الكاتب: حسن حافظ

حسن حافظ

صحفي مصري وباحث حصل على الماجستير من جامعة القاهرة،؛ مهتم بتاريخ القاهرة وتحولاتها وصدر له عدد من الكتب أبرزها الحشاشين.

لا يوجد صوت بشري هيمن ويهيمن على فضاء القاهرة مثل صوت أم كلثوم، تحول إلى لازمة يعرفها كل من يتردد على العاصمة المصرية، وعلامة أساسية من علامات المكان. انصهر في تفاصيل المدينة فصار منها ومعبرا عنها. هكذا فرضت الست -التي رحلت عن عالمنا قبل خمسين سنة- إيقاعها على القاهرة.  في لحظات مجدها، رسمت مسارات الحركة في المدينة، وبإشارة منديلها الشهير، تفرض الصمت على مدينة عاشت للصخب. البشر والحجر يندمجان في منحوتة واحدة تستسلم لتلقي نفحات الموهبة المتفجرة. صوت جادت به السماء مرة، فأحسنت أرض القاهرة استقباله وتكريسه عنوانا للمدينة الألفية. الأخيرة كان ينقصها الصوت الذي يعبر عن تاريخها العريض، وجدته…

قراءة المزيد

عندما تزور أيا من عواصم المحافظات المصرية، أول ما سيلفت نظرك أن فيها شيئًا مألوفًا. هناك تيمة ما متكررة في كل مدينة تجعلها متشابها مع غيرها. تتراجع المكونات المحلية أمام نموذج أكثر طغيانًا يصهر هذه المدن ويقولبها بحسب شكل شبه موحد. مع التأمل، نصل إلى أن هذه الحالة هي ما نطلق عليه «تقهرن» المدن المصرية، وهو نحت لمصطلح جديد، يعني مسخ روح المدن أمام نموذج القاهرة المركزي، والذي يفرض نفسه عمرانيًا وثقافيًا واجتماعيًا على مكونات المدن في الدلتا والصعيد على حد سواء. نموذج القاهرة الطاغي والقاهر لغيره يبدو الأكثر حضورًا في قلب الثقافة المصرية. وهو نموذج قائم على العشوائية العمرانية؛حيث…

قراءة المزيد

في السبعينيات، مرت القاهرة ومصر كلها بحالة تحول عميقة. أجواء مقبضة بعد رحيل الزعيم وانهيار المشروع. أجواء الهزيمة حاضرة في كل تفصيلة. مشاعر الانقباض من القادم مسيطرة. بحث الناس عن صوت مبهج ونغم مختلف يخرج بهم من الكآبة إلى أجواء الفرحة والانبساط. عزز هذا الخيار انتصار أكتوبر، وبداية الانفتاح، وما صاحبه من تحول اجتماعي واقتصادي وديني سريع في قلب المجتمع المصري. أحداث ولدت حالة من القلق والاغتراب والفوضى، فجاء أحمد عدوية بصوته الخشن المبهج والمليء بالشجن في آن واحد، وعبر عن هذا كله، فكان صوت القاهرة في زمن التحولات الصعبة في السبعينيات والثمانينيات عن جدارة واستحقاق. *** “ده راجل من…

قراءة المزيد

تبشر الحكومة المصرية بمشروع حدائق تلال الفسطاط كنقلة في العاصمة المصرية، من حيث توفير رقعة خضراء مع تقلص الأخيرة بسبب إجراءات حكومية لنزع الأشجار من الشوارع، إلا أن المشروع الجديد لم يوضح مصير المنطقة التي تقام فوقها هذه الحدائق الغناء. ما نعرفه أن هذه المنطقة هي ذاتها التي كانت تشغلها مدينة الفسطاط، أول مدينة عربية إسلامية في مصر، والتي بنيت قبل 14 قرنا، وتركت أطلالها خلفها تحكي قصة قرون من التطور العمراني، التي تحتاج إلى حفريات أثرية مكثفة في المنطقة، قبل استغلالها في أي مشروعات خدمية أو استثمارية، ما يطرح أسئلة مشروعة حول الحفاظ على تراث المدينة الباقي تحت الأرض،…

قراءة المزيد

بعد هدم عشرات المقابر وتسويته بالأرض، وانتهاك النسيج العمراني لجبانات القاهرة، أطل علينا محافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر، في تسجيل مصور مؤخرًا، للحديث عن ما يجري في جبانات القاهرة والمصير المنتظر لها، فجاء كاشفًا بأكثر مما يجب لنوايا الحكومة التي تستهدف جبانات المدينة الألفية بالحذف والهدم، حديثه الذي لم يتجاوز بضع دقائق تضمن الكثير من المعلومات عن مخططات حكومية التي تستهدف الجبانات بشكل مباشر لتجعلها أثر بعد عين خلال سنوات قليلة، مع استمرار عمليات الهدم والاستباحة للمقابر التاريخية التي ترفض الحكومة الاعتراف بما تمثله من تراث مصري لا يقدر بثمن، ويجب التعامل معه بكل حرص للحفاظ على مكوناته. التسجيل المصور…

قراءة المزيد

تحت شعار التطوير الذي أصبح مرادفًا لاستباحة معالم القاهرة، اختفى معلم مهم من معالم القاهرة بين ليلة وضحاها، هو سوق محطة مصر، المجاور لمحطة القطارات الشهيرة بقلب المدينة، والذي يعود تاريخ تأسيسه للعام 1910، أي أنه تجاوز القرن بسنوات، لكن هذه السنوات لم تشفع له فتم هدمه منذ شهور قليلة لإقامة موقف متعدد الطوابق ومطلع جديد لكوبري 6 أكتوبر، في ظاهرة باتت متكررة في إزالة المباني التاريخية في القاهرة المعزية لإقامة أماكن انتظار سيارات وكافيهات ومقاهي، فالهدد لا يزال يطارد عمارة القاهرة من مختلف العصور، الأمر الذي يستحق الرصد والإدانة، وفي أضعف الأحوال تسجيل هذه المباني قبل أن تباد ويغيب…

قراءة المزيد

في وقت أزالت جرافات الحكومة مساحات واسعة من جبانات القاهرة، ما أدى لاختفاء أضرحة تاريخية على درجة عالية من الأهمية الفنية والأدبية والتراثية، جاء الحديث عن ضرورة التوثيق لإنقاذ ذاكرة المكان قبل مسحها، وحماية ذكرى تراث يُهدر دون حساب. لذا يشكل صدور «موسوعة القرافة: التوثيق قبل الاندثار» مؤخرًا خطوة مهمة نحو مزيد من التوثيق لتراث جبانات القاهرة، وهو تراث يتسع ليفتح الباب أمام طيف واسع من أشكال التوثيق، ومن هنا تبرز ضرورة الاحتفاء بهذا العمل الضخم وما بذل فيه من مجهود كبداية لمجال بكر. *** الكتاب الصادر حديثًا في ستة أجزاء، قام عليه كل من حسني جعفر، الباحث التراثي، وآية…

قراءة المزيد

ننظر إلى الأنقاض المتراكمة، والأطلال الباقية، ونسيج الجبانة المهترئ، بدمع، وحزن مكلل بخيبة الأمل يرتسم على الوجه. نتجول بخطوات مترنحة، وعقول ذاهلة، لا نصدق أن ما كان طوع اليد قد صار أثرًا بعد عين، وأن المباني التي حكت التاريخ باتت في ذمته، وأن تراثًا عزيزًا علينا أعدم بدماء باردة. فما جرى في جبانة القاهرة التاريخية جريمة حضارية جرت بليل، فجاء نور الصباح على الديار وقد خلت من معالمها، فأي حسرة استقرت في قلوب المهتمين بتاريخ المدينة. لا نملك ونحن بلا حول ولا قوة، إلا أن نردد مع رهين المحبسين قوله: خفف الوطء ما أظن أديم الـ   أرض إلا من…

قراءة المزيد

بعد أن طاف بنا فتحي رضوان في ربوع حي السيدة زينب، نختتم رحلتنا مع سيرته الذاتية وشاهدته على القاهرة في النصف الأول من القرن العشرين، باستعراض ما كتب عن صرة الحي، جامع السيدة زينب وما يمثله من مركزية روحية لا تقتصر على الحي والقاهرة بل تعم مصر كلها. وهو هنا يقدم صورة درامية عن مولد السيدة زينب الحافل بخلاصة الفولكلور المصري بطبقاته المختلفة، وهي صورة تثير الخيال وتجبر المرء على مقارنة وضع الجامع وما جرت عليه من تعديلات وحملات تطوير جاء بعضها أقل من المأمول، بينما يشهد المولد السنوي استمرارية شعبية رغم محاولات التضييق الرسمي على مظاهر الاحتفال. يفتخر رضوان…

قراءة المزيد

قدم فتحي رضوان (1911- 1988م)، معلومات غاية في الطرافة وعلى قدر كبير من الأهمية في ما يخص تاريخ القاهرة الاجتماعي والاقتصادي والعمراني في النصف الأول من القرن العشرين. وهي مادة على الرغم من أنها مقدمة بصورة أدبية رفيعة، إلا أنها تعكس ما سجله شاهد عيان من أبناء المدينة في لحظة تاريخية حافلة بالمفارقات، في ما دونه من سيرته الذاتية. وبعد أن توقفنا في المقال السابق عند ما قدمه من معلومات ذات طبيعة اجتماعية ثرية عن شارع سلامة، الذي جعله مرآة عاكسة للحياة في القاهرة حينذاك، نتوقف هذه المرة مع اللوحات الاجتماعية والاقتصادية التي يقدمها في كتابه (خط العتبة)، عن حي…

قراءة المزيد