باب مصر

الكاتب: أحمد الفخراني

  • بورتريهات متخيلة(6): أحمد زكي.. جسد مضاء بجرح

    بورتريهات متخيلة(6): أحمد زكي.. جسد مضاء بجرح

    مضاء بجُرح. روحي فم جائع، حفرة لا تردم، إن لم تجد شيئا لتطعمه، ألقمتها قطعة من جسدي. روحي تاقت إلى أن تلتمس وتستشعر كل ما تحت الشمس، أن تستنطق عتمة ليل، فتصير هي كل شيء، فتفهم كل شيء.  الحياة ممر ضيق مرشوق بالنصال، وروحي كتلة أعصاب محترقة، مفتوحة على كل عناق، فلأطعن، دائما ما كان في الروح متسعا لطعنة إضافية، ففي حلاوة النزيف ومره، أختبر طعم الحياة والموت.

    ببطء، بسرعة، بثبات، بانهيار، بيقين، بشك عظيم. برسوخ، بجذور هشة، بغناء خشن، بطرب يسلطن به صاحبه نفسه، بترنم، بصفير، بشجاعة، بجسد يرتجف تقدمت في ممر النصال. كان للجسد إذن أن يتشقق بغتة كزجاج، ينضم إلى جوقة النصال ويطعن. ما الرهان، سوى أن قربان الفن الوحيد المقبول، هو حياتي بأكملها، محروقة القلب والحواف؟

    أرواح من الأسمنت

    أنا كل وجه، قال. أنا كل روح، كل تحول، كل فيض، كل نعمة وخطيئة، ألتقط الإثم من العيون ولا تشفيني البراءة. أنا عنفوان سيحطم على صخرة الوجود، بكل هشاشته، كأني ذات خاوية لإله، لم تكن فقط قادرة على محاكاة البشر، لو استطعت لكنت حجرا، شجرة، خرير ماء، انحناءة عمود إنارة. أنا الخوف، الامتثال، العجز، الصمت، الغضب، الملل، الحب، الحماقة.

    كرجل أسير غرفة، سيئة الإضاءة، أشكل الأرواح كصلصال، أدرب مزاجي – عندما يكون رائقا- على أن يضيء كقمر. أنا الكون، هذا ما رغبت في عناقه، صدتني عنه أرواح من الإسمنت.

    لا قرب إلا إذا أمعنت في الاغتراب، كل من على الأرض صاحبي وجليسي، لكن صديقي الأثير هو الوحدة، لأنها الشخص الوحيد الذي بإمكانه أن يصادق شخصا بلا هيئة. عندما نجحت أخيرا في مراوغة القدر، انتخبني الموت لصحبته. أولد وأموت، أولد وأموت، كل ليلة، كل نهار.

    عتمة الحوائط

    بأظفاري حفرت عتمة الحوائط، بأسناني، فمي التقط حجرا فعوى، سد حنجرتي حجر فصرخ، صرت حجرا فسالت صلابته، جسدته كروح ولغة. صار الحجر ثغرة في الحائط، وأنيسا.

    صورة للممثل المصري أحمد زكي
    أحمد زكي

    التقط شفاها وأصابع، أطرافا مبتورة، حركة، ملمحا، أشباحا، جفافا في الفم كان في الأصل تنهدات حارة، حصى كان في الأصل آمالا عظيمة، أقفال غرقت مفاتيحها في جوف بحر، ومفاتيح يتيمة الأقفال، أعقاب أرواح ذابلة، أفواها ملطخة بعار ما.

    في انشغالي بجمع أجزاء الوجود المفكك، لم أنتبه لطقطقة الزجاج، تجاهلت نذير الصدع، حتى صار شروخا. كيف أتوقف عن نسخ الأرواح داخل جسدي، عن تجريب ملايين الوجوه فوق وجهي الخفي. بطموح ساذج، كنت أعد للموت حفرته وشاهد قبره، لكن ذلك العجوز ذي المنجل المهووس بالحصاد، بالنظرة الخالية من الغرض، ببخار الشهوة البارد في فمه بالعين التي رأت كل شيء وخبرت كل حيلة للفرار منه، دائما أذكى.

    رهان أحمق

    أدخن بشراهة لأمتص رعب الوجود العميق. أدخن بشراهة لأستهزئ بالموت. رهان أحمق، فكل ما أملكه أمامه أن أختار بنفسي أداة القتل، ألمح ذلك الشيء المجروح في عينيه، وابتسم مستسلما، في الحفرة التي أعددتها لدفنه، أسقط.

    أصير كل شيء، فأفهم كل شيء، يصير حجر الموت ثغرة في الحائط، وأنيسا.

    اقرأ أيضا:

    بورتريهات متخيلة(5): سيد مكاوي.. كرنفال من العطب

  • بورتريهات متخيلة(5): سيد مكاوي.. كرنفال من العطب

    بورتريهات متخيلة(5): سيد مكاوي.. كرنفال من العطب

    أوقفني سيد مكاوي في ” الأنس”، وقال لي: الموت خدعة.. قلت له: كأغنياتك.

    لأن من لا تلمع في أركان ظلمته سوى نصال أسلحة غامضة، سوى عيون بيضاء لأشباح لا يرضيها أقل من عناق وحشي. عليه أن يروضها بأغنيات كتلك، جسورة مبهجة، وإن ادعت، تحيل أسى العشق دلالا، مرارة الهجر لطفا، ومن مطاردة الأشباح له في الأزقة المسدودة إلى لعبة استغماية. أما عذاب الأرق فيصير سهرة أنس يغني فيه لأقمار وشموس، يخترع فيه أقمارا وشموسا.

    «أنا قلبي مزيكا بمفاتيح»

    أوقفني سيد مكاوي في ” الظلمة” وقال لي: غدا تعرف أفضل وترى.

    ما العمى إلا حلم طويل. قايض فيه صاحبه حياته ببصره، بعد أن عض بجفنيه على ثمرة الضوء المرة، يعيش حياته كلها وهو يحاول أن يغرقها في بحر من ظلمة. مكان ألفته الوحيد، كيف يخشاه، وقد أعاد تشييده، من ظلال وهشيم ورماد وغبار ونثار ورود، حيث ينهض العالم من جديد كميت بعث.

    أيرى الفنان أي شيء إلا بعينين مطبقتين على الصمت العظيم، حيث تنطق أخيرا لغة الأبدية. أيمكن لنا أن نرى أي شيء حقا إلا عبر حلم؟.

    في بحر ألفته المظلم، لا سماوات مترعة بالنجوم، بل نجمة طرزت باليد واحدة تلو أخرى، رغم المسافة الدامية بين شق الإبرة وسم الخياط، يولج كون بأكمله.

    البيانولا – سيد مكاوي

    «رايح فين يا مسليني»

    أوقفني سيد مكاوي في ” الهجر” وقال لي: كلما هُجرت قلت لنفسي أملك اليوم أغنية. فكانت بذرة قلبي تطرح شجرا باسقا فى كل مرة.

    عيناه قلعتان، يمعنان النظر إلى الداخل، تصفر فيهما الريح على أوتار عود كي تهدهد الرعب في نفوس التائهين. مصباحان معلقان يقتفي ضوؤهما الخافت أثر خطوات ضائعة. الشياطين ككل المساكين بالروح يخضعون للنغم.

    ليس كل ضرير عبقريا، ذكيا، لماحا، خفيف الدم لكن من اكتشف داخله إرادة البهجة ضد لعبة المرايا المشوهة. من رأى أن “يا حلاوة الدنيا يا حلاوة” رغم ثمرة الضوء المرة المحشورة في عينيه، ستركع من أجله كل سماء، وستتفتح من أجله كل عين ضريرة وأذن صماء، لتردد خلفه جذلانة “يا غزال يا غزال ده العشق حلال“.

    من خمول، من كسل، من نعاس يخشى النوم كقبر، كيوم الحساب، ينبجس ماء النغم من بين أصابعه كنبع، ويحولنا جميعا من قتلى السماء والأرض إلى ألحان.

    «عندك شك في إيه؟»

    أوقفني سيد مكاوي في ” الفن” وقال لي: قلت للشيء كن فلم يكن، فاتسعت الهوة ونشأ العالم، مشوها، مبتورا، كومة من الخذلان، أشعلت فيها النار فرأيت الرب. سألته: ما الفن؟ أجاب: كرنفال من العطب.

    اقرا أيضا:

    بورتريهات متخيلة (4): شريف منير.. كمنفي عن الزمن

    بورتريهات متخيلة (3): عادل إمام.. لأن مقلوب الجبل هاوية

  • بورتريهات متخيلة (4): شريف منير.. كمنفي عن الزمن

    بورتريهات متخيلة (4): شريف منير.. كمنفي عن الزمن

    أؤمن بهذا.. ما لم تهزمه قبل سن الأربعين، سيهزمك ما تبقى من حياتك، سيدمغ حقيقتك إلى الأبد. كل ما جاهدت لإخفائه عن الآخرين وعن نفسك، كل ما تكاسلت عن مقاومته والانتباه له، سيطفو في عينيك كروث متحجر. تصير الدودة الكامنة التي تركتها تنخر روحك تنينا.

    شريف منير شابا

    جبين صاف، نظرة تطوي كرامة الموهبة، تضوي بغضب طازج ونشوة، حيرة وإيمان برئ أن العالم عدو، خلق ليركع أحدهما أمام الآخر. تحت سفح قدميه رآه العالم جبلا، مفتونا بمباهج تلك الروح الشابة مازال، ساخرا في سريرته، من ألاعيب الزمن، الذي خبر في أبديته كل شيء.

    في وجهه شيئا من قبس سماوي، جذوة النار المسروقة، لا لم يخدع الآلهة وهو يسرق تلك النار، لقد تغافلت عمدا كي تهبنا شيئا لن يغوينا إلا إذا كان ملعونا.

    في حساسية ملامحه تعبيرات لا تضاهى، يناطح الموهبة بالموهبة، بالقوة تارة، بالرقة تارة، بعنفوان من الهشاشة، وفيض نبع، ببكارة الضباب والأحلام، بوميض سحري، ذلك الذي لن يهزم أمام شيء عدا نفسه.

    مفعم بالرفض تجاه القبح والبشاعة. يستشعر عمق الجرح في لحم الكون. ولأنه مازال عطشانا لن يقبل الفظاظة أو العار، لن تخيفه الشياطين التي تتراقص في عمق الضباب الكثيف والبائس.

    شريف منير كهلا

    ما يتربص بمعجزة الشباب كلمة مشؤومة، حيلتها الوحيدة أنها تنتظر. حاملين بذور خرابنا معا، ننثرها مع كل خطوة ونفس.

    نظن في البداية – بثقة طفولية- أننا لسنا جزء منه، ولن نكون، ممتلئين بسذاجة النضرة والفتوة والأمل.

    لكن العفن مقيم، أبدي، أكثر حكمة، ينتظر ساخرا من سذاجتنا ومن تفاهة الإنسان وغروره، ناسجا شباكه بمهل، يهضمنا ببطء، ولا يتكفل مشقة أن يعلن انتصاره. نصير جزءا أصيلا منه، منتجين له، مدافعين عنه بضراوة، ونحن نلهو بوهم، أن طزاجة أرواحنا، صارت حكمة وبصيرة.

    كسارية علم، يتخشب الجسد، لكن لا شيء هناك ليرفرف سوى رماد الإصرار البارد في العينين، يتشنج الصوت، تتصلب الملامح كلها على فكرة، نصير لافتة رديئة لحلم بائس. لا نظر، بل محض نقطة عمياء.

    الطريق مرير. ضمور الروح، تفتت نسيج الضوء هو الثمن.

    لعلنا في الأصل كنا نفوسا علوية وإلهية، شديدة الفتنة، محفوظة في خزانة بمكان قصي، فوق سبع أفلاك وسبع سماوات.

    لعل الشياطين ظلت تتخطف فتنة نفوسنا، ونحن نهبط من سماء إلى سماء، حسدا وطمعا، كم يجب أن نجتاز من الأبدان وجوقات الشياطين وثورات النجوم والأفلاك، قبل أن تنهشنا دودة الروح. من يخشى أن نصير فتنة؟

    شباب /كهولة

    هذا ما أراده العالم حقا عندما رأى شفتين لم يضعا الحد بين الرقة والاشتهاء: قبلة، يرتجف لها كطير مذبوح.

    هذا ما تتوسل إليه السماوات سرا، أن نكون لصوص أغوارها، أن نعريها بشجاعة من كل غموض.

    لا عشق بدون اختبار، لذا تخبئ السماء والأرض زلة المنحدر، خدعتهما الأثيرة: الخوف. نير إذا رفعناه عنا، رفعناه عنهما.

    أما العقوبة فصارمة، تتناسب مع خيبة أملهما: نواصل الحياة كمنفيين عن السر، عن الزمن. لا نرى الفارق بين كلمة الحكيم والمهرج، النشوة الصافية من كل كدر والمساحيق الكثيفة الزائفة، ضوء الشمس واللطخة. سنغوص بعيدا داخل الضباب، نرقص مع جوقة الشياطين، نصير كلمة مشؤومة تتربص بمعجزة الشباب.

    اقرأ أيضا:

    بورتريهات متخيلة (3): عادل إمام.. لأن مقلوب الجبل هاوية

  • بورتريهات متخيلة (3): عادل إمام.. لأن مقلوب الجبل هاوية

    بورتريهات متخيلة (3): عادل إمام.. لأن مقلوب الجبل هاوية

    عادل إمام، شجرة سامقة معوجة، خلطت جذور مواهبها بجذور الوضع الفاسد، بعض من فاكهتها طازج شهي، بعضها سام، بعضها شهي وسام. تلك الشجرة فتنتي منذ صغرى.

    لأن مقلوب الجبل هاوية، كان عليه أن يهبطها ببطء قاس وطويل، يتكسر فيه حجرا تلو حجر، حتى يتفتت إلى رماد من ملايين الذرات، أن يغرق في جانبه المعتم، الذي طالما دارى سوأته في جانبه المضيء فبلغ قمة كل شيء حتى صار هو الجبل عينه.

    مهربه الأخير، هو الهبوط في ظلمة بلا قرار، كي ينبعث من رماده، فلا يتبقى منه في الذاكرة سوى أفضل ما قدمه وأسوأ ما ارتكبه، حسنات وخطايا عظيمة بقدره، تستبعد منه كلا ما انحط في وحل التفاهة والادعاء.

    بائع الفانتازيا

    لذا دعني أتحدث عنه.. مرة أخيرة وإلى الأبد، فعلى تلك الفتنة التي أكنها له منذ صغرى أن تزفر بعيدا. رغم علمي أن القربان الوحيد المقبول لتحطيم الآلهة هو أن نتحطم نحن.

    لا أجترح جديدا حين أقول إن مصدر جماهيريته في عقدي الثمانينيات والتسعينيات أنه باع للناس فانتازيا عن أنفسهم، أنا أحد المشترين، أعرف وأدرك وأتعامى ككل محبيه عما يلتقطه كارهوه من افتعال ينفلت منه من حين إلى آخر، ويبلغ ذروته في مسرحيته التي عرضت قريبا “بودي جارد”.

    طفل كبير

    طفل، قدر له أن يجسد على الشاشة كل خيالاته عن نفسه، لكن بدلا من أن يفعلها في غرفته مؤتنسا فقط بخياله، أعطاه القدر أدوات تحقيقها. أن يجسد ما أحب أن يكونه، لا حقيقته وأن يخترع لها أجسادا وأسماء وشخصيات، وأن يجد حكاية توثقها كاميرا، وعشرات اللاعبين اللذين لا هدف لوجودهم سوى أن يساعدوه على استكمال الفانتازيا. الآن أدرك سبب افتتاني به.

    بائع الفانتازيا يعيشها في الأساس بكل جوارحه، تصير بضاعة سخيفة عندما يفشل في تصديقها، لكنها تصير شيئا لا يطاق عندما يتماهى معها بالكامل.. خيط رفيع بين الجاذبية والافتعال.

    خلف قناع المقاومة

    خارج الفانتازيا يصير عادل إمام ممثلا كبيرا، بالغ الإمتاع لا يملك أعتى الممثلين موهبة أو ثقافة أن يناطحه، الشرط الوحيد أن يستخرج حقيقته، فهو لا يستطيع التقمص وكل دور لا جذر له بداخله يقوم بتنميطه. يحقق ذروة أداء استثنائي يلامس القلب، عندما يلامس حقيقته أولا، كرجل هش، يكتنز عاطفة حقيقية للحب، رقيق مع الأطفال، يرى نفسه ندا لكل من في طبقته، ويشعر بالغرابة والارتباك تجاه من هم أدنى منهم، ومقاومة ممزوجة باحتقار لكل من هم من أعلى عنه مردها الغرابة أيضا، فهو ليس مناضلا على أي مستوى، صراعه مع السلطة عبر السخرية منها غير أصيل، فخلف قناع المقاومة يبحث عن نقطة انسجام، اعتراف من منطقة قوة.

    كأغلبنا سيصالح الأب الذي يخفي حبه خلف الصرامة وبلادة القسوة. ربما من هنا تنبع في عقله، النكتة، ويرى في التناقض مهزلة لا مأساة. لكن عينيه لا يخطئان الحزن أبدا، يشع منهما بنبل، بدفء، ويتحول وجهه إلى تمثال رقيق للكرامة. لا يحب الصراخ، فهو يحول كل حزن إلى نكتة، خطيئة لن يرتكبها كوميديان بالفطرة. كل ما يسعى إليه بإثارة الضحك، سبب بسيط وهش: الحصول على الحب. تلك حقيقته التي يهرسها التماهي مع أشباح الصورة التي صنعها لنفسه.

    اقرأ أيضا:

    بورتريهات متخيلة (1).. عفاف راضي.. كغيمة أبدية دون مطر

    بورتريهات متخيلة (2): ماجدة الخطيب.. مُقَامَرة الآن أو الأبد

  • بورتريهات متخيلة (2): ماجدة الخطيب..  مُقَامَرة الآن أو الأبد

    بورتريهات متخيلة (2): ماجدة الخطيب.. مُقَامَرة الآن أو الأبد

    أغمض عينيك على صورة ماجدة الخطيب، كل ما يجول بخاطرك هو الحقيقة، كل ما يجول بخاطرك هو متسكع كذاب.

    نحيفة ووحيدة، كنبتة ظامئة في خلاء، كشعاع قمر على نافذة. كظلام يزحف، كنبضات متباعدة يسحقها ما لم يعد يتحمله القلب، كنظرة يأست من الانعتاق.

    ظاهرها جمال صُب من مرمر الرغبة وعاج المبادرة، باطنها سذاجة مقامر ورماد حرائق الأمل.

    ظاهرها الأناقة وباطنها عظام مطحونة. ظاهرها نذير خطر، في باطنها حسرات. ظاهرها غاوية، باطنها مخدوعة.

    ذائقة اللذات، مذيقة اللذات، لم يبر لها أحد بوعد.

    تفضح لهفتها ثقتها المزعومة، رشاقة تلك الخطوة لم تُعَد لتلك الطرق، هكذا ترتبك، تتعثر، تلوى الساق، تنكسر، يُشج الرأس، ويصير الجسد خارطة ندوب، والروح حطب جاف يليق بامرأة نحيفة ووحيدة. تدمن الحب من أجل الحب. ولا يبر لها غافر بوعد.

    “مطاردة الساحرات”

    تختزلها تقارير الصحفيين المرتزقة التي تستنسخ نفسها كعشب ضار، في تعاطي المخدرات، سجن النساء، المشاجرات المبتذلة، خطف أزواج، جريمة قتل.

    كرعاع في القرون الوسطى يلصقون رعبهم الجماعي في مطاردة هيستيرية لساحرات. لأن ذلك ما يناسب كل جمال غير مبرر. لأننا لا نقوى سوى على احتمال المسوخ القابعة في أعماق وعي طفولتنا، كان علينا أن نحيل هذا الجمال إلى مسخ. كيف نلمس جمالا عاريا بعينين رموشهما أشواك؟

    كدست كل لذة، طيرتها كفقاقيع صابون. حيث الحياة هي الآن وفورا، والأبد مقامرة نخسرها الآن وفورا. لكن لا أحد يقبض على اللذة، إنها كذباب يلدغ، يئز، يطير، يدفع بصاحبه المفتون إلى الهاوية. من يذل نفسه من أجلها بالعشق؟ لا أحد، من يحمل عنها ثقل السماء؟ لا أحد. من يحررها من حجر الأرض؟ لا أحد.

    ما الذي نخافه؟ أن يتضوع من جسدها العاصفة لا العطر؟  أن يقدم لنا فمها افتراسا خرافيا لا قبلة؟. أى شىء نخشاه؟ أن تنقلب بحيرة ساكنة إلى فيض هادر. خطر إيماءة، ارتعاشة رمش، خدر نغم، رهان نزوة، وهن جناح.

    “بلى.. كانوا على حق”

    في كل صبوة انزلاق. في كل ولع حريق. في كل شوق سقم، كل وعد مبتور بفأس.

    كم مرة أخبرت نفسها. وهي تبدد قواها على الصخرة نفسها التي حطمت حيوات من سبقوها، هؤلاء اللذين فتنهم الأمل عينه، أن صخرة العالم القاتلة والأبدية، لم تكن هي كل شيء.  عائدة بخيبات كالجبال ونفير يرعد الروح، لا فرصة أمامها في لعبة المقامرة بالآن أو الأبد سوى أن ترتكب خطأ جديدا، خطأ أخير.

    مثلها لا يعثر على سلام في الروح، بل استسلام.

    أغمض عينيك على الصورة، افتحهما عن آخرهما، تأملها وهي تطير منفلتة واعتذر، أي مجرم يحبس في قفص جفنيه جمالا كهذا؟

    راقبها وهي ترفرف دائخة، وهي تقاوم ثقل هواء ضاغط وكئيب. تسقط، وإلى ألف قطعة تتحطم، شهقتها سيبتلعها جوف السكون. شهقتك.. لن تفيد.

    اقرأ أيضا:

    بورتريهات متخيلة (1).. عفاف راضي.. كغيمة أبدية دون مطر

     

     

     

     

     

     

     

     

     

  • بورتريهات متخيلة (1).. عفاف راضي.. كغيمة أبدية دون مطر

    بورتريهات متخيلة (1).. عفاف راضي.. كغيمة أبدية دون مطر

    “لن تنجح أو تفشل”. يقول متعجرف لعفاف راضي، فتصير أمثولة مهيبة سارية تختزل كل ما نعرفه عنها في جملة براقة. كشأن كل ما هو تافه وردئ في العمق. كشأن كل ما يعجب الحمقى الذين حقا لن يعرفوا النجاح ولا الفشل. هؤلاء اللذين – وبلا أي موهبة خاصة- لا يجيدون التحدث إلا عن شروط الموهبة لإخفاء ثوبهم المهترئ وانتحال الصفة التي لم تخلق لهم. لن يعرفوا أي شياطين، أي نار تسكن جوف أصوات معذبة بأصالتها، وفي ذلك جحيمهم.

    كل خطوات حسين كمال، مطلق الأمثولة صوبت نحو الانحدار إلى الرث والتجاري، ماس شحيح وروث هائل، بينما أغانيها القليلة واصلت الصعود، ليس عبر التذكر، بل تحديدا لأنها تنسى، هكذا صارت كنزا وخبيئة.

    “النداهة

    في ذلك الصوت العميق السارح في تيهه، والذي كاد أن يلامس ذروة نضجه ثم صمت بغتة، شيء من نداء النداهة، مصاغ من حضور الليل والتراتيل المغوية التي تجعل من خوض الطريق إلى نهايته، حيث الموت، فكرة أقل إيذاء ورعبا.

    الموت؟

    هذا ما كان وما سيكون، الزمن بحيرة تخطو فوقها بقدم المعجزة، الزمن قوس صاعد إلى الانحدار. ثم لا شيء. ماء تكدر وهواء مدسوس. لكنك ستتعلم أن الصفقة لا تعوض، لقد منحت صباحا إضافيا، القدم لم تكف عن إتيان أعجوبتها بعد، خرافة مشينا فوق ماء الزمن، موصولة على الأقل لليلة أخرى. الفم الفاغر للبحيرة، لن ينشق اليوم.

    صوت عفاف راضي أرض آمنة إذا ما حوصرت في أزقة مسدودة مع عويل أشباحي. ربما هو أيضا علامة وهن الروح وعطبها، فكيف شُد زمني إلى حنجرة من الماضي، وصار ما يمنحني السكينة والهدهدة، قادما من سبعينيات قرن مضى، عقد مهرجين؟

    كيف انفلتت من قبضة من لم ينتبهوا إلى حساسية بحيرة الزمن. قبضة مهووسة بتكرار نسخ تافهة من أم كلثوم؟

    كيف دفعوا الصوت الشهواني والملكي لوردة إلى التكرار بلا فهم للكوبليه؟ كيف حولوا ذلك الذهب إلى نحاس، وسمحوا لسماجة بحجم ميادة الحناوي أن تكون؟

    عفاف راضي نفسها، كانت محاولة أخيرة لمنع الطوفان الذي كان عليه أن يبتلع كل تلك الرثاثة، حتى لو كان البديل رثاثة أشد. فالثوب في الأساس مهترئ، والجسد من البداية مثخن مطعون.

    أي رسالة تخبرني؟ أن نجاتي في التقدم إلى الوراء، في الغوص إلى أسفل، أن خبيئتي التي لم تفض كامنة كلها فيما أخشاه: الذاكرة؟

     “بلا وعود”

    لا طرب، بل أوبرا أنسنت على يد أرواح نبيلة خبرت غدرا ما، فجعلت من ذلك الصوت، وسائد من سحاب تظلل أسفلت حارق (سميناه بحيرة، لأننا نرغب بقدر حرقة الأسفلت في الخدعة عينها).

    صوت يملك ما يكفي من النصاعة والنعومة، لزلزلة القلب واختراقه كراية غرسها مهزوم في قلب مهزوم (وكان ذلك انتصارهما الوحيد). متجذر في الأرض كشأن كل ما هو فريد في أصالته. يسحبك عاليا إلى أسفل، لا وعد فيه بالسماء أو الطيران. هل للصفحة الزرقاء أي عمق؟ أم أن كل عمق فيما تحت قدميك، لا في عينين مصوبتين إلى أعلى.

    حارسة للسر، تتواطىء معنا على أن يحتفظ جزء ما من الحزن في صدورنا بغموضه. غير قابل للشفاء أو التبرير، كغيمة أبدية دون مطر، كضباب نتعلم عبر بَلُورَتِّه الغائمة أن نرى. لا ترد غربة الروح إلى ألفة، لا تخترق المسافة بيننا وصمتنا، فما الكلمات إلا مونولوجنا الداخلي، وما الموسيقى إلا إيقاع مصاحب لخطوة التراب فوق الماء. خلاء موصول، مضاء بنجمة ذابلة.

    لن تمنح الأغنية بعد أن تنتهي لمستمعها إلا عزاء أن الأغنية قد خصته بشيء. يظل كما كان قبلها بأوصال ممزقة، أمله كله في أن يتماسك. قد تلطف من أنات معاركه مع الأشباح في الأزقة المسدودة، وتجعل الحنين وعدا لا قلقا غامضا يعوي في أحشائه، خدعتها الحلوة أنها تجعل العطش مرادفا للظمأ.

    “بتطلع لمين؟”

    تلك التي تبعد الحب بسأم من أراده بشدة، لا يهمها ما ينساب من بين الأصابع من ماء وفرص. سؤالها للقمر “بتطلع لمين” عبثي، لن يجيب، ليس فقط لأنه لا يبالي، بل لأن ذلك الحجر الضخم التائه في مداره المستقر، ظل ضعفه الأساسي أنه في حاجة إلينا كي نمنحه إشراقة المعنى. هكذا تدين لنا الأحجار والآلهة.

    “تعالى جنبي”

    ما المصير؟ لا يهم، لأن كل شيء الآن، مكتنز في لحظة عذبة.

    عطاشى”

    ما الماضي؟ حلم.

    قضينا الليالي”

    ما الخوف؟ أشباح ذاب عويلها في صدى الكورال، فصار أغنية حلوة.

    قال لي تعالي

    ما الموت؟ صديق لا يمل من انتظار رفاقه.

    لمين يا قمر

     

    ما لم نفهمه هو خبز قلوبنا، فكل غامض صار قدسيا، جليلا، صار صلاة، لا شيء مرعب في صلاة ولو كانت لحجر تائه في مداره المستقر. لا استحقاق، بل كفاح صبور وطويل للتماسك، تخبرني أغنياتها بطريقة أو بأخرى. هدية السماء أو الأرض الوحيدة، مجرد أغنية حلوة. علينا أن نتلقفها بتواضع وامتنان، ونرضى بها عن كل معركة خاسرة، أليس في ذلك شيء من النبل وكرامة القلب؟

    صوت “لن ينجح أو يفشل”، يا للتفاهة!

باب مصر