يجب على العاقل ألا يجعل قراءته الأساسية (القراءة التي تبتغي اكتساب معرفة ومتعة ذهنية) نشاطا على منصات التواصل الاجتماعي. وألا يقصرها على ما يعرض ضمن منشورات مستخدميها ويظنه “محتوى” جديرا بالاكتساب والتعلم. ببساطة، يفرض الوجود على هذه المنصات نمطا من القراءة العجلى شديد الاختزال. يغوي بالاستباق لمشاهدة أكبر قدر من مساهمات المتكلمين، وإبداء التفاعل السريع معها. وتلك اختزالية تجعل نصيب كل فكرة معروضة من وقتك محدودا جدا، وأقل من أن يقيمها عقلك ويوفيها حقها ويتفاعل معها بجدل معتبر. مثل هذا النمط الملول من القراءة يزيد من توهمنا اكتساب المعرفة لمجرد كثرة ما يتراكم أمام عين القارئ من الكلام. وحواس القارئ…
الكاتب: عبده البرماوي
يدهشنا الصديق والفنان التشكيلي الرائع محمد عبلة من وقت لآخر باهتماماته المتجددة، ومؤخرا وضع على صفحته في الفيسبوك مجموعة من صور لافتات شوارع القاهرة، وقد سأل أصدقاءه أن يمدوه بأي معلومات ومصادر تخصها. لديه كل الحق، فهذه اللوحات المعدنية المطبوعة بعناية، تتراقص فوقها الخطوط المكتوبة بعناية ولطف، وبحفر أبيض على أرضية من الأنامل الأزرق الجميل. وبها زينت مداخل كل شوارع القاهرة القديمة، من أكبر طريق لأصغر عطفة. اللافت فيها هو المستوى المتقن الذي كتبت به، بخطوط غلب عليها خط الثلث. ومعه كتابة بالحروف اللاتينية، وقليلها كتب بخط النستعليق (الفارسي). وكوني خطاطا أكاديميا دارسا، كنت أسمع من أساتذتنا في مدرسة الخطوط…
فيم يورطنا النقاد الصحفيون؟ لا أنكر أهمية كبيرة لهذا النوع من الكتابة النقدية التي يغلب عليها الطابع التنبيهي والاحتفالي، والتي لا تجد الفرصة لعمق يقتضيه النقد الفني، بسبب اعتبارات المساحة، واعتبارات الآنية والوصفية التي تؤثرها الصحافة، وعمومية أساليب الكتابة للجمهور العام. ولهذا السبب، ووعي بحدود النقد الصحفي، لا آنف حتى من تورط نقاد الصحافة في البلاغة الفارغة واعتماد قوالب واستعارات لا تصل بالقارئ لمعنى نقدي معتبر، وتوهمه بمعرفة لا تعكس أي أطر نقدية وجيهة ولا تقرأ من عين التطور النظري والبحثي في مجال النقد. كذلك لا أرفض الاستغراق الوصفي الانطباعي والاكتفاء بأوهام “شاعرية النقد” لستر العجز عن التحليل والجدل من…
لعيون التائهين ملاذ فيك، وأنت التيه! يهتفون حيرةً: أي أخرق أنت؟ تلوح بكفك المخضبة بحبر الكتابة، وتهمس فيهم: أنا يا رفاق الزنازن هذي الحروف المهدرة؛ أنا التجربة؛ أنا ظلي؛ والموت الرفيق. (2) عبارات السجان كلها، ووقعها الرتيب، أنا؛ وأنا حزنكم الثاوي عند المنتهى؛ أنا صمت الطفل وصخبه؛ أنا الحظ ولعبه؛ أنا الحزن .. وصحبه؛ أنا قدره؛ أنا أنتم حين تباركنا غيامات الرحيل.. أنا النار حين يصير كل شيء فينا مستحيل؛ المرآة التي تعكس وهجها وعود الكبريت المنتظر وخوف اللهب أن يشتعل والصرخة وألمها والبريق (3) يهمسون: حشدنا مجتمع بانتظار المعجزة عسى أن يعود زغب السحاب لينقش هذي الحروف، أسودَ. أضحك؛…
طالما انفجر حديث «الكرة الشراب»، بعدما أظهر ابننا محمد صلاح حنينه إلى أيامها. وترك هذا الحنين أثره على ظهر مدافعي فريق واتفورد، فيجدر علينا نحن الأكبر سنا أن نصارح أجيالنا الجديدة بما تعنيه اللفظة، لئلا يختلط على بعضهم جوربا بمشروب. وليفهموا ما لهذه الكتلة العجيبة من الصوف وخيوط القطن والمطاط والإسفنج من دور كبير في فرز اللاعبين الحريفة من أولئك “الكتيانين”. ولأني من جيل التحولات الكبرى، الذي شهد بعينيه صعود الكرة “الكوفر” في الشوارع والحارات، وإنهائها لذلك العصر العجيب الذي زينته الكرة الشراب. فيجدر بي أن أبدأ بحكاية صناعتها، تلك الساحرة الأولى، وكيف كنا نجلب تلك العناصر التي تكونها، وهي…
