Subscribe to Updates
Get the latest creative news from FooBar about art, design and business.
الكاتب: فتحى عبد السميع
فتحي عبد السميع شاعر وباحث وناقد مصري، وعضو اتحاد كتاب مصر، وعضو مجلس إدارة مركز الثقافة اللامادية بجامعة جنوب الوادي، يعمل ويعيش في قنا، ومهتم بتحليل الظواهر الاجتماعية والعادات والتقاليد في جنوب مصر مثل الثأر، وله العديد من الإصدارات كما حصل على عدد من الجوائز المحلية والدولية.
من مجرد سائق تاكسي بسيط، تحول أبوفياض إلى أسطورة ذات وجهين متناقضين، لقد صار أسطورة من أساطير الجريمة في الصعيد يلعب بالآر بي جي، والقنابل اليدوية، وفي نفس الوقت صار أسطورة من أساطير النبل والشهامة. وعبر هذا التناقض الصارخ بين وجهي العملة الواحدة، تظهر أسئلة كثيرة تتعلق بالصياغة الصعيدية المتكررة لحكاية (اللص الشريف) أو (السفاح النبيل)، كما تتعلق بقضايا أخرى مثل طبيعة العلاقة بين ثقافة الدولة وثقافة القبيلة، أو حالة التفكير العقلاني الرشيد في صراعه مع التفكير الخرافي والسحري. عاش أبوفياض حياة عادية في مسكنه الكائن بناحية الأشراف الغربية، وهو ينتمي إلى قبيلة تتميز بطابعها الديني القوي، حيث تكتسب هويتها…
بعد المذبحة الثأرية الأخيرة تم الانتباه إلى منطقة (حمرة دوم وأبو حزام). وفي مبادرة طيبة من محافظ قنا اللواء أشرف الداوودي، توجه رفقة جميع التنفيذيين بالمحافظة، إلى الناحية الملتهبة. وعقد مؤتمرا شعبيا (مزدوجا) لتأكيد دور الدولة في الاهتمام بالمنطقة ومشكلاتها التنموية. المبادرة طيبة جدا، فهذا أول مسؤول يذهب إلى تلك الناحية ويلتقي بالناس مباشرة في أماكنهم. وهناك شعور قوى عند الأهالي بأنهم يعيشون خارج الدولة تماما، ويؤكده حرمانهم الطويل من خدماتها حيث لا تصلها المياه حتى الآن، ومازالوا يحلمون بأشياء بسيطة جدا، مثل إنشاء مكتب بريد، أو تزويد الوحدة الصحية بالإسعافات الأولية ومصل العقرب، أو رصف طريق يصلها بطريق مصر…
الحداء هو غناء الرجال أثناء العمل على الآلات التي تجرها الجمال أو الثيران مثل السواقي، وبخلاف دوره الجمالي كان “الحداء” يعكس حياة المصريين وثقافتهم، و كان منتشرا جدا في مصر قبل بناء السد العالي، لكنه انقرض الآن، واندثرت معه ثروة شعبية كبيرة جدا، فرطنا في جمعها وتدوينها، كما فرطنا في أشياء كثيرة. عاشق للمكان بعد فوات الأوان تقريبا، وبعد تقاعس هيئات ومؤسسات، قام الشاعر خالد العجيري بمحاولة مضنية من أجل اللحاق بما تبقى من تلك الأغنيات في ذاكرة بعض الشيوخ، ونجح في القبض على عدد من تلك النصوص قبل أن تختفي تماما. اهتمام العجيري بالتراث الشعبي عميق ويمتد إلى سنوات…
ولد توفيق أندراوس في قوص سنة 1893، ورحل عن عالمنا في سنة 1935، عاش حياة قصيرة لكنها كانت كافية ليسجل حضوره في الذاكرة الوطنية، هذا الحضور الذي يجرحه البعض بسبب انتمائه لطبقة الأعيان التي لا تعرف الولاء ـ في نظر الكثيرين ـ إلا إلى مصالحها، ومراكمة ثرواتها على حساب الفقراء. الجرح قديم لأن أعيان البلاد كما يقول مصطفى صادق الرافعي كانوا ـ إلا النادر ـ لا يميلون إلى معارضة الحكومة ومناوأتها، بل كان همهم توطيد علاقتهم بالحكومة والحكام، والتودد إليهم حرصا على مصالحهم، ثم جرفهم التيار، فانضموا إلى الحركة في سنة 1919، وبعضهم منذ سنة 1921، ومهما قيل من أن…
يقف بيت توفيق أندراوس بالأقصر شاهدا على لحظة تاريخية تجسد صورة من صور نضال الشعب المصري في سبيل الحصول حريته واستقلاله عن المستعمرين، وكان ذلك أثناء زيارة سعد زغلول إلى الصعيد، من أجل تقوية الشعور الوطني، لكن المفتشين الإنجليز ورجال البوليس المصري في عهد وزير الداخلية عبدالخالق ثروت قاموا بمنع سعد زغلول من مغادرة الباخرة التي يستقلها، لكن الباخرة نجحت في التوقف أمام بيت توفيق أندراوس، ونجح سعد زغلول في النزول منها وذلك بحيلة من يسى أندراوس. توفيق أندراوس في يوم 11 أكتوبر سنة 1921، أقلعت الباخرة “نوبيا” التي تحمل الزعيم وصحبه، وهي باخرة كبيرة ذات ثلاث طبقات تم استئجارها…
“العراسة” جماعة من أهل القرية، تُسْند لهم مهمة تنظيم الاحتفال بالعرس وتتخصص فيه، وبجانب طقوس الأفراح المعروفة، كانت تقوم تلك الجماعة بتشخيص أدوار معينة، على سبيل الدعابة، كأن يلعب “عم العراسة” دور السلطان أو الملك أو عمدة القرية، ويكون له الحق في إصدار الأحكام ـ الهزلية عادة ـ ويلتزم كبار العائلات بتنفيذ أحكامه بجدية مهما كانت الظروف، وهذا الدور الذي يلعبه “عم العراسة” ويتحول بموجبه من كائن هامشي جدا إلى كائن مركزي، وهو دور طقسي له أبعاده الرمزية، و ينتمي إلى ثقافتنا الشعبية، لكنه يحمل جانبا إنسانيا إذ نجده في ثقافات أخرى بأشكال مختلفة، ويتلاقى مع الحلم العام الذي تذوب…
تتوزع تجربة درويش الأسيوطي (1946-) على عدة محاور، هي أعماله الشعرية، وأعماله المسرحية، وأعماله في جمع وتدوين ودراسة التراث الشعبي في منطقة وسط الصعيد، وأخيرا أعماله في مجال أدب الطفل، وتتفاوت تلك الأعمال من حيث غزارة الإنتاج، و تأتي تجربته المسرحية في المقدمة، حيث قدم أكثر من خمسين عملا تتوزع علي المسرحية الطويلة والقصيرة. كل هذه المحاور تكشف عن جهود كبيرة بذلها الرجل، تصل إلى درجة النضال اليومي الشاق، في ظل ظروف غير مواتية على مستويات كثيرة، منها استقراره في صعيد الستينيات والسبعينيات بعوائقه الكثيرة، واضطراره إلى السير وحيدا في طرق غير ممهدة. هذا النضال الأدبي ارتبط ارتباطا وثيقا، بنضال…
في بداية القرن العشرين كانت مصر قبلة الأوروبيين الطامحين في الثراء، ومنهم هذا الشاب اليوناني “بيتروس ماغنيس”، الذي جاء إلى مصر في الخامس من أغسطس عام 1903، واشتغل بتجارة الأقطان في الصعيد، وظل في مصر حتى رحيله سنة 1950، لكنه لم يحقق الثراء، بل صار شاعرا، و ولعل قصيدته القصيرة “عار الأسرة” التي كتبها في جرجا سنة 1933، تلخص تلك المسيرة: قال مدرسه عندما كان صغيرا: “سيصبح ذات يوم عظيما” وسمع أهله الفقراء بذلك، فمضوا يتخيلونه صاحب مقهى في بلدهم، أو مهربا ذا صولة ونفوذ، هناك في مصر الذائعة الصيت. مضى الصبي يكبر، وتكبر لدى أهله شهوة الثراء، إلى أن…
الصرخة هي البوابة التي عبر منها فؤاد حجاج إلى عالم الشعر، وقد حدث الأمر بمعناه الحرفي، فقد بدأ الكتابة عندما تلاقت صرخة الموت مع صرخة الميلاد. في عام 1967 كانت أمه في زيارة أسرة صديقة وعادت إليه بخبر عن نجل هذه الأسرة الذي كان جنديا في الجيش واستشهد في الحرب، وفي اليوم نفسه كانت زوجة ذلك الجندي تضع أول مولود لها. وعندما حكت الأم تلك الحكاية تلبَّسه شوق غريب للبوح، وهكذا صرخ بلسان هذا الرضيع الذي أتي للدنيا وكتب عليه ألا يرى والده، فكانت أول قصيدة له، وقد حملت اسم “صرخة جنين” ونشرها في ديوانه الأول “وادي الخوف” وكان يعتبرها…
غالبا ما نتكلم عن الثأر من مقاعدنا البعيدة عن موقع الأحداث، وهذا يسمح لخيالنا بالتدخل و خلق صورة مشوهة، ومن الجيد أن نصغي كثيرا لأصحاب الشأن وهم يتحدثون. سوف نقدم هنا مقطعين من يوميات شاعرنا المتورط في القتل( مذبحة أبي حزام)، يعرض فيهما لحال القرية ومعاناتها من مشكلة العنف، كما يقدم فيهما رؤيته للثأر وكيفية القضاء عليه، وكي نستوعب كلامه، يُستحسن أن نأخذ فكرة عن طبيعة القرية التي حدثت فيها المذبحة، وهي قرية ابو حزام التابعة لقرية الشعانية، مركز نجع حمادي، والتي تعتبر مع منطقة (حمرة دوم) الملاصقة لها، من الأماكن الخاصة جدا، من حيث خطورتها الأمنية، وارتباطها بأكبر الأشقياء…
