باب مصر

الكاتب: . .

  • في صحبة السيد عبدالرحيم القنائي

    في صحبة السيد عبدالرحيم القنائي

    كتبت- هاجر جمال

    يحتفل أهالي قنا كل عام، في مثل هذا الوقت بمولد السيد عبد الرحيم القنائي (1127- 1196م)، المغربي الأصل والنشأة، والذي أقام في قنا حتى وفاته،

    كان موسم الحج العاشر، عندما التقى في مكة بأحد الشيوخ الأتقياء الورعين القادمين من مدينة قوص، عاصمة صعيد مصر، وهو الشيخ مجد الدين القشيري، ودار بينهما حديث، فتعارُف، فأُلفه، وأصر بعدها القشيري أن يصحب شيخنا عبد الرحيم إلى مصر وإلى قوص وقنا، حيث مجتمعها المتعطش إلى علم وفضل أولياء الله الصالحين.

    ويقول الإمام السيوطي في كتاب حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة “وما زال الشيخ يحاوره ويدلل على حججه وعلى أن عبدالرحيم ليس له ما يربطه بمكة والمدينة أحد أو شيء، وأن واجبه الإسلامي يدعوه إلى الإقامة في قوص أو قنا ليرفع راية الإسلام، وليعلم المسلمين أصول دينهم وليجعل منهم دعاة للحق وجنودا لدين الله.”

    إلى قنا

    وافق عبد الرحيم على الرحيل إلى مصر فجاء بصحبة الشيخ مجد الدين القشيري الذى كان يعمل حينئذ إماما بالمسجد العمري بقوص، وكانت له مكانته المرموقة بين تلاميذه و مريديه وكان ذلك في عهد الخليفة العاضد بالله آخر خلفاء الدولة الفاطمية، ولكن عبد الرحيم لم يرغب البقاء في قوص، وفضل الانتقال لمدينة قنا تنفيذا لرؤى عديدة أخذت تلح عليه في الذهاب إلى قنا والإقامة بها، ولأن قوص ليست في حاجة شديدة إليه، فقد كانت وقتها مليئة بالعلماء والفقهاء وكبار المفكرين من أهل الدنيا والدين.

    بعد أن أمضى عبدالرحيم ثلاثة أيام بقوص رحل إلى قنا، حيث التقى بالشيخ عبد الله القرشي، أحد أوليائها الصالحين، فانعقدت أواصر الألفة بينهما وتحابا في الله، وقد ساعد جو قنا الهادئ الشيخ عبدالرحيم على حياة التأمل فأمضى عامين كاملين يتعبد ويدرس ويختلي بنفسه ليتعرف على خباياها ولا يقطع عليه هذا الاختلاء وذاك التعبد إلا خروجه للتجارة، التي يعتمد عليها في معاشه، فقد كان قد اتخذ لنفسه منهاجا لا يحيد عنه طوال حياته، وهو العمل بيده حتى يكسب قوته.

    درَّت عليه التجارة في قنا ربحًا وفيرًا ساعدته على الإنفاق على فقراء الطلاب والراغبين في العلم، وغير القادرين من أبناء المسلمين.

    وقد كان للشيخ مدرسته الصوفية الخاصة، التي تسمح للطرق الصوفية الأخرى بالأخذ منها من غير الخروج على طرقها، إذ كان يقول: إن الدين الإسلامي، دين علم وإخلاص، فمن ترك واحدة فقد ضل الطريق.

    وقد أفاض في شرح نظريته هذه في كتاباته إذ كان يهتم دائما بالحديث عن العلم، إيمانا منه بأن العلم دعوة سماوية ومتممة للعمل، وقد ترك الشيخ عبد الرحيم الكثير من المؤلفات منها تفسير القرآن الكريم ورسالة في الزواج وكتاب الأصفياء وغير ذلك الكثير.

    وبعد تولي الأيوبيون مقاليد الأمور في مصر، عملوا جاهدين على القضاء على المذهب الشيعي السائد في عهد الدولة الفاطمية ونشر المذهب السني، وكانت وسيلتهم في ذلك تولية شؤون البلاد وحكمها لأصحاب المذهب السنى وخاصة المذهب الشافعي، مذهب الأيوبيين الخاص.

    وأصدر الملك العزيز بالله ابن صلاح الدين الأيوبي قرارا بتعيين الشيخ عبد الرحيم شيخا لمدينة قنا، ومنذ ذلك التاريخ أصبح شيخنا يعرف بـ”القنائي” أو قطب قنا.

    تزوج الشيخ عبد الرحيم بابنة الشيخ القشيري وبعد وفاتها تزوج ثلاثة أخريات أنجب منهن تسعة عشر بين بنين وبنات، واستقر الشيخ عبد الرحيم القنائي بقنا، بعد أن تولى شياختها وكان مركزه زاوية بجانب ضريحه الحالي يجتمع فيها بالوافدين عليه من كل مكان، حتى توفى سنة 592 هجرية بعد أن عاش نحو 70 عامًا.

     

  • حلوى الصعايدة.. “الجلاب” صناعة حصرية في نجع حمادي

    حلوى الصعايدة.. “الجلاب” صناعة حصرية في نجع حمادي

    الجلاب.. نوع من الحلوى ارتبطت في أذهان المصريين بنجع حمادي، لأنها المدينة الوحيدة في مصر التي يصنع فيها الجلاب، والغريب في الأمر أن كل محاولات نقل هذه الصناعة خارج نجع حمادي باءت جميعها بالفشل، أو بالأحرى الفشل الذريع، إذ إن هناك قرية واحدة فقط بمركز نجع حمادي هي المصنعة للجلاب وهي قرية القناوية، حيث تنفرد القرية بصناعتين تتميز بهما عن باقي القرى، أحدهما “الجلاب” والأخرى الليمون.

    “ولاد البلد” ذهبت إلى القناوية، والتقت صاحب أحد مصانع الجلاب، ويدعى سعد حسن محمد على، معلم، للتعرف على أصول المهنة وكيف ورثها عن أبائه منذ 25 سنة، حتى أصبحت ماركة مسجلة بنجع حمادي.

    في القناوية؛ حيث يصنع “الجلاب” بدأنا بزيارة المصنع المخصص لإنتاج هذه الحلوى النجعاوية، وهو عبارة عن قطعة أرض مساحتها حوالي قيراط، وبها أحواض وأوان كبيرة، ويعمل به حوالي 5 عمال بأدوات شديدة البدائية والقدم.

    يقول سعد علي، صاحب المصنع، إن عملية التصنيع تبدأ بإحضار نوع من العسل الأسود غير المطهو جيدًا، فهو نوع أخف من النوع المعروف المتواجد بالأسواق، ويوضع في أوعية كبيرة مصنوعة من النحاس، وتلك الأوعية نسميها (النحاسة) وهو الاسم الذي يطلق على مصنع الجلاب، وفي النحاسة يغلى العسل مع التقليب المستمر، حتى يصل إلى مستوى معين من اللزوجة، وهذه تكون المرحة الأولى لصناعة الجلاب.

    مراحل التصنيع

    أما المرحلة الثانية، بحسب صاحب المصنع، ففيها يتم نقل العسل بواسطة “مغرفة” عريضة من الصاج تسمى (الخوجة) إلى وعاء آخر يطلق عليه اسم (المحلب) ويوضع العسل مرة أخرى في درجة حرارة عالية مع التقليب المستمر بأداة تسمى (المضرب) حتى يصل إلى درجة أعلى في “السُمك” أو اللزوجة، ثم يضاف إلى العسل نسب معينة من بيكربونات الصوديوم، وهي تضاف بنسب قليلة جدا، وتختلف النسبة على حسب حجم الجلاب، وبعد إضافة بيكربونات الصوديوم يقلب لمدة نصف دقيقة بالضرابة أو المضرب.

    وعن سبب إضافة بيكربونات الصوديوم؛ يقول إنها تسبب زيادة في الكمية مع خفة الوزن، كما أنها مادة تعطي الجلاب اللون الفاتح المعروف.

    ويكشف “سعد” عن أن هذه الإضافة هي الوحيدة التي طرأت على صناعة الجلاب، فهي لم تدخل في هذه الصناعة إلا منذ 40 سنة فقط، أما عن باقي الخطوات والأدوات، وحتى مسمياتها فقد توارثناها عن أجدادنا بنفس الكيفية.

    ويتابع أن المرحلة الثالثة والأخيرة، يتم خلالها صب الجلاب الخام في قوالب فخارية ليأخذ الشكل الأسطواني الشهير، وعن تلك الأواني الفخارية، يقول إنها تصنع في أماكن خاصة، ويجب أن تغسل جيدا قبل الصب فيها لنحافظ على نظافة المنتج وحتى لا يلتصق بالفخار.

    ومن خلال جولة “ولاد البلد” بالمصنع؛ عرفنا أن هناك 6 أحجام من الجلاب، كل على حسب سعره، أما عن المكيال المتعارف عليه في هذه الصناعة، فهو كما يطلقون عليه (الصفيحة) نسبة إلى صفيحة العسل الأسود، وتختلف أحجامها تبعا لعدد القطع، حيث تبدأ من 150 قطعة بزيادة 50 على كل صفيحة أكبر، والحد الأقصي لها 400 قطعة، وذلك كله يكون تبعا لحجم القطعة ذاتها.

    الغريب أننا لم نر أية صفائح في المكان، وعندما سألناه عنها قال “دي برضه من المسميات التي ورثناها فى المهنة” فالجلاب ينقل إلى مصر في أقفاص مغلفة بالورق.

    صناعة حصرية

    وعند سؤال صاحب المصنع عن إمكانية نقل هذه الصناعة خرج نجع حمادي، ضحك قائلا “دي مهنة لو طلعت بره النجع نموت” فقد كانت هناك بعض المحاولات ولكن قدر لها الفشل، لعدة أسباب منها: أن ليس كل أنواع القصب يصلح عسلها للجلاب، كما أن التربة التي يزرع فيها القصب تتحكم فى نوعية العسل الذي يصلح أن يكون جلابًا، بالإضافة إلى عدم وفرة الصنايعية الذين قل عددهم بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة.

    وتابع أن الصناعة في حد ذاتها تقلصت في الفترة الأخيرة، مما دعى كثير من عمالها لتركها والعمل في مهن أخرى أكثر ربحا، ففي السابق كانت تلك المهنة مربحة، لكن الآن “يدوب تجيب مصاريفها” وذلك بسبب زيادة أسعار العسل، وبيكربونات الصوديوم، والسولار، ويوميات العمال، مما أدى إلى رفع سعر المنتج، مما أصاب السلعة بالركود، بالإضافة إلى أن صناعة الجلاب تبدأ في شهر نوفمبر، وتنتهي في شهر مايو، وتلك الفترة هي موسم القصب وباقي السنة يغلق المصنع أبوابه حتى الموسم المقبل.

  • المخول | أداة تخزين الحبوب.. من المصري القديم إلى الألفية الثالثة

    المخول | أداة تخزين الحبوب.. من المصري القديم إلى الألفية الثالثة

    كتب: محمد فكري

    بشنس يكنس الغيط كنس” هكذا يقول المثل المصري القديم، و”بشنس” هو أحد الشهور القبطية “9 مايو – 7 يونيو” الموروثة عن أجدادنا المصريين القدماء والمرتبطة بالزراعة، طبقًا للأرشيف المصري للحياة والمأثورات الشعبية. وفي هذه الفترة من ذلك الشهر تكون الحقول خالية من المحصول، والنبات القديم، بعد أن تم حصاده ونقله إلى المخول أو المقطوع.

    وبالرغم من دخولنا الألفية الثالثة وتطور طرق تخزين الغلال، يظل “المخول” أو “القاطوع” كما يطلق عليه في مدينة دشنا، شمالي قنا، وهو وسيلة تخزين الغلال الأساسية في كثير من قرى المركز.

    المخول يمتد لآلاف السنين

    لم تكن صوامع الغلال ابتكار هذا العصر، وإنما تمتد جذورها لمئات السنين منذ عهد المصريين القدماء، الذين دفعتهم الحاجة إلى تخزين الحبوب في سنوات الجفاف، وخصوصًا القمح إلى بناء صوامع تُخزن فيها وتحافظ على جودتها، وظلت هذه الصوامع هي الطريقة المُثلى لتخزين الحبوب في كل أراضي الشرق منذ زمن سحيق.

    يصف خالد محمد، مزارع، الشكل الهندسي للمخول قائلا “هو غالبا ما يكون دائري أو مربع الشكل، يبلغ ارتفاعه متر ونصف المتر إلى مترين، وله فتحتين في أعلاه لوضع الحبوب، وأخرى في الأسفل للسحب منها قدر الحاجة”.

    صناعة المخول

    ويتابع بأن المخول مصنوع من الطين المضاف إليه كميات قليلة من التبن أو روث البهائم.. وتستغرق عملية البناء من يوم إلى ثلاثة أيام على مراحل متعددة.. وتسمى كل مرحلة منها “طوف” حتى الانتهاء منه بنائه.. ويوضع بعد ذلك على أسطح المنازل أو أمام الغرف.

    ويقول محمود عبدالسلام، مدرس لغة عربية، إن سبب إطلاق لفظ المخول على صوامع الغلال في كثير من قرى الصعيد.. هو الارتباط اللغوي بين قولهم “كريم الأخوال”. ويوصف به الشخص ذو الأصل الطيب ونسبه الشريف.. ولما كان “المخول” تخزن فيه أثمن المحاصيل وهو “القمح” جاءت التسمية.

    مكونات المخول

    ويتابع عبدالسلام على الرغم من أن “المخول” كان يبنى من مواد ليست ذات قيمة.. إلا إن ذلك لم يمنع الأهالي من رفع قيمته حتى صاروا يضربون به الأمثال في الأصالة والشرف.. متذكرًا بعض الأمثال منها: عندما يقدم أحد النصيحة لبعض الشباب عند اختياره زوجة له بقوله: “كل في مخول نضيف”. ويعني به أن يتخير المرأة ذات الأصل الطيب والنسب الشريف.

    ويقول أحمد الراوي، مزارع- يبلغ من العمر 90 عامًا، منذ أن كنت طفلًا وأنا أرى هذه “المخاول” في قرانا.. لم تتغير شيئا عن الوقت الحالي.. ولا زلنا نخزن فيها حبوب القمح والذرة طول العام دون أن تفقد جودتها أو يصيبها السوس.

    وسائل للتخزين أخرى

    ويتابع لم يكن “المخول” فقط هو وسيلة التخزين الوحيدة في ذلك الوقت.. بل كانت هناك مخازن أخرى عبارة عن غرف تبنى من نفس مواد بناء “المخاول”.. وتخزن فيها الغلال وتكون خاصة بكبار المزارعين ممن يزرعون مساحات واسعة من القمح.

    ويضيف ياسر أحمد، مزارع، لقد تطورت وسائل تخزين الغلال عن ذي قبل، فلم يعد الكثير من المزارعين يعتمدون على المخاول في تخزينها مع ظهور المباني الحديثة والأجهزة المتطورة، والتي لا يتناسب معها وجود “المخول” المصنوع من الطين وروث البهائم،، مشيرًا إلى أن لجوء بعض  المزارعين إلى تخزين الحبوب في جوالات أو وضعها في غرف ذات أرضية أسمنتية أو من السيراميك.

    أنواع المخاول

    ويفرق ياسر بين نوعين من “المخاول” قائلا: “إن المخول لا يطلق على صومعة الغلال فقط، وإنما يطلقه بعض الأهالي على المكان الذي يوضع فيه الطعام للبهائم من أعلاف وغيرها، ويكون أقل حجما من مخول تخزين الحبوب”.

    ويرجع تمسك بعض أهالي القرى إلى تخزين الحبوب في هذه “المخاول” إلى ضيق الأحوال المعيشية وصعوبة بناء صوامع أو غرف تخزين حديثة من ناحية، ولتمسك بعض الناس بها، باعتبارها عادة توارثوها عن أجدادهم، من ناحية أخرى.

  • الساحة الرضوانية في الأقصر تحتفل بمولد العارف بالله أحمد رضوان

    الساحة الرضوانية في الأقصر تحتفل بمولد العارف بالله أحمد رضوان

    كتبت- أسما البتيتي:

    مولد العارف بالله الشيخ أحمد رضوان، هو احتفال ديني يقام بالساحة الرضوانية في الأقصر،  بجانب ما تقيمه الساحة من احتفالات دينية في ليال عدة، منها: ليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وليلة القدر، وغيرها.

    وتحتفل الساحة هذه الأيام بمولد العارف بالله الشيخ أحمد، يقول الشيخ محمد رضوان، حفيد العارف بالله، في المولد، الذي يعد احتفالًا اسلاميًا كبيرًا، يجمع أكابر أهل العلم وأهل الصلاح وأهل التقوى من داخل مصر وخارجها، ليحتفلوا كل عام بذكري من رجال أهل الله.

    ويتابع أن الاحتفالات بذكرى العارفين وذكرى آل بيت النبي، وذكري الصالحين، هي بمثابة إحياء للقلوب، لأن هذه الاحتفالات ليست مجرد اجتماعات فقط ولكنها مجالس علم وحكمة مجالس تربية وأخلاق مجالس تراجم مسموعة لرجال أهل الله، لنتعرف علي سيرة حياتهم لعلنا ننتفع بها.

    ويصف أن أهل الله قوم أحبوا الله فانعزلوا عن الناس في صوامعهم وخلواتهم، إلا إنهم في الوقت نفسه شاركوا الناس في أحزانهم وأفراحهم، أجسادهم معنا وقلوبهم مع ربهم.

    رضوان يضيف أن العارف بالله تاريخه العريق معروف كان مجلسه يضم الأكابر من أهل العلم والتقوى والصلاح في مصر وخارجها، من بينهم الأمام الأكبر شيخ الأزهر الأسبق الشيخ عبد الحليم محمود، والذي يتزامن مولد الشيخ أحمد رضوان مع ذكرى مولده، خلال الشهر الحالي.

    كما ضم مجلسه أيضًا الشيخ أحمد حسن الباقوري، وكيل الأزهر الشريف، وقائده في ثورة 1919، والشيخ أحمد ذكي ابراهيم الملقب بـ”أبو البركات” وأيضًا الشيخ صالح الجعفري، والشيخ إسماعيل صادق العدوي، إمام وخطيب المسجد الأزهر.

    كذلك كان يصحب الشيخ كبار رجال الدولة، كأن الله جعل له في قلوب الناس العزة والكرامة، فكان محبوبًا من كل طوائف المجتمع، بل كان مولانا له علاقات وصلات بعلماء القطر الإسلامي في خارج مصر وكانوا دائمًا يزورنه ويسألونه في المهمات ويتبركون به ويسألونه عن العلم والدعاء.

    وأختتم حفيد آل رضوان حديثه بأن  في الساحة الرضوانية المباركة يحتفل رائد هذه الساحة الشيخ زين العابدين أحمد رضوان بإحياء ذكرى مولد أبيه الشيخ أحمد رضوان في كل عام في مثل هذا الوقت من السنة، ويجتمع في هذا المولد أحباب الساحة الرضوانية وأحباب الله من جميع البلاد ومن جميع المحافظات.

    وتتنوع فعاليات الاحتفال ما بين قراءة القرآن وسماع خطب الوعظ والإرشاد من العلماء والتواشيخ الدينية إلى جانب تقديم الطعام في الغداء والعشاء لكافة الضيوف مهما كانت أعدادهم.

  • “العديد”.. فن الرثاء العتيق

    “العديد”.. فن الرثاء العتيق

    كتبت- مريت أمين، آلاء عبدالرافع
     تصوير- أحمد دريم:

    “ودا قبر مين اللي البقر هده؟.. دا قبر الغريب اللي هجر أرضه، ده قبر الغريب اللي هجر ناسه”.. بملابسهن السوداء المتربة، ووجوههن الشاحبة من “اللطم” تردد النساء هذا الكلام الذي يعرف بـ”العديد”.

    (اللطم هو ضرب الوجنتين بالكفين) تعلو أصوات المعددات في بيوت قرى الصعيد، معلنة عن حزنها الذي يمزق القلوب، على فقيد البيت.

    العديد هو “رثاء شعبي”، و”نغم حزين” يحرض علي البكاء، وينشط الذاكرة عن الفقد بشكل عام، وهي من العادات القديمة في قرى الصعيد، ومازالت مستمرة نسبيًا، وكان العديد مهنة تمتهنها سيدات محددات يمارسن نشاطهن في المآتم، لقاء أجر يتفاوت قدره حسب الحالة الاقتصادية للمتوفى.

    هل العديد من شعر الرثاء

    تجولت “ولاد البلد” بقنا لتجيب عن سؤال كيف أصبحت تلك النساء “معددات” وهل “العديد” من شعر الرثاء أم هو من تراث الصعيد؟

    “الجزارة”، واحدة من أشهر المعددات وأكبرهن عمرًا في قنا، تقول منذ فترة طويلة توفي زوجي وأبنائي، ما عدا ابنى الوحيد، الذي لم يتبق لي غيره، ومنذ ذلك الوقت والحزن استقر في قلبي، ربما كان ذلك أهم الأسباب التي جعلتنى أمتهت “العديد” منذ 30 عامًا، فعندما أجلس صباح كل يوم أمام أرضي المزروعة، تتهادى إلى خاطري الجمل الموزونة، دون أن أرتب لها.

    بعض المعددت يأتين من باب المجاملة

    أبني دائمًا يخبرني أن التعديد حرام، ويهددني بأنه سيقاطعني إن لم أكف عنه، لكن الأمر ليس بيدي، فأنا أجد نفسي أبدأ صف الجمل والتعديد في كل عزاء، ولا أتقاضى أى أجر على هذه المهنة، فقط أجامل بها أقاربي وأهالي قريتي، وأفرغ الجمل التي استلهمتها.

    المعددات في الجنازات

    الحاجة سنية، 71 عامًا، تقول إن المعددات كان دورهن في الجنائز قديمًا، استثارة مشاعر الحزن عند المعزيات في المأتم، وتأخذ أجرها  بعد الأربعين، وما يعتبره أهل المتوفي ثوابا وزكاة، وأحيانًا تأتي المعددات في العزاء لتردد كلماتها، وترحل دون أن يعلم أهل العزاء من هي، فقط تأتي لتشاركهم حزنهم.

    أما خالد سعيد، مدرس، يقول إن المعددات نساء مررن بأحزان كثيرة حتى أصبح العديد وإثارة الأحزان مهنة لهن، ويرى أن “العديد” هو فن شعبي أقرب إلى شعر الرثاء.

    أحمد عبد الغني، صاحب دراسة العدودة في الصعيد، يقول إن جذور العدودة ترجع إلى مصر القديمة، إذ صُور علي الجداريات في المقابر الملكية في عدة عصور فرعونية منظر خروج “الندابات” مع أهل المتوفي، لوداعه وهن يرتدين السواد ويهلن التراب على أجسادهن، ويرددن الأناشيد التي تعدد من مآثر الميت وتدعو له، موضحًا أن المصري القديم كان يعتني بالمتوفى في كل مراحل الجنازة، وتمريره علي طقس التحنيط لحفظ جسده من التحلل قبل الدفن، وفق معتقد البعث بعد الموت.

    عادة توارثتها الأجيال

    ويضيف أن العادة امتدت إلى العصر القبطي وتوارثتها الأجيال حتى صارت من طقوس المآتم وخاصة في صعيد مصر، وقد اندثرت تلك الطقوس في المناطق الحضرية، بينما ظلت حاضرة على استحياء في بعض قرى محافظات سوهاج ، وقنا، والأقصر.

    يتابع أنه قديمًا كانت مهنة العدودة مهنة تمتهنها بعض السيدات في الصعيد نظير أجر، وكان هناك نحو 12 نوعًا من العديد، الذي يُرثى به المتوفي أو المتوفية، حسب وظيفته، أو عمره، أو مكانته الاجتماعية.

    المعددت يلقين جملًا موزونة تثير الحزن

    العدودة شعر شعبي

    أما الشاعر عربي كمال، فيقول إن العدودة شعر شعبي.. وهو يعبر بعفوية عن الحزن والفقد.. كما أنه قريب الشبه بشعر “ابن عروس” وإن اختلف المضمون.

    كما أن العدودة فن يلازم مزاج المصريين في الصعيد في حالات الوفاة. ويعبر عن مكنون المجتمع.

    ويضرب كمال المثل بتفضيل الذكر عن الأنثى حتى في العدودة.. وذلك في قولهم:

    مال الولية نعشها بيميل / ما لهاش ولد بين الرجال بيشيل

    مال الولية نعشها مايل / مالهاش ولد بين الرجال شايل

    وكذلك قسوة الغربة في قولهم:

    وده قبر مين اللي البقر هده؟ / ده قبر الغريب اللي هجر أرضه

    ده قبر الغريب اللي هجر ناسه.

    العديد يحتوي شاعرية مدهشة

    ويرى أن العدودة تحوي شاعرية مدهشة ومؤلمة في الوقت ذاته.. خاصة أنها خلاصة تجارب المجتمع الصعيدي.

    كما أن العدودة رغم أن فن شعبي، إلا أنها خضعت لقواعد الوزن والقافية، وتصنف شعرًا غنائيًا رغم سوداويته.

    ومهنة المعددة محصورة على الجنائز لقاء أجر. وهي مهنة تكاد تندثر وإن بقيت بعض السيدات في القرى النائية.. التي يمارسن “العديد” من باب المجاملة الاجتماعية لأهل المتوفى.

  • مولد الشيخ صايم أبو مدين وسر رائحة الياسمين

    الشيخ صايم أبو مدين، هو أحد الأولياء الصالحين، من مركز أبشواي بمحافظة الفيوم، كان يلقب بـ”أبو مدين”، ويقع ضريحة وسط المدينة، بجوار مسجد الصايم.

    لا أحد يعرف تحديدًا مولده، إلا أن حفيديته فاطمة الصايم، السيدة التسعينية، ترجح أن وفاته كانت قبل 250 عاما.

    “ولاد البلد” تلتقي بأهالي المركز لنتعرف علي ضريح الشيخ صايم.

    يقول حسن إمام الطويل، أحد أهالي منطقة مسجد الصايم، إن المسجد قديمًا كان يضاء بالفوانيس، وكان الشيخ صايم أبو مدين يرتدي عباءة بيضاء وشال أبيض، وبيدة اليمنى فانوس مضيء، يلف به حول المسجد ويردد أذكاره والأحاديث نبوية.

    ويستكمل الطويل “بداية بناء المسجد كان بالجهود الذاتية وهو تابع لعائلة الصايم، ونذر المولد كانت تأخذة العائلة وتوزعة على كل منزل منهم كل شهر، إلا وبعد وفاة الصايم ضم المسجد لأدارة الأوقاف وهى المسؤلة الأن بالنذر تقوم بتوزيعة على العاملين بالمسجد.

     

    ويشير الطويل أنك عندما تقترب من المسجد تشتم دائما رائحة تشبة بـ”رائحة الياسمين” تنتشر دومًا ثلاث أيام الأحتفال بالمولد ويعتقد بعض الناس أنها مثل الرائحة التي كان يعطر بها الشيخ صايم.

    ويتابع الطويل من كرامات الصايم، إذا شعر الناس بالمرض كانوا يترددون إليه حتى يشفيهم الله من المرض، وعندما يمرض البعض يأتون المسجد لمقابلة الشيخ فكانوا يشفون بالفعل وهذا ما حُكي عنه من الأباء والأجداد، وكان يتردد إلية كثير من الناس في البلاد.

    كراماته الأربعة

    نعود لحفيدة الشيخ، فاطمة مدين الصايم، تقول إن الشيخ صايم كانت هناك بعض العائلات بمدينة ابشواى لم تكن تعترف بة، الا ان حدثت له أربع معجزات أثناء الأحتفال بمولدالصايم فى أول مولد له.

    وتحكي فاطمة عن بعض المعجزات التي سمعتها منذ الصغر من أهالي المركز “جاء عسكرى لم يعترف بالشيخ وفي وسط الاحتفال  رفع يدة وقال “خراب يا مولد الصايم خراب” فشلت زراعية في الوقت ولم يتمكن من رفع يديه إلا بعد أن قال “عمار يامولد الصايم”.

    وفى عام آخر من المولد أثناء الذكر استهزأ بعض الأهالي بالصايم وذبحوا له كلب وأحضروه له على أنه خروف مشوي، فقال الشيخ للذبيحة “قم بأمر الله ونفض ودانك” بالفعل قام الكلب ونفض ودانة من وقتها، ليبدأ الأهالي في بناء مقام له داخل المسجد بعد ذلك.

    وتحكي أن شخصًا سرق ماعز من أمام منزل جيرانه واشتكى صاحب الماعز إلى الشيخ صايم، وكان يشك صاحب الماعز في أحد الأشخاص، فأحضره الصايم وسأله هل سرقتها قال لا يا مولانا، فخبط الصايم على بطن الرجل فخرج صوت الماعز.

    ومن كراماته ومعجزاتة أيضًا أثناء تشييع جنازته طار جثمان الشيخ ووقع في مكان بجانب المسجد ودفن به أنشئ مقام له فى هذا المكان لهذا السبب، بحسب ما رواه الناس وما اعتقدوه.

    كلمات الذكر حول المقام

    وتصف نبيلة أبوعميرة، ابنة مؤذن مسجد الصايم، مقام الصايم بأنه ضريح يشبة مقام الحسين والسيدة زينب، وأن داخل مقصورة الضريح هيئة رجل يرتدي عمة بيضاء ملفوفة على رأسة وحولة ستائر باللون الأخضر، وبجانبة صندوق يضع فيه زائرو الضريح نقود.

    وعند الاحتفال بمولد الصايم يلف الذاكرون حول المقام بالشموع ويضعون النذر في الصندوق ويرددون كلمات هى “مدد يابومدين مدد”، “مدد ياصايم مدد” أكثر من مرة واحدة، وبعد الانتهاء من المولد توزع الأوقاف النذور على العاملين بالمسجد.

    ضم المسجد للأوقاف

    وعلى الجانب الأخر، يقول جمال محمد علي، رئيس قسم الإدارة الهندسية بمديرية أوقاف الفيوم، إن مسجد الصايم وضريحه انضم إلى وزارة الأوقاف بالقرار رقم 43 لسنة 74، وتسلمته الأوقاف بتاريخ 1 سبتمبر 1947، ليصبح منذ ذلك التاريخ خاضعًا للوزارة.

    ويوضح أن الضريح مبني بالطوب الأحمر وصحن الضريح مساجته 6 × 8  أمتار تقريبًا، وقد أنشئ المسجد في ستينيات القرن الماضي، أي أن المسجد إنشئ بعد الضريح بمسافة زمنية طويلة، اعتمادًا على ما رواه الأهالي.

  • “سيدى عمر”  بناه “أفندينا” وهدمه مجهول

    “سيدى عمر” بناه “أفندينا” وهدمه مجهول

    استيقظ فجر أمس السبت، أهالي مدينة الحمام على حادثة هدم مجهول، قيل إنه ملثم، لأقدم وأشهر ضريح بمدينة الحمام، الواقعه على بعد 260 كم شرقي محافظة مطروح.

    ضريح “سيدى عمر بو مسلم القاسمي” الذي بني منذ أكثر من 150 عامًا بأمر من “أفندينا”، كما يطلق عليه أهل البادية بمطروح، قاصدين به “الخديوى إسماعيل”.

    الضريح لرجل يحفظ القرآن ويعلمه لغيره من أبناء الصحراء، اشتهر بعدله وحكمته وفعله الخير وتقواه وورعه، هكذا بدأ الشيخ جواد أبومسلم القاسمي، حفيد “سيدى عمر”، حديثه، مضيفًا أن موقع الضريح فى الأصل هو جبانة “مقبرة” اعتدى الأهالي على أرضها بوسط مدينة الحمام ولم يتبق منها سوى “الضريح”، ثم سميت المنطقة والشارع الرئيسي فيها باسمه “عزبة سيدي عمر” فى قلب السوق بالحمام.

    أبومسلم يقول إن “سيدى عمر” من الأولياء الصالحين، وكان المعتقد قديمًا أن يتبارك به الأهالي، فمن العادات القديمة أن تطوف زفة العروس حول الضريح 7 مرات ليلة العرس، إلى أن تزاحمت المنطقة بالمباني فتوقفت هذه العادة.

    كما كانت تقام احتفالات “المولد” في شهر 9 من كل عام، فيحضر الزائرون من بقاع الأرض المختلفة، وتذبح الذبائح وتقام الاحتفالات وتردد التواشيح والابتهالات والدعوات إلى الله، بالإضافة إلى “الحَلُوفة” وهى قيام الطرفين المتنازعين فى أمر بالحلف عند الضريح فكان يُنصر المظلوم ويعاقب الله الظالم في وقت قصير.

    يتابع أن هذه المعتقدات تلاشت مع الزمن واندثرت كغيرها، فكان آخر احتفال بمولد “سيدى عمر” منذ 30 عامًا ماضية، بعدها قلَّ عدد الزائرين إلى الضريح بالتدريج، لكن الزيارات لم تنقطع إلى وقتنا هذا.

    وظل طوال السنوات الماضية “ضريح سيدى عمر أبومسلم القاسمي” قائمًا شاهدًا على تاريخه وعلى حقبة تاريخية ثقافية لأهالي المنطقة، كما ظلت النساء من نفس القبيلة، التي ينتمي إليها “سيدى عمر” يتطوعن بأنفسهن لخدمة الضريح، وفي كل خميس وجمعة ينظفن الضريح ويمسحنه بالمياه ويعطرنه بالبخور، لاستقبال زائرية ومريديه، وهو العمل التطوعي الذى تقوم به الآن سيدة مسنه تخطت الـ60 بأعوام، وسبقتها قبلها 4 نساء بلغن أرذل العمر، في هذا العمل التطوعي حتى توافهن الله.

    ومنذ 10 أيام فقط حدث صدع فى قبة الضريح، فبادر أحفاد “الشيخ عمر” بالاستعانه بفني، لترميمه حتى باغتهم فجر أمس مجهول توجه إلى الضريح يقود معدة ثقيلة “لودر” وحول الضريح إلى حطام، مستبيحا حرمة الأموات.

  • نجيب الريحاني في نجع حمادي

    نجيب الريحاني في نجع حمادي

    قنا- نورهان دسوقي:
    من كاتب حسابات بشركة السكر إلى أشهر فنان في تاريخ السينما العربية
    “نجيب الريحاني” يروي في مذكراته تفاصيل أيامه في الصعيد
    عارضت والدته حبه للتمثيل فتحمل مرارة الفقر من أجل الشاشة الفضية
    ادخر 200 جنيه من الذهب ليجهز نفسه لمقابلة “جورج أبيض”

    ولد نجيب الريحاني في 21 يناير1889م في حي باب الشعرية بالقاهرة لأب عراقي وأم مصرية. وكان والده يعمل تاجر خيول، وعندما تدهورت تجارته اكتفى “نجيب” بشهادة البكالوريا.

    ثم بحث عن عمل يساعد به أسرته، فالتحق بوظيفة كاتب حسابات بشركة السكر بنجع حمادي بالصعيد، حيث كان يتقاضى أجرا يوميا بقيمة ١٦ قرشا.. ما يعادل 4 جنيهات شهريا.

    مقر إقامة الريحاني قديما

    شسكن الريحانى

    قصة نجيب الرحاني

    يقول مهندس عادل أيوب، مدير قطاعات المصانع بشركة السكر، إنه تم تعيين الموظف نجيب الريحاني بمقر الشركة في عام ١٩١٠م في عهد victor herray فيكتور هيرري، رئيس مجلس إدارة شركة السكر، الذي تولي الإدارة في الفترة من 1910 ـ 1939.. وكان عمره آنذاك 21 عاما.. وعمل بوظيفة كاتب حسابات بخزينة المصنع، مقابل ١٦ قرشا يوميا.. وأمضى بها ٧ شهور فقط ليترك العمل بعدها، مضيفا أن الريحاني كان يقيم بفندق العزاب في مستعمرة الشركة، حيث كان الأكل والشرب وأجر الغرفة التي يقيم بها على حساب المصنع.

    دور السينما

    ويروى عبد الصبور عبد اللاه، مسؤول نادي المستعمرة، المكان الترفيهي للموظفين ومن بينهم الريحاني، أن النادى يضم دور سينما وصالة ديسكو وبار، وجميعها على حالها منذ ذلك الحين كان يقام بها حفلات تنكرية وحفلات رقص للأجانب والفرنسيين.

    دعونا نتعرف على مزيد من تفاصيل عمل الريحاني بالمصنع وفترة إقامته بنجع حمادي من خلال تلك السطور التي ذكرها في مذكراته التي نشرتها دار الهلال في الذكرى العاشرة من وفاته بعنوان “مذكرات نجيب الريحاني”.

    فصل الريحاني من العمل

    مذكرات الريحاني

    يحكي نجيب، في مذكراته، عن تجربته القصيرة في شركة السكر.. رغم أن الوظيفة لم تكن طموحه المثالي، إلا أنها وفرت له راتبا جيدا يعينه على تكاليف الحياة.. لذلك كان يسعى بشكل جاد لإثبات كفاءته داخل الشركة.

    وبالفعل أظهر نشاطا ملحوظا، ودام الحال على هذا سبعة أشهر، حتى ظهر ما عكر صفو حاله.. حيث فصل نجيب من الشركة بسبب واقعة سردها بنفسه في مذكراته بخجل واستحياء. قائلا: “كان باشكاتب الشركة رجلا مسنا اسمه (عم. ت). وكان رحمه الله على نياته. وكان مسكني مواجها لمسكنه وقد ولدت هذه الجيرة بيننا اتصالا وثيقا”.

    ويستكمل الريحاني حكايته قائلا “كانت السيدة حرم العم (ت) على جانب كبير من الجمال، وكانت في سن تسمح لها بأن تكون ابنة للعم (ت) وليس زوجة له، وفي ليلة من ليالي الشهر السابع له في الشركة، اضطر الباشكاتب إلى السفر لمصر في مهمة مصلحية، فحدث أن اتفق هو وزوجة العم (ت) على ألا تغلق السيدة بابها الخارجي، حتى يستطيع المرور في منتصف الليل.

    لقاء منتظر

    وتم الترتيب كما اتفقا، وذهبت السيدة إلى مخدعها بعد أن تظاهرت أمام خادمتها أنها أغلقت الأبواب، لكنه لا يدري أي شيطان دفع بهذه الخادمة اللعينة إلى القيام بعد ذلك بإحكام القفل من الداخل، حتى حان موعد اللقاء فتسللت، وما أشد دهشتي حين وجدت الباب موصدا، فاتجهت إلى منفذ في السقف (منور) تدليت منه، ولكن الخادمة استيقظت في اللحظة نفسها، وظنتني لصا يسطو على المتاع، فصرخت بصوتها المنكر، واستيقظ الجيران ووفد الخبراء وألقي القبض علي، وكانت فضيحة، واكتفوا عقبها بفصلي من عملي، فعدت إلى محلي المختار في قهوة الفن بشارع عبدالعزيز”.

    صالة الديسكو

    لم يعد لنجيب مجال في البيت بعد فصله من شركة السكر.. لأن والدته كانت قد ضاقت به بسبب سعيه الدائم للفن وعدم استقراره في الوظائف. فأغلقت بابها دونه ليقضي 48 ساعة لم يذق خلالها للأكل طعما. لا زهدا منه ولا أسفا على شيء.. ولكن لأنه لم يجد وسيلة يكتسب بها ثمن لقمة العيش.

    عودة للعمل

    على أن فصل نجيب من الشركة، بسبب فضيحته مع زوجة رئيسه في العمل.. لم يمنع الشركة من إرسال خطاب إليه بعد فترة تطلب منه العودة لاستئناف عمله مرة أخرى. حيث يقول: بعد فصلي من العمل أقمت بطنطا مع إحدى الفرق الفنية.. وإذا في يوم بوالدتي تطرق الباب، وكان سبب الحضور المفاجئ لها، الذي لم أكن أتوقعه، أنه وصل خطاب لي بعنوان المنزل في القاهرة من شركة السكر بنجع حمادي تدعوني فيه للعودة لاستئناف عملي بها، فجاءت لي بالخطاب لتقنعني بالعودة وهجر التمثيل.

    وربما هنا يدور سؤال: كيف تطلب شركة من موظف طرد منها بسبب فضيحة أن يعود مجددا؟

    يجيب الريحاني عن هذا في مذكراته قائلا “وقع خلاف بين موظفي الشركة والعم (ت) استحكمت حلقاته، ولكنهم لم يتمكنوا منه، ولم يجدوا سببا مبررا لفصله من عمله، فهداهم تفكيرهم إلى استعمال الحيلة كي يحملوه على الاستقالة.

    عودة نجيب الريحاني لعمله

    وكانت الحيلة هي أن يعيدوا الريحاني إلى عمله بالشركة، وعندها يضطر العم (ت) لهجر الشركة”.

    يقول الريحاني: لم أتوان بعد الاضطلاع على خطاب الشركة في جمع أشيائي والعودة سريعا للقاهرة، ومنها إلى نجع حمادي، حيث استلمت عملي وأنا اقسم أني لن أعود إلى التمثيل مهما حدث، وعن علاقاتي بعم “ت” رأى الرؤساء أنه من باب النكاية فيه أن يجعلوه تحت رياستي وأن يكون من اختصاصي مراقبة عمله، لكن العم لم ييأس ولم يتبرم من تصرفاتي، فقررت أن أحسن معاملته وصرنا أصدقاء، واتجهت لإتقان عملي حتى نلت ثقة مدير الشركة ورؤسائي فارتفع مرتبي إلى ١٤ جنيها في الشهر.

    التمثيل مرة أخرى

    نجيب الريحاني

    يقول نجيب “ظللت قرابة العامين هانئا بعيشي وأقتصد من هذا المرتب مبلغا يزيد على مائتي جنيه، وفي عام ١٩١٢م تسلمت وأنا في نجع حمادي خطابا من الأستاذ عزيز عيد يخبرني فيه أن التمثيل ارتفع شأنه وأن الأستاذ جورج أبيض قد عاد من أوروبا وهو ينوي تأليف فرقة”.

    ويضيف “بعد تلاوة الخطاب وازنت بين ما يحويه من مزخرفات ومشوقات، وبين ما أنا فيه من نعمه شاملة وراحة كاملة، وأخيرا فضلت البقاء في نجع حمادي، ولتفعل فرقة جورج أبيض بالممثلين ما تشاء، وبعد وقت بدأت أرى الصحافة تهتم بالتمثيل والجرائد تكتب عن فلان وفلان من زملائي، وكنت اقرأ هذه الأشياء وأنا في نجع حمادي فضعفت قوة المقاومة في نفسي ولم أعد أحتمل البقاء في أقاصي الصعيد، تاركا هذا العالم يفتح ذراعيه لزملائي الأقدمين، فعملت على الحصول على إجازة أقضيها في القاهرة لأرى عن كثب هذا الفن”.

    آخر أيام بنجع حمادي

    ويقول الريحاني “جئت إلى القاهرة بإجازة شهرين، ومعي مائتين من الجنيهات الذهبية الصفراء، وكانت كل ما ادخرته في السنوات الماضية، ورحت أشاهد تمثيل جورج أبيض وأتوسع في الإنفاق هنا وهناك، كمن ينتقم من أيام الجفاف التي أمضيتها في الصعيد، ولم تأت نهاية الإجازة إلا بعد أن أتت على آخر قرش أبيض من قروشي المدخرة للأيام السوداء، وأخيرا اقترضت أجرة القطار لنجع حمادي في الدرجة الثالثة”.

    وبعد عودته بدا يراوده الحنين للفن، فأمضى أيامه بنجع حمادي على هذا الحال وبداخله صراع بين البقاء في أقاصي الصعيد وبين حلم التمثيل بالقاهرة، ولم يجد سبيلا سوى الصبر والتنفيس عن نفسه بالتمثيل والبروفات الفنية بصحبة بعض الأصدقاء.

    فصله من الشركة

    وفى يوم من أيام عام 1914م جاء خطاب لنجيب في مكتبه، وإذ بالمفاجأة، حيث تم فصله من الشركة مرة أخرى، دون ذكر الأسباب هذه المرة، وعندها اضطر الريحاني للرحيل من نجع حمادي وفي جيبه مبلغ 70 جنيها، راتب آخر شهر له بالشركة، ليعود إلى القاهرة ويستأنف مشواره الفني بعد أنا أمضى بالنجع قرابة 5 سنوات منذ عام 1910 إلى 1914م.

  • حسن طوبار شيخ إقليم المنزلة.. انكسر أمامه بونابرت وأهمل آثاره المسؤولون

    حسن طوبار شيخ إقليم المنزلة.. انكسر أمامه بونابرت وأهمل آثاره المسؤولون

    تحرير – عبد الباسط عياش:

    “لا بريق المال يغرينا، ولا عزيز القوم يدانينا، ولا جميل القول يثنينا”، بتلك الكلمات وقف شيخ الصيادين حسن طوبار بالمنزلة، يمليها على كاتبة، قبل أن يرسلها إلى نابليون بونابرت، أثناء الحملة الفرنسية على مصر.

    كانت كل الجهود التي بذلها الفرنسيون لكسب لين هذا الرجل باءت بالفشل، ليصبح حسن طوبار، شوكة في حلق قادة الحملة، حتى ساوموه لتولي أكبر المناصب في مصر، وأرسلوا إليه قافلة محملة بالأموال والذهب، مقابل ترك إقليمي المنزلة ودمياط.

    حسن طوبار أول مليونير مصري

    لم يكن حسن طوبار، أول مليونير عرفته مصر، تغريه هذه المطامع على كثرتها، فهو صاحب أسرة عريقة ترجع أصولها إلى بلاد الشام، تداولت مشيخة المنزلة لعشرات السنين، فضلًا عن الثروة الضخمة التي قدرها الجنرال لوجيه، أحد علماء الحملة الفرنسية، في تقرير قدمه للمجمع العلمي الفرنسي آنذاك، بخمسة ملايين فرانك، بالإضافة إلى أسطول صيد يقدر بـ5 آلاف مركب، بجانب مصانع للنسيج ومتاجر ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية.

    وعندما فرض الفرنسيون سيطرتهم على مصر، ألزموا المصريين بتسجيل كافة الحيازات من وكالات أو خانات أو معاصر زيت أو انتفاع برزق، خلال 30 يومًا لسكان القاهرة، و60 يومًا لبقية مناطق مصر.

    في هذه الأثناء شرع حسن طوبار في مقاومتهم، فكان يذهب بنفسه إلى البلاد والقرى، يحرض أهلها على الفرنسيين، ويطمئن على وسائل الدفاع لدى الأهالي.

    الجبرتي يتحدث عن حسن طوبار

    عبد الرحمن الجبرتي، أحد أهم مؤرخي الفترة، حكى في كتابه “عجائب الآثار في التراجم والاخبار” كيف كان طوبار يشعل الثورة في مختلف البلاد بين دمياط والمنزلة والمنصورة، وبينما كان يثير الأهالي في بلاد البحر الصغير، كان في الوقت نفسه يجمع مراكبه في بحيرة المنزلة لمهاجمة الفرنسيين في دمياط.

    حسن طوبار يواجه الفرنسيين

    لم يمض وقت طويل على دخول الفرنسيين مصر، حتى تحرك أسطول أقوى جيش كان يعرفه العالم آنذاك، يسد منافذ البحر الصغير، ليتلقى الجنرال “دوجا”، قائد الأسطول الفرنسي، رسالة من “كومندان مديرية دمياط”، يعرب فيها عن غضبه من حشد طوبار لمراكب الصيد بالمطرية.

    كانت هذه الحشود كافية، لتوجه الجنرال داماس على رأس قوة من 300 جندي، إلى مدينة المنزلة، ولم تكد القوة تصل إلى الجمالية، حتى فوجئوا بمقاومة شعبية استمرت أكثر من 4 ساعات متواصلة، دفعت الفرنسيين إلى التقهقر عائدين إلى المنصورة.

    الحشد الشعبي

    تيقن قادة الحملة الفرنسية أن طوبار هو  من وراء هزيمتهم في الجمالية، وأيقنوا تمامًا عدم قدرتهم على مقاومة هذا الحشد الشعبي، فقد كان الرجل يملك شعبية جارفة، وأدرك نابليون أهمية المركز الجغرافي الذي يسيطر عليه طوبار، وتحكمه في الممرات المائية بين البحر المتوسط وبحيرة المنزلة، وهو الأمر الذي كان كفيلًا بتسهيل مهمة السفن العثمانية في دخول مصر إذا اتفق طوبار معهم.

    في هذه الأثناء كان حسن طوبار يخادع الفرنسيين عن خططه، وكان على اتصال بإبراهيم بك، أحد زعماء المماليك، الذي كان مرابطًا بفلول جيشه جنوبي الشام.

    آثار الشيخ طوبار

    وفي يونيو 1800، كانت المقاومة الشعبية التي صنعها حسن طوبار من القوة ما يهدد بقاء الحملة، بينما تناثرت الأنباء هناك وهناك عن وفاة شيخ المنزلة، لم تمر أيام حتى نشرت الجريدة الفرنسية “كورييه ديلجيبت” نبأ وفاة الرجل الذي حيَّر الفرنسيين، إثر أزمة قلبية مفاجئة.

    رحل شيخ المنزلة وأخذ معه تاريخًا عريضًا من البطولة. وفي أوائل ستينيات القرن الماضي صدر قرار جمهوري ببناء ضريح للشيخ المجاهد، يضم منضدة وسيفًا مرصعًا بالأحجار الكريمة وبندقية خرطوش، كان يستخدمها طوبار في قتاله، ومصحفًا مكتوبًا بخط اليد، وكتابًا لأحد مؤرخي الحملة الفرنسية، يتحدث عن معارك طوبار وبسالته.

    حفيدة طوبار

    إيناس طوبار، إحدى حفيدات المجاهد، تقول إن عبدالناصر أخذ تلك المتعلقات.. وسلمها لكبير الياوران.. وأمره بتحويل الضريح إلى متحف أثري.. واعتبار قصر حسن طوبار من القصور الأثرية، في قرار جمهوري حمل رقم 2300 لعام 1962.

    وتضيف عقب وفاة عبد الناصر، أهمل الضريح ولم يزره أي مسؤول حتى الآن، وتحول من مكان شاهد على بسالة حسن طوبار، إلى مأوى للحشرات والحيوانات، بحسب وصفها.

    أعمال الترميم

    صرخات عدة بثها آل طوبار للمسؤولين، من أجل إعادة ترميم المقبرة وتحويلها لمزار أثري.. لكن الحقيقة أن الضريح لا يمكن ضمه لعداد الآثار الإسلامية والقبطية.. وفقًا لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1973، والمعدل بالقانون 3 لسنة 2010.. بحسب سامح الزهار، مدير الوعي الأثري والتنمية الثقافية لشمال الدلتا.

    ويوضح الزهار، أن الضريح يتبع المركز القومي للفنون التشكيلة، بقرار صادر من مجلس مدينة المنزلة.. وذلك في 14 نوفمبر 2001.

    ومن وجهة نظره، فهناك مخرج واحد لضم الضريح أثريًا.. وهي “ارتباط المكان بالشخصيات التاريخية”.. كما جرى مع منزل الراحل جمال عبدالناصر، وقصر حسن طوبار الذي تحول إلى مكتبة تتبع وزارة الثقافة.

    تحت نهب اللصوص

    أحفاد طوبار لم ييأسوا وراسلوا عددا من المسؤولين.. مستنكرين تكريم اللواء عمر الشوادفي، محافظ الدقهلية السابق، للبطل الشعبي.. بينما قبره الخاضع للإشراف الإداري من المحافظة مهدم فوق رأسه.

    وتتابع إيناس من المؤسف أن تاتي الوفود الأجنبية مرارًا لزيارة قبر من حطم أحلام نابليون في مصر.. وتجد هذا المنظر البائس، واصفة “إنها لسبه في جبين الجميع”.

    وتضيف استغل الجميع وفاة الرئيس عبد الناصر، ونهب اللصوص كل ما هو غال ونفيس.. وتم هدم القصر، وتقسيم أرضه بين التربية والتعليم وإقامة مجمع مدارس حسن طوبار، ومكتبة حسن طوبار التابعة للثقافة.

    إهدار للمال العام

    واتهم آل طوبار، برلماني سابق في جماعة الإخوان، بالاستيلاء على 878 مترًا من حديقة المقبرة.. أبان حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، وضمها لمسجد الأعجام، دون وجه حق.

    بينما يقول اللواء أحمد عبدالوهاب، رئيس مدينة المنزلة، إن الضريح ملكية خاصة لآل طوبار.. هم المعنيون به وبترميمه وتجديده.

    ويضيف أن الوحدة المحلية لا يمكنها التدخل وترميم المقبرة، حتى لا يهدر المال العام.. مشيرًا إلى أن الجهة الوحيدة المنوطة بالترميم هي أسرة طوبار.. وأن أزمة إضافة جزء من الملكية لمسجد الأعجام، تخص الأوقاف.

    ويوضح عبدالوهاب أن رئاسة المدينة على أتم الاستعداد لمساعدة أسرة المجاهد، وإمدادهم بالمعدات اللازمة لتنظيف الضريح ونقل المخلفات.

    شكوى رسمية

    ويقول محمد حسني، مدير إدارة الفنون التشكيلية بإقليم شرق الدلتا، إنه لم يتلق أية شكاوى رسمية.. بخصوص ترميم المقبرة حتى الآن. مشيرًا إلى أن الطرق الرسمية هي السبيل الوحيد لتدخلهم لحل المشكلة.

    ويوضح أنه يجب أن بتقدم آل طوبار بطلب للمكتبة الثقافية بالمنزلة.. ثم يُرسل للفرع ومنه إلى الإقليم، وذلك حتى يتسنى لهم البدء في أعمال الترميم والنظافة.

باب مصر