باب مصر

الكاتب: هبة صفي الدين

  • «شنطة سفر»: في أنقرة.. بالعند في أردوغان

    «شنطة سفر»: في أنقرة.. بالعند في أردوغان

    أول مرة أزور أنقرة كانت في نوفمبر 2018، نقطة عبور لمدينة كابادوكيا اللي كان فيها اجتماع ومؤتمر لبرنامج العمارة والأطفال التابع للاتحاد الدولي للمعماريين وكنت مديرته وقتها. وزي ناس كتير تركيا كانت بالنسبة لي هي إسطنبول، ومدن أخرى سياحية أو تاريخية. صداقاتي بسيدات أنقرة بدأت بالتعرف على تزچان قراقوش رئيسة نقابة المعماريين هناك، ست قوية محاربة أناضولية أصلية. كل اجتماع يجمعنا كانت تصطحب معها معماريات أخريات من نقابة أنقرة. ودايما بيجيبوا معاهم هدايا لكل حضور الاجتماعات بمنتهى الكرم الحاتمي، أقلام، نوت ومفكرات، جراب جلد للتليفون، مقلمة قماش، حلويات، لقم، دايما فيه هدايا كتير حلوة. ولما استضافونا في كابادوكيا، كان الكرم لا يوصف. وكل واحدة من الحضور لقت في مكانها سلة صغيرة مليانة هدايا، أحلاها كان الفوط البشاكير القطنية المحلية والصابون الطبيعي بزيت الزيتون وهدايا تانية كتير. أما الأكل والشرب وكرم الضيافة فمن ورا العقل.

    من خلال تزچان تعرفت على “طوبى” “وسونجول” و”ميتوبر” و”أوزلم” و”جالة” وغيرهم. معظمهم سيدات أينعم، كل واحدة فيهم بتشتغل في 100 حاجة وكل واحدة ليها 100 هواية. وكل فترة والثانية نعرف أن تزجان في المحكمة، رافعة قضية أو مرفوع عليها دعوى. أي حاجة لها علاقة بتلاعب في قوانين عمرانية أو لوائح أو اشتراطات أو مخالفات تعملها الحكومة، النقابة بتقف لها تزجان والنقابة بالمرصاد. في مجلس الشعب، في التليفزيون أو على الأرض في الشارع. تيزجان والنقابة وشلة صديقاتي مثال للنضال في الدفاع عن الحق في المدينة، الحفاظ على التراث، وممارسة المهنة.

    ***

    أول مرة أبتدي أحس بأنقرة كانت لما النقابة عزمتني أكون ضمن لجنة التحكيم في مسابقة إعادة تصميم ميدان محطة القطر الرئيسية، واللي شهدت تفجير انتحاري يوم 10 أكتوبر 2015، أدى إلى مقتل وإصابة مئات المواطنين من العمال اللي كانوا واقفين في مظاهرات هناك باسم مسيرة “العيش، السلام والديمقراطية” ومعاهم واتحاد نقابات العمال العامة واتحاد الأطباء الأتراك واتحاد غرف المهندسين والمهندسين المعماريين الأتراك، والعديد من الأشخاص من مختلف أنحاء تركيا، وبعد التفجير وصلت عربات الشرطة قبل سيارات الإسعاف ومنعوا المواطنين من إخراج الضحايا لإسعافهم، وكان علاج التجمع هو خراطيم الماء والقنابل المسيلة للدموع. بعدها، تحولت الساحة لساحة شهدا، فغيرت الحكومة معالمها وما بقاش ينفع هناك أي تجمع مرة أخرى، حتى عبور الشارع لمحطة صعبوه على المشاة. ولكن الناس فضلوا حاطين صور الشهدا على الشجر، وحاطين لبس وتريكو وكروشيه وحاجات كتير تحفظ ذكريات اليوم والحدث.

    ونرجع للمسابقة اللي كانت عاملاها نقابة أنقرة: غير الاجتماعات اللي جمعت ناس من كل أنحاء العالم، وغير مطاعم الأكل التركي اللي تاكل صوابعك وراها، وغير الرحلات والزيارات الميدانية، كان فيه كذا حاجة في الرحلة دي أحب أسجلهم وافتكرهم. الفندق كان أمامه مدرسة جرسها بيرن 7ص. المنطقة اللي فيها النقابة في منطقة مشاة محلية فيها محلات ومطاعم وكافيتيريات وهيصة. المرة الثانية اللي حسيت بيها بأنقرة أكثر كانت لما عزمتني أوزلم على حضور ورشة عمل في جامعة كوش (أو كوتش) لمنشورات الأطفال الخاصة بالتراث الثقافي، ودي كانت رحلة جميلة وليها ذكريات كتيرة وحصل فيها حاجات بابتسم كل ما أفتكرها.

    ***

    أهم المعالم التي زرتها في أنقرة هي القلعة (كاليسي) من القرن السابع ميلادي، والتي شهدت جميع الحقبات التركية منذ ما قبل التاريخ ومرورا بتاريخ تركيا الروماني والبيزنطي والسلجوكي والعثماني. بندخل المنطقة بدون تذاكر طبعا، وبنصور اللي إحنا عايزينه، وبنلاقي هناك بياعين الشاي والبوريك والمشروبات والفاكهة والكافيتيريات الرخيصة النظيفة والمطاعم البيتي والحفلات الموسيقية التراثية، ومعظم هذه الأماكن بتكون بيوت ناس مستقطعين منها الأجزاء الخارجية وبيسترزقوا منها. وبيخدموك بعنيهم وبيقدموا الشاي والعيران ضيافة وفوق البيعة. البيوت هناك صغيرة وقديمة جدا زي بيوت درب اللبانة وعرب اليسار اللي تم هدمها بدل من استغلالها زي بيوت كاليسي أنقرة. الكلاب هناك كبيرة ومتطعمة وماشية وعايشة وواكلة وشاربة في أمان. ولو مشينا لآخر القلعة وطلعنا برة سور القلعة حنلاقي عشوائيات!

    آه والله. فقر وزبالة وعيال شريدة، بس عشوائيات تركي يا لوسي… ولو لفينا ونزلنا على رجلينا وبعدنا شوية عن القلعة، نمر بمنطقة متواضعة فيها محلات لحرف يدوية رخيصة جدا ومنها نعرج على منطقة زي الموسكي ودرب البرابرة بالضبط، يمكن بنفس المنتجات مش بس المحلات وطريقة العرض. الفرق في النظافة. أما إذا خرجنا من باب القلعة الرئيسي اللي دخلنا منه إلى الشوارع السياحية المحيطة، فبازارات وسوق للحرف، وكمية مطاعم وكافيريات تركي وفنادق صغيرة (نزل) غير مسبوقة في الجمال. وكمية بيوت قديمة متحولة لفنادق لا حصر لها، جوها سلجوقي أو عثماني، حاجة كدة مسلسل حريم السلطان في نفسها جدا.. كمية المتاحف في المنطقة يخض برضه، يوجد متحف لكل شيء. وكلها مباني معاد استخدامها. من برة المبنى شكل قديم ومتجدد باعتناء، ومن جوه مجهز بأحدث وسائل العرض المتحفي بما لا يخفي أو يطغى على إحساس الزائر بالمبنى.

    ***

    من أجمل المتاحف وأهمها في المنطقة دي متحف الحفريات الأركيولوجي والفنون. التشطيب الداخلي والعرض المتحفي والكافيتيريا والمكتبة حكاية من ورا العقل، والكافيتيريا فاتحة على منحدرات خضرا ببانوراما لا يمكن وصف جمالها بكام كلمة هنا. أما المتحف فدورين للمقتنيات ودور معرض متغير. من أهم المقتنيات العزيزة عليا، واللي كل ما أروح لازم أروح اتطمن عليها هي لوحات شفافة لوجوه الفيوم، وبعض الحلى الذهبية المصرية. أما المعارض، فمرة حضرت معرض نماذج عرايس لأهم عروض مسرح العرائس المشهورة في العالم، ومرة حضرت معرض صور فوتوغرافية لمدينة رومانية كاملة في تركيا.

    فيه كمان متحف أوصي بزيارته لكل من يزور أنقرة، اسمه متحف رحمي كوش، وهو متحف “صناعي”. أسسه رجل الأعمال “كوش” مؤسس الجامعة اللي دعتني لورشة العمل في أنقرة نوفمبر 2022. المتحف مبني زي الخان أو الوكالة، معروض في الفناء العربيات والطائرات المروحية، وفي القاعات كل الصناعات التركية، وإزاي تطورت، من صناعات الجلود للألبان والأجبان للحدادة للنجارة لتفصيل الهدوم للسجاجيد للأدوية للطبخ والتخزين والتعليب للعب الأطفال لوسائل الاتصال. تحتوي المجموعة على مئات العناصر من المنمنمات إلى القوارب والمركبات بالحجم الكامل. كل صناعة تخدم الحياة اليومية للأتراك على مدار التاريخ، مع الإشارة للمبدعين من المهندسين والحرفيين الموهوبين. بالإضافة إلى مجموعة مقتنيات خاصة لمصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة ومعشوق الأتراك. المتحف يعج دايما بالأطفال والكبار والسياح، بس مفيش تمييز في سعر التذكرة بين الأتراك والسياح. التمييز دايما للأطفال وكبار السن فقط.

    ***

    من أجمل المتاحف اللي زرتها في أنقرة أيضا متحف آثار الأناضول. مش حتكلم عالموقع ولا على تنسيق المتحف ولا عالخضرة ولا عالعرض المتحفي ولا عالديكور عشان دي حاجات مفروغ من جمالها وتطورها وفي نفس الوقت بطريقة لطيفة وبسيطة. المتحف يضم كل الآثار الموجودة والمتعلقة بالحقب التاريخية التي مرت على بلاد الأناضول منذ الفترة الهلينية حتى الفترة العثمانية، والكثير من المخطوطات باللغات الهلينية والمسمارية، وبقايا الصناعات التي تعطينا فكرة عن تتالي وزخم حضارات تلك المنطقة عبر التاريخ.

    حعدي معاكم بسرعة على ضريح أتاتورك (أنيتكبير)، وهو برضه زيارة مذهلة. الموقع مرتفع على هضبة تطل على كامل أنقرة من جميع الجهات تصميمه يوحي بالعظمة وأكيد بالفخر للأتراك. برة الأسوار كمية أتوبيسات مدارس وأتوبيسات رحلات محلية للأتراك تسد عين الشمس. بنمشي كتير وسط غابات لأشجار نادرة لحد ما نوصل للساحة الكبيرة المستطيلة اللي فيها الضريح والمتحف. آلاف مؤلفة من البشر معظمهم أتراك كل الأعمار والأطفال كتير جدا جدا. طوابير ورا طوابير. دخلنا الضريح أولاً. الفخامة والنظافة مش حتكلم عنهم تاني. كمية الناس اللي بتقرا الفاتحة في خشوع حسسوني إن المتوفي فرد من عيلتهم لسه ميت حديثا. الأهالي والمدرسين بيكلموا الأطفال بصوت واطي وبيحكوا لهم عن أتاتورك. والكل بيحطوا ورود عالقبر. طلعنا دخلنا المتحف والديوراما عن الحرب مع المؤثرات الصوتية. وتاريخ تركيا الحديث كله وأسامي الرواد في كل المجالات. جزء خاص من المتحف فيه قاعات فيها ملابس ومتعلقات شخصية وهدايا وكتب أتاتورك. إيه الشياكة والفخامة والعظمة دي يا جدعان!

    متحف أتاتورك
    متحف أتاتورك
    ***

    أحكي لكم بقى على متحف “علي الجن”. وعلى شخصية متخيلة لطفل صغير ومكتوب عنه 10 كتب متدرجة في الصعوبة عن الحياة اليومية للأطفال في تركيا والتعليم المدرسي منذ عام 1986 والألعاب التقليدية اللي كل الأطفال كانت بتلعبها قبل عصر الإنترنت. ومن خلال الكتب دي والمتحف التفاعلي الجميل البسيط السهل الممتنع اللي يشرح القلب دة، بياخد المؤلف راسم كايجوسوز الأطفال معاه في رحلة توعية بالتراث التعليمي والترفيهي التركي، خارج نطاق تكنولوجيا الشاشات، وبرة أسوار المدارس والبيوت في الشوارع والحدائق والمتنزهات. المتحف بتديره بنت المؤلف وجوزها وبنتها، والقطة. شيء من ورا العقل بكل معنى الكلمة. يا ريت أقدر أعمل حاجة زيه في مصر.

    ***

    “جالة أرزن” فنانة كبيرة وأستاذة في جامعة الشرق الأوسط التقنية وكتبت عدد هايل من الكتب. اتعرفت عليها من خلال عضويتنا للجنة التحكيم في مسابقة ساحة محطة القطر إياها، ورشحتني أكون عضو في هيئة الجماليات الدولية، وساعدتني أروح قونية وعزمتني عندها في في بيتها اللي عايشة فيه مع قططها. عمارة حجر 4 أدوار عمرها أكثر من تمانين سنة بناها أبوها أحد معماريين أنقرة الأشهر. الدور الأرضي بجنينة كبيرة بتبص على منحدر أخضر مستغلة الطبيعة أجمل استغلال. الجنينة نفسها على كذا منسوب وبتزرعها بنفسها، وفيها نافورة و برجولا وعنباية وشواية ومكان لكذا قعدة على بانوراما أنقرة. بيت فنانين: الحوائط حجر والكتب في مكتبة كبيرة والكنبة الأساسية في غرفة المعيشة العملاقة من الجلد. وبالطبع يوجد دفاية.

    دخلنا المطبخ، كل الحوائط عليها أطباق بورسلين أبيض في أزرق. عملت لي شاي “زهرات” وأديتني باقي الكيس. وأديتني قالب جبنة “تركي” وما أدراك ما الجبنة التركي. وقطع (ترانشات) عيش تخينة جدا زي العيش الشمسي بتاعنا. جالة مواليد 1943. ولسه نـشيطة وشغالة ومنتجة وشيك جدا جدا. من 2020 وأنا بسأل عليها كل فترة، والمرة اللي بعدها لما زرت أنقرة روحنا زورناها أنا وأوزلم صاحبتي ومضيفتي. وعملت لنا كيك. ولما كنت في مكتبة متحف الحفريات لقيت كتاب بالإنجليزي عليه اسمها، اشتريته من غير ما أفكر. ولما رحت لها كتبت لي عليه إهداء. وعرفت منها إن في جامعات تركيا العريقة فيه تقليد متبع: عند بلوغ أحد الأساتذة سن المعاش يقوم طلابه/ا بعمل كتاب مجمع عنه، بعد ما يطلع معاش – هاه!

    ***

    تركيا السبعينات اللي قرينا عنها في كتب أورهان باموق وأليف شافاق موجودة في أنقرة ومش موجودة. موجودة في معظم العادات والتقاليد والتصرفات والأماكن المتحافظ عليها. ومش موجودة في كتير من ممارسات أردوغان. وبالرغم من أن تركيا مقسومة بين مؤيدي ومعارضي أردوغان ونظامه، لكن الشهادة لله، الراجل مسك كتالوج الاتحاد الأوروبي ونفذه طمعا في الرضا، مما أفاد أنقرة كثيرا. لكن العديد من سياساته فيها معاداة للحداثة اللي بنى عليها مصطفى كمال أتاتورك تركيا القرن العشرين. وعشان كدة صاحبتي تزجان وباقي مجموعة السيدات ونقابة المعماريين وغيرهم واقفين له بالمرصاد. قضايا ومظاهرات وأحاديث تليفزيونية معارضة، بيكون لها توابع سلبية كتيرة عليهم، من ضمنها التهديد بالسجن – لكن بدون اختفاء قسري، وبدون أقصاء. وحضرت جلسات برلمانية عديدة بيتم فيها تعديد مخالفات أردوغان واختصامه. ومن هنا أعترف، مازلت متأثرة ومعجبة بالنموذج التركي!

    اقرأ أيضا:

    «شنطة سفر»: يا حضرة مولانا

  • «شنطة سفر»: كريب سوزيت (2-2)

    «شنطة سفر»: كريب سوزيت (2-2)

    وقت ما سافرت باريس أول مرة، وقفت كتير عند المسلة اللي اتصورت عندها أم كلثوم صورتها الشهيرة سنة 1967 (أمام متحف اللوفر) واللي قالت إنها أكتر حاجة حبيتها في باريس، عشان بتاعتنا وده لما راحت قلبت الدنيا على مسرح الأولمبيا لمساندة المجهود الحربي. ووقت ما سافرت باريس لأول مرة سنة 1990، كان لسه امتداد الطريق اللي من ميدان المسلة – شارع الشانزليزيه – ميدان النجمة (قوس النصر) – قوس النصر الجديد (اسمه برضه لارك دي ديفونس)-امتداد باريس حاجة جديدة ومعظم الدنيا تحت الإنشاء.

    أخدتنا كاترين مراة أنكل صلاح النجار لفة بالعربية عشان نتفرج على الجزء الجديد من باريس. وهالني ما رأيت من عمارة الحداثة واللي شفتها في المبنى بالغ الضخامة، مكعب مفرغ (قوس نصر مجرد)، مبنى إداري وأمامه ساحة عملاقة ودرجات واسعة بين المستويات. وأبتديت أستوعب إن اللي جاي في العمارة والعمران كله كدة. “بس أنا بحب القديم” لقيتني بقول لنفسي وإحنا بنعدي مطب صناعي (كان برضه حاجة غير معتادة أو شائعة عندنا وقتها!) وقالت لي كاترين أن اسمه “ظهر الحمار” (دو دان).

    ***

    أما شارع الشانزليزيه فحكاياته كتير. لما سافرت باريس بعدها في أول الألفية كان الأوتيل اللي حاجزين فيه متفرع من الشانزليه، بس غيرناه لواحد تاني أحلى وأشيك بيبص على ميدان النجمة (قوس النصر) بذات نفسه. كان تحفة وكان له رائحة نظافة مميزة فاكراها وبستدعيها ضمن تدريبات “ذاكرة الحواس” -على رأي منى الشايب صاحبتي- لحد دلوقتي. كنا بنتمشى كتير في الشانزليزيه. كان الفرنك بحوالي٦٥ قرش، ومكانش لسه حصل التحول الكامل لليورو. كنا بنقعد على كافتيريات الرصيف، وكنا بنشوف بعد الظهر استعراضات وسباقات لسيارات بعض الشباب من أخواتنا من بعض البلدان العربية اللي بيروحوا يصيفوا في باريس.

    ووقعت في حب الأودي “التي2”. وعرفت أن فيه بعض السماسرة بيروحوا من بدري العصرية كدة يحجزوا ترابيزات لحد ما تيجي بعض الأسر العربية القادرة على “شراء الترابيزة” لتمضية الأمسية والسهرة على رصيف الشانزليزيه. قضينا في محل ديزني الشانزليه ساعات وساعات عشان نجيب لعمر ابني كل حاجة نقدر نجيبهاله. أبرزها كان لبس “باز لايت يير” (باظ يطير) من فيلم حكاية لعبة.

    التمشية في باريس ليلا كمان جميلة جدا جدا. خدتني رجليا مرة لحد ملهى الطاحونة الحمراء، وقعدت في الكافتيريا اللي قدامه. وعقلي كله في هنري تولوز لو تريك، والممثلات والمغنيات والراقصات اللي الدنيا داست عليهم وخلدهم هو برسوماته، عبقريته العفوية وألوانه السودا والأحمر والبرتقالي المكتوب وخط أيده الحر. لو تريك فتح لكل الفنانين خط مهم جدا في مجال تصميم البوسترات.

    ***
    قوس النصر في باريس
    قوس النصر في باريس

    وبمناسبة الملاهي الليلية، فمرة حاولنا نقف في طابور الليدو ولمحنا الراجل اللي بيضبط الطوابير، يمكن عشان لون بشرتنا وطريقة لبسنا أو صعبنا عليه عشان شكلنا تايهين أو محتارين – مش عارفة. المهم جالي وسألني عن جنسيتنا ولما عرف إننا مصريين نصفنا ودخّلنا وقعدنا في حتة حلوة جدا، وشفت عجب العجاب في الليدو، الاستعراضات المتعددة والمتقنة جدا، واللي بتدل على عبقرية التدريبات اللي وراها عاملة إزاي، باليه على جمباز على رقص على ترابيز على طيران على موسيقى على ديكورات بتغوص في الأرض وغيرها بتنزل من السقف، وخلفيات ثلاثية الأبعاد، ميكانيكية المسرح متطورة جدا، وألوان وألوان وأزياء وأزياء. عرض ما ينفعش يتفوت أبدا، إبداع لا يوصف. إبهار إبهار إبهار – شد 100 خط وعلامة تعجب. أثناء العرض، لا ننتبه لملابس الراقصات “الكاشفة” أبداً أبداً، إنما نكون في حالة دهشة طوال الوقت، منتبهين وبنحاول نستوعب اللي بيحصل قدام عينينا.

    في إبريل 2017 كان عندي اجتماع وتحكيم جوايز في برج مونبارناس. وكانت بلكونة أوضتي بتبص على سينما. وفي وسط الاجتماع جاني خبر وفاة نجلا أبو خطوة توأم روحي على مدار 40 سنة، واللي عانت من المرض حوالي ست سنين لحد ما غدر بيها وبينا. وقفوا الاجتماع وحاولوا يطيبوا خاطري، وصديقاتي التركيات كلموا أهلهم في أنقرة عشان يقروا لها قرآن، وقعدت معايا صديقاتي مينا (من رومانيا) وماجدالينا (من بلغاريا) لحد قرب الفجر. تاني يوم نزلت مش عارفة أودي نفسي فين. دخلت السينما. كان فيلم بوهيميان رابسودي وكان قالب الدنيا وقتها. كان مدبلج بالفرنساوي. فضلت أحضر عرض ورا الثاني لحد ما نمت على نفسي من وجع قلبي.

    ***
    منظر لبرج مونبارناس من قوس النصر، باريس، فرنسا
    منظر لبرج مونبارناس من قوس النصر، باريس، فرنسا

    وبخصوص منطقة المونبرناس، فهي دي المنطقة اللي كانت أمي الله يرحمها مقيمة فيها لما سافرت تدرس في باريس سنة 1985. كل مرة بأقيم هناك عشان اجتماعاتنا في البرج بدّور في الشوارع على ذكريات ماما. نفسي أروح أسواق البراغيث (مارشيه أو بوس) اللي حكت لي عنها، بيت الطلبة اللي كانت عايشة فيه، نفسي أشوف المطبخ اللي كانوا بيطبخوا فيه كل واحد طبخة من بلده. رجعت أمي من السفرية دي جايبة حاجات كثيرة جدا، ليها وليا وللبيت ولأحمد أخويا ولجهازي. ولسه معظم الحاجات عندي ببص لها وأستعملها وأتواصل من خلالها مع أمي واقرأ لها الفاتحة وأترحم عليها.

    آخر مرة سافرت باريس أجرت أوضة عند “موني” (مش فاكرة جنسيتها لكنها كانت من الشرق الأقصى، إنجليزيها تقريبا مفيش وأنا الفرنساوي بتاعي بعافية – مفيش مشكلة) في الدور الرابع في مبني قديم بيبص عالبرج والميدان. شقة موني “قد الحُق”، أوضتين ومطبخ وحمام فيه بانيو، وتواليت. كان شهر نوفمبر، يعني الدنيا برد عليا هناك، وعلى حظي كان فيه مشكلة في السخان، وكانت نهاية الأسبوع، موني وأنا كنا بنسخن مياه عالبوتاجاز، ونخلطها بمياه من الحنفية عشان الدش (بالكوز). ودي خبرات اكتسبتها من حياتنا العادية أوائل السبعينات في مصر. ومن شقة موني المتواضعة إلى بيت صديقتي الفنانة إيفا ستروزينسكا، بيت قديم عريق فخم كلاسيكي كبير حوائط حاملة من الحجر، كله ذوق وفن ولوحات لها وتماثيل وأسقف عالية وأوضة من أوضة وزرع كثير وحاجة كدة زي الأفلام الفرنسية القديمة الحلوة.

    ***

    ومن أهم أحداث سفرياتي في وجود مينا وماجي هو الاستكشاف لمباني ومناطق جديدة عليا. والمرة دي كانت زيارتي التانية لغابة بولونيا بس المرة دي لزيارة مؤسسة لوي فيتون تصميم المعماري الأشهر فرانك جاري. والمبنى كان من دواعي انبهاري بعمارة جيري، زي لما معهد العالم العربي بباريس أبهرني أول مرة زرتها. مبنى كأنه سفينة طالعة من وسط الغابة من المعدن الخفيف والزجاج وحواليه بحيرات يسبح فيها البط ومتنزه للعب الأطفال اسمه “جاردان داكليماتاسيون”.

    استعمل جيري الزجاج بسخاء سواء الشفاف أو الملون ألوان زاهية، مع الماء مع الإنشاء المعدني الظاهر. كتلة المبنى انسيابية ومتوائمة مع محيطها. داخل وخارج المبنى، جيري مهتم بأدق التفاصيل، مثل الإضاءة الخفية، والانحناءات التي تشير إلى تأثره بالكنيسة التي صممها لوكوربوزييه في رونشونوربطه مختلف الحيزات ببعض، وإدخال الدفء عليها بألوانها الهادئة والوظيفية، وتفاصيل التشطيب، وإزاي فراغات المبنى بتفاجئ الزائر. ففي الطابق السفلي مثلا، شلال من الماء ومسابح الصغيرة تعكس الضوء على أعمدة بزوايا مثلثة مصنوعة من زجاج مورانو. المبنى دة مش مجرد متحف، لكنه معلم ثقافي جاذب لفئات عمرية وخلفيات ثقافية مختلفة لأنه بيقدم أنشطة زي معالم ثقافية أخرى في مدن، لجأت لمعماريين كبار أو مسابقات وبالتالي أصبحت المباني علم للبلد كلها، زي مبنى زها حديد في باكو أذربيجان، وبومبيدو في باريس وجوجنهايم في بيلباو أسبانيا وأوبرا أوسلو في النرويج ومكتبة إسكندرية مصر، والمتحف الكبير في الجيزة مصر وغيرهم…

    ***
    مؤسسة لويس فويتون ترى حديقة التأقلم - باريس
    مؤسسة لويس فويتون ترى حديقة التأقلم – باريس

    جبت من المتحف قلم خشب عشان ينضم لأخواته الكتير اللي مجمعاهم من مختلف البلاد. وكتاب (بوب أب) تشرح المبني من بره ومن جوه. الكتاب ده بعتبره كنز حقيقي. كتاب مبسط عن المبنى والمعماري اللي مصممه، وإزاي بدأ مشواره وإزاي استوحى التصميم وإيه هي مراحل التصميم ومراحل البنا. كلها كتابات مختصرة ورسومات يدوية، وبعض صفحات الكتاب لما يتفتح تلاقي صفحاته ثلاثية الأبعاد بتوري مجسم للمبنى ومسقطه وقطاعه ومكانه وسط الشجر. نفسي نفسي نفسي أعمل كتب زي دي عن مبانينا الهامة في مصر. والكتاب دة أوحي لي بحاجات كتير جدا في تدريس مواد تاريخ ونظريات العمارة وكذلك في برنامج العمارة والأطفال – مصر. وجوايز المكعبات الذهبية اللي كنت بنظمها في بيت المعمار المصري وقت إدارتي له لمدة 10 سنوات متتالية.

    السفرية الأخيرة لباريس أتاحت ليا فرصة السنكحة اللي اتسنكحتها مع بابا قبلها بحوالي 30 سنة. لف على الأماكن، قعدة وساندوتش في حديقة لوكسومبور (جاردان دي لوكسومبور). تمشية في الحي اللاتيني والتسكع بين الفنانين والدكاكين وغدا باريسي أصيل أمام الكاتدرائية. زيارة كنيسة القلب المقدس وركوب الـ”الفيناكيولير” (زي عربة مترو بتطلع الجبل بالورب) ونزول على الدرجات الكثيرة وسط الخضرة كاشفة المدينة. ولكن أهم ما يميز باريس بالنسبة لي كان أكلة، في مطعم شكله متواضع في منطقة المونبارناس. اسم المطعم “لو بيتي جوزلان”، ويقع بشارع مونبرناس.

    ***

    الخشب أهم عناصر المكان، الفرش بسيط، والستاير بيضا بخيوط كروشيه زي من 100 سنة وزي شغل جدتي اللي مالي بيتي. لكن التحف والأعمال الفنية ماليين المكان في دواليب أو على بوفيهات أو أرفف. صوت موسيقى الأكورديون بتأكد الهوية السمعية الباريسية 100%. المكان مكتظ بالتحف. الإضاءة خافتة ونازلة من فوق في نجف واطي فوق الترابيزات. الأكلة اللي كلتها يا جماعة ما بيعرفش يعملها غير عيلتين، عيلة طبق زادة وعيلة سلطح بابا زادة وما بيدوش سره لحد أبدا على رأي بهيجة اسم الشخصية اللي قامت بيها الممثلة إحسان شريف في فيلم إشاعة حب. أنا أكلت كريب سوزيت يا ولاد!

    اقرأ أيضا:

    «شنطة سفر»: كريب سوزيت (1-2)

  • «شنطة سفر»: كريب سوزيت (1-2)

    «شنطة سفر»: كريب سوزيت (1-2)

    باريس بالنسبة لي طول عمري كانت المدينة الحلم. من سفريات بابا الدائمة للندن وباريس، من سحر اللغة الفرنسية وأنا بسمع أغاني داليدا وإنريكو ماسياس وكلود فرنسوا وجو داسان وأديِب بياف، من معرفتي إن كلية الفنون الجميلة اللي كنت بحلم أدخلها أصلها فرنساوي “البوزآر”، ومن حكايات وذكريات ماما عن باريس لما سافرت تدرس دبلومة الاعلام والسينما وقعدت في منطقة المونبارناس، ومن فيلم الصعود إلى الهاوية لمديحة كامل ومن فيلم قاهر الظلام لمحمود يس اللي بيحكي قصة حياة طه حسين.

    ومن كتاب «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» لرفاعة الطهطاوي اللي تعلمنا عنه في المدرسة، وقصة الثورة الفرنسية “حكاية مدينتين” لتشارلز ديكنز اللي درسناها في المدرسة برضه، ومن تاريخ انبهار الخديوي إسماعيل بباريس لدرجة محاولته أنه يجعل القاهرة الحديثة باريس الشرق، من مسلسل لنور الشريف كان دايما يوصفها فيه بـ”مدينة الجن والملائكة” ومن حكايات أنكل صلاح النجار عن باريس، وإني لازم أسافر أدرس هناك، وغيرها.

    باريس يعني الفن والثقافة والأناقة والقهوة باللبن والكرواسون وأفلام السينما الضلمة اللي فيها مطر وأصوات خطوات غامضة، أفلام ليها رؤى فلسفية خاصة. أو دة اللي كنت فاهماه زمان. وعشان كدة حضرت نفسي بمذاكرة اللغة الفرنسية في المركز الثقافي الفرنسي في مكانه القديم في شارع صبري أبو علم من ميدان الإسماعيلية في مصر الجديدة، ووصلت لمستوى يؤهلني للحياة والدراسة في البوزآر!

    ***

    وسافرت باريس لأول مرة مع بابا في شهر أغسطس سنة 1990، وكنت لسة قايمة من مرض الـ”صفرا” وكنت عايشة على العسل الأبيض. نجلا صاحبتي أدتني فلوس أجيب لنفسي هدية عيد ميلادي. وبابا أداني أول 100 دولار أمسكهم في إيدي عشان أحولهم فرنكات. أول حاجة اشتريتها من باريس كانت من المطار، برفان بالوما بيكاسو، وساعة ملونة كلها ورد، والمينا سودا مدورة وفيها نحلة. ودي كانت هدية نجلا.

    انبهرت من الأتوبيس اللي ركبناه من المطار، فيه سوستة بتخليه يلف وجزئية مقسومين زاوية قايمة. ووصلنا ميدان الأسد (بلاس دي ليون) عند البانسيون اللي كنا حنقيم فيه. وهناك إحنا اللي بنشيل شنطنا ونطلع بيها السلالم وننزل. وقتها كانت فانيسا بارادي عاملة قلق في فرنسا بأغنية “جو سواق التاكسي” اللي كانت طالعة بقالها سنتين وكانت بوسترات بارادي- اللي كان عمرها 18 سنة وقتها- في كل حتة في باريس.

    السفر مع بابا يعني صحيان 7صباحا ولف ومشي لحد ما نقع من طولنا ننام. كان وقتها بابا بيشتغل مع المرحوم الدكتور أحمد قدري -رئيس هيئة الآثار وقتها- في عمل سيناريو ومحتوى العرض المتحفي والمجسمات لعدد كبير من المتاحف. زرنا في السفرية دي معظم متاحف باريس. من متحف الإنسان واللي كان فيه نماذج معمارية كتير معظمها كلاسيك، للمتحف البحري ومتحف الفن الحديث لمتحف رودان وأشهر تماثيله “المفكر” واللي عندنا نسخة منه في متحف محمود خليل في الجيزة. لمتحف بيكاسو اللي فيه لوحات وتماثيل وكولاج. لمتحف اللوفر وما أدراك ما متحف اللوفر، واللي ما يكفيهوش أسبوع لو عايز تلفه كله نص نص.

    ***
    متحف اللوفر
    متحف اللوفر

    وقتها كان الهرم الزجاجي في منتصف فناء القصر لسه جديد. وعجبني جدا تصرف المعماري أنه يعمل الدخول ونقطة التوزيع من تحت الأرض. وكان فيه تحت معرض (أو معارض) من اللي حنشوفه فوق. وكان أهمهم وأكبرهم الجزء المصري القديم. اللي شدني في اللوفر كمان كانت الحاجات اللي ذاكرتها في تاريخ العمارة والفن. زي التماثيل والبوابات واللوحات للفنانين اللي ذاكرتهم في تاريخ الفن وعلى رأسها الموناليزا. وكان فيه قاعات صغيرة فيها مدرجات وحاجات بتتعرض على شاشة والأطفال وأهاليهم قاعدين يتفرجوا ويتناقشوا. وفهمت يومها وفي السفرية دي عامة يعني إيه تربية متحفية.

    عجبني جدا متحف أورسيه اللي كان أصلا محطة قطر وتم إعادة استخدامه مع الحفاظ على أهم عناصره المعمارية وروحه. وكل ما يضاف في المبنى يتوارى أو “يبروز” عمارته وملامحه. أجمل عنصر معماري في أورسيه هو الساعة الكبيرة. وأهم ما لفت نظري فيه من معروضات بعد أعمال الفنانين كان فيه نموذج لمدينة باريس بنمشي فوقيه بزجاج. وكان فيه نموذج قطاع أوبرا باريس– النموذجين دول كانوا إعجاز بالنسبة لي. الكافيتيريا فوق سطح أورسيه كاشفة لنهر السين والشجر الكثيف على جانبيه وكباري السيارات والمشاة اللي بتربط بين ضفتي المدينة. وكذلك الجزيرة المتوسطة اللي عليها كاتدرائية النوتردام. قلب المدينة.

    وكان فيه متحف جميل جدا ناحية غابة بولونيا كدة مش فاكرة اسمه، كان متحف تفاعلي وكانت أول مرة أشوف النوع دة من المتاحف. بيحكي برضه عن تاريخ الإنسان وتطوره. ولميت كمية كبيرة من ثمر شجر الصنوبر من الغابة عندي لحد دلوقتي. متحف الشمع من أجمل متاحف باريس، وبعدها بقيت بزور متاحف الشمع دايما وخاصة متاحف مدام توسو المنتشرة في معظم مدن أوروبا.

    ***

    ومن ضمن المتاحف والمراكز الثقافية كمان مركز بومبيدو (على اسم جورج بومبيدو رئيس فرنسا آخر الستينات وأوائل السبعينيات)، ودة له حكاية. كان عطا معماري ما بين 45 دولة قدموا 659 مشروع، ورسي على المعماريين رينزو بيانو وريتشارد روجرز أوائل السبعينات. وهو في منطقة مركزية في باريس (البوبور)، بالقرب من منطقة الأسواق القديمة (لي هال) ومبني المركز المحلي المدينة (بي آش في) زي البلدية كدة، ومحلات برينتوم.

    ناس كتيرة وقتها اعترضت على شكل المبنى الحداثي جدا، متوازي مستطيلات زجاجي شفاف وطالع منه مواسير ملونة لأنابيب التهوية والكهرباء والتكييف والمياه والسلالم الكهربائية عالواجهة، وأمامه ساحة كبيرة منحدرة ناحية الواجهة والمدخل. حاجة ضد كلاسيكية المنطقة تماما. كانت الفلسفة التصميمية هي أنه يبان وسط محيطه العمراني، زي عنصر جاي من الحاضر أو الواقع، يعمل مفاجأة أو صدمة. ويضم المركز أعمال لفنانين ومدارس القرن العشرين. ويقام به العديد من المعارض وتضم مكتبته أكتر من مليون كتاب ووثيقة. بالإضافة إلى قاعات تعليم اللغات والمكتبات السمع-بصرية ومركز الإبداع الصناعي وغيرها.

    أما الساحة المنحدرة أمامه، فقد أصبحت من أهم نقاط ملتقى باريسي للفنانين والموسيقيين والعازفين والكثير من العروض. وحولها كتير من الكافيتريات والمطاعم ومحلات التذكارات وخلفه مناطق لعب أطفال عند نافورة مائية كبيرة ذات ألوان باهرة ودنيا. نروح بقى نزور معهد العالم العربي للمعماري جان نوفِل على ضفاف نهر السين عند الحي اللاتيني ومكتبة فرانسوا ميتران (المكتبة الوطنية). المبنى اتفتح أواخر الثمانينيات، وفلسفته التصميمية أنه “حوار بين الثقافة الغربية والعالم العربي”. التكنولوجيا والعلم مع المفاهيم الأصيلة بتتمثل في المشربيات المعدنية على واجهته، بتفتح وتقفل حسب شدة الإضاءة.

    ***
    أوبرا باريس
    أوبرا باريس

    وانبهرت بمعهد العالم العربي بباريس واستعمال مفهوم المشربية من خلال تجريدها إلى وحدات زخرفية هندسية مستوحاة من الأطباق النجمية. وهي معدنية تعمل بالحساس حسب شدة الإضاءة. ومن ساعتها دخلت عالم المعماري جان نوفل وتعلمت كتير عن واجهات المباني مش مجرد سطح يتم إسقاط الفتحات عليه. بل هو “إنترفيس” أو مرحلة يحدث فيها تفاعل بين الخارج والداخل.

    ومن معالم باريس محطات المترو الآرنوفو فوق الأرض، وعالم المترو تحت الأرض. اندهاشي بما رأيته لأول مرة قتل أو خلينا نقول شكك فرحتي بمترو أنفاق القاهرة اللي كان لسه مفتوح عندنا بقاله سنتين. بوسترات الإعلانات، قيشاني المحطات، الشحاتين الموسيقيين اللي بيعزفوا أجمل المقطوعات الكلاسيكية. وممكن يكون منهم حد بيغني، وفاتحين علبة الكمانجا أو الجيتار عالأرض، أو برنيطة مقلوبة عشان نحط لهم فيهم فلوس. البياعين الأفارقة. خرائط المترو اللي بندوس على اسم المحطة تقوم تنور لك خطوط المترو بألوانها فتعرف تنزل فين وتركب خط إيه في اتجاه إيه.

    كنت راجعة مرة في مترو متأخر، ووقفني واحد سكران عالمحطة اللي كانت تقريبا فاضية. وكنت مرعوبة وعملت نفسي مش فاهمة كلامه، ولما زهق سألني “إسبانية؟”، هزيت رأسي بالنفي، سألني بحركات إيدين “منين” قلت “مصر”، فابتسم الرجل ورجع رأسه لورا وقال لي “ممم، تعرفي توت عنخ آمون بقى” ومشي وسابني. شكرا يا جدو توت، أنقذتني.

    ***

    ومما يميز باريس أيضا كافيترياتها العريقة. وكل كافيتريا ليها حكاية. كافيه دي لابيه (كافيتيريا السلام) مثلا اتفتحت من أكتر من 160 سنة (بالتحديد عام 1862م)، كجزء تابع لفندق “جراند دي لا بيه”. ضمن خطة هوسمان لتجديد باريس وقتها وبتبص على أوبرا جارنييه. واكتسب المكان شهرة دولية واسعة بسبب إقامة كتير من زوار باريس في الفندق أثناء المعرض الدولي المقام في باريس عام 1967. واللي كان من ضمنهم الخديوي إسماعيل اللي استعان بهوسمان بعدها لإنشاء ما نطلق عليه الآن القاهرة الخديوية. الأكل والحلويات في الكافيه فرنسية وباريسية تحديدا وبامتياز: شوربة البصل، القواقع والمحار، حلوى الإكلير والنابليون وجاناش الشيكولاتة. وعندنا في إسكندرية نسخة من الكافيتريا بنفس الاسم.

    ومن الأماكن اللي كانت على قائمة زياراتي كان ميدان الباستيل، بحثا عن أماكن رواية قصة مدينتين لتشارلز ديكنز اللي ذاكرناها في الإعدادية. الباستيل كان سجن من العصور الوسطى بيرمز للسلطة الحاكمة وسط باريس. وتم اقتحامه وكان سقوطه إشارة اندلاع الثورة الفرنسية 4 يوليو 1789 (ودة يوم إجازة هناك من ساعتها). ودلوقتي المكان دار أوبرا وحولوا الخندق الكبير اللي كان وراه إلى مرسى قوارب ترفيهية، ومنطقة كافيتيريات ومطاعم وخلافه.

    ***

    ومن أهم ذكرياتي من سفريتي الأولي مع بابا، هو شراء الكتب والكتب والمزيد من الكتب، وشيلها في شنط الظهر أو عالكتف. كعب داير، وفلوس الفسح خلصانة عالكتب، والفلوس اللي أصحابي مديينهالي أشتري لهم بيها حاجات بنشتري بيها كتب! تاني علامة فارقة في الرحلة كانت إني أروح المحلات اللي كان بابا بيشتري لي منها زي ناف ناف وأشتري حاجات حلوة ومختلفة معظمها محتفظة بيه لحد دولوقتي. وكذلك محل آني بلاط بتاع خيوط التريكو والبلوفرات المصنوعة يدويا. ومن السوبر ماركت نشتري لبن وعسل أبيض وخوخة (مندرينة) وموزة ورغيف باجيت وجبنة جروير وجبنة كامومبير. أما الكافيه أو ليه (القهوة باللبن) فلازم تتشرب عالقهوة. وأول ماكدونالدز دخلته كان فيه باريس والبنت الباريستا صلحت لي تأنيث السلطة إينِ سالاد مش آن سالاد. يادي الكسوف.

     اقرأ أيضا:

    «شنطة سفر»: الراهبة (2-2)

  • «شنطة سفر»: الراهبة (2-2)

    «شنطة سفر»: الراهبة (2-2)

    شارع الحمرا (وما حوله من وسط بيروت القديمة) بالنسبة لي منطقة تاريخية تنعكس عليها مشاهد الزمن الجميل وقدرت بعين خيالي أشوف احتفاء بيروت بمحمود درويش شاعرا للمقاومة. لسة فيه شوية شجر بيزينوا شارع الحمرا ولسة فيه حديقة رينيه معوض وشوية مقاعد للجلوس تُتيح لك تأمّل الشارع والمارّة وأنت مستريح عليها. وانتهاك شارع الحمرا في بيروت لم يشمل فقط مقاهي الرصيف على جانبيه، بل أصاب أكشاك بائعي الصحف والكتب، فتراجع نشاط الباعة ونهم القراء.

    ويقول أبونعيم الذي يبيع الصحف والكتب في الشارع منذ العام 1967 إن شارع الحمرا “سيبقى من أهم الشوارع مهما تغيرت أحواله”. وأنا شايفة كدة فعلا ومتأكدة إن اللبنانيين بكل حبهم للحياة ولتاريخهم حيرجعوه علم. في شارع الحمرا البياعين بيدلعونا جدا بدون ما يتلزقوا فينا وحتى لو قلنا لهم بنتفرج بس، ومحلات الأكل وخاصة الحلويات بيوزعوا علينا عشان نذوق وبيعاملونا حلو لما بيعرفوا إننا مصريين ودي حاجة بتفرق معايا جدا. وفيه شوية شحاتين شوام من اللي ظروفهم الصعبة اضطريتهم ينزحوا على بيروت. ومن أجمل ذكرياتي في شارع الحمرا سوق المنتجات البيتي السوري من صابون وزيت زيتون وحاجات حلوة كتيرة واتعرفت فيه على أصدقاء شوام ومحامي عراقي ولا زلنا نتواصل حتى اليوم.

    ***

    نسيب شارع الحمرا ونطلع عالروشة. ومنظر الروشة وكافيتيريات الروشة. المنظر فعلا ياخد العقل. المعاملة في الكافيتيريات زي الفل. مفيش حد أدني للطلبات، المقبلات غير عادية والأطباق كبيرة جدا وأطباق الفاكهة من الجنة والأسعار بالدولار والشيشة بثلاثين دولار. حتنقل لساحة الشهدا. ساحة الشهداء هي التي أعدم فيها الوالي العثماني رجالا وطنيين عرفوا بشهداء لبنان (عرفت قبلها المنطقة باسم  ببساتين فخر الدين).

    وفي القرن الثامن عشر رمّم أحمد باشا الجزار القصر وحوّله إلى برج لمراقبة سواحل البحر المتوسط تحسّبا لهجوم الأساطيل. وفي إحدى غارات الأسطول الروسي، جاءوا بمدافعهم إلى الساحة لدك البرج فسميت المنطقة بساحة المدفع ثم ساحة البرج وفي عام 1831م، دخلت قوات إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا إلى لبنان واتخذ من هذه الساحة معسكرا لجيوشه المصرية ورمم البرج القديم وسميت الساحة وقتها بساحة البرج.

    وخلال عام 1878م تم وضع مسلّة من الرخام بالساحة، وأضيفت منطقة للجلوس وقهوة وأُطلق على المكان اسم منتزه الحميديّة، نسبة إلى السلطان عبد الحميد الثاني. ودشن مبنى سمي بالسراي والذي استخدم كمركز للحكم العثماني. ومن هذه السراي أُعلن استقلال لبنان وخلال عام 1916، وأعدم جمال باشا، الذي عرف بالسفاح عدد 14 وطنيا لبنانيا وسوريا في الساحة إثر خسارة الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى متهمهم بالخيانة.

    ***

    وحين دخل الفرنسيين إلى بيروت، أنشأوا قوسا ليخلّدوا ذكرى الشهداء. وفي العام 1950م، أمر رياض الصلح بهدم السراي لتوسيع الساحة وإنشاء مناطق تجارية حديثة فأصبحت ساحة الشهداء قلب بيروت التجاري. وفي عام 1952 خصصت الحكومة جائزة دولية لوضع تصميم جديد لنصب الشهداء وتم اختيار تصميم المهندس سامي عبد الباقي وبعد أحداث 1958، كلّف مجلس مدينة بيروت البلدي النحات الإيطالي مارينو مازاكوراتي بنحت نصبا جديدا للشهداء. وتم تدشين النصب رسميا عام 1960. وخلال الحرب الأهلية الثانية بعد الاستقلال 1975-1990، أصبحت الساحة خط تماس بين المتصارعين لمدة 15 عاما مما حولها إلى منطقة دمار رهيبة.

    وبعد انتهاء الحرب في عام 1991م وإنشاء منطقة سوليدير كمشروع ضخم لإعادة إعمار وسط بيروت، أُعيد تأهيل وبناء الساحة بحسب مخططات حديثة وأنشئ مسجد محمد الأمين الضخم غربي الساحة ورمم نصب الشهداء وعادت الساحة قلب العاصمة بيروت من جديد. وأُقيمت فيها العديد من الاحتفالات والمهرجانات الثقافية والفنية التي جذبت ألوف من الجماهير. وفي عام 2005م، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أصبحت الساحة ملتقى الاستقلاليون الجدد وشاهدت حشود ضخمة سميت بالمليونية. وسميت الساحة بعدها بساحة الحرية. وبالميدان مبنى لازال يحمل طلقات مدافع الحرب.

    شوارع مغطاة في أسواق بيروت
    شوارع مغطاة في أسواق بيروت
    ***

    أما جامع الأمين فتأسس في القرن التاسع عشر كزاوية صوفية ثم جامع صغير حمل اسم (محمد الأمين) نسبة للرسول عليه الصلاة والسلام. وفي عام 2002م وضع رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري حجر أساس بناء الجامع الحالي على أنقاض المسجد القديم. والجامع طرازه عثماني وقبابه باللون الأزرق وله أربعة مآذن وبعض التفاصيل المعمارية على الطابع المملوكي. ويعتبر من أضخم مساجد لبنان وأفخمها ويتسع لنحو خمسة آلاف شخص. ومن أهم معالم المنطقة فندق سان جورج واللي أتمنى أشوفه يرجع زي الأفلام. أما منطقة السوليدير فهي مختصر اسم شركة التطوير وتعتمد على خلق العمود الفقري للمشاة. الذي يربط بين وسط المدينة الحالي وأسواق بيروت والكورنيش المفتوح للمشي والركض والعجل. وابتكرت سوليدير معالم ثقافية وترفيهية وتجارية. ومن أجمل المناطق اللي هناك خليج زيتونة واللي فيه مجموعة مطاعم وكوفي شوب ترضي كل الأذواق في جو جميل مقابل للبحر ومرسى اليخوت الفارهة. كان لازم أروح وأشوف وأعرف، بس دي ماكانتش بيروت اللي أنا جاية لها.

    ***

    تضمنت بيروت اللي كنت جاية لها حريصا والتليفريك أو مزار سيدة لبنان ويطل على خليج جونية. تمّ بناء الكنيسة وقاعدة التمثال سنة 1907 وتم تدشين تمثال العذراء 1908. المكان وجماله ونظافته والكنيسة اللي وراه والمعاملة الحلوة في كل حتة في لبنان. بس اللي وجع قلبي بشكل شخصي هو القيمة السياحية اللي البيروتيين بيعاملوا بيها معالمهم وهي مش آثار بالنسبة لعمرها مقارنة بما نملك في مصر – وجه في بالي تمثال العدرا فوق جبل الطير في المنيا. التليفريك مغامرة جميلة بنشوف منه أجزاء كبيرة من بيروت والجبال والخضرة والشجر والبيوت. وبنشوف الناس اللي بتقفز بالمظلات واللي بتركب منطاد وبنهبط في منطقة فيها مول ومطاعم ومواصلات.

    ومن معالم بيروت اللي كنت مبسوطة إني أشوفها كان مبنيين للمعمارية العراقية زها حديد وهما مبنى الجامعة الأمريكية اللي افتتح عام 2014 والمول اللي اتحرق سنة 2020. وببيروت تصميمات معمارية كثيرة جميلة ومن أوائل المباني اللي كانت ملهمة بالنسبة لي العمارة السكنية المسماة بـ”تراسات بيروت” أو “الاستوديوهات الخضراء”. أو مدرجات بيروت وهي قرية عمودية في وسط بيروت. تم تصميمه بواسطة شركة هرتزوج ودي ميرون. وفي بيروت بيهتموا في المباني الجديدة عامة بالتكنولوجيا.

    نصب "سيدة لبنان" في حريصا، مشرف على بيروت.
    نصب “سيدة لبنان” في حريصا، مشرف على بيروت.
    ***

    وما ينفعش نكون في لبنان وما نطلعش منطقة الأرز في الشمال. والأرز رمز لبنان وتاج علمه. وكلما صعد بنا الباص في الطرق الملتوية ازداد الهواء نقاء والجو انتعاشا وأصبح بالإمكان مشاهدة قمم البيوت الصغيرة المتناثرة المغطاة بالثلوج وعند القمة وقف الباص وبصيت لقيت حواليا مشهد غريب. أحلى كتير من اللي كنت بشوفه في السينما والصور. تحت خالص بحيرات صافية، وحواليها جبال خضرا، ويبدأ اللون الأبيض ينتشر لحد تحت رجليا. وفي مستوى النظر وعلى مدد الشوف شجر الأرز الجميل… وبعد ما اتمشينا، واتشقلبنا وعملنا ملائكة التلج، نزلنا شوية ولقينا كتير من الأكواخ لفنادق ومطاعم صغيرة ودكاكين التذكارات وعسل الأرز والمنتجات الجبلية المختلفة. والطريق دة كمان بيودي لمركز التزلج الذي يبلغ ارتفاعه أكتر من 2000م فوق السطح البحر، ومن بعده إلى البقاع.

    من الرحلات اللي بتنطلق من بيروت رحلة مغارة جعيتا إلى الشمال من بيروت. وهي أشهر مغارة فيها قاعات نحتتها الطبيعة وتسللت إليها المياه الكلسية ودة خلق تشكيلات نحتية رهيبة. وفيها المغارة العليا والمغارة السفلى وبها مسافات مشي على الأقدام وكذا تراس وبيتعمل فيها مهرجانات موسيقية. وفيه كمان منطقة الفرايا، برضه رحلة خارج بيروت بمسافة 50 كم. وفيها عدد كبير من مراكز التزلج مخصصة لمختلف المستويات تقع فاريا على الجهة الغربية لسلسة جبال لبنان الغربية. وترتفع عن سطح البحر حوالي الفين ونص م.

    ***

    وبالرغم من الثلج اللي زي السجادة إلا أن الشمس طالعة! المتزلّجين وراكبي ألواح التزلّج وهواة ركوب العربات الثلجية ومحبّي التزلّج العميق القادمين من مختلف أنحاء العالم. وفيه تلفريك يطلع الناس فوق وينزلوا زحلقة. ومن أعالي هذه الحلبة ومن الموضع المعروف بالمزار. يمكن للناظر أن يمتع الطرف بمشهد رائع يمتد من سهل البقاع وجبل الشيخ إلى منطقة اللقلوق والأرز. إلى جانب التزلج في فاريا، هناك رياضة الـ«راكيت» وال”هايكنج” وبيتنظم لها سيرا على الأقدام. فينتعلون أحذية خاصة مجهزة بأحزمة تربط بها القدم حتى لا يتعرض صاحبها لخطر الانزلاق على الثلج. ومحبو السرعة يمكنهم استئجار الـسكي دو. وإحنا فوق خالص، كنت قررت إني مش حتزحلق وحقعد أتأمل المنظر. وعشان اللبنانيين فرافيش آخر حاجة، لقيت شاب لبناني زي القمر جايب لي كرسي وبيقول لي “أرجيلة؟” قلت له “أفندم” قال لي “مصرية. يبقى شيشة تفاحتين وشاي بالنعنع “.

    المطبخ اللبناني يا جماعة! من أول ما أفتح عيني وأسمع كلمة ترويقة الفطور وعقلي يطير. وللمطبخ اللبناني شهرة عالمية وبخاصة مشوياته ومقبلاته “المزة”. وبالرغم من تأثر بطرق طهي من ثقافات مطبخية عبر العصور، عثماني وعربي وبحر متوسطي إلا أن اللبنانيين أضافوا “نفسهم”. والنفس دة ظاهر في البهارات الكثيرة والثوم وزيت الزيتون والخضروات والورقيات والبقليات واللبنة وأنواع الدبس. وينتشر العيران والجلاب والقهوة التركية والقهوة البيضا، والعرقي وبعض أنواع النبيذ والبيرة. تحتوي الأطباق على اللحم الضأن ولحم الماعز والدجاج. أما الحلويات فحكايتها حكاية، وبها المكسرات وخاصة الفستق الحلبي والصنوبر والمستكة والكثير من الحليب والقشطة وماء الزهر. ومن أشهرها ليالي والقشطلية والنمورة و الشعيبيات و حلاوة الشميسة. آه، والله ما يتشبعش منك أبدا يا بيروت يا ست الدنيا.

    اقرأ أيضا:

    «شنطة سفر»: الراهبة (1-2)

  • «شنطة سفر»: الراهبة (1-2)

    «شنطة سفر»: الراهبة (1-2)

    كنت مفتونة في طفولتي بمناظر لبنان في فيلم الراهبة 1965. منظر كافيتيريا والد هند رستم التي تعمل بها نادلة، الشوارع المنحدرة، التراسات الكاشفة للجبال والخضرة، أسماء الوجبات، أتوبيس الرحلات القديم، شلالات المياه وسط الغابة، شكل البيوت والكنائس. ومازالت الصورة الذهنية تترسم مع فيلم نار الشوق 1970 لصباح، واللي ظهرت فيه مناظر جميلة لعمارات بيروت السكنية على الكونتور (الطبوغرافيا)، وظهر فيه كمان مناظر الثلج في أغنية “سلموا لي على مصر”.

    وكذلك الخضرة والكافيتريات والدبكة في فيلم نغم في حياتي 1975، وأغنية “حبينا” ورقص ميرفت أمين. وفيلم زمان يا حب 1973 لفريد الأطرش وزبيدة ثروت وأغاني “فوق غصنك يا لمونة” و”لأكتب ع أوراق الشجر”، وفيلم دمي ودموعي وابتسامتي 1973 لنجلاء فتحي وفيلم أجمل أيام حياتي 1974 أيضا لنجلاء فتحي. رسخت الأفلام دي لصورة ذهنية مبهجة عن لبنان، براح وجو مشمس جميل وخضرة وطبوغرافيا وشوارع بيروت المنحدرة إلى البحر. والدبكة اللبناني والشباب اللي بيرقص على طول، وصحون الأكل المتنوع، والشعر الأسود، والشوارب الكثيفة، والأجسام الحلوة. وتلاهم مناظر الشوارع والمحلات والأزياء في فيلم الحب الكبير 1968 لفاتن حمامة وفريد الأطرش ويوسف وهبي. ثم محلات ومكتبات شارع الحمرا والعمارات السكنية والحدائق العامة في فيلم حبيبتي 1974 لفاتن حمامة ومحمود ياسين، وموسيقى الأخوين رحباني.

    كل دة مع أزياء السبعينيات، الياقات الكبيرة والبنطلونات الشارلستون والأحزمة العريضة والأحذية ذات البوز المربع والكعب التخين. ودوبل سيمي والبواريك والبيريه فوق الرأس والحواجب الرفيعة وظلال الجفون المبالغ فيها والإكسسوارات البلاستيكية الكبيرة. وأخيرا فيلم أبي فوق الشجرة 1969، ليضفي الجزء التاريخي ومشاهد المعابد مع أغنية عبد الحليم ونادية لطفي.

    ***

    ومن المعروف أن فترة ما بعد هزيمة يونيو 1967 تم تصوير كتير من الأفلام المصرية في لبنان لحد منتصف السبعينيات. واللي رسخت مشاهد ذهنية عن لبنان. وبخاصة بيروت زي أفلام شهيدة الحب الإلهي وفتاة شاذة وقلب في الظلام وأعظم طفل في العالم وسيدة الأقمار السوداء وذئاب لا تأكل اللحم وأين المفر والضياع وامرأة لكل الرجال وأبناء للبيع والرغبة والضياع وباي باي يا حلوة ومن أجل الحياة وغيرها. نضيف على الأفلام دي كلها دي أغاني سبعيناتي بعينها زي يا دادة يا ختيارة لطروب. وبيني وبينك يا هالليل لهدى، ودلوني على عيونه السود لجورجيت صايغ. وقومي نرقص يا صبية لسامي كلارك وقبلهم كلهم فيروز اكتملت كده الصورة الذهنية عن لبنان اللي ما كنتش أعرف منه غير العاصمة بيروت.

    وفي صيف 1982 كان مقتل بشير الجميل وتولي أخيه أمين الجميل الحكم خلفا له، وفهمت أن فيه حاجة أسمها حرب أهلية من سنة 1975 بين الطوائف المختلفة مسلمين سنة وشيعة ومسيحيين ومارون ودروز، وعرفت عن احتلال جنوب لبنان، ميليشيات وحزب الله حسن نصر الله، وغيره. وانقطعت الأخبار الفنية والمناظر اللبنانية الجميلة حتى لمعت ماجدة الرومي في ألبوم “خدني حبيبي ع الهنا” اللي كان طالع قبلها بعدة سنوات. وبعدها بشوية ذاعت أغاني راغب علامة ومن بعده نوال الزغبي ووائل كفوري وإليسا ونانسي عجرم و”كدهون”.

    ***

    ودخلت الفضائيات بيوتنا في التسعينيات. كنت بتفرج على عالم الصباح على تليفزيون المستقبل، وكنت معجبة جدا بمذيعات البرنامج الأربعة اللي زي الورد. الإيقاع سريع ومشوق، وأهم فقرة كانت فقرة المطبخ مع الشيف رمزي شويري مدير مدرسة الكفاءات. كانت فقرة هايلة، وكان بيرد عالمتصلين بمنتهي الرقي والشياكة. استمر البرنامج 17 سنة (اشتريت كتابه من معرض الكتاب أواخر التسعينيات، ومازال أهم مرجع طبخ في مكتبتي) وللأسف توفي العام الماضي 2023 بأزمة قلبية. وتوقفت أنا عن متابعة تليفزيون المستقبل من عام 2005 حزنا على اغتيال رفيق الحريري بانفجار في وسط بيروت.

    وجت لي سفرية لبنان كرحلة إجازة نصف السنة مع الجامعة التي أعمل بها في يناير 2018 مع مجموعة جميلة من الزملاء ومعيداتي الجميلات. نزلت أدور بعين خيالي على شارع الحمرا اللي شفته في الأفلام وقريت عنه. والحكايات حوالين الشارع كتيرة. بيقولوا إن الشارع ارتبط بعائلة الحمرا التي سكنته مطلع القرن الخامس عشر. وإنه بدأ كزقاق عرف باسم “زقاق الحمرا” في العام 1898. بعد أن كان اسمه “خندق ديبو” وسكنه مزارعون وصيادو أسماك، مكتسبا اسمه من عائلة الحمرا التي استوطنت المنطقة منذ مطلع القرن الخامس عشر. وأنه تأسيس الجامعة الأميركية عام 1866 رفع من وتيرة نموه.

    ***

    وبيقولوا إن سكان الحمرا كانوا قبل العام 1918 يهتمون بالأشجار ويعملون على اصطياد العصافير وبيعها كمصدر عيش لهم، إلى أن أصبحت المنطقة سوق بيروت وبيقولوا إن الشارع قبل الحرب الأهلية 1975-1990 كان نخبوي،”ذاكرة المدينة وخزانها وروحها”. وبيقولوا إنه اكتسب شهرته من مقاهيه التي كانت منتشرة على جانبيه وأعطته طابعه الخاص. بالإضافة إلى المكتبات والمسارح والسينمات والكازينوهات والبوتيكات. زي مقهى “هورس شو” 1959 كأول مقهى رصيف في الشارع وتحول إلى أهم ملتقى للمثقفين اللبنانيين والعرب على اختلاف مشاربهم وعقائدهم وأحلامهم. وسيدات المجتمع وأشهرهم سيّدة المسرح الأرستقراطي ومقدمة البرنامج الفكاهي إيفيت سرسق. وضم رواده العرب من كل الجنسيات يأتون إلى لبنان خصيصًا لزيارته، ليس مبالغة إن قلت إنّه كان أشهر مقهى في الشرق الأوسط.

    في هذا المقهى وفي هذا المكان ذكريات هائلة للحركة المسرحية والفنية والتشكيلية التي انطلقت في بيروت والتي كانت في أوّج ازدهارها آنذاك. كان يتردد إلى هنا أبرز الكتاب والمسرحيين كأنطوان منتهى وأديب منتهى وجلال خوري ومادونا غازي وروجي عساف وأنطوان كرباج. وهنا كان قلب الصحافة اللبنانية، حيث كانت جريدة (النهار) على بعد 200 متر من (الهورس شو). ولكن مطبخها التحريري كان يتّم بين (النهار) و(الهورس شو) التي كانت مقرّا يوميًا لغسان التويني، وبعض السياسيين العرب الذي حاكوا المؤامرات والانقلابات ضدّ بعض الأنظمة العربية. وهناك أيضا الكافييه دو باري مقهى الذي كان يرتاده الشعراء منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي وحتى تسعينياته. وكانت تنطلق منه القصائد وتعبر من المحيط إلى الخليج. وأقفل المقهى إلى غير رجعة بعد أن تحول إلى محل تجاري. وهناك وسينما سارولا (واللي تأسست سنة 1961 وأهملت خلال الحرب الأهلية وفتحت مرة أخرى سنة 2005 كمسرح المدينة).

    ***

    ومقهى “إكسبريس” و”مانهاتن” و”نيغرسكو” و”إلدورادو” و”ستراند” وأكشاك بائعي الصحف والكتب. وكان الشارع بيتا لمحمد الماغوط ومحمود درويش وعمر أبو ريشة وأنسي الحاج ومحمد الفيتوري ونزار قباني وبلند الحيدري وغيرهم المئات من الكتاب والشعراء والأدباء اللبنانيين والعرب. وفي رحاب شارع الحمرا احتفت بيروت بدرويش شاعرا للمقاومة. وفي الشارع مقاعد للجلوس تُتيح التأمل والكثير من الشجر. في شارع الحمرا كانت البداية، بداية الفنّ والمسرح والسينما والتلفزيون اللبناني، وعلى مقاهي الرصيف ومطاعمه كانت تحاك العلاقات الاجتماعية وتولد عناوين الصحف السياسية والفنية. الشارع نتاج للثقافات المتناقضة والأفكار السياسية.

    نزلت أتمشى وأدور على شارع الحمرا بتاع “بيروت أفلامي”. يبدأ الشارع من تقاطع شارع روما وينتهي عند تقاطع شارع السادات ويمتد على طول 1300م كان ومازال من أبرز الأماكن السياحية في بيروت. فعلا لقيت ملامح كتير من بيروت خيالي. لقيت مباني مودرن من منتصف القرن وعليها بواقي إعلانات قديمة بالأبيض وأسود أو الألوان الباهتة لماركات ساعات وملابس وصورة للصبوحة الشحرورة.

    ولقيت المكتبة اللي ظهرت في فيلمين فاتن حمامة. ولقيت بواقي سينمات ومسارح وكافيتريات وغيرها، زي سينما مونتريال اللي فتحت سنة 1978 مع فيلم “ولا عزاء للسيدات” وقفلت سنة 2009. والتياترو الكبير 1929 والأوتيل، بمحلاته وشققه، والمسرح بنفس مبنى البيضة نشأ سنة 1965 كجزء من أكبر مول بالشرق الأوسط اسمه “بيروت سيتي سنتر” واتدمر وقت الحرب الأهلية ورفضت كل المشاريع لإعادة تأهيله.

    ***

    سينما ستراند اللي كانت واحدة من 14 موجودين بشارع الحمرا بالستينيات. وكانت أول سينما تعرض فيلم عمر الشريف “دكتور جيفاغو”. أما سينما الحمرا فتأسست 1958 وكانت واجهتها كلها من الزجاج. وكانت سبب لازدهار شارع الحمرا. مسرح بيكاديللي 1965 صمّمه وبناه المهندسان اللبناني وليم صيدناوي. والفرنسي روجيه كاشار واستوحي اسمه من أحد مسارح لندن الشهيرة “بيكاديللي سكوير”. واعتبر أول صرح فني ثقافي في شارع الحمرا، وأحد أهم المسارح البيروتية وأضخمها.

    وكانت مساحة المسرح تزيد عن ألفي متر مربّع، كما تتسع القاعة لحوالي 800 شخص، تميّزت بمقاعدها المخملية الحمراء، وزيّنت جدرانه بصور لكبار الفنانين كفيروز، داليدا، شارل أزنافور، وعدد من الفرق الأوروبية والأميركية. وافتتحه وزير الداخلية آنذاك بيار الجميل بعروض” لفرقة أوبيرا فيينوار”. ومن أهم الفنانين اللي وقفوا عليه فيروز وداليدا. ومن أشهر ما عرض عليه أعمال فيروز والأخوين رحباني، حيث لعبوا على خشبة مسرحه عدة مسرحيات غنائية مثل: هالة والملك، الشخص، ويعيش يعيش، ناس من ورق، لولو، ميس الريم. وبتراو مدرسة المشاغبين والواد سيد الشغال وبودي جارد لعادل إمام وشارع محمد علي لشريهان. وبعد ما أغلق المسرح منتصف التسعينيات ظل بوصلة شارع الحمرا، “وصلني عالبيكاديللي” أو “بلاقيك بنزلة البيكاديللي”.

    ***

    وحكى لي اللبنانيين كمان عن مسرح شوشو (حسن علاء الدين)، الفنان ذو الهيئة المميزة بشاربيه الطويلين وقامته الرفيعة. كان منذ صغره يهوى الكوميديا والضحك. سجّل في رصيده حوالي 24 مسرحية، وأسّس مسرحًا يشبهه، فكان على هيئته؛ عفويًا، بسيطًا، نقديًا، كوميديًا، خلّاقًا، متفرّدًا في المضمون والنتاج، لا يشبه غيره. واللي غيّر نظرةَ عامّةِ الشّعب إلى المسرح، وجعله في متناول الجميع على امتداد أيام الأسبوع. جعل الناس روادًا دائمين، ينتظرون أداءه البسيط الذكي المضحك، من دون تصنّع وفبركة. زي مسرحية “اللعب على الحبلين”، “كافيار وعدس” لوجيه رضوان، “جوّه وبرّه” لموليير، و”الدنيا دولاب”، وغيرها الكثير، وصولًا إلى “آخ يا بلدنا”، التي مُنعت من العرض بعد عدّة عروض.

    وحكوا لي عالغراند تياترو (في وسط بيروت) أو “أوبرا بيروت” 1930 وتميّز بشكله الكلاسيكيّ، وأقفل أبوابه في الخمسينيات، وتحوَّل إلى صالة سينما لعرض الأفلام حتى بداية الحرب الأهلية اللبنانيَّة 1975. وبعد انتهاء الحرب الأهليّة، هدمت شركة سوليدير المبنى ما عدا صالة المسرح، الّتي لا تزال قائمة بدون ترميم. وكان فيه كمان مسرح أورلي في شارع بليس في السبعينيات، ولحد التسعينيات، أقفل المسرح أبوابه، واستمرت السينما في استقبال الرواد قبل إغلاقها في العام 1995.

    وفيه مسرح بيروت (افتتح سعيد سنّو وزوجته مسرح بيروت في الستينيات من القرن الماضي في منطقة عين المريسة. وكان من المسارح النشيطة والواعدة. ومن بين القلّة التي استمرَّ نشاطها خلال الحرب الأهلية اللبنانية. وقد اعتصم الفنانون اللبنانيون أمام وزارة الثقافة في بيروت أواخر العام 2011، احتجاجًا على إقفال المسرح، مطالبين بحماية الفضاءات الثقافية والفنية في لبنان، لكن من دون جدوى!

    اقرأ أيضا:

    «شنطة سفر»: إلياذة أنطاليا

  • «شنطة سفر»: إلياذة أنطاليا

    «شنطة سفر»: إلياذة أنطاليا

    حكاية السفر إلى أنطاليا حكاية غريبة ومغامرة من ضمن المغامرات. كان من المفترض أن تسافر ابنتي أمينة إلى مقدونيا مع فريق الباليه والرقص الحديث، وقبل ميعاد سفرها كنت في جنوب إفريقيا ومش عارفة أقدم على فيزا لمقدونيا مع إني كنت حاجزة تذاكر وإقامة وكل المصاريف كانت مدفوعة بالفعل. وفجأة ولأسباب خارجة عن سياق الحديث، تحولت السفرية إلى أنطاليا، للمشاركة في المسابقة والمهرجان الدولي للرقص والموسيقى والذي يقام في شوارع المدينة. وخسرت كل اللي دفعته، لكني قدرت أخذ فيزا تركيا أون لاين. كان أول سفر ليا على الطيران التركي، وكان الترانزيت في إسطنبول وكانت رحلة آخر بهدلة وسوء تنظيم وكمية أطفال وأولياء أمور لا حصر لهم. وكانت صديقتي ناتالي وبناتها مايا ولارا وصديقتي نرمين وبناتها مايا وتيا معانا في الرحلة. ودة اللي خلاها مغامرة جميلة.

    ***

    الرطوبة في أنطاليا لا توصف. تم تسكيننا في فندق متواضع جدا في منطقة شعبية ليست سياحية. رائحة الحجرات مكمكمة من شدة الرطوبة، ومفيش تكييف والأنوار في الحجرات والممرات تعمل بالحساس. يعني الدنيا ضلمة لحد ما يتعرف عليا الحساس. والفطار كان نوع جبنة بيضاء واحد وبوريك وشاى – فقط! مفيش حد في الفندق بيتكلم إنجليزي، فكان تطبيق ترجمة جوجل هو الحل. التمشية في المنطقة عرفتني شوية بشوية على الحياة المتوسطة في مدن تركيا وعلى الأتراك المتوسطين. وكنا بنقضي ساعات وساعات تنقل في أتوبيس واحد صغير، وكان العدد يحتاج أتوبيسين، علما بأن المسافات كانت قصيرة ممكن نمشيها على رجلينا (أنطاليا كلها فركة كعب). والأتوبيس كان بدون تكييف، والبنات كانت بتفرهد من الحر ومن التكدس. أتعذبنا جدا جدا بسبب سوء التنظيم ولا كان فيه اشتراك في المهرجان ولا غيره، وكان مضحوك علينا، وفي الآخر خلوا البنات ترقص في مدخل مول وسط المحلات واللي رايح واللي جاي. المهم إن البنات فرحت.

    لكن دة مش معناه إن الرحلة ماكانتش حلوة من حيث اللي شفته وتعلمته. فأنطاليا هي مدينة تركية “منتجعية” تضم ميناء قديمًا مليئًا باليخوت وشواطئ تحيط بها الفنادق الكبيرة. وبيعبروها بوابة منطقة جنوب البحر الأبيض المتوسط ​​في تركيا، وبيسموها الساحل الفيروزي لأن فعلا بحرها لونه تركواز. وأنطاليا فيها بلاجات وشلالات ومارينا يخوت بترجع للعصر الروماني والكثير من الآثار الرومانية. وهي معرض حي للثقافة التركية التقليدية.

    ***

    أول ما وصلت المنطقة القديمة واسمها “كاليتشي” أو كاليسي حسيت إني كنت هنا قبل كدة. حصل لي “ديجا فو”. أنا كنت هنا قبل كدة، أنا متأكدة. المدينة محاطة بأسوار حجرية وبوابات أشهرها أو ما تبقى منها بوابة هادريان. واللي اتبنت للترحيب بالإمبراطور ووراها حي تاريخي يضم أزقة ضيقة. وتمثل بوابة هادريان التي تعود إلى العصر الروماني محورًا رئيسيًا، وتحيط به مقاهي ومتاجر نابضة بالحياة والمحور دة بيوصل للمينا والمراسي، حيث المشهد الخلاب للقلعة والطابية وتحتها البحر والقوارب ومطاعم للمأكولات البحرية الطازجة. ومن آثار أنطاليا مدينة بيرج القديمة واللي بتضم أطلال واسعة النطاق، وفيها مسرح مدرج (أمفي ثياتر) وحمامات رومانية، ومنطقة تيرميسوس اللي كلها أطلال تاريخية مدمجة في وادي ذو مناظر خلابة، وتوفر مسارًا للمشي لمسافات طويلة بطول 9 كيلو مترات مع لافتات إرشادية بعدة لغات ومنحدرات ومناظر بانورامية وسط الزهور والنباتات والحياة البرية.

    وبرج هيديرليك، وهو برج حجري مستدير بناه الرومان في القرن الثاني الميلادي ويتميّز بإطلالات على الخليج من منصتة العلوية.وساعة كوليسي أو كاليسي أو كاليتشي وهي جسم حجري من القرن التاسع بقاعدة خماسية وبرج مزوّد بأربعة وجوه للساعة. وغير الآثار الرومانية والبيزنطية، أنطاليا كمان فيها آثار سلجوقية وعثمانية على طول الطرقات الضيقة وفي وسط الحدائق أو في أركان الشوارع والحدائق. المدينة القديمة كلها فنادق ومطاعم ومحلات لبيع الصور التذكارية وأخرى للحلويات والبهارات والتذكارات اليدوية الجميلة، كلها صنع في تركيا، وكلها رخيصة جدا وأحلى من بعض.

    برج أنطاليا
    برج أنطاليا
    ***

    في منطقة تشاناكالي، المناظر الطبيعية والجبال الخضرا بتضيع أي إحساس بالرطوبة العالية. ومن أجمل ما زرت هناك هي شلالاتها الجميلة “شلالات كورشونلو” (واللي برضه وصلناها بعد رحلة عناء في الأتوبيس إياه). والشلالات بندخلها من حديقة بتذاكر بسعر رمزي، موجودة وسط غابة الصنوبر جمالها لا يمكن وصفه ولا رسمه. والجميل في الموضوع هو رخص أسعار التذاكر في أي مكان بتذاكر – مش في أنطاليا بس، لكن في تركيا كلها. ودة بيتيح لكل المستويات والأعمار الاستمتاع بكل حتة في بلادهم.

    نرجع لشلالات كورشونلو والمنطقة الطبيعية اللي مالهاش أول لها من آخر. وتشمل الحديقة الطبيعية (أو الغابة) العديد من النباتات وأشجار الصفصاف والتين والغار والزان والخيزران والزعتر والزيتون بالإضافة إلى الحيوانات مثل السناجب والأرانب وطيور الهدهد والخفافيش ونقار الخشب وبها أيضا سلاحف مائية. الحديقة بها مناطق مشاة ومناطق شجر تنفع للجولات على الأقدام وللتسلق، وفيها مناطق مستوية بترابيزات مجانية لرواد المنطقة للشوي أو للفرش عالأرض للأسر زي القناطر عندنا زمان. وفيه كمان كافيتريات ومطاعم رخيصة وبدون حد أدنى للطلبات. آلاف الزوار والسياح من مختلف المستويات الاجتماعية كل مجموعة تنبسط بطريقتها وفي حالها.

    العجيب بالنسبة لي أنه بالرغم من كل الزحمة دي ما شوفتش ورقة عالأرض. ما شوفتش حد قام وساب وراه كيس ولا كباية ولا منديل ورق. وأحب أشير إلى نظافة الحمامات العامة واللي فيها حمامات بلدي. شرب المياه والوضوء من الحنفيات العامة/النوافير منتشرة في كل مكان. وتشتهر أنطاليا بشلالاتها، ففيه كمان منطقة شلالات “دودن”الليب تلتقي فيها المياه العذبة بالبحر، يا الله على جمال الطبيعة، واللي متصمم فيها مسارات مشي بدون تعدي. وفي منطقة دودن فيه جولات قوارب في البحر.

    ***

    أما بلاجات أنطاليا، فأهمها كونيالتي بلاجلاري (بلاج) شاطئ حصوي واسع يتميز بإطلالات خلابة وممشى نابض بالحياة تصطف على جانبيه مجموعة متنوعة من المطاعم وأماكن الموسيقى الحية، وفيه أماكن كثيرة لشراء أو لتأجير الأحذية المناسبة للمشي على الشاطئ.وبلاج ميرميرلي وهو شاطئ مزدحم في وسط المدينة، بنوصل له من درجات صخرية ويضم مجموعة متنوعة من المطاعم وجولات بالقوارب.وشاطئ أو بلاجإنجيرالتي، وهو مبني على عدة مصاطب ونظيف وأنيق جدا ومجهز بالكامل بأسرة للتشمس ودش وكبائن وبوفيه رخيص. وفيه كمان الأكوا لاند، اللي فيها التزحلق المائي ودولفين لاند موطن الدلافين وأسود البحر والحيتان البيضاء.الشواطئ كلها مجانية، وفيها كافة الخدمات وبيروحها كل أصناف البشر وكل الأديان والمذاهب وكل الأعمار. تلاقي فيها البيكيني وتلاقي فيها البوركيني. ولا حد بيبص ولا حد بيضايق حد، ولا صوت أغاني مهرجانات عالية ولا إتاوات كراسي وترابيزات.

    من أهم مزارات أنطاليا هو متحفها (متحف أنطاليا للأركيولوجي) اللي بيعرض قطع أثرية من عصور ما قبل التاريخ وحتى القرن التاسع عشر، ومنحوتات قديمة ومنسوجات ومخطوطات. المتحف تصميمه المعماري جميل جدا، وله وحديقة كبيرة جميلة وهادئة وله محل بيبيع تذكارات من مقتنيات المتحف بأسعار معقولة جدا. أول ما دخلت المتحف وسمعت الشرح في الجهاز بالسماعات حسيت إني في فيلم تروي (طروادة) وإني رجعت بالزمن كام قرن قبل الميلاد. وبالرغم من أن العلماء أثبتوا أن مدينة طروادة تقع في منطقة شمال غرب تركيا، بالقرب من مرمرة والدردنيل، وتقع أنطاليا في جنوب تركيا على البحر المتوسط، إلا إني فعلا حسيت إني هناك. حسيت فيه تشابه كبير.

    بوابة هادريانوس
    بوابة هادريانوس
    ***

    ولأنها بلد سياحية بالدرجة الأولي، فأهلها لطاف جدا في معاملة السياح وخاصة الأطفال والسيدات، وحصل لنا كذا موقف في المترو، نقص أو انتهاء صلاحية التذاكر مش فاكرة، وكانوا بيسمحوا لنا نركب عشان كنا مجموعة سيدات ومعانا بناتنا الصغيرين. وفي أسواق المدينة السكنية وبالرغم من ندرة أهل المدينة من المتحدثين بالإنجليزية، لكن التسهيلات الموجودة كانت بالنسبة لي مذهلة بالنسبة لأنطاليا “البلد” مش حتى أنطاليا السياحية. أعمدة الإشارات في بعض الشوارع فيها زرار نطلب منه تاكسي. التاكسيات ملتزمة بالدور والعداد حتى لو حيعدي بينا الشارع بس. المحلات البسيطة زي محلات الحلويات والمقلة بيعزموا علينا بكميات كبيرة، وأذكر مرة منها كيسين كبار مليانين خروب، وكذلك مرة تانية عالبلاج على عربية (مقلة) متنقلة فول سوداني وبطاطا وخلافه. وفي أنطاليا زي ما في كل تركيا، عربيات وبياعين مشروبات وأكل وفاكهة في كل حتة. كله نظيف فل وكله بأسعار في متناول الجميع.

    وفي أنطاليا “البلد” خضرة وحدائق كتير. استمتعنا جدا في حديقة كاراليوغلو، كلها مساحات خضراء منسقة وآخرها شرفة بانورامية توفر إطلالات على البحر وتليسكوبات نشوف منها أنطاليا بالكامل وفيها وأطلال برج حجري روماني. وفيه حديقة تينيفوس، ودي حديقة حلوة للأطفال والكبار، على طراز فلينتستون (شخصيات كرتونية من العصر الحجري) وفيها حبال تسلق (زيب لاين) وجولات بالقطار الصغير (الطفطف)، بالإضافة إلى الزحاليق والنطاطات. فيه كمان حديقة يليم وهي على قمة منحدر كله بأشجار النخيل وفيها مسار للدراجات وإطلالات على البحر، وفيها منطقة لتدريب الكلاب. جميع الحدائق دخولها بالمجان، وفي الحدائق ألعاب أطفال بالمجان، وأكشاك أكل ومرطبات زي الفل وبأسعار رخيصة جدا. معاملتنا كسياح ومعاملة الأطفال ودلعهم فوق الوصف. والكرم في الكميات وعرض الآيس كريم المستكة اللي بيمط ما بيروحش من بالي.

    ***

    وكل ما بفتكر زيارتي لأنطاليا بروادني إحساس إني كنت هنا قبل كده. فيه حاجة غريبة بتربطني بالمدينة دي وبتاريخها وعمارتها وقلعتها ومينائها وحدائها وتماثيلها زي الملحمة. كل شبر منها مليان حكايات. زي إلياذة هوميروس، مجموعة أحداث ومجموعة أبطال ومجموعة آثار مستخبية وقصص حرب وحب وكره وبطولة بين البشر والآلهة.ومازالت مدن هذه المنطقة على قائمة استكشافاتي القادمة إن شاء الله.

    اقرأ أيضا:

    «شنطة سفر» السوق الأخضر في بلجراد (3-3)

  • «شنطة سفر» السوق الأخضر في بلجراد (3-3)

    «شنطة سفر» السوق الأخضر في بلجراد (3-3)

    أثناء تسلق جبل وغابة أفالا، كانت المشاهد البانورامية تتراءى لي، وكل منظر أكثر روعة مما قبله. ينبوع مياه، ملاعب مفتوحة على أرض منبسطة، فنادق صغيرة (موتيل) مجرد عدة حجرات في مبنى بالخشب أو بالحجر وشرفات كبيرة كبيرة على الغابة المتدرجة. إلى أن وصلنا إلى منطقة معسكر التسلق، واسترحنا قليلا في الشمس. ثم استكملنا المسيرة حتى وصلنا لبرج أفالا، وهو برج “سياحي” بارتفاع 137مترا أقيم مكان برج التليفزيون الذي دمره حلف الناتو سنة 1999. وحين أعادوا بنائه للسياحة، أنشئوا بجانب قاعدته مجمع رياضي يضم مطعم ومعرض ومتجر للهدايا التذكارية وملاعب رياضية وصالة ألعاب رياضية في الهواء الطل.

    المنظر البانورامي من البرج لما تحتنا من غابة وقلعة، أوحى لي أن روحي ترفرف فوق الجنة، لتختار مكان مستقرها الأخير. أما الناحية الأخرى، فصفوف متراصة لمباني متوسطة القدم وبينها شجر باسق وفراغات بينية، تليها صفوف من الأبراج تحت الإنشاء! ومن ضمن ما يمارس في أعلى جبل أفالا هو ركوب الدراجات والجري الجبلي والتزلج شتاء. تحت البرج مجموعة من المقاهي التي تختبئ مقاعدها وسط الشجر، وتنتشر مناضدها حسب مستوى منسوب الأرض، وتطل على الغابة. تناولنا أحد الأطباق الصربية (رز أبيض وفاصوليا بيضا بالصلصة وسجق) واستكملنا المسيرة.

    ***

    هذا اليوم كان مختلفا جدا بالنسبة لي، بالرغم من أنه قد سبق لي وتسلقت جبال الأرز في لبنان، وسبق لي ومشيت وسط غابات في عدة مدن أوروبية وإفريقية، لكن الهواء اللطيف مع الشمس  الذهبية مع أشجار الفاكهة، مع روائح الزهور، مع مجموعات الطيور النادرة من حولي، مع الأشعة التي تتخلل الممرات الضيقة بين الأشجار كل عدة أمتار، مع هاتين السيدتين من سني أو أكبر بسنوات قليلة، فارعات الطول وبأجساد رياضية رشيقة وصحة جيدة بسبب الهواء النقي وبسبب نجاحهما في التحكم بإيقاع يومهن، مع الأحاديث اللطيفة التي دارت بيننا في همس- اليوم بكل المقاييس كان غير.

    نظافة الهواء كانت غريبة على رئتي الملوثة، كنت أشعر وكأن أحدهم قد وضع (ماسك أوكسيجين) على أنفي، أو بأنني نصف مخدرة، اللون الأخضر “الزرعي” كيفما نصفه. أخضر بس. مع مباني متناثرة كل بضعة مئات الأمتار آيات في البساطة والشياكة. عرفت أن كل مبنى منهم دول وراءه حكاية، وأن معظمهم تم ترميمه، وما هدم منهم أو حرق تمت إعادة بنائه في نفس الموقع وعلى نفس الهيئة وصار ضمن المحمية. أحد المعسكرات أصبح نصب ثقافي مستقل. يوم جديد وجو جميل يستدعي الاستمتاع به في مكان مختلف: زيمون، قرية نهر الدانوب التي احتلت مكان في وجداني منذ أن زرتها مرتان ليلا عام 2015 والتي كانت بلدة منفصلة انضمت إلى بلجراد وقت تطورها العمراني عام 1934.

    ***

    قابلتنا سلتفانا صديقة ميريانا ومتخصصة التراث، وبدأنا بالسوق الأخضر. سوق كبير مفتوح كل ما يباع فيه عضوي. من نباتات الزينة إلى شتلات زراعية إلى الخضر والفاكهة والصناعات الغذائية المرتبطة. في هذا السوق رأيت أكبر ثمرات من جميع الخضروات والفاكهة، وكأني فتحت صفحات من كتاب جينس، وبينما أنا مندهشة من الأحجام التي أراها، استرجعت روائح أخذتني إلى سنوات السبعينيات، حينما كانت أمي تعود من السوق وتبدأ في غسيل الخضر، فتفوح رائحتها في البيت ونتسابق بأكلها نية.

    اشتريت عدة ثمرات ومنها ثمرة قتة وثمرة طماطم يتعدى وزن كل منهما ثلاثة أرباع كيلو. وقمت بتصوير هذه الأعاجيب وسط ذهول صديقتاي. ترجلنا في “ممشى ومنتزه أهل زيمون” المفتوح على نهر الدانوب بأشجاره ومقاعده وتماثيله ونوافيره الصالحة للشرب، وحولنا الحمام، وفي النهر مجموعات البط والبجع، وفي الجهة المقابلة من النهر غابات من الأشجار تتناثر بينها مبان صغيرة كل حين ومين.

    وبمنتهى “الروقان” أخذتني صديقتاي إلى “القهوة بتاعتهم”، والتي يأتون إليها على الأقل مرة في الأسبوع “عشان يأخدوا قعدتهم”. وأهدتني سلتفانا كتابا عن توثيق المباني التراثية في زيمون، بالصور والاسكتشات وحكايات المنشأ والطرز. ومثل سابقه، الكتاب بالصربي والإنجليزي. وبالرغم من أن سلتفانا لا تتكلم الإنجليزية بطلاقة، إلا أن الحديث عن معوقات وتحديات الحفاظ على التراث كان هو السائد.

    ***

    الصراع بين قيمة التراث وطوفان التطوير الاستثماري في بلجراد على أشده! بعدها، تسلقنا ميريانا وأنا جبل زيمون إلى الكنيسة وما حولها… ثم ذهبنا إلى مطعم له تراس بانورامي يكشف الجبل الأخضر من تحتنا، والبحيرة وعدة مراكب و “بطبطة” البط والجهة المقابلة بأشجارها اللامتناهية مع خلفية من السماء الزرقاء الصافية. منظر لا يبرح مخيلتي. وكان ضمن برنامجي التسكع في منطقة سكادارليا (أو الحي البوهيمي) على غرار مونمارتر في باريس، والتي تقع في ستاري جراد (المدينة القديمة) والتي حافظت نسبيا على ملامح عمرانها القديم ومبانيها. وقد عاش فيها الشعراء والكتاب الفقراء من صربيا ومن مناطق يوغوسلافيا والبلقان. كانت المنازل في الشارع صغيرة، بجدرانها مغطاة بالطين وأسقفها مغطاة بالبلاط المسطح (تشيراميدا).

    برج أفالا
    برج أفالا

    وكانت المنازل تحتوي على ساحات صغيرة بها حدائق وصنابير مياه وأسوار خشبية (طربة). فقط المنازل العرضية بها شرفة. وبحلول ثلاثينيات القرن العشرين، تم هدم عدد أقل من المنازل وتم بناء المباني الجديدة بدلاً من ذلك. وكان الشارع نفسه مرصوفًا بالحصى الخشن والكوبالت. وتقول الأسطورة إن فكرة تحويل الشارع إلى ما هو عليه اليوم جاءت في عام 1957 خلال مسابقة شرب البيرة بين الشاعر ليبيرو ماركوني [الأب] والكاتب والفنان زوكو دومهور في “تريسيسيرا”. والمنطقة بأكملها محمية بموجب القانون باعتبارها وحدة مكانية ثقافية وتاريخية منذ عام 1967 وفقًا للتصميمات التي قدمتها مجموعة من الفنانين البارزين. لقد تمكنوا من الحفاظ على قيمه الحالية وإدخال المرافق الحديثة دون التدخل في معالمه التاريخية.

    ***

    المنطقة حالياً هي ثاني أكثر مناطق الجذب السياحي في بلجراد بعد كاليمجدان، وتساهم في ثلث دخل المدينة من العملات الأجنبية. سكادارسكا – القصبة الرئيسية شارع قصير ومنحني وغير مستوى وأرضيته من الكوبالت. فيه المطاعم والفنادق المعروفة والمعارض الفنية ومحلات التحف والتذكارات وفي نهايته نافورة نصف دائرية حجرية مزخرفة سيبيلج (سبيل). وكثير من واجهات المباني في المنطقة مرسومة وملونة يدويا. كل مبنى مختلف عما يجاوره، لكنهم متوحدون باللوحات التشكيلية الكبيرة على واجهاتهم، كل كافيتيريا ومطعم جديرين بالفرجة والاستمتاع.

    وتقام بالمنطقة من سلسلة من الاحتفالات والمهرجانات على مدار العام: عيد القديس نيكولاس الصيفي، مهرجان سكادارليا، مهرجان الزهور، مهرجان القبعة، مهرجان تامبوريكا، مسابقات ملكات الجمال، مهرجان طبخ الأطفال، معارض تذوق النبيذ، وأمسيات الرسم والشعر، والعروض المسرحية، وسباق الحلزون لاختيار أبطأ راكب دراجة، وعروض الرقص على الرقصات القديمة، وغيرها. وفي نهاية الشارع، عبر شارع دوسانوفا، يوجد سوق مفتوح للمزارعين، يسمى رسميًا سوق سكادارليا. وفي سكادارليا، تعرفت على أحد العاملين بإحدى الكافيتريات واسمه آدم، والذي رشح لي أحد الأطباق الصربية التقليدية من الباذنجان والكوسة. وما زلنا نتواصل ونتبادل التهاني في الأعياد والمناسبات حتى اليوم.

    ***

    من ضمن مجموعة صديقاتي الصربيات مارتا الأستاذة في جامعة نيكولا تسله، والتي تعرفت عليها من خلال برنامج عمل العمارة والأطفال بالاتحاد الدولي للمعماريين. اتصلت بها لنتقابل ولكي أعرفها على ميريانا. وبالطبع كان مكان اللقاء هو ميدان الجمهورية عند الحصان، لكن بدلا من أن نقصد “القهوة بتاعتنا” ذهبنا لشرب قهوة تركي في قهوة اسمها “قهوة”، وأكلنا أحلى آيس كريم توت في محل الآيس كريم الأشهر هناك بلاك شيب (الخروف الأسود) وأهدتني مارتا كتاب عن قصص وحكايات من شوارع بلجراد.

    وليلة السفر، وبعد أن ودعنا بعض ميريانا وأنا، أمضيت بعض الوقت في ميدان الجمهورية وكانوا يبنون فيه مسرح منذ الصباح. بدأ العرض الساعة 8م، واتضح أنه يوم رياضة الملاكمة العالمي، عروض حية وأنوار وشاشات تعرض فيديوهات لناس من مختلف الأعمار والأجناس استجابوا لهاشتاج تحدي ممارسات الملاكمة في كل مكان. وبينما أنا واقفة أشاهد العرض، تقدم مني رجل شيك بنظارة، وعرض عليا يعزمني على قهوة، شكرته ورحت ركبت الترام الدائري الذي يدور بالمدينة كلها، في وداع للمدينة الخضراء ذات الكونتورات طالع نازل. الرحلة كانت ثرية جدا وممتلئة بالتفاصيل.

    ***

    أستطيع اليوم التأكيد على أنني تعلقت ببلجراد وأهلها. تعلقت بالحدائق الموجودة في كل مكان. والنوافير والتماثيل والكلاب والأطفال والترام. تعلقت بمكتب البريد الذي حجزت منه ميعاد المسحة الطبية، تعلقت بالطريق إلى المستشفى الحكومي والصعود والهبوط وعبور الحدائق ومشاهدة مناطق لعب الأطفال المفتوحة والحمام والناس فوق المقاعد الخشبية يجلسون بلا هدف واضح إلا الاستمتاع بمدينتهم. تعلقت بالاستديو والحديقة ومبنى الجامعة. أصبحت لي أماكن وطقوس في بلجراد.

    تعلمت حاجات كثيرة من ميريانا، ومن أهمها ألا أتعجل أبدا، على أي شيء، بداية من قهوة الصباح. فكانت كل يوم الصبح تتصل بي لتوقظني، وتقول لي “افطري بس ما تشربيش قهوة، عشان لما حنتقابل حنروح نشرب قهوة مع بعض في الحتة الفلانية”. وأنا استغرب، لسة حنتقابل، وبعدين حنمشي مش أقل من نص ساعة أو حنركب ترام أو أتوبيس، عشان نروح حتة نشرب قهوة؟! وكانت دائما تؤكد لي أن الموضوع مستاهل. وإني “لازم أخد وقتي” وأتمهل في القيام بكل شيء خاصة إذا كانت “حاجة بحبها” مثل القهوة، فاحتسائها مزاج، وبالفعل تستحق الانتظار.

    اقرأ أيضا:

    «شنطة سفر»: القهوة تستحق الانتظار (1-3)

    «شنطة سفر»: ممشى أهل صربيا (2-3)

  • «شنطة سفر»: ممشى أهل صربيا (2-3)

    «شنطة سفر»: ممشى أهل صربيا (2-3)

    صيف 2021: تحضر ابنتي أوراقها للسفر والاشتراك في ورشة باليه ببلجراد. ورفضت أمينة تماما أن أسافر معها (ومعاها حق). فوعدتها أنها لن تراني هناك إلا لو أرادت. وخططت لنفسي هذه المرة كيف أريد أن “أعيش” بلجراد. وكان لابد أن “أذاكر” المدينة التي تعتبر أكبر مدينة في صربيا وتقع عند التقاء نهري سافا والدانوب ومفترق طرق سهل بانونيا وشبه جزيرة البلقان. عدد سكانها أقل من 2 مليون وهي ثالث أكبر المدن على نهر الدانوب. واحدة من أقدم المدن المأهولة في أوروبا والعالم وواحدة من أهم ثقافات ما قبل التاريخ في أوروبا.

    غزاها الرومان وأصبحت مدينة رومانية في القرن الثاني. وتناوبت عليها الإمبراطوريات إلى أن غزاها العثمانيون في القرن السادس عشر. انتصرت المقاومة أول القرن التاسع عشر، وبعدها انضمت الأراضي النمساوية المجرية السابقة وأصبحت جزءًا من المملكة الجديدة من الصرب والكروات والسلوفينيين بعد الحرب العالمية الأولى، وصارت بلجراد عاصمة يوغوسلافيا منذ تأسيسها عام 1918، وحتى تفككها عام 2006.

    و”جوجل بيقول” إن بسبب موقعها الاستراتيجي خاضت المدينة معارك 115 حربًا ودمرت 44 مرة، وتعرضت للقصف والحصار مرات ومرات ومرات. استقبلتني ميريانا في المطار، نفس مكان الإقامة (نفس رقم الحجرة/الاستديو)، نفس الحديقة، نفس المحلات نفس المترو، نفس الترام أبو سنجة، نفس أسعار القهوة، نفس أسعار الفاكهة والزبادي في السوبر ماركت، نفس الكافيتريات نفس المكتبات، ولا كأن السنين عدت. الجديد بالنسبة لي فقط كان الكافيتريا والمطعم أسفل المبنى، أنزل يوميا أقعد في مكان يطل على الحديقة وأطلب قهوة، يرفض الرجل المسؤول، ويحضر لي إفطار من ترشيحه وإعداده، وبعد الفطار يعزمني عالقهوة. وبالرغم من أن بوجدان لم يكن يتحدث الإنجليزية، لكن من خلال لغة الإشارة وأحيانا جوجل أصبحنا أصدقاء، وسمعني أغاني مطربه المفضل توز برويسكيمن مقدونيا.

    ***

    وابتدت مغامرتي في بلجراد من أول يوم: القلعة. قلعة بلجراد تتكون من القلعة القديمة ومنتزه كاليمجدان عند التقاء نهري سافا والدانوب، وتشكل المركز التاريخي للمدينة وهي أثر ثقافي ذو أهمية استثنائية وأكثر مناطق الجذب السياحي زيارة في بلجراد، الدخول مجاني وإجمالي عدد الزوار يزيد عن مليوني زائر سنويًا. بها البوابات والأبراج (وواضح إن كان فيه خندق مائي لأننا نعبر من الحدائق إلى البوابات على كباري، وفيه جزء كبير محفور حول القلعة، تم استغلالها مناطق لعب أطفال ومتاحف مفتوحة…. بالحدائق العديد من التماثيل النصفية لأشخاص مهمين من التاريخ والعلوم والفنون، ومجموعة من الحفريات والآثار المعروضة والنصب التذكارية الموضوعة بمنتهى العناية ومراعي أين توضع وكيف تري من بعيد. وتوجد عدة كافيتيريات ومطاعم وبعض الملاعب الرياضية ونوافير وحنفيات (نوافير للشرب)، وكنيستين ومتحفين، وقبة سماوية، وملاهي وحديقة حيوان ومعرض وضريح أحد الحكام الأتراك.

    دخلنا عبر مناطق لعب الأطفال (الأحبال المنزلقة) ومعرض ديناصورات تفاعلي بالحجم الطبيعي، بعض العاملين يرتدون الأزياء الوطنية وملابس العصور الوسطى لمن أراد التصوير. وتنتشر عربات أكل ولعب أطفال وإكسسوارات رخيصة. توجهنا إلى كافيتريا مرتفعة تكشف بلجراد وتطل على التقاء النهرين في بانوراما رائعة. تمشينا كثيرا وسط الناس وشرحت لي ميريانا حكاية التماثيل أو النصب التذكارية الخاصة بتخليد المحاربين، وضحكنا على تمثال الصداقة الفرنسية بالرغم من أن الوضع السياسي القائم منذ 1999 عكس مفهوم التمثال تماما، ففرنسا ضمن حلف الناتو الذي قام بضرب بلجراد وقت تفكك يوغوسلافيا.

    ***
    بقايا أسوار مدينة سينگيدونوم الرومانية الكلتيّة
    بقايا أسوار مدينة سينگيدونوم الرومانية الكلتيّة

    لم تلتقط أذني أي موسيقى مرتفعة أو ضجيج مع أن أعداد الناس غفيرة ما بين الضحك واللعب والأغاني والكثير من الكلاب، مع وجود البائعين والأكشاك. وبالرغم من أن بعض الأسر تفترش الزرع إلا أنني لم أر قذارة بالمرة. لا أدعي أن الدنيا نظيفة نظافة مترو موسكو مثلا، لكنها بالفعل ليست قذرة على الإطلاق. كنت قد لاحظت على البعد بعض المباني تحت الإنشاء على المصاطب الكونتورية المطلة على التقاء النهرين، وسألت ميريانا فقالت لي إن هناك مجموعة من المستثمرين الجدد متصلين بمتخذي القرار!

    بالليل ذهبنا إلى الكورنيش الجديد (ممشى أهل صربيا). ولفت نظري مراعاة اعتبارات عمرانية كثيرة جدا من التي ندرسها لطلاب نـظريات التصميم العمراني، من ضمنها شرط الاستمتاع بالنهر ورؤيته من كل الزوايا! الكافيتريات مرتدة إلى الوراء، وخامات تشطيب الممشى في منتهى الجمال.

    أخدتني ميريانا أولا إلى منطقة قديمة كانت مخازن، و”اتطورت” وأصبحت مكان أكثر من رائع بكافيتريات ومطاعم في منتهى البساطة والذوق الرفيع وبينها فراغات بينية، ومماشي عريضة تستطيع الجماهير أن تتمشى وتقعد، أو تركب دراجات أو سكوتر، بأنوار خافتة وأصداء موسيقى خافتة في خلفية المكان/المشهد… أما المنطقة اللي أنشئت من عدم، فكافيترياتها ومناطق لعب الأطفال ومناطق الجلوس تصميماتها أكثر تعقيدا ورفاهية، لكنها ما زالت بدون أي بهرجة. ومع انحناءة مجرى النهر وجدت مبنى كبير حديث شاهق الارتفاع.

    ***

    وعلى مدد الشوف بدت لي مباني مرتفعة أخرى لم أرها في زيارتي السابقة، وعلمت بوجود استثمار إماراتي يضخ في تطوير منطقة واجهة النهر في بلجراد وان الموضوع شائك ومثير للجدل بين العمرانيين المنقسمين حول مفهوم وممارسات “التطوير”!!! مباني وناطحات سحاب تشبه دبي! ومنهم برج متميز جدا اسمه برج بلجراد تصفه الإعلانات بأنه “سيكون رمزًا جديدًا للعاصمة الصربية” وسيتم ربطه بالمدينة القديمة من خلال ساحة عامة (وليس بكوبري).

    وتذكرت حين جئت إلى نفس المكان من ست سنوات وأخذتني ميريانا لمبنى حكومي به نموذج للحي بأكمله، وموقعا عليه نموذج لمبنى جديد، يذهب الناس للإدلاء بآرائهم ويمارسون حقوقهم العمرانية بديمقراطية، فماذا صنعت الاستثمارات الإماراتية بكي يا بلجراد؟؟؟ إحدى المستويات على النهر ويشبه المسرح المكشوف (مسرح النهر)، موسيقى ورقص وقفنا نتفرج عليهم، رجال وسيدات وأولاد وبنات يرقصون جماعيا أو زوجيا، نزلنا شاركناهم لبعض الوقت (لا ممنوع ولا بتذاكر ولا فيه حد أدنى للطلبات). ثم ذهبنا لتناول أحلى آيس كريم شربات ليمون ذقته في حياتي في بودا بار وروحنا بالترام.

    اليوم التالي كان على بلاج جزيرة وبحيرة آدا، وهي من أهم مناطق الاستجمام في المدينة، 8 كم من الشواطئ المخلقة لأهل بلجراد اللذين لا يستطيعون السفر إلى الشواطئ، أو لمجرد قضاء عطلة نهاية الأسبوع. الشاطئ عام ومجاني. “افرد بشكيرك عالرملة”، و”دقوا الشماسي”، أو أقعد على أي كرسي بحر. ويمكن طلب أي مشروبات أو مأكولات من الكافيتيريا أو المطعم، بدون حد أدنى، حتى لو كانت “كباية مياه من الحنفية”. الكلاب إلى جوار ذويها بدون لجام، مع الكثير من المرافق الرياضية والحمامات النظيفة، تجذب العديد من الزوار خاصة في فصل الصيف. والغداء في المطاعم الكثيرة وبأسعار في متناول الكل. بالإضافة إلى أكشاك صغيرة لبيع الفاكهة والعصائر والحلوى وألعاب وملابس البحر مثل أي شاطئ مصري عام قديما.

    ***
    المحكمة القديمة في بلجراد
    المحكمة القديمة في بلجراد

    كنت في منتهى السعادة وأنا وسط عائلات تستمتع بيوم إجازتها، كل عيلة حسب مقدرتها المادية. وأفقت لحقيقة أنني لم أقض يوما في مثل هذا الجو ولم أشعر بذلك الشعور في مصر منذ أواخر الثمانينيات أو أوائل التسعينيات سواء في المعمورة أو العجمي أو مرسى مطروح أو حتى رأس البر. واكتشفت أن البلاج العام الوحيد الذي استمعت فيه آخر 35 سنة مثلا كان في إيطاليا، ولكن هذه حكاية أخرى. على امتداد البلاج كان هناك مسرح عالبحيرة وأناس يتدربون على الرقص. وعدة ميادين مزدانة بالتماثيل، والعديد من الرياضات المائية.

    اليوم التالي كان في الجبل، أخذتنا إحدى صديقات ميريانا بسيارتها الجاجوار إلى الجبل لنتسلقه. جبل أفالافي جنوب شرق بلجراد. يبلغ ارتفاعه أكتر من 500 متر عن سطح البحر وهو محمية طبيعية منذ أكثر من 150 سنة، وفيه أنواع من النباتات محمية كنوادر طبيعية ومنها النباتات الطبية ومنها الأخشاب. وفيه أنواع كثيرة كذلك من الطيور. أخذنا في التسلق وسط غابات الشجر بقيادة الصديقة “المتسلقة” أبا عن جدا، وأبوها كان دليل. أول نقطة توقف كانت لزيارة نصب الجندي المجهول فوق الجبل، لتخليد ذكرى ضحايا حروب البلقان والجنود الصرب الذين ماتوا في الحرب العالمية الأولى.

    بعد سلالم حجرية سوداء كثيرة كثيرة كثيرة، يشبه النصب معبد إغريقي قديم تحمل سقفه أربع سيدات، كل واحدة من منطقة تاريخية مختلفة من يوغوسلافيا. كما يوجد بالجبل نصب تذكاري لقدامى المحاربين السوفييت اللي لقي مصرعه في طريقه للاحتفال بالذكرى العشرين لتحرير بلجراد من الألمان في الحرب العالمية الثانية. ثالث نصب تذكاري لفت نظري في الجبل هو لأحد قادة المقاومة الصربية ضد العثمانيين من أوائل القرن التاسع عشر ومحرر بلجراد، وهو بالقرب من معسكر متسلقي الجبل. واللافت للنظر في هذا التمثال أن هيئة الرجل من حيث ملابسه وحذائه وأسلحته وشنبه المبروم “اللي يقف عليه الصقر” بدت لي عثمانية بامتياز!

    اقرأ أيضا:

    «شنطة سفر»: القهوة تستحق الانتظار (1-3)

  • «شنطة سفر»: القهوة تستحق الانتظار (1-3)

    «شنطة سفر»: القهوة تستحق الانتظار (1-3)

    تعرفت على ميريانا ديفيت حينما خاطبتني عام 2002 بخصوص مقالتي عن مكتبة الإسكندرية في مجلة العمارة، الصادرة عن مدينة دبي الإعلامية، والتي كانت محررتها الهندية تبحث عمن يكتب لها المقال الرئيسي بالمجان بمناسبة افتتاح المكتبة، مقابل وضع الاسم والصورة والسيرة الذاتية الملخصة والحصول على مجموعة أعداد مجانا.

    رفض من تواصلت معهم المحررة من المعماريين/الأكاديميين أن يكتبوا المقال بالمجان، وأنا قبلت. وبعدها قمت بكتابة عدة مقالات في هذه المجلة وغيرها وأصبحت “سونا” من وقتها صديقتي (وهذه حكاية أخرى). وفي هذا الوقت، كانت ثقافتنا عن الصرب مازالت متأثرة بالحرب بينهم وبين البوسنة والهرسك.

    ***

    ميريانا -دكتورة في قسم العمارة، كلية الهندسة جامعة بلجراد، كانت تريد تحويل مقالي إلى كتاب إلكتروني، لتدريسه في مقرر ثقافة التواصل الإلكتروني التي تقوم بتدريسه، وطلبت أن تستضيفني في هذا الكورس (عن بعد). وبعد عامان، كان مؤتمر الاتحاد الدولي للمعماريين في مكتبة الإسكندرية، اشتركت فيه ميريانا وتقابلنا، ووجدتها رقيقة ودمها خفيف. وكانت محتفظة في جيب بدلتها بعقد لولي وحلق وأشياء أخرى وفق نصيحتي لها، عندما سألتني قبل مجيئها عن الجو في إسكندرية، و”نلبس ايه؟”، كان ردي بدل. وأضفت، إني شخصيا أحب الإكسسوارات جدا وهي من أساسياتي.

    انتهى المؤتمر وظلينا على تواصل من خلال البريد الإلكتروني، والمنتديات المعمارية، ثم مواقع التواصل الاجتماعي، وصرنا أصدقاء. نحكي لبعضنا البعض عن أخبار الشغل والأبحاث. علمتني ميريانا أن أفكر “بالتجريد” من خلال كلمات مفتاحية. المهم، لم ألتق ميريانا من 2004 إلى 2015. كان عندي اجتماع في رومانيا، وبعده بأسبوع كان من المفترض أن أكون في مؤتمر آخر بألمانيا. وقررت بدل العودة إلى مصر والسفر مرة أخري أن أزور ميريانا وأتعرف على بلجراد.

    ***

    خططت ميريانا لي أن أقدم محاضرة عامة عن العمارة الإسلامية، وحجزت لي في نُزُل الأساتذة بالقرب من الجامعة. لم أخطط لإقامتي في بلجراد وقررت أن “أسيب نفسي”. في المطار من بوخارست لبلجراد احتجزت أكتر من ساعة ليتحققوا مني أمنيا!!! وصلت مطار بلجراد، وجدت ميريانا وباتير في انتظاري بالتاكسي. أخذاني إلى مكان إقامتي، وقد أحضرا لي رغيف عيش بني loaf يكفيني المدة كلها مع قرص جبنة مع 2 كيلو عنب، وماج وملعقة وسكين ولوفة مواعين وكل ما يمكن أن احتاجه خلال مدة إقامتي.  وأهداني باتير شال حرير قام بالرسم عليه يدويا. وكان أهم ما أحضراه لي هو القهوة، والتي أشرب منها مرة تلو المرة على مدار النهار.

    مبنى الإقامة هو نزل الطلبة بشارع ألكساندر الأول والذي خصص الدور الرابع منه لإقامة الأساتذة وضيوف الجامعة (ظهر المبنى في مسلسل أحمد عز هجمة مرتدة – رمضان 2021). ستديوهات غاية في البساطة وآية في الشياكة ومجهزة بكل ما يمكن أن تحتاجه إقامة طويلة للدراسة أو التدريس. يطل المبنى على حديقة إيريلاوميتوديجا واللي تمتلئ بالناس 24 ساعة، مع كلابهم أو مع الأطفال، في مجموعات من الشباب والعجائز، أو فرادى.

    ***

    الحديقة دائما منيرة وبها العديد من التماثيل. ننزل من آخرها لمحطة المترو أو نعبر الشارع من النفق إلى الجامعة على الجانب الآخر أو نركب الأتوبيس من المحطة أمام مدخلها. جامعة بلغراد هي أقدم وأهم جامعة في ثاني أكبر جامعة في منطقة البلقان بعد جامعة أرسطو في تسالونيكي. تأسست عام 1808 تمت تسميتها عدة مرات حتى عام 1996 أصبحت جامعة بلجراد الحكومية.

    يضم الحرم الجامعي المركزي 8 مباني أكاديمية ومكتبة البحوث ودار نشر، ومتحف التاريخ، مكتب الصحيفة الجامعية، مركز الإرشاد الوظيفي، المركز الثقافي للشباب، بناية سكنية لأعضاء هيئة التدريس ومبنى إداري. ولها مكتبة جامعية ضخمة تضم أكثر من مليون كتاب كما تتميز بالمتاحف التاريخية وعدد من المعامل، بالإضافة إلى مدرسة الفروسية وحديقة نباتية ومركز ترفيهي.

    مبنى الجامعة كلاسيكي عريق. دخول المبنى بدون أي تعقيدات أمنية. بهو الجامعة ذكرني بمبنى كلية الآداب جامعة القاهرة، السلالم، الرخام، التماثيل، إضافة إلى أساتذة الجامعة كانت ميريانا قد دعت أساتذة من جامعة سكوبيا، مقدونيا، وأساتذة ومعماريين من البوسنة لحضور محاضرتي. أخدتنا كلنا في جولة على الأقدام لمعالم بلجراد، وعرفت أن كثير من الصرب والبوسنيين يرتبطون بصلات عائلية ومازالوا أصدقاء و”على طول مع بعض”.  كانت المحاضرة ناجحة جدا الحمد لله، عرضت على شاشتين (عرضين متوازيين) في نفس الوقت، وكانت مؤثرة لدرجة أن أساتذة جامعة سكوبيا دعوني لإعادة المحاضرة عندهم بعدها بشهر ونص. أعدت لنا ميريانا اجتماعات على منضدة مستديرة وقهوة مع العميدة وبعض الأساتذة لدراسة إمكانات الشراكة، وأهدوني كتاب عن عمارة الحداثة في بلجراد.

    ***

    بعد ما أتممت المهمة العلمية، كانت مهمة اكتشاف بلجراد. وميريانا “ما قصرتش خالص”. مكان مقابلتنا أنا وميريانا دائما في ميدان الجمهورية في قهوة معينة أسميناها “القهوة بتاعتنا”. تطل على الحصان. وفي هذا الميدان موقع بعض المباني العامة الأكثر شهرة في بلجراد، بما فيهم المتحف الوطني والمسرح الوطني وتمثال الأمير مايكل، ومنه نتفرع لمنطقة المشاة والمحلات. جولات في أهم المباني، الكنيسة الأرثوذكسية الصربية لها مظاهر معمارية وفنية قريبة جدا من كنائسنا.

    كاتدرائية القديس ساڤا
    كاتدرائية القديس ساڤا

    أخذتني عند باتير في مبنى الإذاعة والتليفزيون ودخوله أيضا بدون إجراءات أمنية، كان به معرض فني تصوير زيتي ونحت. ثم أخذتني في رحلة على الأقدام مع صديقتها تاتيانا والتي يوافق تاريخ عيد ميلادها عيد ميلادي، وزرنا المعرض المعماري وتعلمت كثيرا عن العمارة الصربية. وأخذتني إلى الممشى الجديد على نهر السافا (مشروع تطوير كورنيش بلجراد) وقابلنا صديقتها مديرة متحف العمارة لدراسة إمكانات الشراكة أو التعاون مع بيت المعمار المصري. وقابلة بيليانا (عضو برنامج العمارة والأطفال بالاتحاد الدولي للمعماريين) والتي أهدتني لعب معمارية للأطفال تصممها وتنتجها. وأخذتني إلى متحف تيتو.

     

    ***

    كان تيتو رئيس الحزب الشيوعي اليوغوسلافي وقت اندلاع الحرب العالمية الأولى 1939 وبعدها قائد المقاومة ضد الاحتلال النازي لحد نهاية الحرب 1945 وبعدها أصبح رئيس الوزراء وبعدها رئيس الدولة، وكانت البلاد بأسرها تحتفل بعيد ميلاده على أنه (يوم الشباب) حتى وفاته عام 1980. وتيتو هو مؤسس حركة عدم الانحياز مع نهرو وعبد الناصر.

    وبعد موت تيتو دخل الاتحاد اليوغوسلافي في صراعات وانفصلت سلوفينيا وبعدها كرواتيا والبوسنة بعدها الجبل الأسود ثم كوسوفو. يقع المتحف في متنزه “يوغولاند بارك” في منطقة سوبوتيكا، ومن بعيد وسط الأشجار، مازال علم يوغوسلافيا السابقة المخطط أفقيا بالأزرق والأبيض والأحمر والمطبوع بنجمة حمراء يرفرف أعلى المدخل. يظهر تمثال تيتو في وسط الحدائق بارتفاع 10 أمتار. مرقده (ضريحه) وسط أشجار وورود داخل المتحف وإلى جواره مرقد زوجته. داخل جسم مبنى المتحف مقتنياته الشخصية، والصور والرسائل والبرقيات. ونرى من خلال الصور كيف كان له حضور طاغي وسط زعماء العالم في الستينيات.

    ونرى من الوثائق كيف شهدت يوغوسلافيا في عهده نموا اقتصاديا جيدا وتمتعت بعلاقات ممتازة مع معظم دول العالم، مع أنها كانت ميالة للاتحاد السوفيتي. وكان تيتو غاوي سينما وعاشقا لممثلات هوليوود، يستضيفهم في رحلات الصيد والاستجمام على الشواطئ. ضمن الصور صورة لجمال عبدالناصر بالزى العسكري وهو يتوسط زعماء العالم، إضافة إلى صورة للسادات وبرقية تحمل اسم السادات باللغة الإنجليزية.

    ***

    من أول مدخل المتحف وبداخلي إحساس إني في مصر الستينيات. العمارة الاشتراكية الحديثة، واجهة المبنى الصماء محمولة على أعمدة، عدد من السلالم قبل المدخل الغاطس، بلاط الموزايكو الصغير مثل ذلك الموجود في المريلاند القديم، والتليفزيون المصري ومدخل هيلتون النيل (ريتز حاليا) ومباني كثيرة في مدينة نصر السبعينيات. بساطة فرش المتحف أكدت هذا الشعور كأني دخلت محل إيديال، أو كأني خطوت داخل فيلم أبيض وأسود من أفلام صلاح ذو الفقار وشادية. وعندما انطفأ النور في قاعة العرض، ظهر عبد الناصر في معظم لقطات الفيلم مع تيتو… وزاد إحساسي بأنني في مصر.

    وليس متحف تيتو فقط الذي أعطاني هذا الشعور، لكن أيضا الميدان في آخر شارع ألكسندر قبل الدوران. وبعض الشوارع الداخلية بعمارات من الخمسينيات والستينيات والسبعينيات. الأرصفة ومداخل العمارات والبلكونات بالكراكيب والزرع فيها، والسيدات تنشر الغسيل وكبار السن جالسين في البلكونة “يتفرجوا ع اللي رايح واللي جاي”. أخذتني ميريانا إلى بلجراد الجديدة (بنركب أتوبيس ونعدي النهر) وزرنا المساكن “الاشتراكية” الجديدة التي اشترت ميريانا فيها شقة. العمارات الشرفة/الممر – نوع الوصول balcony/corridor – access type مستطيل حول حيز يمكن أن يكون فناء داخلي للعب الأطفال وفعاليات الجيران المختلفة. وفي الممرات/البلكونات يترك السكان فيها العجل وينشرون الغسيل، ويضعون كراسي، وأشياء أخرى كثيرة خارج الشقق. الشقق مساحتها 60 متر بحل معماري جيد جدا وبها أماكن تخزين أيضا.

    وكل بضع شقق بينهم بلكونة كبيرة مثل الفرندة، بارزة قليلا عن جسم المبنى وتطل على الشوارع البينية، ليستعملها الجيران بطريقة تشاركية. بالرغم من أن التصميم العمراني شبكي، إلا أن الحلول في منتهى البساطة، وفيه مراعاة للمشاة والأطفال والكبار. الشمس والهوا من جميع الاتجاهات. الزرع في كل مكان، الملاعب المفتوحة للكل. والشقق بالتقسيط على ٥٠ سنة! وببلجراد الجديدة قرية أوليمبية ومولات وغيره.

    ***

    من أجمل المناطق التي تركت أثرا في قلبي هي منطقة زيمون. وهي منطقة جبلية متدرجة على نهر الدانوب وكانت أصلا قرية زراعية كما هي قرية للصيادين أو بلدة منفصلة عن المدينة. بها كمية مطاعم وكافيتريات على المياه (نهر الدانوب) من أجمل ما يكون. كلهم في منتهى البساطة وروح المكان أصيلة وعتيقة، وقديمة. وهي مرتبطة بالمزارع والصناعات الغذائية.

    زيمون
    زيمون

    لن يسع المقام هنا الحديث حول الأكل وجماله ولا على دفئ ميريانا وباتير وكل من تعرفت عليهم هناك. وحينما ذهبت إلى المطار للسفر إلى المانيا، كانت شركة طيران لوفتهانزا بها إضراب. اتصلت بميريانا وأتت إلى المطار وأخذتني إلى مكتبها في الجامعة. واتصلت بشركة طيران صربيا والتي وافقت على إنقاذ الموقف، فأطير إلى برلين ويتم التفاوض على ثمن التذكرة مع لوفتهانزا.

    ونزلنا نلتقط آخر أشعة شمس نوفمبرية، وذهبت إلى المطار. استمتعت جدا بهذا الأسبوع في بلجراد، وتعرفت فيه على أناس كثيرون، وعرفت حاجات كتير عن الناس والعلاقات الأسرية. ولكني لم أشعر بأنني “هضمت” المدينة وناسها. فوضعتها على قائمتي، واشتريت كتاب رائع معتمد على الاسكتشات اليدوية مع الشرح المبسط بعنوان “قطع من صربيا“. ووعدت نفسي أن الزيارة القادمة ستكون مدروسة ومخططة لمعايشة المدينة.

    اقرأ أيضا:

    «شنطة سفر»: يا حضرة مولانا

  • «شنطة سفر»: يا حضرة مولانا

    «شنطة سفر»: يا حضرة مولانا

    لم أكن أعلم عن الصوفية إلا ما قرأته لأحمد بهجت في كتاب “بحار الحب عند الصوفية”، وكان بالنسبة لي كتاب هادي (من الهداية). إلى أن كانت المناقشات مع صديقتي الدكتورة مي حواس عن “تأثير المذاهب على عمارة المساجد”، والتي نبهتني لمولانا جلال الدين الرومي وابن عربي وابن قيم والإمام الغزالي وغيرهم. فاقتنيت بعض الكتب البسيطة العامة في هذا المجال، إلى أن قرأت رواية قواعد العشق الأربعون للكاتبة التركية أليف شافاق.

    ومن لحظتها وقد فتنت بالرومي والتبريزي، فأخذت القراءة عنهما وعن الصوفية منعطفا مختلفا تماما. “قواعد العشق الأربعون”، رواية للكاتبة التركية إليف شافاق، وضمّنتها الكثير من الأفكار الصوفية التي وجدت طريقها إلى قلوب الشباب. وتدور حول امرأة أمريكية اسمها إيلا، تعمل كناقدة أدبية، وقعت يدها على قصة اسمها ”الكُفر الحلو”، كتبها رجل صوفي تركي اسمه “عزيز زهار”، يتحدث فيها عن القصة التاريخية الشهيرة لعلاقة جلال الرومي وشمس التبريزي. فتعجب إيلا بالرواية، خاصة وأنها تلامس جوانب روحية وعاطفية عندها، في الوقت الذي تمر فيه بمنعطف حرج في حياتها العائلية، فما يكون منها إلا أن تتواصل مع عزيز وتنشأ بينها وبين الكاتب علاقة حب عبر البريد الإلكتروني. ثم تقع في حبه، وتسافر معه في ترحاله الصوفي.

    ***

    الرواية عبارة عن قصتين في زمنين مختلفين: قصة إيلا وعزيز وهي قصة معاصرة، وقصة شمس التبريزي وجلال الدين الرومي من القرن الثالث عشر، والتي من خلالها يضع شمس لتابعه جلال قواعد العشق من خلال حوار وأحداث تمر بها الشخصيتين. وحصيلة الرواية 40 قاعدة أو فكرة عن العشق الإلهي والتقرب من الله والتدبر في مخلوقات الله تعالى وكونه العظيم حتى يزيد من حب القارئ لهذا الخالق المبدع ويبتعد طواعية عن المعاصي والذنوب. والرواية لا تتطرق كثيرا للرومي وكتاباته وأشعاره بقدر ما تسهب في الحديث عن شمس التبريزي وأفكاره. وقد أجادت الكاتبة -من وجهة نظري- في وصف شخصياتها وصورتهم بطريقة فنية جميلة، وكذلك في وصفها للطبيعة ووصف رقصة السماع “المولوية” للرومي وشمس التبريزي في أكناف الطبيعة الساحرة، وغيرها.

    أثرت فيّ الرواية جدا، وغيرتني 180 درجة. وعلى مدار عشرة سنوات، كنت محتارة إزاي أنقل الرواية وحلاوتها ودروسها لغيري. لحد ما أنشأت نادي الونس، اللي بدعو فيه أصدقائي مرة شهريا لمشاركة أفكارهم حول موضوعات ممكن تغير طريقة تفكيرهم ومنظورهم للدنيا، ودة بيكون من خلال قراءة كتاب أو مشاهدة فيلم أو مسلسل أو تمثيلية أو حتى أغنية أو أي عمل فني بيدور حول موضوع إنساني مهم ومؤثر. تناقشنا في المفاهيم الأساسية المستفادة من الرواية وأهمها التغيير والرضا وتقبل الآخر والتخلص من الغضب والبحث عن الذات والتعلم والتخلص من التعلق بالماضي والتخلص من القلق بشأن المستقبل والتخلص من الخوف والتدريب على رؤية الأمور بمنظور مختلف وجهاد الـ”أنا”. كل واحد في القعدة بيقول رأيه أو بيحكي موقف حصل له في نقطة محددة، بنستريح بالمشاركة، وبنتعلم من خبرات بعض. حسيت إني استريحت لما وصلت الرسالة، رسالة الرواية تحققت من خلال هدف نادي الونس.

    ***

    وبدأت رحلتي مع الرومي ووجدت في كتاباته ومحاورات التبريزي له منهجا لي في علاقتي بنفسي وبالله وبديني ودنيتي (لا أدعي الالتزام به، ولكني مطمئنة إلى وجوده والرجوع إليه، ومحاولة الأخذ به). وجت لي الفرصة سنة 2020 دعوة عمل كام يوم في أنقرة، قلت لنفسي أما آخد لي يومين في قونية، وأرجع وفق البرنامج. المسافة بين مدينة أنقرة وقونية هي ثلاث ساعات بالسيارة. وتاريخنا الحديث مرتبط بقونية، فقد قامت معركة هناك بين الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا بن محمد علي والي مصر وبين الجيش العثماني بقيادة السلطان محمود الثاني عام 1832، وانتصرنا وانتزع محمد على باشا بلاد الشام وسيطر عليها، وتلت هذه المعركة اتفاقية كوتاهية. لا أتذكر معالم مميزة في الطريق، لكني أتذكر الرهبة التي كانت عليها نفسي. أنا في طريقي لجلال الدين الرومي في المشهد المُذهَّب. وسبت نفسي خالص، أختبر إحساسي.

    ودخلت حرم المجموعة التي تنتمي إلى القرن الثالث عشر ميلادي وتضم متحف مولانا جلال الدين الرومي، والضريح والمسجد، بالإضافة إلى مجموعة من المقابر. خلافا، يضم المكان مكتبة وكافيتيريا وخدمات وكثير من أماكن الجلوس. كان يوما مشمسا، باردا لكن مشمسا. المكان يكتنفه الهدوء بالرغم من كم الزوار وأغلبهم من الأتراك، والكثير من الأطفال – أسر كاملة. لم أسمع إلا أصوات الحمام، وصوت عقلي يردد “يا حضرة مولانا… يا حضرة مولانا”.

    ***

    بدأت بالتكية التي تضم وحداتها متحفا لمقتنيات مولانا، ومشاهد من الحياة اليومية، أدوات ومُعدات وملابس وأيقونات ولوحات وصور. وفي الحيزات الأكبر تماثيل ومؤثرات صوتية وبصرية لمواقف وأناس ممن نقرأ عنهم ضمن سيرة الرومي. وهذا النوع من المتاحف “التمثيلية” جنة لمحبي التاريخ عامة مثلي ولمريدي الرومي خاصة مثلي أيضا. ومثل هذه المتاحف هي رحلة في الزمن، وبالرغم من أنها لا تعتبر تفاعلية، إلا أن وجود الجو التاريخي يضفي “امتزاج وجداني” غريب. مثل تماثيل متحفنا الزراعي بالدقي ومتحفنا للشمع بحلوان لمن يتذكرهما، وكذلك متحف النوبة لمن يعرفه. المكان كله رخام أبيض، ومحاط بالقباب والمآذن العثمانية على مدد الشوف إلا القبة السلجوقية ذات الرقبة والمزدانة بالخزف الفيروزي. صفااااااااء.. هدووووووووء.. سكيييييييينة تحتاجها كل نفس حائرة.

    تنقلت بين خلايا التكية بهدوء وقضيت لحظات أتأمل ما حولي في الفناء الواسع وعلى جنباته بعض أشعار وكلمات الرومي عن الحب والتسامح والغفران. وكيف أنهم مثل شروق الشمس: يضيئوا الحياة وينوروا البصيرة. مئات من عشاق الرومي ومريديه من جنسيات مختلفة أشبه بالدراويش ينتشرون هنا وهناك أو يشربون من صنابير المياه أو يتوضؤون. منهم الطاعنين في السن ومنهم النساء ممسكات بأيدي أبنائهن وأحفادهن. ثم واجهت مدخل الضريح ذو اللافتة الكبيرة باللغة العربية “يا حضرة مولانا” وأخدت نفس عميق ودخلت.

    ***

    وكلما خطوت خطوة شعرت بأن روحي تصعد إلى السماء. درجة مع كل خطوة. وعند ضريح مولانا، وبالنظر إلى جلبابه وعمامته، رأيتني أتسمر وأنا أنظر إليه وأسأله: ما سرك يا رومي؟؟؟؟ ورأيتني محلقة وكأني أنظر إلى الناس تحتي وأحاول تفسير همهماتهم، ترى بماذا يفكرون؟ ماذا يقولون لبعضهم البعض؟ وبماذا يهمسون للرومي؟ هل يقرؤون له الفاتحة؟ ولماذا يبكون؟ هل يطلبون منه شفاعة كما يفعل المصريون في أضرحة آل البيت بمصر؟ هل يعترفون له مثلما رأيت في أماكن وثقافات أخرى؟ ماذا؟؟؟ ويجاور ضريح الرومي أضرحة صغيرة تضم قبور أبنائه وبعض مريديه ويوجد بداخل الضريح كذلك مخطوطاته ومصاحف وسجاد الصلاة وآلات موسيقية.

    وتجدر الإشارة هنا إلى ما قرأته عن ديوانه الشعري عن رفيقه شمس التبريزي بعد اختفائه/قتله، والذي تحول إلى طقوس”السماع” القائمة على الذكر والدوران بطريقة ودلالات ما، في رحلة روحية تتخطى حدود المكان والزمان. لا أنصح بمغادرة تركيا أبدا بدون حضور “سماع”. أبدا أبدا (تقدمها المولوية أحيانا في القاهرة والإسكندرية). العطاء بلا حدود، الحب والغفران هو ما يجب أن أكون عليه، وهذا ما شعرت بحصولي عليه من هذه الزيارة.

    ***

    وفي قونية أيضا العديد من المزارات السياحية واجبة الزيارة، مثل القلعة الموجودة فوق تل علاء الدين والتي كانت تستقبل أهم الزوار قديما. وقد كان يقيم بها العديد من الملوك، ومسجد علاء الدين وهو أحد أقدم المساجد الموجودة بالمدينة وحولهما منتزه عام وعدد كبير من الأشجار. حيث الجلوس في الحدائق الطبيعية (ومزارع الشاي التي يعود تاريخها للقرن الثالث عشر). وذلك بدون أي مقابل وقضاء وقت ممتع أو النزول إلى العديد من المطاعم والمقاهي المنتشرة. (وقد ذكر اسم علاء الدين كيكوباك كثيرا في المسلسل التركي أرطغرل).

    وفي القلعة صادفت وصادقت العديد من الناس والعديد من الأسر أثناء الصلاة في المسجد وفي الحدائق المحيطة. ولاحظت في قونية أن غالبية المقاهي مخصصة للرجال فقط، حيث يتجمعون لشرب الشاي ولعب الألعاب. ويوجد العديد من حدائق الشاي للعائلات والإناث. وبالرغم من عدم وجود من يتحدث الإنجليزية، إلا أن الجميع بلا استثناء كانوا في منتهى الود معي. وخاصة حينما أقول إنني من مِصِر كما ينطقوها ويرحبوا بتصويري والتصوير معي. والناس في قونية رايقين جدا جدا جدا وإيقاعهم بطيء. ووجدت العديد من الجرافيتي لكتابات وأسماء مصرية. ولم أجد ورقة مرمية في الأرض ولا كيس شيبسى ولا أي عنصر زبالة في أي مكان في قونية.

    ***

    ومن الجدير بالزيارة في قونية حديقة الفراشات الاستوائية وهي موطن للفراشات يضم مسارًا باتجاه واحد عبر النباتات الاستوائية. مما يسمح بتجارب تفاعلية مع العديد من الفراشات، ومعرضًا للببغاء يتضمن متجر هدايا ومقهى. وجنوب شرق قونية مواقع كاتالهويوك أو شاتالتويوك، وهي مستوطنة من العصر الحجري الحديث اكتشفها علماء الآثار والتي تقدم نظرة رائعة على كيفية عيش الناس قبل 9000 عام. وهناك قرية سيل، التي تقع بالقرب من مركز قونية، ويعود تاريخها إلى 5000 عام. وكانت موطنا للمتحدثين باللغة اليونانية في القرن الماضي ــ ويُنسب الفضل إلى تعاليم الرومي في التسامح في الحفاظ على الانسجام بين المجتمعات المحلية اليونانية والتركية. وعلى قمة جبل شمال غرب قونية، توجد قلعة جيفالي، وهي عبارة عن هيكل قديم يعود تاريخها إلى ما هو أبعد من العصر الروماني وما زالت تفاجئنا باكتشافات غير متوقعة. وتم العثور على نفق سري يعتقد أن الحيتيتين قد بنوه قبل حوالي 4000 عام.

    وأثناء وجودي في قونية حضرت جنازة. كنت ماشية في حديقة جميلة وسمعت القرآن بلسان “رومي”. اتجهت إلى مصدر الصوت فاكتشفت أن الحديقة دي منطقة مقابر ولقيت أسرة ملتفة حول تابوت شيك محطوط على ترابيزة، وحواليه شمعدانات. وعرفت أنهم يفضلون الدفن وقت الظهيرة. وشفت السيدات لابسين أسود في منتهى الاحتشام، والرجال ما كانش فيهم حد لابس بنطلون جينز، كله لابس بنطلونات وقمصان. وبعد الدفن قاموا بتوزيع بعض المعجنات والحلوى التركية التقليدية وحاجة زي شربات ورد. وعرفت أنه من العادات التي مازالوا يمارسونها هو التخلص من حذاء المتوفي، والتبرع لجمعية خيرية أو للفقراء باسم المتوفي. بس ما شوفتش شحاتين ولا عيال وأسر كاملة بتشحت من عائلة المتوفي ولا تلزيق في الناس والعربيات ولا مسكنة ولا صعبانيات ولا أي حاجة. قرأت الفاتحة ومشيت.

    اقرأ أيضا:

    «شنطة سفر»: الحج مع باولو كويلو

باب مصر