الكاتب: أسامة كمال

في أقصى غرب مدينة بورسعيد، عند النقطة التي يخفت فيها صخب المدينة ويغدو البحر جزءًا أصيلًا حيًا من الذاكرة، تبدأ حكايات الغروب والرحيل. هناك، وتحديدًا عند مدخل شاطئ الجميل، تصطف بوابات ثلاث مقابر، كأنها طبقات من زمن لا تنفتح إلا لمن يعرف كيف يصغي إلى همسات الراحلين: مقابر الكومنولث، والكاثوليك، والأرثوذكس. وهناك، كما قال لي أحد الحراس، لا تدخل مقابر… بل تعبر إلى ما تبقى من أناس لم تكتمل حكاياتهم. وتتشكل هذه الحكايات، في جوهرها، أيضًا عبر الكلمات المنقوشة على الشواهد، تلك العبارات التي تبدو كأنها آخر ما تبقى من أصوات أصحابها. سجلوا على شواهدها مرارة الفقد في مقابر الكومنولث،…

قراءة المزيد

كانت «أم الخلول»، لسنوات طويلة، ضيفا دائما على موائد بورسعيد. لا يكاد يكتمل إفطار من دونها، إلى جوار أطباق الفول والطعمية والجبنة القديمة والمِش والعسل والطحينة الحمراء. وبرغم صغر حجمها، فإن لها قدرة عجيبة وغامضة على فتح الشهية، حتى إن الناس كانوا يقولون عنها ببساطة: «تفتح النفس على الأكل». ثم، شيئا فشيئا، انسحبت من البيوت. غابت كما تغيب الأشياء الحميمة من المدن القديمة؛ بلا ضجيج وبلا وداع. دخلت أصناف أخرى إلى الموائد، لكن «أم الخلول» ظلت عالقة في الذاكرة، تلمع هناك مثل حنين بعيد لا يخفت. ولذلك، ذهبت أبحث عنها. مهنة قديمة تقاوم النسيان في أقصى غرب بورسعيد، بالقرب من…

قراءة المزيد

على حافة البحر، وعند شواطئه، تلتقي بأبنائه الذين منحهم قبسا من صموده، وبعضا من تجدده وبقائه، وأهدتهم الشمس رغبة لا تنطفئ في التنفس حتى آخر رمق. أول ما لفت انتباهي إليه أنه ينعت بـ«أيوب»، لما بدا عليه من صبر عميق وتمسك بالحياة، رغم السنوات الثقيلة التي ترتسم على ملامحه وتحط على كتفيه. من قسوة زوجة الأب إلى «كامب الإنجليزي» ولد فوزي الدبوسي عام 1934، واسمه الكامل فوزي ياسين الدبوسي، ويعتز أيما اعتزاز باسم والده، ويصر على إضافته إليه، رغم أنه فر صغيرا من بيت أسرته بالإسماعيلية عام 1944. ترك بيت أسرته في سن العاشرة، ناجيا بنفسه من قسوة زوجة أبيه،…

قراءة المزيد

لم يكن اسمها لقبا بقدر ما كان حكاية تمشى بين الناس، تتنقل بين الأزقة والشوارع كما تتناقل الريح رائحة البحر. وحين حاولت الاقتراب من هذه الحكاية، لم أكتف بما ترويه الذاكرة، بل ذهبت أبحث عن أصل الخيط، فكان المهندس محمد بيوض، مواليد 1965، أحد الباحثين الثقات في تاريخ بورسعيد، خاصة في الفترة التي تزامنت مع انتشار سيرة «أم الفقير» بين الطبقات الشعبية، هو دليلي الأول ومصدري الرئيسي فيما يقال بيقين داخل هذا النسيج الملتبس بين الحقيقة والرواية. وهو صاحب كتاب “صفحات من تاريخ بورسعيد” الصادر عام 2016، وله أعمال أخرى عن تاريخ المدينة، كما يقدم برنامجا بعنوان “ذاكرة بورسعيد” يذاع…

قراءة المزيد

هذه حكاية فطيرة اسمها «المنجأونة»، لا تتوقف عند كونها مجرد فطيرة، بل تعد تلخيصا لحكاية مدينة. قطعة من ذاكرة البحر، ومن طقوس شم النسيم التي لا تكتمل في بورسعيد إلا برائحتها وهي تخرج ساخنة من الفرن، كأنها أول بشائر الربيع. ومع انتظارها يقف الناس حول الفرن، تتشابك الأحاديث، وتتصاعد رائحة العجين، فتتحول الفطيرة البسيطة إلى موعد جماعي مع البهجة.  دعوة مفتوحة للمشاركة في الطعام تجمع المصادر على أن المنجأونة بدأت إيطالية، حملها بائع جوال وزوجته في شوارع بورسعيد، فاستقرت هنا كما ترسو السفن بعد رحلة طويلة. ويقال إن ترجمتها في الإيطالية تعني: “خذ واحدة”، أو “كُل واحدة”، كأن الاسم نفسه…

قراءة المزيد

في بورسعيد، تقف كنيسة «سانت أوجيني» كواحدة من أقدم المعالم الدينية والتاريخية في المدينة، إذ ارتبطت نشأتها ببدايات تكون المجتمع متعدد الجنسيات مع افتتاح قناة السويس، وتمثل الكنيسة نموذجا معماريا وتاريخيا يعكس حضور الجاليات الأجنبية ودورها في تشكيل ملامح بورسعيد عبر عقود طويلة. وجاءت زيارة طلاب كليتي السياحة والفنادق والآداب- قسم التاريخ للكنيسة، في إطار التعرف على هذا التراث، حيث اصطحبهم الأب صمويل في جولة داخل أروقتها، مستعرضا تاريخها وتفاصيلها المعمارية. وجه أوروبا يطل على العالم من بورسعيد استهل الأب صمويل حديثه موضحا أن الكنيسة تقع في حي الشرق، الذي كان يعرف قديما بالحي الإفرنجي. وتطل بواجهتها الرئيسية ناحية الشمال…

قراءة المزيد

لم يكن الوصول إلى حقيقة «البيت الإيطالي» ببورسعيد سهلا. فقد ظل المبنى لسنوات طويلة لغزا صامتا، يطل على ناصية العالم دون أن يبوح بكل أسراره. ومن هنا بدأ الحوار، حوار بيننا وبين الباحث الدكتور أحمد رجب يوسف، الذي قضى ما يقرب من أربعة أعوام، بين عامي 2022 و2025، غارقا في تفاصيل المبنى، مدفوعا بعشق خفي للمكان وولع بتاريخ بورسعيد. لم يكن الحديث معه مجرد نقل معلومات، بل كان اقترابا من روح البيت نفسه، حيث تحولت الدراسة إلى قراءة حية لوثيقة معمارية وسياسية في آن واحد. في البداية يشير الباحث إلى أن الموقع لم يكن اختيارا عشوائيا. فالبيت الإيطالي يقع في…

قراءة المزيد

في مدن قليلة فقط يمكن أن يتحول التمثال إلى حكاية، وأن يصير الحجر ذاكرة تمشي بين الأمم. وفي بورسعيد، المدينة التي اعتادت أن تكون مفترق طرق للتاريخ، وقف تمثال آسر وفريد في حديقة مطلة على القناة، لكنه حمل في صمته قصة تمتد بين ضفتين من العالم. كان ذلك هو تمثال ANZAC MEMORIAL، الذي عرفه أهل المدينة ببساطة باسم «تمثال الجندي المجهول». ظل سنوات طويلة واقفا في منتصف حديقة كازينو بالاس، مطلا على شارع السلطان حسين – فلسطين حاليا – وفي مواجهته مباشرة مجرى قناة السويس. كأنه يراقب السفن العابرة بين القارات، أو ينتظر رفاقا لن يعودوا. كازينو بالاس.. ذاكرة مدينة…

قراءة المزيد

ثمة لحظة نادرة في حياة البشر تفتح لهم بابا خفيا في الزمن؛ يدخلون منه، فلا يصبح المكان بعد ذلك مجرد شوارع ومبانٍ، بل ذاكرة حيّة. بالنسبة للمهندس مجدي البساطي، كانت تلك اللحظة في قبو مبنى القبة الشهير في بورسعيد. في عام 1987 عهد إليه إدارة الأشغال بهيئة قناة السويس بترميم القبو، الذي كانت المياه تغمره مع كل نوبة شتاء. وما إن بدأ العمل حتى لاحظ أن القواطع التي أضيفت لاحقا داخل المكان قد أخلّت بطبيعته الأولى، فأزالها جميعا مستندا إلى قناعة ظل يرددها دائما: «لا تغيير فيما أسسه المؤسسون». كان يؤمن أن الذين بنوا المكان أول مرة فهموا طبيعة الأرض…

قراءة المزيد