باب مصر

الكاتب: نبيل عبد الفتاح

  • جليلة القاضي: المتمردة الساخرة

    جليلة القاضي: المتمردة الساخرة

    الكتابة عن أحد أصدقاء العمر تبدو لي مثقلة بالمجاملات، والحساسية والمجازات المفرطة، وخاصة إذا كانوا من الشخصيات العامة، أو المثقفين، أو الأكاديميين، أو التكنوقراط، أو ممن انخرطوا في العمل السياسي في ظل موت السياسة عربيا ومصريا. من هنا ينبثق الحرج والوجل داخلي لرفضي الخلط بين الذاتي والموضوعي في مقاربة إنتاجهم الفكري أو مسارات عملهم في تخصصهم الدقيق.

    هذه بعض من القيود التي تحد في عديد الأحيان من مشاركتي في الكتابة أو النقاش حول بعضهم، وغالبا ما أراوغ هروبا من مأزق الوقوع في سياجات الصداقة أو الزمالة، ومحمولاتها من المشاعر المنفلتة المضمرة أو الظاهرة في سياقات نفسية وسوسيولوجية تهيمن عليها المشاعر الصاخبة أو الصامتة واضطراباتها المتغيرة.

    في حالة جليلة القاضي، يبدو الوضع مختلفا، لأنها شخصية متفردة ضمن قلة من السيدات المصريات والعربيات اللاتي عرفتهن طيلة مسارات الحياة وتقلباتها، وجمعتنا الصداقة منذ ما يزيد على أربعين عاما خلت، تداعت فيها تحولات عاصفة في السياسة، والمواقف، والأفكار، والمشاعر، والاتجاهات، والنزعات الشخصية التي أثرت في حالات الأصدقاء وزملاء العمل والمهنة.

    ***

    جليلة لا تزال شخصية تتسم بالقوة والتوازن النفسي، لا ينتابها رهابُ الخوف من أحد، ولا السلطة، ولا الثروة، ولا النفوذ، ولا المكانة، ولا عقد لديها إزاء الغرب الذي تعرفه في عمقه سوسيولوجيا وسياسيا،  والأهم ثقافيا، إذ تنتمي إليه بوشائح الزواج – من آلان بوناميه ونجلها حكيم –  والعمل في واحد من أهم مراكزه العلمية، المعهد الفرنسي للبحوث من أجل التنمية، وعلاقاتها الإنسانية بالأوروبيين وغيرهم من الهنود والآسيويين، إلخ.

    شخصية حرة، ذات عقل نقدي شجاع وصارم، وتخفي فيما وراء ذلك اللطف الإنساني الجميل والطيبة الذكية، وذلك الرسوخ عند قيمتي الحرية والعدالة في تكوينها الإنساني العام المنفتح على الآخرين، والذاتي. كما أن انحيازها السياسي للطبقات الشعبية يظهر في ميلها إلى التقاط المفارقات التي تفتح لروحها مصادر استنطاق الضحكات الصاعدة من عمق أعماقها، والنزعة الساخرة المنطلقة من تناقضات السياسة في فرنسا والغرب وشمال المتوسط. وتبدو مفرطة في سخريتها، حاملة حزنا دفينا حول سياسات وقرارات دول جنوب المتوسط وعالمها العربي التابع.

    شخصية صارمة وجادة في أهابُ من الإنسانية المفرطة، ونزعة يسارية أصيلة فلسفيا وسياسيا لا تجامل في حق، أو تصادر أي حقيقة نسبية حتى مع القريبين منها من الأسرة، أو تجامل وتتحمل أعباء وتكاليف الصداقة في إبداء رأيها ومواقفها العامة والسياسية من القلة القليلة من أصدقاءها المقربين منها.

    ***

    جليلة القاضي تشكل وعيها الاجتماعي والسياسي في نشأتها الأسرية بين أب ضابط في الجيش المصري -اليوزباشي جمال القاضي – شارك في حرب فلسطين 1948 وأصيب في قدمه، وانضم لحركة الضباط الأحرار، وسيطر على مقر الإذاعة المصرية وكان قريبا من ناصر، وأول من أذاع بيان الثورة الأول، وبعده أنور السادات، ثم عمل بالبوليس الحربي، وينتمي إلى أسرة ثرية أو ما يطلق عليهم “الأرستقراطية”. تزوج من والدتها التي تنتمي إلى الطبقة الوسطى، ثم انفصل عنها، وعاشت بين كنف والدها حينا، ووالدتها أحيانا أخرى. ووسط بيئة سوسيو – نفسية من التناقضات والخلافات والتوترات، والانتقال بين السكن في حي الزمالك وسط الأثرياء وذائعي الصيت، وبين حي الظاهر بتعدداته الدينية والمذهبية والثقافية والعرقية، والخلفيات القومية والثقافية لبعض المتمصرين.

    هذه التناقضات فتحت أمامها أبواب التساؤل عن العدل الاجتماعي، والنظر والتأمل في فضاءات المكان وهوياته. وبين اليسر، والحياة عند دائرة الستر الاجتماعي، أو العسر القاسي للفئات الشعبية من المعسورين. فتحت جليلة القاضي منذ الصغر عيونها على التناقضات الاجتماعية بين الثراء المفرط عند قمة النظام الاجتماعي ووسطه المستور نسبيا، وقاعدته التي تحيا عند الحافة. لا شك أن ذلك كان أحد مصادر تشكيل وعيها الاجتماعي والسياسي المبكر حول قضايا العدل الاجتماعي، وفي ذات الوقت حول علاقة الفضاء العمراني والمعماري بالتفاوتات الطبقية في المجتمع المصري.

    أدى انتقالها بين الفضاءات المكانية والعمرانية والمعمارية المتعددة إلى فتح عيونها مبكرا على تأثير قوة الكتلة العمرانية وتفاوتاتها من حيث الإحساس بالجمال أو البساطة، والوعي الاجتماعي المبكر بالتفاوتات بين الفئات الاجتماعية يسرا وسترا وعسرا، وعلى الثنائيات المتضادة اجتماعيا التي عاشتها جليلة القاضي منذ صغرها. خاصة أنها عاشت في ظل أبيها الضابط الصارم في تنظيم الضباط الأحرار، ومن قلب الخلافات بين الأب والأم، تناسلت روح التمرد والاستقلالية لدى جليلة القاضي، ونزوعها الفردي الذي ارتكز على القراءات المبكرة لإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ونوال السعداوي، وبعد ذلك لطه حسين ونجيب محفوظ ويوسف إدريس، وجان جاك روسو، وفولتير، خاصة في مرحلة تعليمها في مدرسة ليسيه الحرية، وإجادتها للغة الفرنسية والإنجليزية فيما بعد.

    ***

    هي ابنة ثورة يوليو، ومدارات التحرر والاستقلال الوطني، وسحر الكاريزما الشعبوية لناصر، وسياساته وانحيازاته للعدل الاجتماعي واتساع قاعدة الطبقة الوسطى، وتجاه العمال والفلاحين وحقوقهم في التعليم والصحة والعمل والسكن والأهم تكافؤ الفرص, رغم أنها ليست ناصرية. ثم تنامى وتطور الوعي السياسي لديها في الجامعة، وكلية الهندسة بجامعة القاهرة، خاصة مع صدمة، وجروح هزيمة يونيو 1967، وما كشفت عنه من اختلال في تركيبة النخبة السياسية الحاكمة، والقيود على الحريات العامة، والاعتماد على أهل الثقة، لا الكفاءة في العديد من مواقع بناء القوة، وأيضا في أجهزة الدولة والبيروقراطية.

    تنامى وتعمق الوعي السياسي والاجتماعي لها من خلال القراءات المتعددة لبعض مصادر الفكر اليساري الغربي، في أطر الأيديولوجية الماركسية السوفيتية اللينينية، والفرنسية، والإيطالية، ومن ثم شاركت بفعالية في الحركة الطلابية – يناير 1972 و1973- التي شارك فيها الغالبية العظمى من طلاب الجامعة، وطالبوا فيها بتحرير الأراضي المصرية والعربية المحتلة بعد العدوان الإسرائيلي الغاشم في الخامس من يونيو 1967، والمطالبة بتخفيض الفجوات في الدخول.

    وتم القبض عليها وشقيقها مع عدد من الطلاب. وكان من أبرز قادة الحركة صديقنا المشترك، المرحوم أحمد عبد الله رزة، الذي تعرفت على جليلة القاضي في بيته. بدت لي مذّاك سيدة قوية الشخصية متمردة وشجاعة، تميل إلى الضحكات في ذات الوقت، وتضع مسافات بينها وبين الآخرين إلا القلة القليلة جدا من أصدقائها المقربين.

    ***

    فتحت رحلة جليلة القاضي وعملها في الجزائر الأبواب أمامها لتعميق فهمها للتخطيط العمراني والعمارة نتيجة لاكتشاف ثقافات المدن المتعددة، وبعض من التناقضات في هوياتها المعمارية من خلال بعض من الفوضى في الأنساق المعمارية وعلاقتها بالفراغات، وفي جماليات التصميمات الهندسية المعمارية. والأخطر أنها مستعارة من المتون الكولونيالية الأوروبية، والعمارة الاشتراكية التي أطلق عليها -Stalin Teeth نسبة إلى جوزيف ستالين الثائر الجورجي والقائد الثاني للاتحاد السوفيتي، وسكرتير عام الحزب الشيوعي السوفيتي من 1922 إلى 1953. ناهيك عن تشويه ذاتية وهوية وثقافة المكان، وهي ظاهرة تمددت مصريا وعربيا، قبل وما بعد الاستقلال عن الاستعمار الغربي.

    لا شك أن هذه الظاهرة الشائعة دفعت جليلة القاضي لدراسة ظواهر الفوضى المعمارية والعمرانية، وخاصة الإسكان غير الرسمي، أو ما يطلق عليه مصريا “الإسكان العشوائي” الذي انفجر مع الهجرة من الريف إلى الحواضر المصرية سعيا وراء الرزق، وأيضا مع حركة التصنيع في المرحلة الناصرية. ثم انفجرت موجات الهجرة من الأرياف مع السادات، وأدت إلى تمدد ظواهر البناء غير المرخص، وذلك لاستيعاب الوافدين، ومن ثم إلى “ترييف” المدن المصرية، وعلى رأسها القاهرة والإسكندرية، في البناء ونظام الزمن، والقيم وأنماط السلوك الاجتماعي والديني. مما ساهم في تمدد عمليات التحول من التدين المديني المعتدل والعصري النسبي إلى التوجهات السلفية المحافظة مع توظيفات النظام الساداتي وفي عهد مبارك، للدين وتأويلاته السلطوية في العمليات السياسية، دعما لشرعية النظام، وفي مواجهة المعارضات اليسارية والليبرالية، وفي التعبئة الاجتماعية والسياسية، والسياسة الخارجية تجاه إقليم النفط.

    جاء انفجار السكن العشوائي انعكاسا للانفجار الديموغرافي، ولأزمات السياسة الإسكانية، والتخطيط العمراني، وعسر الحياة وتفاقمها القاسي للفئات الأكثر فقرا في المجتمع المصري، وخاصة مع سياسات الباب المفتوح – ما أطلق عليه الانفتاح – اقتصاديا، والمغلق سياسيا في عهد السادات.

    ***

    لا شك أن اهتمام جليلة القاضي بالسكن العشوائي جاء كنتاج لوعيها الاجتماعي والسياسي. والأهم أن هذا الوعي أساس في تكوين وعي وبصيرة المخطط العمراني بالسياسة والعمران والثقافة، وتغيراتها في المدن التي تريفت. لأن المخطط العمراني، والمهندس المعماري، ليسا فقط محضُ فنيين ومهنيين، وإنما لا بد أن تكون ثقافتهم ذات أبعاد تتجاوز النظرات الفنية الضيقة إلى آفاق أرحب جماليا، وسوسيو لوجيا، وثقافيا وسياسيا.

    إلا أن ما حدث في المجال المعماري والعمراني كان جد مختلف، حيث هيمنة الشركات العقارية، وعقلية المقاولين التي سادت وأثرت سلبا على المجال المعماري والعمراني، ومعهم تأثيرات ما أطلق عليهم بعد ذلك المطورين العقاريين، مما أدى إلى سيطرة العقل المقاولاتي المتمركز حول تعظيم الربحية بدلا من التركيز على الأبعاد التخطيطية والجمالية، بل وكفاءة الأعمال الإنشائية، والعلاقات بين الكتل والفراغات، وإنما على الربحية الضخمة التي تحرك هذا العقل المقاولاتي السوقي.

    لا شك أن بعض الفوضى المعمارية والعمرانية العشوائية مرجعها الفساد في الأجهزة المختصة والرقابية المسؤولة، وأيضا ضعف مستويات التكوين لدي بعض المهندسين المعماريين، ومكاتب الهندسة المعمارية، وأيضا شركات المقاولات، وخاصة شيوع البناء والمقاولات من باطن الشركات الكبرى، وهو ما اتسع نطاقه مع بناء بعض المناطق في المدن الجديدة التي نشأت كامتداد للقاهرة الكبرى، ومعها ظاهرة الريع العقاري في كافة المحافظات.

    ***

    المخططة العمرانية جليلة القاضي درست التخطيط العمراني بجامعة باريس 8/ فانسان، وحصلت على درجة الماجستير عن مدينة القاهرة وتطورها العمراني، وأيضا الأماكن التاريخية داخل المدينة ومصائرها.

    انتقلت بعد ذلك إلى معهد التخطيط العمراني التابع لجامعة باريس 12، حيث اهتمت بعمليات التمدد والتوسع العشوائي للمدن. من هنا كان تركيزها على الحالة المصرية وتمدد الإسكان العشوائي على الأراضي الزراعية التي تمثل96% ،والـ4٪ المتبقية على الأراضي المملوكة للدولة. ومثال ذلك منشأة ناصر التي احتلها السكان نتيجة لأزمة السكن. أما حلوان وشبرا الخيمة فقد شكلتا مركز جذب للعمال من ذوي الأصول الريفية للعمل في المناطق الصناعية في المرحلة الناصرية.

    الدكتورة جليلة القاضي انتدبت للتدريس في كلية التخطيط العمراني بجامعة القاهرة لمدة تسع سنوات، واهتمت آنذاك بين عامي 1982 و1988، بظاهرة سكن المقابر. ثم تبنت منهجا أكثر اتساعا تناولت خلاله  بالدراسة والتحليل المتعمق التطور التاريخي للجبانات الواقعة في نطاق القاهرة التاريخية المسجلة على قائمة التراث الإنساني لمنظمة اليونسكو. وتناولت بالتحليل بنائها المورفولوجي وأنماط مبانيها وطرزها المعمارية، وبوجه خاص، للمرة الأولى، مدافن الشخصيات الهامة المصرية البارزة ومعالمها الجمالية وتفردها. وطالبت بضرورة الحفاظ على الجبانات التاريخية كجزء من تراث العمارة الجنائزية الضارب بجذوره في القدم في وادي النيل، وأيضا كمكون أصيل لعمران العاصمة المصرية ككل.

    ثم امتدت اهتمامات جليلة القاضي إلى دراسة تاريخ المدن المصرية المنسية، ذات التبادل الحضاري في حوض البحر المتوسط، مثل دمياط وبورسعيد ورشيد، لقيمتها التاريخية والمعمارية. وحررت كتابا بالتعاون مع الراحلين، الدكتور طاهر الصادق، عميد كلية التخطيط العمراني السابق، والدكتور حسام إسماعيل، أستاذ التاريخ في كلية الآثار جامعة عين شمس، تحت عنوان “رشيد: النشأة، الازدهار، الانحسار”.

    د. جليلة القاضي - تصوير: كريم بدر
    د. جليلة القاضي – تصوير: كريم بدر
    ***

    حصل الكتاب عام 2001 على جائزة منظمة المدن والعواصم الإسلامية، كما ترجم كتابها عن جبانات القاهرة الصادر باللغة الفرنسية في نفس العام إلى اللغة الإنجليزية ونشر عام 2007، وترجم مؤخرا إلى اللغة العربية وصدر حديثا عن دار نشر “المرايا” عام 2025، كاشفا للقارئ العربي عن كنوز من العمارة الجنائزية المعاصرة وثراء الطبقات التاريخية المتداخلة للمدينة العتيقة. كما يشير الكتاب إلى التهور الذي أصاب الأمكنة والدمار الذي حل بأجزاء منها في مناطق متفرقة جراء عمليات الهدم لشق الطرق السريعة حولها وداخلها، معلنا عن بداية نحر واندثار تراث لا يعوض.

    وخلال انتدابها الثاني في جامعة القاهرة بين عامي 2000 و2006، قامت جليلة القاضي بدراسة تراث القاهرة الخديوية بدعم من المجموعة الأوروبية، وكانت من أوائل من نادي بضرورة اعتبار المدن والأحياء التي نشأت في منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كتراث يجب الحفاظ عليه، وهذا ما حدث بالفعل مع إنشاء جهاز التنسيق الحضاري عام 2002.

    وأصدرت عام 2012 كتابا باللغتين الفرنسية والإنجليزية عن مركز مدينة القاهرة، تناول ظاهرة الحراك السكني  والوظيفي والتحولات الوظيفية والعمرانية والمعمارية لمنطقة المركز التي تمتد من جبل المقطم شرقا حتى حدود حي الدقي والمهندسين والجيزة غربا وجنوبا أحياء جاردن سيتي والمنيرة، وشمالا حتى الشرابية.

    ***

    وإثر خروجها على المعاش عام 2015 في فرنسا، استكملت جليلة القاضي مسيرتها ووظيفتها التعليمية، وتبوأت منصب رئيسة قسم العمارة في الجامعة الفرنسية لمدة ثلاثة أعوام، قامت خلالها بإعادة هيكلته وإنعاشه، وخرجت أول دفعة منه. كما تعود علاقتها بالجامعة الفرنسية قبل ذلك إلى عام 2008، حيث شاركت مع جامعة السوربون والدكتور فكري حسن في عمل ماستر/ ماجستير عن التراث الثقافي. كما عملت في الفترة الواقعة بين عامي 2013 و2017، كمستشارة لمحافظ القاهرة في مشروع إحياء القاهرة الخديوية، قامت خلاله بتجديد شارع سراي الأزبكية في وسط البلد.

    لا شك أن عوالم جليلة القاضي متعددة بين التخصص الدقيق، والثقافة، والسياسة، والأدب، والسينما العالمية وتطوراتها التي تتابعها في دأب وشغف نادر لأهم مدارسها الإخراجية ونجومها اللامعين. الأهم أن حياتها بين الثقافتين واللغتين الفرنسية والعربية – وأيضا الإنجليزية – فتحت أمامها آفاقا رحبة أثرت وعيها وعقلها النقدي الحر الذي ساهم في تحريرها من الثقافة البطريركية والذكورية التي تسم العلاقات والحياة في المجتمع المصري والعربي، وإلى تمردها على كليهما كأحد تعبيرات وسلوكيات سلطة الحرية الفردية التي كسرت القيود والسياجات المفروضة على الحضور الفعال للمرأة المصرية والعربية في المجال العام والخاص، التي تمت هندستها من أجل الطاعة والإذعان والخضوع.

    ومن ثم تحررت من هذه السياجات ومعتقلات العقل والضمير الفردي، وأيضا من القيود الثقيلة على الحريات العامة. ومن ثم كانت مقاربتها للتخطيط العمراني وهندسة المدن وجماليتها وهوياتها، وثقافتها، جد مختلفة. أيضا سعت وراء تحقيق ما يمكن أن نطلق عليه العدالة في السكن الصحي وفضاءاته الداخلية، وضرورة العناية في التخطيط العمراني بالعلاقات بين الكتلة المعمارية والفراغات والبيئة، سعيا وراء التوازنات الغائبة في حياتنا.

    ***

    جليلة القاضي في نظرتها للتراث المادي – في مدن المسافرين طويلا في الغروب، وفق تعبير كتابنا التاريخي التليد “الخروج للنهار”-، بوصفها ميراثا تاريخيا وجماليا من العمارة التراثية، وتصميمات تحاول أن تتجاوز حالة ثنائية الفقد والموت، سعيا وراء سكينة الحياة الأخرى بين ظلال جلال الموت المتدثر براحة مبعثها جماليات التصميم، والخط العربي، والنصوص المقدسة وتعاليم المتصوفة الزاهدين. من هنا يبدو صوتها عاليا وجهيرا في المرافعة والمدافعة عن التراث المادي في المقابر الأثرية، وضرورات إحيائها والحفاظ عليها كقيمة تاريخية وأثرية وجمالية.

    جليلة القاضي حملت في مخيلتها ووجدانها وعقلها، فيما يبدو لي، مشاهد المقابر الفرنسية، كبيير لاشيز، ومونمارتر و البانتيون -حيث شخصيات فرنسا التاريخية الكبرى  -، و سعي السائحين الأجانب لباريس لمعرفة مثوي وثري كبار بناة العالم من الفلاسفة و المفكرين و السياسيين و الفنانين والمغنيات والمغنيين وكبار النحاتين ، ورموز التصوير التشكيلي ومدارسه المختلفة ، والروائيين والروائيات والسينمائيين والسينمائيات والمهندسين والمهندسات والشعراء والشاعرات العظام والمهندسين والمهندسات ممن صاغوا جماليات البناء وحولوا الأحجار إلى موسيقى، وكبار علماء القانون والاجتماع الذين فتحوا الآفاق أمام معرفة مجتمعات الغرب وغيره، وحاولوا ضبط السلطة، ووضع الضوابط على سياساتها وقراراتها حماية لحرية الفرد والعقل الناقد كل هؤلاء وغيرهم/هن الذين أثروا فرنسا وثقافات الدنيا، ومعها عيون وعقول عالمنا.

    75 عاما من الحرية والتمرد والاستقلالية والانتماء الوطني هي مسار حياة الصديقة والأخت الغالية الأستاذة الدكتورة جليلة القاضي، متعها الله بالصحة والعافية والسعادة والتألق والتمرد والتفرد والمشاكسات لأصدقاء عمرها الجميل.

    اقرأ أيضا:

    ملف| «جليلة القاضي».. 75 عاما في مواجهة القبح

    أمنية عبدالبر تكتب: جليلة، أستاذتي وصديقتي

    د.داليا الشرقاوي تكتب: علمتني الجرأة في التجوال

    جليلة القاضي.. ضد التيار

    كريم بدر يكتب: السيدة الأنيقة

    طارق المري يكتب: الجليلة بنت القاضي

    مونيكا حنا تكتب: «جليلة».. مثلي الأعلى

    عمرو عصام يكتب: لمصر لا لجليلة

  • النوستالجيا في مجتمع الومضات الرقمي

    النوستالجيا في مجتمع الومضات الرقمي

    مصطلح نوستالجيا مركب من المفردتين “nostos” العودة، و”alogos” المعاناة أو الشوق ومعناهما «ألم الشوق»(1) والحنين لماضي ما، سواء أكان ماضي بعيد أو بسيط أو مركب(2). وكان المصطلح يشير لحالة مرضية سوسيو- نفسية لدى بعضهم للذات في الحاضر. ومن ثم تميل أو تجنح إلى تنشيط الذاكرة. وتستدعى بعض الوقائع والصور التي مرت أو عبرت في تاريخ الشخص “النوستالجي” الذي يدرك ويستعيد هذه الأحداث بوصفها لحظات سعادة أو حب أو عشق أو ممارسة حواسية حميمية. أو شكلت نقطة تحول حياتية، سواء في سردية حياته الذاكرتية، والفعلية، أو نقطة انطلاق في عمله المهني. أو في تكوين ثروته، أو مكانته الاجتماعية أو السياسية.

    هذا الحنين الجارف أو الشوق العارم لهذه الاستدعاءات الشخصية تمثل سعيا من الذات الجريحة أو المأزومة للبحث عن توازن ما لحظي إزاء واقعها. وقد يمثل ذلك لدى بعضهم هروب من حالة نفسية واجتماعية ما، أو تعثر في مساره أيا كان! أو تجاه واقع سياسي واجتماعي واقتصادي مأزوم ومحبط. بعض الاستدعاءات للنوستالجيا تدور في إطار جماعة عرقية أو قومية أو قبلية أو دينية أو مذهبية أو لغوية. والحياة في دائرتها وثقافتها وأفراحها وأتراحها الجماعية.

    بعض أنماط النوستالجيا تعد جزءا من حالة الوعي الشخصي أو الفردي – في المجتمعات التي تم فيها ميلاد الفرد في إطار الرأسمالية والتصنيع – أو اللاوعي وتحولاته ومكبوتاته. ويتم استدعاءها لإعادة فحص بعض الوقائع الحياتية المؤثرة سلبا أو إيجابا على مسارات الشخص أو الفرد.

    **

    النوستالجيا جزء من عالم الذاكرة وصورها، وباتت جزءا من فلسفتها كجزء من الدرس الفلسفي على أهميته التاريخية والمعاصرة. إلا أن الدرس السوسيو – نفسي بالغ الأهمية في تحليل حالة الشوق والحنين لبعض الماضي الفردي والجماعي والقومي في بعض لحظات التاريخ. وخاصة المرحلة الراهنة التي تكالبت فيها الأزمات وتكاثرت على مصر وعالمنا العربي الكبير. وخاصة في نوستالجيا الحياة الرقمية وومضاتها فائقة السرعة، والنسيان. بينما كل الوقائع جزء من ذاكرة البيانات الضخمة التي تحمل الذاكرة الكونية لعالمنا. يمكننا تصنيف النوستالجيا على نحو مبسط إلى عدة أنماط على النحو التالي:

    • النوستالجيا الشخصية.
    • النوستالجيا التاريخية لبعض المكونات الأساسية للمجتمعات العربية لجماعات مذهبية – سنة وشيعة ومسيحيين أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت أو بهائيين أو غيرهم.
    • النوستالجيا الوطنية/القومية التي تتجلى في مجتمعات عربية مأزومة ومتفاقمة في مشكلاتها المركبة. ولا يبدو في أفقها السياسي أن ثمة حلولا متاحة أمامها في ظل الحكم التسلطي أو الشمولي المستبد. في هذه الوضعية بعض المعارضين يستدعي بعض من قادة تيارهم السياسي. مثل الناصريين والبعثيين في العراق وأتباع الكولونيل القذافي في ليبيا أو الليبراليين التوانسة من أتباع الحبيب بورقيبة! أو استدعاء مفهوم العدالة الاجتماعية متمثلا في سياساتهم الاجتماعية ونسيان قضايا الحريات العامة والشخصية. أو استدعاء بعض معارك مواجهة مرحلة الاستعمار الغربي. وما بعد الكولونيالية أو الانتصار السياسي، أو في حرب أكتوبر على المثال المصري أو التحرر الوطني من الكولونيالية الفرنسية الوحشية الوقحة في الجزائر!
    • نوستالجيا بعض الشعوب لبعض الثورات التي أدت إلى تغيير هيكلي اجتماعي وسياسي في أنظمتها وبناء القوة داخلها وعلاقات الإنتاج مثل”ثورة” كرومويل كما يطلق عليها في التاريخ السياسي لبريطانيا، والثورة الفرنسية، والثورة البلشفية، أو الثورة الثقافية في الصين.
    • نوستالجيا المهاجرين خارج بلادهم إلى بلدان أخرى وأصبحوا جزءا من مواطنيها. ويجتاح بعضهم الحنين للوطن الأم، وبعض من حياتهم وذكرياتهم قبل الهجرة. بعضها نتاج للوحدة والاغتراب وعدم الاندماج الاجتماعي.. إلخ.
    • نوستالجيا الأمكنة والصداقات التي تستدعيها الذاكرة في لحظة ما أو ذكرى مرتبطة بمكان ما كان مؤثرا نسبيا في حياة الشخص/الفرد.

    هذه الأنماط النوستالجية تستدعيها الذاكرة وصورها من قلب التاريخ الشخصي أو الجماعي أو القومي. لكي تؤدي وظيفة نفسية وسوسيولوجية ترمى إلى استعادة لحظات مؤثرة في حيوات هذه الأنماط وتحقيق إشباع ما. أو تماسك على هذه المستويات في لحظات تحتاجها شخصيا أو فرديا وجماعيا وقوميا إزاء أزمات الواقع الفعلي الموضوعي التي تواجه هذه الأنماط.

    **

    كان التأمل جزءا من اللجوء للنوستالجيا، وبعض من شغف البحث والحنين في الماضي. بحثا عن مصادر تشكيل الذات الفردية والجماعية في مساراتها المتعددة أو الملتوية أو المضطربة.

    السؤال الذي نطرحه ما الجديد والمتغير في حالات وأنماط النوستالجيا؟!

    يتمثل الجديد المتغير والمتحول في النوستالجيا المعبر عنها رقميا بصور الومضات والكتابة الشذرية على مواقع التواصل الاجتماعي. بعض التغيرات في عالم رقمي وفعلي مفعم بالأزمات الكبرى، والاضطرابات، والحروب الأهلية، وبين الدول. ثمة أيضا تضخم مفرط في الأنا والذوات الرقمية لدى الجموع الرقمية الغفيرة. وسطوة الأشياء والتشيؤ والاستهلاك المفرط والاستعراضات على حياة الجموع الرقمية والفعلية الغفيرة التي حلت محل كل ما هو حقيقي وفق جي ديبور. وخضوع الذوات الغفيرة لإعادة التشكيل المستمر عبر الاستهلاك الفعلي والرقمي من خلال نظم البيانات الضخمة تحت هيمنة الشركات الرقمية الكونية العملاقة.

    حالة الغليان الحراري في عالمنا كله، والفيروسات المتحورة الذي يعيد طرح مسألة مركزية الإنسان في الطبيعة والوجود. وأسئلته الفلسفية والدينية والاقتصادية والرأسمالية المتوحشة بما فيها الرأسمالية الرقمية. حيث ثنائية الحرية والرقابة الرقمية مسيطرة في نعومة وسرية.

     نوستالجيا
    نوستالجيا
    **

    ظهور بدايات لإعادة النظر التاريخي والنقدي في بعض السرديات التاريخية حول بعض الأديان. وجمود بعض السلطات الدينية لها وعدم قدرتها على تقديم اجتهادات أو تجديدات تفسيرية وتأويلية لمواجهة أسئلة جديدة ومختلفة عن الأسئلة والإجابات النقدية القديمة الموروثة حول العقائد ونشأتها ومفاهيم الألوهية. وأيضا الأديان الأخرى الآسيوية والإفريقية وخاصة في ظل عصر الأناسة الروبوتية وما بعدها مع التطور فائق السرعة للذكاء الاصطناعي التوليدي والروبوتات قلق من وضعية الإنسان في عصر الاضطرابات والتحولات فائقة السرعة. عصر الخوف المدرك واللامدرك في الوعي الجمعي للشعوب، وثقافاتها المتعددة في عالمنا.

    الجديد في حالات النوستالجيا ذي صلة بالتعبير الرقمي عنها بالصور والكتابات الوجيزة جدا الشذراتية عن استدعاءات الحنين للماضي والتعبير الومضاتي عنه. مجتمع الومضات الرقمي أثر على أنماط التفكير الرقمي والفعلي وأدى إلى شيوع السطحية والتفاهات والانطباعات المرسلة في الخطابات الشذراتية والقراءة الومضة. وأيضا التعبير عن النوستالجيا بصور الومضات والانطباعات الساكنة في أحكام القيمة الرغائبية وتشكل نوستالجيا الومضات والشذرات تعبيرا عن بعض من التشوش في الذاكرات الفردية والجماعية والقومية.

    لغة الومضات والشذرات المضطربة فائقة السرعة، أثرت على تمثل واستعادة النوستالجيا من الذاكرات الفعلية إلى الرقمية. وساد التركيز الومضاتي سعيا وراء التفضيلات على مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة. هذه المتغيرات أدت إلى تشكل النوستالجيا الرقمية ووظائفها السوسيو – نفسية والسياسية، والحث على مشاركات وتفضيلات الأصدقاء وغيرهم.

    **

    إنها ترمى إلى استدعاء الصور من الطفولة للمدارس إلى الجامعة والعمل والحب، والزواج والعشق والرفقة، والتريض والسفر للتصييف على الشواطئ أو بعض التفاصيل المؤثرة في حياة الفرد الرقمي. هنا النوستالجيا الرقمية ترمي أيضا إلى تحيين الذاكرة واستدعاءات لفرح ما وللحظة ما. ولكن معبرا عنه على نحو ومضاتي فائق السرعة في استهلاكه من المتابعين. بعض الممثلات والمطربات تدير صورهن النوستالجية لشبابهن وأفلامهن مع نجوم أيامهن. بعض من يديرون هذه الصفحات بأجر تعبيرا عن محاولة منهن أنهن لازلن في شرخ الشباب. ولاستعادة نوستالجيا أفلامهن القديمة، وهو تعبير عن الحنين لماضي غادرهن.

    بعض المطربين والمطربات كبار السن يضعون قطعة صغيرة هي الأجمل في أغنياتهم. لمحاولة مواكبة الأغاني السريعة للأجيال الشابة الجديدة واستهلاكها الغنائي البالغ السرعة للموسيقى والأغنية.

    بعض النوستالجيا السياسية تستعيد صورة زعيم وطني أو حدث تاريخي ومعها تعليق حاسم في حكمه التاريخي دون تعمق أو درس تاريخي للحدث ومالأته مثل سعد زغلول، ومصطفى النحاس باشا وأحداث 1919. و”الليبرالية” هكذا!! في مواجهة جمال عبدالناصر، ونظام يوليو 1952 مع إسقاط أحكام سطحية وانطباعية جازمة على الصور والتعليقات. أو تمجيد بعضهم للسادات ومبارك دونما تحليل لاختلالات النظام وسياساته. ونتائجه في تدهور الدولة والنظام السياسي والاجتماعي والانهيار الاقتصادي وسياسات التصنيع، والتعليم والصحة. وتفشي الفساد الهيكلي في الدولة والمجتمع وتراجع دولة القانون.

    **

    هناك صور ومضات وشذرات تعليقات ومضات في الإفراط في استخدام لا علمي، ولا تاريخي لمصطلح “ثورة” من العرابيين إلى 1919 إلى 23 يوليو 1952 إلى 15 مايو الساداتي إلى 25 يناير 2011 إلى 30 يونيو وهكذا.

    كلها نوستالجيا ومضاتية رقمية حاملة لانطباعات سطحية وساذجة وتفتقر لموضوعية البحث والمناهج التاريخية. تحولت النوستالجيا الرقمية إلى توظيفات في الصراعات السياسية وسجالات الانطباعات الساذجة بين أشخاص وجماعات لا توجد قاعدة اجتماعية لها ولا لخطابها السياسي ونوستالجياتها الرقمية.

    ثمة توظيف للنوستالجيا الرقمية من بعض الروائيين والروائيات والقصاصين والقصاصات والشعراء والشاعرات في نشر أغلفة أعمالهم/ هن الأولى وصورهم/هن. وفقرة أو فقرتين لناقد كبير أو صورة معه أو مع كاتب كبير! بعض الصور بعد أو أثناء الحصول على جائزة ما أيا كانت قيمتها وأهميتها.. إلخ.

    **

    كلها نوستالجيا لتوازن الذات وأنها ذات قيمة ومكانة أدبية، وأنها قدمت إبداعا بقطع النظر عن قيمة ما كتبه، أو كتبت. وهناك صور بعض الترجمات إلى اللغات الأجنبية بصرف النظر عن مدى ذيوعها بين بعض القراء الغربيين أو الآسيويين أو عدم انتشارها!

    إنها نوستالجيا رقمية تستدعى بعض اللحظات لتثبت لذاتها وللمتابعين لها أنهم/هن لازلن ذوي أهمية في الحياة الثقافية الشاحبة في هذا البلد وذاك!

    إنها مساع عبر الحنين والشوق إلى الماضي لإحداث توازن سوسيو- نفسي عبر بعض الذكريات التي عبرتها حالة هروب إلى النوستالجيا والذاكرة والتعبير الرقمي عنها في مواجهة واقع موضوعي مُتخم بالمشكلات والعوائق التاريخية والهيكلية والتخلف المركب. وعدم القدرة على مواجهتها في دول العسر العربية بالعقل الحر والفكر النقدي وحريات التعبير المحاصرة والفعل السياسي الحر، إنها نوستالجيا لمواجهة غياب الأمل في الحاضر والمستقبل الغائم!

    هوامش:

    1- بوجمود شكود- مدونات – 2016

    2- لمزيد من التفاصيل انظر موقع ويكيبيديا

     

    اقرأ أيضا:

    نظرة إلى معارض الكتب العربية: أفكار للخروج من سجن البيروقراطية

  • الدراما والكتابة والواقع المراوغ

    الدراما والكتابة والواقع المراوغ

    في ظل المجالات العامة المغلقة في عالمنا العربي، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي المفتوحة على مصراعيها –ومعها أنظمة الرقابة الرقمية- إلى سجالات، وتفضيلات، وتحبيزات وتحيزات، ورفض، وقبول. وهجاءات للأعمال الدرامية التلفازية التي تعرض على شاشات التلفزة، والألواح الرقمية، والمنصات!

    هي حالة شبه عامة، تظهر الاتجاهات السائدة، واهتمامات الجماهير الرقمية الغفيرة، وبعض المثقفين، وأولوياتهم التي تحولت إلى الأعمال الدرامية. بعضهم يستخدمها في الهجوم على الشركات المنتجة، كغطاء للهجوم السياسي على ما وراءها سياسيا، في أجهزة الدولة! بعضهم الآخر يوظفها في تأويلاته التاريخية المسطحة. والتي تصل إلى حد التفاهة وعدم المعرفة بتاريخ كل دولة ومجتمع! أو المعرفة المبتسرة، أو صراع التأويلات السطحية دونما سند معلوماتي، أو منهجي!

    **

    بعض الجماهير الرقمية الغفيرة، وقع في استقطاب حول بعض الممثلات والممثلين، والمخرجين، وأداءهم. ومرجع ذلك قيام هؤلاء، عبر بعض الأشخاص، أو الشركات الرقمية في صناعة اتجاه، تجاه هذه الممثلة أو تلك، أو هذا الممثل والممثلة أو ذاك. والترويج له افتراضيا، في المواقع الرقمية على تعددها، أو عبر الصور، أو الفيديوهات، أو التصريحات المثيرة، أو المحمولة على الغرابة لجذب الاهتمام من رواد المواقع الرقمية. بعض الصحف الورقية لاسيما الخاصة، تضع هذه التصريحات الغريبة جذبا لمواقعها الرقمية. في ظل غياب سياسة للنشر تتسم بالمهنية والاهتمام بوعي، وعقل الجماهير الرقمية والفعلية الغفيرة!

    هذه الظواهر باتت جزءًا أساسيًا من الحياة الرقمية المصرية والعربية، والتي يمكن وصفها بأنها ثقافة السطحيين الرقميين الجدد سواء من بعض الأجيال القديمة الأكبر سنا. التي تستخدم الواقع الافتراضي في مقارناتها بين الدراما التلفازية في شبابهم، أو النوستالجيا –الحنين- إلى ما يطلق عليه في العبارة الشائعة لديهم حلاوة زمان. وأن كل ما كان يجرى في زمن صباهم وشبابهم هو الأجمل. أو محاولة بعضهم نقد الحاضر في الفن، والاقتصاد، والقيم، والأخلاق، والتمثيل والسينما. وهي نزعة قديمة، ومتجددة حيث كل جيل غادر الشباب، يلجأ إلى استدعاء الماضي على أنه الأجمل، والأفضل. في ظل تحولات الواقع الاجتماعي – الاقتصادي، والسياسي، وهو ما يشكل نزعة لا تاريخية بامتياز!

    **

    الأجيال الجديدة الشابة، وفي مرحلة الصبا، والطفولة هم أبناء عصرهم الرقمي، ونتاج تعليمهم الرديء مع الأجيال الأسبق –والاستثناءات محدودة- في كل البلدان العربية. ومن ثم تفضيلاتهم وتحيزاتهم لهذا المسلسل الدرامي، أو غيره هو تعبير عن الذائقة شبه الجماعية السائدة بينهم!

    بعض السطحيين الجدد، ومعهم صناع الدراما التلفازية يقدمون عوالم موازية للواقع المعاش. أو بعض الأحداث التاريخية من خلال نظراتهم المبتسرة أو المختلفة، أو التأويلية التي تفتقر إلى عمق المعالجة، أو التخيلات التي تفتقر إلى الذكاء الفني، والأحكام في بناء السيناريوهات، أو الحوارات، أو السردية البصرية!

    بعض هذه الأعمال التلفازية، تفتقر إلى السلاسة الإيقاعية، والكثافة، والإيجاز، لصالح الثرثرة وسطوة الحوارات المطولة، وحركة الكاميرات البطيئة! تفسير ذلك غياب الاعتبارات الفنية. من أجل التركيز على أبطال المسلسل، أو اعتبارات التطويل من أجل رفع ميزانيات هذه الأعمال، والاستمرار طيلة ثلاثين حلقة، أو خمسة عشر حلقة. سواء في شهر رمضان الذي تجلس غالب الأسر العربية أو بعض أفرادها أمام شاشات التلفاز المختلفة. أو المنصات الرقمية، والألواح الرقمية، وبعضهم على الهواتف المحمولة.

    محمد رمضان في مسلسل «جعفر العمدة»
    محمد رمضان في مسلسل «جعفر العمدة»

    الأخطر أن غالبُ هذه المسلسلات، لا تعكس المشكلات والتحولات الاجتماعية في الواقع المعاش. فلا تزال تركز على حارة متخيلة، وبطل يعتمد على القوة البدنية، وعصبة الرفاق، والزواج المتعدد، والمال الوفير. وهي سردية تعتمد على مغازلة الوعي الجمعي لبعض الفئات الشعبية، وخاصة الصبية والشباب. بينما الواقع الفقير والبائس مختلف، غالبُ همومه هو البحث عن “لقمة العيش”، والعمل.. إلخ! لاشك أن مشكلة هذا النمط من الدراما، أنه يحاول مغازلة الوعي البائس، والشعبي على نحو يؤدى إلى إعادة إنتاجه. وليس تطويره اجتماعيا، ودفعه نحو القيم الإيجابية في العمل، والزواج، والتدين الفردي المعتدل. ومن ثم يدفع نحو تحفيز العنف الديني، واللفظي، والتعصب، والزواج المتعدد، والطلاق، وإنماء التطلعات الطبقية دون عمل منتج يؤدى إلى الحراك الاجتماعي لأعلى!

    **

    بعض المسلسلات التلفازية، تدور في عالم المنتجعات المغلقة حول القاهرة مثالا، وعالم رجال الأعمال، ومؤامراتهم المالية، والخيانات الزوجية، والتصدعات الأسرية والتهتك الحراسي، واللفظي، ولغة الاستعلاءات الطبقية الكاذبة. كل ذلك يدور في عوالم مغلقة لا علاقة لها بالمجتمع المصري، وما يدور من تحولات، ومشكلات. دراما العوالم المغلقة لا تعدو أن تكون وصفية، واستعراضية ودونما سردية درامية، مكثفة، وسريعة، وتنطوي على جماليات بصرية، وحوارية، تحلل وتكشف عن لغة العيون، والوجوه والأجساد، بعيدا عن الأناقة المصطنعة، والمترفة شديدة الثراء في مجتمع تعاني الطبقات الوسطى، والشعبية من عسر الحياة.

    الحياة المصرية، والعربية في الدراما تبدو في غالبها -والقلة تشكل استثناءًا- تبدو غائبة، أو مصطنعة في سردياتها الدرامية. بعض الدراما التاريخية، تبدو هشة، وضعيفة البناء، وأداءها التمثيلي، يبدو مثل الأداء المسرحي والخطابات المحملة بالوعظ، أو العنف، وتوظيف التاريخ أو بعض وقائعه لأداء وعظ سياسي أو وطني معاصر!

    هذا الاتجاه من الدراما الاصطناعية الضعيفة، يجافي التاريخ، والأخطر يتحول إلى وعظ درامي، يغادره الفن التمثيلي، والإخراجي، والسردي البصري، ومن ثم لا يؤثر فنيًا، وجماليًا.

    التخيل السينمائي، والدرامي التلفازي، كعمل فني يعتمد على الرؤى التخيلية الخلاقة، ومواكبة عصر السرعة الفائقة، وتحولاته، وعلى التقنيات السينمائية، والتلفازية التي باتت توظف تقنيات رقمية جديدة، وتراعى ثقافة العيون الرقمية المتغيرة. وبعض المسلسلات الأمريكية والأفلام، باتت توظف الذكاء الصناعي في أعمالها. ومرجع ذلك تطور العلاقة بين التطور التقني، والسينما، والدراما، وغيرها من الفنون تاريخيا. وتخلفنا التقني، ورتابة غالبية الأعمال الفنية، وتخلف أدواتها التقنية، الأهم هو نمطية الرؤى الفنية القديمة والتقليدية المستعادة في عالم غادرته هذه الرؤى، وأيضا التغير الاجتماعي في عالمنا العربي.

    **

    يلاحظ أيضًا نمطية بناء السيناريوهات، والحوارات، وحركة الكاميرا في هذه الأعمال -والاستثناءات قليلة-. بينما السرعة تحكم حركة الواقع، والعيون، والمشاهد، والأهم الأجيال الجديدة من الشباب والصبايا الذين تسيطر عليهم ثقافة العيون الرقمية السريعة جدًا. في تعاملهم مع الفيديوهات السريعة، وفائقة السرعة، والصور على الواقع الرقمي. وهو ما يؤدى في ظل استمرارية التطويل والرتابة، والأداء المسرحي لبعض الممثلين والممثلات، وخطابهم الوعظي الممل إلى جفوة بين هؤلاء المشاهدين، وثقافتهم الرقمية السطحية! التي مجافاة الوعظ النمطي الأخلاقي، أو لغة البلطجة، والبطل زعيم عصبة الرفاق في الحارة!

    لغة الدراما التلفازية، وسردياتها البصرية تحتاج إلى تجديد جذري. يحاول أن يجددها مع عالم فائق السرعة، والصورة ويدمجها مع التطورات التقنية، والذكاء الصناعي. وهذا يحتاج إلى مواهب، وتقنيين أكثر علما وذكاء وموهبة.

    اقرأ أيضا

    نبيل عبد الفتاح يكتب: السينما والناقد والتغير في رؤى العالم

  • نظرة إلى معارض الكتب العربية: أفكار للخروج من سجن البيروقراطية

    نظرة إلى معارض الكتب العربية: أفكار للخروج من سجن البيروقراطية

    شكلت معارض الكتب واحدة من الظواهر الثقافية عالميًا، من حيث دلالة أعداد القراء الذين يذهبون إليها لشراء الكتب التى تتناسب مع اهتماماتهم، وتخصصاتهم، وأذواقهم القرائية، وذلك مع بعض التخفيضات التى تقوم بها دور النشر فى هذه المناسبات السنوية، أو غيرها. فى المجتمعات الأكثر تطوراً كانت الأعداد الضخمة للزوار، وأعداد الكتب المشتراة -فى الأدب، والفن، والفلسفة، والعلوم الاجتماعية، والعلوم الطبيعية والرياضيات- دلالة على تطور مستوى الوعي والمعرفة الفردية خاصة فى ظل الدراسات التى تجريها مراكز البحث الاجتماعى، ودور النشر عن توجهات القراء، وتحليلها، على نحو يساهم فى إعادة صياغة سياسات النشر لدى هذه الدور الشهيرة الكبرى، وأيضا الصغري. فى دور النشر الكبرى والصغرى هناك دائما لجان قراءة للنصوص المقدمة للنشر لديها، وفى حال الموافقة الأولية على المخطوطات المقدمة، تقدم إلى محررى -أو محرر- الدار، لينظر فيها، ويقدم للمؤلف ملاحظات على العمل، لكي يعيد صياغته، لينشر فى أفضل وجه من الوجوه.

    دور المحرر بالغ الأهمية، حتى مع كبار الكتاب، أو الشباب، والأهم أن المحرر عادة كاتب كبير ذو ثقل فى الحياة الفكرية. مع تطور التكنولوجيا والذكاء الصناعى، حدثت ثورة فى النشر الرقمى، والورقى معاً، سواء من خلال تحديد أعداد الكتب بدءاً من نسخة إلى الآلاف النسخ وقد تصل إلى مئات الآلاف من النسخ، وفق حالة الطلب القرائى على الكتاب. الأجيال الجديدة من القراء فى المجتمعات المتقدمة تعود بعضهم على القراءة الرقمية، وبعضهم لا يزال يستهلك الكتب الورقية.

    معارض الكتب العربية لا تشهد مثل هذه الظواهر المعروفة، من فحص لمخطوطات الكتب، وتقويمها من حيث أهمية موضوعها، ومدى توافر الشروط الموضوعية، والنقدية فى هذه المخطوطات، أو جودتها وعمقها، أو سطحيتها أو تفاهتها أو سطحية المعالجة او غياب المنهج او عدم صلاحيته، وإنما تخضع لمعايير أخرى فى الغالب- وهناك استثناءات محدودة، وذلك لغياب التخصص فى دور النشر، وعدم تبلور رؤى وسياسات للنشر لديها.

    ***

    يخضع النشر لاعتبارات الرواج بقطع النظر عن مدى تأثير غالب الرواج الاستهلاكى القرائى على تطور الثقافة، أو تراجعها. بعض النشر يعتمد على تمويل “الكاتب/ الكاتبة”، لطبعة، وهامش ربح الكتاب للناشر، سواء أكان من داخل البلاد، أو من دول اليسر المالي العربي!

    دور النشر الحكومية غالباً ما تنشر الأعمال دونما مراجعات موضوعية وجادة، وإنما تعتمد على عدم تناول أمور سياسية، أو دينية، أو اجتماعية حرجة، تجعل موظفى، وأعضاء لجان هذه السلاسل موضوعا للمساءلة الإدارية، أو الجنائية! ومن ثم يؤثرون السلامة فى اختياراتهم. الأخطر، أن يتم  النشر فى عديد الأحيان، وفق اعتبارات المحسوبية، أو النفوذ، أو الصداقة مع الكاتب، والكاتبة. الأخطر أيضا أن عديد هذه الكتابات يتم تمريرها، ونشرها دونما تحرير، والأخطر أنها موضوعات مكررة، سبق تناولها فى عديد الكتابات السابقة الأهم، ولا تعكس مشكلات التطور الاجتماعى والسياسى، والثقافى، والديني في هذه البلدان!

    فى السنوات الأخيرة، يتم نشر أطروحات جامعية في بعض البلدان العربية يعرف الجمع كيف تم تمريرها من بعض لجان التحكيم الجامعية، وبعضها ينطوى على فضائح، وفساد علمى فى عديد البلدان العربية على نحو ما ترشح في بعض وسائل التواصل الاجتماعي او بعض الصحف والمجلات العربية أو بعض مواقع البحث على الشبكة العنكبوتية.

    من هنا يتم تركيز البيروقراطية فى الأجهزة الثقافية الرسمية في بعض البلدان على أعداد زوار معارض الكتب، وخاصة فى ظل غياب العقل الإدارى الخلاق، ولجان التخطيط للمعارض، من حيث تحديد عنوان المعرض، وغالباً لا يكون دالاً قط على أحد القضايا الأهم فى الحياة الثقافية الوطنية، أو الإقليمية، أو الكونية فى عالم يتحول فى سرعة فائقة، ويأتى العنوان حاملاً طابعاً محلياً، يعكس من اختاروه، وثقافتهم، ومدى تكوينهم المعرفي، وحساسيتهم، واهتماماتهم!

    ***

    الأخطر اللجوء إلى العناوين الآمنة التى لا تجلب لهم مشكلة مع السلطة السياسية، وخاصة تلك العناوين التمجيدية الفارغة للبلد المنظم للمعرض! فى بعض البلدان يتم اختيار شخصيات زائعة الصيت ممن رحلوا إلى العالم الأخر، من ديانة الأغلبية، ويرفضون فى أباء وتعنت اختيار شخصيات أهم من ديانة الأقلية، وهو أمر ينطوى على تحيزات دينية وطائفية، ودلالة على التمييز الدينى والطائفى، وغالبا ما يوافق بعض وزراء الثقافة على ذلك، فى حين أن اختيار هذه الأسماء يساهم في دعم الاندماج الوطنى، والوحدة الثقافية لمكونات المجتمع فى عديد بلدان عالمنا العربى.

    القراءة للفنانة: بيتيت إيف
    القراءة للفنانة: بيتيت إيف

     

    البيروقراطية الثقافية الكسولة غالبا فى بعض البلدان العربية تركز على أعداد الزوار، وغالبا ما لا تكون دالة على الوعي، أو الاهتمام بالثقافة، لأن هذا الحضور الكبير نسبيا، لا ينعكس على حركة بيع وشراء الكتب، ولا نوعية الكتب المباعة، من حيث القيمة والأهمية. فى بعض معارض الكتب العربية فى دول اليسر المالى، تدعم الدولة دور النشر، وشراء بقايا الكتب من دور النشر، أو أعداد منها، أو تخصيص مبالغ محددة للطلاب لكي يشتري كل طالب عدد معين من الكتب، ومع ذلك تفتقر هذه المعارض لأعداد كبيرة من الزائرين، وغالبا ما يكون القراء من بعض العمالة الوافدة -السودانيين واليمنيين والفلسطينيين…الخ فى هذه البلدان!

    بعض دور النشر – العراقية والأردنية والسعودية، والإماراتية والبحرينية – تخصصت فى نشر ترجمات بعضها هام، وفى إطار سياسة ما للترجمة، واختيار بعض الكتب الهامة للترجمة، فى الاجتماع والفلسفة، والسياسة، والأدب – الشعر، والرواية، والمجموعات القصصية والمسرحيات-، وفى بلدان بها بعض من الحيوية فى دور النشر، الحكومية أو الخاصة، ويعود ذلك الي بعض اختيارات المترجمين المحترفين، أو بعض العرب المقيمين فى أوروبا، وأمريكا، والصين.

    ***

    بعض مراكز الترجمة لديها سياسة كما فى تونس، وتعطى النصوص إلى أساتذة فى التخصص سواء عن الفرنسية أو الإيطالية، أو الإنجليزية، بينما مراكز أخرى ليس لديها سياسة للترجمة، وتخضع للعشوائية، أو العلاقات الشخصية مع بعض المترجمين غير المتخصصين فى موضوعات الكتب. ازدادت بعض الترجمات تدهورًا، وعدم الدقة فى نقل النصوص، وروحها وعالمها مع الترجمة الآلية إعادة الصياغة. من هنا لابد من إعادة النظر في أوضاع مراكز الترجمة وصياغة سياسة للترجمة تتوافق مع تطورات المعرفة في العلوم الطبيعية والإنسانية. وضع سياسة للترجمة من الأهمية بمكان من حيث أولوياتها لتكوين عقل القارئ المواطن ومتابعته لتطورات الإنتاج العلمي في العلوم الطبيعية والأنسانية والفنون والآداب والمسرح، وذلك لجسري الفجوات بين الجماعات الثقافية العربية ونظائرها في المجتمعات الأكثر تطورا، ورفد الجماعات الأكاديمية بالجديد في تخصصاتها حتى تردم الفجوات في مناهج التعليم الجامعي بين السائد والقديم، وما بين التحولات والقطيعة المعرفية والنظرية والمنهجية في كل تخصص.

    الترجمة وسياستها لا ينبغي أن تقتصر فقط على اختيارات بعض المترجمين، وخاصة في الروايات والمجموعات القصصية، وانما على سياسة للترجمة تعتمد على التكامل بين فروع المعرفة، وأيضا على تخصص المترجم، وخاصة في العلوم الطبيعية. ان النظرة النقدية لمعارض الكتب ترمي إلى تطويرها وليس هدمها أو التقليل من أهميتها لأن الملايين التي تذهب الي بعض المعارض العربية دونما انعكاس على حركة البيع والشراء لا دلالة لها على تطور الجماعة القرائية، خاصة أن نوعية حركة الشراء من بعض الكتب دون غيرها، او مستوي هذه الكتب من حيث الجدية والعمق في المعالجة، أو السطحية والتفاهة تشير الي الحالة القرائية في إعطاء البلد أو ذاك، من حيث تطوره الثقافي أو تدهور مستوياته.

    ***

    أن نظرة على أوضاع الكتاب في عالمنا العربي تشير الي تدهور في بعض اختيارات دور النشر، وتميز بعضها الآخر في المغرب وتونس والأردن والعراق وبعض دول الخليج العربي. من ثم يبدو تقييم حالة النشر العربي من الأهمية بمكان، وخاصة ان المستقبل سيكون للنشر الاليكتروني وستصبح معارض الكتب رقمية مع الثورة الصناعية الرابعة والخامسة حيث ستسيطر المواقع الروبوتية على الإنتاج الكوني من الكتب ويسهل الترجمة الالكترونية من اللغات الي بعضها في دقة وكفاءة، وربما ينتهي – وهو ما يرجح – دور المترجم في الحياة الفكرية إلا قليلا خاصة مع الذكاء الصناعي!

    بل ان الروبوتات ستتدخل في الإنتاج الفكري والابداعي على نحو ما ظهرت بعض بشائره في الغرب! وربما تشهد الأجيال القادمة موت المؤلف الفعلي إلا قليلا إذا شئنا استخدام مصطلح رولان بارت الشهير دون دلالته في التلقي والتمثل لصالح القارئ! الدنيا تتحول في ثورات هادئة ذات انعكاسات على أنماط الثقافات السائدة من الثقافة العالمة إلى الوسيطة إلى الشعبية! هناك تمايزات تتسع وفجوات كبري بين هذه الأنماط.

    ***

    علي صعيد التلقي القرائي مع تدهور بعض الأنظمة والسياسات التعليمية كما يتم الحديث عنها في فرنسا وبريطانيا ناهيك عن تدهورها الشديد في عالمنا العربي في تونس والجزائر والمغرب ولبنان وسوريا والعراق ومصر والسودان وليبيا! من هنا تبدو أهمية المزاوجة بين التعليم والثقافة وسياسة الترجمة. متابعة الدرس التعليمي العام، والفني، والأكاديمي في أوروبا وامريكا الشمالية، واليابان والصين وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، والهند، وماليزيا بالغ الأهمية لمعرفة لماذا صعدت آسيا الناهضة تنمويا! معرفة مستويات القراءة واولوياتها في هذه البلدان تشكل درسا لعالمنا العربي كي يستطيع مواكبة تطورات عالمنا وتخطي بعض الدول الآسيوية سياجات التخلف وقفزها الي مواقع متطورة ومتقدمة في عالمنا!

    أن الدرس الهندي في التنمية والتقدم العلمي بالغ الأهمية لنا في عالمنا العربي، من حيث تطور واتساع القاعدة العلمية وخاصة في المجال الرقمي والعلوم الطبيعية والتكنولوجيا! مثل هذه القضايا يتعين ان تكون موضوعا لمعارض الكتب وندواتها لكي تنتقل الخبرات والمعارف الي المثقف والقارئ العربي من الأجيال الجديدة الشابة والصاعدة. من هنا يبدو التمجيد المفرط للذات خطر داهم على مستقبل الأجيال الجديدة والصاعدة عربيا. يتعين على معارض الكتب ان تقدم الشباب الموهوب من خلال اكتشافهم من كتبهم وكتاباتهم/هن الجادة والتي تطرح مقاربات مختلفة عن الأجيال السابقة التي لدي بعضها اشكال من السلوك والتفكير المتمركز حول ذواتهم الجيلية ويميلون الي ما سبق ان أطلقت عليه ظاهرة الإزاحة الجيلية، خاصة من خلال تمجيد مفرط منهم لجيلهم على الأجيال الأخرى أو ميل بعضهم إلى تقديس بعض المفكرين دون بعضهم، أو ذكورية العملية النقدية.

    معارض الكتب تشكل حالة خصبة لدراسة العقل الجمعي للجماعات القرائية وليست فقط استعراضات وأرقام لا دلالة لها على مدي تطورنا الثقافي والمعرفي والعلمي.

    اقرأ أيضا:

    نبيل عبد الفتاح يكتب: السينما والناقد والتغير في رؤى العالم

  • ماجدة الجندي: سيدة السرد الصحفي الجميل

    ماجدة الجندي: سيدة السرد الصحفي الجميل

    سلاما على من يمرون على حياتنا في هدوء، ورقة وعذوبة حاملين معهم اللطف، والمحبة، وروح المسؤولية الفردية، والهم العام في صدق، دونما تكلف، ولا شعارات، وكلمات كبيرة مستمده من ثقافة السماع عن بعض المتون الإيديولوجية الكبرى. لاسيما اليسارية أيا كانت مصادرها ومصادرها الفلسفية والسياسية وتجاربها المقارنة.

    هؤلاء غالبا ما كان دفاعهم عن الصالح العام، والانتماء الوطني، والسعي للارتقاء بالوعي الجمعي للأغلبيات الشعبية، تعبيرا عن حساسية شعورية، وفكرية مرهفة. دونما تزيد أو مبالغات، وبعضهم – وهم قلة – حولوا المبادئ العامة للوطنية، وحب الوطن، والتقدم، إلى عالم التفاصيل اليومية، وحياة الناس. دونما تكلف أو استعلاء، لأنهم يعشقون الوطن من خلال شعبه، وأغلبيته من الجموع الغفيرة، وداخل هذه الجموع. يركزون على الحكايات الصغيرة للكفاح من اجل الحياة المعسورة عند الحافة.

    بعض هؤلاء، وخاصة في تاريخ الصحافة المصرية، ذهبوا إلى التفاصيل، والحكايات التي تبدو ظاهريا بسيطة وعادية، ومحاولة استنطاقها، دون مبالغات.

    من هؤلاء كانت صديقتنا الغالية ماجدة الجندي، زوجة الروائي الكبير جمال الغيطاني، منذ عملها بمجلة صباح الخير، وروز اليوسف، وفي الأهرام.

    **

    ركزت ماجدة الجندي، على باب “الأفيش” في صباح الخير، منذ دخولها إلى كلية الآداب جامعة القاهرة.

    من هنا كانت كتابة ماجدة تركز على حساسية النظر إلى الصورة، واستنطاق تفاصيلها. وما وراءها بحثا عن الجوهري فيها، بنية الصورة، ومكوناتها أعطت لماجدة نظرة بعيدة، وحساسية لغوية، في كتابتها، ومقالاتها وعروضها للكتب، وحواراتها مع بعض كبار الكتاب العالمين.

    اللغة الصحفية لماجدة، بدت مختلفة عن نظائرها في السرد الصحفي من الصحفيين والصحفيات. لغة بها خصوصية مائزة، تتميز بعدم التكلف، والسلاسة، والتشويق. في الانتقال من جملة لأخرى ومن فقرة إلى فقرات، التحقيق أو أسئلة الحوار، أو المقال.

    لغة مشخصنة، ومتواشجة مع الموضوعية النسبية في النظرة إلى الصور في الحياة. وقصص العاديين المعبرة عن حياتنا، في تألقها النادر، وفي التراجيديا اليومية للبسطاء.

    غلاف كتابها الأول "كما تدور عجلة الفخار"
    غلاف كتابها الأول “كما تدور عجلة الفخار”

    كتابة سعت أيضا لحمل هموم الطبقة الوسطى في صعودها. من خلال التعليم، والثقافة، وتفككها مع تحولات السياسية، والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية. وتراجع قيمة الثقافة لدى المصريين من عصر الانفتاح إلى الرأسمالية النيوليبرالية كجزء من هموم هذه الطبقة، وأزماتها. وطموحها الذي انكسر، ومعه القيم التي حملتها، ثم ضاعت مع موجات التغير الاجتماعي التي قلبتها رأسا على عقب.

    اقرأ أيضا| جمال الغيطاني.. البصير الذي رأى كل شىء

    **

    اللغة المشخصنة لدى ماجدة العزيزة، هي أقرب إلي لغة الذات الساردة صحفيا. وربما مرجع ذلك مدرسة صباح الخير، وصحفييها وكتابها، ونمط كتابتهم الصحفية، التي تميزت بالسلاسة، والوضوح، وعدم التكلف أو الولع بالكلمات الكبيرة، والفصاحة اللغوية. لأنها تخاطب القارئ الشاب، والأجيال الجديدة، في لحظة، صدورها، وتطورها الصحفي. في مواجهة نمط من الكتابة التي تعتمد على الفصاحة اللغوية، والكلام الكبير، الذي يفسر كل شيء، ولا يفسر شيئا!

    كانت تكتب، وكأنها تخاطب كل قارئ على حده، وتهمس له وتحاوره، وتخاطب عقله ومشاعره من خلال فصاحة البساطة.

    السردية الصحفية لماجدة، كانت مستمدة أيضا من قراءتها للأدب، ومتونه. سواء من خلال اللغة الفرنسية، أو العربية، لعديد من أدباء العالم الكبار، والعالم العربي، ومصر. وأيضا أعمال زوجها المبدع الكبير صديقي جمال الغيطاني رحمه الله. وهي لغة خاصة، ومن خلال مكتبته العامرة، بالكتب في الأدب، والفنون البصرية والتشكيلية المصرية، والعالمية لكبار المصورين العالمين في الفن التشكيلي، والنحت.

    لاشك أن هذه المصادر ومجاورتها لسارد كبير في الأدب المصري والعربي. جعل لغتها قريبة من جماليات الأدب، ومجازاته، في أهاب لغتها الصحفية الأسرة.كانت تكتب بإحساس مرهف عبر ذاتها العارفة بالناس والعالم، وتحاور كبار الكتاب، وتعرض الكتب المهمة لقارئها.

    كانت كتابتها الصحفية، تعبيرًا عن زهو الصحافة المصرية، وصباح الخير، وروزاليوسف، على الرغم من السياجات العميقة التي كانت مفروضة سلطويا حول العقل الصحفي الحر، والحريات العامة. وعلى رأسها حرية التعبير، على نحو أدى إلى جمود اللغة الصحفية، في معتقلات اللغة الصنمية، ذات النفس الشعاري الكريه. إلا أن قلة القلة من الصحفيين استطاعوا المناورة مع هذه القيود المفروضة، وكتبوا لغة متحررة. لأنها لغة الذات العارفة التي تخاطب قارئها في لطف وسلاسة ووضوح وجمال أسلوبي.

    **

    لغة ماجدة الجندي، وكتاباتها لم تخرج من معطف زوجها جمال الغيطاني، ولا من وهج شهرته وذيوعه وإنما من حالة المجاورة كزوج وأب لماجدة ومحمد، ومن ذاتها. ومن هنا لم ترد أن تدخل عالم السرد الروائي، والقصصي، وإنما اختارت الفن الصحفي أن يكون مسرحها الكتابي الذي تجيده، وتعرف وتنتشر من خلاله. استمرت لغة ماجدة تتطور على الرغم من انتقالها بعد زهاء عشرين عاما من مدرسة روزاليوسف وصباح الخير إلى الأهرام العريق. ثم من خلال رئاسة تحرير مجلة علاء الدين، إلى عالم الطفل الذي كان يعيش في حناياها. وكانت وقت رئاستها للمجلة، متميزة في إدارتها واختياراتها للرسامين والكتاب، وسكرتير التحرير الفنان الكبير اللامع، والمثقف ذو الرؤى الجمالية الشابة وعيونه اليقظة على واقعه، وعالمه أحمد اللباد. ثم قامت بإنشاء صفحة غذاء العقول لعرض الإنتاج الفكري، والإبداعي من الكتب الجديدة، لكي يتعرف القارئ عليها،

    بعد ذلك كانت تكتب مقالاتها المتميزة بصفحة الرأي بالأهرام وكان أسلوبها ولغتها ومجازاتها أحد أبرز أدواتها في إعلان حضورها المتوهج، وسط كتابات آخري. كان سمتها الأساسي هي اللغة الرائجة، الخشنة، والعامة والسائلة والمسكونة بسياجات قمع العقل، والموالاة والشعاراتية إلا قلة قليلة من كبار العقول الصحيفة الأعرق عربيا ومصريا.

    كانت لغة وسردية ماجدة الجندي هي حضورها في حياتنا. ومن الشيق ملاحظة أنها صديقة ودودة، ومحبة لأصدقائها، وعارفي فضلها. وسيدة منزل كريمة المعشر مع أصدقاء الأسرة حتى بعد رحيل زوجها، وصديقنا الغالي جمال الغيطاني “جيمى” كما كنت أسميه.

    ستظل ذاكرتنا تحمل لماجدة الجندي حضورها الجميل، وكتاباتها المشرقة. السلام لروحك ماجدة العزيزة.

    اقرأ أيضا

    علاء خالد يكتب: كانت تمتلك نسخة حديثة من النوستالجيا

    د.محمد أبوالغار يكتب: ذكريات مع ماجدة الجندي              

    عماد أنور يكتب: وش الخير وصاحبة البشرى

    محمد الغيطاني يكتب: وردة كل يوم

    ماجدة الغيطاني تكتب: «أن تُحِبُكَ ماجدة»

    ماجدة الجندي: من سيرة البدايات في «صباح الخير»

    أحمد اللباد يكتب: في شرفة مكتب «الأستاذة»

  • الأسئلة الحرجة في ملف التكفير وحرية الدين والاعتقاد (4/4)

    الأسئلة الحرجة في ملف التكفير وحرية الدين والاعتقاد (4/4)

    يواصل المفكر الكبير نبيل عبدالفتاح حديثه عن حرية الدين وملف التكفير. تناول في الجزء الثالث من هذا المقال المرحلة المضطربة من حكم جماعة الإخوان، ورصد العديد من الانتهاكات لحرية التدين والضمير، وأيضا الانتقال السياسي وتغيير طبيعة الدولة ونظامها القانوني.

    ثالثًا: التحول الديني مشكلة وطنية أم مشكلة لاهوتية في البلدان الإسلامية؟

    السؤال المطروح هل التحول الديني مشكلة وطنية أم مشكلة لاهوتية في البلدان الإسلامية؟

    في ضوء غياب الإحصائيات الدقيقة رسمية أو عرفية، تبدو الإجابة على هذا السؤال انطباعية، خاصة في ظل غياب دراسات امبيريقية حول ظاهرة التحول الديني – أيا كانت من الإسلام إلى المسيحية أو من المسيحية إلى الإسلام أو إلى غيرهما من الأديان الآخرى-. وذلك لمعرفة التضاريس الاجتماعية والتعليمية والمناطقية لهذا النمط من المتحولين الدينيين. من حيث انتماءاتهم الطبقية، والمناطقية، والتعليمية، ووظائفهم، وحالاتهم الاجتماعية، ونوعهم الاجتماعي ذكور/ إناث، وأسباب ودوافع تحولهم الديني.

    هل الظاهرة في حالة نمو وأسبابه إن وجدت، أم لا تزال ظاهرة أفراد محدودة؟! نحن إزاء مشكلة لا تزال محدودة في ضوء المؤشرات المتاحة. ومن ثم لا نستطيع القول إنها مشكلة وطنية مثلها مثل الكثير من المشكلات السياسية أو الدينية كالجماعات الإسلامية الراديكالية. أو المشكلات الاقتصادية الهيكلية المتفاقمة. أو البطالة، وعدم القدرة على الزواج. أو الإسكان، أو الصحة أو التعليم أو الثقافة. أو بعض أنماط التدين الشكلي السائد بين الجمهور العادي، والتي تنطوي على الازدواجية، والشكلانية والاستعراض الديني الطقوسي، والنفاق الاجتماعي، ومحاولة بناء بعضهم للمكانة من خلال التشدد الديني، أو الاستعراض السلوكي الديني في لغة الخطاب اليومي، أو عبر اللغة الدينية، والزى.

    **

    هي مشكلة عديد من الأفراد –أيا كانت أسبابهم اقتصادية – واجتماعية، أو مشكلة الضمير الفردي القلق الساعي إلى البحث عن إيمان يخالف الإيمان والعقائد الموروثة. وغالبًا ما يكون غالب هذا النمط من العابرين يبين الأديان والمذاهب، أو المتحولين دينيًا على درجة من التعليم والوعي والمعرفة، والتفكير الذي يجعلهم، يدرسون أسس عقائدهم الموروثة، ويطرحون على أنفسهم الأسئلة بحثًا عن إجابات قد لا يجدونها في الخطابات الدينية والتأويلية التقليدية السائدة حول معتقداتهم وشرائعهم الدينية، ويسعون إلى البحث عن إيمان ويقين في دين أو عقائد أو مذاهب أخرى.

    التحول الديني ينطوي على مشكلة فردية تتعلق بالإيمان الفردي. وبعضها له علاقة بالأوضاع الاقتصادية، والرغبة في الهجرة، أو الزواج بزوج مختلف دينيًا، ويشترط اتخاذ الديانة أو المذهب، لإتمام الزواج، أو لأن قانون الدولة للأحوال الشخصية يشترط ذلك.

    من ناحية ثانية: التحول الديني هو في أحد إبعاده يشكل مشكلة وطنية في بعض الدول العربية. وذلك للقيود الدستورية أو القانونية المفروضة في بعض التشريعات على التحول الديني، من حيث آثاره القانونية، ومنها خانة الدين من الأوراق الثبوتية كجواز السفر، أو البطاقة الشخصية، وشهادة الميلاد، أو تصاريح العمل… إلخ. توثيق بعض الأوراق الرسمية..إلخ.

    من ناحية ثالثة: أثر التحول الديني على الأسرة واستمراريتها في ظل نصوص قوانين الأحوال الشخصية، أو توثيق الزواج بين المختلفين دينيًا، أو من الأديان لا يعترف بها الدستور والقانون كالبهائية مثلا،…إلخ.

     **

    من ناحية رابعة: التحول الديني قد يمثل في بعض الأحيان مشكلة وطنية، لأنها تثير بعض من التوترات الطائفية. كما حدث في عديد المرات في المجتمع المصري.

    من ناحية خامسة: يمثل مشكلة وطنية، لأنه يؤدي إلى نزاعات دينية، مع الجماعات الإسلامية السياسية، المتصارعة مع النخبة الحاكمة، التي يتم اتهامها بالتقاعس عن مواجهة الارتداد الديني والتشكيك في الشرعية الدينية والسياسية للحكم.

    التحول الديني في أحد أبعاده مشكلة لاهوتية. من خلال استخدام الجماعات الإسلامية، والمؤسسة الدينية الرسمية، خطاب الردة/ التكفير التقليدي في التجنيد والتعبئة والصراع السياسي مع الدولة والقوى السياسية الأخرى.

    يشكل التحول الديني مشكلة لاهوتية، لأسباب سياسية، وإيديولوجية، وليس لأسباب عقائدية أساسية في الأصول الإسلامية المقدسة والشريعية.

    **

    رابعًا: هل الإسلام وحرية الضمير يتوافقان: نعم يتوافقان

    هل يمكن للاهوتيين في البلاد الغربية تطوير وجهات نظر؟

    أشرنا في القسم الأول من الدراسة أن ثمة توافق بين الإسلام وحرية الضمير والتحول الديني. وذلك وفق المصادر الإسلامية، وآراء بعض كبار الفقهاء في هذا الصدد من القدامى والمعاصرين. وأن ما يثيرون التناقض بين الإسلام وحرية الضمير والتدين والاعتقاد، يعتمدون على حديث ضعيف. ومن ثم يرون أن حرية الضمير في الإسلام مكفولة تماما.

    التوافق بين الإسلام وحرية الضمير أمامه بعض العوائق مصدرها الدوجماتية العقائدية لبعض الجماعات الإسلامية المتطرفة، وبعض الدعاة المتشددين، الذين يريدون ويدعون إلى بناء دولة دينية. وفي ذات الوقت ثقافة التكفير الديني لدى هذه الجماعات. من ناحية أخرى بعض أنماط التدين الشائعة لدى بعض الأوساط الاجتماعية، في ظل صعود الإسلام السياسي والفكر الحنبلي والوهابي السائد في إقليم النفط. بعد هجرة العمالة المصرية والعربية للعمل في هذه البلدان وتأثير بعضهم بأنماط التدين البدوي والصحراوي السائدة في البيئات الاجتماعية هناك، وتمدد دور دول إقليم النفط في السياسة والإعلام، ووسط بعض الدعاة ورجال الدين. ثمة بعض الضوابط الدستورية والقانونية على حرية التدين وممارسة الشعائر الدينية، وقصرها في إطار الأديان السماوية الثلاث.

    بالطبع يمكن للاهوتيين في البلاد الغربية تطوير وجهات نظر في هذا الإطار. وذلك من خلال المساهمة في الدراسات التاريخية الخاصة بالكتابات الفقهية التأسيسية. وهو ما قام به بعض الباحثين الغربيين المتخصصين. من ناحية أخرى التركيز على مقررات الفاتيكان الثاني، وانفتاحها على الأديان، والمذاهب الأخرى خارج نطاق الكاثوليكية.

    التركيز على المشتركات في القيم الدينية الكونية العابرة للأديان جميعها السماوية وغيرها. وذلك كقيم التعايش الإنساني المشترك، حول رب العزة جل جلاله وعلَّة قدرته وشأنه، خالق الكون والبشر أجمعين.

    المساعدة على الاحترام المتبادل بين أصحاب الديانات في إطار قيم ومبادئ المواطنة والحريات الدينية. دعم تطور الأفكار الحديثة والديمقراطية والحريات الأساسية وحقوق الإنسان.

    **

    السؤال الرابع: هل بيانات حرية الاختيار الفرد للدين أمر مرغوب على المدى البعيد أم يبشر بانفتاح جديد للإسلام؟: الحركة نحو الانفتاح النسبي.

    هذا النمط من البيانات حول الأخوة الإنسانية والتعايش المشترك. تزايد في العقود الأخيرة. كنتاج لتمدد ثقافة حقوق الإنسان بأحبالها المتعددة، ووثائقها الدولية. وللثورة المرئية التلفازية والرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، وانفتاح الأجيال الجديدة الشابة على ثقافات وأديان العالم.

    لاشك أن هذا التحول الرقمي، والاتصالي، يلعب دورًا في الانفتاح الثقافي النسبي في المجتمعات العربية والإسلامية.

    من هنا تشكل الحوارات الدينية جسرًا للفهم المشترك.

    من ناحية ثانية: لا تزال هذه الوثائق والبيانات الحوارية محدودة التأثير على أنماط التدين الشعبي السائدة ومحمولاتها المختلفة، إزاء الأديان والمذاهب الأخرى.

    من ناحية ثالثة: الدور السلبي الذي يمارسه بعض رجال الدين المتشددين في التشكيك وتجريح الأديان والمذاهب الأخرى على نحو يؤدي إلى نقل هذا التشكيك والنقد إلى قطاعات من المؤمنين بهذا الدين أو المذهب أو ذاك.

     من ناحية رابعة: ردود فعل المؤسسات الدينية الرسمية العربية إزاء بعض ظواهر التبشير والتحول الديني والإلحاد. والتي تميل إلى التشدد ونقد الآخر الديني في عقائده وفي مواجهة بعض خطابات التشكيل المسيحي في العقائد الإسلامية.

     من ناحية خامسة: أن البيانات الرسمية بين المؤسسات الدينية الرسمية الإسلامية والمسيحية، تظل رهينة قياداتها العليا، وترتهن بالعلاقات بين هذه القيادات بعضها بعضًا على المستوي الرسمي.

    **

    بعض هذه البيانات هي جزء من بعض محترفي حوار الأديان على المستوى الكوني والإقليمي. دون أن يكون لها تأثير على قطاعات اجتماعية واسعة أو محدودة. وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك بين الأزهر الشريف والكنيسة الكاثوليكية الجامعة، هي واحدة من البيانات والوثائق الدولية الهامة. وخاصة في إقرارها “أن الحرية حق لكل إنسان” اعتقادا وفكر وتعبيرا وممارسة. وأن التعددية والاختلاف في الدين واللون والجنس والعرق واللغة حكمة لمشيئة إلهية، قد خلق الله البشر عليها. وجعلها أصلًا ثابتًا تتفرعه عنه حقوق حرية الاعتقاد، وحرية الاختلاف. وتجريم إكراه الناس على دين بعينه أو ثقافة محدودة، أو فرض أسلوب حضاري لا يقبله الآخر. وغيرها من القيم والحريات الدينية والإنسانية المشتركة كما ورد بالوثيقة.

    الملاحظ أن هذه الوثيقة، تحتاج مثل غيرها إلى تفعيلها في واقع المجتمعات العربية والإسلامية. من خلال آليات متعددة، على رأسها: عمل أدلة لتدريب الدعاة، من خلال ورش العمل، وتحويل بعض ما جاء بها إلى جزء من الثقافة الوطنية في التعليم في مراحله المختلفة. في إطار قيم ومبادئ المواطنة والمساواة بين المواطنين. وفي تدريب الإعلاميين في الإعلام التقليدي، والرقمي، وكذلك على وسائل التواصل الاجتماعي.

    أن التوقيع على الوثائق([1]) أيا كانت أهمية ما جاء بها، دون خطط للعمل في عديد المجالات. يؤدى إلى اقتصار أهميتها على مجرد التوقيع عليها. لا شك أن هناك تحديات تواجه المؤسسات الدينية الإسلامية الرسمية، في عالمنا العربي، وهناك اهتمام من السلطات الحاكمة بضرورة تطوير الخطاب الديني كما هو الوضع في مصر. ومطالبات الرئيس عبدالفتاح السيسي في خطاباته السياسية المختلفة بضرورة التطوير والتجديد والإصلاح الديني. وهناك بعض من المؤشرات الأولية على الاستجابة النسبية الأولية. مع بعض التحفظات النسبية، التي تعود إلى الإسلاموفوبيا وظواهر الهجوم على الديانة، الإسلامية من بعض رجال الدين المسيحيين وتشكيك بعض الباحثين في بعض السرديات التأسيسية للديانة. وخاصة السنة النبوية الشريفة والإمام البخاري.

    المراجع

    [1] – أنظر في ذلك وثائق الأزهر والمثقفين المصرين، في نبيل عبدالفتاح، تجديد الفكر الديني: مقدمات أساسية، دار نشر بتانة، القاهرة 2019.

    اقرأ أيضا

    الأسئلة الحرجة في ملف التكفير وحرية الدين والاعتقاد (3/4)

  • الأسئلة الحرجة في ملف التكفير وحرية الدين والاعتقاد (3/4)

    الأسئلة الحرجة في ملف التكفير وحرية الدين والاعتقاد (3/4)

    تاريخ الصراع التأويلي بين الفقهاء من المذاهب الإسلامية المختلفة حول التكفير وحرية الدين وحد الردة، كان محور حديث الجزء الثاني من مقالات المفكر الكبير نبيل عبدالفتاح عن حرية الدين والاعتقاد. إذ تطرق فيه إلى شرعية الحرية الدينية واستخدام الجماعات الإسلامية السياسية الراديكالية، سلاح التكفير والردة كسلاح رمزي في مواجهة خصومها السياسيين.

     ثانيًا: الانتفاضات الجماهيرية، ووصول الأخوان والسلفيين إلى السلطة: إكراهات الواقع المتغير:

    أدت الانتفاضات الجماهيرية الواسعة عام 2011 في تونس، ومصر، والاضطرابات الواسعة إلى وصول جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين إلى السلطة في مصر، وجماعة النهضة الإسلامية في تونس.

    شكلت هذه المرحلة المضطربة من حكم الإسلاميين، عديد من الانتهاكات لحرية التدين والضمير في مصر. من خلال نظام الحسبة العرفي الذي مارسه السلفيين على السلوك الاجتماعي في المجال العام. وأدى إلى مقتل شاب كان يجلس مع خطيبته في الطريق العام في مدينة السويس. وإلى رمى أحد السلفيين لطفل من فوق سطوح منزل بالإسكندرية. وشهدت مصر اعتداءات من بعض هذه الجماعات على الأقباط ودور العبادة وحرمه بعضها، في واحدة من أسوا الأزمات الطائفية في التاريخ المصري المعاصر.

    **

    شمل الانتقال السياسي، تغيير الدستور المصري عام 2012، ووضع بعض النصوص التي كان يمكن استخدامها لتغيير طبيعة الدولة ونظامها القانوني. ومن ثم أثر ذلك على حرية الضمير والتدين والاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية.

    أدى فشل الأخوان والإسلاميين، وممارساتهم السياسية المضطربة وغير الكفوءة، فضلًا عن محاولتهم بناء هندسة دينية تسيطر على السلوك الاجتماعي، والديني، وفي تديين وأسلمه الحياة العامة- المجال العام- والمجال الخاص، من خلال فرض القيود على المرأة، عبر نظام الزى system de mode والحجاب، والنقاب، واعتبارهما من الفرائض الدينية، ليس جزءًا من عادات السلوك الاجتماعي، أو الأخلاق الدينية.

    أدت هذه الظواهر إلى انتفاضات مليونية، ساهمت في عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي وجماعة الأخوان المسلمين، وتغير تركيبة السلطة السياسية الحاكمة بعد مرحلة انتقالية، وانتخاب الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيسا للجمهورية.

    **

    لاشك أن تجربة الإسلاميين في السلطة وفشلهم في إدارة الدولة والنظام السياسي، والضغوط والعنف الذي مارسوه على المواطنين أيا كانت دياناتهم أدت إلى عديد من الظواهر الجديدة يمكن رصدها فيما يلى:

    1- شيوع الإحساس لدى بعض من شرائح جيليه من الطبقة الوسطى – الوسطى بفشل المشروع الإسلامي السياسي، وعدم قدرة الإسلاميين السياسيين وجماعاتهم على مواكبة تحولات عصرنا.

    2- تزايد القلق والشك لدى بعض الأفراد في بعض الآراء والأفكار الدينية التي كانت تروجها بعض هذه الجماعات. لاسيما الأفكار العقائدية والفقهية والتأويلية التكفيرية والمتشددة، وأنها تشكل قيدًا على حياتهم.

    3- بعض الأفراد من جيل الشباب القلق بدأ يطرح تساؤلات دينية حول العقائد والقواعد الشرعية. ولا يجد إجابات حولها من رجال الدين الرسميين، والدعاة، والسلفيين. على نحو أدى إلى إثارة شكوك بعضهم، واتجاه بعضهم إلى اللامبالاة الدينية.

    4- ساهمت بعض الفضائيات التلفازية الدينية، وبرامج بعض رجال الدين المسيحيين، في السجال والصراع حول العقائد الدينية. وهو ما اجتذب قلة من الشباب المسلم. وأدى ذلك إلى التحول الديني إلى المسيحية، وهى إعداد غير معروفة، لأنها تتم سرًا.

    5- إعداد المتحولين إلى المسيحية –بمذاهبها لاسيما الكاثوليكية والبروتستانتية- لا توجد إحصائيات عنها لا رسمية أو عرفية.

    6- ظاهرة التحول الديني للمسيحية من الإسلام تزايدت نسبيا وعلى نحو محدود في بعض الآراء على الرغم من عدم معرفة الأعداد. منذ ما قبل 25 يناير 2011. وذلك لأسباب عديدة يمكن رصد بعضها فيما يلى:

    **

    (1) القلق وعدم اليقين الديني لدى قلة قليلة جدًا من بعض الشباب المثقف الذي لم يجد استقرارًا عقائديا، وإيمانيا في إطار التقاليد الدينية الموروثة. ويطرح أسئلة، ولا يجد إجابات عليها في الخطابات الدينية التقليدية السائدة، أو داخل الأسرة، أو المسجد، أو جماعات الرفاق.

    (2) البطالة، والرغبة من الهجرة إلى أوروبا والولايات المتحدة وكندا، وإستراليا ونيوزيلندا. وذلك من خلال التحول الديني إلى المسيحية. ومن ثم اللجوء إلى التحول الديني كجسر للهجرة الآمنة. وبعض هؤلاء استخدام ذلك منذ عقود للهجرة ثم عاد إلى الديانة الإسلامية بعد استقرار أوضاعع الاقتصادية، والتنقل من بلد أوروبي إلى آخر، وبعضهم انتزع معه أطفاله من أمهاتهم.

    (3) التحول الديني من بعض الأشخاص بهدف المساعدة الاقتصادية. ثم السعي إلى الهجرة خارج البلاد.

    (4) نظرًا للأسباب البرجماتية الاقتصادية، وحلم الهجرة في ظل القيود المفروضة على السفر والهجرة إلى أوروبا والولايات المتحدة –بعد أحداث 11 سبتمبر، والعمليات الإرهابية للقاعدة وداعش-. بدأت بعض الكنائس في التريث والتيقن من أن مدعي السعي إلى التحول الديني يستهدف التحول الحقيقي إلى الإيمان المسيحي، وليس بهدف العبور من خلال الكنيسة إلى خارج البلاد.

    **

    (5) لاشك أن عمليات العبور والتحول الديني تتم في سرية. وذلك على الرغم من أن الدستور المصري يقر بحرية التدين والاعتقاد في المادة رقم (64) التي تنص على أن “حرية الاعتقاد مطلقة”. وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، حق ينظمه القانون.

    المادة (2) تنص على أن “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”.

    المادة (3) تنص على أن “مبادئ شرائع المصريين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية”.

    (6) يلاحظ أن مبدأ حرية الاعتقاد مطلقة عام. لكنه مقيد باعتراف المشروع الدستوري بالأديان السماوية الثلاث، الإسلام، المسيحية، واليهودية. أحال الدستور الحق في ممارسة الشعائر الدينية لأصحاب الأديان الثلاث وتنظيمها إلى القانون.

    **

    من هنا لا يعترف الدستور والقانون المصري بالأديان والعقائد الأخرى، التي تخرج عن نطاق الأديان السماوية الثلاث. من هنا لا يوجد اعتراف بالبابيين والبهائيين والقاديانيين.([1]) وهناك أحكام قضائية صادرة من قضاء مجلس الدولة المصري، بحظر نشاط البهائيين في مصر. وذلك منذ عديد العقود في القرن الماضي، وبعضهم عاد للظهور العلني النسبي خلال أحداث الانتفاضة الجماهيرية في 25 يناير 2011. ثم تراجعوا في ظل حكم الإخوان والسلفيين.

    7- لاشك أن الضوابط الدستورية، والقانونية، تضع إطارًا وحدودًا لممارسة حرية الضمير والتدين والاعتقاد، وعلى التحول الديني من ديانة لأخرى، كالتحول من المسيحية إلى الإسلام. ثم العودة إلى الديانة المسيحية، ورغم صدور بعض الأحكام القضائية بإثبات العودة من الإسلام إلى المسيحية. إلا أن صدرت أحكام لاحقة بوقف هذا الإثبات في البطاقات الشخصية([2]).

    8- أن التحول الديني لا يقتصر على العبور أو الانتقال من الديانة الإسلامية إلى المسيحية. وإنما من المسيحية للإسلام، وذلك لعديد من الأسباب وعلى رأسها مشكلات الطلاق أمام المحاكم الكنسية. نظرًا لحظر الكنيسة الأرثوذكسية الطلاق لعلة الزنا، ووضع قيود ثقيلة على الإجراءات، على نحو يدفع بعض الأزواج إلى تغيير الديانة.

    هناك دوافع شخصية ضاغطة على بعض المواطنين المسيحيين ذكور وإناث تؤدى إلى التحول للإسلام، من أجل الزواج وتكوين أسرة، أو بعض القلق الديني الفردي، الذي قد يؤدى إلى اعتناق بعضهم للديانة الإسلامية.

    **

    9- يلاحظ أن القنوات الفضائية المفتوحة بلا حدود. وفي ظل الثورة الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والحريات التي لا حدود لها في المجال العام الافتراضي. أدت إلى السجالات الدينية، والنقدية على نحو أتاح الفرص أمام بعض الشباب، للتعرف على مقارنات الأديان، وتشكلاتها التاريخية من خلال نظمها اللاهوتية والفقهية والكلامية والفلسفية وشروحها وتأويلاتها. ومن ثم المقارنة بينها، وبين تدينها الموروث، وبعض هؤلاء الأفراد يتحول إلى بعض هذه الديانات السماوية، أو غيرها من الأديان الأخرى كالبوذية وغيرها.

    10- تزايدت نسبيا –رغم قلة الأعداد- بعض أعداد الأفراد الشباب من الطبقات الوسطى – الوسطى، والوسطى – الصغيرة من الذين انتقلوا من التدين الموروث بالميلاد وداخل الانتماء الدينى الأسرى إلى عدم التدين، أو الإلحاد. وذلك كرد فعل على بعض أنماط الإرهاب والعنف الديني المادي واللفظي والرمزي أو لتقليدية الخطاب الديني المسيطر، أو قيود المؤسسة الدينية المسيحية وتقاليدها.

    **

    هذه الظاهرة الإلحادية، غير مرصود أعدادها، إلا أن بعض المؤشرات تشير إلى أنها تزايدت نسبيًا دون مبالغات مقصودة من بعضهم، وذلك لعديد الأسباب، ومنها:

    أ- التشكيك من بعض رجال الدين الغلاة أو بعض الملاحدة وبعض الباحثين في التاريخ الإسلامي في بعض السرديات التأسيسية للأديان. وذلك على بعض المواقع الإلحادية. من خلال البحث في تاريخية الأديان، والمقارنات بين الأديان ما قبل السماوية، والسماوية.

    هذا النمط من الدراسات التاريخية المقارنة، انتقل من مجال البحث التاريخي في الدراسات التاريخية المقارنة، الأكاديمية واللاهوتية المتخصصة إلى مجال الدعاية والجهر والخطاب الديني النقدي للأديان على مواقع التواصل الاجتماعي. من خلال التبسيط الشفاهي أو عبر خطاب التغريدات، والمنشورات posts من نصوص أو صور أو فيديو أو رابط.

    ب- تزايد المواقع الإلحادية وشبكاتها العابرة للأوطان والأقاليم، وأصبحت على نحو كوني.

    ج-  بعض من ظاهرة الجهر بالإلحاد، دعمتها الثورة الرقمية، وأشكال التضامن وآليات المناصرة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، بين الشبكات الإلحادية.

    د- هناك ظاهرة الإلحاد الصامت –وفق تعبير آمال قرامى- داخل المجتمعات الإسلامية. وفي الأوساط الاجتماعية المتدينة –الإسلامية والمسيحية-، وهى لا تزال مستمرة. لأن بعض الملحدين لا يريدون أن يظهروا إلحادهم وعدم تدينهم، حتى لا يتعرضوا للأذى أو الاعتداء عليهم، أسريا، أو من جماعات الرفاق، أو الجيران، أو زملاء العمل أو الجمهور.

    ه- هناك ما تسميه آمال قرامى الردة الصامتة، أو اللامبالاة الدينية، وتصفها بأنها أطرف صورة من صور الارتداد المعاصر ([3]).

    و- تزايد اللاأدريين في بعض المجتمعات العربية ذات النظم الطائفية والمذهبية السياسية. وذلك كنتاج لانتشار احتقانات الطائفية الدينية والمذهبية كما في المثال اللبناني.

    **

    هذه الظواهر الجديدة تشير إلى ديناميات جديدة في الواقع الاجتماعي في مصر والمنطقة. تتصارع فيه بعض أنماط التدين الشعبية الموروثة، والسلطات الدينية الرسمية، وبعض الجماعات الإسلامية السياسية، والدولة والنظام والنخبة السياسية في الصراع على السلطة الرمزية. وتوظيفها في الضبط الاجتماعي والديني والسياسي والقانوني على حرية الضمير والتدين والاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية. وتغيرات مضادة نحو العبور والتحول الديني. أو إلى اللاتدين في شكله الإلحادي، أو الانتقال من ديانة لأخرى والعودة إليها مجددًا، أو اللاأدرية. من ناحية أخرى تساهم بعض الظواهر السابقة على تحريك ديناميات جديدة للعلمنة من أسفل.

    خلاصة ما سبق أن لُب السؤال أن الأبعاد الفقهية/ اللاهوتية لحرية الضمير هي أداة من أدوات الصرع على السلطة الرمزية الدينية في الصراعات والتفاعلات السياسية والسلطوية بين أطراف متصارعة. من ثم هي صراع تأويلات دينية في الإسلام السني والشيعي، ذو أساس سياسي واجتماعي، يعاد إنتاجه وتفسيره من خلال التأويلات الوضعية الفقهية/ اللاهوتية.

    المراجع 

    [1] – أنظر آمال قرامى، قضية الردة في الفكر الاسلامى الحديث، المرجع السابق ذكره من ص58 إلى 61.

    [2] – أنظر في ذلك، محمد طه عليوة العلاقة بين الدين والدولة، دراسة مقارنة بين النظام الدستورى المصرى والنظم الفرنسية والتركية والإيرانية، من 504 إلى 548 الناشر وقف نهوض لدراسات التنمية، الطبعة الأولى 2018.

    [3] – آمال قرامى، قضية الردة في الفكر الاسلامي الحديث، المرجع سابق الذكر ص وص55، 56.

    اقرأ أيضا

    الأسئلة الحرجة في ملف التكفير وحرية الدين والاعتقاد (2/4)

  • الأسئلة الحرجة في ملف التكفير وحرية الدين والاعتقاد (2/4)

    الأسئلة الحرجة في ملف التكفير وحرية الدين والاعتقاد (2/4)

    يواصل المفكر الكبير نبيل عبدالفتاح حديثه عن حرية الدين والاعتقاد. إذ تطرق في الجزء الأول إلى المدارس الفقهية وعلم الكلام والفلسفة الإسلامية والتطورات التاريخية والسياسية للدولة. فضلا عن أسباب التحول الديني الفردي من الإسلام إلى الأديان الأخرى أو إلى حالة عدم التدين بشكل عام.

    نظرة على تاريخ الصراع التأويلي بين الفقهاء من المذاهب الإسلامية المختلفة حول التكفير وحد الردة، تشير إلى أنها صراعات ذات طبيعة سياسية واجتماعية ومذهبية وفقهية. لها ارتباطات بصراعات وسياقات وجماعات وغالبا على الشأن السياسي، والسلطاني، وبه على الدين وتأويله لصالح كل طرف متصارع من أجل الوثوب إلى السلطة الرمزية والسياسية.

    كل طرف من المتصارعين يؤسس شرعيته الرمزية وإسلاميته التمامية على تأويله للنص المقدس أو السنة النبوية الشريفة.

    **

    إن نظرة على التراث الفقهي حول حرية العقيدة والتكفير والردة، تشير إلى سياقات وأسباب الصراعات التأويلية، وأهدافها، وذلك من خلال قراءة النصوص، وفق مصالح وأهواء كل طرف متصارع على الساحتين السياسية والفقهية. شكلت قراءة النصوص وتفسيرها وتأويلها استراتيجية لغوية وفقهية ترمى إلى استخلاص كل فقيه وجماعة السند الشرعي الذي يبرر مواقفه السياسية/ الدينية إزاء الخصم السياسي أو الجماعة التي يتنازع أو يتصارع معها.

    وبالنظر إلى تاريخ هذا الصراع التأويلى حول شرعية الحرية الدينية. ومن ثم حرية الضمير الإنساني، تشير إلى أن الموروث الفقهي حول التكفير والردة لا يعدو أن يكون وضعيا وبشريا بامتياز، وتأويل للنصوص التي لا يوجد بها نص يحرم حرية الضمير أو التدين أو الردة عن الإسلام، وذلك على النحو التالى:

    1- القرآن الكريم –النص المؤسس للإيمان والاعتقاد الإسلامى المقدس- وردت به نصوص صريحة تؤكد على الحرية الدينية، وحرية الضمير، وذلك في عديد السور والآيات([1]). عديد السور القرآنية التي كرست للحرية الدينية. ومنها (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى فمن يكفر بالطغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) (البقرة: 256).

    2- (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) (المؤمنون:117)

    3- يخاطب الله سبحانه وتعالى رسوله –صلى الله عليم وسلم0-(لست عليهم بمُصَيطر) (الغاشية:22).

    4-(وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (الرعد:40).

    5- (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) (يونس:99).

    **

    في هذا الصدد يذهب ثقاة الفقهاء “على أن حرية العقيدة في القرآن أحيطت بسائر الضمانات القرآنية التي جعلت منها حرية مطلقة لا تحدها حدود ما دامت في إطار حرية اختيار المعتقد. وأن الحساب عليها خاص بالله –جل شأنه- لا يجاوزه إلى سواه([2]). هذه الآيات لاسيما أية “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى” محكمات لا لبس فيها ولا تشابه ولا نسخ التي يحتج بها بعض دعاة حق الردة، ورد الطبرى على هذا الرأى بالقول: “وأنكروا أن يكون شئ منها منسوخا. (2000). ولا معنى لقول من زعم أن الآية منسوخة الحكم بالأذن بالمحاربة”([3]) ويذهب بعض الدعاة إلى القول: “أما في الردة فلم تأت آيات تنص على عقوبة هذه الجريمة والارتداد عن الدين بأى شكل من أشكالها. سواء بتبديل الدين، أو ارتكاب فعل أو قول يدل على الخروج من الدين”.([4])

    يأخذ بهذا الاتجاه عديد من الإصلاحيين الإسلاميين المحدثين والمعاصرين ومنهم الأساتذة والمشايخ عبد المتعال الصعيدى، ومحمود شلتوت، من علماء الأزهر. ومن تونس الأساتذة الباحثين محمد الطالبى([5])، ومحمد الشرفى([6])، وعبدالمجيد الشرفى([7])، وآمال قرامى([8]) وعمار بن حمودة([9])، وعديد من الباحثين الآخرين ومن مقاربات فقهية وتأويلية. أو من خلال المقاربات التاريخية والتحليلية واللسانية/ اللغوية للنصوص القرآنية وأسباب النزول، والمقارنات بين التأويلات المختلفة التي وردت في كتابات الفقهاء والمفسرين والمؤرخين التي تعتمد عليهم أيديولوجيات الجماعات الإسلامية الراديكالية والجماعات السلفية والسلفيات الجهادية وبعض المتشددين من رجال الدين والدعاة. الذين يعتمدون على بعض هذه الآراء، لتبرير العنف والإرهاب. أو أشكال العنف اللفظي والمادى وتكفير المخالفين لهم في الدين أو المذهب أو الرأي السياسي أو الفقهي.

    **

    2- لم يثبت لدى بعض الفقهاء الكبار أن الرسول (صلعم) أنه قتل مرتدا في حياته أو أنه عاقب على الردة بالقتل. حيث ذهب الإمام الشوكانى (ت 1250 ه) في موسوعته نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار، إلى أن الأحاديث التي تنسب للرسول كلها ضعيفة السند([10]) أو إلى حديث الأحاد”.

    3- أن تاريخ الفقه والمذاهب الإسلامية السنية حول الحرية الدينية والردة، والتحول الديني، هو تاريخ صراعات سياسية ومذهبية. ومن ثم كان الجدل الفقهي، في الغالب هو الوجه الآخر للصراعات السياسية، وللمذاهب، والفقهاء في علاقاتهم بالسلطة السياسية. من هنا كان استخدام التكفير للمخالفين في الرأي أحد الأسلحة الرمزية في المنازعات السياسية بين الجماعات المختلفة.

    **

    ومن ثم يرى بعض الباحثين “أن التكفير ظاهرة تاريخية اعتمدها “أصحابها لفرض” “سلطتهم الرمزية على الآخرين، موظفين قوة المقدس الذي مكنهم من أن يجعلوا لآرائهم رافدا” “سماويًّ وحكمًا إلهيًّا لا اعتراض عليه. وذلك كان التكفير سلطة رمزية من أجل فرض الشرعية”. “وهو خطاب يعتمد آليات أيديولوجية للفرز والتصنيف، قد يقوى السلطتين الدينية والسياسية”. “ولكنه يمكنه أن يتحول إلى آلية تكفيك وتفريق. إذ أنّ الأطراف المتنازعة على الشرعية يمكن أن توظف التكفير لتستأثر بالمقدس وتحتكر خيراته” العقدية، لتقصى المختلفين عنها. وإن كان ذلك على أساس تبريرات دينية لخلافات” سياسية. والفرقة التي تعد نفسها ناجية تقوم باحتكار الشرعية الدينية والتأويل الرسمىّ للنصوص الدينية، وتتسم الفرق الأخرى بالكفر والإلحاد”.([11])

    4- شكل الصراع على السلطة الرمزية ومحاولة السيطرة عليها، جزءا من بعض التقاليد الفقهية الموروثة في تاريخ بعض المدارس الفقهية، وصولا إلى تاريخنا الحديث والمعاصر.

    **

    5- تم استخدام السلطة الرمزية والصراع السياسي عليها. واستخدام سلاح التكفير الديني من بعض الجماعات الإسلامية السياسية، بعد إلغاء كمال أتاتورك نظام الخلافة العثمانية. وتم اتهامه بالردة والكفر، وإزاء بعض كبار المفكرين الإصلاحيين والليبراليين في مصر، من أمثال طه حسين، وعلى عبدالرازق، واستمر هذا الاتجاه في ظل ظاهرة الإسلام السياسي الممتدة، منذ حرب التحرير الإسلامي، وجماعة المسلمون الشهيرة إعلاميا بالتكفير والهجرة التي قتلت العالم الأزهري الشيخ محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف الأسبق، والجماعة الإسلامية وقتل المثقف المصري فرج فودة، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ الروائي الكبير. واتهامات عديدة بردة عديد من المثقفين والمفكرين. في السودان تم إعدام المفكر السودانى محمود محمد طه في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميرى. وفي مصر تم تفريق نصر حامد أبو زيد عن زوجته بحكم قضائى لردته. وطالت الاتهامات عديدين مثل نوال السعداوى وسيد القمنى، وأسامة أنور عكاشة وآخرين.([12])

    استخدمت الجماعات الإسلامية السياسية الراديكالية، سلاح التكفير والردة كسلاح رمزي في مواجهة خصومها السياسيين، وبعض المثقفين. وشمل التكفير العلمانية، والحكم بغير ما أنزل الله من أحكام القوانين والهندسات القانونية الوضعية الغربية، وهو نمط من تكفير الدولة الحديثة والأنظمة السياسية والقانونية، بدعوى عدم تطبيقها شرع الله أو مخالفتها له.

    **

    تم استخدام العنف المادي والرمزي المؤسس على فقه التكفير، والردة لأداء عديد من الوظائف السياسية، يمكن رصد بعضها فيما يلى:

    1- السيطرة على عمليات تفسير وتأويل النصوص الدينية من خلال استراتيجيات الانتقاء والاجتزاء لبعض الآراء والتأويلات واعتبارها هي العقيدة والإيمان والشريعة. والآراء الأخرى يتم تركها وإهمالها ورفضها، وخاصة في حرية الضمير والتدين والاعتقاد، والتحول الديني.

    2- استخدام أداة / سلاح التكفير في التجنيد السياسي لعضوية هذه الجماعات.

    3- التكفير أداة للتعبئة الدينية، والشحن الديني لأعضاء هذه الجماعات، ولدى بعض قواعدها الجماهيرية.

    4- التشكيك في الشرعية الدينية والسياسية للدولة والنظام السياسي، والنخبة السياسية الحاكمة.

    5- شرعنة وإضفاء الشرعية الدينية على عمليات العنف والإرهاب ضد الدولة والمخالفين للجماعات الإسلامية التكفيرية في الرأي والاتجاه.

    **

    6- إشاعة مفهوم الفرقة الناجية من بين الفرق الإسلامية المختلفة. وهو ما يساعد على بناء التضامنات التنظيمية بين أعضاء هذه الجماعات داخليا، وإزاء الآخرين من المسلمين.

    7- انتزاع السلطة الدينية الرمزية من المؤسسة الدينية الرسمية –الأزهر الشريف ونظائره في الدول العربية الأخرى- والتشكيك في شرعية تمثيلها للإسلام بدعاوى أنها تمثل السلطة السياسية الحاكمة. وذلك في محاولة لإضعاف مصداقيتها لدى المواطنين المسلمين.

    8- امتداد التكفير كظاهرة على الأديان والمذاهب الآخرى لدى بعض الغلاة. وذلك بهدف بناء الانقسامات، والحواجز على التفاعل الاجتماعى بين المواطنين ايا كانت دياناتهم.

    9- تمدد التكفير وإسناده إلى بعض المذاهب الإسلامية كالمذهب الشيعى لدى بعض المتشددين من رجال الدين السنة. وذلك كجزء من عمليات الصراع السني/ الشيعي الذي شكل مظلة مذهبية وفقهية للصراع الإقليمى بين السعودية ودول الخليج النفطية إزاء تمدد النفوذ الأقليمي الإيراني في العراق، وسوريا، ولبنان واليمن، ودعمها في بعض الأوقات لجماعة حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة.

    10- ساهمت الفضائيات الدينية العربية، ووسائل التواصل الاجتماعي في ظهور بعض الدعاة السلفيين والمتشددين الذين يستخدمون التكفير والتشدد. في إبداء آرائهم التأويلية حول بعض الوقائع الدينية الاجتماعية كالتحول الدينى أو الإلحاد، أو اللاأدرية.

    هذا التشدد والتكفير إزاء ظواهر التحول الدينى أو الإلحاد واللا أدرية. يهدف إلى ذيوع وشهرة هؤلاء الدعاة في الأسواق الدينية الوطنية والإقليمية والعولمية. ساهم التنافس بين هؤلاء الدعاة في المزيد من العنف الرمزي واللفظي الديني.

    المراجع

    [1] – أنظر الآيات والأسانيد والآراء الفقهية التي أوردها الشيخ عبدالمتعال الصعيدى. الحرية الدينية في الإسلام من ص6 إلى 29. وإبطال دعوى النسخ في الآيات الواردة في الحرية الدينية من ص30 إلى54. الناشر دار المعارف 2001.

    [2] – أنظر في ذلك د.طه جابر العلوانى لا إكراه في الدين: إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم. من ص120 إلى ص121. الناشر المركز الثقافي العربي، ومؤمنون بلا حدود، بيروت 2014.

    [3] – الطبرى، أبو جعفر محمد بن جرير (ت 310 هـ)، جامع البيان عن تأويل آى القرآن. تحقيق صدقى جميل العطار، بيروت، دار الفكر، ط 2005، ج3، ص 18 ومشار إليه في لويس صليبا. هل من حرية معتقد في ظل حد الردة. من125، 126، في أعمال مؤتمر حرية التفكير والاعتقاد المؤتمر الفلسفى الدولى 2-4 كانون الأول 2015- الناشر منشورات المركز العربى لعلوم الإنسان العربى (لبنان) 2016.

    [4] –  أكرم رضا مرسى: الردة والحرية الدينية، ص42 الناشر دار الوفاق القاهرة، الطبقة الأولى 2006. ومشار إليه في لويس صليبا المرجع السابق.

    [5] – محمد الطالبى، دليل المسلم القرآنى، ص83،84، طبع بمعامل فنزى للطباعة يناير 2016.

    [6] – محمد الشرفى، الإسلام والحرية الالتباس التاريخى، من ص66 إلى ص85، الناشر دار الجنوب للنشر، تونس 2009.

    [7] – عبدالمجيد الشرفي، تحديث الفكر الإسلامى، من ص13 إلى ص18 ط2 الناشر الدار الإسلامى، بيروت 2009.

    [8] – آمال قرامي، قضية الردة في الفكر الإسلامي الحديث الطبعة الثانية، دار الجنوب للنشر تونس 2010.

    [9] – عمار بين حمودة، التكفير في الخطاب الإسلامي القديم، سؤال الشرعية والعنف، الناشر مؤمنون بلا حدود، الطبقة الأولى 2019، الدار البيضاء المغرب.

    [10] – الإمام محمد بن على بن محمد بن عبد الله الشوكانى، نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار، القاهرة، د.ت، ص 7/217. ومشار إليه في لويس صليبا، المرجع سابق الذكر، ص130.

    [11] – عمار بن حمودة، التكفير في الخطاب الإسلامى القديم، سؤال الشرعية والعنف، ص488 المرجع سابق الذكر.

    [12] – آمال قرامى، قضية الردة في الفكر الإسلامى الحديث، المرجع السابق الذكر ص16.

    اقرأ أيضا

    الأسئلة الحرجة في ملف التكفير وحرية الدين والاعتقاد (1/4)

  • الأسئلة الحرجة في ملف التكفير وحرية الدين والاعتقاد (1/4)

    الأسئلة الحرجة في ملف التكفير وحرية الدين والاعتقاد (1/4)

    بصراحة أود أن تشاركونني حيرتي الفكرية، حول موضوع حرية الضمير في الإسلام، الموضوع قديم من حيث تناوله في الخطابات اللاهوتية (الفقهية) الإسلامية. وفي تاريخ علم الكلام – الفلسفة الإسلامية- تراث من الكتابات اللاهوتية التي عبرت عن المواقف العقائدية للفكر الدوغمائي dogmatiques لبعض المذاهب الإسلامية، من حيث الإقرار أو نفى حرية الضمير، والتحول الديني الفردي من الإسلام إلى الأديان الأخرى أو إلى حالة عدم التدين.

    سجالات لاهوتية كلاسيكية يعاد إنتاجها، وتبريرها في مصر الحديثة، وعالمها العربي والبلدان الإسلامية. وذلك لأسباب سياسية واجتماعية محضة من قبل السلطات السياسية والمؤسسات الدينية الرسمية، والجماعات الإسلامية السياسية والراديكالية. كالإخوان المسلمين، والقاعدة، وداعش وتنظيم النصرة، وبوكو حرام والسلفيات الجهادية السياسية.

    **

    إنها حالة معاصرة للصراعات السياسية على الإسلام، وبه في “الحياة السياسية” والاجتماعية والثقافية. إنتاج الجدل التاريخي حول حرية الضمير والتدين والاعتقاد، والتحول الديني من الإسلام إلى غيره، وراءه عديد الأهداف. وذلك بقطع النظر عن مدى دقة التفسيرات اللاهوتية لمصادر الشريعة الإسلامية القرآن والسنة النبوية المشرفة، والتفسيرات المقدمة لحد الردة- وحرية الضمير. وأن هذا الحد –الردة- لا يستند إلى نص قرآني. ويعتمد القائلين بهذا الحد العقابي، على حديث آحاد ضعيف، ومشكوك في مدى مصداقية قائله في نظر بعض كبار الفقهاء القدامى والمحدثين.

    من هنا بدأت الحيرة تجتاحني هل من المفيد إعادة إنتاج هذا السجال الفقهي واللاهوتي القديم والحديث والمعاصر أمامكم. بدا لي أن هذا النمط من المقاربة اللاهوتية الكلاسيكية أو إنتاجها الفقهي المعاصر، لن يؤدى سوى إعادة طرح لأمور وجدالات معروفة في الفقه الإسلامي، والأديان المقارنة.

    من ثم سيشكل هذا المدخل مقاربة فقهية، وفق مصطلحات أصول الفقه الإسلامي. والسؤال ما هو الجديد في هذه المقاربة اللاهوتية، التي ستعتمد على عرض بعض الآيات القرآنية. ومدى إقرارها الصريح لحرية الضمير، والعقيدة والتدين؟

    ثم ثانيا: تناول الحديث النبوي من بدل دينه فاقتلوه، وإثبات أنه حديث آحاد وضعيف. وهنا ثار تساؤل ما الجديد؟ بعد طول تفكير رأيت أن أفضل هذه المقاربات المنهجية هي التنظير المباشر لواقع الحرية الدينية. مع الأخذ بالاعتبار المقاربات الأخرى، وذلك على نحو يفيد في الإجابة على الأسئلة التي طرحت على الباحث في هذا الصدد.

    **

    في البداية أود الإشارة إلى أن موضوع حرية الضمير والحريات الدينية معاصر. من حيث المعالجة الدستورية والقانونية السياسية والحقوقية. طرح إشكالية حرية الضمير حداثي بامتياز ارتبط ظهوره في إطار القانون الدولي العام بصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، 1948 في المادة 18 منه. ثم الفقرة الثانية من المادة 18 ثم المادة 19 الفقرة الثالثة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

    بعد موافقة عديد من الدول العربية والإسلامية على الإعلان العالمي، والعهد الدولي، مع بعض التحفظات بخصوص الدين الإسلامي والشريعة كالسعودية. ظلت هذه الاتفاقات جزء من الالتزامات الدولية الشكلية، وتراكمت القيود على عديد من الحقوق والحريات العامة والشخصية لشعوب هذه البلدان. وبروز أشكال من القيود القانونية والسياسية، والثقافية الشعبية والدينية على حرية الفكر والتعبير السائد، والضمير، والتدين والاعتقاد، وممارسة الشعائر الدينية. هذا النمط من ثقافة القيود مصدره نمطي الدولة الشمولية والتسلطية الذي جاء مع الدولة الوطنية ما بعد الاستقلال وتوظيفاتها للإسلام في السياسة، في مواجهة بعض الجماعات الإسلامية السياسية.

    محمد عمارة
    محمد عمارة

    اعتمدت الأطراف المتصارعة على الإسلام وبه في النزاعات السياسية الداخلية، والإقليمية، استنادًا على تأويلات لاهوتية/ فقهية متعددة، تم توظيفها سياسيا، وأيديولوجيا لحشد الجماهير الغفيرة، كل طرف لصالحه.

    صراع التأويلات اللاهوتية والفقهية لم يقتصر فقط على العنف الرمزي والإيديولوجي. وإنما أمتد إلى العنف المادي والمسلح، من قبل الأنظمة السياسية التسلطية. أو من الجماعات الإسلامية السياسية جماعات الإخوان المسلمين، وحزب التحرير الإسلامي، وجماعة التكفير والهجرة -جماعة المسلمون- أو الجماعة الإسلامية والجهاد، والقطبيون في مصر. وصولا إلى عنف هذه الجماعات الرمزي والإيديولوجي بعد الانتفاضة المصرية في 25 يناير 2011 وما بعد. وقبلها القاعدة ثم تنظيم الخلافة الإسلامية داعش، والسلفيات الجهادية في المنطقة المغاربية، وبوكو حرام.. إلخ.

    **

    أحد أبرز ضحايا صراع التأويلات اللاهوتية، حرية الضمير والتدين والاعتقاد، الذي بات رهينا للشمولية والتسلطية السياسية والدينية، وعنف الجماعات الإسلامية السياسية، والسلفية والراديكالية، ودعاة هذه الجماعات.

    من هنا أصبحت حرية الضمير والتدين والاعتقاد محاصرة سياسيا وقانونيا والأخطر مجتمعيا. كنتاج لبعض أنماط التدين الشعبي السائدة، وتدهور أنماط الحياة اليومية، وتديين اللغة اليومية، وترييف ثقافة المدن، وبعض أجهزة الدولة واختراق الجماعات الإسلامية كالإخوان المسلمين والسلفيين لأجهزة الدولة في مصر أساسا، وعديد من البلدان العربية، وخاصة بعد انهيار الدولة في العراق وسيطرة المذهبية السياسية في نظام ما بعد بريمر في العراق. وانتشار الحروب الأهلية في اليمن، والسودان، وليبيا.. إلخ، والتوترات المذهبية الإسلامية في البحرين، والسعودية.. إلخ.

    السؤال الأول:

    ?The TheoLogical aspects of Conversion and apostasy- what the care of the question

    الأبعاد اللاهوتية للتحول الديني أو الردة apostasy ما هو جوهر السؤال؟

    نتناول الرد على هذا السؤال فيما يلي:

    أولا: ثنائية المقدس واللاهوتي وحرية الضمير والمعتقد.

    ثانيا: الانتفاضات الجماهيرية ووصول الإخوان المسلمين والسلفيين إلى السلطة في مصر: إكراهات الواقع المتغير.

    ثالثا: التحول الديني: مشكلة وطنية أم مشكلة لاهوتية في البلدان الإسلامية؟

    رابعاً: هل الإسلام وحرية الضمير يتوافقان؟ نعم يتوافقان.

    أولا: ثنائية المقدس واللاهوتي وحرية الضمير والمعتقد: التراث الفقهي/ اللاهوتي الإسلامي المهمين على العقل الإسلامي النقلي الرسمي، والبنيات التأويلية حول المقدس والسنوي والسيري في التاريخ الإسلامي. هو أقرب إلى صراع التفسيرات والتأويلات السياسية والاجتماعية بين الأطراف والجماعات والطرق الإسلامية، ومذاهبها تاريخيا. منذ التأسيس الأموي والعباسي للمدونات التأسيسية للإسلام ونظامه العقيدي، وشرائعه ومبادئه الأساسية التي كتبت في العصرين الأموي والعباسي. والتي من خلالها يتم التعرف على التفاسير المتعددة للقرآن الكريم، والسيرة والسنة النبوية المشرفة وتاريخ الإسلام.

    هذا التراث الكتابي التأويلي حول الإسلام، يعاد إنتاجه، وشرحه عبر الزمن. من خلال المذاهب الدينية الكبرى السنة والشيعة، وداخل هذه الثنائية المذهبية. هناك مدارس فقهية لاهوتية متعددة، تعيد إنتاج مقولاتها الأساسية، وشروحاتها، وفق مدرسة الشرح على المتون والعنعنات، والاستثناءات التاريخية عديدة على هذا الاتجاه.

    **

    من ناحية أخرى شكلت المدارس الفقهية تاريخيا، ولا تزال أهم الإنتاج العقلي الإسلامي، وتجاوز الفقه/ اللاهوت، علم الكلام الذي ساد في الجدل، ومدارس الإسلاميين تاريخيا. ولم يتطور على النحو الذي كان يمكنه أن يرفد العقل الإسلامي الوضعي التاريخي بديناميات، ومفاهيم للتطور.

    خضع علم الكلام/ الفلسفة الإسلامية، إلى الصراعات السياسية والمذهبية، وإلى السلطات السياسية التي تدخلت بحسم هذه الاختلافات السياسية، على نحو ما تم إزاء المعتزلة، والأشعرية والماتاردية.

    من هنا نستطيع القول أن قضايا الإيمان والكفر، والحلال والحرام، وحرية العقيدة والضمير، لم تكن قط مسألة دينية محضة. وإنما سياسية ومذهبية وصراعية، في كل المراحل التاريخية. وحتى المرحلة التاريخية المعاصرة منذ نظام يوليو 1952 في كافة مراحله. وحتى حكم الرئيسين الأسبقين السادات الذي تم اغتياله ومبارك. وإلى أعقاب الانتفاضة الجماهيرية في 25 يناير 2011، والمراحل الانتقالية الثلاث، بما فيها حكم الإخوان والتحالف مع بعض الجماعات الإسلامية السياسية الراديكالية، والسلفيين. وصولا إلى أحداث 30 يونيو 2013، وعزل الرئيس الأسبق محمد مرسى الإخواني.

    استخدامات سياسية ودينية ومذهبية لمفاهيم الكفر والردة والإيمان في ثنائيات ضدية حادة. أي استخدام المفاهيم الفقهية اللاهوتية كجزء من الأسلحة الرمزية في الصراع السياسي الديني والمذهبي. وفي مواجهة السلطة السياسية الحاكمة، ومعها المفكرين، والمثقفين الأحرار، أو ذوي النزعة العلمانية المؤمنة أو الملحدة، أو تجاه الشيعة، أو الآخر الديني المسيحي أو اليهودي أو الأديان الأخرى. أو الجماعات غير المؤمنة من اللا إدريين وفق المصطلح الفقهي، والملحدين.

    **

    حرية الضمير مفهوم حداثي ومعاصر، ويرتبط بالتطورات التاريخية والسياسية للدولة/ الأمة، ولا يزال وافدا ومستوردا، من التقاليد الغربية السياسية والحقوقية الدستورية والقانونية الغربية، كجزء من الهندسات الدستورية والقانونية الغربية التي تم استعارتها في أثناء بناء الدولة الحديثة في مصر في عهدي محمد على باشا الكبير، وابنه إسماعيل باشا.

    ثم تطورت هذه الهندسات الإيطالية الفرنسية اللاتينية في المرحلة شبه الليبرالية 1923-1952. ثم مع نظام يوليو 1952، وإلى الآن، من خلال النصوص الدستورية، والقانونية التي تقرر مبدأ حرية العقيدة الدينية، كمبدأ عام، ولكن تضع ضوابط على حرية الضمير والتدين والاعتقاد. والحق في ممارسة الشعائر الدينية –أيا كانت الديانة والمذهب والعقيدة والطقوس.. إلخ- هو جزء لا يتجزأ من الحقوق والحريات العامة والشخصية في الدولة الديمقراطية الحديثة – الدولة / الأمة.

    ومن ثم العودة إلى البحث في أصول دينية وعقائدية ومذهبية لمواقف الأنظمة الدينية الكبرى منها. هو محاولة لمعرفة العقبات العقائدية إزاء هذه الحريات والحقوق في بعض المجتمعات غير الغربية، لاسيما الدول والمجتمعات ذات الأغلبية المسلمة من المسلمين، وتوجد بها مجموعات دينية أخرى، أو مجموعات لا إدرية، أو ملحدة أو متحولة دينيًا وتعانى من التمييز أو الاضطهاد أو العنف الرمزي أو السياسي أو الاجتماعي إزاء وجودها أو حقوقها الدستورية والقانونية في إطار التعامل مع الدولة وأجهزتها. أو في العلاقات الاجتماعية كمواطنين لهم من الحريات والحقوق الدستورية والقانونية، مع المواطنين الآخرين من الأغلبية المسلمة.

    **

    ازدادت أهمية مسألة حرية الضمير في ظل التوترات والنزاعات الطائفية في منطقة الشرق الأوسط المتعدد والأديان والمذاهب. سواء في ظل الأنظمة الشمولية، أو التسلطية، منذ عقد منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وحتى اللحظة الراهنة. وفي ظل المخاطر التي هددت الوجود المسيحي في المشرق العربي لاسيما في لبنان أثناء الحرب الأهلية وما بعدها. وفي سوريا والعراق أثناء الحروب الأهلية، وإلى الآن. وفي السودان قبل انفصال جنوب السودان عن شمال في ظل حزب المؤتمر الوطني الإسلامي حتى سقوط حكم الرئيس السابق عمر حسن أحمد البشير. ومع ذلك لا تزال هناك مشاكل تتعلق بالحرية الدينية في بعض المناطق كولاية شمال كردفان.. إلخ، والصراع بين أنماط التدين الشعبي الإفريقي السائدة في إقليم دارفور، وبين التدين الشعبي السائد في قبائل الوسط النيلي الحاكم للسودان منذ الاستقلال وإلى الآن.

    تزايد الاستخدام السياسى لمفهوم التكفير الديني من قبل غالبية الجماعات الإسلامية السياسية إزاء القوى والجماعات السياسية المدنية الأخرى، وضد النخب السياسية الحاكمة. سلاح رمزي استخدم. ولا يزال لنزع الشرعية السياسية والدينية عن بعض الأنظمة السياسية والنخب الحاكمة، وبعض من المفكرين والمثقفين المستقلين والليبراليين، واليساريين والقوميين العرب، والناصريين.

    **

    التكفير أداة لنزع الشرعية عن أيديولوجيات، وأفكار، وآراء ومواقف بعض هذه المجموعات المختلفة في محاولة لعزلهم من دائرة المسلمين المؤمنين. والتشكيك في إيمانهم بقطع النظر عن أن غالبيتهم الساحقة الماحقة من المؤمنين بالإسلام كديانة. ويرفضون الربط الكلى بين الدولة والنظام والسياسة، وبين الدين ومنظوماته، وهندساته العقائدية والطقوسية.

    استخدمت بعض الجماعات الإسلامية التكفير في مواجهة خصومها السياسيين، وذلك كسلاح رمزي، وأداة للتعبئة الدينية والسياسية تجاههم. من خلال إقامة حواجز بين النخبة ونظام الحكم والمثقفين والسياسيين المدنيين، وبين الجماهير وأنماط تدينها الشعبي والفلكوري.

    تم توظيف ثنائية الكفر/ الإيمان كأداة للتجنيد السياسي للجماعات الإسلامية المتشددة في مصر، من حزب التحرير الإسلامي، إلى جماعات الجهاد والجماعة الإسلامية، والقطبيين. واستخدامه من بعض رجال الدين الرسميين من الأزهر الشريف كالمشايخ محمد الغزالي، ومحمود المزروعي، ومحمد عمارة- خريج كلية دار العلوم والماركسي السابق- وبعض أساتذة جامعة الأزهر. ممن شكلوا ما سمى بجبهة علماء الأزهر، والذين أفتوا بكفر وقتل المثقف المصري فرج فودة. تزايدت النزاعات التكفيرية في تطور الجماعات السلفية الجهادية. وتنظيم الدولة الإسلامية داعش، ضد المسلمين. والمسيحيين كما حدث مع قتل بعض الأقباط المصريين في ليبيا.

    اقرأ أيضا

    متاهة القبح في مصر: عقل المقاول وعقل المعماري(1/2)

  • متاهة القبح في مصر: عقل المقاول وعقل المعماري (2/2)

    متاهة القبح في مصر: عقل المقاول وعقل المعماري (2/2)

    في هذا المقال يواصل المفكر الكبير نبيل عبدالفتاح الكتابة عن أسباب الفوضى المعمارية العشوائية وسيطرتها على الحالة المصرية، والحاملة للقبح في الشكل والطرز والبناء وما وراء هذه الفوضى. ويستكمل هنا الأسباب التي تقف وراء ثقافة القبح المعماري، والأنماط العشوائية في البناء.

    ثانيا: ثقافة العمارة القبيحة، ابنة أزمة دولة القانون الحديث

    كانت قاهرة القرن التاسع عشر والإسكندرية من ثمار التحديث السلطوي المادي، والخروج من دائرة القاهرة، والإسكندرية القديمة، وللرؤى السلطوية للخديوي إسماعيل واستعادة الطرز والتخطيط العمراني لمدينة باريس التي أفتتن بها، ومحاولة نقل بعض طرزها في البناء، وإقامة الحدائق، وتنسيقها على النمط الباريسي!

    من ناحية أخرى كانت جزءًا من عمليات بناء الدولة الحديثة. ومتطلباتها من العمارة وتخطيط المدن. وأيضا من الهندسات القانونية والاجتماعية الحديثة.

    المدينة الحديثة هي أحد تجليات التنظيم القانوني الحديث في النظم الإدارية، في التراخيص للبناء، وفي ترقيمها، وفي تخطيطها، وفي الطرق، والكباري… إلخ.

    كان تطبيق القانون وفاعليته يعتمد على التوازن في المصالح المتصارعة. وأيضا على إجراءات تطبيقه وعلى الجزاءات الرادعة حال الإخلال به، وتجاوزه من قبل المخاطبين بأحكامه في جميع مجالات القانون، وتفاصيل الحياة.

    ظل تطبيق القانون فاعلا نسبيا إلى عهد الستينيات من القرن الماضي، حتى هزيمة يونيو 1967 وما بعد، وتزايدت ظواهر الفساد في الوظيفة العامة. وفي بعض عناصر الأجهزة المعاونة للقضاء، وفي قطاعات تنفيذ القانون في الدولة على نحو بات ظاهرة مستمرة ومتفاقمة، ويمكن أن نطلق عليها المسألة القانونية في مصر. من خلال ضعف فعالية القانون وردعه وتنظيمه للمراكز القانونية، وللمصالح المتصارعة. وفي تحايل الجموع الشعبية على تطبيقه، مع بعض الفاسدين في جهاز الدولة.

    **

    كانت سياسة التشريع توضع من منظار مصالح السلطة السياسية الحاكمة، وظهيرها الاجتماعي. ومن ثم لا تراعى المصالح الأخرى، ومشكلات المعسورين، على نحو فتح المجال للمبالاة بالقوانين، وتجاوزها من خلال آليات الرشا.مع تزايد الانفجارات السكانية، تضخم المجتمع، وأصبح قادرا على فرض ما يراه بعضهم إزاء النظام الضريبي، وتراخيص البناء، والخروج على التنظيم المروري، وغيرها من تفصيلات الحياة اليومية. مع تراجع خطط التنمية، والأخطر تشكيك الجماعات الإسلامية السياسية، والسلفيين في شرعية الحكم، والقانون، واعتباره خارج نظام الشريعة الإسلامية.

    وتمددت هذه الدعاوى مع بروز أنماط من التدين الشعبي تبرر الخروج على القانون في مقابل اللغة الدينية في الخطاب اليومي، وأداء الطقوس الدينية والسلوك المناقض لها تماما…. إلخ. هذا النمط من الازدواجية، والمخاتلات في السلوك الاجتماعي أدى إلى إعاقة شعبية لقانون الدولة.

    من هنا ازداد دور شركات المقاولات الكبرى، ومن الباطن في نشر القبح في البناء، وتجاوز الأطر القانونية، والإجرائية المحددة.

    **

    سيطرت التجاوزات في البناء على شكل وطرز المعمار التي باتت قبيحة، وتفتقر إلى هوية الأمكنة التاريخية، والبيئة، وثقافة المكان، ومحمولاته الرمزية والجمالية.

    يبدو أن العقل الأداتي للسلطة السياسية، الناصرية، والساداتية، والمباركية، ومصادر تجنيدها الأساسية في تشكيلات الحكومات المتعاقبة، من التكنوقراط، والبيروقراطية لم يكن من حيث تكوينها الوظيفي، والاحترافي حاملة لرأسمال خبراتي، أو تصورات تتعلق بالثقافة المعمارية، وطرزها، وجمالياتها، ومدارسها المختلفة، وعلاقة التشكيلات المعمارية بالبيئة وثقافة المكان وتاريخه.

    وكان جل اهتماماتها يتركز على مواجه المشكلات الخاصة بضرورة مواجهة أزمات السكن المتزايدة وتخفيض حدتها في ظل التغير في السياسيات الاقتصادية، والإسكانية. للتقليل من معدلات الغضب الاجتماعي واحتوائه حتى لا يتحول إلى غضب شعبي يؤثر على استقرار النظام والسلطة السياسية الحاكمة.

    هذا العقل الأداتي لا ينظر كثيرا إلى المستقبل البعيد في معالجة المشكلات الكبرى من جذورها، ومعها المشكلة الفرعية، أو الأساسية المرتبطة بها. ومن ثم هو عقل جزئي، وظرفي في معالجاته، ولا يهتم بالثقافة المعمارية، ويركز فقط على أبنية الاستعراض السلطوي في البنايات الرسمية، وبعض الميادين العامة، وترميم بعض القصور القديمة التي ورثها النظام من مرحلة ما قبل يوليو 1952م. أو بعض المناطق السكنية الحديثة مثل مدينة مصر في المرحلة الناصرية، والمساكن الشعبية في بعض المناطق في القاهرة والإسكندرية والمحافظات. ليعدها من إنجازات النظام الاجتماعية، أو المدن الجديدة حول القاهرة في عصري السادات ومبارك.

    **

    ثمة نزوع لدى العقل الأدائي السلطوي، والبيروقراطي، إلى بناء المناطق الجديدة والمدن الجديدة مع تحرير السياسة السكانية والإسكانية وتركها لآليات قوانين العرض والطلب، وإحداث تعديلات في قوانين إيجار الأماكن لتصبح الإيجارات القديمة تعتمد على عقود الإيجار الجديدة. والأهم تشجيع ملكية الأراضي في المناطق الجديدة، وفي شراء الوحدات السكنية للشركات الخاصة، أو ملاك العقار. وهو ما أصبح القاعدة لعقود عديدة بالنظر إلى الاعتماد على مدخرات العاملين المصريين بالخارج، وشيوع اتجاه عارم نحو التملك العقاري كمركز توظيف المدخرات، والمضاربة على أسعار المنازل، والوحدات السكنية، من ناحية أخرى تنشط الشركات للبيع بالتقسيط لهذه الوحدات، والفيلات في المدن الجديدة.

    الولع بالاستثمار العقاري لدى الشركات، والأفراد أدى إلى تركز الاستثمار المالي في العقارات. في ظل التسهيلات المصرفية، والحكومية في بيع الأراضي بأثمان بخسة، بل وتحويل طبيعة الاستثمار من زراعي إلى عقاري بتواطؤ من السلطة في عهد مبارك.

    في ظل هذه الظروف السياسية، والمالية والاستثمارية كان العقل الأداتي السلطوي يميل إلى الاستثمارات العقارية في مناطق جديدة ذات طابع سياحي. مثل الساحل الشمالي الذي تحول إلى ما سبق أن أطلقنا عليه منذ عديد العقود إلى مقلب زبالة معماري، في تخطيطه العشوائي. وفي طرز البناء لتكون مصيفا لأسبوعين أو أكثر سنويا لطبقة رجال الأعمال، والأثرياء الجدد، ورأسمالية المحاسيب. والعناصر الفاسدة في جهاز الدولة البيروقراطي، والمقيمين للهجرة المؤقتة في البلدان النمطية لسنوات طويلة!

    تحولت هذه المناطق بالساحل الشمالي، إلى دوائر لاستعراضات هذه الفئات اجتماعيا. وتعبيرًا عن القيم الاستهلاكية المترفة، والمفرطة تعبيرًا عن مكانتهم، وسلطتهم المالية أو نفوذهم.

    ثالثا: من العقل المعماري إلى عقل المقاولين إلى عقل المعماري المقاول

    الفوضى المعمارية في الساحل الشمالي، وطرزها المعمارية، في المدن الجديدة، وفي الأبنية الجديدة بالقاهرة وساحل الإسكندرية.. وغيرها. وفي المحافظات لا تعود فقط إلى آليات الفساد السلطوي لدى بعض الموظفين العموميين، وإنما إلى توظيف عقل المقاولين الذي فرض نفسه على عمليات تصميم. وإنشاء وشكل البنايات والمدن الجديدة وأحيائها، والمعازل الجديدة التي لجأ إليها رجال الأعمال، والأثرياء الجدد للسكنى، بعيدا عن الفوضى المرورية، وصخب المدن الكبرى التاريخية، ولانعزالهم عن حركة التفاعلات اليومية مع جموع المواطنين. وذلك بحثا عن الخصوصية، والهدوء، وإشباع حاجتهم السوسيو- نفسية، ورغباتهم الجامحة في التميز الاجتماعي عن غيرهم من المواطنين العاديين. وأنهم ممثلو طبقة متميزة في المجتمع لها حياتها الخاصة، وهو ما قامت شركات المقاولات الكبرى بتلبية هذه الحاجة النفسية لهم.

    هذه المعازل السوسيو- نفسية لفئات صعدت اجتماعيا، بناءً على مصادر متعددة وآليات للصعود الاجتماعي لأعلى- بعضها غير معروف مصادره – تحولت إلى علامات على العزلة عن المجتمع ومشاكله.

    **

    لاشك أن عقل المقاولين أيا كانت مستوياتهم وتاريخهم، لا يهمهم فقط ثقافة المكان، وبيئته، ولا هويته، ولا طرزه المعمارية. وإنما ما يهمهم هو تعظيم الربحية إلي مستويات عالية. ومن ثم فرضوا عقليتهم على مكاتب، والشركات الهندسية والمعمارية. وبعضهم بات يفتقر إلى ثقافة وتكوين المعماريين الأجانب والشوام والمصريين الكبار الذين قاموا ببناء الأبنية العلامات في القاهرة والإسكندرية، قبل 1952. وبعدها حتى هزيمة يونيو 1967.

    من هنا استمرارية وممارسات عقل المقاولين ظل مسيطرا على عقل المهندسين المعماريين. بحيث أصبح عقل المقاولين هو المهيمن في التخطيط، والطرز. دون إيلاء أهمية للإبعاد الجمالية، والوظيفية للأنسجة المعمارية والفراغات، في علاقاتهم بالطرق، والمواصلات، وتطورها المستقبلي. وهو ما تكشف عن بعض العشوائية. التي كشفت عنها بعض مكونات البنية الأساسية، وازدحام الطرق، والكثافة المرورية بين المناطق، والعاصمة أو الإسكندرية، أو في مناطق الاصطياف بالساحل الشمالي.

    من الملاحظ أن هيمنة طرائق تفكير العقل المقاول– السرعة في التفكير السطحي البسيط، واتخاذ القرار، والتنفيذ، وعدم مراجعة التصميمات، وفق أسس فنية، أو بالنظر إلى الاعتبارات الخاصة بالمستقبل. من حيث كثافة المرور، والانفجار السكاني المطرد، والآخذ في الاعتبارات خبراء الطرق، والكباري، والسكان، واحتمالات الاستثمار في مناطق قريبة أو بعيده من المشروع في الآجال المتوسطة والبعيدة، وإهمال الجوانب الجمالية من حيث الطرز، وهوية وثقافة المكان… إلخ–.

    تجاوزات العقل المعماري، سيطرت أيضا على العقل البيروقراطي الإداري والسلطوي الذي لا يهمه سوى محض الإنجاز السريع. لتحقيق هدف الاستعراض السياسي أمام الجمهور. وهو أمر بالغ الخطورة ستظهر مخاطرة فيما بعد. عندما يعاد النظر في مثل هذه المشروعات الإنشائية للبنية الأساسية.

    رابعاً: اللامبالاة بالتراث المادي

    تبدو ظاهرة خطيرة في عالم البناء في مصر، ألا وهي عدم الاهتمام بالتراث المادي، وإهماله. بل والميل إلى هدمه لصالح بعض المشروعات الخاصة بالبنية الأساسية. وأبرزها هدم بعض المقابر التراثية لعدد من مشاهير الشخصيات العامة في مصر. التي لعبت أدوارا مهمة في تاريخ البلاد السياسي والثقافي، وبعضها شكل رموزا على حركة التجديد شبه الحداثي في البلاد.

    تبدو خطورة ذلك في عدم مراعاة العقل الأداتي. ومعه العقل المقاولاتي للرموز التي يحملها التراث المادي. على الرغم من الاتفاقيات الدولية لليونيسكو في حماية هذا التراث المادي، واللامادي.

    إن النظرة على مقابر “بير لاشيز” في فرنسا تبدو باهرة في الحفاظ على التراث المادي. حيث تضم مشاهير فرنسا في السياسة، والفنون والآداب والفلسفة والعلوم الاجتماعية والطبيعية. بحيث تحولت إلى مركز سياحي كوني، على قوائم الشركات السياحية مع البانتيون حيث مراقد عظماء فرنسا الكبار.

    تبدو المكانة مثيرة للقنوط، واليأس. وأيضا تشير إلى الفجوات بين دولة متقدمة، وبين دولة تعاني من التخلف التاريخي أو تراجع مستويات تطورها.

    خاتمة

    لاشك أن العقل الأداتي السلطوي البيروقراطي ساهم تاريخيا في إنتاج العقل المقاولاتي، وتحييد العقل المعماري، الذي أثر كثيرا في إشاعة ثقافة القبح لصالح بعض العشوائية التي تمددت كثيرا خلال عقود طوال من القرن الماضي إلى الآن!

    إن إهمال الجوانب الخاصة بالتخطيط، والتنظيم العمراني في ظل الانفجارات السكانية، أدى إلى حالة من الفوضى المعمارية والعمرانية. حتى في الأحياء التي كانت توصف بالراقية– التي تقطنها الأثرياء والمشاهير. حيث تمددت فيها المقاهي والمطاعم وصخب الأمكنة المزدحمة، وبعض من الفوضى للعابرين داخلها!

    في التخطيط العمراني والطرز المعمارية والتصميمات الجمالية، ليس المطلوب الأناقة المفرطة المكلفة اقتصاديا في أحياء ومدن الأثرياء الجديدة، ومنازلها، وأيضا في الإسكان الشعبي، والمتوسط. وإنما مراعاة عديد من الاعتبارات وعلي رأسها الوسط الاجتماعي، وعلامات الهوية الثقافة المتغيرة وتحولاتها. وأيضا استلهام البنية التحتية للمكان، وبعض من التراث المعماري، وتجديده من خلال المعماريين المبدعين، والفنانين التشكيلين ذوي الرؤى، والتخيلاتك الجديدة والاستثنائية. وعدم الاعتماد علي الأساليب السائدة من المحسوبية والوصولية، وغيرها، أو هؤلاء الذين ينقلون في خفه، أعمال فنانين غربيين إلي أعمالهم، وتنفيذها على نحو ما حدث من بعضهم في محطة مترو كلية البنات. وهو ما أحدث غضبا شديدا على مواقع التواصل الاجتماعي الرقمية.

    **

    ثمة حاجة إلى مراجعات للعقل الإداري، والعقل المعماري، التابع الذي يسيطر على شركات المقاولات الكبرى، والمتوسطة والصغرى، التي حولت الأنسجة المعمارية إلى كتل أسمنتية متشابهة، وقبيحة. وجعلت منها متاهات للفوضى، والقبح، من ناحية أخرى نلاحظ الاعتداءات المستمرة على الأشجار، والحدائق على نحو يمثل اعتداء على البيئة.

    والأخطر الاعتداء على الفراغات العامة داخل وحول الأنسجة المعمارية. على نحو تمثل معه محاصرة للمجال العام الاجتماعي والسياسي!

    إن نظرة مقارنة مع تطور البنيات الأساسية، والفراغات، في الدول الأكثر تطورا، تشير إلى الاهتمام بالمساحات الخضراء، والفراغات العامة، في ظل تطورات تكنولوجية، ورقمية فائقة التطور. أثرت على العقل التخطيطي للمدن، والعقل المعماري، وإبداعاته وتخييلاته الاستثنائية. في هذا الصدد يمكن رصد أعمال المعمارية البريطانية ذات الأصول العراقية “زها حديد”.

    العقل المعماري يتطور وفق تطور العلوم الهندسية، والثورات العلمية الثقافية، والخيال، المبدع المؤسس على المعرفة، لكبار المعماريين في عالمنا. بينما يسيطر العقل المقاول على المعماري والأداتي السلطوي.

    من هنا نجد بعضا من الولع السلطوي بالأبنية الأسمنتية الكبرى المقامة في مدن الملح في السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت. حيث الانفصال بين ثقافة المكان، وهويته الثقافية، وبين الكتل الأسمنتية الضخمة، المراد من خلالها، إثبات التطور في مجتمعات نفطية ميسورة. لكن أوضاعها الاجتماعية السياسية لا تزال بعيدة عن هذا العالم المشيد أسمنتيا في مدن الملح بتعبير عبدالرحمن منيف!

    اقرأ أيضا

    متاهة القبح في مصر: عقل المقاول وعقل المعماري(1/2)

باب مصر