باب مصر

الكاتب: . .

  • ياسر منجي يكتب: «قاهرة فاروق».. مشروعات لم ترَ النور وأخرى حُجِبَت (3-3)

    ياسر منجي يكتب: «قاهرة فاروق».. مشروعات لم ترَ النور وأخرى حُجِبَت (3-3)

    المنظومة النحتيّة والتذكارية التي كان من المفترض أن تتضمنها القاهرة خلال عهد «فاروق» لم تقتصر فقط على ما سلفَ ذكرُه من تماثيل، أزيلَ بعضُها ولم يُقَدَّر الاكتمال لبعضِها، بل إنها اتسعت لتشمل مشروعات لتماثيل ونصب تذكارية لم ترَ النور؛ لأسبابٍ أغلبها سياسي، يتعلق بأفول العهد بأكمله مع زوال الملكية عام 1953.

    مِن ذلك ما نشِرَ في جريدة “المقطم” منتصف عام 1950، عن مشروع تمثال لـ«محمد علي» كان مزمَعًا إنشاؤه في القاهرة خلال تلك الفترة(46). ويؤكد ذلك ما ساقته مجلة «آخر ساعة» في العام التالي، بما يفهَم منه نشوب نزاع بين كلٍّ من «محمد محمود خليل» (1877 – 1953)، رئيس «جمعية محبي الفنون الجميلة»، و«عثمان محرم» (1881 – 1958) وزير الأشغال؛ حول تفاصيل كيفيات الإعداد لهذا المشروع(47).

    كذلك كان حال مشروع إنشاء نُصْب تذكاري لتخليد ذكرى الجندي المجهول في حرب فلسطين، والذي رشِّحَت له حديقة “الأزبكيّة” فضاءً مكانيًّا؛ حيث بدأ الترويج له من خلال إعلانه موضوعًا للتسابُق عام 1949، في “مسابقة مختار للنحت” التي أسستها “هدى شعراوي” عام 1935. وفاز بجائزة هذه المسابقة كلٌّ من “فتحي محمود” و”مصطفى نجيب”(48). وكما أن مراجعة ما نشِرَ في الأرشيف الصحفي المواكب للسنوات القلائل الأخيرة في عهد “فاروق”، يكشف عن تواتر الإعلان عن نيّة الشروع في إنشاء نصب تذكارية، ترمز لأفكار مجردة تتعلق بشخصية “مصر” ذاتها، لا بشخوص أفراد.

    ***

    ويتضح من تأمل الأسماء التي أُطلِقَت على هذه المشارع آنذاك، ومن الصور الفنية القليلة التي نُشِرَت لنماذجها المصغرة، أنها تُحيل كلُّها إلى وقائع تاريخية وظروف سياسية ذات صلة ببعض التحولات المهمة التي شهدها عهد “فاروق”. كما يتضح من ذلك أن كلًّا منها كان يتضمن هاجس إنشاء عملٍ صرحي يضارع تمثال “نهضة مصر”؛ وهو ما يتجلى في الأسماء التالية:“مصر الظافرة”، و”مصر المستقلة”، و”مصر المتحدة بوادي النيل”، وهي أسماء أهم ثلاثة مشاريع نحتية وتذكارية جرى التنويه عنها حينذاك(49).

    وفي المقابل، شهدت الفترة نفسها إنجاز بعض المشروعات التذكارية، التي برغم إتمامها لم تحظَ بما يناسب أهميتها التاريخية والفنية من شهرة ودراسة جادة؛ بسبب حجبها عن الأنظار داخل فضاءات مغلقة، يقتصر التواجُد فيها على فئة نوعية من فئات الشعب، وهو ما نراه لونًا من ألوان التخصيص المكاني، الذي ينتُج عنه انحسار الاهتمام شيئًا فشيئًا عن هذه التذكاريات المهمة.

    ***

    ومن أبرز هذه المشروعات التي حجِبَت عن النور، برغم أهميتها الكبيرة: النُّصْب التذكاري لشهداء الجامعة، الذين سقطوا في أواخر عهد “فؤاد”، خلال مظاهرات 13 نوفمبر 1935 (ذكرى عيد الجهاد الوطني)، ثم خلال أيام 14 و16 و17 من الشهر نفسه؛ اعتراضًا على تصريحات “صمويل هور” على إلغاء دستور 23 ودستور 30.

    وقد أعلِن عن البدء في تنفيذ هذا النُّصْب في نهاية عام 1951، على يد النحات “فتحي محمود” والمعماري “فهمي مؤمن”- وهو لا يزال قائمًا داخل جامعة القاهرة إلى الآن – والذي كان تدشينًا لقرار اتخذه “النحّاس” عند زيارته للجامعة عام 1950، بإنشاء نصْب تذكاري يليق بالشهداء؛ حين وجد أن النصْب التذكاري البسيط الأصلي الذي أقيم عام 1935 لتخليد ذكرى هؤلاء الطلاب قد انهار، ولم يبقَ منه سوى عمود حديدي.

    ***

    فقد كان النصْب الأصلي محاولة عفوية(50) جرت في أعقاب (مذبحة كوبري عباس الأولى)، وأقيم خلالها عمود حجري مجَلَّل بعَلَم مصر، فكان احتفاءً وجدانيًّا مباشرًا بذكرى شهداء الطلاب، استغنى بحرارة الموقف واشتعال الوجدان الشعبي عن تنميق الفن ومهارة النحت، ليُحتَفَل بإزاحة الستار عنه يوم 7 ديسمبر 1935.

    النُّصْب التذكاري لشهداء الجامعة، تصوير د. ياسر منجي، 1يوليو 2025.
    النُّصْب التذكاري لشهداء الجامعة، تصوير د. ياسر منجي، 1يوليو 2025.

    وكأن “النحّاس”- بما شاب علاقته حينها مع “فاروق”- قد رمى من وراء قراره ذاك إلى التذكير بالوقائع المماثلة التي جرت في يوم 9 فبراير من عام 1946 (حادثة كوبري عباس الثانية)، والتي سقط فيها شهداء من طلاب الجامعة خلال صدامات مع الشرطة؛ احتجاجًا على أداء “النقراشي” في مفاوضاته مع الإنجليز حول الجلاء، ثم ما تبع ذلك خلال واقعة 21 فبراير 1946، التي سقط خلالها الكثيرون تحت وطأة بطش “صدقي” بعد استقالة “النقراشي”. فكان قرار تجديد ذلك النُّصْب – أو بالأحرى إقامة بديلٍ أكثر منه إتقانًا – تجسيدًا رمزيًّا لهذه الوقائع الدامية القريبة، التي كادت أن تكون نسخة مما جرى سابقًا في عهد “فؤاد” لطلاب الجامعة نفسها.

    ***

    ومما يدل على ذلك، أن “عثمان محرم” وزير الأشغال – المعروف بولائه للملك – أمر بإلغاء المسابقة التي كان قد فاز فيها بالفعل المشروع المقدم من كلٍّ من “فتحي محمود”و”فهمي مؤمن”؛ بحجة أنه “يُظهر مصر بصورة الحزينة على شهدائها”(51). لكن الفائزَين أقاما قضية على وزارة الأشغال أمام مجلس الدولة، انتهت لصالحهما، وقبول وزارة الأشغال بالمشروع كما هو.

    هكذا كان قرار “النحاس” مُناوَأة تذكارية لمحاولات “فاروق” أن يعيد رمزيًّا استحضار فضل أبيه على مشروع تأسيس الجامعة المصرية، بوضع تمثال له في ميدان الجامعة، بخلاف تمثال “عابدين”.  لكن وجود النُّصْب داخل الجامعة، وليس خارجها، أتاح أن يظل الفضاء العام مُفعَمًا برمزية “فؤاد”- ولو لحين – وأن تقتصر رمزية استشهاد الطلاب على الانحصار في فضاء محدود داخل الجامعة.

    إعادة التخصيص: من “قاهرة إسماعيل/ فاروق” إلى “قاهرة البغدادي”

    مع أُفول العهد الملكي بقيام ثورة 23 يوليو 1952، وما تبعها من إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية في 18 يونيو 1953، لم تقتصر وقائع إعادة التخصيص للتماثيل الميدانية والنُصْب التذكارية على ما ذُكِرَ آنفًا بالتفصيل، من إزالة لبعض التماثيل، أو نقلها وإقامة أخرى في موضعها، أو إيقاف مشروعات لما كان بسبيله للاكتمال منها، بل شملت تنويعات مختلفة من إعادة تخصيص بعض ما كان قائمًا منها؛ إما عن طريق إعادة نِسبَتِه إلى العهد الجمهوري، أو بإعادة تكييفه، بصريًّا وإنشائيًّا، وتأويله رمزيًّا بما يناسب خطاب المرحلة الجديدة.

    ويتضح الأسلوب الأول – إعادة النسبة – من خلال ما تم بشأن مشروع لتطوير القاهرة خلال العهد الملكي، كان قد طُرِح عام 1946، ورُوِّجَ له صحفيًّا تحت اسم “القاهرة الجديدة”(52)؛ وكان يهدف لإعادة تخطيط القاهرة تخطيطًا شاملًا، وبناء “كورنيش النيل”، وإحاطة القاهرة بغابة من الأشجار من جانبها الشرقي.

    فبعد إلغاء الملكية بقرابة ثلاث سنوات، جرت إعادة الترويج لهذا المشروع بنفس الاسم، وشُرِعَ في تنفيذه على اعتبار أنه (هدية) من أحد أعضاء “مجلس قيادة الثورة”، وهو “عبد اللطيف البغدادي”(1917 – 1999)، الذي كان يشغل حينذاك منصب وزير الشؤون البلدية والقروية.

    ***

    وكانت مجلة “المصور” في صدارة المجلات التي روجت لهذا المشروع تحت عنوان: “البغدادي يقدم القاهرة الجديدة”، وبُسِطَت تفاصيل الموضوع في تحقيق صحفي ضخم نُشِرَ في 16 صفحة، تضمن تفاصيل المشروعات الرامية إلى إعادة تخطيط القاهرة وتجديدها، والتي كانت تتضمن تفاصيل المشروع الملكي السابق، مع إضافات إنشائية جديدة. واستُهِلّ التحقيق بمجموعة من العبارات المذكورة على لسان “البغدادي”، تحت عنوان:“القاهرة التي أريد أن أهديها لمصر”، من بينها قوله عن “القاهرة الجديدة”:

    أريدها وقد زُيِّنَت ميادينها بآثار أجدادنا وفن أبنائنا، كما زُيِّنَت بالنافورات الجميلة التي تلطف جوها”(53).

    وبصرف النظر عن النبرة الأبويّة التي شابت إشارة “البغدادي” إلى الأعمال الفنية الميدانية بقولِه (فن أبنائنا) – بالنظر لكونه في التاسعة والثلاثين من عُمره آنذاك، وبالنظر إلى أن أغلب النحاتين المصريين المضطلعين بأعمال النحت الميداني كانوا أكبر منه سِنًّا – فإن إشارته الأخرى إلى (آثار أجدادنا) كانت في واقع أمرها تكرار لبعض الاقتراحات التي طُرِحَت في أواخر العهد الملكي، بشأن إمكانية توزيع بعض التماثيل المصرية القديمة في مواقع وميادين مصرية مهمة(54).

    ***

    في سياق هذا المشروع، كان الحديث عن “نُصْب الجندي المجهول”، باعتباره سيكون أحد أهم معالم “القاهرة الجديدة”، والذي يتبين من تفاصيل الحديث أنه سيقام “فوق القاعدة التي أنشِئَت ليعتليها تمثال إسماعيل”، بعد أن تغير اسم الميدان من “ميدان الإسماعيلية” إلى “ميدان التحرير”. كما يتبين أن “البغدادي” اختار تصميمًا بِعَينِه لإنشاء هذا النصب، من بين عدة نماذج صممها أساتذة كلية الفنون الجميلة.

    وكان هذا النموذج بشكل مسلة بثلاثة أضلاع – قيل إن قمتها الحادة ترمز للجمهورية، وإن أضلاعها الثلاثة ترمز لقوات الجيش البرية والبحرية والجوية – ونُقِشَت على الأضلاع أسماء مديريات مصر “التي تغذي الجيش بالرجال”، وأسفل كل ضلع تمثال لجندي يحمل السلاح، وعلى القاعدة الدائرية إطار منقوش بصور “طوائف الشعب العاملة”. وكان من المفترض أن تُدفَن أسفل النصب رفات الجندي المجهول وتوقَد أمام باب القبر شعلة لا تنطفئ(55).

    ***

    وفي الواقع، كانت مسألة إعادة تخصيص قاعدة تمثال “إسماعيل” بالقاهرة بعد انتهاء العهد الملكي مسألة متعددة الأطوار، مهد لها أشخاص كان بعضهم مِمَّن اضطلعوا بأدوار متفاوتة الأهمية في العهد الملكي. ومن هؤلاء: المهندس “مراد فهمي”، الذي كان قد تولى وزارة الأشغال خلال مرحلة حرجة، بين قيام الثورة وإلغاء الملكية؛ حيث شغل المنصب من 6 سبتمبر 1952 إلى 18 يونيو 1953.

    فبعد أسبوعين تقريبًا من تركه المنصب، وبالتزامن مع العيد الأول لقيام الثورة، نشر “فهمي” مقالًا في مجلة “الهلال” بعنوان:“تمثال التحرير كما أريده”، تحدث فيه عن أهمية أن يرمز التمثال  “إلى عهد الثورة والنهضة القومية”(56).

    على سبيل الخاتمة

    على هذا النحو، كان إنشاءُ التماثيل والنُصُب التذكارية، وإعادة تخصيص أماكنها، ومراسم الاحتفال بإزاحة السُّتُر عنه، تأتَلِفُ كلها رمزيًّا، لتعبر عن مُجمَل السياق السياسي المعقد للعهد المَلَكي، الذي تتشابك فيه منعطَفات علاقة مصر بإنجلترا – المحتلة/ الحليفة – بالتحولات الإقليمية والدولية الناجمة عن مستجدات الحرب العالمية الثانية، وتتقَلَّبُ في كَنَفِه مظاهر الصراعات الحزبية، والتغييرات الوزارية، إلى أن طُوِيَت صفحتُه في 23 يوليو 1952، لتستمرّ – برغم ذلك – آثارُ هذه المنظومة الرمزية واضحةً جَلِيّة في معترك الدعاية السياسية للعهد الجديد.

    لقد ظهر جَلِيًّا أن المَلَكِيّة – باعتبارها صيغة الحُكم المهيمن في تلك الفترة – لم تكن هي المنفردة بمقاليد القوة الحاسمة، كي تتمكن من فرض صيغة رمزية حاكمة على الفضاء البصري والحَضَري العام في مصر؛ إذ كانت واحدة من عدة قوى، حزبية، وشعبية، وثقافية، واقتصادية، يعبر كلٌّ منها عن مصالح فئة محددة، وإن كان ينتظمها خطاب وطني عام، يطمح للحاق بمستجدات الحداثة.

    ***

    ويحاول في الوقت نفسه تلوين هذه القفزة الحداثية بسِماتٍ رمزية مستمدة من مرجعيات قومية متعددة (إسلامية – مصرية قديمة – عثمانية – شرقية – أوربية)، أفضَت إلى مزيج من العلاقات الجمالية والرمزية، التي كانت تطَوَّع بحسب السياق لصالح خطابات بعينها، وهي خطابات في أغلبها سياسية بالدرجة الأولى. وفي خِضَمّ هذا التنافُس، كانت محاولة كل فصيل (سياسي بالدرجة الأولى، أو أيديولوجي، أو اقتصادي) تكريس وجوده الرمزي في الفضاء العام.

    ومما يجدُر الانتباه إليه في إطار ما سبق، أن تخليق القاهرة الحداثية/ الأوروبية من رحم القاهرة التراثية/ العربية الإسلامية كان نتيجة المواءَمة بين إرادة فوقية (اشتركت في تبَنّيها للمفارقة كل القوى المتصارعة على السُّلطة آنئذٍ)، وبين رغبة الموهوبين من أبناء الطبقات الأدني في الانسلاخ من السَّمت الفلاحي/ الشعبي/ الشرقي، والتماهي في السمت الغربي -“سعد زغلول”، و”مختار”، على سبيل المثال لا الحصر – حتى وإن ظلت خطاباتهم – على اختلافها – تتخذ من الفلاح رمزًا ومن المصرية خطابًا.

    ***

    ويتضح من تَتَبُّع ظروف إنشاء التماثيل والنُّصُب التذكارية القاهرية التي مَرّ ذكرُها، ارتباطها بالمرجعية الفرنسية بالدرجة الأولى – سواء من حيث منفذيها أو من حيث تأثرها بالأساليب الفرنسية – ثم بعد ذلك بالإيطالية، وحتى في التماثيل والنُّصُب التي نفذها لاحقًا فنانون مصريون، اتضح أثر المرجعية الفرنسية بقوة.

    وهو ما يؤكد حضور الثقافة الفرنسية في نواحي الفنون والإنشاءات التذكارية الميدانية، بدءًا من عهد “محمد علي”، واستمرارًا لنهاية الفترة الملكية. وفي المقابل لم يتضح على الإطلاق أثر يعتد به للثقافة الإنجليزية في هذا الجانب، على رغم سيطرة الاحتلال الإنجليزي على الأصعدة السياسية والعسكرية والإدارية في مصر بدرجة كبيرة؛ وهو ما يدل على أن أثر المرجعية الثقافية كان أشد حضورًا في هذا السياق من أثر النفوذ الاستعماري.

    ***

    وتقطع الوقائع السابق عرضُها بأن جميع القوى المتنافسة خلال العهد الملكي – برغم التناحُر السياسي/ الاقتصادي/ الاجتماعي الدائر بينها – اشتركت في نفس المسلَك الذي دفع بكلٍّ منهما إلى الاستعانة، في البداية، بنحاتين أجانب لتشييد تماثيل رموز كلٍّ منها، قبل استتباب عوامل الجدارة للنحاتين المصريين بدءًا من “مختار”.

    بالتالي فالقوى المحسوبة على الفريق الوطني لم ترَ غضاضة في الاستعانة بالفنانين الأجانب لتكريس رموزها المُتَخَيَّلة في الفضاء العام، والقوى المحسوبة على الفريق المَلَكي لم ترَ لاحقًا غضاضة في الاستعانة بالفنانين المحليين لتكريس رموزها في الفضاء ذاتِه.

    وفي كل الأحوال، لم يكن كلا الفريقين يَصدُران عن مرجعية فنية نقية مائة بالمائة، بل عن مرجعية غربية تحكمها قواعد الإنشاء والإبداع النحتي والتذكاري كما أرساها خطاب الحداثة الغربي في مَحاضِنِه الأصلية. فما حدث في الواقع لم يكن سوى محض (استيراد) لكلٍّ من الخطاب والأداة، ثم إلباسهما لَبوس المحليّة، على اختلافٍ بين الفُرَقاء في اختيار طابع تلك المحلية: إسلامي؟ فرعوني؟ فلّاحي؟ أوروبي مُمَصَّر؟

    ***

    ويتضح بذلك أن تلك المبالغة الوطنية التي نضحت بها كتابات نقاد الفن المصري ومؤرخيه عقب ثورة يوليو، ولا سيّما منهم أنصار الخطاب القومي؛ والرامية إلى تصوير المشهد النحتي والتذكاري كما لو كان مقسّمًا بين فريقين متناحرَين؛ مَلَكي يمثل السراي وحاشيتها وحلفائها من المتوطنين والمستعمرين، ووطني يشمل زعماء الاستقلال ومناصريهم وعموم المدنيين والفلاحين البسطاء؛ كانت في جوهرها مبالغة قائمة على مزاعم لا تؤيدها الشواهد التاريخية.

    هوامش ومراجع الفصل الخامس
    1. الجبرتي، ص52.
    2. جريدة المقطم، العدد 718، 15 /7 / 1891، ص3.
    3. ياسر منجي، 2023.
    4. أحمد شفيق، 2012، ص303.
    5. “المصور”، 5 ديسمبر 1924.
    6. آخر ساعة، 8 سبتمبر 1948.
    7. آخر ساعة، 9 أغسطس 1950.
    8. عبد الرحمن الرافعي، 1957، ص78.
    9. المصور، 1 مارس 1940.
    10. المصور، 9 سبتمبر 1938.
    11. إبراهيم عبد الله المسلمي، 1989، ص205، 206.
    12. المرجع السابق.
    13. مقال “لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة”، 1940.
    14. عبد الرحمن الرافعي، 1947، ص79.
    15. صبري أبو المجد، 1987، ص152.
    16. عبد الرحمن الرافعي، 1947، ص79، 80، 82
    17. علي فهمي كامل، 1908، ص122.
    18. المسئلة الشرقية، ص20، وص45.
    19. ياسر منجي، 2023.
    20. بدر الدين أبو غازي، 1964، ص69، 72، 74.
    21. المصور، العدد 183، 13 أبريل، 1928، ص4.
    22. المصور، العدد 189، 25 مايو، 1928، ص9، 10.
    23. ياسر منجي، 2023
    24. المصور، 4 يونيو 1954.
    25. بدر الدين أبو غازي، 1964، ص23.
    26. بدر الدين أبو غازي، 1 مايو 1967، ص84.
    27. المصور، 30 أبريل 1954.
    28. بدر الدين أبو غازي، 1 مايو 1967، ص86، 87.
    29. بدر الدين أبو غازي، 1964، ص64.
    30. المرجع السابق، ص59 – 61.
    31. للتفاصيل، راجع: لطيفة محمد سالم، 2005، ص495، 496.
    32. المصور، 14 أكتوبر 1938.
    33. يونان لبيب رزق، 9 مارس 2006.
    34. “الفاروق فوق عرش الفراعنة”، ص15.
    35. “مصطفى كامل، كيف أفرج عن التمثال”، مرجع سابق.
    36. ياسر منجي، 21 أغسطس 2016، ص14.
    37. زكي مبارك، 14 يونيو 1943، ص469.
    38. راجع: ياسر منجي، 2019، ص59 – 65.
    39. راجع: د‏.‏ يونان لبيب رزق، العدد 43676.‏
    40. ياسر منجي، 2022.
    41. لمعي المطيعي، 2001.
    42. أحمد حسين، 2007، ص156، 157.
    43. راجع: جابر عصفور، 5/29/ 2011.
    44. يُنظَر: ياسر منجي، 2/9/ 2019.
    45. المصور، 4/10/ 1953.
    46. المقطم، 22 يونيو 1950.
    47. “آخر ساعة”، 14 فبراير 1951.
    48. رشدي إسكندر وكمال الملاخ وصبحي الشاروني، 1991، ص25
    49. يُنظَر: مجلة “الهلال”، عدد يناير 1947، وعدد أبريل 1947.
    50. وَرَد وصف للنُّصْب الأصلي لدى: لويس عوض، 1989، ص611.
    51. “المصور”، 21 ديسمبر 1951.
    52. انظر على سبيل المثال:“آخر ساعة”، 21 أغسطس 1946، ص12.
    53. “المصور”، 20 أبريل 1956، ص33.
    54. “تماثيل الفراعنة تزين الميادين”، المصور، 12 مايو 1950.
    55. “المصور”، العدد 1645، مرجع سابق.
    56. “الهلال”، عدد يوليو 1953، 26 – 28.
    المراجع العربية
    • “الفاروق فوق عرش الفراعنة”، المصور، 2 سبتمبر 1938.
    • “القاهرة التي أريد أن أهديها لمصر”، ضِمن تحقيق “القاهرة الجديدة”، منشور بمجلة المصور، العدد 1645، 20 أبريل 1956.
    • “القاهرة الجديدة”، تحقيق منشور في آخر ساعة، العدد 617، 21 أغسطس 1946.
    • أحمد حسين: مذكرات أحمد حسين رئيس مصر الفتاة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2007.
    • أحمد شفيق، حوليات مصر السياسية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2012، ص303.
    • إبراهيم عبد الله المسلمي، عليالغاياتي من وطنيتي إلى منبر الشرق، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1989.
    • الجبرتي: عجايب الآثار في التراجم والأخبار، 1880، طبعة مؤسسة هنداوي، 2013.
    • “تمثال محمد علي باشا ومباني جامعة فاروق”، خبر منشور بجريدة المقطم، 22 يونيو 1950.
    • “جرحى الحادث الأليم يتحدثون إلى المصور”، تحقيق صحفي منشور في مجلة المصور، 14 أكتوبر 1938.
    • جابر عصفور:“استعادة أمل دنقل”، مقال منشور بجريدة الأهرام، 2011/5/29.
    • “د. ياسر منجي يكتب: ملامح عهد أسرة محمد علي في مرايا شخوصه”، جريدة  الشروق، 2019/2/9، في: https://bit.ly/33A73dB
    • “نصب جديد يسجل بطولة الجامعيين، الدماء التي أعادت دستور 1923”، منشور في مجلة المصور، 21 ديسمبر 1951.
    • “هذه التماثيل: هل نبقي عليها أم نزيلها؟”، استطلاع رأي منشور في مجلة المصور، العدد 1487، 1953/4/10.
    • بدر الدين أبو غازي:“الرموز القومية في فن مختار”، مقال منشور بمجلة المجلة، العدد 125، 1 مايو 1967، ص84.
    • بدر الدين أبو غازي:المثال مختار، الدار القومية للطباعة والنشر، 1964.
    • رشدي إسكندر وكمال الملاخ وصبحي الشاروني: 80 سنة من الفن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991.
    • زكي مبارك: “تمثال سعد”، مقال منشور في مجلة الرسالة، العدد رقم 519، 14 يونيو 1943.
    • صبري أبو المجد، سنوات ما قبل الثورة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987.
    • عبد الرحمن الرافعي، بطل الكفاح الشهيد محمد فريد، كتاب الهلال، 1957.
    • عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب الثورة المصرية، مطبعة النهضة المصرية، 1947.
    • علي فهمي كامل: مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا، الجزء الثاني، مطبعة اللواء، ط1، 1908، ص122.
    • لطيفة محمد سالم: فاروق من الميلاد إلى الرحيل، دار الشروق، 2005.
    • لمعي المطيعي: موسوعة نساء ورجال من مصر، القاهرة، دار الشروق، 2001.
    • لويس عوض: أوراق العُمر، سنوات التكوين، مكتبة مدبولي، 1989.
    • م. م. خليل بقلم عثمان محرم، “الفرق بين التمثال والخزان”، منشور في مجلة آخر ساعة، العدد 851، 14 فبراير 1951.
    • مجلة الهلال، عدد يناير 1947، وعدد أبريل 1947.
    • مراد فهمي: “تمثال التحرير كما أريده”، مقال منشور في مجلة الهلال، عدد يوليو 1953.
    • مصطفى كامل: المسألة الشرقية، مطبعة اللواء، الطبعة الثانية، الجزء الأول.
    • مقال “تمثال نهضة مصر، الملك فؤاد يأمر بوضعه في حدائق الحيوان”، موضوع منشور في مجلة المصور، عدد 4 يونيو 1954.
    • مقال “لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة”، نُشِرَ في مجلة المصور،1 مارس 1940.
    • مقال “مصطفى كامل، كيف أفرج عن التمثال”، مجلة المصور،9 سبتمبر 1938.
    • ياسر منجي: “خطاب ثورة 1919 وإعادة تشكيل هوية مصر البصرية”، فصل في كتاب هوية مصر الأبعاد والتحولات، مجموعة مؤلفين، تحرير ناصر إبراهيم، “المجلس الأعلى للثقافة”، وزارة الثقافة، القاهرة، 2023.
    • ياسر منجي: “زكي مبارك” ينتَقِد “محمود مختار” بسبب “سعد زغلول”، مقال منشور بجريدة روزاليوسف، العدد 3447، 21 أغسطس 2016، ص14.
    • ياسر منجي: “مجهولٌ، منسيٌّ، مهملٌ: إشكاليات وملاحظات متعلقة بتأريخ الفن المصري الحديث في القرن العشرين”، العدد الخامس عشر من دورية أسطور المُحَكَّمة التي تصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يناير 2022.
    • ياسر منجي: ملامح عهد على مرايا شخوصه، الدراسة التوثيقية والتأريخية لكتاب معرض “كنوز متاحفنا 3”، الصادر عن “قطاع الفنون التشكيلية” بوزارة الثقافة المصرية، 2019.
    • يونان لبيب رزق: حرب التماثيل‏!!‏، ديوان الحياة المعاصرة، الحلقة ‏635‏، ملفات الأهرام، العدد 43557، 9 مارس 2006.
    • يونان لبيب رزق: ديوان الحياة المعاصرة، الحلقة ‏652،‏ الاحتفال الفاشستي بالخديوي‏!!‏، الجالية الإيطالية في الإسكندرية تجمع‏ 13‏ ألف جنيه لإقامة تمثال لإسماعيل‏، الأهرام، العدد 43676.‏
    • يونان لبيب رزق، العدد 43676.‏
    اقرأ أيضا:

    ياسر منجي يكتب: تماثيل القاهرة (1-3)

    ياسر منجي يكتب: السِجال السياسي وإعادة اختراع المرجعية (2-3)

  • إيمان إسماعيل في «نخل عالي»: رسائل من الجنوب

    إيمان إسماعيل في «نخل عالي»: رسائل من الجنوب

    هنا فصل من رواية «نخل عالي» المكتوب بالعامية المصرية، وسوف يصدر خلال أيام عن دار المرايا، ولن يكون متوافرا في معرض الكتاب، بسبب منع الدار من المشاركة في المعرض للعام الثاني على التوالي. الرواية هي الأولى للكاتبة إيمان إسماعيل التي قررت أن تكسر المألوف وتكتب بجرأة «اللغة اللي بنسمعها وما بنشوفهاش في الكتب. رواية عن الصداقة، عن الحقوق اللي ضاعت في قلب الصعيد»، وعن شجاعة كاتبة قررت تكتب بلغة أهلها الأصلية دون تجميل.

    عزيزتي سمية:

    أتمنى يصلك خطابي التاني ويجدك في أتم صحة وأحسن حال.

    فات شهر ولا حس ولا خبر يا سمية. أنقول لنفسي يمكن الجواب الأولاني موصلش، أصل لو وصل ومرديتيش يبقى الزعل كبير قوي، زعل منعرفش إيه دواه يا سمية؟

    ولو زعل يبقى تاني وتالت وألف حقك علي.

    ما هو خلاص معادش في العمر كتير نضيعوه في القمص، دا إحنا شعرنا طقطق إبيض، وجلدنا كرمش، ومفيش في العمر 20 سنة كمان نضيعوهم في الزعل.

    كبرت يا سمية، واللمة من حواليا اتتفض، ولما الدوشة تهدى الواحد مش ايسمع غير صوت الحبايب اللي قلوبهم اتحبه بجد، وإنتي مهما زعلتي مني برده أنا حبيبتك.

    وإنتي عارفة إن القلب معرفش أصحاب زيك، عرف كتير لكن زيك معرفش، صاحبت قليل وكتير، لكن مقعدتش قعدة واحدة تشبه قعدتك، ولا عمره قلبي اتفتح وحكيت زي ما حكيتلك.

    ***

    ولأجل القلب يكون مرتاح وصافي، لازم زي العادة نفضفضلك ونحكيلك. بقى يا سمية إنتي تقولي: “إن اللي باعت أهلها سهل تبيع أي حد”؟

    أنا يا سمية بعت؟ باه يا بت عمي! بعد كل اللي شفته وإنتي شفتيه معايا يتقالي أنا اللي بعت؟! تقفي في موقف حق وتشهدي بالباطل؟!

    يعني عشان حتة أرض وراجل تنسي كل اللي عملوه وتكسري صاحبة عمرك؟! والله يا ريتك ما اتجوزتيه، أخويا ده، من يوم ما خطبك وأنا قلت إنتي خسارة فيه، بس هنقول إيه! هي يعني البنات عندينا من ميته اتختار!!

    وبعدين بعت كيه؟! فهميني!

    ***

    ما كله على إيدك، دا أنا كنت العيلة الجبانة اللي يوم ما تسمع صوت عراك تجري تاخد عروستها المحشية قطن وتلبد تحت السرير، وتيجي إنتي تعملي فيها الكبيرة وتطمنيني وتستني لحد الدنيا ما تهدا وتطلعيني، مكنوش 40 يوم دول اللي بيني وبينك وخلوكي كبيرة!

    بس أنا ما أخترتش برده يا سمية، ما أخترتش نتغير ونبص نلقي نفسي غرقانة في التساؤلات. عمري ما اتخيلت يجي اليوم ونوقف قدامهم يضربوني الكف ورا الكف عشان نقول حاضر، تطلع في وشهم لا وألف لا.

    ما اخترتش نبقى عنيدة وعصية، مخترتش كل ما نيجي نخطي خطوة نلقي نفسي مقفول عليا ألف باب، دا أنا حِتى مفهماش أنا كنت غلط ليه؟

    ***

    دا أنا كل اللي طلبته لما طلعت برا القمقم لقيته العادي لكل البنات، طلع حرام عندينا إحنا بس، طلع السجن موصوف لبناتنا وبس، ولما طلعت منه معرفتش نرجعله.

    تقولي أنا بعت؟! طب كيه؟ وليه؟

    فاكرة الطريق البحري؟ كنا نمشيه أنا وإنتي كل يوم وإحنا رايحين المركز للمِدرسةِ. كان تراب ونُقر، كل ما تعدي عربية يقوم التراب يعمى عنينا ويقفل صدري. مخترتش يبقى عندي ربو، والتراب يدخل كل يوم يقفل صدري. مخترتش تقف قدامنا عربية فيها الشاب اللي قتلوه. مفكراش اسمه، بس فاكرة إن السواق حاول يهرب ويتفادى العربية اللي اتطارده، لكن معرفش، عشان الطريق كان تراب ومكسر. أهو راح فيها المسكين اللي يا دوب كان عمره 19 سنة زي ما قالوا. فاكرة الدم اللي غرق العربية والناس اللي حواليه؟ ضربوه عيار ولا كأنه كلب ملهوش تمن.

    ***

    وأنا كل اللي عملته إني سألت، بس سألت.

    ولما سألت أستاذ حسن ليه الطريق مش مرصوف زي طرق المركز، سمعني لأول مرة كلام عن الحق والتوزيع والضرايب والمواطن. مع إني كنت يا دوب 14 سنة لكن فهمت. وعليه كتبت جواب للمحافظ نطلب منه، بصفتي مواطنة مصرية، أهلها وأهل النجع وكل أهل البلد ايدفعوا ضرايب وليهم حقوق المواطن إن الطريق يترصف، عشان أنا صاحبة ربو، وعشان محدش تاني يتقتل زي الكلب.

    بس باين كدا المحافظ فيه حاجة منك، مردش عليا من أول جواب، ولا تاني، ولا حتى مية.

    بس أنا معرفتش نمِل، ماهو حقي بقى. وبعد جوابات كتير بطلت نعدها، أخيرا استجاب، وبعتلي جواب دعوة لمكتبه.

    ***

    لما وصل الجواب للبيت وشفت رد فعل أبويا وأخواتي، خصوصا إبراهيم، خفت نقول إني بعت جوابات، عملت نفسي معرفاش عاوزيني ليه.

    وطبعا رحت، وكان معايا إبراهيم، ومع إنه أكبر مني بعشر سنين ومع إنه أكتر قلب قاسي شفته في حياتي، شفت لأول مرة إيده الطرشة وهي اتترعش وهو خايف قبل ما ندخل للمحافظ. بس أنا مكنتش خايفة، ما أنا كنت نقول في سري: “يا بت إنتي صاحبة حق”. ولا حسيت في لحظة بخوف من المقابلة، الخوف كله كان من إبراهيم الجِلف.

    دخلنا على المحافظ وكان مستغرب لما لقيني 14 سنة بس. وحكيتله أسباب طلبي، والراجل كان هادي ومبتسم، وكنت نبص له هو شوية وإبراهيم شوية، ومفهماش ليه إبراهيم خايف؟ إيه اللي يخوف في الراجل بالظبط؟

    خلصنا عنده بوعد رصف الطريق، بس أنا مفهمتش ميته يعني؟ فسألت، ووالله لقيت عينين إبراهيم حمرة زي الجمر، وعرفت إن إيده الطرشة مش هترحمني، بس مش مهم، هي موتة ولا أكتر؟!

    ضحك المحافظ من السؤال ورد بمكالمة لحد حكاله قصتي وطلبي، ووعدني إن التنفيذ هيكون في وقت قريب، شهور قليلة ويتم.

    ***

    طلعت من المكتب فرحانة ومش عاوزة نبص لإبراهيم الغضبان اللي قفاه مطلع نار، وأنا مفهماش ليه؟ أنا غلطت في إيه؟

    طول الطريق منطقش. دخلنا البيت وجرني على الأوضة زي البهيمة ودور فيا ضرب، يقولي: “وإحنا مالنا يا بت الكلب! مالنا بالطريق واللي يموت واللي يعيش؟ كان من بقية أهلك؟ وإنتي مين عشان تبعتي للمحافظ؟ ليه بت زيك تكتب وتتكلم؟ إيه، الرجالة خلصت من البلد؟ حلقنا شنباتنا عشان حتة بت هي اللي تتكلم؟ دا أنا ندفنك حية لو نسيتي نفسك، يا بت عيشي عيشة أهلك!”

    ضرب فيا لحد ما دراعه خدل، بس والله كل الوجع راح لما الطريق اترصف. ومع إن إبراهيم محكاش لحد أي حاجة ومقالش عن الجوابات اللي اتبعتت حتى لأبويا وأمي، لكن كل ما كنت نعدي في الطريق كنت نقول لنفسي: طلعت الأسئلة زينة ولها فايدة. كنت نفرح بنفسي ونقول: “اسألي يا بت، أوعي تبطلي أسئلة”. ومن ساعتها عرفت إني مش حتة بت، لأ، عرفت إني إنسان له حق وألف حق، وإن كمان محدش هيدي حتة بت حقوقها لو مطلبتش.

    أنا في إنتظار الرد يا سمية، أمانة عليكي ما تطوليش.

    سلامات

    (ملحوظة: أنا سجلت الجواب بعلم الوصول عشان ميتوهش زي اللي قبله)

    اقرأ أيضا:

    الفيلم السينمائي كأرشيف للتراث المديني

  • ياسر منجي يكتب: السِجال السياسي وإعادة اختراع المرجعية (2-3)

    ياسر منجي يكتب: السِجال السياسي وإعادة اختراع المرجعية (2-3)

    هذه الأطوار المشحونة بتنويعات من الاحتجاب، والعرقلة، وإعادة التخصيص المكاني، والتي جاءت على خلفيات سياسية بالدرجة الأولى، لم تكن بمعزِلٍ عن دَيناميّاتٍ أخرى، لا تقل عنها أهمية في رسم معالم الصراع الأيديولوجي المُمازِج للسجال السياسي السابق عرضُه، فضلًا عما كان لها من أثرٍ بعيد في إعادة تأويل مشروع «مصطفى كامل» الوطني، على نحوٍ يكاد يصل إلى حد (اختراع) مرجعية أيديولوجية تَنوبُ عنه.

    إن أهم ما يلفت النظر في شأن تصميم تمثال «مصطفى كامل»، إنما يتمثل في تلك المرجعية المصرية القديمة، التي هَيمَنَت على مضمون فكرته بِجَلاءٍ تام؛ إذ ظهر “مصطفى” معتمدًا بإحدى يديه على رأس تمثالٍ مصري قديم، يقارب ملامح “أبي الهول” بدرجة لافتة – وهي ذاتها الفكرة التي طُوِّرَت لاحقًا في تصميم تمثال “نهضة مصر”، الأحدث منه تنفيذًا، والأسبق له إشهارًا – وذلك على الرغم من أن سيرة “مصطفى كامل” لا تتضمن ما يشير إلى ما قد يربطه بهذه المرجعية. فعلى الضدّ من ذلك، كان مشروع “مصطفى كامل”، وانحيازاتُه، وكتاباتُه في أكثر من مناسبة، تقطع بميله لمناصرة نظام الخلافة العثمانية، وبقُربِه من السلطان “عبد الحميد”(17).

    ***

    كما كانت رؤية “مصطفى كامل” لقضية التحرر الوطني المصري مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بـ(المسألة الشرقية) Eastern Question؛ حيث ظهر في كتابه الذي حمل نفس الاسم، وضعُه حركة الاستقلال التي كان يقودها من أجل تحرير مصر في إطارٍ ترسم حدودَه الدولة العثمانية والعالم الإسلامي(18).

    ويتضح مما سبق أن هذا المضمون لا يتفق كثيرًا مع المرجعية المصرية القديمة، التي جرى إقحامُها ضِمن أسلوب تصميم التمثال. غير أن التفاوض مع “سافين” على فكرة التمثال، بمراجعة اللجنة التنفيذية القاهرية التي أقرتها، بعضوية “أحمد لطفي السيد”، ربما يطرح تفسيرًا محتَمَلًا لهذا الأمر؛ بالنظر لإيمان “محمد فريد”- مندوب اللجنة للتعاقد على تنفيذ التمثال – بفكرة القومية المصرية وقتها، بعد أن كان في بداياته متحمسًا للدولة العثمانية.

    كما لا يقل عن الاحتمال السابق أهميةً ما أثِرَ عن “لطفي السيد” من تَوَجّه مصري صِرف؛ كان ثمرة للتيار الداعي للقومية المصرية بين تلامذة “محمد عبده”، والذي تصاعد بعد ذلك خلال العشرينيات وما بعدها؛ وظهر في كتابات “لطفي السيد” عن استمرار المكون الفرعوني في مصر الحديثة. فإذا أضيف لذلك الانتماء الثقافي لـ“سافين” الفرنسي، واستشراء اتجاه “الإحياء المصري” في النحت الفرنسي، جاز أن نتخيل أسباب هذا الإقحام، الذي يكاد يكون إعادة اختراع لمرجعية “مصطفى كامل” الأيديولوجية.

    الإحياء المصري القديم في سياق خطاب “النهضة”

    غير أن هذه الإرهاصة بتَبَنّي المرجعية المصرية القديمة، رمزًا للهوية القومية، كان عليها أن تنتظر قرابة عقدٍ، لتصير تَوَجُّهًا عامًّا للمجتمع المصري، يبلغ ذروته إبّان عقد العشرينيات من القرن الماضي.

    وقد جرى تعبيد السبيل أمام هذا التحول على أثر أحداث جِسام على المستوى الدولي، يأتي على رأسها: الأحداث التي أفضَت إلى انهيار الخلافة العثمانية. وكانت ذروة ذلك خلال الفترة الممتدة من اندلاع “الثورة العربية”(1916 – 1918)، وما واكبها من وقائع مشروع اتفاقية “سايكس – بيكو” (1916)، وهزيمة العثمانيين في ختام الحرب العالمية الأولى 1918، و”وعد بلفور”(1917)، وإذلال شروط السلام في “مؤتمر باريس” (يناير 1919).

    وما أعقبها من إنهاك فادح لدولة (الرجل المريض) خلال “حرب الاستقلال التركية”(1919 – 1923)، وإقرار تقسيم الهلال الخصيب بالانتداب البريطاني/ الفرنسي في مؤتمر “سان ريمو 1920”، والتخلي بموجب “معاهدة سيفر”(1920) عن الأراضي التي يقطنها غير الناطقين بالتركية، بما أفضى إليه ذلك من إلهاب للروح القومية، وانتعاش الانتباه إلى تمايُز الهويات في المنطقة، وبالتالي انتعاش ما يعززها بصريًّا من رمزيات ثقافية محلية بالدرجة الأولى (19).

    ***

    كذلك فقد استمد التوجّه لترجيح الهوية البصرية المصرية القديمة وقودًا دافعًا هائلًا من مشروع الدعوة إلى “النزعة الفرعونية”، تلك النزعة التي كرَّسَتها كتابات “أحمد لطفي السيد” (1982 – 1963)، و”محمد حسين هيكل”(1888 – 1956)، و”سلامة موسى” (1887- 1958)، ونظراؤهم من الداعين لإحياء القومية المصرية. ويفسر ما سبق واقعة تغيير “مختار” تصميم تمثال “نهضة مصر”، من نموذج يستلهم فكرة البطولة العربية، إلى النموذج المتضَمّن رمزَي الفلاحة وأبي الهول.

    ويتضح من إجماع المراجع على مسألة احتفاء أقطاب الوفد في باريس عام 1920 بالنموذج المصَغَّر للتمثال (20)، عندما نال إحدى جوائز صالون باريس، أن النموذج العربي الذي تم تغييره ينتمي زمنيًّا إلى ما قبل عام 1919. كما يتضح من مراجع أخرى أن فكرة التمثال شهدت العديد من المعالجات والصياغات، قبل أن يستقر “مختار” علىالنموذج الذي نُفِّذَ بالفعل، وأن الفكرة لم تخطُر له بسبب بدء الحركة الوطنية مع ثورة 1919.

    بل بدأت قبل ذلك بزمان؛ لتخليد ذكرى النهضة الفكرية والأدبية والعلمية في مصر(21). غير أن اصطلاح “النهضة المصرية” سرعان ما ارتبط دلاليًّا بما نعرفه الآن باسم “ثورة 1919”؛ وهو ما تواترَ في عددٍ كبير من الكتابات وقتها؛ مُوازيًا في ذلك لظاهرة شيوع كلمة “النهضة” خلال العشرينيات، واستخدامها في سياق التعبير عن فكرة تطور مناحي الحياة المصرية كافة.

    ***

    الشعور بأرومة مصرية واحدة، في مواجهة مُحتَل يسعى لإثارة النعرات الطائفية لِصَدع الصف الوطني. ومن الصور التي يتجلى فيها مدى هذا التداخُل والاشتباك، بين دلالة التمثال، اسمًا ورمزًا، وبين ارتباط ثورة 1919 في الوجدان الجمعي بالطفرة الحداثية التي كانت مصر تشهدها آنئذٍ، ولصوق كل ذلك بشخص “سعد زغلول”، تلك الصورة التي تصدرت غلاف العدد رقم 118 من “المصور”، الصادر يوم 14 يناير 1927، والتي يظهر فيها “سعد زغلول” خلال زيارته لموقع العمل في التمثال في ميدان “محطة مصر”، تحت عنوان “زعيم النهضة أمام تمثال النهضة”. (شكل7. 5)

    (شكل7. 5) زعيم النهضة أمام تمثال النهضة
    (شكل7. 5) زعيم النهضة أمام تمثال النهضة

    استمرت الوقائع الدالّة على الوجود الرمزي لتمثال “نهضة مصر” في بؤرة الصراع السياسي المعقد وقتها إلى ما بعد الانتهاء من إنجازه، بل وخلال حفل رفع الستار عنه، بعد قُرابة تسعة أشهُر من وفاة “سعد زغلول”. فبرغم حضور الملك “فؤاد” للحفل وإلقاء “النَحّاس”- بصفته رئيس الوزراء – خطاب الحفل أمامه، وبرغم إعلان أن الملك سيتولى رفع الستار بيده، تغير الأمر في اللحظة الأخيرة لتتولاه مجموعة من رجال الإطفاء بمعاونة أفراد من الشرطة.

    وبالإضافة لذلك، فقد تجاهل ثلاثة من أبرز رؤساء الوزارات السابقين في تاريخ هذه المرحلة حضور الحفل؛ إذ لم يحضر كلٌّ من “عبد الخالق ثروت”، و”يحيى إبراهيم”، و”أحمد زيور” (22)، بما لكلٍّ منهم من أدوار متشابكة مع أعقد تحولات العقدين السابقين في تاريخ مصر السياسي.

    إعادة التخصيص في سياق تلاقي الفُرَقاء

    عبّر المشهد السياسي المعقد لتلك الفترة عن نفسه بعد إنشاء التمثال من خلال الاستنفار الصحفي المعنوي لرمزية “نهضة مصر”، وتوظيفها في مناسباتٍ بعينها، تعكس تشابُك مقاصد القوى السياسية والاجتماعية المتصدرة لهذا المشهد حينذاك. فقد كان تمثال “نهضة مصر” هدفًا للهجوم المتكرر في الكاريكاتير السياسي بالمجلات والصحف المُشايِعة لخصوم “الوفد” أو الداعمة للسراي أو الإنجليز؛ وهو ما تجلى في كثرة من الأفكار الانتقادية الرامية للخَصم من رصيده الرمزي.

    وقد مَثَّلَت هذه الحالة ما يَصِحُّ تسميتُه (إعادة تخصيص إعلامي)؛ وهو ما تجلّى، على نحوٍ مختلف، في ظهور مطبوعات شعبية، جمع الرسامون فيها بين زعماء تلك القوى المُتدابِرة؛ أمثال: “عبد العزيز جاويش”، والأمير “عمر طوسون”، و”محمد فريد”، و”مصطفى كامل”، و”سعد زغلول”، وفي القلب من التصميم بدا تمثال “نهضة مصر” واسطةً لائتلاف هؤلاء الفُرَقاء (23).

    واستمرت هذه الظاهرة إلى نهاية عقد الأربعينيات؛ إذ تكررت النماذج التوليفيّة من الصور والرسوم الصحفية، التي تجمع زعماء أحزاب متنافسة، أو رؤساء حكومات متناحرة، حول تمثال “نهضة مصر”؛ للتعبير الرمزي عن أمل الشعب في ائتلافهم، أو لتوجيه الانتقاد لضعف الأداء الناجم عن هذا التناحُر. (شكل8. 5).

     (شكل8. 5) نماذج توليفيّة من الصور والرسوم الصحفية، التي تجمع زعماء أحزاب متنافسة، أو رؤساء حكومات متناحرة، حول تمثال “نهضة مصر”
    (شكل8. 5) نماذج توليفيّة من الصور والرسوم الصحفية، التي تجمع زعماء أحزاب متنافسة، أو رؤساء حكومات متناحرة، حول تمثال “نهضة مصر”
    ***

    وقد بلغ من أمر هذا الاستحضار الرمزي أن نشرت مجلة “الهلال” في عدد شهر نوفمبر 1947 مقالًا بعنوان: “هل نهدم تمثال نهضة مصر؟”، أُخِذَت فيه آراء طائفة من أعلام المجتمع والسياسة والفن والفكر جديًّا في هذا الأمر. وكان الغرض المُعلَن من هذا المقال/الاستبيان هو استشفاف مدى صلاحية تمثال “نهضة مصر” للاستمرار رمزًا للوطن، بعد مُضِيّ قرابة عشرين عامًا على تدشينه.

    والجدير بالملاحظة في شأن تاريخ نشر هذا المقال أنه تم بعد ثلاثة أشهُر فقط من إخفاق “النقراشي” في عرض قضية مصر على مجلس الأمن؛ وهو ما يمثل في تقديرنا تلخيصًا رمزيًّا لخلاصة الواقع السياسي المتأزّم آنذاك. فمن الممكن أن يُفهَم من ذلك أن هذا الاستطلاع الصحفي كان من قبيل الإسقاط الرمزي على حالة (النهضة المصرية)، من خلال الرمز لذلك بهدم تمثال “نهضة مصر”، بالتوازي مع تأزُّم الأحوال في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وفي أثناء تَكَشُّف إخفاق “فاروق” عن تحقيق الآمال العِراض التي كانت منوطة به في مُستَهَلّ عهده.

    ***

    غير أن فكرة المساس بتمثال “نهضة مصر” ظلت محض فكرة نظرية، ولم يَجرِ تنفيذُها إلا حين نُقِلَ بأكمله من موقعه الأصلي في ميدان المحطة (باب الحديد) إلى موقعه الحالي بجوار حدائق الحيوان عام 1955. وأعيد تخصيص مكان تمثال “النهضة”، حين وُضِعَ بدلًا منه تمثال “رمسيس الثاني” عام 1956. وقد تم التمهيد لهذا الأمر في الصحافة خلال عام 1954؛ إذ نسبت عدة مصادر صحفية إلى الملك “فؤاد” فكرة محاولة نقل التمثال إلى حدائق الحيوان؛ وكأنما للإيحاء للقارئ كذلك أن النقل الفعلي خلال العهد الجمهوري مجرد تحقُّق لفكرة جرى طرحها خلال العهد الملكي (24).

    مشروعات لم يُقَدَّر لها الاكتمال

    بخلاف مشروع تمثال “نهضة مصر”، كان “مختار” قد انشغل بمشروعات موازية، ارتبط بعضُها بمشروع تمثال النهضة نفسه – وربما استُلهِمَ منه – ونَجَمَ بعضُها الآخر عن انفعاله بظروف تحولات سياسية وثيقة الصلة بالظروف التي دفعته من قبل لمعالجة فكرة تمثال النهضة. غير أن تلك المشروعات جميعًا لم يُقَدَّر لها أن تكتمل؛ بسبب إنفاق “مختار” جُلّ طاقته ووقته لإتمام مشروعات تماثيله الميدانية والفنية الشهيرة، من جانب، ومن جانبٍ آخر لوفاته المبكرة نسبيًّا.

    كان “تمثال الاستقلال” أبرز تلك المشروعات التي لم تكتمل، والتي أراد من خلالها أن يعبر – كما يبدو من اسم التمثال – عن حُلم مصر بنيل استقلالها التام. وعلى رغم أن هذا المشروع عُرِّفَ بكونه تمثالًا، في المراجع التي أشارت إليه، وفي مقدمتها كتابات “بدر الدين أبو غازي”، فإن تأمل الصور القليلة الباقية لنموذجه المكتمل تُبَيِّنُ أن خصائص النُّصْب التذكاري تنطبق عليه، بأكثر مما يمكن حصرُه في صفة التمثال؛ وهو ما يظهر حتى في بقايا نموذجه المعروض حاليًّا في “متحف مختار”.

    فالنموذج لا يقتصر فقط على منحوتة لتمثال أو لبضعة تماثيل، بل يشتمل على تصميمٍ ميدانيّ متكامل، يجمع بين عناصر معمارية ونحتية، تمثل حالة تذكارية ورمزية مُستَوفية لعناصر النُّصْب التذكارية الضخمة كافة، وهو ما يجعله في تقديرنا أجدر باسم (نُصُب الاستقلال).

    ***

    وبرغم المستوى التصميمي والتعبيري الممتاز لهذا النُّصْب، فالمعلومات المتوافرة عنه شحيحة للغاية، وتقتصر مراجعها الموثوق بها على كتابات “أبي غازي” القليلة عنه. وحتى في تلك الكتابات، نلحظ اختلافًا في بعض المعلومات؛ كتاريخ تنفيذه؛ الذي يَرِدُ آنًا على أنه عام 1921 (25)، وآنًا آخر على أنه الفترة ما بين عامَي 1922 و1923، وأنه تعبير عن الأمل الذي لاح باستقلال مصر وقتها وتأكُّد شيء من ذاتيتها بدستور سنة 1923 (26).

    ومِن أهم الملحوظات التي يمكن استخلاصُها من الكتابات القليلة التي تناولت هذا النُّصْب، أنه برغم عدم تشييده فعليًّا، فإن بعض رموزه وعناصره ما بَرِحَت حاضرة في وجدان “مختار”، لتؤثر فيما بعد على بعض أهم أعماله الميدانية؛ ومن أهمها تمثال “سعد زغلول” بالقاهرة؛ الذي يتضح من تصميم الرموز المنقوشة على قاعدته تأثُّرٌ بالنقوش والعناصر النحتية المُكَمّلة لنُصْب الاستقلال، والمعبرة عن الأفكار ذاتها (الدستور، والعدالة، والإرادة، والزراعة، والنيل).

    ***

    أما المشروع الثاني فلم يُكشَف عنه إلا عام 1954، عقب انتهاء إحدى لجان الجرد من حصر محتويات “قصر القبة” (27)؛ إذ عثرت تلك اللجنة على خمسة عشر مُصَغّرًا نحتيًّا، تمثل نماذج لتماثيل ميدانية من تصميم “مختار”، كان محتَفَظًا بها داخل المتحف الشخصي للملك “فاروق” داخل القصر. وبحسب ما نُشِرَ عن هذا الموضوع آنذاك، فإن أربعة من هذه التماثيل رمزت إلى “الوطن”، و”العلم”، و”الصناعة”، والعدالة”، بينما رمَزَ كل نموذجٍ من الأحد عشر الباقية إلى إحدى مديريات (محافظات) القُطر المصري؛ وهو ما يُضفي على هذه النماذج أهمية خاصة.

    إذ ينطوي على دلالة أن مشروع “مختار” الميداني التذكاري لم يقتصر خلال العهد الملكي على القاهرة فقط، بل امتد ليشمل عواصم الأقاليم المصرية كافة، معبرًا عن خصائص كل إقليم ومُجَسّدًا شخصيته في رمزٍ نحتيّ؛ وهو ما يمكن تأمله بدقة حاليًّا في كل نموذجٍ منها، بعد أن صارت ضِمن مقتنيات “متحف مختار”.

    غير أن أفكارًا لمشروعاتٍ صرحية أخرى لم يُقَدَّر لها الاكتمال؛ بسبب المحنة الصحية التي تعرض لها “مختار” في نهاية حياته، والتي أفضَت لوفاته عام 1934. فظلت أحلامه بإقامة شواهق ميدانية لكلٍّ من “حركة عرابي”، و”الإسكندرالأكبر” (28)، و”كليوباترا”(29) محض أمانيَ لم ترَ النور، ولم يُقَيَّض للقاهرة والإسكندرية أن تستَوفيا من خلالهما منظومتها الرمزية النحتية خلال العهد الملكي.

    تمثالا “سعد زغلول”: إعادة التخصيص بين المُكايَدة والاستقطاب السياسي

    عقب وفاة “سعد” في 22 أغسطس 1927، سطعت فكرة تخليد ذكراه بأكثر من طريقة؛ كان في صدارتها تشييد ضريحٍ مَهيبٍ له، وإقامة تمثال ميداني أو أكثر في بعض أشهر ميادين القاهرة. واستُقِرّ بعد ذلك على إقامة تمثالين كبيرين؛ أحدهما في العاصمة بميدان “الإسماعيلية” (التحرير حاليًّا)، والآخر في الإسكندرية التي شهدت وقائع نفي “سعد” ثم عودته ظافرًا مُكَرَّمًا أكثر من مرة خلال ذروة كفاحه الوطني.

    وبعد أن تعاقدت الحكومة مع “مختار” عام 1930 على إقامة التمثالين بارتفاع 20 مترًا لكلٍّ منهما، بدأت بوادر التَرَبُّص الناجم عن الصراع على السُّلطة، الفعلية والمعنوية، بين القصر و”الوفد”، وعادت للمشهد ذكريات النزاع بين “فؤاد” و”سعد” على الحضور الرمزي في ميادين القاهرة؛ واعتُرِضَ على وجود تمثال لـ“سعد” في القاهرة، وفي نفس الميدان الذي يُنسَبُ لـ“إسماعيل”، في الوقت الذي تخلو فيه القاهرة بأسرِها من تمثالٍ للأخير.

    كما اعتُرِضَ على أن يزيد ارتفاع تمثال “سعد” السَّكَندري على ارتفاع تمثال “محمد علي” (30)؛ ووفق هذه الحيثيات عطلت حكومة “إسماعيل صدقي” إقامة التمثالين، وأمضى “مختار” سنواته الأخيرة في قضايا مع الحكومة، لم تُحسَم إلا بعد وفاته، ورحل قبل أن يرى تمثالَي “سعد” في مكانهما.

    ***

    ولم يكن الترَبُّص السياسي مِن قِبَل خصوم “الوفد” أو مُنافسي “سعد”، خلال عهد “فؤاد”، بأقل تأثيرًا في مشروع التمثالَين من الانشقاق الذي جرى بين أقطاب “الوفد” أنفسهم في أعقاب وفاة “سعد”، والذي تطور بسبب الصراع على الزعامة، بما أدى – في أعقاب تَوَلّي “فاروق” سلطاته الدستورية مباشرةً – لانشقاق كلٍّ من “النقراشي” و”أحمد ماهر” وقيادات أخرى عن “الوفد” عام 1937.

    وتأليفهم في بداية عام 1938 حزب “الهيئة السعدية”، الذي ارتبط بحزب “الأحرار الدستوريين” بشِبه تحالُف ضد “الوفد”، إلى أن بلغ الصراع ذروته بين “النقراشي”و”النحاس” في أغسطس من عام 1938، أي في نفس شهر إزاحة الستار عن التمثالين. وكان ذلك الانشقاق يعود في شطرٍ مهمٍّ منه إلى نجاح القصر في استقطاب “النقراشي” و”أحمد ماهر”؛ بهدف إسقاط وزارة “النحاس” الوفدية، ولفرض أسُس سياسية جديدة، يصير للملك من خلالها دورٌ مؤثرٌ في نظام الحُكم(31).

    وفي ظل هذا التشابُك المعقد من المُكايدة والاستقطاب السياسي، أزاح الملك “فاروق” الستار عن تمثال “سعد” بالإسكندرية يوم 27 أغسطس 1938، مُنيبًا عنه “أحمد خشبة” باشا، وزير العدل حينئذٍ، لإزاحة الستار عن تمثال “سعد القاهري” في اليوم نفسه.

    ***

    ولم تَخلُ هذه الواقعة في حد ذاتها من الدلالات المهمة؛ إذ بعد أن نجحت الحكومة في عهد “فؤاد” من إعادة تخصيص فضاء مكاني مُغاير لميدان الإسماعيلية، وإزاحة تمثال “سعد” إلى ميدان “الجزيرة”، يعمَد “فاروق”- إمعانًا في إظهار التأييد العلني للسعديين – إلى إزاحة الستار بنفسه عن تمثال (خصم أبيه اللدود) في الإسكندرية، غير بعيدٍ من الموضع المخصص لتمثال جده “إسماعيل”، الذي سيزيح عنه الستار بعد أقل من أربعة أشهُر من إزاحته ستار تمثال “سعد”، وغير بعيدٍ من تمثال جده الأكبر “محمد علي”.

    وتغَيَّب “النحاس” عن حضور إزاحة الستار عن تمثالَي زعيمِه الأكبر؛ بسبب إقالة “فاروق” إيّاه قبل ثمانية أشهُر، وهو السبب ذاتُه الذي جعله يتغيّب بعد عامين عن حضور حفل إزاحة الستار عن تمثال “مصطفى كامل”.

    وسرعان ما شهد تمثال “سعد” القاهري واقعة أشد عنفًا، في أكتوبر من العام نفسه؛ إذ بمجرد عودة “النحاس” من سفره بالخارج، ومحاولته زيارة التمثال بصحبة “مكرم عبيد” ومجموعة من الوفديين، تصدّت لهم جموع غفيرة من الجماهير المسلحين بالعصيّ والحجارة، وأصابوهم إصابات بالغة استدعت نقل عددٍ منهم إلى المستشفى، وكان من بينهم “النَحّاس” و”مكرم” (32).

    ***

    وبسبب هذا السياق المعقد، فقد استرعت وقائع إقامة تمثالَي “سعد” وإزاحة الستار عنهما انتباه عددٍ من الباحثين السياسيين والمؤرخين، ممن انتبهوا إلى حضور فن النحت الميداني في بؤرة الصراع السياسي المصري خلال العهد الملكي؛ لدرجة أن الدكتور “يونان لبيب رزق” تناولها باستفاضة في سلسلة “ديوان الحياة المعاصرة” بملفات الأهرام تحت عنوان: “حرب التماثيل!!”.

    وإن كان قد ضَمَّن مقاله ذاك إشارة مُلتَبِسة، مفادُها أن حكومة “النحّاس” “كلفت المثال الإيطالي السنيور أندريا فيشا بصناعة التمثال”(33) السكندري؛ وهو ما يوقِعُ في روع القارئ أن تمثال “سعد” الموجود بالإسكندرية من صُنع نحات آخر غير “مختار”. والحقيقة أن “أندريا فيشا” (الصواب: “فيتشيا” A. Veccia) المذكور ليس نحاتًا، بل مُقاول إنشاءات إيطالي متخصص في تنفيذ التماثيل وقواعدها وفقًا للتصاميم والنماذج النهائية التي يوافيه بها النحاتون.

    غير أن أحدًا من هؤلاء الباحثين لم يلتفت إلى واقعة ذات دلالة بالغة الأهمية، جرَت ضِمن وقائع إزاحة “فاروق” للستار عن تمثال الإسكندرية؛ إذ كان العرش المخصص لجلوس الملك في سرادق الاحتفال عرشًا مُصَمَّمًا على الطراز المصري القديم، ومُزدانًا بالتاج الملكي في الآن نفسِه، وهي سابقة لم تحدث من قبل في تصاميم عروش عواهل أسرة “محمد علي”، ولم تتكرر كذلك بعد تلك الواقعة. وقد أشير للأمر صحفيًّا وقتها على “أن مصر أخذت تستعيد مجد الفراعنة في ظل مليكها الشاب” (34).

    ***

    غير أن النظر لهذه الواقعة في إطار الطراز الذي صُمِّمَت وفقًا له قاعدتا تمثالَي “سعد”، والذي تناغم مع أسلوب “مختار” المُستَلهِم للفن المصري القديم، يضع هذا الظهور الرمزي لـ“فاروق” على عرش من الطراز نفسه في سياقه الصحيح؛ إذ يفسر رغبته – أو رغبة مَن أعدّوا هذا المشهد – في دَمج صورة الملك الشاب في فاتحة عهدِه ضِمن نسيج الهوية البصرية التي استقرت في وجدان الشعب، وارتبطت بمسيرته الثورية والتحديثية، بدءًا من تمثال “نهضة مصر”، ووصولًا إلى تمثالَي “سعد”، ليظهر “فاروق” بذلك وكأنه يتكئ على شرعية الانتساب للجذور الحضارية نفسها التي ابتعثها المصريون هويّةً لهم. (شكل10. 5).

    (شكل10. 5) صورة الملك الشاب في فاتحة عهدِه ضِمن نسيج الهوية البصرية
    (شكل10. 5) صورة الملك الشاب في فاتحة عهدِه ضِمن نسيج الهوية البصرية

    لم يكن تمثال “سعد” القاهري، منذ بدء التفكير في مشروع إقامته، بمعزلٍ عن تَجَليات “إعادة التخصيص”؛ وهو ما تجلى في ظروف تحديد الموقع الذي نصِبَ فيه؛ إذ “إن النية كانت متجهة عند إقامة تمثال المغفور له سعد زغلول باشا إلى إقامته في ميدان الملكة فريدة – “العتبة الخضراء سابقًا” لقربه من الأزهر منبت سعد، ولأنه ميدان شعبي يتفق وميول سعد، فضلًا عن أنه مقصد الغادين والرائحين من مختلف البلاد والأنحاء.

    ***

    ولكن “أم المصريين” رأت يومئذٍ أن هذا الميدان يقع في القاهرة القديمة، ومصيرها إلى الاندثار عاجلًا أو آجلًا، فآثرت أن يقام تمثال زوجها في ميدان الجزيرة، حيث القاهرة الجديدة ذات المستقبل الزاهر البسام. وهكذا اختير ميدان الجزيرة لتمثال سعد، وخلا ميدان العتبة لتمثال مصطفى كامل” (35).

    ويكشف السياق السابق عن عددٍ من الدلالات المهمة؛ منها ما يعكسه هذا الاختيار المكاني من سِجالٍ رمزيٍّ مضمَر، بين أنصار “الحزب الوطني” ذي التوجهات الشرقية، وبين أنصار “الوفد”، بتوجهاته المدنية العلمانية، التي كانت كفة ممثلي شرائح النخبة في صفوفه قد رَجَحَت على غيرهم من ممثلي الشرائح الشعبية.

    فميدان “العتبة” الذي طالته تحولات النَّسَق الحَضَري القاهري، ليصير ذا صبغة شعبية، بعد أفول أيام ازدهاره الغابرة، بات نقيضًا لميدان “الجزيرة”، مدخل مجتمع “الزمالك” النخبوي، وبوابة ائتلاف الصفوة من أعلام المجتمع المصري؛ وهو ما حسَم انتصار الفريق الأقوى، والأكثر تَنَفُّذا، والأعلى صوتًا وقتها، للاستئثار بهذه البقعة المكانية، وما ستضفيه من شحنة رمزية على تمثال “سعد”.

    ***

    ومن ذلك أيضًا أن مَن حسمت هذا السجال، كانت “صفية زغلول” نفسها، التي وإن كانت اشتهرت بـ(أم المصريين)، فإنها لم تنسَ انتماءَها لصفوة المجتمع المصري؛ فهي ابنة “مصطفى فهمي” التركي، رئيس وزراء مصر ثلاث مرات، والمعروف بصداقته للإنجليز. فكأنما عكس اختيار “صفية زغلول” للجزيرة، ورفضها لـ“العتبة”، رغبة لا شعورية في طَي صفحة (الشيخ سعد الفلاح الشعبي الأزهري)، وترسيخ صورة (سعد باشا، “الرئيس الجليل” المتربع على ذروة المجد).

    وفي الوقت نفسِه، فقد أعربت من خلال اختيارها لمكان التمثال، بوضوحٍ تام، عن رأيها في التقسيم الطبقي المكاني لميادين القاهرة، وعن رؤيتها المستقبلية لكل قسمٍ منها. فهي ترى بذلك قاهرتَين؛ واحدة تراثية تقليدية -“مصيرها إلى الاندثار عاجلًا أو آجلًا”- وأخرى (جديدة) -“ذات المستقبل الزاهر البسام”- فكان أن اختارت لـ“سعد” مكانًا مركزيًّا في هذه (القاهرة الجديدة)؛ لترتبط رمزية تمثالُه برمزيات الحداثة، وبتوجهات جماعات المصالح، السياسية، والاقتصادية، والثقافية، المنتمية إلى هذا الفضاء الحداثي، والضاربة صفحًا عن نظيرِه الشعبي التراثي.

    ***

    بَيدَ أنّ تَجَلّيات إعادة التخصيص لم تتوقف عند هذه الحدود، بل تعدتها إلى ما هو أشدّ منها؛ إلى درجة المطالبة بإجراء تغييرات على ما نُقِشَ على قواعد تمثالَي “سعد”، وهو ما أتى في سياق هجوم عنيف شَنّه الدكتور “زكي مبارك” (1892 – 1952) في مقالٍ نُشِرَ بعد خمس سنوات من إقامة التمثالَين. ولا يستقيم فهم مقال “زكي مبارك” دون الأخذ في الاعتبار موقفه السياسي من “سعد زغلول”؛ إذ كان في البداية من أنصاره، ثم تمرد عليه تمردًا عنيفًا، وهاجمه بضراوة في مقالاتٍ متعددة.

    وقد ظلت آثار هذا التمرد تظهر لاحقًا، إلى ما بعد رحيل “سعد” بسنوات طوال؛ وهو ما يفسر اختلاط العديد من الأحكام السلبية والإيجابية، التي أوردها “زكي مبارك” (36). ويستنكر “مبارك” في مقاله عدم الأخذ برأي (الجمهور) في إقامة هذين التمثالَين، قبل أن يصُبّ معظم نقده على تصميم التمثال السكندري.

    إلى أن يختم نقده صراحةً بقوله: “أعيدوا النظر فيما رسِم على جوانب هذا التمثال” (37)، في دعوة صريحة للتدخل بتعديل ما نحته “مختار”، وإعادة تخصيص نقوش القاعدة رمزيًّا بما يوافق رؤيته ككاتب ناقد، يتخذ موقفًا سياسيًّا واضحًا مضادًّا لـ“سعد”.

    تمثال “إسماعيل” القاهري ومشروع إعادة تخصيص القاهرة (الفاروقيّة)

    لم يقَدَّر لـ“إسماعيل” أن يقام له تمثالٌ في العاصمة التي أنشأ قلبَها الحداثي إلا خلال برهة خاطفة من أواخر العهد الملكي. وقد فرضت تحولات السياسة الدولية أن يقام له تمثالٌ من عمل النحات الإيطالي الشهير بيترو كانونيكا Pietro Canonica (1869 – 1959)، داخل نصْبٍ تذكاريٍّ فخمٍ في الثَغر السَكَندَري، قبل قرابة ثلاثة عشر عامًا من الشروع في إقامة نظيرٍ له بالقاهرة(38).

    واتخذ هذا النصْب التذكاري السَكَندَري موقعَه في بؤرة الصراع السياسي الدولي طوال مدة تنفيذه، وهو ما تداخل مع مناوءات داخلية بين “الوفد” والسراي بغرض تعطيله (39)، إلى أن أزاح الملك “فاروق” الستار عن تمثال جَدِّه داخل هذا النصْب يوم 4 ديسمبر من عام 1938، بعد أربعة أشهر من رفعه الستار عن تمثال “سعد” في المدينة نفسها، وقبل تسعة أشهر فقط من اندلاع الحرب العالمية الثانية‏.‏

    ***

    وقد قدِّرَ لمشروع تمثال “إسماعيل” القاهري أن يبدأ بعد عامٍ كاملٍ من رفع الستار عن تمثال “أحمد ماهر” (1888 – 1945)، رئيس الوزراء المصري، الذي كان قد اغتيل قبلها بثلاث سنوات؛ جرّاء رغبته في دخول مصر الحرب العالمية الثانية إلى جانب إنجلترا. وقد أعلِنَ حينئذٍ عن اكتتاب عام لاستكمال نفقات تشييد التمثال، شاركت فيه طوائف من الشعب تعاطُفًا. وبذلك قيّضَ لتمثال “أحمد ماهر” أن يكون الأخير في سلسلة الاكتتابات الشعبية التي شهدها تاريخ النحت الميداني الوطني المصري؛ بدءًا من تمثال “مصطفى كامل” مرورًا بـ“نهضة مصر”، وانتهاءً بتمثال “ماهر”.

    وأزيح الستار عن تمثال “أحمد ماهر” يوم 31 نوفمبر 1948، قبل شهر واحد من اغتيال رفيق كفاحِه “محمود فهمي النقراشي”(1888 – 1948)، الذي سقط مِثلَه صريعَ رصاصات أحد شباب “النظام الخاص” لجماعة “الإخوان المسلمين”؛ بسبب إقدام “النقراشي” على حل الجماعة خلال توليه رئاسة الوزراء.

    ***

    ولم يقَم تمثال لـ“النقراشي”، برغم تماثل نهايته الدراماتيكية مع نهاية “ماهر”؛ إذ كانت حادثة 9 فبراير 1946 (مذبحة كوبري عباس الثانية) قد سحبت كثيرًا من رصيد “النقراشي” في الوجدان الشعبي؛ فبدا خَصْمًا للشعب وثواره، وحليفًا للملك الذي تقوضت أسطورته في السنوات الأخيرة من عهده، فضلًا عن استعانته ببطش الإنجليز في قمع الطلاب الوطنيين، وتصريحه في مستَهَلّ وزارته الثانية أنه على خطى “صدقي”، وأنه سيستأنف المفاوضات مع بريطانيا، ناهيك عن فشله في عرض قضية مصر بمجلس الأمن عام 1947.

    يضعنا السياق السابق طرحه بشأن عدم إقامة تمثال “للنقراشي” موضع إعادة التقييم لمشروع أكبر، كان يهدف لإقامة مجموعة من التماثيل الميدانية والنُّصْب التذكارية في القاهرة، وهو ما أتى ضمن مشروع (تطوير للقاهرة)، تم الترويج له على نطاق واسع عام 1950، مقترنًا بمناسبة مولد “فاروق” في فبراير.

    وكانت النيّة أن يشمل ذلك المشروع تكريم ذكرى كلٍّ من:الخديو“إسماعيل”، و”الملك فؤاد”، و”محمد علي”. فكأن التماثيل بذلك أتت ضمن رغبة ملكية من “فاروق” بتدشين قاهرة جديدة، يحاول من خلالها طي صفحة أربع سنوات خبا خلالها نجمه شعبيًّا.

    ***

    بدأت قصة تمثالَين من الثلاثة فعليًّا في نهاية عام 1949، حين أعلن القصر الملكي عن مسابقة فنية كبرى بين نحاتي مصر؛ للتنافُس على تقديم تصورات لثلاثة تماثيل ميدانية ضخمة، اثنين منها للملك “فؤاد”: أحدهما بالطَّيْلَسَان الجامعي ليقام في ميدان “جامعة فؤاد” (جامعة القاهرة حاليًًّا)، والثاني ليقام في ميدان عابدين، والثالث للخديوي “إسماعيل” ليقام في “ميدان الإسماعيلية” (التحرير حاليًًّا).

    استحق النحات “مصطفى نجيب” الجائزة الأولى، في الفرع الخاص بتمثال الملك “فؤاد” لميدان “عابدين”. أما الفرعان الخاصان بتمثال “فؤاد” الجامعي وتمثال “إسماعيل”، فقد رأت اللجنة إعادة طرحهما في مسابقة جديدة، لأنها لم ترَ في مستويات المتقدمين للتنافس في هذين الفرعين ما يؤهل للفوز.

    وبإعادة المسابقة، فاز النحات “مصطفى متولي” بالجائزة الأولى، في الفرع الخاص بتمثال الخديو “إسماعيل” (40). وتفصيل ذلك أن الملك “فاروق” كان قد تحمس لمشروعٍ للربط بين “ميدان التحرير”، الذي كان يعرف آنذاك باسم “ميدان الإسماعيلية”، و”ميدان عابدين” المشتمل على القصر الملكي، من خلال توسيع الشارع الذي يربط بينها، وإقامة تمثال لوالده الملك “فؤاد” في ميدان “عابدين”، وتمثال لجده الخديو “إسماعيل”، في ميدان “الإسماعيلية”.

    ***

    وقد نسب بعض الكُتّاب إلى حكومة “مصطفى النحّاس” عرقلة توسعة الشارع الواصل بين ميدانَي “عابدين” و”الإسماعيلية”(41). أما الثابت فعليًّا، فهو أن المشروع قد لقي تشهيرًا عنيفًا من قِبَل “أحمد حسين” (1911 – 1982) مؤسس حزب “مصر الفتاة”؛ إذ تناوله بالهجوم في جريدته “الاشتراكية”، تحت عنوان: “فضيحة ميدان عابدين”، مشيرًا إلى قيام وزير الأشغال “عثمان محرم” بإصدار مراسيم نزع ملكية خمسمائة منزل بحي “عابدين” لتوسعة الميدان للتمثال المزمع إنشاؤه – أي لـ(إعادة تخصيص المنطقة لصالح التمثال) – وهو ما أدى إلى تدخل الملك بإلغاء نزع ملكية هذه المنازل تهدئةً للرأي العام(42).

    وبعد هدوء العاصفة نصِبَ تمثال “فؤاد” في ميدان “عابدين”، وأحيط بالسواتر، انتظارًا للانتهاء من نَصْب تمثال الخديو “إسماعيل” على القاعدة المخصصة له في ميدان “الإسماعيلية”، وإقامة تمثال “فؤاد” الجامعي على القاعدة الموجودة أمام الجامعة. إلا أن قيام ثورة 23 يوليو 1952، أدى إلى إيقاف المشروع برُمَّتِه، ليُزال تمثال “فؤاد” من ميدان “عابدين” في منتصف عام 1953، ولتظل قاعدتا تمثال “إسماعيل” وتمثال “فؤاد” الجامعي خاليتين.

    واتُّخِذت قاعدة تمثال “إسماعيل” لسنوات طويلة مكانًا لإضاءة “شعلة التحرير” التي كانت تصل من أسوان إلى القاهرة، في أعياد الثورة من كل عام. وظلت هذه القاعدة قرابة أربعين عامًا تمثل مَعلمًا من أشهر معالم القاهرة؛ قبل أن تزال في عام 1990.

    ***

    وقد أدت كل هذه الظروف الشائكة والملتبسة، التي أحاطت بتمثال “إسماعيل” وقاعدته الجرانيتية، إلى زيادةٍ في ضبابية الرؤية التأريخية والتوثيقية المتعلقة بها، إلى درجةٍ وصلت أحيانًا ببعض كبار الكُتّاب والمثقفين، إلى الوقوع في أخطاء تاريخية(43)، لا تختلف كثيرًا عن مثيلاتِها التي طالما وقع فيها بعض غير المتخصصين من الباحثين والكُتّاب.

    وظلت هذه الأخطاء تتواتر إلى عام 2019، حين تم اكتشاف التمثال ضمن مقتنيات “متحف الجزيرة”، في أثناء الإعداد لمعرض “ملامح عهد”، الذي نظمه “قطاع الفنون التشكيلية” التابع لوزارة الثقافة؛ حيث تأكّدت هوية التمثال بما لا يدع مجالًا لشك(44). (شكل11. 5).

    شكل (11. 5): مصطفى متولي:ا لخديو إسماعيل، تمثال من البرونز 1951،مقتنيات متحف الجزيرة بالقاهرة.
    شكل (11. 5): مصطفى متولي:ا لخديو إسماعيل، تمثال من البرونز 1951، مقتنيات متحف الجزيرة بالقاهرة.

    وقد سبقَت إزالة تمثال “فؤاد” حملة صحفية، نادى فيها بعض الكتاب بإزالة التماثيل ذات الصلة بهذا العهد، وأجرِيَت استطلاعات للرأي، كان من أشهرها استطلاعٌ تَبَنَّته دار “الهلال” ونشِرَ آنذاك في مجلة “المصور”. ولم يقتصر هذا الاستطلاع على إيراد صور التماثيل ذات الصلة بالأسرة العَلَويّة فقط، بل ضم إليها صور تمثال “نهضة مصر”، و”سعد زغلول”، و”أحمد ماهر”؛ على اعتبار أنها جميعًا “تماثيل لا يتلاءم قيامها مع نهضة الشعب ووثبة الجيش” (45).

    هوامش
    1. الجبرتي، ص52.
    2. جريدة المقطم، العدد 718، 15 /7 / 1891، ص3.
    3. ياسر منجي، 2023.
    4. أحمد شفيق، 2012، ص303.
    5. “المصور”، 5 ديسمبر 1924.
    6. آخر ساعة، 8 سبتمبر 1948.
    7. آخر ساعة، 9 أغسطس 1950.
    8. عبد الرحمن الرافعي، 1957، ص78.
    9. المصور، 1 مارس 1940.
    10. المصور، 9 سبتمبر 1938.
    11. إبراهيم عبد الله المسلمي، 1989، ص205، 206.
    12. المرجع السابق.
    13. مقال “لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة”، 1940.
    14. عبد الرحمن الرافعي، 1947، ص79.
    15. صبري أبو المجد، 1987، ص152.
    16. عبد الرحمن الرافعي، 1947، ص79، 80، 82
    17. علي فهمي كامل، 1908، ص122.
    18. المسئلة الشرقية، ص20، وص45.
    19. ياسر منجي، 2023.
    20. بدر الدين أبو غازي، 1964، ص69، 72، 74.
    21. المصور، العدد 183، 13 أبريل، 1928، ص4.
    22. المصور، العدد 189، 25 مايو، 1928، ص9، 10.
    23. ياسر منجي، 2023
    24. المصور، 4 يونيو 1954.
    25. بدر الدين أبو غازي، 1964، ص23.
    26. بدر الدين أبو غازي، 1 مايو 1967، ص84.
    27. المصور، 30 أبريل 1954.
    28. بدر الدين أبو غازي، 1 مايو 1967، ص86، 87.
    29. بدر الدين أبو غازي، 1964، ص64.
    30. المرجع السابق، ص59 – 61.
    31. للتفاصيل، راجع: لطيفة محمد سالم، 2005، ص495، 496.
    32. المصور، 14 أكتوبر 1938.
    33. يونان لبيب رزق، 9 مارس 2006.
    34. “الفاروق فوق عرش الفراعنة”، ص15.
    35. “مصطفى كامل، كيف أفرج عن التمثال”، مرجع سابق.
    36. ياسر منجي، 21 أغسطس 2016، ص14.
    37. زكي مبارك، 14 يونيو 1943، ص469.
    38. راجع: ياسر منجي، 2019، ص59 – 65.
    39. راجع: د‏.‏ يونان لبيب رزق، العدد 43676.‏
    40. ياسر منجي، 2022.
    41. لمعي المطيعي، 2001.
    42. أحمد حسين، 2007، ص156، 157.
    43. راجع: جابر عصفور، 5/29/ 2011.
    44. يُنظَر: ياسر منجي، 2/9/ 2019.
    45. المصور، 4/10/ 1953.
    اقرأ أيضا:

    ياسر منجي يكتب: تماثيل القاهرة (1-3)

  • ياسر منجي يكتب: تماثيل القاهرة (1-3)

    ياسر منجي يكتب: تماثيل القاهرة (1-3)

    «القاهرة الملكية 1952-1922: صفحات ومشاهد من عمران وثقافة المدينة» عنوان الكتاب الجديد الصادر عن دار العين، قام بتحريره د. نزار الصياد، وحسن حافظ، وشارك في كتابة فصوله: كريم بدر، ياسر منجي، عماد أبو غازي، كندة السمارة، عبد الرحمن الطويل، دعاء الأمير، عبد الحليم حفينة، هاله فودة، هشام عيسى، حامد محمد حامد، عاطف معتمد. يستعرض الكتاب بفصوله المختلفة التحولات في القاهرة التي ولدت من رحم إعلان الملكية والتي انتهت بحريق القاهرة في يناير 1952. وبإذن خاص من الدار اخترنا الفصل الخامس الذي يتناول فيه الدكتور ياسر منجي تاريخ تماثيل القاهرة، والصراع على الفضاء العام. ننشر على مدى عدة أيام.

    كيف جرى خلقُ نَسَقٍ رمزي جديد لهوية مدينة القاهرة الحضرية، من خلال التماثيل الميدانية والنُّصُب التذكارية، على امتداد الفترة بين عامَي 1922 و1953؟ للإجابة، سيكون لِزامًا سَبرُ دور هذه التماثيل وتلك النُّصُب في تشكيل مظهر المدينة وتعزيز هويتها الثقافية والسياسية، في سياق التناقضات التاريخية التي اكتَنَفَت القاهرة خلال الفترة الاستعمارية البريطانية، وما تخلل هذا السياق من تحولات معقدة لتطور القاهرة الاجتماعي والسياسي؛ وبخاصة مع ما أسفرت عنه نتائج الحربين العالميتين، وتحولات الحركة الوطنية المصرية.

    وبرغم أننا نهدِفُ في العموم إلى فهم سمات الفترة الزمنية المحددة سالفة الذِّكر، فسنَستهدي كذلك ببعض الأمثلة المهمة، التي نستدعيها من ذاكرة النحت في مصر خلال العهدين الخديوي والسُّلطاني؛ وذلك لتوضيح طبيعة التحولات التي جرَت من ثَمّ خلال العهد الملكي، وصولًا لتحولات ما بعد 23 يوليو 1952.

    ***

    ما المفهوم الجوهري الذي تنتَظِم في سياقه أغلب الأفكار والفروض والتحليلات المزمَعِ عرضها، فهو الانطلاق من فكرة “السيطرة على المجال العام”، باعتبار هذه السيطرة رهانًا بين القوى الطامحة للهيمنة – سياسيًا، واقتصاديًّا، وثقافيًّا – على امتداد الفترة الزمنية التي نتناولها، وذلك من خلال سعي كل قوة من هذه القوى إلى تكريس رموزها ومتَخَيَّلاتها الجمعية، في صميم الوعي العام؛ بما يخدم مصالح كلٍّ منها، ويبَلوِر خطاباتها ومبادئها فنيًّا، بأقصى تأثيرٍ ممكن، ويجسّد للعيان الحمولات الفكرية المجردة التي تُضمِرُها هذه الخطابات.

    ووفقًا لهذا المفهوم، كان التمثال الميداني والنصب التذكاري أداتَين من أهم أدوات تجسيد تلك الرموز، والمتَخَيّلات الجمعية، وهو ما تَجَلّى على أوضح ما يكون في قاهرة العهد الملَكي، لا بالمفهوم الحَرفي لتعريف المَلَكِيّة كنظام مرتَهِن بعهدَي “أحمد فؤاد الأول”، و”فاروق الأول” فحَسب، بل بالمفهوم الأرحب الذي لا يغفِل العلاقة التتابعِيّة العضوية والجَدَليّة بين الصِّبغات الخديوية، والسلطانية، والملكية، التي تلوّنت وفقًا لها عهود أفراد من أسرة “محمد علي”.

    ففي رأينا أن الأواصر التي ربطت بين هؤلاء العواهِل، كانت أقوى من أن تفصِمَها الاختلافات بين صِيَغ الحُكم. فضلًا عن أن بعضهم كان نموذجًا لانسلاخ صيغةٍ من صيغة، وتحول نظامٍ إلى نظام؛ كما هو الحال في نموذج “أحمد فؤاد”، الذي بدأ سلطانًا، ليصير ملكًا.

    ***

    فمما يجدر الانتباه إليه ظاهرة عدم حدوث انقطاعٍ باترٍ بين صِيَغ الحُكم التي مرت بمصر خلال تعاقب عهود حكام تلك الأسرة، كما كانت العديد من الشخصيات المؤثرة في إحداها لا تزال على قيد الحياة في لاحقتها، لعهدٍ أو أكثر، برغم تغير شكل الحكم. ويكفي الانتباه إلى حقيقة أن “مختار” (1891 – 1934) – صاحب التماثيل الأهم والأشهر في المنظومة النحتية التذكارية القاهرية – قد شهد ثلاثة أطوار من صِيَغ الحُكم المذكورة؛ بدءًا من دراسته بـ”مدرسة الفنون الجميلة” عام 1908 في الطَّور الخديوي خلال عهد “عباس حلمي الثاني”، مرورًا بنضجه الفني خلال الطور السلطاني في عهدَي “حسين كامل”، و”فؤاد”، وانتهاءً بتدشين أهم أعماله -“نهضة مصر”- خلال الطور الملكي بعد تنصيب “فؤاد” ملكًا. أي أن أشهر التماثيل الميدانية المصرية قاطبةً هو في حقيقة أمرِه نتاجٌ لما حَصَّله “مختار” من تعليم متخصص خلال العهد الخديوي، وإفرازٌ للظروف التي اكتنفَت العهد السلطاني، على رغم أن ثمرَتَه لم تُقطَف إلا خلال العهد المَلَكي.

    مفهوم “إعادة التخصيص” Re appropriation

    من هنا كانت ضرورة تحديد مفهوم “إعادة التخصيص”، الوارد ذكره في العنوان، والذي يمثل القاعدة التي سيجري وفقًا لها مقاربة النماذج النحتية والتذكارية الواردة في هذا الفصل، فهو مفهومٌ يقوم على علاقة جدليّة بين اعتبارَين دلاليَّين جوهريين، سيعتَمَدُ عليهما في بناء شبكة العلاقات السياقية الناظمة بين النماذج التي ستتم دراستها، وكذلك بين مختلف العوامل السياسية والثقافية والاجتماعية المؤثرة على مجريات الأحداث ضِمن الإطار الزمني المركزي لهذا الفصل.

    الاعتبار الدلالي الأول، الذي يرتكز عليه استعمال تعبير “إعادة التخصيص” في هذا الفصل، هو مفهوم إعادة تأويل رمزية المُنشأة – التمثال أو النُّصْب – أو رمزية الفضاء المكاني المرتبط بواقعة – أو وقائع – تاريخية مهمة، أو المرتبط بشخصية محورية، أو بنظام اجتماعي/ سياسي مركزي، بما يؤدي إلى الإفادة من أثر هذه الرمزية، أو بما يؤدي – في حال الصراع معها – إلى التخفيف من تأثيرها ما أمكن، أو إلى تحريف هذه الرمزية أحيانًا؛ لإنتاج معانٍ تختلف عمّا كان مأثورًا في الأصل عن الشخصية أو الواقعة المرتبطة بالتمثال أو النُّصْب والإيحاء به للوعي الجمعي. وقد ظهرت عدة نماذج تاريخية خلال العهد الملكي، يتجلى فيها هذا الاعتبار الدلالي الأول؛ في سياق التناحُر بين القوى السياسية المتصارعة على الإمساك بزمام الأمور آنئذٍ؛ كما سيأتي تفصيلُه لاحقًا.

    ***

    أما الاعتبار الدلالي الثاني فهو ما يحمله التعبير من معنًى مباشر، يُحيل إلى فكرة فك الارتباط بين مُنشأة بعَينِها – تمثال أو نُصْب تذكاري – أو بين فضاءٍ مكانيٍّ محدد، وبين الدافع الأول الذي استوجب تشييد تلك المُنشأة، أو تنسيق ذلك الفضاء المكاني. ومِن ثَمّ إعادة السعي لإقامة روابط جديدة، رمزية و/ أو استحواذية، بين تلك المنشأة أو هذا الفضاء المكاني، وبين دافع جديد، معنوي أو مادي، بما يؤدي إلى تفكيك دلالاته الأصلية وإكسابه دلالات جديدة ترتبط حصرًا بالدافع الجديد الجاري تخصيصه له.

    وقد ظهر هذا الاعتبار الدلالي على نحوٍ واضح خلال السنوات القلائل التي تَلَت سقوط العهد الملكي؛ إذ حدثت في بداية العهد الجمهوري – وعلى نحوٍ خاص خلال العقدين الأولَين منه – وقائع متعددة، بدا فيها جَلِيًّا تفعيل هذا الاعتبار، من خلال إجراءات، وقرارات، ومشروعات، ارتبطت إما بإعادة تخصيص منشآت تذكارية معينة وفقًا لرموز العهد الجمهوري، أو إزالتها تمامًا، وإعادة تخصيص فضائها المكاني لإحلال غيرها محلها، بما يعيد تشكيل الفضاء المكاني لصالح خطابات العهد الجمهوري ومبادئه ورموزه.

    فعلى هذه الأُسُس، ووفقًا للمفاهيم سالفة الذِّكر، نُقاربُ الكيفيات التي تحدَّدَت وفقًا لها هويّة الفضاء الحَضَري المصري بأَسرِه، خلال تلك الحقبة، سواءٌ في تشكيل البِنيَة الصلبة لهذا الفضاء، نحتيًّا ومعماريًّا/ تذكاريًّا، أو في تشكيل تحولات الاتجاهات والمسارات، التي حددت كيفيات جريان التيارات الاجتماعية والثقافية، التي احتضنها هذا الفضاء، وأثرت فيه، وتأثرت به، والتي كانت من بين أحَدّ أسلحة السِّجال السياسي الدائر فيه، على امتداد النصف الأول من القرن العشرين.

    نُذُر إعادة التخصيص الحداثي لفضاءات القاهرة الإسلامية

    تقطع الوقائع التاريخية المُدَوّنة بوجود سوابق، كانت القاهرة الإسلامية خلالها عُرضة للتحولات التي طالت شكل الفضاء الحضري، على نحوٍ أدى لتنبيه الوعي الجمعي إلى أنماط من التكوينات التذكارية، التي تُكَرَّسُ في المجال العام للاحتفاء بذكرى عامة، وتخليد رمزٍ قوميٍّ مُجمَعٍ عليه.

    ومن أهم الوقائع التي تعرّف خلالها المصريون القاهريون إلى فكرة (النُّصْب التذكاري) المتضَمّن بعض المنحوتات والتصاوير الجدارية، تلك الواقعة التي سجلها “الجبرتي” في كتابه “عجايب الآثار في التراجم والأخبار”- وكذا بألفاظٍ مختلفة في كتابه “مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس”- واصفًا احتفال جيش الحملة الفرنسية بذكرى العيد الوطني الفرنسي في منطقة “بِركة الأزبكية”، عن طريق إقامة نُصْب تذكاري من الخشب المغطى بأقمشة مزينة بتصاوير مُتقنة، ويحتوي على ما يشبه قوس النصر، وعلى تماثيل تتخلل آلات للألعاب النارية (1).

    ***

    على هذا النحو، صار فضاء “الأزبكية” عُرضة لإعادة التخصيص الرمزي؛ بتكريس الرمز الفرنسي، فنيًّا وإنشائيًّا، في المكان نفسِه الذي استقر زمنًا طويلًا كرمز لنفوذ النُّخبة من بكوات مشاهير المماليك، ومُستَقَرًّا لإنشاء قصورهم المُترَفة، ومُتنَزّهًا لأهل القاهرة، في سياق نَسَق عُمراني يحكمه منطق الثقافة الإسلامية ويكتسب خصوصيّته من جماليات فنونها. وعلى هذا النحو أيضًا كانت مَفاعيل الحداثة الغربية تعبر عن تناقُضها مع بِنية القاهرة التراثية، وتمارس جَدَلَها الرمزي والفني – بدوافع سياسية لا يمكن إغفالها – مع فضائها الحضري. وكانت أولى أدوات ذلك التناقُض وهذا الجدل ممثلة في ذلك التركيب الاحتفالي الجامع بين النصب التذكاري والتماثيل، والتصاوير الجدارية على البوابات الرمزية.

    ومِن اللافت للانتباه أن هذه الواقعة الأولى من نوعها أعقَبَت بعد ذلك أشباهًا لها، خلال مراحل تاريخية لاحقة، كانت الثقافة الغربية خلالها قد تخللت نسيج المجتمع المصري، القاهري على الأقل؛ وهو ما يؤكده ما نشرته جريدة “المقطم”؛ واصفةً احتفال الجالية الفرنسية في القاهرة بعيد الجمهورية نفسه، عام 1887، في عهد الخديو“توفيق”؛ إذ يقول الوصف:“ وأُقيمت عند مدخلها البحري قوس نصر رسم على واجهتها إلى جهة الباب صورة فتاة في مقتبل العمر وزهرة الشباب رمزًا إلى الجمهورية الفرنسوية…”(2).

    وقد استمرت مظاهر احتفال الجالية الفرنسية بعيد 14 يوليو (اليوم الوطني الفرنسي Fêtenationalefrançaise/ يوم “الباستيل”) في نفس المكان بحديقة “الأزبكية”، وبنفس تكوينات أقواس النَصر، والنُّصُب التذكارية المؤقتة، متكرررة. وامتد تأثير هذه الاحتفالات لاحقًا ليشمل مظاهر احتفالية مصرية كبرى؛ مِنها ما كان معهودًا في أثناء الاحتفالات بعيد الجلوس الملكي المصري، خلال عهدَي “فؤاد”و”فاروق”، أو في الاحتفال بمناسبات رسمية وشعبية.

    ***

    بل إن الظاهرة تطورت إلى درجة إقامة النُّصْب التذكارية الحجرية الدائمة، المتضَمِّنة تنويعات نحتية على درجة رفيعة من القيمة الفنية؛ ومِن ذلك النُّصْب التذكاري النحتي الذي أنشأته الجالية الفرنسية في “مقابر اللاتين” بالقاهرة -“مقابر طائفة الأقباط الكاثوليك” حاليًّا بمصر القديمة – عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ لتكريم ذكرى قتلاها في الحرب.

    وظل هذا النُّصْب لسنوات عديدة خلال العهد الملكي مَقصِدًا للدبلوماسيين وكبار أعضاء الجالية الفرنسية، للاحتفال بعيد هُدنة الحادي عشر من فبراير، “هدنة كومبين الأولى” First Armisticeat Compiègne، التي انتهت بموجِبها الحرب العالمية الأولى. وقد تضَمّن هذا النُّصْب في قمته تمثالًا مُتقَنًا للديك الوطني الفرنسي (ديك الغال) LeCoq Gaulois، وكانت قاعدتُه تحاط بباقات الأزهار الضخمة خلال الاحتفال. (شكل 2. 5)

    شكل (2. 5): نُصْب احتفال الجالية الفرنسية في القاهرة بذكرى هدنة 11 نوفمبر. مصدر الصورة: المصور، العدد 110، 19 نوفمبر، 1926.
    شكل (2. 5): نُصْب احتفال الجالية الفرنسية في القاهرة بذكرى هدنة 11 نوفمبر. مصدر الصورة: المصور، العدد 110، 19 نوفمبر، 1926.

    وعلى هذا النحو، لم يكن فضاء القاهرة الحضري خلال العهد المَلَكي خُلوًا من معالم التعبير عن وجود هذه الشرائح، من الأجانب والمستوطنين، الذين سعوا بدورهم لاقتحام الفضاء العام، وشَحنِه رمزيًّا بما يعكس أحداثًا كبرى، طال أثرُها مختلف أنحاء العالم، وتشابكت معها ظروف التحول الحداثي في مصر آنئذٍ.

    مشاريع تكوين هوية بصرية للقاهرة في ظل دَيناميّة الاستقطاب

    وبذلك ظهر ما يمكن تسميتُه بحالة بدء “الاستقطاب” بين (قاهرتَين): إسلامية راسخةٌ قِيَمُها في نفوس السواد الأعظم من أولاد البلد، وحداثية آخذة في التَفَّتُّح على هَدي قِيَم الحداثة الغربية، وعلى دوافع طُموح شرائح من النُّخَب السياسية والاجتماعية والفكرية، وهو طموحٌ كان قد تبلور على نحوٍ جَلِيٍّ في أعقاب توَلّي “محمد علي” مقاليد السُّلطة، ليرتفع مَدُّه في عهد “إسماعيل”.

    إلى أن صار حقيقةً واقعة في أعقاب ثورة 1919، بتوَجُّهات جميع القوى الوطنية، التي وإن وقفت مواقف الخصومة من قوى الاستعمار الأجنبي، ومواقف المُناكَدة والمُشاكسة من حُكام الأسرة العَلَويّة، إلا أنها اتفقت – في شطرٍ كبيرٍ من تَوَجُّهاتها الثقافية – مع هؤلاء الفُرَقاء، في وجوب تَبَنّي مبادئ الحداثة، باعتبارها ضمانة لتحقيق مفهوم (النهضة). غير أن ذلك لا ينبغي أن يحجب حقيقة مهمة، ارتبطت تاريخيًّا بتحولات الفن الغربي، وتحديدًا في فرنسا، على أثر الحملة الفرنسية على مصر، وتتمثل في تَوَجُّه فرنسا لاستلهام الفن المصري القديم بصريًّا، فيما عُرِفَ بـ“طراز الصحوة المصرية” EgyptianRevival، المتميز باعتماده على الاقتباس من الفن المصري القديم واستلهامِه.

    ***

    ولم يكن بالمُستَغرَبِ أن ينتقل هذا الأثر إلى مصر شيئًا فشيئًا، وأن يتبَيّن أثرُه بوضوحٍ في عهد “عباس حلمي الثاني”- من خلال تمثال “مصطفى كامل” المتأثر تصميمُه بهذا الطراز – ليرتفع مَدُّه إلى الذروة خلال عهد “فؤاد”؛ على أثر الالتفاف الشعبي حول تمثال “نهضة مصر”، الذي تبَنّى “مختار” لتنفيذه أسلوبًا لا يمكن إغفال أثر الطراز نفسه عليه؛ بتأثير بعثته إلى فرنسا وانخراطِه في أهم دوائرها الفنية والثقافية. وحتى بعد رحيل “مختار” عام 1934، ظل هذا الأثر المصري القديم –(الفرعوني) كما كان يتواترُ في أدبيّات تلك المرحلة – مهيمنًا على الفضاء الرمزي القاهري خلال عهد “فاروق”، عند إزاحة الستار عن تمثالَي “سعد زغلول”، في القاهرة، وكذا في الإسكندرية، عام 1938.

    وقد اتَّسَمَت المحاولات الأولى لصياغة وتكريس هويّة بصرية مصرية محددة بطابعٍ مختَلَط Eclectic، وهو ما يمكن تتَبُّع جذورُه في إبّان عهد “محمد علي” (1769 – 1889)؛ الأمر الذي تطوّر على نحوٍ مُتَوالٍ خلال عهود عددٍ من خلفائه المباشرين، مُفصِحًا عن مَساعٍ مُبتَسَرة للدمج بين أكثر من صبغة ثقافية وقومية (3)، في سياقٍ محكومٍ بمُجمَل التحولات السياسية، الدولية والإقليمية، وما ترتب عليها من تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية في الواقع المصري؛ مما أدى إلى السعي للتوفيق بين تلك الهويات، وتمازُجها بصورةٍ أو بأخرى؛ وهو ما ظهر أثرُه بأوضح ما يكون في تصاميم التماثيل الميدانية والنصب التذكارية كما سيأتي تفصيلُه.

    ***

    من هنا صارت دَيناميّات ذلك “الاستقطاب” الجَدَلي المشار إليه مُراوِحةً بين ثلاث مرجعيات: إسلامية، ومصرية قديمة (فرعونية)، وحداثيّة أوربيّة، تنازعَت فيما بينها سَبق الهيمنة على رموز هوية مصر البصرية، مُعَبِّرةً في هذا التنازُع عن توَجُّهات القوى السياسية والثقافية الفاعلة في المشهد حينئذٍ، والتي سعت كل قوة منها إلى محاولة تغليب رموزها الخاصة،  باستدعاء واحدةٍ من تلك المرجعيات الثلاث الرئيسة، أو للمزج بين أكثر من واحدةٍ، منها للتعبير عن خطابها، واقتحام الفضاء العام برموزٍ متجسّدة في الفراغ، وماثلة أمام جموع الشعب ليلًا ونهارًا؛ لا لترسيخ تلك الرموز والخطابات فحَسب، بل وللتدليل على قدرةٍ كلٍّ منها على حيازة نصيبٍ من هذا الفضاء العام نفسِه، على نحوٍ يلائم نسبة نفوذ كلٍّ منها، ويؤكد مدى تأثيره في مجريات الأحداث.

    “قاهرة إسماعيل”: بين الاستقطاب وإعادة التخصيص

    على الرغم من الأسبقية الزمنية لعهد الخديو “إسماعيل” (1830 – 1895) للحقبة التي يدور حولها المحور الرئيس للفصل، فإن استحضارها لا غنى عنه للكشف عن العديد من السمات والمبادئ، الجمالية والحَضَريّة التي أرساها هذا العهد، والتي ستظل حاضرةً بقوة طيلة العهد المَلَكي، لتُحدّد ملامح أساسية في هوية القاهرة البصرية.

    كما أنه من نافلة القول أن تَبَنّي “إسماعيل” للمرجعية الأوربية، هو ما رسم معالم القاهرة (الجديدة)، التي صارت لاحقًا بؤرة الحراك السياسي خلال العهد الملكي، والبوتقة التي انصهرت فيها كل المعطيات والمتغيرات التي شكّلت صيرورة التحولات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي اتخذت من القاهرة مركزًا لها على امتداد تلك الحقبة.

    وقد كان التَوَجُّه للاستعانة بالنحاتين الأجانب، والفرنسيين منهم بخاصّة له ما يبرِّره، من عهد “إسماعيل” إلى عهد “عباس حلمي الثاني”(1874 – 1944)؛ لخُلُوّ الساحة آنئذٍ من النحاتين المصريين، إذ لم تكن “مدرسة الفنون الجميلة” المصرية قد تأسست بعدُ، وكان على المصريين الانتظار إلى عام 1908، ليبدأ أبناؤهم في الانتظام بصفوف دارسي الفن فيها، ثم الانتظار لسنواتٍ أخرى حتى يستوفوا تدريبهم وإحاطتهم بفنّيّات النحت الميداني، وأصول تصميم التماثيل الصرحيّة والنصب التذكارية.

    ***

    ونتيجة لما سبق، كان لجوء “إسماعيل” إلى اثنين من أشهر النحاتين الفرنسيين في زَمَنِه، لنحت تماثيل الشخصيات الأربع التي أُنشِئت في عهده، بالإضافة لتماثيل أسود “قصر النيل” الشهيرة؛ التي تولى “هنري ألفريد جاكمار  Henri Alfred Jacquemart، نحتها (1824 – 1896) إلى جانب تماثيل كلٍ من “محمد علي”، و”سليمان باشا الفرنساوي”، و”لاظوغلي”. بينما تولى “شارل كوردييه ” Charles Cordier (1827 – 1905) نحت تمثال “إبراهيم باشا”.

    أنماط من إعادة التخصيص الرمزي في أعقاب ثورة 1919 وخلال العهد الملكي

    وقد كان لتلك التماثيل تاريخٌ حافل من وقائع إعادة التخصيص، بمختلف أنماطها، استمرت مظاهرها إلى ما بعد عصر “إسماعيل”، بل وإلى ما بعد قيام الجمهورية. من ذلك ما نال تمثال “إبراهيم باشا” رمزيًّا؛ بتوظيفه دعائيًّا في أعقاب ثورة 1919، على نحوٍ يوحي بدلالات تعضد مكانة “سعد زغلول”؛ وهو ما رصده “أحمد شفيق” باشا في حوليّاته، وهو يصف مظاهر الفرح الاحتشادي العارم بعودة “سعد” ورفاقه من منفاهم عام 1921؛ قائلًا:

    ومما استلفت الأنظار منظر تمثال إبراهيم باشا القائم فى ميدان الأوبرا. حيث قبض بيده على علم مصري عظيم. وغُطي تمثال جواده بالأعلام الصغيرة كأنما هو يشترك مع الشعب في هذا العيد السعيد. وكان منظر التمثال يأخذ بمجامع القلوب”(4).

    ومن اللافت في هذه الواقعة أن مَن عمَدوا إلى توظيف تمثال “إبراهيم باشا” في سياق الاحتفال بعودة “سعد” قد أعادوا تأويل إشارة يده الممدودة رمزيًّا؛ بحيث تؤدي بقبضه على العَلَم المصري الكبير للإيحاء برفرفة بشائر الاستقلال بمجرد عودة رمز ثورة 1919 من منفاه. وبذلك، غُيِّبَت – ولو لوهلة – الدلالة الأصلية لإشارة اليد المُوَجِّهة لقوات جيش “محمد علي”، لتحل محلها دلالة يدٍ تؤكد رمز الوطنية المُحتَفية بعهدٍ جديد، صارت فيه جموع المحتشدين السائرين أسفل التمثال مُعادِلةً لجنوده المنتصرين.

    ***

    ويكفي لإدراك استمرار قوة الحضور الرمزي لتلك التماثيل (الإسماعيلية) في القاهرة الملكية، وإعادة توظيفها في إطار مناسبات جديرة بالتأمل؛ ما وثقته الصحف والمجلات المصرية في نهاية شهر أكتوبر من عام 1924. ففي تلك المناسبة، احتشدت الجماهير في “ميدان سليمان باشا” لتحية “سعد” وهو يستقل سيارة مكشوفة محاطة بفرسان يمتطون خيولًا بيضاء، بينما التَفّت أعداد من الشباب الوفدي في حلقات حول تمثال “سليمان باشا”، راكبين دراجات هوائية وهم يهتفون. (شكل3. 5).

    شكل (3. 5): احتشاد راكبي الدراجات حول تمثال “سليمان باشا” لتحية سعد زغلول. مصدر الصورة: المصور، العدد 2، 31 أكتوبر، 1924.
    شكل (3. 5): احتشاد راكبي الدراجات حول تمثال “سليمان باشا” لتحية سعد زغلول. مصدر الصورة: المصور، العدد 2، 31 أكتوبر، 1924.

    ولم تخفَ دلالات هذه الوقائع الرمزية على الملك “فؤاد”، الذي سعى للإفادة من نتائجها الدعائية؛ من خلال التوظيف الرمزي للفضاءات الميدانية ذاتها، وللتماثيل الموجودة فيها، لتوطيد حضوره الموازي لحضور “سعد زغلول” الطاغي. وكمحاولة للتفوق على المواكب الوفدية، أضيفت لزينات استقبال الملك مُجَسّمات زخرفية، وبوابات تذكارية، وتكوينات كهربائية مصممة بإتقان، ومن أشهرها مجسمات التاج الملكي الضخمة المحلاة بالمصابيح الكهربائية، التي كانت تُرفَع لتزين “ميدان سليمان باشا”، فوق التمثال مباشرةً. (شكل 4. 5)

    شكل (4. 5): أحد مجسمات التاج الملكي خلال رفعه فوق تمثال “سليمان باشا”احتفالًا بعودة الملك “فؤاد” للقاهرة في شتاء عام 1929. مصدر الصورة: المصور، العدد 267، 22 نوفمبر، 1929.
    شكل (4. 5): أحد مجسمات التاج الملكي خلال رفعه فوق تمثال “سليمان باشا” احتفالًا بعودة الملك “فؤاد” للقاهرة في شتاء عام 1929. مصدر الصورة: المصور، العدد 267، 22 نوفمبر، 1929.
    ***

    وعلى امتداد العهد الملكي، ظل حضور تماثيل “إبراهيم باشا”(5)، و”سليمان باشا الفرنساوي”، و”لاظوغلي”، حضورًا قويًّا؛ إذ تعددت مناسبات إعادة الاستدعاء الرمزي لهذه التماثيل من خلال الوسائط الصحفية، وبخاصةٍ على أغلفة أشهر المجلات المصورة آنئذٍ، وضِمن صفحاتها الداخلية المخصصة لرصد أهم الأحداث السياسية والعسكرية. وقد كانت أهم وسيلتين تُطَوَّعان وقتها لتحقيق هذا التأويل بصريًّا هما: تقنيات توليف الصورة الصحفية، “المونتاج”و”الديكوباج”، بالإضافة للكاريكاتير السياسي.

    من ذلك مثلًا ما صَدّرَته مجلة “الاثنين والدنيا” على غلاف عددها رقم 273، الصادر في 4 سبتمبر 1939، بعد ثلاثة أيام فقط من اندلاع الحرب العالمية الثانية، واضطرار مصر للانخراط فيها بموجب معاهدة 1936، وما استتبَعَه ذلك من تأسيس “القوات المُرابطة” للدفاع عن المرافق الداخلية، وقطع العلاقات الدبلوماسية بألمانيا.

    وقد لخصت هذه الأحداث رمزيًّا على غلاف المجلة؛ من خلال تكرار صور لصفوف من الجنود المصريين تمتلئ بهم خلفية المشهد تمامًا، ويطل عليهم تمثال “إبراهيم باشا” من فوق قاعدته، التي كتب عليها  “المجد من ورائكم، والنصر أمامكم، فامضوا إلى الجهاد بعزم وإيمان”. وبذلك أعيد تأويل حركة يد التمثال الشهيرة؛ لتغدوا توجيهًا يتلقاه جنود مصر على مشارف الحرب العالمية الثانية، مثلما سبق وتلقاه أسلافهم؛ في مقابلة مجازية تربط الماضي العسكري لجيش “محمد علي” بقيادة “إبراهيم” بحاضر الأحداث المشتعلة عالميًا على مشارف الحرب العالمية الثانية. (شكل 5. 5)

    تمثال “إبراهيم باشا” من فوق قاعدته
    تمثال “إبراهيم باشا” من فوق قاعدته
    ***

    من المفارقات أن يصدُر هذا العدد في صبيحة نفس اليوم – 4 سبتمبر – الذي تدخل فيه الملك “فاروق” لمنع إعلان الحرب، وتوجيه رئيس وزرائه “علي ماهر”، بالعدول عن القرارات التي اتخذتها وزارته لإشراك مصر في الحرب ضِمن صفوف الحُلفاء؛ وهو ما نتج عنه تقدُّم “ماهر” يوم 9 سبتمبر – بعد خمسة أيام من صدور العدد – بخطابه الشهير للاعتذار لبريطانيا عن عدم إعلان مصر الحرب.

    وحين آذَنَ عهد “فاروق” بالأفول، جرت محاولة لإعادة تخصيص تمثال “إبراهيم باشا” رمزيًّا، بما يفضي إلى الإيحاء مِن طرفٍ خفيّ بانحدار “فاروق” من أرومة ذات عراقة عسكرية، وذلك بعد أربعة أشهر فقط من اشتباك الجيش المصري في معارك حرب فلسطين عام 1948، فضلًا عن أن تلك المرحلة نفسها كانت قد بدأت تشهد اهتزازًا لصورة “فاروق” في عيون المصريين، بعد أن خابت فيه آمالهم العِراض التي استَهَلّوا بها عهده بحماسٍ مفرِط.

    ***

    ففي سبتمبر من عام 1948، أمر “فاروق” بإعادة تركيب اللوحتين البرونزيتين، اللتين سبق وأن اعترضت تركيا على تثبيتهما على قاعدة تمثال “إبراهيم باشا” عند إنشائه في عهد “إسماعيل”؛ بسبب تصويرهما لانتصار المصريين على الأتراك في معركتَي “نزيب” و”عكا”.

    ونظرًا لضياع اللوحتين الأصليتين اللتين نفذهما “كوردييه”، فقد لجأ القصر الملكي إلى وزارة المعارف، التي أسندت إلى النحاتَين المصريَّين “أحمد عثمان” (1907 – 1970) و”منصور فرج” (1909 – 2000) إعادة تنفيذ اللوحتين اعتمادً اعلى صور فوتوغرافية للأصول المفقودة. وكان الغرض المُعلَن من ذلك هو مناسبة الاحتفال بمرور مائة عام على وفاة “إبراهيم”(6)، والذي كان يوافق 10 نوفمبر 1948.

    وبرغم أن أسباب اعتراض تركيا كانت قد زالت بزوال دولة الخلافة العثمانية، وبقيام تركيا الكمالية، فقد اعترضت تركيا على تركيب اللوحتين على قاعدة التمثال للمرة الثانية! (7). وبحلول عام 1950، تم تركيب اللوحتين أخيرًا، ولكن دون أن تؤديا الغرض الاحتفالي المُعلَن لهما؛ بمرور عامَين على احتفال مئوية “إبراهيم”، وبعد أن انقضى أكثر من عام على اتفاق توقيع الهدنة بين مصر وإسرائيل في فبراير من عام 1949.

    صراع تمثال “مصطفى كامل” من الخديوية إلى المَلَكية

    على رغم أن تمثال “مصطفى كامل” نفذ خلال عهد الخديو “عباس حلمي الثاني”، فقد شهدت علاقته بالفضاء الحضري المصري أطوارًا ثلاثة، تعاقبت خلال ثلاثة نظم للحُكم، وعبرت عن تناقُضات الجَدَل السياسي الدائر خلالها. ففي الطَور الأول، بدأ تمثال “مصطفى كامل”(خديويًّا)، منذ وصوله إلى القاهرة في يناير من عام 1914، بعد تنفيذه في فرنسا بواسطة النحات “ليوبولد سافين” Leopolde Savine، الذي أتَمَّه عام 1910 (8).

    ورغم عرضه في معرض باريس للفنون الجميلة في مايو 1910، فإنه ظل ثاويًّا داخل الصناديق التي أرسِل فيها لمدة أحد عشر عامًا (9)، دون أن يتاح له شَغل فضاءٍ مكانيّ يتناسب مع مكانة صاحبه ولا مع قيمته الفنية؛ لأسباب تتعلق بموقف قوى الاستعمار الإنجليزي من مشروع “مصطفى كامل” الوطني، وكذا لأسباب متعلقة بالسياسات الحزبية المتقلبة وقتها. ونتيجة لفشل المحاولات المتعددة آنئذٍ لإقامته في مكانٍ مناسب، فقد انتهى به طوره الثاني إلى أن يقامَ في “مدرسة مصطفى كامل” في حي “الخرنفش”، وهو ما تم عام 1921 في عهد السلطان “أحمد فؤاد”.

    ***

    وفي الطَّور الثالث، أسفِر عنه (مَلَكِيًّا)، حين أزاح الملك “فاروق” الستار عنه في 14 مايو من عام 1940 في إبّان وزارة “علي ماهر”، في موقعه الجديد بميدان “سوارس” الذي أطلق عليه لاحقًا اسم “ميدان مصطفى كامل”. وكان هذا الإشهار المتأخر للتمثال ثمرة لجهود مجموعة من رجال الحزب الوطني وأنصاره، على أثر رفع الستار عن تمثالَي “سعد” في القاهرة والإسكندرية (10) يوم 27 أغسطس 1938؛ وهو ما يعكس بوضوح كوامِن النزاع بين حِزبَي “الوفد” و”الوطني” وقتها (11).

    وقد عدل اختيار مكان إقامة تمثال “مصطفى كامل”، من “ميدان الملكة فريدة”(العتبة الخضراء)، إلى “ميدان سوارس”. وكان هذا التعديل ضربًا من “إعادة التخصيص” المكاني، الناتج عن مواءَمات سياسية، وسجال رمزي مضمر، بين “الحزب الوطني” و”الوفد”، تم تبريره بمبررات فنية وإنشائية صدرت للتداول العام؛ حين كان الخيار مطروحًا في بدء إقامة تمثال “سعد” القاهري، للمفاضلة بين ميدان “الملكة فريدة” و”ميدان الجزيرة”، الذي اختير لتمثال “سعد”، ليخلو مِن ثَمّ ميدان “الملكة فريدة” لتمثال “مصطفى كامل”(12).

    ***

    ولكن وزارة الأشغال تبينت أن سعة الميدان لا تناسب حجم تمثال “مصطفى كامل”… وبعد القيام بالتجارب الفنية اختير ميدان سوارس وسمي ميدان مصطفى كامل. وحرص القائمون على أمر الإنشاء أن يوثقوا واقعة الاكتتاب الشعبي لإقامة التمثال على أحد جوانب قاعدته (13). وهو ما يفصِح عن حرص “الحزب الوطني” على معادلة الهالة التي سبق وأن أحاطت بتمثال “نهضة مصر”؛ حين اكتتبت الأمة لدعم مشروعه. ويتأكد هذا السجال الرمزي بين حزبَي “الوفد” و”الوطني” مما ورد حول مقاطعة رجال “الوفد” لحفل رفع الستار عن تمثال “مصطفى كامل” (14).

    أما المستوى الثاني من السجال السياسي – وهو الأعمق – والذي ارتبط بحفل رفع الستار عن تمثال “مصطفى كامل”، فكان متصلًا على نحوٍ مباشر بما سبق ذكرُه، من تدخل الملك “فاروق”- قبل ثمانية أشهُر – لوقف إعلان مصر الحرب في صفوف الحلفاء عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتوجيهه رئيس الوزراء “علي ماهر” بإعداد بيان الاعتذار الخاص بذلك. ومن جانبٍ آخر، كان توتر العلاقة بين “فاروق” و”مصطفى النحاس” زعيم الوفد، وعَرّاب معاهدة 1936، وبخاصة بعد إقالته في نهاية ديسمبر 1937، سببًا إضافيًّا لمقاطعة الوفديين للحفل.

    وكانت حكومة “علي ماهر” وقتها تواجه موقفًا صعبًا للغاية (15). وقد تجلّى ذلك في حفل رفع الستار عن التمثال من أكثر من زاوية؛ أهمها الخطاب الحماسي الذي ألقاه “علي ماهر” في الحفل، والذي فاض ثناءً على “مصطفى كامل”- الخصم اللدود لإنجلترا – وإشادة بوطنيته، وربطًا بين مساعيه لاستقلال مصر بما تم جزئيًّا في عهد “فؤاد”، وما هو مأمول في عهد “فاروق” (16).

    هوامش
    1. الجبرتي، ص52.
    2. جريدة المقطم، العدد 718، 15 /7 / 1891، ص3.
    3. ياسر منجي، 2023.
    4. أحمد شفيق، 2012، ص303.
    5. “المصور”، 5 ديسمبر 1924.
    6. آخر ساعة، 8 سبتمبر 1948.
    7. آخر ساعة، 9 أغسطس 1950.
    8. عبد الرحمن الرافعي، 1957، ص78.
    9. المصور، 1 مارس 1940.
    10. المصور، 9 سبتمبر 1938.
    11. إبراهيم عبد الله المسلمي، 1989، ص205، 206.
    12. المرجع السابق.
    13. مقال “لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة”، 1940.
    14. عبد الرحمن الرافعي، 1947، ص79.
    15. صبري أبو المجد، 1987، ص152.
    16. عبد الرحمن الرافعي، 1947، ص79، 80، 82
    اقرأ أيضا

    الفيلم السينمائي كأرشيف للتراث المديني

  • وداعا 2025.. عام الفقد

    وداعا 2025.. عام الفقد

    “وداعا”.. ربما كانت الكلمة هي الأكثر استخدامًا في تغطياتنا لقضايا التراث والعمارة طول العام المنقضي..

    وداعا قلناها لمقابر القاهرة التراثية التي اختفت وتلاشت كالغبار ولم يعد لها وجوده على الرغم من قيمتها المعمارية والتاريخية

    وقلناها أيضا لعدد من الحدائق.. والمباني التراثية في المحافظات.. كان عام 2025، عام “الفقد” بامتياز، ولكننا حاولنا، مؤمنين أن الكتابة هي معركتنا الأخيرة ضد النسيان.

    ————————

     
     
     
     
    هنا استعراض لبعض أهم موضوعاتنا في 2025
    آثار ترانزيت: التلاعب بمستندات الملكية يُمكّن عصابة أوروبية من تهريب آثار مصرية

    نكشف من خلال هذا التحقيق عن استخدام رخص تصدير مزورة، ومستندات ملكية وهمية، في الاتجار بالآثار المصرية المهربة في أوروبا والولايات المتحدة.

    ———————————

    التطوير يصل إلى وسط القاهرة: هل نقول وداعا للمدينة التي نعرفها؟

    يصف خبراء التخطيط العمراني والآثار المشروع الذي يسعى لتحويل وسط البلد إلى نسخة مشابهة لـ«داون تاون دبي» بالـ «غامض»، في ظل عدم وضوح الخطة الرسمية واشتراطات ترميم صارمة للمنطقة التراثية.

    عمارات منطقة وسط البلد

    —————————————-

    قطار «أبو قير» في خانة المحو

    ماذا خسر الإسكندرانية بعزل قطار «أبو قير» من الخدمة نهائيا في انتظار المترو الواعد كبديل لقطار ضواحي المسافات القصيرة الذي عرفناه منذ الصبا؟

    قطار أبوقير
    قطار أبوقير

    ———————————

    «الجميع خائفون»: بعد هدم قبة كلزار.. لماذا تخلى أساتذة الآثار عن مسئوليتهم تجاه التراث؟

    تستمر أعمال هدم المقابر التاريخية داخل جبانة الإمام الشافعي رغم وعود المسئولين بالحفاظ على الجبانات إلا أن النزف مستمر، وكانت قبة كلزار آخر الضحايا. أمام هذا الواقع اكتفت وزارة الآثار بالصمت، وكذلك الأثريون والمثقفون.. لماذا الصمت..كان سؤالنا؟

    آثار الهدم في الإمام الشافعي - صور متداولة
    آثار الهدم واضحة في الإمام الشافعي – صور متداولة

    ———————————–

    تطوير وسط القاهرة: أفكار لا تناقشها الحكومة

    من حق جميع المعنيين أن يناقشوا نية الحكومة في تطوير وسط القاهرة، لأن هذه المنطقة هي تراث يخص كل مصري، فلا يمكن أن يترك لحكومة تتعامل في أحيان كثيرة بمنطق تجاري استهلاكي بحت.

    مبنى وزارة الأوقاف.. تصوير: ميشيل حنا
    مبنى وزارة الأوقاف.. تصوير: ميشيل حنا

    ———————————-

    «أندرو سايمون»: المصريون صنعوا ثقافاتهم الشعبية بالكاسيت.. وهجوم المهرجانات بدأ مع عدوية

    حين تتحدث الشرائط، يصمت التاريخ الرسمي، من هذه الفكرة، فتح أندرو سايمون بوابة مختلفة لفهم الثقافة الشعبية في مصر. في هذا الحوار، نلتقي المؤلف الذي رأى في “الصوت الشعبي” مفتاحًا لفهم مصر بأعين جديدة.

    أندرو سايمون
    أندرو سايمون

    ————————————-

    البلدوزر الحكومي يطيح بمبنى «هندسة السكة الحديدية» التاريخي

    عندما تخرج من محطة مصر إلى ميدان رمسيس، ستجد أعمال هدم وبناء قائمة تحت لافتة “التطوير”، الذي تحتفظ الحكومة وأجهزتها بأسراره، لكي تفاجئنا بين حين وآخر بالتضحية بأحد المباني التاريخية على مذبح التطوير، وهذه المرة جاء الدور على مبنى الإدارة الهندسية لسكك حديد مصر

    مبنى هندسة السكة الحديد..تصوير: كريم بدر
    مبنى هندسة السكة الحديد..تصوير: كريم بدر

    ————————————

    المتحف الكبير.. لمن نقدم آثارنا؟

    المتحف الكبير يدعو للفخر ولا شك بسبب حجمه وحجم مقتنياته وطريقة العرض المتحفية المتميزة، لكن اهتمام الحكومة بالمتحف كجزء من الترويج السياحي يجعلنا نعيد التدبر في سؤال: لمن نقدم آثارنا؟

    المتحف المصري الكبير.. مشاع إبداعي
    المتحف المصري الكبير.. مشاع إبداعي

    ——————————–

    «مونيكا حنا» تتحدث: توضيحات حول الاتهامات ومقترحات لإصلاح منظومة الآثار

    مونيكا حنا، العميد المؤسس لكلية التراث الحضاري بالأكاديمية البحرية تتحدث عن حملة الهجوم عليها.. وعن إدارة التراث في مصر.

    مونيكا حنا.. هذه رؤيتي لإدارة الآثار في مصر
    مونيكا حنا.. هذه رؤيتي لإدارة الآثار في مصر

    ——————————

    وداعًا ترب السيدة نفيسة.. دهسها البلدوزر الحكومي

    تتواصل عمليات هدم جبانات القاهرة، الأمر الذي يهدد بزوالها قريبًا بعد انتهاك نسيجها العمراني والتاريخي الفريد ولا أدل على هذا المصير الأسود الذي ينتظر الجبانات التاريخية للعاصمة المصرية، مما يحدث حاليًا من أعمال هدم واسعة لترب السيدة نفيسة التي تعود بتاريخها لنحو 1200 عام تقريبًا.

    هدم جبانات القاهرة.. تصوير: إبراهيم طايع
    هدم جبانات القاهرة.. تصوير: إبراهيم طايع

    ———————————-

    «ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

    هل نقول وداعا لترام الإسكندرية

    ترام الإسكندرية يدخل إلى محطة الرمل.. تصوير: محمد عوض
    ترام الإسكندرية يدخل إلى محطة الرمل.. تصوير: محمد عوض

    ——————————–

    تجاهلوا الخطابات الرسمية وعطلوا اللجان| بالمستندات.. الآثار ترفض تسجيل مقابر «باب النصر»

    مستندات رسمية من داخل إدارات المجلس الأعلى للآثار، تفيد بمسؤولية وزارة الآثار عن السماح بهدم مقابر باب النصر التاريخية.

    مقابر باب النصر.. تصوير: مصطفى الصادق
    مقابر باب النصر.. تصوير: مصطفى الصادق

    ——————————-

    تدمير الحدائق العامة وإهدار التراث.. لماذا يدفع المصريون ثمن التطوير العشوائي؟

    لم يعد المصريون يحتفلون بالأعياد في الحدائق، بسبب غلق أغلب المتنزهات والحدائق العامة بدعوى «التطوير».

    الكوبرى المعلق بحديقة حيوان الجيزة.. أرشيفية
    الكوبرى المعلق بحديقة حيوان الجيزة.. أرشيفية

     

  • «الكشري المصري»: طبق واحد بطعم كل محافظة

    «الكشري المصري»: طبق واحد بطعم كل محافظة

    إعداد: أسماء الشرقاوي ودعاء عبدالحميد وجاسمين مهنى وأسماء منتصر

    بعد إدراج «الكشري المصري» ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي لدى منظمة اليونسكو، أجرى «باب مصر» جولة ميدانية، تتبع خلالها رحلة هذا الطبق من جنوب الصعيد إلى شماله، وصولا للمدن الساحلية، لرصد طرق إعداده وطقوس تناوله، باعتباره جزءا أصيلا من الهوية الغذائية المصرية ووجبة يومية لا غنى عنها.

    قنا.. عربات الكشري في قلب الشارع

    تنتشر في محافظة قنا عدد كبير من عربات الكشري منذ سنوات طويلة، ويقبل عليها الزبائن من مختلف الفئات. ما جعل الكشري الأكلة الأكثر شهرة والأقل سعرا. ويقبل على تناوله في الشتاء والصيف، ليلا ونهارا، لا سيما من طلاب المدارس والجامعات والعاملين في الوظائف الحكومية.

    ويرجع انتشار الكشري إلى توافر مكوناته الأساسية بسهولة، وانخفاض تكلفتها مقارنة باللحوم. إذ يعتمد على الأرز والمكرونة والبصل والطماطم، وهي عناصر بسيطة لكنها مشبعة. وتجول «باب مصر» في عدد من الأماكن التي تقف بها عربيات الكشري المتنقلة بمدينة قنا. ومن بينها منطقة عمر أفندي، ومنطقة الشبان المسلمين، والسوق الفوقاني، وهي مناطق تتسم بالكثافة السكانية العالية.

    منطقة الشبان المسلمين بمدينة قنا

    في هذه المنطقة، اعتاد الشاب بلال أمين منذ صغره مساعدة والده صاحب عربة الكشري. وعندما بلغ الثامنة عشرة من عمره، بدأ في تولي نصف اليوم لبيع الكشري بعربة والده، التي أصبحت معروفة بثباتها في منطقة الشبان المسلمين. ما جعل الزبائن يتوافدون عليها من مناطق مختلفة.

    يقول بلال أمين إن أسرته تعمل جميعها في مجال الطهي، واختار والده الكشري لأنه في متناول الجميع، وتستطيع مختلف الفئات شراءه. فضلا عن كونه من أشهر وأسهل الأكلات بالمحافظة، وأرخصها سعرا، وأكثرها أمانا صحيا مقارنة باللحوم.

    ويحكي لـ«باب مصر» أن والدته تبدأ يوميا في تجهيز الكشري من الساعة الثامنة صباحًا، ويخرج به في العاشرة على عربة الكشري، ليبدأ البيع للأطفال والكبار والشباب. بأسعار تبدأ من خمسة جنيهات للأطفال، وتصل إلى 30 جنيها للشباب.

    ويجلس بعربته الزرقاء منتظرا زبائنه المعتادين، ومعظمهم من الأطفال والشباب، حتى ينتهي من البيع قبيل العصر. ثم يعود إلى المنزل. وبعدها تبدأ والدته في تجهيز كمية أخرى يخرج بها والده في الفترة المسائية، لتصبح الأسرة واحدة من شهر بائعي الكشري بالعربات المتنقلة في قنا.

    منطقة عمر أفندي بالمدينة

    في مكان آخر من شوارع المدينة، وتحديدا بمنطقة عمر أفندي، إحدى أقدم مناطق قنا. يجلس الشاب مصطفى أبو عبدالله بعربته المخصصة لبيع الكشري، بعد أن ورث المهنة عن والده وأخيه الأكبر. وتزين عربته عبارات مكتوبة بخط جميل، منها: “عايزة صبر”، و”الله المستعان”، و”الله غالب”.

    ويقول إن والدته تبدأ منذ الساعة السادسة صباحا في تجهيز كمية كبيرة من الكشري يوميا، يأخذ جزءا منها إلى منطقته. حيث يجلس من الساعة العاشرة صباحا وحتى المغرب، حتى يتمكن من بيعها. فيما تجهز كميات أخرى لوالده وأخيه، اللذين يتنقلان في شوارع المدينة بعربات أخرى مخصصة لبيع الكشري.

    من قنا إلى قوص

    يشير مصطفى إلى أنه يعمل في بيع الكشري منذ عام 2012، بينما كان والده يعمل بالمهنة منذ أكثر من 20 عاما، فتعلم منه ومن شقيقه الأكبر، حتى استقل بذاته في البيع. ويؤكد أنهم يقدمون الكشري البسيط الذي اعتاد عليه أهالي قنا. والمكون من الأرز والمكرونة والشعرية والعدس، مع كميات وفيرة من البصل والطماطم، دون إضافة مكونات جديدة.

    ويضيف أن الكشري يقبل عليه المواطنون من جميع الفئات، فهو وجبة الغني والفقير. إذ يشتري الطفل طبقا صغيرا بخمسة جنيهات. بينما يشتري الشباب أطباقا أكبر بسعر 20 و30 جنيها، وينفق من عائده على أسرته.

    ولا تقتصر شهرة عربات الكشري على مدينة قنا فقط، فهناك بائعون معرفون في مراكز أخرى مثل قوص. من بينهم حمدي بصل، أحد أشهر بائعي الكشري في منطقة السوق الفوقاني، أقدم مناطق قنا. حيث يلتف حوله طلاب الجامعة من الساعة الثامنة وحتى العاشرة مساءً. ويُنهي كامل ما لديه نظرا للإقبال الشديد، وهو يعمل بالمهنة منذ أكثر من 20 عاما.

    وفي قوص أيضا، توجد عربة كشري لشاب متزوج يعول أسرة، يجلس أمام مدرسة التعليم الصناعي بنين، ويقبل عليه الطلاب أثناء دخولهم وخروجهم. كما توجد عرب أخرى بقرية البطحة، تعمل يوميا من السابعة حتى العاشرة صباحا. ليتناول العمال والطلاب وبعض الأهالي وجبة الإفطار. ويعد صاحبها من أفضل صانعي الكشري بالمركز، لانتمائه إلى عائلة متوارثة في إعداد الكشري والطعمية.

    من جنوب الصعيد إلى شماله.. الكشري حاضر

    بالانتقال من قنا جنوبا إلى محافظة المنيا شمالا، لا يختلف المشهد كثيرا، وإن اختلفت طريقة التقديم. ففي شارع بورسعيد بمركز أبو قرقارص، تتحول “ساندوتشات الكشري الحارة بالورد المقرمش” إلى وجبة تجمع الفقير والغني.

    تتردد هذه الجملة في ساعات الظهيرة على ألسنة الصغار والكبار أمام محلات الكشري. حيث يتزاحم المواطنون على وجبة سريعة تخفف عنهم مشقة الحياة اليومية. حتى أصبحت محلات الكشري أيقونة للأكلات الشعبية، يقبل عليها الناس في الإفطار أو الغداء.

    ولا تقتصر ظاهرة “ساندوتش الكشري” على المنيا فقط، بل تمتد إلى محافظات شمال الصعيد مثل الفيوم وبني سويف، في تقليد قد لا تجده منتشرا بنفس الشكل في باقي المحافظات.

    ويقول الحاج فيصل، صاحب محل “كشري فيصل” بالمنيا لـ”«باب مصر»: “الكشري معشوق الجماهير، ومن النادر أن تجد شخصا لا يحبه، فهو وجبة متكاملة تعبر عن وجدان الإنسان المصري. ولا أحد يستطيع مقاومة رائحة العدس والبصل والدقة والثوم والصلصة. هذه الخلطة تدفع المارة لشراء طبق أو ساندوتش كشري حتى لو لم يكونوا يشعرون بالجوع، فلكل طباخ سر وحكاية ولمسة خاصة”.

    ويضيف أن الطلاب والموظفين وعمال اليومية من أكثر الفئات إقبالا على الكشري. وكثير منهم يفضل تناوله في صورة ساندوتش، يختلف سعره حسب رغبة الزبون، بين من يفضله بالعيش البلدي، أو بساندوتش المكرونة.

    أصناف جديدة للكشري

    لم يكتف أصحاب محلات الكشري بالطبق التقليدي المعروف، بل استحدثوا العديد من الإضافات والأشكال الجديدة. ويقول الحاج فيصل إن من بين هذه الأصناف: الكشري باللحمة المفرومة، والكشري بالفراخ، والكشري بالكبدة. إلى جانب طواجن الكشري “اللوكس”.

    ويوضح أن كثيرا من الزبائن يطلبون إضافات متعددة، مثل “الورد” وهو البصل المحمر، والدقة، والمخلل، والشطة بقطع الطماطم. فضلا عن العيش المحمص المتبل.

    ويشير الحاج فيصل إلى أن أسعار الكشري تغيرت كثيرا مقارنة بالسنوات السابقة. إذ كانت تتراوح قديما بين جنيه وجنيه ونصف، وكان الطلاب وعمال اليومية يكتفون بكيس كشري بجنيه ورغيف عيش لسد جوعهم طوال اليوم. ويضيف: “المطعم يتردد عليه أعداد كبيرة من الشباب والسيدات والأطفال، اللي معاه فلوس بياكل واللي معهوش بياكل، ودعوة صادقة من شخص غير قادر هي أهم مكسب أحققه”. ويؤكد أن الإقبال الأكبر من الطلاب يظل على ساندوتشات الكشري.

    ساندوتش الكشري بعد صلاة العيد

    يتابع فيصل: “لا ننسى أن ساندوتشات الكشري هي بطلة الأعياد”. إذ يقبل المصلون بعد أداء صلاة العيد في الصباح الباكر على محلات الكشري، ليصبح طبق الكشري وساندوتش الكشري من أهم طقوس الاحتفال بالعيد.

    ويقول الحاج صبحي عبدالعال، أحد الزبائن، إن الكشري لا غنى عنه في حياته اليومية. ويلجأ إليه باستمرار ليعينه على مشقة اليوم. وأحيانا يطلب أصنافا مختلفة مثل الكشري باللحمة أو الفراخ أو الكبدة، ولكل مذاقه الخاص.

    وتقول منة عبدالله، طالبة، إنها تواظب وزميلاتها على شراء ساندوتشات أو أطباق الكشري مع العيش المحمص طوال فترة الدراسة من مصروفهن اليومي. مؤكدة عشقهن لطواجن الكشري بالفراخ، خاصة مع الدقة الزيادة والورد المقرمش.

    ويقول عمر عبدالرحمن، طالب، إن ساندوتش الكشري هو “بطل يومه” خلال الدراسة. ولا يستطيع مقاومة رائحته أثناء مروره أمام المحلات. وغالبا ما يطلبه مع العيش المحمص والمخلل والشطة بقطع الطماطم لمذاق أفضل.

    عشق المهنة

    يقول محمد مصطفى، عامل بمحل كشري، إنه يعشق هذه المهنة ويتفنن فيها حسب طلب الزبائن، فكل طباخ أسراره ونكهته الخاصة. وهو ما يجعل بعض الزبائن يفضلون محلا بعينه دون غيره. ويضيف: “لم أتعلم أسرار طبخ الكشري فقط، بل تعلمت أخلاق المهنة من والدي، الذي أوصاني بأن أكون دائما بشوشا وحسن اللسان. حتى أكسب قلوب الناس، فكانت هذه الوصية منهج حياة”.

    ساندوتش “المرمرية”

    يضيف علي إبراهيم، أحد عمال محلات الكشري، أن كثيرا من الزبائن يطلبون ساندوتش “المرمرية” وهو ساندوتش المكرونة بالصلصة. إلى جانب ساندوتش الكشري “اللوكس” بالورد، كما يلقى الإقبال ساندوتشات الكشري بالعيش السوري والشامي. وساندوتشات الكشري بالفراخ والكبدة، وكشري اللحمة المفرومة.

    ويشير الحاج علاء فكري، أحد الزبائن، إلى أن أطباق الحلو مثل المهلبية، وأم علي، والأرز باللبن، من أهم ما يميز المطاعم عن بعضها. خاصة أنها تخفف من الشطة الحارة في الكشري.

    وعن قائمة الأسعار، يقول علي إبراهيم إن لديهم: علبة لوكس 7 جنيهات، وعلبة “شبح” 10 جنيهات، وكشري جامبو 12 جنيها، وكشري ميجا 15 جنيها، وكشري العمدة 20 جنيها, وطاجن كشري لحمة أو كبدة أو فراخ 25 جنيها. أما الحلويات فتبدأ من 5 جنيهات، وكذلك الإضافات مثل العدس، والورد، والحمص، والعيش.

    من المنيا إلى أسيوط.. ذاكرة الكشري

    من شمال الصعيد إلى قلبه، يحضر الكشري بقوة في محافظة أسيوط. حيث لا يمثل مجرد وجبة شعبية، بل جزءا من هوية المدينة وذاكرتها اليومية. ففي قلب أسيوط القديمة، وعلى بعد خطوات من محطة القطار، تقف أقدم محلات الكشري شاهدا على أكثر من ثلاثة عقود من النكهة والتاريخ.

    كشري وحلواني “نجمة الحمصاني”

    بين الواجهات العتيقة والبيوت القديمة، ولد أول طبق كشري في أسيوط داخل محل “كشري وحلواني نجمة الحمصاني”. الذي جمع عمالا وطلابا ومسافرين على طاولة واحدة. ولم يكن المكان مجرد مطعم، بل محطة دفء يومي يتوارثها الناس جيلا بعد جيل، كما يقول عم رمضان شفيق، أحد الزبائن الدائمين.

    سعر الكشري زمان

    يتابع شفيق: “يُعد المكان أول مطعم كشري في مدينة أسيوط، وأحد المطاعم اللامعة التي ارتبط اسم المدينة بها. ويتوافد عليه الزبائن ثقة في مذاق الكشري وجودة مكوناته. فضلا عن نظافة المكان وتاريخه الممتد بين أهل أسيوط وزائريها. ومع كل طبق يخرج من القدر العتيق، يعود الزبائن بذاكرتهم إلى الطعم الأول. الذي بقي كما هو رغم تغير الأزمنة. وإلى صاحب المحل الذي ظل يعرف زبائنه بأسمائهم ويفتح أبوابه قبل أن تستيقظ المدينة”.

    ويحكي عم شفيق أن أول طبق كشري في “كشري وحلواني نجمة الحمصاني” كان يباع بـ25 قرشا فقط. ومع تعاقب السنين وتغير الأجيال، ارتفعت الأسعار نتيجة زيادة تكلفة مكونات الكشري من مكرونة وأرز وبصل وعدس. إضافة إلى ارتفاع أجور العمال، لتتراوح الأسعار حاليا بين 20 و40 جنيها.

    وتتنوع الأحجام بين: “التوب، والوسط، والكبير، والجامبو نجمة الحمصاني”. مع إمكانية إضافة الحمص أو الفراخ أو العدس المحمص أو البصل، إلى جانب المشروبات.

    ويضيف عم رمضان أن المطعم يقدم أيضا طواجن إضافية بجانب الكشري. مثل طواجن المكرونة بالفراخ أو اللحمة أو الكبدة. فضلا عن ركن الحلويات الذي يضم الأرز باللبن، والأرز بالفرن، والكاسترد، والمهلبية بالفرن، وأم علي، والمشمشية.

    كشري الهناء

    على بعد خطوات من محطة السكة الحديد بأسيوط، وبالقرب من موقف الأربعين. يقف مطعم كشري “الهناء” كأحد معالم المدينة، بوصفه ثاني أقدم مطعم كشري في أسيوط. يحمل المكان عبق التاريخ. وتتشابك بين جدرانه ذكريات رسمتها أجيال متعاقبة. حيث يتصدر الكشري كرمز من رموز التراث الشعبي الذي حافظ على حضوره رغم تغير الزمن.

    ويقول هشام مصطفى، المسؤول عن إدارة المطعم، إن “الهناء” يفتح أبوابه منذ عشرات السنين، ورغم صغر مساحته والمنافسة المحيطة به، فإنه يتميز بطعم خاص ورائحة تجذب المارة. ويضيف أن للمحل خلطته المميزة التي تجعل زبائنه يعودون إليه مرارا. مع اختلاف الأسعار حسب حجم الطبق وجودة المكونات المستخدمة، والتي يحرص أصحاب المكان على اختيارها بعناية رغم ارتفاع تكلفتها.

    ويتابع أن سعر الكشري قديما كان لا يتجاوز الجنيه الواحد، لكن ارتفاع أسعار المكونات خلال السنوات الأخيرة انعكس على السعر الحالي. ورغم ذلك، ظل كشري “هناء” محتفظا بروحه الأولى وبساطته المميزة. بطعم لا يتغير وذاكرة ممتدة تعيد الزائر إلى زمن أكثر هدوءا. وتتنوع أسماء أطباق الكشري داخل المحل بين “كشري عادي، سوبر، سوبر لوكس، كشري الهناء، كشري جامبو، وكشري جامبو الهناء”.

    ذكريات الأسايطة مع الكشري

    “الكشري مش أكله وخلاص.. ده عشق من وأنا طفل لحد النهاردة”، بهذه الكلمات بدأ محمد عبد الباسط، في نهاية الأربعينات من عمره، حديثه لـ«باب مصر» مستحضرا ذاكرة ممتدة مع الكشري. ويقول: “فاكر وأنا طفل أجري أروح أشتري كشري وآكله وهو سخن قبل ما يبرد. كل ما بكبر بحس إن طعمه مرتبط بعمري. وبالشوارع اللي اتغيرت وبالناس اللي لسه فاكرة طعم الكشري زمان. وعشان كده مهما فتحت مطاعم كشري جديدة، خطواتي دايما بتاخدني للمطاعم القديمة اللي ليَ في كل ركن فيها ذكرى”.

    وبالمثل تقول سهير محمد، ربة منزل في العقد الثالث من عمرها: “نجمة الحمصاني من الأماكن اللي ليها مكانة مميزة في قلبي. لما أحب آكل كشري مظبوط بروح له من غير تفكير. طعمه ثابت، والنظافة باينة، والتعامل راق”.

    وتضيف أنها تتردد على المحل منذ أكثر من 15 عاما. وأصبحت تصطحب أبناءها معها: “الكشري عندهم مختلف، الرز مظبوط، والمكرونة فريش، وريحة الدقة تفتح النفس، والصلصة فيها حرارة خفيفة تخليك تخلص الطبق كله. وبعدها نطلب الحلو رز بلبن. مهما نبعد، بنرجع له”.

    ويقول أحمد حسين، مهندس في الأربعينات من عمره: “الكشري بالنسبة لي مش مجرد وجبة، ده طقس يومي من أيام الجامعة. بروح لنفس المحل، ريحة البصل وهو بيتحمر كانت بتسوقني أنا وصحابي قبل ما نوصل. والطعم زي ما هو ما اتغيرش. الكشري في أسيوط له نكهة خاصة لأنه مرتبط بذكريات الصحبة واللمة”.

    من الصعيد إلى البحر.. “الكشري بالكبدة” أيقونة الإسكندرية

    بعد أن حمل الكشري في محافظات الصعيد ذاكرة ودفء الحكايات، يصل الطبق الشعبي الأشهر إلى الإسكندرية. حيث تكتسب نكهته ملامح مختلفة، ويبرز “الكشري بالكبدة” بوصفه أحد أكثر الأنواع إقبالا بين جمهور المدينة.

    تقول نهال مصطفى، باحثة في الأنثروبولوجيا والتراث الثقافي غير المادي بالمعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون، إن الكشري ليس مجرد وجبة، بل يرتبط بالعادات والتراث. ويعكس جانبا أصيلا من الشخصية المصرية، التي استطاعت من خلال حبوب بسيطة أن تصنع وجبة متكاملة ذات هوية مصرية خالصة. وتشير إلى أن للكشري جذورا تاريخية وثقها عدد من المستشرقين الذين زاروا مصر. ما يجعله جزءا من التراث الغذائي القادر على أن يكون عنصرا من عناصر الجذب السياحي، في ظل انتشار ما يعرف عالميا بـ”سياحة الطعام”.

    وتضيف أن من الأنواع التي تتميز بها مدينة الإسكندرية طبق الكشري المكون من الأرز والعدس الأصفر فقط. وهو ما تفسره بطبيعة نمط الحياة السريع الذي يميز السكندريين. وتوضح أن الكشري في الإسكندرية يعد وجبة موفرة تلجأ إليها الطبقات الشعبية، لكنه ينتشر أكثر كوجبة منزلية مقارنة بانتشاره في محال الكشري كما هو الحال في القاهرة.

    كما تشير إلى تميز المدينة بالكشري الجمبري، باعتبارها مدينة ساحلية تنتشر بها أسواق السمك والصيادين على طول شواطئها. ولكنه أيضا طبق يُطلب خصيصا وليس معتاد وجوده في محال الكشري. ويُعد طبق الكشري بمكوناته المعروفة هو الأكثر انتشارا.

    مكونات الكشري المصري المتوازن

    يقول علاء الحنفي، إنه بدأ عمله في مجال مطاعم الكشري منذ عام 2002 في القاهرة قبل أن ينتقل إلى الإسكندرية، ولاحظ التفاوت الكبير في أسعار الكشري على مدار سنوات عمله.

    ويسترجع قائلاً إن أكبر طبق كشري في بداية عمله كان يباع بجنيه واحد. بل إن البعض كان يتناوله بنصف جنيه أو ربع جنيه. بينما يصل سعر الطبق الكبير اليوم إلى نحو 60 جنيها دون إضافات، ويبدأ سعره من 25 جنيها.

    ويشير الحنفي إلى أن طرق تناول الكشري الشائعة في القاهرة مثل ساندوتشات الكشري أو تناوله في الأكياس، غير معروفة في الإسكندرية، ولا يطلبها الزبائن. على عكس ما هو موجود في المناطق الشعبية بالقاهرة مثل السيدة زينب والزاوية الحمراء. ويؤكد أن من أكثر الأطباق طلبا وتميزا في الإسكندرية هو “الكشري بالكبدة”.

    ويوضح أن مكونات طبق الكشري المصري الأصيل تشمل الأرز، والشعرية، والعدس بنوعيه الأصفر والأسود. والمكرونة بنوعيها الصغيرة والإسباجيتي. مع إضافة التوابل والبهارات والصلصة وبصل “التقلية”. مضيفا أن الكشري المتوازن يقوم على تقسيم واضح: ثلث أرز، وثلث عدس ومكرونة، وثلث حمص و”تقلية”. مؤكدا أن أي إخلال بهذا التوازن لا يمكن أن يطلق عليه “كشري مصري”.

    اقرأ أيضا:

    الكشري المصري بـ«اليونسكو».. كيف يواجه الطعام الشعبي غزو الثقافة الأجنبية؟

  • «مثل ظل الماء».. العلامة الأخيرة في مسيرة خالد فاروق

    «مثل ظل الماء».. العلامة الأخيرة في مسيرة خالد فاروق

    تقرير: نور الجندي

    قبل رحيله بعدة أشهر، أقام الفنان خالد فاروق معرضه الأخير، تاركا بصمة مميزة وعلامة نهائية ستظل حاضرة في الذاكرة. جاء المعرض بعنوان «مثل ظل الماء»، عقب مسيرة فنية طويلة بدأت في منتصف الثمانينيات بمشاركاته في صالونات ومعارض عديدة داخل مصر وخارجها.

    قدم خلال رحلته عددا من المعارض الفردية المميزة، مثل معرضه في قاعة إخناتون بمجمع الفنون عام 1999، كما نال عدة جوائز محلية وعالمية، من أبرزها الجائزة الكبرى للرابطة الدولية لنقاد الفن التشكيلي (AICA) عام 1995. وجاء هذا المعرض الأخير في القاهرة في إبريل 2024 ليكون خاتمة لمسيرته، قبل رحيله عن عالمنا في 31 ديسمبر من العام نفسه.

    رسالة أخيرة مكتوبة بالخيال

    كان المعرض بمثابة رسالة أخيرة مليئة بالقصص يلخص فيها الفنان تجربته الفنية والإنسانية، من خلال لوحات تحكي عن رؤى ومشاهد خيالية تشبه الأحلام، إذا ما حاولنا تصنيفها وفق المدارس الفنية لوجدناها قريبة للسريالية، لكنها أوضح وأقرب للتأويل.

    هذه الرؤى أو الأحلام يمكن أن نعتبرها انعكاسًا للواقع أو نبوءات مستقبلية، رسمها الفنان دون الدخول في متاهات مدارس الفن الحديث أو المعاصر، ودون أن يسعى إلى أسلوب مغترب أو منعزل في مخاطبة الذات، بل جاءت عناصر أعماله واضحة وقريبة إلى الكلاسيكية، وأسلوب سلس في طرح الخيال والرموز والأفكار حتى وإن اتسمت أحيانًا بغموض المعنى. وهذه السلاسة في التعبير انعكست بدورها على استقبال المتلقي للحالة والمشاعر الكامنة وراء كل لوحة. ورغم أن الفنان كان يعبر عن نفسه بشكل ذاتي، لكن هذه الذاتية جسدت حالة عامة وأوسع يشترك فيها الكثيرون، وترجمت هموم إنسان معاصر ملتبس الهوية والانتماء، ومدينة متقلبة الحال مثل الإسكندرية.

    من لوحات معرض مثل ظل الماء.. الصورة من صفحة قطاع الفنون التشكيلية
    من لوحات معرض مثل ظل الماء.. الصورة من صفحة قطاع الفنون التشكيلية

    عوالم متحركة بين الواقع والحلم

    لا تخلو معظم اللوحات من الحركة. حيث تتحرك في إحدى اللوحات مجموعة من المباني الضخمة بواسطة أقدام طويلة بسراويل مرقعة تمشي على سطح الماء، وليس من الواضح هل تغادر مكانها أم تعود إليه.

    وفي مجموعة أخرى نرى أشخاصًا لديهم أجنحة وبينهم وبين الأرض مسافة قليلة، ووجوههم مغطاة بأقمشة لا فتحة فيها للرؤية. هل هم في بدايات تحليقهم؟ أم هابطون بعد رحلة طيران؟ أم هي مجرد محاولة لم تسفر إلا عن هذا القدر المنخفض من الارتفاع؟

    وتظهر في لوحات أخرى لأشخاص بأقدام طويلة، كل لوحة فيها شخص يعزف على آلة موسيقية في زوايا محاطة بالظلال. هل هم وحدهم؟ هل يعزفون بعد رحيل الآخرين؟ أم حولهم أشخاص غير ظاهرين لنا؟

    مساحة للتأويل والتفاعل

    كل هذه الأسئلة بالإضافة إلى ما في اللوحات من رموز ودلالات وحركة للعناصر، خلقت بعدًا تفاعليًا بينها وبين المتلقي، حيث يمكن أن يفسرها ويشعر بها كل شخص بطريقته الخاصة، وذلك وفقًا لرؤيته وخياله وإحساسه.

    رسالة في زجاجة.. وإرث بصري باق

    لم يكن معرض خالد فاروق خطوة عادية ضمن مسيرته الفنية، بل كان رسالة لشخص ترك نفسه للحلم واتّبع خياله وصوّره بصدق، كمن يكتب رسالة في زجاجة لمن سيأتي بعده. رسالة أشبه بقصيدة شعر صامتة تحمل نبوءة الشاعر الذي أمسك بخيط الوحي:

    هل هذا عالم مستقبلي سوداوي؟ أم صورة من صور الواقع؟ وهل مَن في اللوحة انعكاس لي؟ أم انعكاس له؟ أم صورة لإنسان العصر الذي يبحث لنفسه عن مكان؟

    رحل الفنان خالد فاروق، لكنه ترك إرثًا بصريًا يفتح أبواب التأمل والخيال، وستظل أعماله حاضرة في ذاكرة ووجدان من شاهدوها وتفاعلوا معها واستطاعت أن تترك فيهم أثرًا. كما ستظل هذه الأعمال أيضًا جزءًا من ذاكرة الفن المصري الحديث، بكل ما فيه من تاريخ وإرث.

    اقرأ أيضا:

    «حلوى الذاكرة»: استعادة ملامح الفنان خالد فاروق في ذكراه

    بين عبثية كافكا وواقع المسرح المستقل: كواليس عرض «بيتر الأحمر»

  • الكاتب الأمريكى «تا-ناهاسي كوتس» يكتب عن زيارته لفلسطين

    الكاتب الأمريكى «تا-ناهاسي كوتس» يكتب عن زيارته لفلسطين

    ترجمة: نهى مصطفى

    هنا فصل من كتاب «الرسالة» للكاتب الأمريكي، تا-ناهاسي كوتس، يتناول فيه زيارته إلى فلسطين. يرصد كوتس بوضوح شديد خطر السرديات القومية المتصلبة، وكيف تُستخدم الروايات الرسمية لتبرير سياسات العنف والاقتلاع والقمع، وتغطية المعاناة اليومية للفلسطينيين. يستكشف كوتس الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، مقارنًا إياه بالتجربة الأمريكية مع العنصرية والفصل العنصري. يصف زيارته للضفة الغربية والقدس الشرقية بأنها لحظة “كشف”، حيث شهد ما يعتبره نظام فصل عنصري “آبارتيد” على نحو صريح. وينتقد كوتس دور الإعلام الغربي في تشكيل الروايات وتزييفها، وربما حجب حقائق الوضع. تصدر ترجمة الكتاب عن دار «الكتب خان» بالقاهرة.

    في صباح اليوم التالي، غادرت المهرجان وسافرت من رام الله إلى القدس. اضطررت للانتظار ساعةً إضافيةً تقريبًا لسيارة أجرة تحمل لوحة ترخيص باللون الأصفر، لأتمكن من عبور نقطة تفتيش في جدار إسرائيل وإلى الطريق إلى القدس على الجانب الآخر. تحدثت مع سائقي قليلًا، ثم عدت إلى أفكاري حول الرحلة حتى الآن. كان هذا يومي السادس في فلسطين، لكنني شعرتُ وكأنني هنا منذ شهور.امتلأت الأيام بالجولات، والليالي مليئة بالأحاديث، حتى وجبات الطعام أشبه بندوات.

    ***

    بعض هذا الشعور هو مجرد شعور بالغربة في مكان بعيد عن الوطن. لكن معظمه يتعلق بخصوصية هذا المكان – كم بدا وكأنه يجسد الغرب وتناقضاته، ومزاعمه بالديمقراطية، وأسسه القائمة على الاستغلال. من بين جميع العوالم التي استكشفتها، لا أعتقد أن أيًّا منها كان أكثر إشراقًا وقوةً وفوريةً من فلسطين.لكن عندما انقشع النور، أصبحتُ أرى كلماتي بعيون جديدة، وأصبحتُ أرى كلماتي بطرق جديدة – والكلمات التي استُمدت منها – القصص والمقالات والخطب والمحاضرات التي يُلقيها “المثقفون المستعدون”. بدا الكثير واضحًا.

    لاحظت تناسقًا في العبارات المبتذلة، أن أولئك الذين زعموا أن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط كانوا على الأرجح يدَّعون أن أمريكا هي أقدم ديمقراطية في العالم. واعتمد كلا الادعاءين على استبعاد شرائح كاملة من السكان الذين يعيشون تحت حكم الدولة. وبينما أستقل تلك السيارة الأجرة المتجهة إلى القدس، أدركت حقيقة هذا الأمر جليةً لا يمكن إنكارها.

    ***

    قضيت معظم وقتي في الأراضي المحتلة، في عالمٍ تحكمه الأقليات. ولكن حتى في الدولة نفسها، كان النظام الطبقي هو السائد. يعيش الفلسطينيون في إسرائيل حياة أقصر، وهم أكثر فقرًا، ويعيشون في أحياء أكثر عنفًا. يُسمح لبعض الأحياء في إسرائيل بالتمييز قانونيًّا ضد المواطنين الفلسطينيين من خلال إنشاء “لجان قبول”. هذه اللجان، العاملة في 41% من جميع البلدات الإسرائيلية، تتمتع بحرية منع دخول أي شخص يفتقر إلى “اللياقة الاجتماعية” أو “التوافق مع النسيج الاجتماعي والثقافي”. أصبحت الدعوات العنصرية الصريحة هي القاعدة، كما حدث عندما حذَّر بنيامين نتنياهو عام 2015 من أن “الحكومة اليمينية في خطر. الناخبون العرب يتدفقون إلى مراكز الاقتراع بأعداد كبيرة”.

    على الرغم من كل حديثي عن الانخداع بلغة “الديمقراطية اليهودية”، فإنها كانت موجودةً هناك طوال الوقت. هذه العبارة تعني ما تعنيه، ديمقراطية للشعب اليهودي وحده. لو كانت اللغة التي سمعتها طوال حياتي المهنية خاطئة، بل ومضللة، فما هي اللغة التي أصف بها المشروع الذي رأيته اليوم؟ من المؤكد أن “جيم كرو” أول ما يتبادر إلى ذهني، وذلك لأن “جيم كرو” عبارة تشير إلى الظلم، وتصنيف البشر، ومنح حقوق لمجموعة من السكان أو حرمانهم منها. لا شك أن هذا جزء مما رأيته في الخليل، والقدس، واللد.

    ***

    غلاف الكتاب
    غلاف الكتاب

    ***

    لكن لم يكن الأمر يتعلق بالمعنى الحرفي لـ”جيم كرو”، بل يتعلق أيضًا بالشعور بهذا الشيء. أقول عبارة “جيم كرو” فيُفتح نعش أمامي، وفي داخله صبي تعرض للضرب وحرم من إنسانيته. وأقول “جيم كرو” فأرى علم العبودية يرفرف فوق مبنى الكابيتول. أم أقول “جيم كرو” فأرى رجالًا على شرفة فندق لورين يشيرون نحو الرصاص.

    أقول “جيم كرو” فيلتفت إليَّ ديترويت ريد[1] ويسألني: “من علمك الكراهية؟” أقول “جيم كرو” فأسمع “ضريبة الاقتراع”، و”التمييز السكني”، و”بند الجد”[2]، و”للبيض فقط”، وكل هذه العبارات تثير في ذهني صورًا إضافية. لكن “جيم كرو” أصبح أداة للتناظر والترجمة، لا الشيء نفسه. كانت مهمتي في فلسطين، قبل كل شيء، هي تنمية جذور جديدة، ووصف هذا العالم الجديد، ليس باعتباره تابعًا لعالمي القديم، بل باعتباره عالمًا في حد ذاته.

    توقفتُ في القدس فقط بالقدر الكافي لتسجيل دخولي إلى الفندق. حجزتُ لنفسي غرفةً جميلةً جدًّا، غرفةً بملاءات ناعمة وحوض استحمام. سأدفع ثمن هذه الرفاهية، لكن ليس بعد. كان أمامي خمسة أيامٍ أخرى في الخارج، رافقني في الأيام الخمسة الأولى زملاء يخوضون تجارب اكتشاف خاصة بهم، أصبحتُ الآن وحدي.

    ***

    أصبح جزءٌ مني مستعدًّا لفعل أي شيءٍ للعودة إلى الوطن.كنتُ أعرف هذا الجزء من القصة، الجزء الذي يتذمر دائمًا من صرامة التغطية الصحفية، وحرج طرح أسئلة حميمة على الغرباء، وانضباط الإنصات باهتمام. الصوت في رأسي فقط، لكنه كان أعلى في فلسطين.

    كانت الأيام أطول والاكتشافات أكثر كثافة. أتذكر أنني كنت أسير في شارع مائل في الخليل ووصلت إلى سياج معدني كبير به بوابة دوارة. في أعلى البوابة ثبت جهاز بحجم صندوق أحذية تقريبًا، يبرز منه أنبوب. بدا وكأنه كاميرا.في الواقع، كان جهازًا مصممًا لتحديد الهدف وتثبيته باستخدام طلقات “غير قاتلة” يتم إطلاقها عبر التحكم عن بعد. كان اسم الجهاز “الرامي الذكي” مكتوبًا على أحد جوانبه. كانت هذه طليعة أجهزة القمع، الخطوات الأولى نحو الهيمنة الإمبريالية الآلية، ولم يكن لديَّ ما يدعوني للاعتقاد بأن هذه الجهود الرائدة ستبقى في فلسطين فقط. وعندها شعرتُ باليأس.

    ***

    كنتُ مسافرًا لعشرة أيام، عشرة أيام في هذه الأرض المقدسة، محاطةً بالأسلاك الشائكة والمستوطنين والبنادق الصارخة. وفي كل يومٍ كنتُ هنا، كانت تنتابني لحظة يأسٍ عميق. تمنيت بشدة أن أشيح بنظري بعيدًا، وأن أعود إلى الوطن وأتمتم بكلماتٍ عما رأيته سرًّا. وربما لو تُركتُ وحدي، ربما لو كنتُ وفيًّا لنفسي فقط، لفعلتُ ذلك. لكنني كاتبٌ وحامل لواء، كاتب ومسؤول. أنا لست وحدي، ولا أقصد فقط أسلافي، بل الأشخاص الذين التقيت بهم كل يوم وهم يعيشون في عزلة عن الحكم الإسرائيلي.

    لم أكن انتهيت بعد. نزلتُ بالمصعد إلى بهو الفندق، حيث التقيتُ بأفنير غفارياهو، قائد “كسر الصمت”، وهي مجموعة من جنود جيش الدفاع الإسرائيلي السابقين الذين يعارضون الاحتلال. خرجنا إلى الخارج، فوجدنا شاحنة بيك آب قديمة متوقفة أمام الفندق. كان السائق، جاي بوتافيا، يرتدي قبعة بيسبول ونظارات سميكة. تبادلنا التحية، ثم ركبت الشاحنة وانطلقنا.

    ***

    كان مضيفاي إسرائيليين، كما هي الحال مع جميع مرشديَّ تقريبًا في النصف الثاني من رحلتي. كان هذا قرارًا واعيًا. لم يكن إعلانًا فارغًا عن “سماع كلا الجانبين”. لم أكن مهتمًّا بسماع دفاعات الاحتلال وما بدا لي حينها فصلًا عنصريًّا. يزعم الصحفيون أنهم يستمعون إلى “الطرفين”، كما لو أن هناك ثنائية متقابلة وضعها إله محايد لا شأن له بالأمر. لكن الصحفيين أنفسهم يلعبون دور الإله، الصحفيون هم من يقررون أي الجانبين شرعي وأيهما غير شرعي، وأي الآراء يجب مراعاتها وأيها يجب استبعادها.

    وهذه السلطة امتداد لسلطة القائمين الآخرين على الثقافة، مديري الشبكات، والمنتجين، والناشرين، الذين تتمثل مهمتهم الأساسية في تحديد أي القصص تُروى وأيها لا تُروى. عندما تُمحى من النقاش وتُخرج من السرد، فأنت لا وجود لك. وهكذا، فإن مجموعة القائمين على الثقافة لا تقتصر على تحديد مواعيد النشر والموافقة، بل تضع معيارًا للإنسانية وتراقبه. بدون هذا المعيار، لا يمكن أن تكون هناك سلطة قمعية، لأن الواجب الأول للعنصرية، والتمييز على أساس الجنس، ورهاب المثلية، وما إلى ذلك، هو تحديد من هو إنساني وما ليس كذلك.

    ***

    ولكن هناك مساحة خارج الأقواس. بالنسبة لي، إنه عالم برنامجي “إيميرج” و”إيفنينغ إكستشينج”[3]، عالم صالونات الحلاقة[4] وتسريحات الشعر الأفريقية في بالتيمور، أرض يُعتبر فيها فيلم “التنين الأخير”[5] من كلاسيكيات المراهقة، وأكلة سمك “ليك تروت”[6] جزءًا من التراث. ما أردته دومًا هو توسيع إطار الإنسانية، وتحريك أقواس الصور والأفكار. حتى أتمكن، وأنا أتأمل رحلتي، وأتخذ موقعي على أرض الملعب، من استبعاد أي تبرير لما هو غير أخلاقي بشكلٍ صارخ. إنني لأُفضل أن أسمع دفاعًا عن أكل لحوم البشر على أن أستمع إلى أي تبريرٍ لما رأيته بعينَيَّ في الخليل.

    ***

    انطلقنا بالسيارة من الفندق حتى وصلنا إلى الطريق السريع رقم 60، “طريق الآباء”، وهو طريق قديم يُقال إن أنبياء التوراة سلكوه جنوبًا حتى الخليل. ظل جاي صامتًا طوال هذه الرحلة بينما أفنير يصف فترة خدمته في جيش الدفاع الإسرائيلي، فارضًا الاحتلال. أسمع الآن هذه الكلمة – الاحتلال- بنفس الطريقة التي أسمع بها رجلًا في منتصف العمر يتحدث عن “إجرائه الطبي” وما يعنيه هو “تنظير القولون”. لم يكن التهديد المستمر بالعنف، والقصص التي سمعتها آنذاك، تبدو مناسبة لشيء مثل “الاحتلال”. لكن أفنير لم يكن يستسيغ الكناية، وتحدث أكثر عن “الاحتلال” وعن أدواته، الاعتقالات، ونقاط التفتيش، وملفات الاستخبارات، واقتحام المنازل. قال:

    لكل منزل في الأراضي المحتلة رقم. هذا الرقم يُعطيك معلومات أساسية عن سكان المنزل. إذا كان هؤلاء متورطين في أي مقاومة، أو سُجن أحد أفراد العائلة، أو حتى وُضع أحدهم على القائمة السوداء، فلن تدخل هذا المنزل، لأنك بذلك تُخاطر بأرواح جنودك. لذا تدخل منازل أشخاص تعلم مسبقًا أنهم أبرياء. ولا نُطلق على الفلسطينيين لقب “أبرياء” قط. كانوا دائمًا “متورطين” أو “غير متورطين”، لأن لا أحد “بريء”. تدخل منزلًا لتلك العائلة وتستخدمه كموقع عسكري. إنه مرتفع ومحمي، ولكنه أيضًا بمثابة عين في السماء للجنود على الأرض.

    ***

    لا توجد خصوصية. من الواضح أنه لا يوجد أمر تفتيش. لست بحاجة إلى الطلب مسبقًا. لا تتصل قبل الاقتحام.لا ترسل بريدًا إلكترونيًّا. تقتحم المكان ببساطة وعادةً ما تقيد يد رب الأسرة وتعصب عينيه. إذا كان هناك مراهق ينظر إليك بطريقة لا تعجبك أو عم يبدو كبيرًا بما يكفي لتهديدك، تفعل الشيء نفسه… تفصل الهواتف، وتغلق الستائر، حتى لا يخبروا أحدًا بوجودك معهم، ويجلسون في الداخل خائفين، مذعورين ورؤوسهم منحنية.

    بدا لي هذا الأمر أشبه بفيلم رعب – عائلة أُخذت رهينة ليس طلبًا للفدية، بل كاستعراضٍ للهيمنة التي تعد جوهر الحكم الإسرائيلي.عندما بدا حل الدولتين وشيكًا، كانت الفكرة هي أن غزة والقدس الشرقية والضفة الغربية ستكون الأساس الإقليمي للدولة الفلسطينية. قُسمت الضفة الغربية لاحقًا إلى ثلاث مناطق: المنطقة “أ”، حيث يحكم الفلسطينيون السلطات المدنية ويطبقون القانون؛ والمنطقة “ب”، التي ستُحكم بشكل مشترك؛ والمنطقة “ج”، التي ستبقى تحت السيطرة الإسرائيلية.

    ***

    يبدو كل هذا متحضرًا بما فيه الكفاية، لكن هذه الفكرة لا يمكن أن تصمد أمام خريطة. تضم المنطقة (أ) معظم سكان الضفة الغربية، لكنها في الواقع هي عبارة عن أرخبيل مليء بقرى ومراكز حضرية مكتظة بالسكان، وتشبه اختبار بقعة الحبر أكثر من كونها أساساً للدولة.

    المنطقة (ب) صغيرةٌ جدًّا، وتحيط في معظمها بأطراف المدن. المنطقة (ج)، حيث تكتمل السيطرة الإسرائيلية، تُشكل المنطقة الوحيدة المتجاورة، وتشكل غالبية أراضي الضفة الغربية، بما في ذلك وادي الأردن الغني بالمعادن. هذه الفروقات أقرب إلى التظليل منها إلى الخطوط الواضحة. والحقيقة هي أن الضفة الغربية محتلة، مما يعني أن إسرائيل تمارس إرادتها أينما تشاء.

    ***

    تتنوع أدوات السيطرة، طائرات بدون طيار وأبراج مراقبة تراقب من الأعلى؛ وسواتر ترابية وخنادق تسد الطرق من الأسفل. بوابات مغلقة، ونقاط تفتيش. لا شيء يمكن التنبؤ به. طريق كان خاليًا بالأمس أصبح الآن مُغلقًا فجأةً بـ”نقطة تفتيش طائرة” وبوابة متحركة وفرقة من الجنود تطلب التصاريح والأوراق. لكن هذه العشوائية مقصودة. الهدف هو جعل الفلسطينيين يشعرون بثقل الاحتلال باستمرار – في إسرائيل، وفي القدس الشرقية، وفي المناطق (أ)، و(ب)، و(ج).

    قال لي أفنير، واصفًا العلاقة بين جيش الدفاع الإسرائيلي والفلسطينيين في جميع المناطق: “الأمر لا يقتصر على قولنا: نحن هنا وأنتم هناك، بل هو: نحن هنا، ونحن هناك”.

    ***

    بهذه الطريقة، ينفصل شعب عن نفسه، وتتآكل الروابط المجتمعية القديمة. ابن العم الذي كان ذات يوم في نهاية الطريق أصبح محاصرًا بالجدار. ما كان في الماضي، في الذاكرة الحية، مجرد مسيرة طويلة للبحث عن زوجة محتملة في قرية أخرى، يتحول الآن إلى مسار مليء بالعقبات المستحيلة. وهذا مبني على التقسيم الذي بدأ عام 1948 – عزل الفلسطينيين في إسرائيل عن سكان القدس الشرقية، وعزل سكان القدس الشرقية عن سكان الضفة الغربية، وعزل سكان الضفة الغربية عن سكان غزة، وعزل سكان غزة عن العالم.

    قال:

    “أتذكر إحدى المهمات التي كنتُ فيها: الدخول، السيطرة، وكل هذه الإجراءات. كنا عند النافذة نقوم بما هو مُفترض بنا فعله، ننظر من النافذة. ثم اتصل بي أحد جنودي، وكنتُ وقتها رقيبًا، وقال: “مرحبًا. تعال بسرعة، أحتاج مساعدتك”. وصلتُ إلى هناك، وكان الموقف كالتالي، أب يقف مع ابنته في منزله، يحاول أخذها إلى الحمَّام. والجندي واقف هناك وبندقيته مصوبة في وجه الأب، وابنته واقفة بين ساقيه، مرعوبة. عندما وصلتُ، كانت قد تبولت في سروالها بالفعل. كانت تلك إحدى اللحظات التي كنتُ أقول فيها: “ماذا نفعل بحق الجحيم؟ لمن هذا؟”

    ***

    توهم كتابة كل هذا الآن بأنني فهمت كيف تترابط أجزاء المعرفة، قصص أفنير، وحدود الاحتلال البيزنطية، والكلام المكرر الذي يُقال بهدف التهدئة، دون قيمة حقيقية، والمقالات. لكنها تلاقت في لحظات. أحيانًا كنت أمرُّ بنقطة تفتيش، فأنظر، لأُصدم، فأرى جنديًّاشابًّا يُصوِّب بندقيته نحو الطريق، أي نحوي.

    بمجرد أن أرى هذا، كنت أبحث عن سبب وجيه، مبرر، ولكن في نهاية المطاف بدأت أدرك أنه لم يكن هناك أي مبرر على الإطلاق. وبينما أستمع إلى حديث أفنير، وبينما نسير بسهولة ودون عوائق على الطرق التي لا يستطيع الفلسطينيون في الضفة الغربية استخدامها، كان جزء مني لا يزال يبحث.فعلت هذا لأن وطأة الشر عظيمة. فعلت هذا لأنه إذا كان الأسوأ صحيحًا، وإذا كنت مضطرًّا إلى رؤيته بشكل صحيح، فسأعلم ما يجب أن يأتي بعد ذلك.فعلت هذا لأن “السبب الوجيه” هو أيضًا وسيلة للخروج.الضعف في داخلي دائمًا ما يتحدث. وكذلك أسلافي.

    ***

    الكاتب الأمريكي، تا-ناهاسي كوتس
    الكاتب الأمريكي، تا-ناهاسي كوتس

    -2-

    لم تتلاشَ هذه الرواية عن فلسطين البربرية المبتلاة بالقذارة والفوضى، على النقيض من الغرب الذي يبدو نقيًّا ومنظمًا. في عام 2013، نشر الصحفي الإسرائيلي آري شافيت كتاب “أرضي الموعودة”، وهو كتاب دفاعي عن الصهيونية الأكثر مبيعًا، يتتبع فيه رحلة جده الأكبر عام 1897 إلى فلسطين تحت الانتداب.

    في رواية شافيت، يصل جده إلى “فوضى يافا العربية”.هذه مدينة قذرة – من “جثث الحيوانات المعلقة، والأسماك ذات الرائحة الكريهة، والخضراوات المتعفنة” و”عيون نساء القرية المصابة”، حيث يُجبر جد شافيت على التعامل مع “الصخب والضوضاء والقذارة”. يافا ليست فريدة من نوعها. في القدس، يواجه هذا الجد “بؤس الشرق: الأزقة المظلمة الملتوية، والأسواق القذرة، والجماهير الجائعة”.

    ***

    هذه قصة مذهلة، لأن جد شافيت كان قادمًا من لندن، وهي مدينة قذرة للغاية إلى درجة أنها لُقِّبت بـ “الدخان العظيم”. في كتابه “لندن القديمة القذرة”، يرسم لي جاكسون المدينة:

    كانت الشوارع الرئيسية غارقة في طين أسود، يتكون أساسًا من روث الخيول، مشكلًا عجينة لزجة متماسكة؛ الهواء مُشبع بالسخام، ورقائق من القذارة تتساقط على الأرض مع زخات مطر من أعماق الجحيم.كانت رائحة المدينة المميزة كريهة بنفس القدر. جلبت ضبابات الشتاء روائح كبريتية كريهة. من ناحية أخرى، خلقت أشهر الصيف مزيجها البغيض الخاص، “الذي جمع بين رائحة الفواكه والخضراوات الفاسدة، والبيض الفاسد، والتبغ الفاسد، وشحوم عربات البيرة المسكوبة، والسخام الجاف، والدخان، وغبار الطرق المسحوق، والقش الرطب”.كانت لندن قلب أعظم إمبراطورية عرفها التاريخ؛ مركزًا ماليًّا وتجاريًّا للعالم؛ لكنها كانت أيضًا قذرة بشكل سيئ السمعة.

    يتفهم جاكسون مشاكل الصرف الصحي في لندن من منظور هيكلي، فمن عام 1801 إلى عام 1901، ازداد عدد سكان المدينة من مليون إلى ستة ملايين. لكن رواية شافيت لمشاكل الصرف الصحي في يافا تدور حول الناس أنفسهم.

    ***

    اعتبر مندوبو اللجنة “الأنجلو-أمريكية” الصهيونية “استسلامًا حتميًّا لشعب متخلف أمام شعب أكثر حداثة وعملية”. بل رأوا فيها حلقةً فارقةً في تاريخهم، “غزو الهنود”. اتفق الصهاينة وحلفاؤهم على ذلك. اعتقد جابوتنسكي أن العرق العربي يمتلك “نفس الشغف الغريزي لفلسطين، كما كان الأزتيك القدماء يشعرون تجاه المكسيك القديمة، وهنود السيو تجاه براريهم مترامية الأطراف”. وفي معرض انتقاده للحكم البريطاني لفلسطين تحت الانتداب، كتب التقدمي هنري والاس أن البريطانيين “يحرضون العرب”، تمامًا كما “حرضوا الإيروكوا على محاربة المستعمرين الأمريكيين”.

    فكرة وجود الصهيونية الاستعمارية موجودة فقط في هلاوس أساتذة الجامعات اليساريين وهتافات طلابهم المتمردين تتجاهل مصدرًا جوهريًّا، كلمات الصهاينة أنفسهم. لكن هرتزل وجابوتنسكي وبن يهودا كانوا من زمن لا يزال من الممكن فيه للغرب أن يروج لصورة غير مقيدة للاستعمار النبيل.

    لم يعد الأمر كذلك. نقول “استعمار” فيرد عقيد أمريكي: “جئت لأقتل الهنود… أقتل وأسلخ فروة الجميع، كبارًا وصغارًا؛ فالصئبان تُنتج قملًا”. نقول “استعمار” يخطو سيسيل رودس عبر قارة بأكملها. أم نقول “استعمار” فيربط محقق فرنسي أقطابًا كهربائية بالأعضاء التناسلية لرجل جزائري. ونقول “استعمار” فيظهر مستوطنو كريات أربع أمامنا، شاكرين ومشيدين بالقتل الجماعي.

    ***

    لم يكن هناك أي إحساس بالعار في كل هذا. قبل بضع سنوات، قمتُ بجولة في مواقع الحرب الأهلية في تينيسي. زرتُ حصن بيلو، حيث ارتكب ناثان بيدفورد فورست، مؤسس جماعة كو كلوكس كلان، مذبحة ضد وحدة من الجنود السود. شاهدت الممثلين الكونفدراليين بكامل ملابسهم المزخرفة. استمعت إلى محاضرات أبناء قدامى المحاربين الكونفدراليين.

    كان كل هذا دعايةً، وكنتُ أعلم ذلك. لكنني لم أتعلَّم بعد الدرس الذي حملته معي إلى فلسطين. لم أكن أُدرك بعد قدراتي الخاصة، وأن لي الحقَّ في وضع أقواسي كما أفعل في فلسطين، وإخراج الهراء، مهما كان مُهذَّبًا، مهما كان أنيق الصياغة، من الإطار.

    ثم في إحدى الأمسيات، بعد يومٍ طويل، ذهبتُ لتناول العشاء ورأيتُ مجموعةً تُلوِّح بعلم معركة الكونفدرالية. لا أعرف ما الذي سيطر عليَّ، ولا أعرف لماذا حدث ذلك حينها. لكنني أدركت أن الأمر لم يكن تاريخًا عامًّا، بل إيمانًا راسخًا. استأذنتُ بهدوء وذهبتُ إلى غرفتي. حتى في تلك اللحظة أتذكر أنني لم أكن أرغب في إثارة أي ضجة أو إزعاج مضيفَي بأي شكل من الأشكال. لكن في صباح اليوم التالي، اعتذروا بشدة. كانوا يعلمون ما حدث.

    ***

    عندما أستعيد ذكريات تلك الرحلة، أرى درجات متفاوتة من الخجل، شعورًا واعيًا وغير واعٍ. في فورت بيلو، عُرض فيلم تفسيري، سعى، في آنٍ واحد، إلى الاحتفاء بفورست والجنود السود الذين قتلهم. ظل أبناء قدامى المحاربين الكونفدراليين يتحدثون عن ترميم مقبرة قديمة للعبيد. وتحدث الممثلون الذين يعيدون تمثيل الأحداث بشكل مبهم عن القضية التي حاربوا من أجلها.

    وبعد حادثة علم الكونفدرالية، بدا أن ما يخشاه مضيفي أكثر من أي شيء آخر لم يكن يتعلق بعلم العبودية، بل كان يتعلق بشعورهم بأنهم، كجنوبيين بيض، ظهروا بالطريقة التي توقعها “اليانكيون” الشماليون تمامًا، مجرد جهلاء أو أفظاظ أو سيئي التربية.

    ***

    لم يكن عليهم القلق. عرفت الكثير من العنصريين “اليانكيين” والحمقى ذوي التربية السليمة. وكان من دواعي سروري أن أراهم كما هم بدوني، تلك الراحة التي أظهروها بعلمٍ سيرفعه ديلان روف بعد سنوات قليلة فقط. أحيانًا، تنعم بلحظةٍ تتجرد فيها كل مظاهر التظاهر والعار والتهذيب، ويتحدث الشر بوضوح.

    أحيانًا يكون ذلك في حديقةٍ سُميت باسم تاجر رقيق من القرن التاسع عشر. وأحيانًا يكون ذلك في مستوطنةٍ تُكرِّم أحد دعاة ذلك النظام نفسه في القرن العشرين. في كلتا الحالتين، الوضوح هبةٌ وعلينا أن نُنصت جيدًا. في هذا النصب التذكاري لمائير كاهانا وتلميذه، عبَّرت الهبة عن مخططات إسرائيل العميقة.

    المستوطنات مثل كريات أربع ليست من صنع روادٍ مارقين؛ تمامًا مثل ضواحينا التي تم تحديدها على أنها خطوط حمراء، فهي مشاريع حكومية. يحق لمشتري المنازل لأول مرة في المستوطنات الحصول على قروض عقارية مدعومة بأسعار فائدة منخفضة لبناء منازل على أراضٍ يستأجرونها بأسعار فائدة مخفضة، وهو خصم أصبح ممكنًا بفضل سرقة الأرض. وتحظى المصانع والمزارع بدعم مماثل من الخصومات والإعانات.

    ***

    كل البنية التحتية – الطرق، والمياه، والكهرباء، والمعابد اليهودية العامة، وأحواض الميكفاه – مدعومة بشكل كبير من الدولة. تشكل شبكة الدعم هذه حافزًا لمزيد من استعمار الأراضي الفلسطينية، لأن المزيد من الاستعمار يخدم مصلحة أساسية للدولة الإسرائيلية، ألا وهي تآكل أي أساس لقيام دولة فلسطينية مستقبلية.

    بينما أقف هناك أنظر إلى قبر جولدشتاين، بعد أن قمت بزيارة الحرم الإبراهيمي قبل بضعة أيام فقط، شعرت بعمق الرعب الذي أحدثه عنف جولدشتاين المذهل. لكن ما بدأتُ أراه هو أن المستوطنة نفسها تعتبر عنفًا. عندما تبني إسرائيل المستوطنات في الضفة الغربية، فإنها تمد حدودها إلى ما وراء المستوطنات – أحيانًا إلى الأراضي الزراعية الفلسطينية. يصبح وصول الفلسطينيين إلى هذه الأراضي دائمًا محل نزاع، ويُسمح به في العادة بعد متاهة من التصاريح أو حسب مزاج قوات الأمن التي تحرس المستوطنات.

    ***

    في أي اشتباك بين الفلسطينيين والمستوطنين، من المتوقع أن ينحاز الجنود إلى جانب المستوطنين. والمستوطنون أنفسهم غالبًا ما يكونون مرتكبي عنف مسلحين. أوضح أفنير: “تلعب المستوطنات دورًا سياسيًّا واستراتيجيًّا في الاستيلاء على الأرض. تخيل بركة. ترمي حجرًا في بركة فيحدث تموج، أليس كذلك؟ المستوطنات تخلق تأثيرًا متموجًا للعنف في كل مكان توجد فيه. هذه هي الطريقة التي تُبنى بها”.

    ما رأيته الآن كان أكثر من مجرد ممثلين سيئين أو متعصبين فرديين، بل كان نظامًا يعمل. سألت أفنير وجاي كيف يمكنهما التوفيق بين العيش في ظل هذا النظام والصهيونية المسؤولة عن وجودهما. ساد الصمت في السيارة للحظة. أجاب أفنير أولًا. وقال إنه يؤمن بحق تقرير المصير للشعب اليهودي والأسئلة المتعلقة بمكان تقرير المصير أصبحت الآن نظرية. قال: “نحن هنا. السؤال هو: هل يمكن أن يكون هناك سبيل لنيل حق تقرير المصير للإسرائيليين والفلسطينيين؟ أعتقد أن الإجابة هي نعم، لا بد من ذلك. أعني أنه لا توجد طريقة أخرى.

    ***

    ولكنني أعتقد أن هناك أشياء خطيرة للغاية نشأت عن مفهوم القومية اليهودية، الذي تحول إلى التفوق اليهودي أو السيادة اليهودية، والتي تتجاوز كاهانا أو جولدشتاين. أعني أن هذا الأمر متجذر بعمق في المجتمع الإسرائيلي، وفي الأيديولوجية الصهيونية. هناك رغبة قوية في تقرير المصير. لا أعتقد أن هذا خطأ جوهري. أعتقد أن الخطأ الجوهري هو أن تأتي جنسية على حساب جنسية أخرى. هذا ما أعتقده نوعًا ما…”.

    سكت أفنير. لم يتحدث جاي عن مثل هذه البراجماتية. قال: “بالنسبة لي، أنا أرى تأسيس إسرائيل خطيئة. لا أعتقد أنه كان ينبغي أن تحدث”. وتحدث عن إسرائيل باعتبارها “مركز التفوق اليهودي”، وهو ما لم يتصور أنه سيتغير. ” لذا، فهو أمر لا أستطيع التعايش معه. وأعتقد أنه من أجل أن نحظى بحياة مستدامة ومعقولة هنا، لا بد من حدوث تغيير حقيقي”.

    ***

    في صغري، كنت أشعر بثقل العنصرية الفعلي باستمرار. كنا نملك أقل. كانت حياتنا أكثر عنفًا. وسواءً كان ذلك بسبب الجينات أو الثقافة أو الحكم الإلهي، يُقال دائمًا إن هذا خطؤنا.كانت المدرسة هي الوسيلة الوحيدة للهروب من ذلك العقاب لقلة محظوظة. لكن لاحقًا، حين خرجتُ إلى العالم، رأيت الجانب الآخر. أولئك الذين يُفترض، بحكم الجينات أو الثقافة أو المشيئة الإلهية، أنهم أكثر ثراءً، كانوا – كما أدركت لاحقًا – يعرفون أقل.

    هؤلاء البيض يعيشون في كذبة، بل إنهم، بطريقة ما، كانوا يعانون منها أشد المعاناة. رأوا من العالم أكثر مما رأيت، لكنهم لم يروا من الإنسانية أكثر مما رأيت. والأدهى من ذلك أنني أدركت مدى جهلهم بتاريخ بلادهم، وبالتالي عجزهم عن إدراك مدى انحدارها. يبرر نظام التفوق نفسه عبر الوهم، ولهذا فإن اللحظات التي ينهار فيها ذلك الوهم غالبًا ما تأتي على هيئة صدمة عظيمة.

    ***

    أذهلت سنوات ترامب فئة معينة من البيض؛ إذ لم يكن لديهم أي مرجع للابتذال الوطني، أو للفساد الواسع والانتهازية، حتى فات الأوان. يقول أقلُّهم تأملًا: “هذه ليست أمريكا”. لكن بعضهم بدأ يشكُّ في أنها، في الحقيقة، أمريكا. وهناك ألمٌ عميق في إدراك أنك، من دون علمك أو موافقتك، متواطئ في جريمة كبرى. وفي اكتشاف أن اللعبة برمَّتها مزوَّرة لصالحك، وأن هناك “أممًا” داخل أمتك قضت حياتها الجمعية كلها في سنوات ترامب.

    يكمن الألم في اكتشاف عدم شرعيتك، في أن “البياض” ليس إلا سلطة وقوة، ولا شيء غير ذلك.استطعتُ أن أسمع ذلك الألم ذاته في كلمات أفنير وجاي. فقد نشأ على قناعة بأن الشعب اليهودي هو الضحية الكبرى للتاريخ، لكنهما واجها حقيقةً صادمة: لا وجود لضحية نهائية. فالضحايا والجلادون في حالة تدفُّق مستمر.

     

                                                       تا-ناهاسي كوتس كاتب وناشط أمريكي من مواليد (1975) عرف بأعماله                                                           المؤثرة حول العرق والهوية والتاريخ، في هذا الكتاب ككاتب يتدخّل في                                                             النقاش العام، عبر عمل مثير يتنقّل معه بين القارات والأفكار، متأملًا في                                                            القصص التي نرويها، وتلك التي نُقصيها، وكيف تشكّل وعينا الجماعي بالواقع.

    هوامش

    [1] الاسم الذي كان يُعرف به مالكوم إكس في شبابه وهو يعمل في أنشطة غير قانونية قبل أن يتحوَّل لاحقًا إلى واحد من أبرز مناضلي الحقوق المدنية في أمريكا.

    [2] ينص هذا البند على أن الشخص يمكنه التصويت فقط إذا كان جده أو أحد أجداده يتمتع بحق التصويت قبل تاريخ معين. وبما أن السود لم يُمنحوا حق التصويت إلا بعد التعديل الخامس عشر (1870)، فإن هذا الشرط كان يُقصيهم فعليًّا من التصويت، بينما يسمح للبيض الفقراء، الذين قد لا يستوفون شروطًا أخرى، بالمشاركة.

    [3] برامج تلفزيونية أو منصات إعلامية مجتمعية أمريكية سوداء.

    [4] صالونات الحلاقة لها أهمية خاصة في الثقافة الأمريكية السوداء، كمراكز مجتمعية للتواصل والنقاش.

    [5] فيلم أمريكي من الثمانينيات، يحظى بمكانة خاصة في الثقافة الشعبية السوداء.

    [6] نوع من الأكلات الشعبية في بالتيمور، ارتبط بالمجتمع الأسود هناك.

    اقرأ أيضا:

    سمر دويدار: الفلسطينيون ليسوا أرقاما.. و«حكايات فلسطينية» هي الدليل

  • د. أحمد صبرة يسأل: كيف صورت الرواية علاقة السلطة بالناس؟

    د. أحمد صبرة يسأل: كيف صورت الرواية علاقة السلطة بالناس؟

     لما فتح «التاريخ الجديد» الباب أمام الأدب ليكون وثيقة يمكن استخدامها، طُرحت تساؤلات كثيرة حول كنه الوقائع أو الحقائق التي يمكن أن يعكسها الأدب. قيل، وهذا جدل قديم، إن الأدب لا يعكس الوقائع التاريخية بتفاصيلها، إنما يعكس روحها والأحاسيس المرتبطة بها. يعكس روح الفترة التي يشير إليها، ربما بأكثر مما تفعله الوثيقة التاريخية، وهو موضوع يحتاج إلى نقاش طويل، لأن هذه الروح التي يعكسها الأدب، ولتكن الرواية مثلا، ليست بريئة، فهي تظهر نتيجة اشتباك معقد بين وعيين أو روحين؛ روح اللحظة الراهنة التي أُنتج فيها العمل، وروح اللحظة التاريخية التي يتصورها الروائي، وينسج عمله بناء عليها، فهي وجهة نظره أو رؤيته التي قد لا تكون حقيقية تماما.

    ثم يظهر وعي آخر أو روح أخرى، هي روح اللحظة التي يُقرأ فيها العمل. مثل هذا الاشتباك المعقد ثلاثي الأبعاد يجعل فكرة الانعكاس في الروايات التاريخية، سواء أكان تاريخا قريبا أم بعيدا، محل جدل كبير.

    ***

    فترة الستينيات، على سبيل المثال، وهي من التاريخ القريب، حظيت بنصيب وافر من الإبداع الذي كُتب عنها. وأهمية هذه الفترة ترجع إلى كونها ذروة التجربة الناصرية في حكم مصر، سبع سنوات حتى نكسة يونيو، وإذا أضيفت إليها بضع سنوات من الخمسينيات بعد حرب السويس في العام 1956، فيمكن أن نقول إننا أمام عقد من الزمان تقريبا، أعيدت فيه صياغة مصر من جديد على أنقاض مصر التي كانت في النصف الأول من القرن العشرين. وإذا عرفنا أن هذه الصياغة الجديدة لمصر ما زالت مكوناتها الأساسية تحكمنا حتى الآن، فهذا يضيف سببا قويا لأهمية هذه الفترة، وضرورة العودة إليها، ونقدها.

    هذا ما فعله اثنان من الروائيين على تفاوت في قيمة ما يكتبون، الأول إبراهيم عبد المجيد، وروايته “طيور العنبر” (1997)، وهي الرواية الثانية من ثلاثية عبد المجيد عن الإسكندرية التي بدأها بروايته الأشهر “لا أحد ينام في الإسكندرية” وأنهاها برواية “الإسكندرية في غيمة”.

    والثاني علاء الأسواني في رواية “الأشجار تمشي في الإسكندرية” (2025). يربط الروايتين معا الوقائع التي جرت في “الإسكندرية” في فترة الستينيات، ويربطهما كذلك عنوان رواية الأسواني الموجود في رواية “طيور العنبر” على لسان إحدى الشخصيات، وبالمعنى نفسه الذي أراده الأسواني في روايته. ويربطهما، وهذا هو الأهم، المنظور الذي يرى به الروائيان سلوك المصريين مع حكامهم.

    مع يقيني أن المباشرة التي يكتب بها الأسواني أعماله تجعلها أقرب إلى المنشور السياسي منها إلى العمل الأدبي، وهي مباشرة لا نجدها في “طيور العنبر”.

    ***

    في الروايتين تظهر قوتان غير متكافئتين؛ السلطة والناس. والسلطة القائمة تعاني من ازدواجية مربكة، فهي تعمل لصالح الناس، وتعمل ضدهم في الوقت نفسه، بمعنى أنها تمنحهم شيئا هنا وتحرمهم من شيء هناك، وتسلك معهم سلوك الأب مع أبنائه الصغار؛ هو أدرى بمصلحتهم، ولا رأي لهم فيما يمنح أو يمنع، ولا يحق لهم السؤال في الحالتين.

    أما الناس، فقد اختار عبد المجيد والأسواني شريحتين مختلفتين منهما، الأول اختار الطبقة المصرية الفقيرة في جنوب الإسكندرية: كرموز وما حولها، والثاني اختار الطبقة المصرية المتوسطة في المناطق المتاخمة للبحر: محطة الرمل وما حولها أيضا. ظهر في الروايتين الأجانب الذين عاشوا في الإسكندرية، كانوا عند عبد المجيد من فئة الطبقة المتوسطة الأقرب للفقراء، وبعضهم من فقراء الأجانب، وكانوا عند الأسواني خليطا من طبقة الأغنياء والطبقة المتوسطة القريبة منهم.

    ربما لا تكون كلمة “أجانب” دقيقة هنا، فهم في الواقع مصريون من أصول أجنبية؛ يونانية أو إيطالية أو أرمنية أو يهود في الأغلب. لكن اختيار كلمة “أجانب” هنا بسبب المعايير المزدوجة التي عوملوا بها من السلطة ومن الناس أنفسهم، فهم مصريون في ظروف معينة، وأجانب في ظروف أخرى. وقد يمكن وضع الطوائف الثلاث الأوائل؛ اليونان والطليان والأرمن في كفة، واليهود في كفة أخرى لأسباب تخص اليهود وحدهم. وكل هؤلاء؛ “المصريون” و”الأجانب” كان لهم سلوك يكاد يكون متشابها مع السلطة.

    ***

    غلاف رواية طيور العنبر لإبراهيم عبد المجيد
    غلاف رواية طيور العنبر لإبراهيم عبد المجيد

    لو بدأت بطيور العنبر، فإن من المهم فهم السياق الذي وضع فيه عبد المجيد شخصياته. اختار المؤلف أن يضعهم في سياق اجتماعي يخلو من حبكة مركزية، ما يربطهم هو المكان وأحوال السياسة والسلطة التي تنعكس عليهم وتؤثر فيهم. مجموعة هائلة من القصص الصغيرة المكتملة وغير المكتملة، اختارها عبد المجيد بعناية شديدة كي يشكل بها لوحة سردية ضخمة لهؤلاء الفقراء.

    ما يخص علاقتهم بالسلطة يمكن أن أشير فيه إلى عدة أمور؛ أولها أن السلطة لم تبذل جهدا كافيا لتغيير أحوالهم المعيشية، ويظهر هذا في وصفه للناس بأنهم فقراء معدمون، متعبون، وجوههم ممصوصة. (طيور العنبر ص: 207) وفي مواضع أخرى كثيرة. وثانيها أن السلطة تستخدم “البروباجندا” من أجل إقناع الناس بالرضا عن أحوالهم: “الجرائد تكتب الكلام نفسه”. (الرواية، ص: 195).

    ***

    وثالثها أن الناس تخاف من السلطة بسبب قبضتها الأمنية القوية والغاشمة، لما ظهرت صورة عبد الناصر في السينما، قالت إحدى الشخصيات لأخرى: “صقف ليمسكوك، السينما كلها مباحث” (الرواية، ص: 428). ورابعها أن الناس قليلة الاهتمام بالسياسة، بل تخاف منها، لما عرفت صديقات نوال الممرضة المطربة أنها تسهر مع جماعة من السياسيين والفنانين، قلن لها: “الشر بره وبعيد، الشر بره وبعيد، أنت يا بنت مجنونة” (الرواية، ص: 300).

    أو حين تهتف إحدى الشخصيات: “السياسة وسخة يا جدعان، فرقت الأحبة” (الرواية، ص: 134)، بل لا تكاد تعرف تاريخها السياسي القريب، فلا يعرفون شيئا عن سعد زغلول ولا ما فعله. وخامسها  غياب القواعد الواضحة في تعامل السلطة مع الناس، أي غياب القانون، وهذا سنراه في قصة نوال. وسادسها، وهو خلاصة كل ما سبق أن الكتلة الكبرى من الناس لا تبذل جهدا كافيا لتغيير أوضاعها أو المطالبة بحقوقها.

    لعل قصة نوال الممرضة المطربة تلخص كل العلاقة المعقدة بين الناس والسلطة. فقد طلب منها أحد الأطباء الزملاء أن تغني لمجموعة من أصدقائه المهمين في ليلة رأس السنة دون أن يفصح لها عن هويتهم. ولما قبض عليهم بسبب أنهم شيوعيون، وقعت في مشكلة كبيرة انتهت بالقبض عليها من داخل المستشفى الذي تعمل بها. لكن أباها كتب رسالة لجمال عبد الناصر يستعطفه للإفراج عن ابنته، فأفرجت عنها المباحث بعد إهانته وابنته.

    ***

    في هذه القصة ستة أطراف أساسية: السلطة، نوال، جيرانها، زملاؤها، أسرتها الصغيرة الطبيب وأصدقاؤه. وإذا اختزلنا أفعال هذه الأطراف وردود أفعالهم، يمكن أن نضع فعل السلطة في مواجهة نوعين من ردود الأفعال. السلطة تتصرف في غياب كامل للقوانين، فقد قبضت على نوال دون تهمة واضحة، ثم أفرجت عنها بعد استعطاف من أبيها للرئيس، وليس بسبب نقص في أدلة الاتهام الغامضة. ولم تفرج عنها المباحث إلا بعد إهانتها وأبيها دون مبرر.

    أما ردود الأفعال، فقد كانت الكتلة الكبرى من هذه الأطراف تخاف وتستعطف وترجو وتلوم الطرف الضعيف دون أن تقف لتسأل عن سبب هذا الظلم الواضح، ودون أن تعترض على هذه الإهانات التي لحقت بامرأة كل ذنبها أنها غنت.

    في مقابل ذلك كان هناك صوت وحيد واجه السلطة دون أن تتطور مواجهته إلى فعل إيجابي؛ الطبيب الذي كان حاضرا وقت إلقاء القبض على نوال من المستشفى، لقد استنكر ما تفعله الشرطة فواجه الضابط، وأعلن أنه يفخر بصداقته للطبيب الذي تسبب في كل هذا. وهذا أقصى ما وصل إليه.

    علاء الأسواني
    علاء الأسواني

    السياسة في رواية “الأشجار تمشي في الإسكندرية”

    أما رواية علاء الأسواني “الأشجار تمشي في الإسكندرية”، فتنحو نحوا آخر بوصفها منشورا سياسيا مكتوبا في قالب روائي. لذلك تمثل فيها السياسة اللحمة والسداة، وعلاقة الناس بالسلطة هي جوهر العمل، لذلك فإن عرض كل ما فيها يحتاج إلى بحث مستقل.

    يمكن أن أختار موقفين يلخصان هذه العلاقة. الأول حين جاءت اللجنة التي ستستولي على مصنع كازان للشوكولاتة. اللافت للنظر أن من جاء ليؤمم المصنع هم الشرطة العسكرية، ووفق القانون، فإنها تتجاوز صلاحياتها في هذا التأميم، لكنها إشارة من الأسواني إلى أن العسكر هم من يتحكمون في البلد. لما أخبر الضابط العمال بأن السيد كازان لم يعد مالكا للمصنع. عرض الأسواني موقفهم عرضا لافتا.

    فقد بدأ باحتجاجهم التلقائي على القرار دون أن يدركوا عواقب رفضهم، وفي المقابل تصرف الضابط بهدوء مدركا أنهم لن يثبتوا على موقفهم حتى النهاية. ولما بدأ صوتهم يعلو معلنين إضرابهم عن العمل، وخرج من بينهم من يتمادى في احتجاجه ورفضه. هنا ظهرت العصا الغليظة للسلطة.

    رسم الضابط خطا على الأرض، وقال للعمال الهائجين: “… حيث إنكم مضربين عن العمل، خلي أي واحد فيكم يعدي الخط ويوريني نفسه”. تحمس عامل، واندفع نحو الضابط، وما إن عبر الخط حتى انقض عليه الجنود، وأوسعوه ضربا حتى سقط على الأرض واستمروا يركلونه ويضربونه حتى غطت الدماء وجهه، ثم قيدوا يديه بالكلبشات، وألقوا به على الأرض، وهو يتأوه بصوت محشرج.

    ***

    دوى صوت الضابط في الميكروفون: “الولد ده انتهى أمره، حيترمي عشر سنين في السجن الحربي، من فيكم عاوز يتحبس معاه؟” (الأشجار تمشي ص: 363- 365). ومع العصا في يد الضابط، ظهرت الجزرة حين قرر وزير الصناعة صرف مرتب سنة كاملة لكل عامل في المصنع. والنتيجة أن العمال سكتوا، وتحول ولاؤهم للإدارة الجديدة.

    هذا أصاب السيد كازان في مقتل، وهو يستعد لترك مصر كلها. وفي الصفحات الأخيرة من الرواية يقول لصديقه: “إن خسارة مصنعه ليست قط ما يحزنني، المحزن حقا أن تحب بصدق، ثم تكتشف أن من أحببتهم قد نسوك تماما بمنتهى السهولة”. ولما حاول صديقه أن يبرر للعمال موقفهم بأنهم تعرضوا لقمع شديد، قال له كازان: “هذه التبريرات ليست الحقيقة، فالحقيقة أن العمال بعد يوم واحد من التأميم قد هتفوا بحياة بدوي (المدير الجديد) لأنه منحهم مكافأة. إنهم ببساطة لم يحبوني كما أحببتهم.” (الرواية ص: 435- 436).

    ***

    وفي موقف آخر للناس (العامة) نجد بعضهم يتجمع أمام مطعم أتينيوس (الذي يسميه الأسواني أرتينيوس) ليقذفوه بالحجارة صائحين أن هذا المطعم لازم يتقفل لأن صاحبته جاسوسة (وهذا غير حقيقي). ولما واجههم صديق لصاحبة المطعم، قال له أحدهم: “بأقول لك يا أخ، إحنا إسكندرانية جدعان، ولا يمكن نسمح للجواسيس يعيشوا بيننا، يا تقفلوا المطعم، يا إما نولع فيه…”.

    مما اضطر الصديق أن يرفع عليهم سكينا محذرا إياهم من الاقتراب، فجروا جميعا. (الرواية ص: 424- 425) سلوك العامة هنا ليس سلوكا استثنائيا، فقد تكرر كثيرا منذ استيلاء العسكر على الحكم في يوليه 1952، بل يمكن أن نبحث عن جذور له في تاريخ مصر كله؛ تأثير “البروباجندا”، وانقياد لها دون أي تفكير نقدي، العقل الجمعي الذي يحرك الجماهير كما شرحه بتفصيل جوستاف لوبون في “سيكولوجية الجماهير”.

    غلاف رواية الأشجار تمشي في الإسكندرية لعلاء الأسواني
    غلاف رواية الأشجار تمشي في الإسكندرية لعلاء الأسواني

    مقارنة بين روايتي عبد المجيد والأسواني

    في روايتي إبراهيم عبد المجيد وعلاء الأسواني موقف يكاد يكون واحدا من العامة في علاقتهم بالسلطة، أنها تخاف منها، وأهم أسباب الخوف أنه لا توجد أطر قانونية واضحة ومطبقة على الأرض تنظم العلاقة بين السلطة والناس. لذلك يتجنب الناس السلطة كلية ويبتعدون عن السياسة، لأن السياسة “شر” كما عبرت “طيور العنبر”، أو أن مواجهة السلطة خطر، كما ظهر في “الأشجار تمشي”.

    لكن أهم ما ظهر في “طيور العنبر”، على العكس من “الأشجار تمشي”، شعور تخلص به وأنت تتابع كل قصص الناس الصغيرة، وهو أن حياتهم البائسة قدر عليهم، وأن ما هم فيه هو أقصى ما يمكن أن يحلم به إنسان في الحياة. ومع تعاطفك الإنساني مع مصائبهم، قد يطرأ على ذهنك سؤال مشروع: لماذا لا يبذلون أي جهد لتغيير حياتهم؟ لكن الإجابة تأتي سريعا: إنه القدر الذي لا راد له.

    ***

    ربما كان اشتباك “الأشجار تمشي” مع السياسة، وإعطاؤها مساحة أكبر لحضور المصريين من ذوي الأصول الأجنبية، ووجود بدائل لهم أمام جبروت السلطة، وهي الهجرة وترك المكان، ما جعل محور “العامة” هامشيا في هذه الرواية، لكن هذا الحضور الهامشي لم يختلف عما وصفتهم به “طيور العنبر”.

    فإذا عرفنا أن “طيور العنبر” كُتبت قبل ثورة 25 يناير، وأن “الأشجار تمشي في الإسكندرية” كتبت بعدها، فإننا نستنتج أن رؤية الأسواني للعامة أكثر سوداوية. ذلك أنه رأى وسمع وشارك فيها، مع ذلك بقي رأيه في “العامة” كما هو. مع ذلك، فإن ما يجمع الاثنين أيضا هو رأيهما في أن التغيير لا تقوم به إلا النخبة من ذوي الوعي الاستثنائي، هم الذين يقودون، ثم تأتي العامة لتتبعهم. لكن المشكلة التي ظهرت في الروايتين أن العامة في كثير من الأحيان يمكن أن تضحي بهذه النخبة في سبيل مصالحها الشخصية. وهذه هي المعضلة.

    سؤال مفتوح حول رؤية الكاتبين

    هل يمكن عد رؤية الكاتبين المتشائمة هي خلاصة تعبيرهما عن روح الشخصية المصرية من واقع قراءتهم لتاريخ المصريين؟ قد تكون الإجابة بنعم، وقد تكون بلا. لكن المؤكد أنه لا يمكن توقع حركة الناس بناء على قراءة التاريخ. للناس أفعالهم المدهشة التي تستعصي على أي توقع.

    اقرأ أيضا:

    كتاب عن «الروائح» يتسع به الفضاء

  • ليدا منصور تكتب: نجيب محفوظ .. وجسور لبنان المهدَّمة

    ليدا منصور تكتب: نجيب محفوظ .. وجسور لبنان المهدَّمة

    خلال عطلة الصيف، وأنا في مكان بعيد، كنت أعمل على التقرب مما آلفه، فحجزتُ سفري من باريس إلى بيروت للالتقاء بعائلتي وأحبابي. لكن تم إلغاء سفري خلال شهر تموز/يوليو ٢٠٠٦ بعد أن أغلق مطار بيروت.

    فباسم مبدأ “عزل مسرح العمليات”، قررت قيادة الجيش الإسرائيلي فرض حصار على الموانئ والمطارات ومهاجمة خزانات الوقود، وذلك بهدف منع نقل جنود إسرائيليين أسرى إلى شمال لبنان أو إيران. تعرض لبنان منذ اليوم الأول للهجوم الإسرائيلي لأربعين غارة جوية. استُهدفت الجسور والطرق والمطارات والموانئ والمصانع ومحطات الكهرباء ومستودعات الوقود، ودُمِّرت مئات المنشآت والبنى التحتية. ولن أضيف عدد الضحايا ولا أعمارهم، فالبحث عبر غوغل يفي بالغرض.

    ومع تدمير الجسور، انتشرت ردة فعل نفسية لدى اللبنانيين تمثلت في تكرار أغنيات لفيروز تحتوي على كلمة “جسر“، ارتباطًا بالشعور المرعب بالتخريب. وكان الجسر – الذي يربط إنسانًا بإنسان، ومكانًا بمكان، وحاضرًا بمستقبل – هو ما تستوي عنده كل الحروب: صلة وصل انقطعت، يد مساعدة انحسرت، مشاعر تقلصت، ودموع حزن جفّت فاختفت.

    لماذا نجيب محفوظ؟

    في نهاية حرب تموز، سمعتُ خبر وفاة نجيب محفوظ في 30 أغسطس/آب 2006. كنت حينها قد بدأتُ قراءتي لأعماله، حيث اخترتُ “الثلاثية” كمسرح أعزل فيه معظم الأعمال النقدية المُبسِّطة والمُقارِنة والمُسهِلة لفهم النص المحفوظي، دون أن تُؤدّي هذه الأعمال فعلاً إلى تحليل النص وفهمه بحق. كأنني بدأتُ حربي الخاصة لكي أنقذ الثلاثية مما قرأتُه من أقاويل وإشاعات وإسقاطات سياسية واجتماعية واشتراكية وفلسفية ودينية وثورية وتقليدية ونسوية (وليس قضية تحرير المرأة). فتبنّيتُ دراسة “الإنسان إذا نطق” أي الحوار الداخلي للشخصيات، كفسحة حرية للتعبير غير مُقيَّدة بسلاسل العيب والمفروض والممنوع والحياء، وبعيداً كل البعد عن وصفات المطبخ التي تُرشُّ عليه “بهارات الواقعية”.

    سألتُ نفسي حينها: ما هو الجسر الذي يربطني بنجيب محفوظ؟ هل كان الرابط هو تحرير محفوظ من سطحية النقد؟ أم فهم أسباب نيله جائزة نوبل؟ أم نزوة تتعلق بحب والدتي لمصر (سينما وتاريخًا)؟ أم مجرد صدفة؟

    نحن لا نجد الإجابة في معظم الأحيان. وعندما تتضح الفكرة، نجدها في وقت متأخر حيث تفقد العلاقة الكثير من رونقها وعذوبتها. خلال خمس سنوات من تحضير رسالة الدكتوراه، قرأتُ محفوظ كلمة كلمة، وأعدتُ قراءة النص عدة مرات. ثم قرأتُ أجزاء من الثلاثية باستمرار ثم أعدتُ قراءة تحليلي وفهمي له بعدد لا يُحصى. لم أنم الكثير من الليالي وتوقفتُ عن السفر، ككل باحث مبتدئ يتوق إلى الكمال. لم أتعب يوماً من عملية تكرار قراءة النص نفسه، فكان شعور “عدم التعب” بحد ذاته جسراً يصلني بنجيب محفوظ وإن كان غائباً.

    ألا تتعب من حب طفلك؟ قد تكون هذه تركيبة تلقائية وعفوية، لكن علاقتي بمحفوظ لم تكن يوماً حباً وأمومة، فما سر انعدام الكلل؟ السر يكمن في عناصر كانت تجذبني في أعماله.

     نساء نجيب محفوظ

    منذ سنتين، شجعني أستاذ الأدب العربي حسين حمودة على كتابة بحث صغير عن النساء في أعمال محفوظ. كنتُ في مرحلة الصمت تجاه الرسالة المنتهية وتجاه محفوظ الصامت أيضاً في أعماقي. لم أستطع حينها كتابة أي شيء، لم يكن تعباً بل خجلاً، نعم، خجلتُ أن أُعبِّر عن إعجابي وتقديري لامرأة واحدة فقط!

    لم تكن هذه المرأة “عايدة”، نموذج المرأة المودرن المصرية البرجوازية التي تعيش في قصور القاهرة الجميلة، المرأة التي تتكلم الفرنسية وتلعب الرياضة وتسافر إلى الأهرامات مع أخيها وأصدقائه، المرأة التي أحبها كمال بمثالية. عايدة، وبعد زواجها من رجل من وسطها وسفرها إلى أوروبا، خُذِلت وعادت إلى مصر شخصية عادية لم يعد لها صوت مميز في ثلاثية نجيب محفوظ.

    ولم تُعجبني “عائشة”، من عائلة برجوازية وسطى تعيش في الأحياء القديمة. عائشة الجميلة التي كان الجميع ينظر إليها بإعجاب، عائشة التي أحبت رجلاً لم تتزوجه بل رضيت بخيار أبيها. عائشة التي فقدت ابنها بسبب المرض فعاشت آخر أيامها، وبعد عودتها إلى بيت أهلها، وحيدة تائهة، تسمع ما يقوله الآخرون دون أن تستجيب وكأنها غائبة عن الوعي تتكلم عبر جوارحها الداخلية فقط.

    ** **

    أما المرأة الوحيدة التي أعجبتُ بها خفياً فهي زوجة ياسين الثانية “زنوبيا”: عازفة عود تنتمي إلى عالم الراقصات. المرأة التي وبكل هدوء ودون جهد دخلت إلى عالم العائلة البرجوازية. قررت زنوبيا أن تترك حياة الليل فطمحت بالارتقاء عبر الوسيلة الوحيدة المتوفرة لها في زمنها ومجتمعها، أي الزواج. فمن “عالِمَة” وعوَّادة إلى عشيقة للأب أحمد عبد الجواد ثم عشيقة للابن الأكبر ثم أصبحت الزوجة الرسمية والشرعية الثانية لياسين رغم الضغوطات التي حاول الأب أن يمارسها على ابنه.

    مع العلم أننا نغوص في عالم تقليدي، فإن قصة زنوبيا أشبه ما تكون برواية “سندريلا” تصعد في السلم الاجتماعي. إنها قصة حب وزواج حديثة للغاية، على الرغم من البيئة التقليدية. زنوبيا ليست فقط امرأة حرة وقوية بشكل سري، بل إنها ترتقي في السرد القصصي للراوي عبر جعلها أُماً تلد طفلها في نفس اليوم الذي أُعلن فيه عن وفاة زعيم سياسي كبير في ذلك الوقت، سعد زغلول. وهكذا، تصل إلى مكانة “مانحة الحياة” في أوقات عصيبة للشعب المصري.

    لا شيء أفضل من شخصية زنوبيا للتعبير بصوت عالٍ عن قضية تحرير المرأة. كان موقف نجيب محفوظ من قضية المرأة، حسب رأيي، هو أنه خالف كل التوقعات. وما أجمل من امرأة اكتسبت دور وشخص وقرار “أن تخالف كل التوقعات” فتصبح “سندريلا الخادمة” أميرة تسكن القصور. هل يكفي هذا الإعجاب والتقدير لزنوبيا أن يبرر مشاعر عدم التعب في كل موقف أتحدث فيه عن محفوظ، إن كان عبر الإذاعة أو بعض المقالات أم أمام إنسان مستمع يسألني: لماذا محفوظ؟ الإعجاب كما الحب ليس له أسباب واضحة لكننا نستطيع على الأقل إيجاد بعض الدوافع.

    الحرام والحلال

    عندما تعمقت في قراءة سيرة محفوظ، اكتشفت أن مقص الرقابة قد وصل للكثير من أعمال محفوظ. لم أكن أدرِ أن روايات محفوظ خضعت بشكل دائم لقسوة الرقابة، بالإضافة لقسوة النقد اللاذع من القريب والبعيد، كيوسف إدريس مثلاً. ما هو الحلال وما هو الحرام؟ فتلك مواضيع معروفة لدى القارئ والكاتب والإنسان العربي، أما عن الفكرة الوحيدة التي علقت في وجداني وذهني فهي ردة فعل محفوظ. الإنسان الأنيق والهادئ والعنيد والصبور والثابت رغم كل شيء.

    من أين له هذا الصبر؟ ومن أين له تلك العزيمة؟ كيف استطاع تقبُّل الرقابة ومتابعة الكتابة والإصرار على النشر و**”اللا-أخذ-بعين-الاعتبار”** للانتقادات والقراءات السطحية لأعماله؟

    فتذكرتُ أنني عندما أرسلت رواية أولى لي لدور نشر، كان الرفض الذي تلقيته كجسر دمرته إسرائيل، فقد توقفتُ عن الكتابة بل وعن المحاولة لمدة سنوات. أما نجيب محفوظ، وبالرغم من السكين في عنقه بعد محاولة اغتياله، تابع وأكمل… تابع وأكمل الكتابة، وبعد فترة النقاهة بدأ يتكلم ويلقن الكلمات بعد شلله. فتذكرته مجدداً عندما أصبتُ بالخوف الأكبر أمام الدكتور عندما أخبرني هذه السنة عن عوارض الروماتيزم في أصابع يدي اليمنى فسألتُ نفسي: “أتوقف عن الكتابة أم لا أتوقف؟”

    حتى آخر يوم من عمره، كتب نجيب محفوظ بلا كلل ولا تعب.

    الامتنان للأجداد

    يصبح حينها نجيب محفوظ نموذجاً ومثالاً أقتديه، وأشعر بالامتنان له ولكل إنسان لم تثبط عزيمته ولم تهزها الرياح… من الممكن أن نتوقع أو نتخيل أنه عانى من الرقابة بصمت وقهر، لكنه فعل ما لا يستطيع فعله الكثيرون، أي المتابعة، ولم يقطع جسر الإبداع والإنتاج والنشر. فكان السؤال: هل الصبر والتواضع والثبات يشكّلان أساساً من أسس الحرية للإنسان؟

    من هنا، بدأتُ أُدرك ما معنى “عدم التعب والكلل والضجر” في متابعة أعمال محفوظ وأخباره. وكما قالت الكاتبة الفرنسية مارغريت دوراس في إحدى رواياتها: “الحب ليس علاقة بل الحب “مهنة””، فمتابعة وقراءة ودراسة واستحضار نجيب محفوظ مهنة بحد ذاتها.

    وبهذا الشكر والامتنان أتذكره. وفي الختام، أدعو كل إنسان عربي أن يتذكر محفوظ ويشكره هذا اليوم عبر تذكر ما سمعه عنه وما قرأه له وحتى عبر ما لم يقرأه بتاتاً!

    علينا أن نعتبر محفوظ “الجدَّ الكبير” الذي وضع أحجار أساس للأحفاد ليكتسبوا قوة الانتماء والارتقاء لكتابات وروايات وإبداعات وأفكار وأفعال وقرارات حياتية حرة وحديثة وعنيدة. أخيراً، إن قول الأجداد صادق: “اللي ماله قديم، ماله جديد”.

    د. ليدا منصور، باحثة وكاتبة من فرنسا

    اقرأ أيضا:

    عن الأيام الحلوة.. والأيام السوداء في حياة نجيب محفوظ

باب مصر