المزينة بالألوان والزهور.
وتقام الاحتفالات على أنغام الناي والمزمار والقيثارة ودقات الدفوف، مع الرقص والغناء على ضفاف نهر النيل. كما كانت تنظم مباريات رياضية وعروض تمثيلية. وتزين القوارب بالزهور وأغصان الأشجار المثمرة المحملة بعبارات الترحيب والتهنئة.
الملوحة الأسواني.. تصوير: وفاء أمين
مائدة شم النسيم عند المصريين القدماء
يضيف الماسخ أن المصري القديم خص هذا اليوم بمائدة طعام مميزة، اعتبرت جزءا أساسيا من طقوس الاحتفال، وتضمنت خمسة أطعمة رئيسية هي: البيض، الفسيخ، البصل الأخطر، الخس، الحمص، حيث ارتبط البيض بفكرة إعادة الحياة ورمزا لعناية الإله بالإنسان.
أما الفسيخ، فقد عرفه المصري مع معرفته بنهر النيل الذي كان يقدسه، كما عرف دورة حياة الأسماك ومنعوا صيدها لمدة ثلاثة شهور مع انخفاض منسوب مياه النيل، وأراد بذلك إفساح المجال لزيادة الثروة السمكية. ويشير المؤرخ اليوناني هيرودوت إلى براعة المصريين في تمليح الأسماك وصناعة الفسيخ، وكانوا يفضلون نوعا يعرف باسم “بور”، والذي أصبح يعرف لاحقا بـ”البوري”.
كما ورد في بردية “إيبرس” الطبية وصف للسمك المملح باعتباره وسيلة للوقاية والعلاج من بعض الحميات الموسمية وضربات الشمس.
ويشير الدكتور بهاء عبد الجابر، مدير عام آثار البر الغربي، إلى أن السمك كان من أهم الأطعمة منذ العصور القديمة، واستمر حضوره في تاريخ المسيحية الأولى، حيث كان بعض الحواريين يمارسون مهنة الصيد، وأصبح السمك رمزا للتعارف بين المسيحيين وشعارا سريا في فترات اضطهاد الأباطرة مثل دقلديانوس وغيره من ولاة الإمبراطورية الرومانية.
تقديس البصل واستخدامه في التحنيط
يضيف عبد الجابر أن المصري القديم أولى البصل مكانة خاصة، وأعتقد أنه يرمز إلى الحياة الأبدية، وظهرت نقوش هيروغليفية تشير إلى تقديسه، رغم أنه لم يظهر على موائد القرابين إلا في عهد الأسرة الخامسة.
وكان يعرف قديما باسم “بدجر” أو “بصر”، ومع مرور الزمن تحولت بعض الحروف في اللغات السامية ليصبح الاسم قريبا من صورته الحالية. وبدأ استخدامه ضمن طقوس شم النسيم في أواسط الأسرة السادسة، كما دخل في صناعة الوصفات الطبية لعلاج عدد من الأمراض.
ويؤكد أن المصريين القدماء وضعوا البصل داخل المقابر مع المتوفين، اعتقادا بأنه يرافق أرواحهم في الحياة الأخرى، كما استخدم في التحنيط ووضع في مناطق مختلفة من الجسد مثل الحوض والصدر والأذنين والقدمين. كما ظهرت رسوماته على جدران المقابر.
ويختتم حديثه بالإشارة إلى أن الخس أيضا كان له مكانة مقدسة، حيث عرف منذ الأسرة الرابعة باسم “عب”، واعتبر نباتا مقدسا، وظهر في النقوش تحت أقدام الإله آمون- من، إله الخضوبة.
تتزين الكنائس وتعلو الترانيم في احتفالات الأقباط بـ«أحد السعف» في محافظتي أسيوط والمنيا، إذ يتوافد المواطنون من مختلف الفئات للمشاركة في قداسات الشعانين. وفي هذه المناسبة تمتلئ الكنائس والمنازل بسعف النخيل، إلى جانب صناعة الأشكال اليدوية من الصلبان والتيجان والقلوب، في مشهد يؤكد على عمق ارتباط الأهالي بهذه الذكرى التي تحيي دخول السيد المسيح إلى القدس.
استقبال الأهالي للمسيح بالسعف
يقول موريس بطرس، 50 عامًا، من أسيوط، إنهم يفرحون جدًا بالاحتفال بأحد السعف، مشيرا إلى أن الأجواء جميلة والجميع ينتظره حتى المسلمون. ويحرصون على الاحتفال به لما له من قدسية خاصة في القلوب. فقد تم استقبال السيد المسيح في مدينة القدس معبرين عن فرحتهم باستخدام أغصان الزيتون. وهو ما كان سببا في تسميته بأحد السعف أو أحد الشعانين، ويطلق عليه البعض أيضا عيد الزيتون.
ويتابع بطرس أن الكنائس تحتفل بأحد الشعانين. وهو يسبق أسبوع الآلام، ويعد الأحد السابع من الصوم الكبير والأخير، كما يسبق عيد الفصح أو ما يعرف بعيد القيامة. وهو اليوم الذي دخل فيه المسيح إلى القدس، ويعد يوم فرح وسعادة وعيدا بالنسبة لهم.
عادات وتقاليد خاصة
توضح إيمان فريد، 45عامًا، ربة منزل، أن الاحتفال بأحد السعف أو أحد الشعانين يتم من خلال مجموعة من العادات والتقاليد الخاصة. حيث يتم تداول سعف النخيل خارج الكنيسة، ويستخدم في صنع الصلبان الصغيرة وأشكال متنوعة مثل التيجان التي توضع على الرأس. ويعد هذا اليوم مبهجا للجميع من الأقباط في أسيوط. خاصة الأطفال الذين يشاركون في تصنيع أشكال خاصة بهم. إلى جانب سرد قصة دخول المسيح إلى القدس وغناء الترانيم القبطية.
وتضيف فريد أن الكنيسة تشهد في هذا اليوم صلوات خاصة تعرف بدورة الشعانين داخل الكنيسة. حيث يقوم الكهنة بالطواف مع المصليين حاملين سعف النخيل مرددين الترانيم. وهو مشهد له مكانة خاصة في القلوب، لأنه يسود الفرح والبهجة بهذه المناسبة العظيمة. كما يتم تلاوة بعض الفصول من الإنجيل وهو ما يعد رمزا روحيا لانتشار رسالة المسيح في العالم كله.
وتشير إلى أن هذا يأتي بعد الصوم الكبير، وهو صوم من الدرجة الأولى، حيث يمتنع فيه عن أطعمة معينة. وقد سمحت الكنيسة بأكل السمك في هذه الفترة احتياجا للبروتين. كما يوجد صوم يونان، وصوم الأربعاء والجمعة، وصوم الميلاد والغطاس، وصوم السيدة العذراء. وتؤكد إيمان سعادتها بالاحتفال بهذه الأعياد التي تجمع الأسر على اقتناء السعف وارتدائه خلال قداس أحد الشعانين.
الاحتفال بأحد السعف في كنيسة دير الجنادلة بأسيوط.. تصوير: أحمد مصطفى
الاحتفال بأحد السعف في كنيسة دير الجنادلة بأسيوط.. تصوير: أحمد مصطفى
موسم بيع سعف النخيل
يقول معوض لوقا، 49 عامًا، بائع سعف النخيل، إن أحد السعف موسما مهما لهم كبائعين. حيث يقومون بتجميع سعف النخيل وتصميم أشكال مختلفة منه وبيعه للناس في الشوارع وأمام الكنائس. وهي عادة متوارثة منذ عشرات السنين عن الأجداد. وتعد مصدر رزق لهم وإن كان مؤقتا. ويقبل على شراء السعف معظم الأهالي، بل حتى بعض المسلمين يشترونه لأطفالهم.
ويضيف أنهم يسهرون ليلا لتصميم هذه الأشكال. إذ تتطلب دقة ومهارة خاصة، وأحيانا يأتي بعض الزبائن لتعلم طريقة التصنيع بأنفسهم، فيقومون بتعليمهم. كما أصبحت الأشكال التي يصممونها، مثل الطاقية والصليب والأسورة، متداولة عبر الإنترنت. ما يتيح للمشتري اختيار ما يناسبه من تصاميم متنوعة وجميلة. ويشير إلى أن الإقبال يتأثر بارتفاع الأسعار. حيث تبدأ أسعار المنتجات من نحو 20 جنيها وتختلف حسب الشكل والمجهود المبذول في تصنيعها.
أحد السعف في المنيا
في محافظة المنيا، تشهد ساحات الكنائس مظاهر احتفالية مميزة. حيث يفترش بائعو السعف الأرض في صفوف بسيطة، ممسكين بقطع السعف ويشكلونها في هدوء إلى تيجان وقلوب تضفي أجواء من البهجة. ويقبل المواطنون على شراء السعف وسنابل القمح لتزيين رؤوسهم وملابسهم بها، ووضعها على أبواب المنازل.
ويتوافد الأقباط على الكنائس للاحتفال بأحد السعف، حيث تزين القاعات بسعف النخيل والورود. بينما يحمل الأطفال الصلبان والورود المصنوعة من السعف، ويؤدون ألحانا روحانية تعرف بلحن الشعانين.
ويؤكد كل من كرولس وديفيد، وبجوارهم عبدالمسيح وسامح وشادي من بائعي السعف أمام الكنائس بمركز أبو قرقارص، أن المواطنين يقبلون على شراء منتجات السعف المصنوعة من “قلب النخيل الأبيض”. مثل التيجان والقلوب والأساور والصلبان، احتفالا بذكرى دخول المسيح إلى القدس. كما يحرص الأقباط خلال العيد على تزيين المنازل والكنائس بسعف النخيل، وارتداء التيجان المصنوعة منه، خاصة الأطفال.
ويشيرون إلى أنهم ورثوا هذه المهنة عن أجدادهم، حتى أصبحت جزءا من يومهم قبل أن تكون مجرد وسيلة للرزق. حيث تتحرك أيديهم بخبرة وسرعة، بينما تتوقف أمامهم العائلات لاختيار قطع تحمل فرحة يوم مختلف. فهنا لا يباع السعف فقط، بل تصنع لحظات بسيطة من السعادة. يحملها الأطفال فوق رؤوسهم وتبقى في الذاكرة مع كل عام جديد.
أقباط المنيا يقبلون على شراء السعف من الباعة.. تصوير: أسماء منتصر
أقباط المنيا يقبلون على شراء السعف من الباعة.. تصوير: أسماء منتصر
مهنة متوارثة من الجدود
يقول سامح سمير، أحد بائعي السعف، إنهم ينتظرون هذه المناسبة كل عام لبيع السعف. وقد توارثوا هذه المهنة عن أجدادهم، حتى أبدعوا في تشكيل، ويتم عرض المنتجات أمام الكنائس. وتبدأ الأسعار من نحو 30 جنيها حسب الحجم والشكل، مع وجود طلب على تصميمات خاصة. خصوصا الأطفال الذي يحبون ارتداء التيجان المصنوعة من السعف.
ويضيف أن سعف النخيل كان قديما يرمز إلى النصر، لذلك أصبح رمزا للاحتفال. ويتم تشكيله إلى العديد من الأشكال مثل التاج والصليب والورود وغيرها خلال أحد السعف الذي يسبق أسبوع الآلام.
ويؤكد كرولس عيد، بائع سعف بأبوقرقاص في المنيا، أن أشكال السعف متعددة. منها الصليب بكل أحجامه، وميداليات الصليب الصغيرة، والتاج الذي تكتب عليه الأسماء، والسنابل. وجميعها تصنع من السعف فقط دون أي مواد أخرى. وعن طريقة تصنيع السعف، يقول إنها تمر بعدة مراحل، حيث أولا يتم تنشيف السعف. ثم ترطيبه بالماء ووضعه في الخيش حتى يلين. وبعدها يبدأ تشكيله إلى الأشكال المختلفة بمرونة. وهو ما يضمن استمرار السعف لأطول فترة ممكنة دون تلف.
مشاركة في القداسات
يشير ديفيد جرجس، بائع سعف آخر، إلى أن الرجال والنساء والأطفال يشاركون في هذه المناسبة بفرح، باعتبارها مناسبة مبهجة للجميع. حيث يتوجهون صباح أحد السعف مبكرا إلى الكنيسة حاملين مشغولات السعف لحضور زفة السعف، وسط فرحة الأطفال بحمل الأشكال المختلفة. ثم يشاركون في الصلاة بها، ويعودون بها إلى المنازل لتعليقها، لتظل ذكرى حتى العام التالي.
ويقول شادي عماد، بائع آخر، إنه تعلم هواية تضفير السعف منذ الصغر في عمر 12 عاما من عائلته التي اشتهرت بهذه المهنة. وكان يكتسب كل عام أشكالا جديدة من تصميمات السعف. ويقوم بتشكيل أحجام مختلفة من التيجان والصلبان، إلى جانب ابتكار أشكال جديدة مثل “الجمل” المصنوع من سعف النخيل. فضلا عن صليب السنبلة المزين بالورود، وأشكال تحتوي على القربان، وكذلك سنابل القمح والشمعة الخضراء.
ويشير عبد المسيح إبراهيم، بائع سعف، إلى أن الباعة يتمركزون بجوار الكنائس. حيث يختار كل صانع سعف موقعه لعرض منتجاته. كما يقوم البعض بإهداء هذه المشغولات لبعضهم البعض، ويتزينون بها. في حين يقبل كثير من المسلمين على شراء السعف لمشاركة الأقباط احتفالاتهم.
في معبد الأقصر، افُتتحت الدورة الـ15 من «مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية»، بحضور عدد من نجوم الفن من مصر وبعض الدول الإفريقية، إلى جانب عدد من المخرجين والكتاب. وخصصت هذه الدورة لإهداء روح عدد من صناع السينما الذين رحلوا مؤخرا، من بينهم الناقد فاروق عبد الخالق، والمخرج داود عبد السيد، والمخرج الجزائري محمد الأخضر حمينة، والمالي سليمان سيسيه.
فيلم تسجيلي لـ«يوسف شاهين»
شهد حفل الافتتاح عرض فيلم تسجيلي عن المخرج الكبير الراحل يوسف شاهين. استعرض مسيرته الفنية، متضمنا شهادات لعدد من الفنانين الذين عاصروه، وكان أبرزهم محمود حميدة. كما تم الاحتفاء بالمخرج الراحل داود عبد السيد، حيث أعلنت إدارة المهرجان عن إطلاق مسابقة جديدة تحمل اسمه في مجالي السيناريو وسينما المؤلف. وتضم لجنة تحكيم تضم مكونة من وسام سليمان، وعبد الرحيم كمال، وناصر عبد الرحمن.
وفي كلمته خلال حفل الافتتاح، أكد رئيس المهرجان السيناريست سيد فؤاد إن إقامة هذه الدورة واجهت العديد من التحديات. مشيرا إلى أن استمرار المهرجان جاء بدافع حب السينما. فضلا عن إيمان القائمين عليه بأهميته كمشروع ثقافي. موضحا أنه يمثل نموذجا للتكامل بين المؤسسات الثقافية والمجتمع.
كما أعربت الفنانة يسرا عن سعادتها بالمشاركة في المهرجان الذي يحمل اسم الراحل يوسف شاهين. مؤكدة أن علاقتها به تمثل جزءا مهما من مسيرتها الفنية التي امتدت لنحو 50عاما، وقالت: “أنا جاية مخصوص علشانه”. كما وجهت الفنانة ريهام عبد الغفور الشكر لإدارة المهرجان على تكريمها هذا العام.
تفاصيل الدورة
كشف السيناريست سيد فؤاد عن تفاصيل الدورة الحالية، موضحا مشاركة 34 دولة من خلال كُتّاب سيناريو ومخرجين وصنّاع أفلام ونقاد وصحفيين. بالإضافة إلى لجان التحكيم والمكرمين، مشيرا إلى أن فعاليات المهرجان تتضمن 65 فيلما و12 ندوة. وتقام جميعها مجانا للجمهور من الساعة العاشرة صباحا حتى التاسعة مساء، ومفتوحة لجمهور الأقصر والصعيد.
وأضاف أن جنوب إفريقيا ضيف شرف الجمهور هذا العام. لما تتميز به من تاريخ سينمائي يمتد لأكثر من 130 عاما، مشيرا إلى أن صناعة السينما فيها مرت بمراحل تطور مهمة حتى أصبحت تعكس هوية أصحابها الأصليين.
الفنان خالد الصاوي.. الصورة من إدارة المهرجان
إطلالة صعيدية
في لفتة خلال حفل الافتتاح، ظهر خالد الصاوي، بإطلالة صعيدية مرتديا الجلباب والشال. مؤكدا أن ذلك يأتي تعبيرا عن الهوية المصرية الصعيدية. خاصة في ظل تنوع المشاركات الإفريقية التي يعبر كل منها عن ثقافته بزيه التقليدي، داعيا إلى احترام حرية الأفراد في اختيار ما يرتدونه دون تقييد.
وتحدث الصاوي عن إمكانية تجسيده لشخصية تاريخية في السينما، مشيرا إلى أنه يفضل الملك رمسيس الثاني لما يتمتع به من قوة وذكاء وإنجازات تاريخية. كما أشار إلى تحتمس الثالث كأحد الشخصيات التي يراها جديرة بالتجسيد. كما أوضح أنه خضع لعملية تكميم المعدة نجح من خلالها في خسارة نحو 40 كيلوجراما، معتبرا أنها كانت الحل الأنسب له صحيا.
من جانبه، أعرب الفنان محسن منصور عن سعادته بالمشاركة في المهرجان، موجها الشكر لإدارته ولوزير الثقافة. مشيرا إلى اختياره عضوا بلجنة تحكيم في مهرجان أفلام الصعيد القصيرة للمرة الأولى. ومؤكدا أهمية دعم المواهب الشابة باعتبارها نواة لأعمال فنية مميزة. كما أشاد بتنظيم المهرجان واعتبره رسالة تؤكد أن مصر بلد الأمن والأمان رغم ما يشهده العالم من أحداث.
وأبدى الفنان أحمد فتحي سعادته بالمشاركة، معبرا عن حبه لمدينة الأقصر. مؤكدا أن المهرجان أصبح من أهم المهرجانات السينمائية في مصر وخارجها، نظرا لاهتمامه بالسينما الإفريقية. وأضاف أن الكوميديا لا تزال حاضرة في السينما المصرية. لكنها تشهد تطورا في شكلها وجودة الإفيهات بما يتناسب مع طبيعة العصر.
مسلسل نرجس
على هامش تكريمها في حفل الافتتاح، نظمت إدارة المهرجان ندوة للفنانة ريهام عبد الغفور بمشاركة الفنان خالد الصاوي، داخل معبد الأقصر وسط المدينة.
تحدثت عبد الغفور عن دورها في مسلسل “نرجس” الذي عرض خلال شهر رمضان. وقالت إن اختيارها لأداء هذا الدور جاء عقب حديثها مع منتج العمل محمد مشيش حول فكرة المسلسل قبل قراءة السيناريو. مشيرة إلى أنها تحمست كثيرا لما يحمله الدور من تحد كبير بالنسبة لها. سواء على مستوى الشكل أو طبيعة الشخصية وما قد يتوقعه الجمهور عنها.
وأضافت أنها تابعت لقاءات سابقة على الإنترنت تتعلق بالشخصية الحقيقية التي استلهم منها العمل. ونجحت في استحضار بعض تفاصيلها، لافتة إلى أنها تميزت بقدر من المراوغة في الردود.
وقالت: “تحمست جدا للمشروع، لدرجة أنني كنت أشعر بنوبات قلق إذا لم يتم التواصل معي لمدة ثلاثة أيام. وكنت أظن أن المشروع قد توقف، من شدة تعلقي وحبي له، والحمد لله حققنا نجاحا أكبر مما توقعنا. وسعيدة وفخورة بكوني جزءا من هذا العمل. أنا محظوظة هذا العام بـ”حكاية نرجس” وبعتبره دور عمري”.
من ندوة الفنانة ريهام عبد الغفور.. تصوير: أبوالحسن عبدالستار
رغبة في التغيير
تابعت عبد الغفور أنها بعد قراءة السيناريو ومتابعة بعض اللقاءات عن الشخصية، قررت الفصل تماما بين شخصيتها الحقيقية والدور. والتركيز على الأداء وفق رؤية المخرج. خاصة أنه كان حريصا على تقديم الشخصية بشكل يكتسب تعاطف الجمهور، ويبرز تأثير الضغوط المجتمعية والكلام السلبي على الإنسان.
وأوضحت أن رغبتها في التغيير الفني بدأت منذ مشاركتها في مسلسل “الريان” عام 2011. حيث سعت إلى الخروج من المناطق الآمنة وأداء أدوار مختلفة عما اعتاده الجمهور. وهو ما استمر معها حتى عام 2021، من خلال تجارب فنية متنوعة، حتى وإن حملت بعض المخاطرة، إلا أن ثقتها بالله دفعتها لاتخاذ هذه القرارات.
حمزة العيلي: ريهام متواضعة وتحترم الجميع
في كلمته خلال الندوة، أعرب الفنان حمزة العيلي عن سعادته بتكريم ريهام عبد الغفور في حفل الافتتاح. وكذلك بمشاركتها البطولة في مسلسل “حكاية نرجس”، مؤكدا أن أجواء العمل اتسمت بروح المحبة والرقي والتواضع بين جميع فريق العمل.
وقال: “ريهام دائما متواضعة وتحب الجميع، وتقول إننا نتعلم من كل الناس، لكن الحقيقة أننا نتعلم منها الكثير جدا”. مشيرا إلى أنها حققت تطورا ملحوظا في مسيرتها الدرامية خلال السنوات الماضية، ووصلت إلى مرحلة متقدمة فنيا. وأضاف أن السينما تحتاج إلى أعمال قوية تحمل رسائل مؤثرة وتحدث تغييرا في المجتمع. مؤكدا أن وجود ريهام يمثل إضافة مهمة لأي عمل فني.
الفنان صبري فواز.. الصورة من إدارة المهرجان
صبري فواز: فنانة صادقة وتعيش أدوارها
من جانبه، تحدث الفنان صبري فواز عن مميزات ريهام عبد الغفور، مؤكدا أنها تتمتع بقلب يسع الجميع. وشخصية صادقة لا تحمل أي حساسيات تجاه السوشيال ميديا. وتتعامل مع فريق العمل بروح واحدة سواء مع النجوم أو المبتدئين أو الأطفال.
وأشار إلى تميزها في أداء أدوار متنوعة دون التقيد بنمط ثابت، موضحا: “من أهم مميزاتها أنها لا تنشغل بصورة ريهام أثناء العمل. بل تترك شخصيتها جانبا وتندمج تماما في الدور، وتنتقل إلى شخصية أخرى بسلاسة وهدوء نفسي. وهي قدرة يخشى كثيرون من خوضها”.
خالد الصاوي: جانب مظلم قاده للتصالح مع نفسه
تحدث الفنان خالد الصاوي خلال الندوة عن رحلته الشخصية، موضحا أنه مر بمرحلة صعبة في صغره. حيث تعرض لحادث تسبب في إصابته في ساقه، ما أصابه بصدمة كبيرة، خاصة مع اعتقاده السابق بأنه لن يتعرض لأي أذي.
وأشار إلى تكرار حالات الفشل في المدرسة الثانوية دفعه للتفكير في التغيير وإعادة تقييم أهدافه. فقرر الالتحاق بكلية الحقوق، وحصل على لقب الطالب المثالي. وأضاف أنه حياته شهدت العديد من الصراعات بين تجارب ناجحة وأخرى صعبة. إلى جانب إصابته بفيروس “سي” وتعافيه منه. مؤكدا أن كل هذه المراحل ساعدته في النهاية على التصالح مع ذاته وفهم الحياة بشكل أعمق.
لا تقتصر الاستعدادات لعيد الفطر في الصعيد على شراء ملابس العيد وصناعة الكعك والبسكويت، بل تمتد لتشمل طقسا خاصا يفرض حضوره على الموائد، وهو تناول الفسيخ والرنجة. ومع اقتراب العيد، تنتعش محال بيع الأسماك المملحة وتزدحم بالزبائن، في مشهد سنوي يعكس ارتباط هذه الوجبة بفرحة العيد. وعلى الرغم من ارتباطها في الأصل بموسم الربيع، إلا أنها أصبحت جزءا أصيلا من احتفالات عيد الفطر، حيث تختلط النكهات بذكريات البيوت القديمة، وتتحول الوجبة إلى طقس اجتماعي يجمع العائلات. هنا يرصد «باب مصر» طقوس أهالي الأقصر وأسيوط والمنيا في تناول هذه الأكلات.
في أسيوط.. وجبة أساسية بالعيد
يحرص الكثير من أهالي أسيوط على شراء أصناف الفسيخ المختلفة قبل عيد الفطر المبارك، لتكون الوجبة الأساسية على موائدهم في أول أيام العيد. يقول رمضان بسيوني، صاحب محل “فسخاني البسيوني”، 40 عاما، لـ«باب مصر»: “مع اقتراب عيد الفطر المبارك، تشهد أسواق ومحال بيع الأسماك المملحة في أسيوط حالة من الرواج والإقبال الكبير من المواطنين. حيث يحرص كثير من الأسايطة على شراء الفسيخ والرنجة كأحد الطقوس الغذائية المرتبطة بفرحة العيد. فتزدحم المحال في الأيام الأخيرة قبل العيد بالزبائن”.
ويضيف بسيوني أن المحل يقدم العديد من أنواع الأسماك المملحة التي يفضلها الزبائن. من بينها نوع يسمى “كلب البحر”، وهو من الأنواع التي تتميز بوجود أسنان واضحة، ولذلك أطلق عليه هذا الاسم. إلى جانب نوع “الراية”، والفسيخ البوري.
ويكمل: تختلف أسعار الملوحة هذا العام حسب الحجم، إذ يصل سهر الكيلو من الملوحة الكبيرة إلى نحو 300 جنيه. بينما يبلغ سعر الكيلو المتوسط حوالي 280 جنيهًا. أما الفسيخ البوري فيصل سعر الكيلو منه إلى نحو 400 جنيه. كما تتوفر الرنجة بعدة أنواع، من أبرزها رنجة “أبو السيد” اللوكس التي يصل سعر الكيلو منها نحو 180 جنيهًا.
وأشار إلى أن بعض الزبائن يفضلون شراء الفسيخ المخلي الجاهز في “برطمانات” لسهولة تناوله وسرعة تحضيره. كما يزداد الطلب على الملوحة المفروطة بجميع أنواعها، والتي تباع بكميات وتبدأ من ربع كيلو. إذ يبلغ سعر الكيلو نحو 300 جنيه، والنصف كيلو 150 جنيهُا، والربع كيلو 75 جنيهًا.
76bf37e7 a218 4353 ac8c 2d667bdd7e2d
03397420 529c 4423 876b 9f80d931a832
“بنحس إنها هي العيد”
آدهم حسين، خمسيني من أسيوط، يحدثنا وهو يحمل أكياس الفسيخ والرنجة قائلا: “شراء الفسيخ بالنسبة لنا عادة لا نستطيع تغييرها، خاصة في عيد الفطر المبارك. فالعيد لا يكتمل من غير الفسيخ والرنجة، إحنا بنحس إنها هي العيد”، موضحًا أن هذه الوجبة لها طابع شعبي لا يقتصر على أسيوط فقط، بل يمتد إلى مختلف المحافظات المصرية.
بينما تقول نوال علي محمد،55 عاما، ربة منزل من مدينة أسيوط: “إحنا حريصين جدًا إننا ننزل ونشتري الفسيخ والرنجة. وكل الأسرة بتتجمع عليها، وكمان الأقارب. الفسيخ بيدي للعيد طابع مميز، إزاي ييجي عيد الفطر من غيره؟ ده هو اللمة الحلوة في أول يوم”.
تربع الملوحة على موائد العيد
في محافظة الأقصر، حيث يلتقي التاريخ العريق بعادات الناس اليومية. تحتل الأسماك المملحة مكانة خاصة على موائد عيد الفطر، إلا أن لأهالي الأقصر طابعا مختلفا في تناولها. إذ تشتهر المحافظة بالملوحة أكثر من الفسيخ.
يقول مؤمن عبد الحميد، أشهر بائعي الملوحة في الأقصر، والذي يعمل في هذه المهنة منذ نحو 17عامًا، وقد ورثها عن أجداده، إن له زبائن دائمين منذ سنوات طويلة. موضحا أنه يجلب الأسماك المستخدمة في صناعة الملوحة من محافظة أسوان، مثل “كلب البحر” و”الراية”.
وأكد أن الأقصر وأسوان تشتهران بالملوحة ذات المذاق الجيد وقليلة الملح نسبيا. وهي تختلف عن محافظات الوجه البحري التي يفضل أهلها الفسيخ.
الملوحة المخلوطة
يوضح عبد الحميد أن أذواق الزبائن تختلف، فمنهم من يُفضل الملوحة المصنوعة من السمك الكلابي، ومنهم من يُفضل المخلوطة. وتحضر الملوحة المخلوطة بطريقة خاصة، حيث تُصنع من السمك وماء الملوحة والطحينة. ثم تخلط جيدا في خلاط كهربائي حتى تمتزج تماما، ويضاف إليها الليمون.
ويشير إلى أنه في عيد الفطر يميل بعض المواطنين إلى شراء أسماك النيل المملحة كنوع من التغيير.
الفرق بين الفسيخ والملوحة
يوضح عبد الحميد الفرق بين الفسيخ والملوحة قائلا: “الفسيخ يكون غالبا من أسماك البحر المالح. ويفضله أهالي القاهرة ومحافظات الوجه البحري والدلتا مثل كفر الشيخ والبحيرة، وأشهره سمك البوري. لكنه لا يتحمل درجات الحرارة المرتفعة في الصعيد، لذلك لا يمكن تخزينه لأكثر من 10 أيام.
أما في الأقصر وأسوان، فيفضل الأهالي الملوحة المصنوعة من أسماك نهر النيل. مثل كلب البحر والراية، والتي تتميز بإمكانية تخزينها لفترات طويلة قد تصل من شهرين إلى خمسة أشهر. كما يمكن نقلها إلى محافظات أخرى دون أن تفسد”.
IMG 20260313 WA0023
IMG 20260313 WA0021
طريقة تخزين الملوحة
يضيف بائع الملوحة أن طريقة التخزين هي العامل الأساسي في نجاح الملوحة. إذ توضع كميات مناسبة من الملح على الأسماك وتترك لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر حتى تنضج ويتحول لونها إلى الأحمر. ويؤكد أنه في حال تخزينها بشكل غير صحيح قد تفسد. خاصة عند نقلها إلى محافظات أخرى، لذا يجب تغليفها وحفظها بعناية.
أما الفسيخ، فتختلف طريقة تحضيره. إذ ينظف جيدا، ويفتح، ثم يضاف إليه الليمون والزيت قبل تناوله مباشرة، وهي الطريقة الشائعة في محافظات الوجه البحري.
وعن علامات الأسماك غير الصالحة للأكل، يوضح بائع الملوحة أن فسادها غالبا ما يكون نتيجة سوء التخزين. إذ يتغير لونها إلى الداكن، على عكس الملوحة الجيدة التي تتميز بلونها الأحمر ودرجة ملوحتها المتوازنة. وينصح بعدم شرائها في حال ظهور هذه العلامات.
ذكريات.. الملوحة بجنيه واحد
الحاج أحمد، أحد زبائن المحل من أبناء الأقصر، يحرص دائما على شراء الملوحة من “مؤمن”، كونه من أشهر وأقدم بائعي الأسماك المملحة في الصعيد. ويستعيد ذكريات الماضي مع صاحب المحل القديم. حيث كانت الأسعار زهيدة، تبدأ من جنيه واحد وتصل إلى عشرة جنيهات فقط.
ولم يأت الحاج أحمد هذه المرة للشراء لنفسه، بل لضيوف لديه يعشقون الأسماك المملحة، فاختار لهم هذا المحل تحديدا. ويؤكد أنه اعتاد تناولها سواء في الأيام العادية أو خلال مواسم الأعياد، مثل عيد الفطر وشم النسيم. حيث تجتمع العائلة حولها.
سلطانة الفسيخ في المنيا
إلى جانب تزاحم المواطنين على شراء ملابس العيد والكعك والبسكويت. تشهد محال الفسيخ والرنجة أيضا إقبالا كبيرا، لتكون وجبة الإفطار في أول أيام العيد. وعلى الرغم من ارتفاع أسعار الأسماك المملحة، لا يزال الإقبال عليها مستمرا في محافظة المنيا.
وبمجرد المرور بمنطقة وسط المدينة، تقودك رائحة الفسيخ والرنجة إلى محل عائشة عبد الكافي، المعروفة بـ”سلطانة الفسيخ”. حيث تصطف الطوابير لشراء هذه الوجبة.عائشة، وهي فتاة في مقتبل العمر، عشقت هذا المجال، فقررت أن تحوله إلى مشروعها الخاص. وبدأت في ابتكار أصناف جديدة مثل سندوتشات الفسيخ والرنجة.
شاورما الرنجة وصواني الفسيخ
في بداية عملها، حولت عائشة جزءا من منزلها إلى معمل صغير لتخزين وتصنيع الأسماك المملحة. وبدأت تسويق منتجاتها عبر الإنترنت، حتى استطاعت لاحقا افتتاح محل خاص بها. وتميزت بتقديم أصناف متنوعة، مثل الفسيخ الأسواني، والفسيخ البوري، وشاورما الرنجة، وصواني الفسيخ، ومربى الملوحة. إلى جانب سندوتشات الفسيخ والرنجة.
وتؤكد عائشة أن فكرتها بدأت بسيطة على الإنترنت. ثم تحولت إلى مشروع ناجح، مشيرة إلى أن سر الإقبال يعود إلى تنوع المنتجات وتقديم أفكار غير تقليدية.
وتقول: “لكل بائع سر في صنعته، والحمدلله حققت نجاحا كبيرا في هذا المجال. والسبب هو الأمانة والنظافة”. وتوضح أن الطلب على الأسماك المملحة يتراجع خلال شهر رمضان. حيث يفضل الصائمون الأطعمة قليلة الملح، بينما يعود الإقبال بقوة مع اقتراب العيد. وتشير إلى أن الفسيخ يعد من أشهر أنواع الأسماك المملحة، خاصة الفسيخ البلدي لجودته وطعمه. بينما تعد الرنجة الأكثر انتشارا بسبب سعرها المناسب، إلى جانب السردين والملوحة.
66
4
أصناف مبتكرة
توضح عائشة أن كثيرا من السيدات يحرصن في المناسبات والأعياد على تقديم أصناف مبتكرة. وتنصح بإعداد سلطة الفسيخ بالليمون والنعناع، أو بالزنجبيل والبرتقال. وكذلك سلطة الرنجة بالبطاطس، وسلطة البطارخ، وطبق “أم الخلول” الذي ينقع في الخل ويقدم مع الليمون.
كما تبتكر عائشة أطباقا جديدة لجذب الزبائن، مثل: الرنجة المشوية على الفحم، وكريب الرنجة بالبطاطس، وحواوشي الرنجة بالجبنة الموتزاريلا. وبرجر وبيتزا الفسيخ والرنجة، وصينية الرنجة بالبطاطس في الفرن، وطاجن البطارخ.
وتضيف أن أكثر ما يلقى رواجا هو سندوتشات الفسيخ، التي تحضر من الفسيخ المخلي الممزوج بالطحينة والزيت والليمون والخل داخل الخبز البلدي، مع البصل الأخضر والفلفل والطماطم. إلى جانب سلطة الفسيخ، وحتى “تورتة الفسيخ” التي تطلب في المناسبات.
نصائح لشراء وحفظ الفسيخ والرنجة
تنصح عائشة بضرورة شراء الفسيخ والرنجة من أماكن موثوقة. وفتح السمكة قبل الشراء للتأكد من سلامة اللحم، وألا يحتوي على ألوان غريبة مثل الأزرق أو طبقة بيضاء، لأن ذلك قد يدل على فسادها.
أما عن التخزين، فتشير إلى ضرورة تقطيع الرنجة وتنظيفها من الجلد والشوك. ثم حفظها في خليط من الزيت والليمون والخل داخل الثلاجة حتى وقت التقديم. كما تنصح بالإكثار من تناول الخضراوات بجانبها، مثل الخس والجرجير والخيار والطماطم والبصل.
مع اقتراب شهر رمضان، تتألق أسواق الأقصر وأسوان بالفوانيس الملونة والمتنوعة، حيث تختلف التصماميم بين الطابع التقليدي الكلاسيكي والأشكال العصرية المبتكرة، لكن هذا الموسم يسيطر «فانوس الزيت» على الأجواء الرمضانية، حيث اجتذب الشباب والفتيات بأسعاره الباهظة وتصميمه الفاخر، ليصبح أكثر من مجرد زينة رمضانية، بل تحفة فنية تضيف رونقا خاصا للمنازل وتجعله حديث الجميع.
أسواق أسوان
تزينت واجهات المحال التجارية في أسوان بألوان الفوانيس المضيئة. وتنوعت التصميمات بين الطابع الكلاسيكي واللمسات العصرية. فيما شهدت الأسواق إقبالا متزايدا من الأهالي الذين حرصوا على شراء الفوانيس لأطفالهم وتزيين منازلهم.
وجاءت تصميمات الفانوس المصري هذا الموسم بطابع كلاسيكي قديم، مستحضرة أجواء الذكريات الرمضانية، إلى جانب تصميمات حديثة للفانوس الصيني فرضها “التريند” على الساحة. وهي تصميمات مرتبطة بشخصيات محبوبة للأطفال مثل الشخصيات الكرتونية والأشكال المبتكرة حديثا.
استعدادات الموسم
يقول محمود، بائع فوانيس بسوق الشواربي حول الاستعداد للموسم: “أسافر القاهرة قبل الموسم بحوالي شهر علشان نجيب أحدث الأشكال. وبشوف إيه أكتر فانوس تريند في الموسم”، مشيرا إلى أن أبرز تريند لرمضان 2026 يتمثل في فوانيس “لابوبو” و”التورتة” و”العروسة” و”الدبابة”.
ويضيف أن الفوانيس المستوردة من الصين تبدأ أسعارها من 200 جنيه وتصل إلى 550 جنيها حسب الحجم وجودة الخامات. وأن ارتفاع السعر يرتبط بالإمكانات المتاحة في كل تصميم. مثل فوانيس “سبايدر مان” والشخصيات الرمضانية، وهي تصميمات تعتمد على الإضاءة القوية والحركة والأغاني.
WhatsApp Image 2026 02 16 at 9.12.21 AM
WhatsApp Image 2026 02 16 at 9.12.24 AM (1)
الفانوس المصري لا يزال ينافس بقوة
يضيف محمود أن الفانوس المصري لا يزال ينافس بقوة داخل الأسواق. حيث تبدأ أسعاره من 50 جنيها حتى 150 جنيها، ويشهد رواجا ملحوظا. خاصة فوانيس الشخصيات مثل “بكار” و”فنانيس” و”بوجي وطمطم “. يليها الفانوس الخشبي المصمم في شكل “بوكس” مزود بشخصيات رمضانية تضيء وتغني. جامعا بين الطابع الكلاسيكي والتصميم الحديث.
وأوضح عبدالله، بائع آخر بسوق الشواربي، أن أبرز تصميمات الفوانيس المصرية لديه هي الفوانيس المصنوعة من خامات مختلفة مثل المعدن أو الخشب أو البلاستيك. وتتراوح أسعارها ما بين 50 و100 جنيه، فيما تبدأ أسعار الزينة من 5 جنيهات حتى 20 جنيها. وتشمل سلاسل الإضاءة والأهلة والنجوم المعلقة والفوانيس المضيئة التي تزين جدران المنازل.
وأشار إلى أن الفوانيس الخشبية الصغيرة المستخدمة كميداليات مفاتيح تتراوح بين 5 و10 جنيهات. وتشهد إقبالا من الأسر التي تحرص على توزيعها كهدايا رمزية للشهر الكريم. لافتا إلى أن الفوانيس الخشبية تحظى بإقبال كبير نظرا لانخفاض سعرها. خاصة مع اتجاه الأسر لشراء أكثر من قطعة لأطفالهم أو لتزيين المنازل.
تنوع وأسعار مناسبة
يؤكد محمد، بائع بالسوق السياحي بمدينة أسوان، أن حركة البيع تشهد انتعاشا تدريجيا مع اقتراب الشهر الكريم. مشيرا إلى أن تنوع الفوانيس المعروضة واختلاف الأسعار ساهم في جذب شرائح مختلفة من الأسر. سواء الباحثة عن الفانوس التراثي البسيط الذي يعبر عن الثقافة الشعبية. أو التصميمات الحديثة المرتبطة بالتريند لإدخال السعادة على أطفالهم.
وأشار إلى أن المنافسة هذا الموسم تعتمد بشكل أساسي على مواكبة التريندات وجودة الخامات والتصنيع. ومع ارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن، دفع ذلك عددا من التجار إلى التركيز على المنتج المصري لتقديم أسعار مناسبة تلائم مختلف الفئات.
WhatsApp Image 2026 02 16 at 9.12.23 AM (1)
WhatsApp Image 2026 02 16 at 9.12.21 AM (1)
أسعار مبالغ فيها وإقبال غير متوقع
في محافظة الأقصر، نال فانوس الزيت حصة محدودة في بضعة محال، لكنه شهد إقبالا كبيرا من الشباب والفتيات من العشرينات وحتى الثلاثينات. يقول أحمد حامد، صاحب محل هدايا بالمدينة، إنه حرص خلال الأشهر الأخيرة على توفير عدد من فوانيس الزيت كعينات لمعرفة إمكانية بيعها دون تكبد خسائر. لكنه فوجئ بزيادة نسب الإقبال عليها وبيع جميع الكميات تقريبا، ولم يبق منها سوى فانوسين فقط.
ويضيف: “هذه هي أول مرة أبيع فوانيس بأسعار مبالغ فيها. ولم أكن متأكدًا من إمكانية بيعها في البداية لارتفاع السعر، لكن فوجئت بقدوم الزبائن يوميًا للسؤال عنه رغم توفر أنواع أخرى من الفوانيس بأشكال متنوعة”.
فانوس متميز.. تحفة فنية
يكمل حامد حديثه: “أرى أنه فانوس متميز ويُمكن استخدامه كتحفة فنية ووضعه في المنزل. وهو مكون من معدن ثقيل وزجاج ومادة الزيت. ويُمكنه العمل بأقلام الحجارة أو بالكهرباء مباشرة من خلال وصلة كهربائية، ويعمل طيلة اليوم”.
ويضيف أن أشكال الفوانيس الجديدة متنوعة بين بوجي، طمطم، فوانيس وهلال رمضان، وشكل التلفزيون القديم. بعضها يغني أغاني رمضان الشهيرة، وأخرى تضيء فقط مثل الحجم الصغير، ومنها الثابت ومنها المتحرك في شكل دائري متميز.
WhatsApp Image 2026 02 16 at 11.50.52 PM (1)
WhatsApp Image 2026 02 16 at 11.50.53 PM
السوشيال ميديا سبب ارتفاع الأسعار
يشير حامد إلى أنه يقوم بشراء الفوانيس من تجار في محافظة القاهرة يقومون باستيرادها من الخارج. ونظرًا لزيادة الطلب على فانوس الزيت، أجبر التجار الموزعين الحصول على شكل واحد فقط من جميع أشكال فوانيس الزيت في ظل نقص الكميات المستوردة.
ويقول: “انخفاض كميات الفانوس الموجودة في الأسواق وزيادة نسبة الطلب زادت من سعر فانوس الزيت بنسبة 100%. فضلًا عن شهرته في وسائل التواصل الاجتماعي حيث أصبح تريند خلال فترة وجيزة. ورغم توفر فوانيس بأشكال أخرى بأسعارها الطبيعية، فلم تُبع كثيرًا ولم يحدث عليها ضجة مثل فانوس الزيت. فضلًا عن التسويق الجيد للفانوس الذي ساهم في زيادة نسب البيع”.
وحول أسعار فانوس الزيت، يوضح حامد: “في البداية كان سعر الفانوس الكبير من 600 و800 وحتى 2000 كحد أقصى، وسعر الفانوس الصغير كان في حدود 85- 100 جنيه. لكن حاليًا زادت الأسعار بنسبة 100%، ووصل سعر الفانوس الكبير من 3500 حتى 4000 جنيه، والصغير وصل إلى 195جنيهًا. بينما زادت في القاهرة بقيمة 1000 و1500 جنيه للفانوس الكبير. كما تعرض العديد من الأشخاص لعمليات نصب على السوشيال ميديا عند طلب شراء الفانوس الزيت أون لاين”.
آراء الزبائن
أبدت علا عبدالحميد، إعجابها الكبير بفانوس الزيت بجميع أشكاله واعتبرته تُحفة فنية. حيث عرفته من خلال السوشيال ميديا بعدما أصبح تريند، وزادت شهرته وصل سعره في الأسواق إلى 2700 جنيه. لكنها فوجئت بزيادة سعره في محال المدينة عن السعر المعروف. وقالت إنها ستقوم بشرائه رغم ارتفاع السعر.
أما إسراء محمد، فقد بحثت عن الفانوس كثيرًا عبر الإنترنت وذُهلت بسبب سعره الكبير. لكنها مقتنعة بأن ارتفاع السعر طبيعي بعدما أصبح الفانوس تريند، وزادت شهرته على المنصات. ونظرًا لعلمها بارتفاع سعر الفانوس، قررت شراء الحجم الأصغر كهدية لإحدى صديقاتها حسب إمكانياتها. وسبب قدومها لشرائه في المحل هو شهرته على فيسبوك، لذلك اعتقدت أنه سيعجب صديقتها.
فانوس بآلاف الجنيهات
يضيف محمد ثروت، أحد الزبائن، أنه سمع عن فانوس الزيت عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثل تيك توك وفيسبوك وإنستجرام، ويرى أن خامة الفانوس وشكله جيدة كونه من المعدن والزجاج، لكنه يؤكد أن السعر مُبالغ فيه ولن يشتري فانوس بآلاف الجنيهات، فقد يتعرض للكسر ويخسر قيمته المادية الكبيرة.
كما أشار إلى وجود أنواع أخرى مصنوعة من البلاستيك أو المعدن بأسعار متوسطة ومقبولة تناسب الكثير من المواطنين، وليس مضطرين لتكبد أعباء مالية بسبب فانوس رمضان حتى لو شكله مختلف ولا يستخدم إلا لمدة شهر واحد فقط، لافتًا إلى أن بعض الأشخاص يشترونه أون لاين بسرعة بسبب الرغبة في التقليد فقط، وليس حبا حقيقيا للفانوس.
أطلقت جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين الثقافية، أمس، أولى فعاليات «سلسلة محاضرات أحمد بهاء الدين التذكارية»، بمحاضرة ألقاها الروائي والكاتب المسرحي محمد سلماوي تحت عنوان: «الأدب المصري القديم والريادة المنسية».
تعزيز الحركة الثقافية
افتتح الفعالية الدكتور زياد بهاء الدين، رئيس الجمعية، بكلمة أكد خلالها أن هذه السلسلة تأتي ضمن البرامج السنوية للجمعية لتعزيز الحركة الثقافية. وفتح آفاق معرفية للأجيال الشابة لمواصلة مسيرة التنوير التي كان الراحل أحمد بهاء الدين أحد أبرز روادها.
وعلى هامش المحاضرة، شهدت الاحتفالية تكريم شادي جمال، الفائز بـ«جائزة أحمد بهاء الدين الثقافية» في دورتها الرابعة عشرة، والتي ركزت هذا العام على موضوع «التعليم النقدي». وتعد الجائزة ركيزة أساسية في جهود الجمعية لدعم وتشجيع شباب الكُتاب والباحثين، واكتشاف النابغين في مختلف المجالات الثقافية.
جانب من تكريم الباحث شادي جمال، الفائز بـ«جائزة أحمد بهاء الدين الثقافية».. بإذن خاص من المؤسسة
الأدب المصري القديم
في محاضرته، ألقى الكاتب محمد سلماوي الضوء على العمق التاريخي للأدب المصري القديم، واصفا إياه بـ”الريادة المنسية”. واستعرض سلماوي كيف وضع المصري القديم الحجر الأساس لأشكال التعبير الإنساني المختلفة. من الشعر والنثر الإبداعي، والفنون الدرامية والمسرحية، وصولا إلى النصوص الفلسفية والأخلاقية.
وشدد سلماوي على ضرورة إعادة إحياء هذا التراث العظيم عبر التوسع في ترجمته ونشره، ليكون متاحا للأجيال الجديدة كجزء أصيل من هويتهم الثقافية.
أعقب المحاضرة جلسة نقاشية مفتوحة أدارتها السفيرة ليلى بهاء الدين، عضو مجلس إدارة الجمعية. حيث تفاعل الحضور من الشخصيات العامة والمثقفين مع الطروحات التي قدمها سلماوي. مما عكس حراكا فكريا يعيد الاعتبار للتراث المصري القديم في سياق معاصر.
حول جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين
تأسست الجمعية عام 1995، وتهدف إلى نشر الخدمات الثقافية، خاصة في صعيد مصر. وتدير الجمعية مركزا ثقافيا متكاملا في قرية “الدوير” بمحافظة أسيوط، مسقط رأس الراحل أحمد بهاء الدين. وتهتم برعاية الموهوبين وتنمية الوعي المجتمعي. بالإضافة إلى برامج متميزة لدعم وتأهيل الأطفال ذوي الإعاقة ودمجهم في الحياة الثقافية.
تستضيف العاصمة المغربية الرباط حتى السابع عشر من مارس المقبل، المعرض الجماعي «حوار تحت الخيمة»، الذي تنظمه السفارة المصرية بالمغرب بالتعاون مع «جاليري عبلة عبابو».
الخيمة رمز التراث العربي
يتخذ المعرض، الذي افتتحت فعالياته الخميس الماضي، من “الخيمة” ثيمة أساسية له؛ باعتبارها رمزاً مشتركاً في التراث العربي، فهي ليست مجرد مأوى، بل مساحة اجتماعية شهدت أهم لحظات الحياة اليومية والاحتفالات.
ويسلط المعرض الضوء على فن “الخيامية”؛ ذلك التراث المصري العريق الذي يعتمد على الحياكة اليدوية الدقيقة للوحات القماشية، وكيف يتلاقى هذا الفن مع تقاليد النسيج المغربية الأصيلة.
الفن لغة عالمية تربط بين الثقافات
يهدف المعرض إلى التأكيد على أن الفن لغة عالمية تتجاوز الحدود؛ فبينما تحكي المنسوجات المصرية قصص القاهرة وشوارعها، ترد عليها المنسوجات المغربية بوقار الصحراء وتقاليدها، ليجتمع الجميع تحت “خيمة” واحدة تجسد وحدة المصير الثقافي، وتكشف عن عمق الروابط التاريخية التي تجمع البلدين الشقيقين.
WhatsApp Image 2026 01 30 at 14.19.48 (2)
WhatsApp Image 2026 01 30 at 14.19.48 (4)
تصريحات السفير: الثقافة قاطرة التنمية
خلال الافتتاح، صرح السفير أحمد عبد اللطيف، سفير مصر لدى المغرب: «إن استضافة الرباط لهذه الأعمال النسيجية المصرية لأول مرة في رواق للفن المعاصر، تعكس رغبتنا الصادقة في تعميق العلاقات الفنية بين بلدين يمثلان ثقلاً ثقافياً كبيراً، ويؤمنان بأن الثقافة هي القاطرة الحقيقية للتنمية والتقارب بين الشعوب».
سيف الرشيدي: نقل الحرفة إلى الفن المعاصر
يقف خلف رؤية هذا المعرض القيم الفنان والمؤرخ سيف الرشيدي، الذي سخر سنوات طويلة لترويج فن الخيامية عالمياً. وأكد الرشيدي، مؤلف كتاب “صانعو الخيام في القاهرة”، أن المعرض يهدف إلى نقل الحرفة من حيزها التقليدي إلى فضاء الفن المعاصر لضمان استمراريتها، قائلاً:
«بعد جائحة كورونا، واجه الحرفيون تحديات اقتصادية كبيرة، وأدركتُ حينها أن إدخال التصميم المعاصر على الحرفة هو السبيل الوحيد لفتح أسواق جديدة وجذب الأجيال الشابة. نحن لا نعرض ماضياً، بل نعرض حرفة تتنفس وتتطور».
WhatsApp Image 2026 01 30 at 14.19.49
WhatsApp Image 2026 01 30 at 16.57.13 (3)
مشاركة نخبة من الفنانين والمصممين
يضم المعرض أعمالاً لنخبة من الفنانين والمصممين الذين قدموا رؤى مختلفة للهوية المصرية والمغربية، من بينهم: هاني عبد القادر، محمد مصطفى عبد الواحد، عصام علي، نور الدين أمير، لويس بارتليمي، جميل بناني، “مركز مصر”، إكرامي وحسام الفاروق، مصطفى الليثي، سيف الرشيدي، طارق الصفتي، عاطف فتوح، أشرف هاشم، وحبيبة صواف.
وقد قدمت صواف لافتات فنية تستلهم روح «الموالد» المصرية الشعبية ببهجتها وألوانها، بينما ركز لويس بارتليمي في أعماله على توثيق لحظات تاريخية معاصرة، مثل رحلة نقل تمثال رمسيس الثاني إلى المتحف المصري الكبير. أما الفنان المغربي نور الدين أمير، فقد قدم تبياناً بصرياً لافتاً باستخدام “شعر الماعز” في أعماله المستوحاة من الخيمة المغربية، مما خلق حواراً بصرياً مع الأعمال القطنية المصرية الملونة.
واللافت في المعرض هو تنوع خلفيات المشاركين؛ فمنهم من ترك المحاماة أو التدقيق المالي ليعود إلى جذوره الحرفية، مثل محمد عبد الواحد وطارق الصفتي، كما برز دور “مركز مصر” (Markaz-Egypt) في القاهرة كحاضنة لهذه المواهب التي تدمج التراث بالحداثة في قالب فني مبهر.
في كتاب «وينستون تشرشل: عصره وجرائمه»، الصادر حديثا عن دار الكتب خان للنشر، للكاتب طارق علي، وترجمة نهى مصطفى، يُعيد الكاتب والمؤرخ البريطاني- الباكستاني النظر في الإرث السياسي والرمزي لأشهر رجل دولة بريطاني في القرن العشرين، عبر قراءة نقدية صادمة لتاريخه، تتحدى السردية السائدة التي تُقدّمه كبطل للحرب وحامٍيا للديمقراطية.
لم يكتب تشرشل كثيرًا عن مواقفه الشخصية تجاه الصهيونية والشعب اليهودي بشكل عام. ولكن مما كتبه يتضح أن وجهات نظره بشأن إنشاء إسرائيل لم تكن متسقة دائمًا. فقد انحرف تفكيره من النزعة الآلية الصرفة (التي قد تكون مفيدة للإمبراطورية البريطانية في منطقة مليئة بالأعداء، أي العرب) إلى العنصرية الحضارية، لعبت معاداة البلشفية دورها أيضًا.
كان اليهود عِرقًا قديمًا، “الشعب المختار” ومتفوقًا بحكم الواقع على العرب. وقد تم توضيح هذه النظرة في ما يبدو أنه أطول تصريح لتشرشل حول هذا الموضوع: مقال نُشر في الصفحة الخامسة من مجلة Illustrated Sunday Herald في 8 فبراير 1920. أوضح العنوان الأولويات البرنامجية المنصوص عليها في النص: “الصهيونية في مواجهة البلشفية: صراع من أجل روح الشعب اليهودي”. يخبر تشرشل القارئ: “بعض الناس يحبون اليهود والبعض الآخر لا يحبونهم، لكن لا يمكن لأي رجل مفكر أن يشك في حقيقة أنهم بلا شك العرق الأكثر قوة والأكثر روعة الذي ظهر على الإطلاق في العالم”.
***
على مستوى ما، كان كلامه هذا سخيًّا بشكل مدهش، لأنه لم يضف صفة تحدد “بعد الإنجليز، بالطبع”، أو كلمات بهذا المعنى. والأمر الأكثر أهمية هو أن الفكرة نفسها لا معنى لها وتعود إلى حرفية العهد القديم.
لا شك أن تشرشل كان يعرف التاريخ الإنجليزي جيدًا. فلماذا إذن لم يذكر حقيقة مفادها أن أسوأ المذابح والاضطهادات التي تعرض لها اليهود في أوروبا القديمة بدأت في إنجلترا؟ كان الفاشيون الألمان ليسعدوا بحقيقة أن هنري الثالث أصدر في عام 1218 مرسومًا ملكيًّا، “مرسوم الشارة”، والذي جعل من الإلزامي على اليهود ارتداء “شارة مميزة”. وبعد ستين عامًا، أدت المذابح التي نفذها بارونات اللصوص إلى مقتل أكثر من ألف يهودي، خمسمائة منهم في لندن وحدها. وأصدر إدوارد الأول “مرسوم الطرد” في عام 1290.
فتم تجميع جميع اليهود وطردهم، ونهبت ممتلكاتهم، وانتشرت تهمة الافتراء على اليهود بحماسة كان جوبلز ليحسده عليها. وهنا حالة كلاسيكية من “ما حدث في الماضي هو مقدمة”. فقد فر بعض اليهود إلى فرنسا، ووجد آخرون ملاذًا لهم في إسبانيا الإسلامية، حيث كانت هناك مجتمعات يهودية كبيرة وحرة، تشارك في كل مستويات الدولة.(………….)
***
لكن إسرائيل تأسست في عام 1948 على يد لندن، باعتبارها واحدة من آخر الأعمال الإمبريالية التي قامت بها إمبراطورية في حالة تدهور خطير، ولكنها ما زالت تتمتع بقدر كافٍ من النفوذ الاستعماري. وكانت القوة البريطانية قد سمحت تمامًا للاستعمار الصهيوني. ولولا عنف الشرطة والجيش البريطانيين لكان ذلك مستحيلًا تقريبًا.
وكان من الممكن للأغلبية العربية (90%) أن توقف عملية البناء التي أعقبت الحرب العالمية الأولى دون صعوبات كبيرة: ففي عام 1918 كان هناك 700 ألف عربي فلسطيني و60 ألف يهودي. وكان هؤلاء اليهود يعتمدون كليًّا على حماية الدولة الإمبراطورية البريطانية. والآن أصبحت الصهيونية، وهي حركة قومية عرقية من أصل أوروبي يهودي، شكلًا من أشكال الاستعمار الأوروبي.
من بين المتنافسين الصهيونيين على الزعامة، أدرك حاييم وايزمان، الذي كان يقيم في مانشستر والذي اختاره تشرشل في عام 1915 لخبرته في مجال الصناعة والكيمياء، في وقت مبكر أن بريطانيا سوف تكون اللاعب الرئيسي، وقال ذلك. أما منافسه على لقب بطريرك إسرائيل الأعظم، ديفيد بن جوريون، فقد أهدر الوقت ولطخ سجله بالتشبث بالمعاطف الطويلة للمسؤولين العثمانيين في إسطنبول، المدينة التي أحبها، لفترة أطول مما ينبغي. لقد أراد التفاوض على إنشاء دولة يهودية كمقاطعة عثمانية بمساعدة عثمانية.
***
السيرة الذاتية الجديدة التي كتبها المؤرخ الإسرائيلي توم سيجف تحت عنوان “دولة بأي ثمن: حياة ديفيد بن جوريون” تخلط بشكل منهجي بين أسطورة بن جوريون باعتباره رائدًا اشتراكيًّا صهيونيًّا وشابًّا رومانسيًّا، ومهندس الوحدة العمالية، والأب الماهر الأبدي للأمة، الذي قاد شعبه من انتصار عسكري معجزة إلى آخر.[1] وفي رواية سيجف، لم يكن مفكرًا أصيلًا قط؛ فقد اكتسب الصهيونية من والده، كاتب العدل في بلدة صغيرة في منطقة بالي القيصرية. انطلق إلى فلسطين في عام 1906، وهو في العشرين من عمره، “بدافع اليأس”، بعد أن فشل في الحصول على مكان في معهد الهندسة في وارسو، وظن أنه ليس لديه عقلية تجارية كافية للنجاح في أمريكا.
كانت يافا، بأزقتها الشرقية، “أسوأ من بلونسك”؛ كان يكره العمل الزراعي ويشعر بخيبة أمل لأن المزارعين اليهود يفضلون توظيف العمالة العربية الرخيصة والماهرة للغاية. ولأنه لم يكن مرتاحًا في القدس العثمانية، فقد فضل كثيرًا سالونيك وإسطنبول (القسطنطينية كما كانت آنذاك)، حيث تابع تدريبه القانوني في الجامعة، على أمل أن يمثل الجمهور اليهودي كوزير في مجلس الوزراء العثماني.
***
لم يكن بن جوريون بعيد النظر سياسيًّا، بل كان أعمى عن مسار الحرب العالمية الأولى وإعلان بلفور، وفي ذلك الوقت كان يجمع الأموال للقضية الصهيونية في نيويورك. ثم تحول متأخرًا إلى الجانب الآخر، فسعى إلى تحقيق وطن قومي تحت الحماية البريطانية وليس العثمانية. وتطوع في الوحدة الأمريكية التابعة للفيلق اليهودي، وعاد إلى الشرق الأوسط في أغسطس 1918، ولكنه نُقل إلى المستشفى بسبب إصابته بالديزنتاريا.
في الوقت نفسه كان وايزمان يتجول حول القدس في سيارة رولز رويس يملكها الجنرال اللنبي. ولم يتغلب بن جوريون قط على غيرته من علاقة وايزمان الحميمة مع أصحاب السلطة في لندن، والتي نشأت من خلال عمل الأخير في مجال الإمدادات الكيميائية الصناعية أثناء الحرب، والتي تعززت من خلال علاقاته الوثيقة مع سي. بي. سكوت، محرر صحيفة مانشستر جارديان.
غلاف الكتاب
***
وكان بن جوريون يقضي الجزء الأكبر من وقته خارج فلسطين، في المناورة مع البريطانيين أو جمع الأموال في أمريكا (“لا أرغب في أن يتحدث أحد أمام جمهور أمريكي يجلس حول موائد العشاء مرتديًا ملابس السهرة”). وعلى كلتا الجبهتين، كان وايزمان قد أقام بالفعل علاقات شخصية وثيقة مع أصحاب السلطة، وتفوق بسهولة على بن جوريون، الذي اضطر بالتالي إلى بناء قاعدة قوة بديلة لنفسه.
بحسب سيجف، كان عمل منظم العمالة الصهيوني بيرت كاتسنلسون بين عمال المزارع هو الذي أرسى الأساس لما أصبح الهستدروت، المنظمة العامة للعمال، والتي قدمت لبن جوريون قاعدة لتشكيل ثلاث مجموعات عمالية صغيرة في حزب سياسي، أحدوت هعفودا (سلف ماباي، حزب عمال أرض إسرائيل). وبفضل جهوده، فاز الحزب بأغلبية ـ 70 من أصل 314 مقعدًا ـ في انتخابات عام 1920 للجمعية اليهودية شبه البرلمانية.
***
وقد وُضعت أسس نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في سنوات ما بين الحربين العالميتين. ولم تسمح الهستدروت ـ للعمال العرب ـ بالانضمام إلى صفوفها، وكانت الكيبوتسات ـ لليهود فقط. بالنسبة لبن جوريون، كانت الانفصالية، المبنية على العرق والمعتقدات الأيديولوجية التي ساعدت في القضاء على الانقسامات الطبقية، ضرورية لإنشاء الدولة الصهيونية.
اعتمد بن جوريون أساسًا على طاقة لا تعرف الكلل، واهتمام مفرط بالتفاصيل، مع حرص على جمع البيانات عن كل ناخب، على نحو يذكّر بمركزية المعلومات لدى الدكتاتور وإدمان جمع البيانات. وبصفته سكرتيرًا للحزب، أصبح “الشخص الأكثر نفوذًا في الجهاز”. واستعار بن جوريون من “دكتاتورية البروليتاريا الصهيونية” التي وصفها مناحيم أوسيشكين، وشرع في إدارة الهستدروت ليس كنقابة عمالية فحسب، بل كحكومة أولية لدولة في انتظارها: بيروقراطية واحدة مسؤولة عن الوظائف والصحة والتعليم والدفاع المسلح عن المستوطنات (الهاجاناه)، مرتبطة بمكتب الأشغال العامة.
***
يزعم سيجف أنه إذا كانت الهستدروت قد أصبحت إقطاعية شخصية لبن جوريون، فمن الصحيح أيضًا أن لا أحد غيره عمل بجد مثله: فقد كان يقوم بزيارات متكررة لأماكن العمل ومواقع البناء، ويتحدث إلى العمال ويدون بشكل مهووس ما يقولونه له في دفاتر ملاحظاته الصغيرة. ووفقًا لأحد رؤساء العمال في حيفا، “كان بالنسبة لهم هو الهستدروت”. وإذا كان لديه الآن قاعدة قوة يستطيع من خلالها التفوق على منافسيه الأكثر بريقًا وقوة من أمثال وايزمان وجابوتنسكي، فإن أعداءه الرئيسيين كانوا على اليسار: فقد تعرض قدامى المحاربين في حركة هاشومير للمطاردة باعتبارهم شيوعيين، كما تعرضت كتيبة العمل في ترومبلدور للانتقاد الشديد بسبب ميولها البلشفية.
على هذا الأساس بدأ بن جوريون حملته لتولي قيادة الوكالة اليهودية، وهي الهيئة التنفيذية الدولية التي أنشأها المؤتمر الصهيوني في عام 1929، برئاسة وايزمان. ويقدم سيجف وصفًا مشوقًا لحملة بن جوريون القيادية المنتصرة في عام 1933، والتي تضمنت “التتبع الدقيق لما كان يجري في كل خلية من خلايا الخلية السياسية التي سعى إلى غزوها”، والتنقل في أنحاء بولندا (كان لديه 800 مدينة على قائمته) لتجنيد الأعضاء الذين سيصوتون لصالح “انتصار عمالي لإنقاذ الصهيونية” من أنصار جابوتنسكي.
***
بينما ظل رئيسًا للهستدروت، تولى قيادة مكتب الوكالة اليهودية في القدس، فأصبح رئيسًا للوزراء بحكم الأمر الواقع. واستغل بن جوريون على الفور اقتراح التقسيم البريطاني لعام 1936 كفرصة، فقام بوضع قائمة بالقرى العربية في المنطقة اليهودية وعدد سكانها. كما قال هرتزل، كان نقل السكان دائمًا جزءًا من الاستراتيجية الصهيونية، على الرغم من إدراك بن جوريون”للصعوبة الرهيبة التي يفرضها اقتلاع قوة أجنبية لمئات الآلاف من العرب من القرى التي عاشوا فيها لمئات السنين”.
يروي سيجف قصة مروعة عن موقف بن جوريون القاسي تجاه عمليات إنقاذ اليهود الأوروبيين في زمن الحرب: “أفضل أن أنقذ نصف الأطفال في فلسطين على أن أنقذ جميع من في إنجلترا”. وكان المشروع الصهيوني أكثر أهمية من أي مجتمع من يهود الشتات. كان رده على التقارير الأولى عن الإبادة المنهجية: “الاضطهاد في كل بلد لا يؤثر إلا على اليهود في ذلك البلد. وما يحدث هنا يضرب في قلب الأمة”.
وقضى بن جوريون نفسه معظم سنوات الحرب في لندن أو في جمع التبرعات في الولايات المتحدة، منخرطًا في مواجهة مع وايزمان في نيويورك، غاضبًا من رفضه تقديمه إلى روزفلت. وربما وصفه وايزمان بتكبر بأنه “متخلف أخلاقيًّا“، “يذكرنا بدكتاتور تافه“: “لا يوجد شيء أكثر خطورة من رجل صغير يعتني بمظالمه”.
***
في حين ساعدت التداعيات السياسية التي أعقبت الحرب في تعزيز الحملات الدبلوماسية للحركة الصهيونية، لم يكن هناك أساس للزعم بأن دولة إسرائيل تأسست نتيجة للهولوكوست. وكما يزعم سيجف، كانت هذه ممارسة إمبريالية: “لعب البريطانيون دورًا أكبر بكثير”، حيث أشرفوا قبل الحرب على إنشاء بنية تحتية سياسية واقتصادية وعسكرية متينة للدولة المستقبلية. في الواقع، يزعم سيجف أنه بعد الحرب، حاول بن جوريون إقناع البريطانيين بتمديد الانتداب، حتى لو كان ذلك يعني العمل تحت قيادة إرنستبيفن المعادي للسامية بشراسة، للسماح له بالوقت لبناء الهاجاناه وتحويلها إلى قوة قادرة على محاربة الدول العربية.
كان بن جوريون يوجه “حرب الاستقلال” وفقًا للطموح الاستراتيجي المتمثل في “أقصى قدر من الأراضي، وأقل عدد من العرب”. وقد وضع خطة التقسيم التي وضعتها لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين في جيبه في عام 1947 (وهي خطة سخية إلى حد كبير مقارنة باقتراح بيل الذي أشعل الثورة العربية) باعتبارها خطوة تكتيكية إلى الأمام، في حين أمر قادة الهاجاناه بالاستعداد للحرب وتبنى سياسة “الدفاع الهجومي”.
***
وبعبارة أخرى، كان قد خطط للهجوم الوقائي على القرى الفلسطينية، والاستيلاء عليها أو تدميرها وطرد سكانها، منذ البداية. “لم تكن هناك حاجة لإصدار أمر صريح” – “كانت روح الرسالة” التي نقلها بن جوريون بصفته القائد الأعلى واضحة بما فيه الكفاية.
في حالة خطة “داليت”، كان ييجيل يادين هو الذي وضع الأوامر المكتوبة الرسمية، بما يتماشى مع التوجيه العام لبن جوريون ـ تدمير القرى أو استئصالها وطرد السكان الفلسطينيين إلى ما وراء حدود الدولة اليهودية. وكان بوسع قادة الهاجاناه المحليين أن يقرروا ما إذا كان ينبغي “الاستيلاء على القرى أو تطهيرها أو تدميرها”، في حين أن الفظائع النموذجية ـ مثل دير ياسين ـ جنبًا إلى جنب مع “حملة همس” لنشر الشائعات حول ما هو أسوأ، من شأنها أن تساعد في تسريع هروب السكان.
***
يؤكد سيجف على فرض بن جوريون السياسي الضيق لقادة حزب الماباي وإقالته للجنرال جاليلي الأكثر يسارية في مايو 1948، في ذروة الحرب (مرة أخرى، رغم أن سيجف لا يقول هذا، مما يذكرنا بتطهير ستاليني مصغر في معركته ضد يسار حزب المابام)، الأمر الذي أثار ثورة الجنرالات. كان إعلان الاستقلال الأحادي الجانب الذي أصدره بن جوريون في 14 مايو 1948 – على النقيض من دعوة إدارة ترومان إلى وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر – يهدف ليس فقط إلى منع عودة العرب ولكن أيضًا إلى استعادة هيبته السياسية التي تضررت بسبب إخفاقات الهاجاناه وتفوق الجنرالات عليه.
وقد اشتكى الضباط بشدة من ضعف فهمه للاستراتيجية العسكرية، وخاصة هوسه بالاستيلاء على الموقع العربي المحصن جيدًا في اللطرون، على حساب مئات الأرواح من الهاجاناه، وسعيه إلى الانتقام من اليسار والقادة العسكريين في خضم الحرب.
كان بن جوريون “في سلام تام” مع تشريد ما بين 500 ألف إلى 750 ألف فلسطيني كثمن لاستقلال إسرائيل. ونفى أن يكونوا قد أجبروا على الفرار، مدعيًا أن كل من غادروا فعلوا ذلك تحت الحكم البريطاني. في الواقع، غادر نصفهم بعد إعلان الاستقلال. زعم بن جوريون أن هؤلاء “ليسوا لاجئين، بل أعداء”، متفاخرًا بأن “هناك حالات ربما ساعدوا فيها قليلًا على الفرار، ولكن في الأساس، كانت هذه ظاهرة لا يمكن تفسيرها حقًّا” – فقد “أظهرت أن الحركة الوطنية العربية لم تكن تستند إلى أفكار إيجابية، بل فقط على الكراهية الدينية وكراهية الأجانب وطموحات القادة”.” لقد أثبت التاريخ من هو المرتبط حقًّا بهذه الأرض ومن هي بالنسبة له مجرد رفاهية يمكن الاستغناء عنها بسهولة”.
***
لم يزعم بن جوريون إلا في وقت لاحق أن المفتي الأكبر أمر الفلسطينيين بالفرار، مستفيضًا في شرح أساطير داود في مواجهة جالوت (“700 ألف يهودي في مواجهة 30 مليون عربي”) والتفوق العرقي (“إن مادتنا البشرية تتمتع بقدرة أخلاقية وفكرية أعظم كثيرًا من تلك التي يتمتع بها جيراننا”). والواقع أن كلًّا من الهاجاناه/جيش الدفاع الإسرائيلي والجيوش العربية نشرت نحو 100 ألف جندي، ولكن جيش الدفاع الإسرائيلي كان مسلحًا أيضًا من الخارج: فقد وفرت التبرعات الأمريكية 50 مليون دولار لشراء الأسلحة – بما في ذلك المدفعية والطائرات المقاتلة – والتي لولاها، ولولا الصفقة التي تم التوصل إليها مع الملك عبد الله ملك الأردن، لما كان النصر مرجحًا، كما اعترفت جولدا مائير في وقت لاحق.
فضلًا عن ذلك، لم يكن الفلسطينيون قد تعافوا إلا بالكاد من القمع الوحشي الذي تعرضت له الثورة العربية على يد المحتلين البريطانيين، الذين أهملوا خلال ثلاثين عامًا فرض التعليم الإلزامي؛ فلم يكن أكثر من ثلث الأطفال الفلسطينيين يذهبون إلى المدارس وكانوا غير مهيئين بأي شكل من الأشكال للحياة الوطنية الحديثة. والحقيقة أن أولئك الذين يكررون هذا التاريخ يتعرضون للتنديد باعتبارهم معادين للسامية (ومن الأمثلة الحديثة على ذلك المخرج السينمائي كين لوتش) ويطردون من الأحزاب السياسية.
***
وهو ما يشير، من بين العديد من المؤشرات الأخرى، إلى أن الدولة الصهيونية الاستعمارية التي أنشئت في عام 1948، والتي تتعرض للهجوم من جانب الحركات العالمية المتضامنة مع الفلسطينيين، لا تزال تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة وألمانيا للحصول على الإعانات وعلى بقية الغرب للحصول على الدعم الأيديولوجي.
تشير مثل هذه القصص إلى أن إسرائيل، رغم كونها دولة استيطانية أوروبية فريدة من نوعها، ليست كذلك ببساطة. فعندما تعارضت مصالح القومية الصهيونية مع مصالح البريطانيين، لم تخف عصابة شتيرن، بقيادة مناحيم بيجين، بسهولة. وكان أسوأ هجوم إرهابي خلال الانتداب هو الانفجار الذي دمر فندق الملك داود في عام 1946. ومن بين القتلى الثلاثة والتسعين موظفون وضباط بريطانيون والعديد من العرب. بيجين هو من ضحك أخيرًا عندما مُنح جائزة نوبل للسلام في عام 1978 بصفته رئيسًا لوزراء إسرائيل.
***
اختلف الصهاينة المعتدلون واليمينيون حول الوسائل. وكانوا يتفقون دومًا على الغايات. فوايزمان، وبن جوريون، وبيجن، وديان، وغيرهم، وحتى نتنياهو، كانوا ينتمون إلى تيارات سياسية مختلفة، ولكن كل واحد منهم كان يؤمن بإسرائيل الكبرى. وكان الاختلاف الوحيد هو تحديد الخط النهائي الذي ينبغي رسمه، وهنا أيضًا كان الخلاف شكليًّا إلى حد كبير. وكان الصهاينة الأوائل، الذين كانوا عنيدين وعازمين على إنشاء دولة منفصلة، أكثر صرامة من بن جوريون في التعامل مع اليهود غير الصهاينة و/أو اليهود المنتمين إلى الاندماج بأقصى درجات الاحتقار.
هذا يعيدنا إلى بيني موريس، وخاصة المقابلة المذهلة التي أجريت معه في صحيفة هآرتس الليبرالية في الثامن من يناير 2004، تحت عنوان “البقاء للأقوى” ـ وهي وثيقة ذات أهمية غير عادية في التاريخ الحديث للصهيونية. فقد عرض موريس على محاوره المصدوم حقيقتين غير مستساغتين: الأولى أن المشروع الصهيوني لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التطهير العرقي المتعمد؛ والثانية أن الأسباب الوحيدة التي حالت دون إبعاد السكان العرب عن فلسطين بالكامل بمجرد الشروع في تنفيذ المشروع كانت مؤقتة وتكتيكية بحتة. وكان إفشاء السبب الثاني هو الذي أثار أكبر قدر من الضجة بين المعارضين التقليديين لمؤسستي الليكود والعمل.
***
كانت الحجج المؤيدة لطرد الفلسطينيين بالجملة من الأرض الموعودة يُـعَبَّر عنها منذ فترة طويلة على نحو علني على يمين الطيف السياسي الإسرائيلي، كما كانت تتداول بحرية في الدوائر العمالية والليبرالية، في إسرائيل والشتات. ولكن الحكم الصريح الذي أصدره موريس بأن بن جوريون ارتكب خطأً فادحًا بعدم تطهير الضفة الغربية المستقبلية من سكانها العرب يأتي بسلطة فريدة من نوعها لشخص لا يزال يعمل على كشف الفظائع المخفية التي ارتكبت في “حرب الاستقلال”.
والواقع أن نفس الصرامة التي استخدمها موريس في التعامل مع جرائم الحرب الصهيونية يستخدمها أيضًا في التعامل مع المنطق الأساسي للصهيونية ـ يسارًا أو يمينًا. وبهذا فإن موريس ـ مستعينًا بكامو ـ يضع نفسه في صف مجتمعه، أيًّا كانت الكوارث التي ألحقها بالفلسطينيين، وهي الكوارث التي سجلها دون هوادة.
***
المعاناة اليومية التي يعيشها الفلسطينيون لا تثير ضمير أوروبا الليبرالي، الذي يشعر بالذنب (لسبب وجيه) بسبب عجزه عن الدفاع عن يهود أوروبا ضد خطر الانقراض. ولكن لا ينبغي استخدام الإبادة اليهودية كغطاء لارتكاب جرائم ضد الشعب الفلسطيني. التخويف من الابتزاز الصهيوني يعني أن تصبح شريكًا في جرائم الحرب. وكما كتب الشاعر العبري أهارون شبتاي في قصيدته “الحنين“ في عام 2003:
يواصل موقع «باب مصر» نشر مجموعة من إصدارات دور النشر المصرية، بالتزامن مع افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي تستمر فعالياته حتى 3 فبراير المقبل. هنا نستعرض فصلا من كتاب «الماضي المجهول: ليلى مراد، نجمة مصر اليهودية المسلمة»، الذي صدر حديثا عن دار الكتب خان، من تأليف الدكتورة حنان حماد وترجمة بسمة ناجي. يتناول الكتاب سيرة الفنانة ليلى مراد، ويكشف تفاصيل عن تحولات المجتمع المصري في القرن العشرين.
حين توفيت المطربة ونجمة السينما لَيلى مُراد في القاهرة، نوفمبر 1995، كان عنوان مجلة الكواكب: “عاشت مُسلمة وماتت مُسلمة ودُفنت في مقابر المُسلمين”. أرادت المجلة نفي الشائعات التي تفيد بارتداد لَيلى مُراد (1918-1995) إلى اليهودية بعد اعتناقها الإسلام في الأربعينيات.
ظلت التساؤلات حول عقيدة لَيلى مُراد الدينية وولائها لمصر، وعلاقتها بإسرائيل وعلاقات جنسية ربطتها بأفراد من النخبة السياسية تطارد حياتها وإرثها بعد عقود من وفاتها. ومن عجيب المفارقات أنها حققت نجاحها كنجمة لها شعبيتها قبل فترة طويلة من اعتناقها الإسلام. فلم يشكل كونها يهودية وابنة المطرب اليهودي الشهير زكي مُراد عائقًا أمام شهرتها منذ بداية مسيرتها الفنية في عام 1932، حتى عَرض آخر فيلم لها في عام 1955.
***
قامت لَيلى مُراد ببطولة ثمانية وعشرين فيلمًا، تُعَد جميعها تقريبًا من كلاسيكيات السينما الغنائية المصرية والعربية. كانت أعلى نجمات السينما أجرًا، وإيرادات أفلامها من بين أعلى الإيرادات في شباك التذاكر. أطلق عليها معجبوها ونقاد السينما لقب سندريلا السينما المصرية وملكة السينما الغنائية العربية، ثم اعتزلت التمثيل السينمائي، أو بالأحرى، أُجبرت على الاعتزال، بعد ثلاث سنوات من نجاح الضباط الأحرار في الاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري، عُرف لاحقًا باسم ثورة يوليو 1952. كانت ليلى في السابعة والثلاثين من عمرها حين توقفت مسيرتها الفنية فجأة في منتصف الخمسينيات، وناضلت لعقودٍ من الزمن من أجل العودة للعمل الفني، لكن دون جدوى.
إلا أن شعبية لَيلى لم تتراجع أبدًا، برغم أنها عاشت بقية حياتها في الظل، إذ واصَل معجبوها الاستماع إلى صوتها من خلال التسجيلات والبث الإذاعي والبرامج التلفزيونية. طوال حياتها، وحتى يومنا هذا، كانت لَيلى مُراد واحدة من أكثر المطربات شهرة في العالم العربي. كما حصدت أفلامها وأغانيها المُقرصَنة والمنشورة عبر موقع يوتيوب مئات الآلاف من المشاهدات. وبعد عقود من وفاتها، استمر الاهتمام الشعبي بحياتها، ولم ينقطع سرد قصتها على لسان أجيال من المصريين.
***
وُلِدت لَيلى مُراد في عائلة يهودية عام 1918، قبل عام واحد من ثورة 1919 ضد الاحتلال البريطاني لمصر الذي بدأ في عام 1882. ربما فشلت الثورة القومية في إجبار البريطانيين على الجلاء من البلاد، لكنها حولت مصر إلى مَلَكية شبه مستقلة، وبشَّرت بما صار يُعرف بالعهد الليبرالي في مصر الحديثة (1923-1952). وبرغم بُعدها عن الديمقراطية واستمرار الوصاية البريطانية، حُكِمت مصر في تلك الحقبة بمنظومة برلمانية دستورية وتمتعت بثقافة عامة تعددية كوزموبوليتانية مزدهرة.
نشأت لَيلى مُراد في أسرة من الطبقة المتوسطة بالقاهرة خلال فترة شهدت تنوعًا عرقيًّا ودينيًّا. كان والدها، زكي مُراد (حوالي 1880-1946)، مطربًا مشهورًا ازدهرت حياته الفنية حتى منتصف عشرينيات القرن العشرين. وفي أوائل الثلاثينيات، يسَّرت خبرته واتصالاته في المشهد الموسيقي إطلاق مسيرة لَيلى الغنائية وهي لم تزَل مراهقة. فبعد نجاحها كمطربة، قامت ببطولة أول فيلم لها، “يحيا الحب” للمخرج محمد كريم (1938)، مع المطرب والموسيقار النجم محمد عبد الوهاب (حوالي 1902-1991).
«الماضي المجهول: ليلى مراد، نجمة مصر اليهودية المسلمة»
***
في عام 1945، تزوجت لَيلى مُراد من الممثل أنور وجدي وشكَّلا معًا الثنائي الأشهر في السينما العربية. عاش الثنائي لَيلى وأنور حياة فنية ناجحة وحياة أسرية مُعقدة، فتزوجا وتطلقا لثلاث مرات خلال سبع سنوات، وملأت أخبار مشاكلهما الأسرية أعمدة شائعات المشاهير. وفي أثناء زواجهما، وثقت لَيلى مُراد اعتناقها الإسلام في سجلات المحكمة عام 1947، وأشهرته في عام 1948 في أعقاب أول حرب عربية – إسرائيلية في فلسطين. استمر نجاحها حيث سجلت رقمًا قياسيًّا كأعلى الممثلات أجرًا في عام 1950، وصوَّت لها الجمهور كأفضل ممثلة ومطربة في استطلاعات الرأي لعام 1951.
وتثبُت شعبيتها بحقيقة أن دور السينما كانت تعرض فيلمين أو ثلاثة أفلام لها في نفس الموسم كل عام تقريبًا بين عامي 1941 و1952. ثم بعد شهر واحد من تولي الضباط الأحرار المصريين السلطة في يوليو 1952، حظرت سوريا أفلام لَيلى مُراد وأغانيها بسبب شائعات حول تبرعها بالمال سرًّا لإسرائيل وزيارتها لها. إلا أن التحقيقات المصرية التي أجراها النظام العسكري الجديد في القاهرة دحضت هذه الشائعات، فواصلت لَيلى مُراد العمل وقامت ببطولة أفلام جديدة، كما أيدت بصوتها نظام الضباط الأحرار بالأغاني الوطنية وبدعم المبادرات التي يقودها الجيش في الحياة العامة.
***
ثم على نحو مفاجئ، توقفت عن العمل في السينما بعد عرض فيلم “الحبيب المجهول” (حسن الصيفي، 1955)، برغم العديد من الخطط والمحاولات لاستئناف مسيرتها السينمائية. حتى الآن، تحرص الإذاعة على بَث أغانيها ويعرض التلفزيون أفلامها القديمة بانتظام، ما يحفظ صورتها الشابة في الذاكرة الشعبية كواحدة من أحب المطربات في مصر والعالم العربي. لا يزال الجمهور من جميع الأعمار يستمع إلى أغانيها القصيرة ذات الإيقاع السريع، ويشاهد أفلامها الغنائية بعد عقود من وفاتها. كما يُعيد المطربون المعاصرون تقديم أغانيها في ألبومات وحفلات مباشرة مخصصة للاحتفاء بالكلاسيكيات العربية الحديثة. ولا يزال النقاد والكتاب ينشرون المقالات والكتب التي تغذي الاهتمام الجماهيري بها.
لأهمية الغناء في الثقافة والسينما المصرية، لا تعتبر لَيلى مُراد مجرد نجمة. فقد حظيَت بنجومية هائلة وصارت إحدى أحب المطربات والممثلات في مصر، وظلت شعبيتها ثابتة لعقودٍ بعد وفاتها. على هذا الأساس وحده، استحقت حياتها ومسيرتها الفنية الدراسة. وفي القلب من هذه الدراسة، تتلخص التساؤلات الجوهرية حول سبب توقف مسيرتها السينمائية في منتصف الخمسينيات بعد انطلاقة صارخة النجاح؟ وكيف أثرت حقيقة ولادتها لعائلة يهودية والحظر السوري لأفلامها على مسيرتها الفنية؟
***
وما هي تداعيات علاقتها الحميمة بأحد الضباط الأحرار؟ وما الدور الذي لعبته جنسانيتها وعمرها وصورة جسدها المتغيرة في مسيرة حياتها؟ وكيف يتذكرها الناس؟ لا يُمثِّل تاريخ لَيلى مُراد قصة نجمة شهيرة لها مكانتها فحسب، بل يروي تاريخ الزوجات اليهوديات والمتحولات إلى الإسلام والأسر متعددة الأديان في مصر الحديثة. هنا، أستخدمُ قصتها كمنظور لإعادة سرد تاريخ الثقافة والسياسة المصرية، مع تأمل دور النجمات الإناث والمعايير المزدوجة والتوقعات الاجتماعية التي خضعن لها. كما يعمق التركيز على قرارها باعتناق الإسلام وتوقيت إعلانه فهمنا للتشابك بين السياسات الاجتماعية والدينية والجندرية.
طوال النصف الثاني من القرن العشرين، ارتبطت حياة لَيلى مُراد بالسياسة الوطنية والإقليمية الكبرى. بعد استيلاء الضباط الأحرار على السلطة في يوليو 1952، أطلقوا على انقلابهم العسكري اسم الحركة المباركة، وحوَّل الدعم الشعبي الانقلاب العسكري إلى ثورة 23 يوليو. نفى الضباط الأحرار الملك فاروق، الذي حكم مصر في الفترة بين عامي 1936-1952، وألغوا النظام الملكي، ثم أطاحوا بالنظام البرلماني، وحلوا الأحزاب السياسية، وأعلنوا الجمهورية في عام 1953.
***
منذ بداية حركتهم، خاض الضباط الأحرار صراعًا داخليًّا وحشيًّا على السلطة، برز من خلاله جمال عبد الناصر كقائد للمجلس العسكري.[1] فبعد ترسيخ حكمه كثاني رئيس للجمهورية، أطلق ناصر (حكم 1954-1970) برامج طموحة للتنمية الاقتصادية والبشرية. وبالنسبة لليهود المصريين، مثَّلت السنوات التأسيسية للجمهورية فترة حَرِجة. في الأسابيع الأولى التي أعقبت ثورة 23 يوليو، أكد الضباط الأحرار التزامهم بحماية اليهود المصريين، وزار القائد الرسمي للضباط الأحرار وأول رئيس مصري، اللواء محمد نجيب (حكم كرئيس جمهورية من يونيو 1953 إلى نوفمبر 1954)، المعبد اليهودي الرئيسي بوسط القاهرة في يوم الغفران من عام 1952.
كما زار نجيب معبد القرائين في العباسية، مؤكدًا التزام النظام بالمواطنة والحقوق العلمانية الليبرالية: “لا فرق بين اليهود والمُسلمين والمسيحيين. الدين لله، والوطن للجميع”.[2] مع ذلك، جنَّدت شبكات التجسس الإسرائيلية بعض اليهود المحليين لتنفيذ سلسلة من أعمال التخريب ضد المصالح الغربية بالقاهرة والإسكندرية في عام 1954، بغرض إحراج النظام الجديد باعتباره غير كفء وعاجزًا عن حفظ استقرار مصر.
***
أدت هذه الحملة التخريبية المعروفة باسم قضية لافون ويُشار لها أيضًا بعملية سوزانا، والتي أعقبها العدوان الثلاثي، الإسرائيلي البريطاني الفرنسي، على مصر (حرب السويس عام 1956)، إلى زيادة صعوبة حياة اليهود المصريين. إلا أن النظام وأنصاره لم يحرصوا على، وفي بعض الحالات لم يشغلهم، التمييز بين اليهود والصهاينة.
وقعت لَيلى مُراد في شِراك التحولات السياسية الكبرى خلال خمسينيات القرن الماضي – وكلفتها تعقيدات تلك التحولات حياتها الفنية. وبرغم اعتناقها الإسلام في أواخر الأربعينيات، إلا أن تجاربها ألقت الضوء على بعض الضغوط التي واجهها بقية اليهود في مصر في الخمسينيات. طالتها شائعات خبيثة زعمت أنها تدعم إسرائيل، الاتهامات التي برأها النظام منها في النهاية. وبتقصي الحقائق المتعلقة بهذا الافتراء، تعكس هذه الدراسة دور الصحافة الشعبية وتأثير الصراع العربي الإسرائيلي على يهود مصر. في أعقاب ثورة الضباط الأحرار، وبينما كانت تواصل محاولاتها الجادة لتبرئة نفسها واستعادة دعم معجبيها العرب، ارتبطت لَيلى مُراد عاطفيًّا بأحد الضباط الأحرار، الذي تبرأ من علاقته بها بعد حملها.
***
ليلى مراد
تتيح لنا دراسة حياة لَيلى مُراد ومسيرتها الفنية تتبُّع تأثير السياسة الإقليمية والوطنية على الحياة اليومية للفرد. كما توضح كيف تأثر الأفراد بالسياسات الكبرى المتمثلة في الانتقال من الملكية شبه الاستعمارية إلى الحكم العسكري، من صعود القومية العربية والإسلام السياسي إلى هزيمتهما، وكيف تفاعلوا معها. إلى أي مدى حدد موقف لَيلى مُراد كامرأة ونجمة من أصل يهودي خياراتها الشخصية والفنية للاستفادة من الفرص وتجنب التهديدات المصاحبة للانتقال من الملكية إلى نظام ناصر بعد عام 1954؟
إن اعتزالها القسري لصناعة السينما هو قصة مشاعر ومخاوف وتطلعات وصراعات مر بها الكثيرون في مصر في مرحلة ما بعد الاستعمار. فخلال عِقدٍ واحد بعد ثورة 1952، شهدت لَيلى مُراد، كحال مصريين كُثُر، تقلبات عاطفية ومهنية شديدة بسبب حرب السويس (العدوان الثلاثي)، ورحيل اليهود عن مصر، والانتقال من اقتصاد السوق المفتوح وما أطلق عليه الكثيرون التعددية في العصر الليبرالي إلى رأسمالية الدولة وسيطرة الدولة على وسائل الإعلام والمجال العام. تزامنت حياة لَيلى مع الاضطرابات التي شهدتها مصر إثر الحروب العربية – الإسرائيلية (1948 و1956 و1967 و1973) وإبرام اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل (1979)، ما جعلها تُعايش بحث المصريين عن تعريف لهويتهم الوطنية، من التعددية الليبرالية والقومية العربية وثقافة السلام إلى الإسلاموية.
***
أثَّرت كل هذه التطورات بشكل كبير على أسرتها ومسيرتها الفنية، لكنها لم تكن امرأة قوية دومًا كما لم تكُن امرأة قليلة الحيلة كذلك. إن إعادة بناء الكيفية التي مررت بها لَيلى مُراد هذه السنوات تتطلب أكثر من مجرد مناقشة واعتراف بقدرة فنانة استثنائية على التعبير عن نفسها في مجتمعٍ مُعقد. بل تتطلب استقصاء الواقع المعاش للآلام والآمال الحميمة المتجسدة في تجربة الفرد وتمثيلها لتجارب العديدين غيره.
ومع هذه التغيرات السياسية والثقافية السريعة، عاشت لَيلى مُراد أحيانًا كسيدة استثنائية منتمية إلى أقلية. مع ذلك، عكست حياتها في كثير من الأحيان الواقع الجنساني للديناميكيات الاجتماعية والسياسية التي عاشتها كثيراتٌ من نساء مصر في القرن العشرين. فمثل العديد من النساء في مصر الحديثة، كانت زوجةً وامرأة عاملة وأُمًّا. لكن على عكس الكثيرات، تزوجت من رجال ذوي شهرة وسلطة ثم طُلقت منهم. واجهت لَيلى مشاكلها الشخصية والأسرية تحت أضواء الشهرة الساطعة والهشاشة المراوغة للنساء من الأقليات وفي أسرة متعددة الأديان وتحت حُكم البطريركية الاجتماعية، ما كشَف ضعفها لأنظار الجمهور أثناء بحثها عن الحب والحماية في علاقة مع أحد الضباط الأحرار الشباب.
***
يجب وضع تجارب لَيلى مُراد في إطار البيئة القانونية والتجارب المعاشة لدولة ومجتمع لا يزالان يُغالبان أسئلة النوع الاجتماعي والجنسانية وأمومة العزباوات والأقليات الدينية. إن فحص شبكة المفاهيم الاجتماعية والعلاقات والمؤسسات والأفراد التي شكلت عالمها يجعل حياتها بيانًا لحياة العديد من الناس، المشاهير والعاديين على حد سواء. قد يقدم البحث في السيرة الذاتية رؤًى ثرية حول ديناميكيات التفاعل بين الأفراد والتاريخ، والعالمين الخاص والعام، والذات والآخر.[3]
بمزج تاريخ مصر الحديثة مع سيرة لَيلى مُراد، أسعى إلى ربط الظواهر الاجتماعية المتباينة بالتجارب الشخصية. وبرغم كون السِّيَر لا تزال ابنةً ممقوتةً للتاريخ، فإنها توفر معلومات أكثر أهمية من أي شكل آخر من أشكال السرد التاريخي وتوضح كيف أثرت التطورات التاريخية على مماثلي لَيلى في الجنس والعرق والطبقة والمصاعِب.[4]
بعبارة أخرى، توظف هذه الدراسة سيرة لَيلى مُراد لتفكيك السرديات الكبرى للقومية المصرية واستعادة ما تتجاهله هذه السرديات القومية، بقصدٍ أو بغير قصد، أو تستبعده أو تسكت عنه.[5] كمؤرخة ومصرية، فإن مزج التاريخ بالسيرة ينقذ تحليلي النقدي من الوقوع في فخ السرديات السِّيَريَّة والسرديات القومية المعتادة التي إما تقدح في شخص موضوعها أو تُقدسه.
***
يتعامل هذا الكتاب مع مسيرة لَيلى مُراد باعتبارها منظورًا يمكن من خلاله فحص وتحليل التحولات التاريخية من خلال تطلعاتها الفردية وانتصاراتها ومشاعرها وآلامها. كما تتيح دراسة حياتها وإرثها إجراء تقييم دقيق للنجاح الاقتصادي للسينما ومكانة التسامح في المجتمع المصري قبل عام 1952 وبعده.
الأهم من ذلك، تجسيد تجربتها لسياسات القومية العربية ومقاطعة إسرائيل في الخطاب الرسمي والتطبيق. لا يتحقق فَهم كامل لتاريخ مصر بعد يوليو 1952 دون فَهم المشاعر المتناقضة التي عاشها الأفراد والجماعات في تعاملهم مع التغيُّرات الاجتماعية والسياسية التي أدخلها النظام. عاشت لَيلى مُراد حياتها كابنة وأخت وزميلة عمل وزوجة وحبيبة داخل شبكات عائلية واجتماعية ومؤسسية ومهنية مُحكمة ومتداخلة. باستنطاق تجربتها.
ليلى مراد
***
يتناول هذا الكتاب مجالَي الترفيه والإعلام وعلاقاتهما بالسياسة الوطنية والإقليمية وشؤون الأقليات الدينية والنوع الاجتماعي في لحظات حرجة من تاريخ مصر الحديث. فبدلًا من تقديم حالة للاحتفاء بنجمة ناجحة في مقابل القوى الأبوية للمجتمع، تُسلط حياة لَيلى مُراد الضوء على الحقائق الفوضوية والمتناقضة لتقويض النساء أنفسهن لقواهن، عمدًا أو بغير قصد، من خلال توظيف أدوات النظام الأبوي وتعزيزه.
لا تعكس كل أفعال تقويض الهيمنة الأبوية مقاومة نِسوية بالضرورة، ولا تُفلِح كل عملية تكريس لقوة امرأة لتحقيق نجاح تجاري أو نجاة فردية في تجنب النتائج غير المقصودة. في عملها وحياتها الشخصية، اتخذت لَيلى مُراد خيارات نفعتها وضَرتها في الوقت نفسه، بغض النظر عن مدى نِسوية هذه الخيارات. ففي نجاحاتها، وكذلك إخفاقاتها، كانت تعرف موضعيتها وواعية بقوتها وحدود خياراتها.
الترفيه التجاري
يتناول هذا الكتاب الدور الذي لعبته صناعة الترفيه في البناء الاجتماعي للهُويات الوطنية المُجَندَرة، والجنسانية، والأخلاقيات العامة في مصر والعالم العربي بأكمله. كانت السينما “أداة لإنتاج الوعي على نطاق واسع، وآلة لتقطيب القضايا باتساق وثبوتية وهميَّين، وحزمة من الاستراتيجيات الأسلوبية التي تلحِم المتعة بالمعنى لإعادة إنتاج التسلسلات الهرمية الاجتماعية والجندرية المهيمنة ذاتها”.[6]
ينطلق هذا الكتاب من حقيقة أن الأفلام التجارية ومجلات أخبار النجوم كانت “النصوص” الأكثر مقروئية على أوسع نطاق فيما يخص النوع الاجتماعي والطبقة في العالم العربي خلال القرن العشرين. وهنا يجب علينا الحرص كي لا نخلط بين التجاري والمُبتذل أو نقارنه بالإنتاجات السينمائية الفكرية الأكثر تعقيدًا.
***
جميع الأفلام الروائية التي أُنتِجت في مصر ووُزِعَت في جميع أنحاء العالم العربي خلال فترة منتصف القرن العشرين كانت تجارية، ما يعني أنها أُنتجت كفنٍّ مُوجَّه لجمهور من جميع الطبقات ومستويات التعليم. وقد تنوعت الأفلام من حيث مستوى طرحها الفكري، وتفاعلها الواقعي مع القضايا الاجتماعية، وجمالياتها، وتمويلها، إلا أن الهدف من كل ذلك في النهاية كان تحقيق الربح من خلال بيع التذاكر وإرضاء الجماهير الغفيرة.
أدت الإنتاجات التي تستهدف الإشادات النقدية والجوائز في المقام الأول إلى التمييز بين السينما التجارية والسينما “الفكرية”، والتي ظهرت في منتصف الخمسينيات. وقد أظهر مسح تاريخي شامل للأفلام المصرية الأكثر رواجًا، سواء التي أثبتت أهميتها بنجاحها في شباك التذاكر وأصالتها أو التي ظلت معروفة على نطاق واسع، أن الأفلام الرائجة تبنَّت خطابات حول النوع الاجتماعي والطبقة والقومية.[7]
***
شكلت الأفلام التي أُنتِجت في مصر خلال فترة ما بين الحربين العالميتين والعقود التالية جزءًا من التكوين التاريخي للحداثة المصرية، وهي حزمة واسعة من التحولات الثقافية والجمالية والتكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.[8] وبالتالي، فإن أفلام لَيلى مُراد هي أحد أشكال الخطاب الذي يعبر عن الحداثة ويتعاطى معها. فبرغم اجتذاب السينما في فترة ما بين الحربين العالميتين للجماهير من جميع الفئات الاجتماعية، فإنها أسست لمعايير الطبقة المتوسطة المصرية تحديدًا.[9] كان إنتاج الأفلام يهدف إلى الترفيه، إلا أنه ساهم في تشكيل الخطاب العام حول النوع الاجتماعي، وجنسانية النساء، وغيرها من القضايا الاجتماعية. وكجميع الأفلام التجارية، كانت له أهمية كبرى في عملية بناء المُركَّب الثقافي للبرجوازية.
أتعاملُ مع أفلام لَيلى مُراد باعتبارها نصوصًا متعددة الطبقات ذات رؤى مختلفة، وأقارن الخطابات الاجتماعية التي تنتشر من خلالها بالحياة التي عاشتها هذه النجمة والتي منحت تلك الخطابات صوتًا وصورة. بمقارنة الحياة الحقيقية للَيلى مُراد كامرأة عاملة ومهنية ناجحة بشخصياتها على الشاشة، أتساءل كيف ولماذا روجت رسائل تعارِض عمل المرأة خارج المنزل ودعت إلى تقييد جنسانية النساء.
***
كانت أفلامها ناجحة تجاريًّا وجذبت جماهير من جميع قطاعات المجتمع. وكغيرها من الفنانات الناجحات، عملت لَيلى مُراد على تطوير مهاراتها باستمرار واستخدام مواهبها لتحقيق الشهرة والثروة. كانت تدرك أن نجاحها يعتمد على وصول أغانيها وأفلامها إلى جمهور عريض وتحقيق أرباح مالية، وبالتالي، لتحقيق أهدافها، كان عليها أن تتعاون بشكل انتقائي مع الأفراد والجماعات والمؤسسات. لم تكن ليلى خاضعة بالكامل ولا حرة تمامًا؛ بل كانت تشارك بفاعلية وتتعاون مع آخرين للظهور في أنجح الأفلام وكسب أكبر قدر ممكن من المال.
يمكن كتابة التاريخ الاجتماعي لأي أمة من خلال تتبع حياة نجومها السينمائيين، حيث تعكس حياة هؤلاء النجوم، وخاصة النجمات الإناث، صورة المجتمع التي يتوافق الجمهور معها.[10] لم يجذب انتباه الباحثين سوى عدد قليل من المطربات العربيات، في حين تظل المسارات الشخصية والفنية للكثيرات منهن مصادر غير مكتشفة لدراسة السياسات الاجتماعية الثقافية العربية.
***
فالدراسات حول الفنانات العربيات ركزت على قدرتهن الاستثنائية ونجاحهن في ترسيخ مكانتهن كرموز ثقافية وطنية.[11] فرسَّخ الباحثون بشكل قاطع دور أم كلثوم (حوالي 1904-1975) وفيروز (1934- ) في بناء الأمة وتقديم أنفسهن كرموز وطنية في القرن العشرين. إن افتراض قصدية هاتين المطربتين فيما يتعلق بدوريهما يتجاهل مساهمة الجهات الاجتماعية الفاعلة الأخرى في تشكيل وضع المرأة في القومية المصرية واللبنانية على التوالي، والثقافة العربية.
أثقَل دور النساء في المشاريع الوطنية كاهل النجمات البارزات بأدوار مَجازية في عملية بناء الأمة.[12] كما جردت الثقافة الاجتماعية الأبوية النساء من جنسانيتهن، فكان على فيروز أن تبالغ في ممارسة أمومتها وأن تعمل بجدية أكبر لإثبات ملاءمتها لمكانها كرمز للأمة.[13] كما ساهمت أم كلثوم، التي يمكن القول بأنها أهم فنانة عربية ظهرت خلال القرن العشرين، في تشكيل الحياة الثقافية والاجتماعية المصرية بطريقة تعزز أيديولوجية الهُوية المصرية وتصبغها بتعبير خاص يُعتبر إسلاميًّا ومصريًّا وعربيًّا أصيلًا.[14]
لكن يجب ألا نُغفِل السرديات التي أعدت المطربات العربيات ليصبحن أيقونات وطنية واستخدمت هؤلاء النساء الموهوبات في صياغة سردية قومية متسقة مع نفسها ومتناغمة. بعبارة أخرى، امتزجت الصور والواقع بعضهما مع بعض بل وربما عرَّف كل منهما الآخر.[15]
***
طوال القرن العشرين وحتى اليوم – بعد عقود من وفاتها – ظلت لَيلى مُراد اسمًا مألوفًا في الثقافة الشعبية المصرية والعربية. تطرح مساراتها الشخصية والفنية ومكانتها التي خصصها لها المصريون من ثقافتهم الشعبية رؤًى حول السياسات الدينية العرقية المُجندَرة لصناعة الترفيه ودور نجوم السينما كوسطاء وأدوات في بناء الأنظمة الطبقية والجندرية والجنسانية. فقد شكَّلَ بناء وتمثيل شخصية لَيلى مُراد من قبل الدولة ومتوسطي الثقافة من الطيف السياسي قصة حياتها بصورة تخدم مصالحهم.
لقد رَوَوا قصتهم عنها، لا قصتها، من خلال عمليات استيعاب للتنقل عبر الصِّلات دائمة التغيُّر بين الدين والقومية المصرية. بسرد قصة صعود لَيلى مُراد إلى قمة النجومية، ثم اختفائها المفاجئ من شاشات السينما، في وقتٍ غير مناسب، روى المصريون نسخهم المتناقضة لتاريخ الدولة والمجتمع المصري الحديث ومحاولاتهم لفهم معنى أن تكون مصريًّا. أتناول هنا سرديات حياة وشخصية لَيلى مُراد في وسائل الإعلام الحكومية والخاصة وفي المشاركات المكثفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا كخطابات عامة حول النوع والعرق ومكانة اليهود في التاريخ والثقافة المصرية الحديثة.
***
وكما روتها هي وآخرون، توضح قصتها الدور الحاسم الذي لعبته الثقافة الشعبية والسينما التجارية ومجلات أخبار النجوم في بناء هُوية مصرية عربية – إسلامية حصرًا. توضِّح قصة لَيلى مُراد كيف تمتد جذور أسلمة المجتمع المصري في فترة أواخر القرن العشرين في وسائل الإعلام العلمانية، وبخاصة الدوريات الفنية ومجلات أخبار النجوم والمعجبين. وكما “عَلمَنت” وسائل الإعلام طقوس الأعياد الدينية،
فقد أضفت أيضًا على شخصيات نجوم السينما صبغة دينية. تقدم قصة حياة لَيلى مُراد متعددة الأوجه فرصة لدراسة كيف تم تشكيل الثقافة الشعبية وإعادة تشكيلها باستمرار من خلال تفسير المصريين للهُوية المصرية والقبول ضمنها أو الإقصاء من حدودها. إن هذه التفسيرات توضح استغلال الثقافة الشعبية في بناء الهُوية المصرية والتعبير عنها فيما يتعلق بالأنوثة الصالحة والعروبة والإسلام.
***
يبين هذا الكتاب كيف نجحت لَيلى مُراد في بناء مسيرة فنية ناجحة وساهمت في تكوين الثقافة الشعبية العربية والمصرية، وكيف ولماذا حولها الآخرون إلى موضوع ضمن عمليات الاستيعاب لبناء الهُوية المصرية المعاصرة باعتبارها عربية-إسلامية حصرًا. إذ تعتمد الهُوية الوطنية على علاقة مرنة ومتغيرة باستمرار بين الذات والآخرين.[16]
كانت لَيلى مُراد نجمة مشهورة ويهودية اعتنقت الإسلام في ظل قتامة الأوضاع بعد الحرب العربية الإسرائيلية الأولى. وازدهرت مسيرتها الفنية المُبهرة في ظل النظام الملكي ثم منحت صوتًا غنائيًّا للضباط الأحرار الجُدد أثناء صعودهم إلى السلطة بعد يوليو 1952؛ ثم انتهت مسيرتها بعد فترة وجيزة من استقرار السلطة في يد ناصر، إثر العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956.
Joel Gordon, Nasser’s Blessed Movement: Egypt’s Free Officers and the July Revolution (Oxford: Oxford University Press, 1992).
[2] Joel Beinin, The Dispersion of Egyptian Jewry: Culture, Politics, and the Formation of a Modern Diaspora (Cairo: American University in Cairo Press, 2005), 75.
[3] Barbara Merrill and Linden West, Using Biographical Methods in Social Research
(London: SAGE, 2009), 1.
[4] David Nasaw, “AHR Roundtable Historians and Biography: Introduction,” American Historical Review 114, no. 3 (June 2009): 573–578, here 573; Peter Ackroyd, Lon- don: The Biography (London: Chatto & Windus, 2000), 2.
[5] Barbara Caine, Biography and History (London: Palgrave Macmillan, 2010), 7.
[6] Miriam Hansen, “The Mass Production of the Senses: Classical Cinema as Vernacular Modernism,” Modernism/Modernity 6, no. 2 (1999): 59–77, here 63.
[7] Viola Shafik, Popular Egyptian Cinema: Gender, Class, and Nation (Cairo: Ameri- can University in Cairo Press, 2007).
[9] Walter Armbrust, “The Golden Age before the Golden Age: Commercial Egyptian Cinema before the 1960s,” in Mass Mediations: New Approaches to Popular Culture in the Middle East and Beyond, ed. Walter Armbrust (Berkeley: University of California Press, 2000), 292–328.
[10] Jennifer Coates, Making Icons: Repetition and the Female Image in Japanese Cinema, 1945–1964 (Hong Kong: Hong Kong University Press, 2016), 33.
[11] Virginia Danielson, The Voice of Egypt: Umm Kulthum, Arabic Song, and Egyptian Society in the Twentieth Century (Chicago: University of Chicago Press, 1997); Ifdal Elsaket, “The Star of the East: Umm Kulthum and Egyptian Cinema,” in Stars in World Cinema: Screen Icons and Star Systems across Cultures, ed. Andrea Bandhauer and Michelle Royer (London: I. B. Tauris, 2015), 36–50; Sherifa Zuhur, Asmahan’s Secrets: Woman, War, and Song (Austin: University of Texas Press, 2000); Christopher Stone, Popular Culture and Nationalism in Lebanon: The Fairouz and Rahbani Nation (New York: Routledge, 2008);
منى أحمد غندور، (سلطانات الشاشة: رائدات السينما المصرية (بيروت: دار رياض الريس للكتب والنشر، 2005.
[12] Stone, Popular Culture and Nationalism in Lebanon, 12.
[15] Walter Armbrust, Mass Culture and Modernism in Egypt (Cambridge: Cam- bridge University Press, 1996), 3, 21.
[16] Yingjin Zhang, “From ‘Minority Film’ to ‘Minority Discourse’: Questions of Nationhood and Ethnicity in Chinese Cinema,” Cinema Journal 36, no. 3 (Spring 1997): 73–90, here 3–4.
يأتي كتاب «السينما ليه؟» ليُجيب عن هذا التساؤل عبر قراءةٍ تتجاوز حدود التخصصات، كاشفًا كيف يتحول الفضاء العمراني في مصر إلى مسرحٍ حيٍّ للهوية، وكيف تغدو المدينة «سردية بصرية» تتنفس معنا. وعلى ضوء هذه الرؤية، ينسج محررا «عمر زهران» و«طاهر عبد الغني» خارطة طريقٍ لمجالٍ بحثي ناشئ، تتجاوز فيه السينما دورها الترفيهي، لتصبح أداةً فاعلةً لصناعة الوعي العمراني، وذاكرةً تحفظ التراث من التلاشي والنسيان. اخترنا أن ننشر فصول من الكتاب الذي يصدر خلال أيام عن دار المرايا، ولن يكون متوافرا في معرض الكتاب، بسبب منع الدار من المشاركة في المعرض للعام الثاني على التوالي. هنا. دراسة ممدوح صقر.
المشهد الافتتاحي:
مرّ بي ابني بينما كنت أجلس مستمتعا بمشاهدة فيلم (زقاق المدق)، فتساءل ساخراً إذا كنت ما أزال أشاهد أفلام “الأبيض والأسود”؟ لم أنتبه لتعليقه، فتمادى قائلاً: “ما هذا؟ جالستان في سجن؟”. التفتُّ إليه مندهشاً: “سجن؟ أي سجن؟ ألا تعرف المشربية؟”.
“مشربية!” رددها ابني البالغ من العمر واحد وعشرون عاماً باستنكار، وغمغم فيما معناه أنه لا يعرف. تحليت بالصبر وأشرتُ إلى الساتر الخشبي أمامنا والموجود في بيتنا قبل أن يولد هو، وقلت بكل هدوء: “هذه تسمى مشربية”؛ لم ترتسم على وجهه أي بوادر اهتمام. فعاجلته مشيراً إلى معلقة تزين الجدار في نفس الغرفة: “أما هذه فتسمى خيامية”. رد مستنكراً: “خيامية!!!”. أجبته بنفس النبرة الهادئة وبدوت كمن يقرأ من كتاب: “الخيامية فن مصري أصيل تميزت به مصر عن باقي دول العالم، وترجع كلمة خيامية إلى الخيمة…”. انصرف قبل أن أكمل جملتي.
***
تركني وسط دوامة من التساؤلات عما يجعل الشخص منقطعاً بهذا الشكل عن تراثه الثقافي والفني، خاصة إذا كان عاش وتربى في المنزل الذي تغطي نافذته مشربية وتزين إحدى جدرانه قطعة مبهجة من الخيامية. لم استشعر أن هذا القدر من عدم الاهتمام حالة خاصة به، بل اعتبرتها حالة عامة لعدم معرفة وتقدير تراثنا الثقافي، بل وتجاهله عمداً. كم سخر مني هو وأخوه بل وبعض أصدقائي وهم يصفوني بـ “مجنون التراث”.
أيجيب على الجميع التجول في شوارع وأزقة القاهرة الإسلامية والتنقل بين الدرب الأحمر والخيامية لمشاهدة الحرفيين يتفننون في صنع المشربيات وقطع الخيامية؟ أم أن مشاهدة أحد أفلامنا يضع تلك الحرف في سياقها الطبيعي، سواء كانت في ديكورات منازل أصحاب الطبقات المتوسطة أو الشعبية في المدن أو حتى بعض الطبقات العليا في الريف؟ ألا تعوض السينما القصور الحاد في إلمام معظم الشعب بتراثه الفني والحرفي المعاصر وذلك الذي يقاوم الاندثار؟
***
ربما لا يدرك معظم المشاهدين بشكل واعٍ أن معرفتهم وتعلقهم ببعض الحرف التقليدية يرجع إلى أفلامنا السينمائية؛ فمن مشهد مؤثر في أحد الأفلام انطبعت في ذاكرته المشربية، ذلك القاطوع الخشبي، الفاصل الذي لا يفصل تماماً، الساتر الذي لا يستر تماماً، بل يخلق حالة رمادية من الاتصال والانفصال.
فلاش باك….
اسمحوا لي أن أحدثكم بلغة الفن السابع، وأعود بالزمن لأكثر من ثلاثة عقود ونصف، حيث وقفت مشدوهاً أمام التليفزيون أشاهد لقطات للقباب والقبوات والحوائط الطينية والحجرية والمشربيات الخشبية الدقيقة في فيلم تسجيلي عن شيخ المعماريين الراحل “حسن فتحي”. فتحت لي هذه الدقائق آفاقاً واسعة من الجمال. تعلقت بعمارتنا التاريخية والشعبية بعد هذا الفيلم أكثر وأكثر، وازداد تقديري لمفردات الحرف التراثية من أعمال معادن أو أخشاب أو أحجار أو نسيج وخزف من هذا العمر المبكر.
وسؤالي هنا يتلخص في ما إذا كانت السينما المصرية قد قدمت الحرف اليدوية التقليدية بأسلوب واقعي في أكثر الأحيان، أم وقعت في فخ الديكورات الفلكلورية الفجة في بعض الأفلام؟ وبالطبع فإن تقديم وتناول تلك الحرف يتناسب مع جودة العمل السينمائي ككل.
وباستعراض عدد محدود جداً من الأفلام المتميزة في تاريخ صناعة السينما المصرية، باختلاف موضوعات ونوعيات هذه الأفلام، نجد أن الحرف التقليدية قد تم تناولها بأسلوب جيد جداً ساهم في حفظها في الذاكرة الجمعية للمصريين ومد عمرها لعدة سنوات أخرى، رغم تعرض معظم تلك الحرف لخطري الاندثار أو الابتذال في التصميم والتنفيذ والخامات المستخدمة.
أفيش فيلم زقاق المدق.. ويكيبيديا
عودة إلى مشربية زقاق المدق:
كلما ذُكر فيلم (زقاق المدق) انطبعت في خيالي مشاهد حميدة وأمها (شادية وعقيلة راتب) وهما جالستان في المشربية المطلة على الزقاق. شكلت تلك المشربية نظرة البطلة للزقاق بأكملها، وبالتالي رأى المشاهدون الزقاق من خلال فتحات تلك المشربية. تعددت المشاهد بين البطلة وأمها وشكلت المشربية فيها الخلفية، ولكنها كانت خلفية كاشفة لما يجري حولهما في الزقاق. بدت حركات البطلة القلقة كمن اختنقت من ضيق المشربية بل ومن ضيق الزقاق كله وتاقت للخروج لشوارع القاهرة الواسعة.
فيلم زقاق المدق من إنتاج عام 1963، عن قصة لنجيب محفوظ، ومن إخراج حسن الإمام، تدور أحداثه في عام 1944 ويستعرض حيوات بعض ساكني الزقاق التابع لحي الأزهر؛ حي تاريخي كونه قلب القاهرة الإسلامية، ولكنه بلغة السينما وأهلها “حي شعبي”. هكذا صورت لنا السينما منزل إحدى فقيرات الحي -كما كانت تشتكي ابنتها حميدة- بمشربية بديعة تمكن ساكنيه من الإطلال على الحي والاطلاع على أخباره.
***
تقنياً، قد لا تكون هذه المشربية مطابقة للمشربيات الحقيقية وإنما كانت قطعة ديكور سينمائي؛ فكما تراءى للمشاهد، تتكون من قاطوعين جانبيين ثابتين من “الخرط” بينما يتكون المنتصف من فتحة تمكن مستخدمها من الإطلال على الخارج، واستخدمت تقنية “المنجور” في الجزء الأوسط. هكذا جمعت هذه المشربية المحورية في أحداث الفيلم تقنيتين من التقنيات المستخدمة في الأعمال الخشبية، وهما: تقنية الخرط، وتقنية المنجور.
كلا التقنيتين بدأتا وانتشرتا في مصر وتم الاعتماد عليهما لصنع المشربيات أو السواتر الخشبية التي كانت من المفردات المميزة للثقافة الشعبية المصرية. والهدف من هذه السواتر الخشبية هو إضفاء الخصوصية على ساكني المنزل، فلا يمكن رؤية من بالداخل بينما يتمكن السكان من رؤية الخارج، بالإضافة إلى السماح بدخول الإضاءة والتهوية الطبيعية من خلال شكل جمالي.
***
وقد لا يستطيع غير المتخصصين فهم الفارق بين المنجور والخرط باعتبارهما يؤديان نفس الغرض، إلا أن تقنية المنجور أقدم من تقنية الخرط، على الرغم من انتشار الخرط الذي يعرفه الناس بالمسمى غير الدقيق (الأرابيسك). وتكاد تقنية المنجور أن تندثر على الرغم من بعض محاولات الحفاظ والتدريب عليها.
فالخرط -كما يوضح الاسم- هي تقنية تعتمد على “خرط” أجزاء صغيرة من الخشب بمقاسات محددة وتركيبها ببعض لصنع السواتر، أما المنجور فيعتمد على قطع خشبية مسطحة يتم تجميعها على زوايا معينة مما يخلق فتحات مختلفة الأشكال والمقاسات، ولا يتم استخدام الغراء ولا المسامير في كلتا التقنيتين.
هكذا استطاع مهندس الديكور “حلمي عزب” أن يوثق تقنية هامة من تقنيات الأعمال الخشبية، قد لا يستطيع المتجول في أحياء القاهرة رؤيتها بسهولة إلا إذا وقف أمام واجهة الكنيسة المعلقة بحي مصر القديمة، أو حالفه الحظ أثناء تجواله في شارع سوق السلاح بحي الدرب الأحمر.
ملصق فيلم قصر الشوق.. الصورة من ويكيبيديا
مشربيات “بين القصرين” و “قصر الشوق“:
لم يقتصر ظهور المشربيات على فيلم (زقاق المدق)، إذ يكاد لا يخلو فيلم تدور أحداثه في الأحياء الشعبية -أو إذا أردنا الدقة الأحياء التاريخية- من وجود المشربية كعنصر أساسي من طابع وروح المكان. ومن أهم الأفلام التي لعبت فيها المشربية عدة أدوار فيلم (بين القصرين) المأخوذ عن الجزء الأول من ثلاثية أديبنا العظيم نجيب محفوظ، والفيلم من إخراج حسن الإمام وإنتاج عام 1964.
تعددت المشربيات في هذا الفيلم فظهرت كـ “كومبارس” صامت أو ممثل مساعد أو بطل رئيسي. ففي فيلم (بين القصرين) ظهرت المشربيات البارزة في اللقطات الخارجية للحارة مرات ومرات، بالإضافة إلى ظهورها كوسيلة اتصال وانفصال بين بنات السيد أحمد عبد الجواد والعالم الخارجي.
***
كانت المشربية أكثر حنواً على جارتهم “مريم” التي اعتادت الإطلال من فتحاتها بحرية لا تقارن بسجن جارتيها! مشربية بديعة أخرى شهدت لحظات الغرام بين بطل الثلاثية “السيد أحمد عبد الجواد” والسلطانة “زبيدة”. هكذا تعددت رسائل مشربيات مهندس الديكور العبقري “شادي عبد السلام”؛ فأحدهم نقلت لنا حالة الأسر والمنع، وأخرى نقلت لنا حالة حرية نسبية، أما الأخرى فنقلت لنا مجلس غرام يضاهي خيال رسامي حركة الاستشراق.
استأنف الأستاذ شادي عبد السلام استخدامه للمشربية بنفس الذكاء في الجزء الثاني من الثلاثية؛ ففي فيلم (قصر الشوق) إنتاج عام 1967 وإخراج حسن الإمام أيضاً، عبرت المشربية أكثر من أي عنصر آخر عن الحارة أو أحياء القاهرة التاريخية، وكان اختفاؤها من فراغات فيلا حي “جاردن سيتي” -حيث اقتادت أحداث الفيلم كمال- بمثابة الإعلان عن اختلاف السياق الاجتماعي والثقافي. وهكذا باحت المشربية بالكثير في منازل حي قصر الشوق، وباختفائها من لقطات حي جاردن سيتي تماهى المشاهد مع البطل في حيرته واغترابه.
الخيامية… سرادق أفراحنا وأحزاننا:
لم تكن المشربية هي العنصر الوحيد شديد المصرية الذي تم استخدامه في الأفلام، إذ ربما نافستها “الخيامية” في كثير من الأحيان. والخيامية هي من أبرز الفنون التقليدية المصرية، إذ تمثل مظهراً جمالياً وتراثياً متجذراً في الذاكرة الشعبية الجمعية للمصريين.
يقوم هذا الفن على حياكة وتطريز الأقمشة الملونة يدوياً باستخدام خامات قطنية، حيث تُقص الأشكال الهندسية والزخارف النباتية ثم تُخاط بدقة على قماش أساسي ذي لون واحد، فينتج عن ذلك لوحات قماشية ثرية بالزخارف. ولقد ارتبط فن الخيامية بالعصرين الفاطمي والمملوكي في مصر، حيث ازدهرت صناعة الخيام المزخرفة والسرادقات التي كانت تُستخدم في الاحتفالات الدينية وكسوة الكعبة المشرفة.
***
ومع مرور الوقت، تحولت الخيامية من مجرد فن وظيفي لصناعة الخيام إلى فن زخرفي قائم بذاته، ثم إلى رمز بصري للفضاءات الشعبية المصرية. إلا أنه للأسف لم تعد الخيامية التقليدية تستخدم الآن في سرادقات العزاء والأفراح والمناسبات السياسية كالانتخابات، بل تم استبدالها بنسيج مطبوع يتميز برخص سعره الشديد بالمقارنة بالخيامية الأصلية، كما يتميز -وللأسف- بتدني مستويات كلاً من الخامة والتصميمات الزخرفية من حيث الجودة والإتقان.
هكذا كانت الخيامية فناً تراثياً بصرياً غنياً بالدلالات، لم يقتصر على تزيين الشوارع أو الاستخدام في المناسبات المختلفة، بل انتقل إلى شاشة السينما ليؤدي وظائف جمالية ورمزية متعددة. فأصبح وجودها بمثابة خطاب بصري له تاريخ اجتماعي وحضاري متجذر؛ إذ ارتبطت بالمناسبات الدينية والاجتماعية كالأفراح والموالد والجنازات، بل وأيضاً سرادقات الانتخابات والدعاية السياسية.
هذا الارتباط جعلها مادة مثالية للسينما الواقعية التي تسعى إلى تصوير المجتمع المصري بأبعاده المختلفة، والتي تحرص على استدعاء التراث الشعبي داخل الفيلم السينمائي. فهذا التراث البصري، بما يحمله من ألوان صارخة وزخارف متشابكة، شكّل عنصراً خصباً للسينما التي تسعى إلى خلق فضاءات مقنعة وذات دلالات رمزية. فالخيامية ليست محايدة، بل تحمل معها تاريخاً اجتماعياً يربطها بالفرح والحزن والاحتفال والموت، ما يجعلها عنصراً مثالياً للسينما الباحثة عن المصداقية والرمز.
فيلم شيء من الخوف.. الصورة من ويكيبيديا
خيامية عزاءات فيلم (شيء من الخوف):
يُعد فيلم (شيء من الخوف) إنتاج عام 1969 وإخراج حسين كمال، أحد أهم الأفلام السياسية الرمزية في تاريخ السينما المصرية، إذ نجح في تقديم خطاب نقدي مستتر للسلطة عبر قصة رمزية تدور أحداثها في قرية افتراضية يحكمها الطاغية “عتريس”. وأرى أنه من أهم العناصر البصرية التي منحت الفيلم عمقه الرمزي حضور فن الخيامية، الذي لم يُوظَّف كديكور جمالي فحسب، بل كعلامة ثقافية ترتبط بالفضاء الشعبي، وتخدم الرسائل الرمزية للعمل السينمائي.
وعندما استُحضرت الخيامية في (شيء من الخوف)، فإنها لم تُستَخدم بمعزل عن رمزيتها كفضاء جمعي تتقاطع فيه مظاهر الحياة اليومية بالفن؛ فتم استخدامها كجزء من بناء عالم قروي مصري ذي هوية بصرية واضحة، تُجسِّد العلاقة المعقدة بين الفرد والجماعة، وبين السلطة والشعب.
***
في مشاهد الفيلم، يظهر توظيف الخيامية بشكل خاص في الخلفيات التي تواكب التجمعات الشعبية، مثل لقاءات أهل القرية أو في مشهد العزاء. لم تضف النقوش الزخرفية المتعددة طابعاً احتفالياً، إذ كان حضورها في سياق يتسم بالخوف والقمع. فالمشهد المشبع بالزينة التي عادة ما ترمز للبهجة، يهيمن عليه التوتر والرعب نتيجة طغيان “عتريس”.
هنا، تتحول الخيامية إلى أداة بصرية لنقد ازدواجية الخطاب السياسي: المظاهر الاحتفالية أو فراغات تجمع أهل القرية، التي تخفي تحتها واقعاً من الاستبداد. كما منحت الخيامية المشاهد إحساساً بالمكان المصري الأصيل، بعيداً عن الديكورات المصطنعة للقرية.
خيامية أفراح فيلم (خلي بالك من زوزو):
ومن الصراع على السلطة والقهر الذي عايشته القرية في (شيء من الخوف)، تصاحبنا الخيامية ولكن في سياق شديد الاختلاف، حيث يأخذنا حسن الإمام إلى دنيا الراقصات والعازفين في رائعته (خلي بالك من زوزو) الذي قدمه عام 1972، والذي يعد أحد أهم الأفلام الاستعراضية في تاريخ السينما المصرية.
لا يقتصر تميز الفيلم على قصته الخفيفة التي تمزج بين الرومانسية والكوميديا الاجتماعية، بل يتجلى أيضاً في استخدامه الذكي للعناصر البصرية الشعبية، وعلى رأسها فن الخيامية. وُظفت الخيامية في الفيلم كجسر يربط بين ثقافة الشارع المصري الشعبي وبين الخطاب السينمائي التجاري الموجه إلى جمهور واسع.
***
ظهرت الخيامية في مشاهد متعددة من الفيلم، خصوصاً في الاستعراضات التي أدتها سعاد حسني. وفي هذه المشاهد، لم تكن الخلفيات مجرد عناصر ديكورية صامتة، بل لعبت دوراً محورياً في تعزيز الهوية البصرية للعمل. الألوان الزاهية والنقوش المتكررة خلقت فضاءً بصرياً ديناميكياً يتناغم مع الحركة الاستعراضية للممثلة والراقصين. هذا التوظيف منح المشاهد إحساساً بالاحتفال الشعبي.
لم تكن الخيامية في الفيلم مجرد ديكور، بل علامة ثقافية تعبر عن الفضاء القاهري، خصوصاً في الأحياء الشعبية التي كانت تستضيف السرادقات والمناسبات. وحينما تظهر الخيامية خلف البطلة، فإنها تؤكد على علاقة البطلة بجذورها الشعبية، في مقابل محاولتها الاندماج في طبقة اجتماعية أرقى من خلال التعليم الجامعي. هنا، تعمل الخيامية كأداة تذكير مستمرة بالانتماء الطبقي والثقافي للشخصية، وتضفي بُعداً واقعياً على الصراع الدرامي الداخلي.
مشهد النهاية:
في رحلتي القصيرة لرصد الحرف التقليدية في السينما المصرية، طفت بالحارات الشعبية بمشربياتها الخشبية العتيقة، عبرت على سرادقات الأفراح والعزاءات المزدانة بقطع الخيامية ذات الزخارف المنمنمة، وشردت في ريفنا المعطاء قبل أن أمر على بيوت البسطاء من أهل بلدي وأحييهم وأتشارك معهم الأخبار حول أكواب الشاي.
ودعت أديبنا نجيب محفوظ وزملاءه، ومخرج الروائع حسن الإمام وزملاءه وغيرهم الكثير والكثير من أطقم العمل المتعددة في تلك الأعمال الخالدة التي عبرت بصدق عن حالات متنوعة من الوهج والألق الفني الشعبي الحقيقي.
***
لم تكن تلك الأفلام مجرد استحضار لروايات أدبية أو لأفكار كتاب ورؤى لمخرجين فحسب، بل كانت تعابير صادقة عن مجتمعنا المصري بما اعترته وما تعتريه من متغيرات ومشكلات تعصف بأبنائه، فترفع بعضهم للقمة وتهوي بأكثرهم في القاع. ومثلما عبرت تلك الأفلام عن لهجتنا، ذائقتنا، حسنا الفكاهي بل وحتى إيقاع جملنا وصخبنا.
عبرت أيضاً عن فنوننا وحرفنا التقليدية؛ فظهور المشربيات أو الخيامية والحصير والكليم والقلل الفخارية والشموع والصواني النحاسية وغيرها لم يكن ظهوراً فلكلورياً فجاً أو حتى متكلفاً، بل تم استخدامهم في معظم الأحيان استخداماً منطقياً ليعبر ببساطة وحساسية عن أجواء الحارة والقرية وفضاءات أسر الطبقات المتوسطة بل وحتى الأسر المعدمة.
عبرت السينما المصرية بصدق عن فنوننا وحرفنا التقليدية، وما زال المهتمون بهذه الحرف يتلمسون ظهور هذه المشربية أو تلك القطعة من الخيامية بشوق في أحد الأفلام. وكما نستعين بأفلامنا لتأريخ الأحداث والأماكن، ما زال في إمكان الأفلام أن تؤرخ للحرف التقليدية المصرية وتثبت وجود تلك التي اندثرت أو التي شارفت على الاندثار.