باب مصر

الوسم: نهر النيل

  • «النيل خلود نسبي».. روجيه أنيس يستعيد أساطير النهر لمواجهة التلوث

    «النيل خلود نسبي».. روجيه أنيس يستعيد أساطير النهر لمواجهة التلوث

    في وقت تتصاعد فيه المخاوف حول نهر النيل، من التلوث إلى أزمات سوء الاستخدام، يظهر المصور الفوتوغرافي الصحافي والوثائقي المصري روجيه أنيس محاولًا إعادة النظر إلى النهر، ليس فقط بوصفه مصدرًا للمياه، بل كذاكرة وأساطير وحياة يومية ومجتمع كامل يعيش على ضفافه. ومن هنا يأتي معرضه «النيل خلود نسبي»، المقام في الجيزويت بالإسكندرية بداية من الخامس من مايو ولمدة شهر، حيث يقدم النيل في صور بديعة تجعلنا نتأمل: ماذا يمكن للفن أن يفعل تجاه النيل؟

    المعرض لا يكتفي بتقديم صور للنهر، بل يأخذ الزائر في رحلة طويلة تمتد من إثيوبيا إلى السودان ثم مصر، مرورًا بحكايات الصيادين والأساطير القديمة والتلوث والبشر الذين ما زالوا يعيشون مع النهر يوميًا. وقد بدأت الرحلة عام 2017، عندما كُلّف روجيه بالعمل على موضوع في دلتا النيل. وهناك راوده سؤال بدا بسيطًا: “ما الذي حدث للنيل؟”. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة بحث لم تنتهِ حتى الآن، دفعته إلى السفر لمنابع النيل في إثيوبيا، والتنقل بين دول حوض النيل، محاولًا فهم العلاقة المعقدة بين البشر والمياه.

    من الأسطورة إلى الواقع

    لكن المعرض لا يعتمد على المعلومات وحدها، بل يوظف الفن كوسيلة لإعادة بناء علاقتنا بالنهر. ويظهر ذلك بوضوح في “مهرجان النيل”، الذي أعاد روجيه إحياءه بالتعاون مع مبادرة Very Nile وسكان جزيرة قرصاية. والمهرجان مستوحى من الاحتفالات القديمة المرتبطة بوفاء النيل، التي كانت تُقام طلبًا للفيضان الذي يمنح الأرض الحياة والخصوبة.

    ويقول روجيه: “أنا ممتن للتمثال لأنه خلاني أرجع أدور على أسطورة عروسة النيل ونقيم الاحتفال من تاني”. فقد كان تمثال “عروسة النيل” داخل متحف النيل الشرارة التي دفعته للتساؤل: لماذا ما زالت هذه الأسطورة حاضرة في الذاكرة المصرية حتى الآن؟ وما حقيقة هذه الحكاية؟

    وتدور أسطورة “عروسة النيل” حول فتاة جميلة يتم التضحية بها للنهر طلبًا للفيضانات والخير. ورغم عدم وجود دليل تاريخي يؤكد حدوث هذه التضحية فعلًا، فإن الأسطورة استمرت في الوجدان المصري عبر الأفلام والأغاني والحكايات الشعبية.

    وبالنسبة لروجيه، لم يكن المهم ما إذا كانت الأسطورة حقيقية أم لا، بل لماذا ما زلنا نتذكرها، وكيف يمكن استخدامها اليوم لإعادة التفكير في علاقتنا بالنيل.

    اقرأ أيضا: «المدينة التي نحلم بها».. معرض يعيد رسم الإسكندرية بالحكايات

     

    من “عروسة النيل” إلى البلاستيك

    هنا يبدأ الفن في لعب دوره الحقيقي. فبدلًا من إعادة إنتاج الأسطورة كما هي، يحاول روجيه إعادة تفسيرها بشكل معاصر. ويقول: “مافيش عروسة نيل بتترمي، الصيادين هم اللي بيلموا البلاستيك من النهر، أنا بعيد إحياء عروسة النيل من  تاني”.

    لكن بدلًا من إلقاء “عروسة النيل” في الماء، أصبحنا نلقي القمامة والبلاستيك. ووفقًا لما ذكره روجيه، أصبح نهر النيل واحدًا من أكثر الأنهار تلوثًا بالبلاستيك وإسهامًا في نقل المخلفات البلاستيكية إلى البحار والمحيطات.

    وفي جزيرة قرصاية، التي يصفها روجيه بأنها “نسخة مصغرة من النيل”، يعيش الصيادون وسط التلوث ونقص الأسماك والتغيرات البيئية، وفي الوقت نفسه يحاولون ابتكار طرق للبقاء. ومن خلال مبادرة Very Nile، يعمل عدد من الصيادين على جمع البلاستيك من النهر مقابل دخل مادي، ثم يُعاد تدويره واستخدامه مرة أخرى.

    ويتحدث روجيه عن أحد الصيادين قائلًا: “يعني يوم صياد زي عماد مقسوم اتنين، الصبح صياد، وبعدين يلم بلاستيك من النهر. في مرة ركبت معاه من 12 بالليل لـ9 الصبح، وكان بيلم بلاستيك طول الوقت.” ويضيف أن عماد لا يزال يستخدم طريقة تقليدية في الصيد، إذ يغوص داخل المياه ويصطاد السمك بيده.

    وهنا يتحول الصياد نفسه إلى جزء من العمل الفني، لا مجرد موضوع للتصوير. فالفن عند روجيه لا يقوم فقط على إنتاج صور جميلة، بل على العمل مع المجتمع نفسه. فقد شارك الصيادون في تنظيم المهرجان، وتزيين المراكب، وصناعة الأغاني، وتحضير الاحتفال. ولم يعودوا مجرد أشخاص داخل الصور، بل صاروا مشاركين في صياغة الرواية نفسها.

    تمثال "عروسة النيل" في متحف النيل بأسوان.. الصورة من موقع المصور روجيه أنيس
    تمثال “عروسة النيل” في متحف النيل بأسوان.. الصورة من موقع المصور روجيه أنيس
    الفن وسيلة للتذكّر

    منذ أول نسخة لمهرجان النيل عام 2024، التي شارك فيها نحو 20 صيادًا و50 زائرًا، بدأ المشروع يكبر تدريجيًا. ففي 2025 وصل العدد إلى نحو 500 مشارك، ثم إلى ألفي زائر في النسخة الثالثة عام 2026. وبالنسبة لروجيه، لم يكن الهدف مجرد إقامة احتفال، بل خلق مساحة تجعل الناس تتذكر النهر مرة أخرى.

    ويظهر ذلك أيضًا في طريقة عرض الصور داخل المعرض، إذ أقيم المعرض في مساحة مفتوحة وسط الأشجار والخضرة، بحيث يتحرك الزائر مع الصور كما لو كان يسير مع مجرى النهر نفسه. ويقول روجيه: “أنا شايف إن ده رحلة، وعايز الناس تشوف الرحلة دي. فكرة إنك تمشي مع الـflow  وتمشي مع الطبيعة والخضار، فتشوف وتفكر”.

    وهنا يصبح الفن محاولة لجعل الناس تعيش النهر، لا أن تراه فقط، خصوصًا في بعض المدن التي لم يعد معظم سكانها يرون النيل يوميًا، رغم اعتمادهم الكامل عليه. ويقول: “إحنا واخدين النيل كحاجة مضمونة”، مضيفًا: “النيل موجود… بس موجود في المواسير”.

    اقرأ أيضا: تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

    الجمال كطريقة لرؤية الأزمة

    رغم أن المعرض يتناول أزمة حقيقية تتعلق بالتلوث والمياه، فإنه لا يقدمها بصورة كئيبة أو مباشرة. فالصور شديدة الجمال، مليئة بالخضرة والضوء والاحتفال. وعندما سُئل روجيه إذا كان يخشى أن ينسى الناس المشكلة بسبب جمال الصور، أجاب: “إنت مش لازم تفكر في المشكلة، فكر في النعمة اللي عندك فتقدرها”.

    الفن هنا لا يعمل عبر التخويف، بل عبر إعادة خلق الإحساس بالقيمة. فبدلًا من إغراق المشاهد في الكارثة، يحاول أن يجعله يشعر بأن النهر شيء يستحق الحب والاهتمام.

    وفي إحدى الصور التي التقطها في إثيوبيا، يظهر أشخاص يزورون شلالات النيل، وعلق عليها قائلا: “هم بيحجوا للنهر”. وفي صورة أخرى من المنيا، يظهر الناس ذاهبين للاحتفال بشم النسيم قرب المياه والخضرة.

    ويعلق روجيه على ذلك بقوله: “الناس زمان كانت بتحج للنيل بيحجوا للخضار”. وهنا يتحول الاحتفال نفسه إلى فعل تذكّر، ومحاولة لاستعادة علاقة روحية وثقافية قديمة بالنهر.

    النيل الواحد.. والوجوه المختلفة

    لكن المعرض لا يكتفي بالاحتفاء بالنهر، بل يحاول أيضًا الكشف عن التناقضات التي تحيط به، ففي الوقت الذي دمرت فيه الفيضانات أجزاء من السودان عام 2020، يعرض روجيه صورة لمواتير المياه المتراكمة أسفل أحد المباني في القاهرة، في مفارقة تعكس فائض المياه في مكان، ومحاولة التخلص منها في مكان آخر.

    كما يوضح المعرض أن النيل واحد، لكنه يبدو مختلفًا من دولة لأخرى، ومن مجتمع لآخر، بحسب طريقة تعامل الناس معه.

    ويعلق روجيه أنيس على إحدى صوره قائلًا أنه رأى في إثيوبيا أشخاصًا يسيرون لساعات حاملين الجراكن لجلب المياه، بينما اعتاد المصريون وجود المياه داخل البيوت دون التفكير في قيمتها.

    ماذا يستطيع الفن أن يفعل؟

    رغم أن قضية سد النهضة الإثيوبي تظل حاضرة في النقاش العام حول النيل، يرى روجيه أن الخطر ليس فقط في السد، بل ربما يكون أقرب مما نتخيل. ويقول: “اللي مخوفني أكتر هو التلوث وسوء الاستخدام”. ويضيف أن المصريين اعتادوا وجود النيل لدرجة أنهم لم يعودوا يشعرون بحضوره أصلًا، معتبرين المياه شيئًا مضمونًا ودائمًا، بينما النهر نفسه هش وقابل للفقدان.

    في النهاية، لا يدّعي معرض “النيل خلود نسبي” أن الصور يمكنها تنظيف النهر، أو أن الأساطير قادرة وحدها على وقف التلوث. لكن الفن، كما يعكسه روجيه، يستطيع على الأقل أن يجعل الناس تتوقف للحظة، وتنظر إلى المياه بشكل مختلف، أن يعيد للنهر حضوره داخل الوعي، لا باعتباره مجرد مورد مضمون، بل ككائن حي يمكن أن نفقده.

    اقرأ أيضا: «المدينة ستطاردك».. لماذا نحتفل بالإسكندرية؟

  • صيادو الأقصر يواجهون أزمة.. اختفاء الزريعة والتغيرات المناخية تقلص الثروة السمكية

    صيادو الأقصر يواجهون أزمة.. اختفاء الزريعة والتغيرات المناخية تقلص الثروة السمكية

    ما بين توقف إلقاء الزريعة، وطرق الصيد غير الشرعية بالكهرباء والسُم، فضلًا عن ارتفاع منسوب المياه، وانخفاض درجات الحرارة في الشتاء وارتفاعها في فصل الصيف بشكل ملحوظ نتيجة التغيرات المناخية، يجد الصيادون بمحافظة الأقصر صعوبة في ممارسة مهنتهم التي اعتادوا عليها منذ سنوات طويلة وأصبحوا يواجهون صعوبة في الحصول على قوت يومهم وإعالة أبنائهم.

    الفلوكة والمجداف.. وسائل الصياد في الصيد

    “ماشية بالستر معانا، مالهاش حسابات، ممكن أقعد في الميه 4 ساعات وممكن 12ساعة. وممكن يطلع سمك وممكن لأ”. هكذا بدأ حديثه أحمد سيد أحمد، في الثلاثينات من العمر، ويعمل في مهنة الصيد منذ قرابة 22عامًا. ولديه ثلاثة أطفال ينفق عليهم من العمل في صيد السمك بمحافظة الأقصر. وفي حال توفرت فرصة عمل أخرى يعمل بها، لكن الصيد يظل مهنته الأساسية.

    وعلى الرغم أن مراكب الصيد الصغيرة أو “الفلوكة” يمكنها العمل بالموتور الكهربائي أو بالمجداف. لكن أحمد يفضل العمل على المركب ذات الموتور، فهي أفضل في العمل وأكثر قدرة على الوصول إلى مناطق بعيدة في نهر النيل. كما توفر الوقت والجهد معًا.

    وأضاف أحمد أن استعمال الموتور في مركب الصيد يقصر المسافات. فيمكنه خلال 4 ساعات توفير 3 ساعات إضافية يستغرقها الصيد بالمجداف. فمثلا الصيد في منطقة كأرمنت يستغرق الوصول إليها ثلاث بالمجداف، لكن بواسطة الموتور يستغرق الوصول إليها ساعة ونصف أو أقل. كما أن صوت الموتور لا يسبب إزعاجا للأسماك. فعقب الوصول إلى المنطقة وبدء الصيد يتم فصله نهائيًا.

    الجوابي وشباك الغزل.. كل موسم أداة

    عن أفضلية العمل باستخدام الشباك أو الجوابي، يقول أحمد: “استخدام الجوابي في الصيد مؤخرًا أفضل من الشباك ذات التكلفة العالية التي تصل إلى 2000جنيه. نظرًا لتعدد مكوناتها من الفل والرصاص والأسلاك والفتلة،. فضلا عن سرعة تلافها وانقضاء عمرها خلال شهرين فقط من العمل. على عكس الجوابي التي يصل عمرها الافتراضي إلى عام كامل”.

    أما خالد عبد الفتاح، الذي يعمل في الصيد تقريبًا من السابعة صباحًا حتى الثانية عشرة ظهرا يوميًا، يفضل الصيد باستخدام الجوابي أيضًا. لكنه يرى أن لكل موسم صيد أداة أفضل من الأخرى.

    ويوضح طريقة عملها: “يتم إلقاء الجوابي كل يومين أو ثلاثة أيام في منطقة معينة من النيل وتثبيتها بخشب صغير. وبعد انقضاء المدة يتم رفعها بواسطة المركب. وهي مثل الشباك، فقد تصطاد كمية من 4 إلى 5كجم، أو كيلو جراما واحدا فقط، أو لا تصطاد شيئا”.

    ارتفاع منسوب المياه بسبب التغيرات المناخية

    “عبد الفتاح”، الذي توارث مهنة الصيد منذ المرحلة الابتدائية عن والده وأعمامه وأحبها، يوضح طريقة عمل الجوابي. إذ تعمل بنظام محدد يجعل الأسماك تدخل من إحدى فتحاتها، مع وضعها عكس اتجاه مجرى المياه وبحسب اتجاه سير الأسماك. ثم تُغطى لمنع رؤيتها من قبل الأسماك.

    ويؤكد انخفاض أعداد الأسماك مؤخرًا مقارنة بالسنوات الماضية، موضحا أن لكل فصل من العام ظروفه. ففي الشتاء ينخفض منسوب المياه في نهر النيل، فتظهر الأسماك التي تختبئ خلف الحشائش في المياه. ويمكن صيدها بسهولة سواء بالجوابي أو شباك الغزل أو بالصنارة. أما في موسم الصيف، فمع ارتفاع منسوب المياه عادة ما يتم استخدام الجوابي، كما أن الصيد يكون ضعيفًا فيه.

    وأضاف: “رغم أننا في موسم الشتاء، فإن هناك ارتفاعا في منسوب نهر النيل تقريبًا للعام الثاني على التوالي. وبالتالي تأثر جميع الصيادين سلبيًا بهذا الارتفاع الذي يقلل من إمكانية الصيد. رغم أن المعتاد هو ارتفاع منسوب المياه فقط في فصل الصيف، وحينها كان الصياد يستطيع جلب كميات من الأسماك. لكن تغير المنسوب في غير موسمه أمر يضر بالصياد والأسماك معًا”.

    ويتابع حديثه: ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف وانخفاضها في فصل الشتاء بشكل أكبر خلال السنوات الأخيرة زاد من الأمر سوءًا. ففي الصيف تؤدي الحرارة المرتفعة إلى خروج الأسماء طافية على سطح المياه ولا يمكن اصطيادها بسهولة. ومع انخفاض درجات الحرارة الشديد في الشتاء تقل حركة الأسماك في المياه. ما يصعب صيدها أيضا، بينما يعد الجو المعتدل الأفضل لعمليات الصيد.

    انخفاض كميات الأسماك بسبب توقف إلقاء الزريعة

    عن الأسماك المتوفرة حاليًا، يقول “عبد الفتاح”: “لم تعد هناك أنواع كثيرة في نهر النيل حاليًا، وأشهرها: المشاط، والبلطي، والبني، وفتيل، ويموش، وكلب الماء. وجميعها بأحجام متنوعة لكنها أقل من السابق. ويرجع السبب الرئيسي إلى توقف إلقاء الزريعة في نهر النيل منذ حوالي 10 سنوات. ما أثر سلبا على كميات الأسماك وأنواعها”.

    ومن بين الزريعة كانت سمكة المبروكة، التي تقوم بعملية تنظيف للمياه ويكبر حجمها حتى يصل إلى 30 كجم. ورغم انخفاض ثمنها فإن لها زبائنها، لكنها انقرضت حاليا، مثل أسماك البوري. ورغم انخفاض أحجام الأسماك، يضطر الصياد إلى مواصلة الصيد بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة ورغبته في الإنفاق على أبنائه. كما أن أسماك الزريعة كانت مفيدة للصيادين، خاصة في فصل الصيف. حيث يزداد منسوب المياه وتصعب عمليات الصيد.

    الصيد بالكهرباء.. إحدى الطرق غير الشرعية

    مصطفى جلال تعلّم مهنة الصيد منذ كان عمره 13عامًا، وزاد حبه لها مع مرور الوقت حتى امتهنها. ويشير إلى أن الأسماك يمكنها التمييز بين النهار والليل، لذا مع قدوم الليل تختبئ وسط الحشائش والأحجار في المياه. لكن اغلب الصيادين يعلمون أماكن اختبائها ويسهل صيدها حينئذ. وهو عادة يبحث عن الأسماك في أماكن متنوعة، وقد نجح في صيد سمكة كبيرة الحجم في إحدى المرات بلغ وزنها 30 كجم منذ سنوات. لكنها أصبحت نادرة حاليًا.

    وأرجع “مصطفى” سبب انخفاض الثروة السمكية إلى عمليات الصيد الجائر الخاطئة والمضرة بالأسماك والبيئة معًا، ومنها استخدام الكهرباء في الصيد. موضحًا أن جميع الصيادين يحصلون على رخص للصيد من مكتب المصايد مع تسديد رسوم تجديد الرخصة سنويًا. لكن بعض المخالفين يستخدمون طرقا غير شرعية في الصيد مثل الكهرباء والسم.

    وأكد أن هذه الطرق تتسبب في مغادرة الأسماك للمنطقة وعدم عودتها مرة أخرى. إذ تسيطر الكهرباء على نحو متر من المياه، مُسببة ماسا كهربائيا يقتل الأسماك لمسافة تصل إلى 4 أمتار. وقد ينتج عن هذا الماس الكهربائي إصابة أحد الصيادين بالخطأ أثناء الصيد.

    وأوضح أنه منذ سنوات كان بعض المخالفين يسرقون الكهرباء من أعمدة الشوارع بواسطة جريدة من النخيل. يقومون بإيصالها بالعمود من خلال أسلاك طويلة تصل إلى نحو 1000متر، ويتحركون بها لمسافات ثم يلقونها في المياه. لكنهم حاليا يستخدمون مولدا كهربائيا في عمليات الصيد غير الشرعية.

    صيد السمك في الأقصر.. تصوير: أبوالحسن عبدالستار
    صيد السمك في الأقصر.. تصوير: أبوالحسن عبدالستار
    استخدام السُم في صيد الأسماك

    يتابع “مصطفى” حديثه ويقول إن إحدى الطرق غير الشرعية في الصيد هي استخدام السُم، وهو عبارة عن مبيد زراعي سام يُستخدم في الأراضي الزراعية لقتل الحشرات، مثل مبيد “لانيت”. حيث يجلبه المخالفون من المحال الزراعية ثم يلقونه في منطقة معينة من المياه، لتبدأ بعدها عملية جمع الأسماك بأنواعها وأحجامها بعد نفوقها بفعل السموم، ثم تُباع في الأسواق دون أن يعلم الزبون أنها مسمومة.

    ولفت إلى وجود حملات من قبل شرطة المسطحات للتفتيش ليلًا على المخالفين، وفي كثير من الأحيان لا يرونهم، لكن في بعض الأوقات يتم القبض عليهم وتغريمهم.

    اقرأ أيضا:

    «الغابة الشجرية» في الحبيل.. استثمار بيئي يحمي المناخ ويوفر المياه

    «فوانيس جريد النخيل».. تراث رمضاني لا يختفي في الأقصر

    تعتمد على الطبيعة.. «البيوت النوبية» عمارة تعزل الحرارة وتحافظ على البيئة

  • تعتمد على الطبيعة.. «البيوت النوبية» عمارة تعزل الحرارة وتحافظ على البيئة

    تعتمد على الطبيعة.. «البيوت النوبية» عمارة تعزل الحرارة وتحافظ على البيئة

    تعتمد «البيوت النوبية» في أسوان على مواد طبيعية صديقة للبيئة، مثل الطوب اللبن والطمي النيلي، وتعلوها قباب نصف دائرية تعزل الحرارة والرطوبة، لتوفير بيئة معيشية دافئة شتاء وباردة صيفا، دون الاعتماد على وسائل تبريد حديثة. هذا الطراز البسيط والمستدام حافظ على هوية العمارة النوبية، وجعلها مقصدا للسياح الباحثين عن الهدوء والطبيعة.

    من الطوب اللبن والطمي.. مواد بناء صديقة للبيئة

    نصرالدين عبد الستار، الشهير بـ«عم ناصر»، يمتلك منزلًا من الطوب اللبّن في جزيرة غرب سهيل بمحافظة أسوان، مطلا على نهر النيل. وقد توارثه عن أجداده منذ سنوات طويلة. يتخذ المنزل شكل البيوت النوبية القديمة. ويوضح أن المنزل مبني من الطوب وتعلوه قبة على شكل نصف دائرة. يصل سمكها إلى 30 سم، والطوب إلى 40 سم، ويستخدم في بنائها الطمي النيلي وروث المواشي والتبن. كي تساعد في الحفاظ على حرارة المنزل، ليكون دافئا شتاءًا وباردا صيفًا، كما تطلى الحوائط تُطلى بالطمي النيلي المُستخرج من نهر النيل.

    ويتابع أن طريقة البناء هذه تسهم في زيادة معدلات الترطيب داخل البيت النوبي، الذي لا يعتمد على المراوح أو المكيفات الكهربائية. حتى إن أرضية البيت تكون رطبة ويمكن الجلوس عليها صيفا.

    تهوية طبيعية من خلال فتحات القباب.. موفرة للكهرباء

    يؤكد أحمد ماجد، أحد أبناء محافظة أسوان ويمتلك منزلا من الطوب اللبّن في جزيرة هيصة منذ التسعينيات، أن منزله لا يزال صامدا ولم يتأثر أو تظهر به شروخ على مدار السنوات الماضية. ويشير إلى أنه ورث منزلا آخر عن والده، أنشئ في السبعينيات ولا يزال في حالته الطبيعية. وأصبح مقصدا للسياح لقضاء ليال هادئة على ضفاف نهر النيل والاستمتاع بالطبيعة الخلابة في أسوان.

    ويؤكد أن طريقة بناء البيوت النوبية تجعلها قوية وقادرة على تحمل الحرارة والرطوبة والعوامل البيئية بشكل عام، كما تسمح القباب بمرور الهواء من خلال فتحتي السقف. حيث يدخل الهواء من فتحة ويخرج من الأخرى. ففي الشتاء يتم غلق باب القبو، بينما يفتح في فصل الصيف.

    ويشير إلى أن الباب الرئيسي للمنزل يقع أمام نهر النيل مباشرة، نظرا لتقديس النوبيين للنهر واعتباره منبع الحياة وأصلها. واعتماد حياتهم عليه بشكل أساسي. لذا أنشئت أغلب البيوت النوبية على ضفافه مباشرة. وبما أن معظم البيوت لا تستخدم الأجهزة الكهربائية مثل المراوح أو المكيفات صيفا، لاعتمادها على التهوية الطبيعية، فهي تعد موفرة للكهرباء.

    ما بين الأزرق والأخضر والأصفر.. البيوت النوبية بألوان زاهية

    عند مشاهدة البيوت النوبية، يشعر الزائر بالبهجة، فتنوع الألوان لا يقتصر على الجانب الجمالي فقط، بل يحمل دلالات ومعاني. ويقول عمر عبدالله إن البيوت النوبية قديما كانت تطلى باللونين الأصفر والأبيض، أو بمادة الجير. لما لها من قدرة على عكس أشعة الشمس ومنع تسرب الحرارة إلى داخل المنازل خلال فصل الصيف.

    ويتابع أن المنازل حاليًا تُطلى بألوان مائية زاهية مثل الأصفر والأحمر والأخضر والأزرق والأبيض، ولكل لون دلالته. فالأصفر يرمز إلى الرمل، والأخضر إلى الطبيعة، والأزرق إلى السماء ونهر النيل. كما تزين البيوت من الداخل والخارج برسومات تعبر عن الحضارة والتراث النوبي والحياة اليومية. مثل مراكب نهر النيل، والأطفال أثناء اللعب، والحجاج بعد عودتهم من أداء فريضة الحج.

    الأثاث المنزلي من جريد وسعف النخيل

    يستكمل عبدالله أن أهالي النوبة اعتادوا استخدام المواد الصديقة للبيئة، ليس فقط في بناء المنازل بالطمي النيلي والطوب اللبن. بل أيضًا في الأثاث المنزلي، مثل الكراسي والحُصر والطاولات المصنوعة من جريد وسعف النخيل المنتشر على ضفاف نهر النيل بمحافظة أسوان. وفي بعض الأحيان، يتم سقف المنازل بجريد النخيل باعتباره مادة طبيعية قوية تتحمل أشعة الشمس لسنوات طويلة.

    وعن ديكور البيوت النوبية المميز، أشار عبدالله إلى صناعة أشكال دائرية من جريد النخيل تستخدم لتزيين الحوائط من الداخل. وأحيانا تطلى بالألوان الزاهية لإضفاء مظهر جذاب على المنزل النوبي. كما تتفنن سيدات النوبة في ابتكار ديكورات بسيطة توضع داخل الغرف. إلى جانب تزيين “الزير” و”القلة” بألوان هادئة، أو تركه بشكلها الطبيعي داخل صالة المنزل أو الغرف.

    ويضيف أن بعض الأهالي يقومون باصطياد التماسيح الصغيرة وتحنيطها ووضعها أمام المنازل. ليس فقط كعنصر جمالي، بل اعتقادا منهم بأنها تمنع الحسد، وفقا لموروث شعبي متوارث منذ سنوات طويلة.

     بيوت غرب سهيل وتحويلها لمزارات سياحية

    عند دخول قرية غرب سهيل، تستقبلك بيوتها بألوانها الزاهية، والتي تحولت إلى مزارات سياحية تستقبل الزوار، وتقدم فيها الأطعمة والمشروبات التقليدية، ورسم الحناء، وحفلات السمر التي تحيها الفرق النوبية.

    وحول هذا التحول تقول حسانية عثمان، زوجة أحد أشهر أصحاب البيوت النوبية في غرب سهيل: “منذ سنوات أصبحنا نشاهد العديد من السُياح، تحملهم المراكب النيلية، يتوافدون إلى بيوت النوبة لمشاهدة المناظر الطبيعية الخلابة. ومع مرور الوقت، عرض علي زوجي فكرة تحويل البيت لمزار سياحي مثل بيوت الجيران، وأعجبت بالفكرة”.

    من داخل أحد المنازل بغرب سهيل.. تصوير: أماني خيري
    من داخل أحد المنازل بغرب سهيل.. تصوير: أماني خيري
    تحويل المنزل لمزار سياحي

    تتابع حسانية: “بعد موافقتي على تحويل البيت لمزار سياحي، قمنا بطلائه بألوان زاهية، كما أضيفت مظلات مبنية من جريد النخيل إلى فناء المنزل، ودورة مياه مخصصة للسياح حفاظا على خصوصية المنزل، إلى جانب توسيعه بشكل يليق بالضيوف وبناء مصاطب للجلوس”.

    وتضيف أنه جرى أيضا إنشاء أحواض للتماسيح داخل المنزل، حيث قام زوجها ببناء حوض صغير لتماسيح صغيرة يشاهدها السياح ويلتقطون الصور التذكارية معها، وذلك تحت إشرافه المباشر منعا لوقوع أي حوادث أو عض للزوار أثناء التصوير. وبسؤالها عن كيفية إطعام التماسيح، تقول إن زوجها يلقى لها اللحوم والفراخ والأسماك، وهي وجبتها المفضلة، مشيرة إلى أن التمساح لا يأكل بكثرة.

    آكلات متنوعة.. ومذاق متميز

    توضح روحية عبد الفتاح، التي تعمل داخل أحد مطاعم النوبة في غرب سهيل، أن من أشهر الأكلات التي تقدم للزبائن وتتسم بالطابع التراثي النوبي، الملوخية المطبوخة من أوراق البسلة، والمضاف لها البامية الناشفة والشمر، والتي تقدم غالبا خلال فصل الشتاء، وتتميز بمذاق مختلف عن الملوخية الصعيدية.

    وتتابع أن بعض الزبائن يطلبون طواجن الخضار المتنوعة، مثل البامية، والبطاطس، والبسلة والكوسة، حيث يبدأ تجهيزها يوميا من الساعة التاسعة صباحًا، من خلال عدد من السيدات اللاتي يتولين عمليات التقطيع والطهي. كما يتم تقديم أصناف أخرى مثل “أم علي” و”الأرز باللبن”. وتشير إلى أن فصل الشتاء يشهد الإقبال الأكبر من الزبائن، ما يؤدي إلى زيادة وتيرة العمل مقارنة بفصل الصيف.

    اقرأ أيضا:

    الطيور المهاجرة تضع «أسوان» على خريطة السياحة البيئية

  • مقياس الترعة السوهاجية.. أحدث مقاييس النيل المكتشفة في مصر

    مقياس الترعة السوهاجية.. أحدث مقاييس النيل المكتشفة في مصر

    ارتبطت حياة المصريين عبر تاريخهم الطويل، بنهر النيل، شريان الحياة الذي كان له الفضل في ظهور حضارة عريقة على ضفافه. حضارة لم يكن لها أن تقام وتمتد لآلاف السنين، لو لم يتمكن المصري من ضبط النيل ومتابعة قياسه ومستوى فيضانه، عبر أكثر من 90 مقياس للنيل توزعت على طول النهر.

    وقد كان أحدث مقياس يكتشف في هذه السلسلة الطويلة من المقاييس التي أقيمت بمختلف العصور، هو مقياس قناطر الترعة السوهاجية، الذي اكتشف في نهاية عام 2020م. وظل تاريخه غامضا وتفاصيله غير محددة، حتى قام الباحثان د. عبدالرحيم خلف من كلية الآداب بجامعة حلوان، ود. محمد علي سلام من وزارة الآثار المصرية، بنشر دراسة لهما يكشفان فيها قصة هذا المقياس وطرازه وعصره وعناصره المميزة.

    قياس النيل سرا!

    تقول الدراسة التي حملت عنوان “اكتشاف مقياس أثري جديد للنيل لم يسبق نشره بقناطر الترعة السوهاجية”، ونشرت بالعدد الأخير لمجلة كلية الآثار بجامعة القاهرة، إن مقاييس النيل شكلت أهمية كبيرة في حياة المصريين، خاصة من الناحية الاقتصادية. فقد كان المقياس هو وسيلتهم الرئيسية لمعرفة منسوب ارتفاع الفيضان، وبالتالي معرفة ما إذا كانت أراضيهم ستروى جيدا أو بإفراط أو ريا ناقصا أم أن هناك جفافا يلوح في الأفق.

    وقد كان الشكل البدائي لاختراع مقياس النيل، عبارة عن صخرة مثبتة في مكان مناسب على جانب نهر النيل. عليها علامات تبين ارتفاع معدل المياه، ومع الوقت تطورت أشكال وعناصر مقاييس النيل حتى تعطي قياسات أدق.

    مقياس النيل بمنيل الروضة، أحد المقاييس الكثيرة التي أنشئت على طول نهر النيل، والتي تعدت 90 مقياسا
    مقياس النيل بمنيل الروضة، أحد المقاييس الكثيرة التي أنشئت على طول نهر النيل، والتي تعدت 90 مقياسا

    وتضيف الدراسة أنه خلال العصر الإسلامي بمصر، كانت مقاييس النيل إذا سجلت ارتفاع المياه إلى 16 ذارعا، فقد كان هذا يعني أن النيل سيفي بكميات المياه المطلوبة لري الأراضي. ما يعني أن الخراج سيكون كافيا لسد احتياجات الدولة. أما إذا كان ارتفاع المياه أقل من 16 ذراعا، فقد كانت هذه علامة على قدوم الجفاف وتعرض البلاد لأزمات اقتصادية خانقة. ومن ثم تتهيأ الدولة لأخذ الاحتياطات اللازمة حتى لا ترتفع الأسعار ويعم الغلاء. وهو ما كان سببا في كثير من الأحيان لأن تكون قراءة مقياس النيل سرية لا يعلم بها أحد.

    ومن أشهر مقاييس النيل في مصر، مقياس جزيرة إلفنتين بأسوان، ومقياس إدفو الواقع بالقرب من معبد حورس غرب النيل. ومقياس منف الذي كان بمثابة المقياس الرسمي للبلاد في العصر القبطي. إضافة إلى عدد من المقاييس في الدلتا، بخلاف مقياس جزيرة الروضة الذي بني في عام 247هـ.

    عمليات إزالة المخلفات من حول القناطر والتي ساهمت في اكتشاف مقياس جديد للنيل
    عمليات إزالة المخلفات من حول القناطر والتي ساهمت في اكتشاف مقياس جديد للنيل
    أثر تحت الركام!

    يعد المقياس الجديد المكتشف مؤخرا، جزءا من قناطر الترعة السوهاجية الواقعة بحي غرب مدينة سوهاج. والقناطر أثر يرجع تاريخه إلى عهد الخديوي إسماعيل الذي أمر ببنائها بين عامي 1874م و1875م على فم الترعة السوهاجية. وتضم 19 عينا بالإضافة إلى هويس يسمح بمرور المراكب.

    وبحسب تقارير صحفية ترجع إلى عام 2017، فقد عانت القناطر التي أدرجت ضمن المناطق الأثرية في عام 2002، إهمالا شديدا. حيث لم يمنع كونها من نوادر المنشآت المائية التاريخية بمحافظة سوهاج من أن تتحول إلى مرتع للقمامة ومخلفات البناء. وأن يحتل جزءا منها مستودع لأنابيب البوتاجاز، ويتعدى عليها مركز شباب تابع لوزارة الشباب والرياضة.

    وبالرغم من استجابة المحافظة لنداءات الأهالي والصحافة بضرورة إنقاذ القناطر الأثرية في مطلع عام 2018. وتوجيهها بالبدء في إزالة الأتربة والمخلفات والتعديات الموجودة على هويس القناطر. إلا أن الإهمال ظل مستمرا حيث تأخرت عمليات تطوير المنطقة وتحويلها إلى مزار وإنشاء حديقة عامة بها.

    إضافة إلى ذلك، وبحسب صحيفة الأهرام، فقد تراجع مركز شباب الري. وهو أحد المباني المتعدية على حرم القناطر، عن وعده بالمشاركة في تطوير المنطقة وإيجاد صيغة فنية لمعالجة المخالفة وعدم تأثيرها على القناطر مقابل عدم إزالة مبنى النادي. ولازال الوضع معلقا حتى الآن، وهو ما يهدد بتجدد معاناة الأثر ويفتح الباب أمام توسع التعديات عليه. ما يستدعي تدخلا عاجلا من وزارة السياحة والآثار لاستكمال عملية إنقاذ قناطر الترعة السوهاجية.

    قناطر الترعة السوهاجية عقب إزالة المخلفات من حولها، في انتظار التطوير
    قناطر الترعة السوهاجية عقب إزالة المخلفات من حولها، في انتظار التطوير
    أحدث المقاييس المكتشفة

    تقول الدراسة إنه تم الكشف عن مقياس النيل بقناطر الترعة السوهاجية على يد د. محمد علي سلام وفريق عمله التابع لوزارة السياحة والآثار في ديسمبر عام 2020م. أثناء عملية رفع المخلفات عن القناطر وتنظيف عيونها.

    والأثر المكتشف عبارة عن مقياس رخامي مدرج مقسم إلى 6 أجزاء مرقمة. تقوم بتقدير ارتفاع المياه، وبالتالي تحديد إغلاق أو فتح عيون القناطر حسب الحاجة. وهو مبني على طراز المقاييس التي تعود إلى العصر البطلمي والروماني، وهو شبيه بمقياس النيل بجزيرة إلفنتين.

    وقد اشتمل المقياس على “بقجة” أو “بؤجة”، والتي كان يطلق عليها مهندسو الري اسم “منسوب الثابت”. وهي عبارة عن بلاطة رخامية مربعة، ملاصقة لطرف المقياس من أعلى. تحدد ارتفاع مكان المقياس عن مستوى سطح البحر الأبيض المتوسط. وقد سجل على هذه البلاطة رقم 62، ما يعني أنها ترتفع عن سطح البحر الأبيض بـ62 سنتيمتر.

    تصميم لمشروع تطوير قناطر الترعة السوهاجية والمنطقة المحيطة بها، والذي لم يتم الانتهاء منه حتى الآن
    تصميم لمشروع تطوير قناطر الترعة السوهاجية والمنطقة المحيطة بها، والذي لم يتم الانتهاء منه حتى الآن
    اهتمام لن ينتهي

    ويشير الباحثان إلى أن العثور على المقياس في محافظة سوهاج، يؤكد على انتشار المقاييس على طول نهر النيل من شماله إلى جنوبه. كما يدل وجود “البقجة” ضمن المقياس على تمكن المهندسين في القرن التاسع عشر من معرفة ارتفاع مستوى سطح البحر في كل المراكز والمحافظات المصرية.

    ويختتمان بقولهما إن استمرار اكتشاف مقاييس النيل يؤكد اهتمام المصريين بالنيل وفيضانه على مر العصور. وهو الاهتمام الذي استمر إلى عصر أسرة محمد علي، والمتواصل حتى الآن، ولن ينتهي في المستقبل.

    اقرأ أيضا

    لغز الأثر رقم 440 بمتحف النوبة.. هل أخطأنا في حساب عمر الأهرامات؟

  • «ساكنو العوامات يستغيثون»: ماذا يحدث؟

    «ساكنو العوامات يستغيثون»: ماذا يحدث؟

    خلال السنوات القليلة الماضية، كان إصدار تراخيص العوامات بمثابة معاناة كبيرة لأصحابها، الأمر الذي لم يفهمونه بسبب تعطيل الإجراءات وتعدد الجهات المشرفة عليها. إذ أكد بعض من أصحاب العوامات- ممن التقينا بهم- تجاهلهم تماما ولم يعد لهم سوى حل واحد فقط، وهو تحويل رخص العوامات من ترخيص سكني إلى تجاري أو سياحي. وهو حل غير مقبول بالنسبة للسكان إذ يعتبرون أن المقترح عبثي لا يمكن قبوله أبدًا.. «باب مصر» ينقل حكايات أصحاب العوامات وذكرياتهم داخلها.

    إزالة العوامات

    سيرًا على الأقدام ما بين كبري إمبابة وكبري الزمالك التقينا بأصحاب العوامات، أوراق معلقة بطول الطريق عليها ختم “النسر” تشير للبدء في قرار إزالة العوامات الموجودة بالمنطقة. لا يكاد أحد يصدق ما يحدث.. الجميع مذهولون، حراس العوامات لم يستوعبوا الخبر حتى الآن “يا ابني إحنا فعلًا هنمشي؟ أنا مليش مكان غير ده، أنا أتربيت هنا وأبويا أتربى هنا هنروح فين طيب”.. بهذه العبارة استقبلنا حارس إحدى العوامات عندما بادرناه بسؤال حول الوضع الراهن.

    لم يستوعب الرجل الذي ربما يتعدى عمره السبعون عامًا ما يحدث، قرر فجأة نزع الورقة المعلقة على إحدى العوامات رافضًا الاعتراف بما يحدث..

    فجأة جاء صوت من بعيد أثناء سيرنا. إذ تعالى الصوت عندما أبلغ أحد الحراس زميله وقال له “قطعوا الكهربا حالًا والماية.. هنعمل إيه الواحد تعب”. لم يتمكن صديقه من مواساته. وقال له: “لازم نبلغ أصحاب العوامات ونقولهم اللي حصل”. وأثناء الحديث الجانبي الذي دار بينهم لمحنا آثار هدم لإحدى العوامات التي جرى تكسيرها مطلع الأسبوع الماضي. وبينما نحن نسير وجدنا عمال ممسكين بمعدات بدائية منهمكين في عملية فك إحدى تلك العوامات”.

    نعمة محسن داخل عوامتها
    نعمة محسن داخل عوامتها
    مضايقات مستمرة

    داخل عوامتها تحدثت نعمة محسن عن بداية اقتناء عوامتها، فزوجها فرنسي الجنسية وقبل أن يتزوجا سكن زوجها داخل العوامة. وتقول: “كنا أصحاب وحبينا بعض وقررنا أن تكون العوامة هي بيت الزوجية، فهذه العوامة كانت ملك لصديقه لنا إسبانية وكانت متزوجة من شخص فرنسي، وزوجي بدوره كان يأجر منها الدور الثاني من العوامة. وعندما قرروا مغادرة مصر كنا وقتها في فترة الخطوبة، وقررنا سويًا شراء العوامة، وقمنا بتوضيبها، وبالفعل تزوجنا وعشنا فيها أنا وزوجي وابني، كنت حينها في الـ22 من عمري، وحاليًا أنا في عمر الخمسين؛ أي أنني قضيت في العوامة أكثر من نصف عمري. كنا نريد أن نعيش في مكان مختلف وجميل داخل النيل. فقد كانت هذه التجربة بالنسبة إلينا حلم حققناه بالفعل”.

    تحكي نعمة أن المضايقات بدأت منذ سنوات: “لم يكن من السهل أبدًا استخراج التراخيص، دائمًا عندنا مشكلات خاصةً خلال السنوات القليلة الماضية، بسبب توقف التراخيص، وبسبب تعدد الجهات المشرفة على العملية. ففي الماضي كنا نقوم بأنفسنا باستخراج التراخيص، لننا مؤخرًا ونتيجة التعنت الشديد قمنا بتوكيل محاميين لاستخراج التراخيص اللازمة. فقد كانوا يعطونا الرخصة مرة كل سنتين. لكنهم في السنوات الأخيرة قرروا الاكتفاء بسنة واحدة “لك أن تتخيل أن عملية استخراج الرخصة أصلًا قد تصل إجراءاتها لمدة سنة كاملة، لكننا لم نكن نعترض أبدًا على هذه الإجراءات”.

    إصدار التراخيص

    وتضيف: عملية إصدار الرخصة لم تكن لتتم إلا من خلال صدور شهادات تؤكد سلامة العوامة وكذلك أنها آمنة تمامًا، لكن ما حدث مؤخرًا أن هناك بعض الأصوات الرسمية التي زعمت أن العوامات غير آمنة. وأنا أتساءل كيف لعوامة غير آمنة أن تأخذ كافة التراخيص التي تؤكد سلامتها التامة؟ لذلك فهذه التصريحات التي وصفت العوامات أنها “خردة” هي تصريحات مضللة ولا تمت للواقع بأي صلة.

    وتابعت: حتى عام 2020 كنا نملك رخصة، وبعدها توقفوا عن إصدار الرخص. وقالوا إن وضعنا سيتم تقنينه، وقد تفائلنا بالفعل وأرسلنا الملفات اللازمة، إلى أننا فوجئنا من أسبوع بفكرة إزالة العوامات وإبلاغنا بإنذارات الإزالة. بالإضافة إلى مطالبتهم بأموال مهولة، فأنا مثلًا مطلوب مني دفع حوالي 900 ألف جنيه، وهناك بعض العوامات مطلوب منها سداد 2 مليون جنيه.

    ظلم كبير

    تشير صاحبة العوامة إلى أنهم خلال السنوات الأخيرة تعرضوا لكم هائل من الضغوطات “قرروا عدم إصدار تراخيص لنا، بل ومضاعفة المبالغ المستحقة أضعاف الأضعاف. فقد حسبوا لنا طول وعرض العوامة بالمتر المربع وهذا ظلم كبير. وقد أرادوا محاسبتنا بأثر رجعي، فقد تركوا العوامات السياحية وزعموا أننا نلوث مياه النيل. وأنا أتساءل كيف لي أن ألوث مياه النيل أنا وزوجي وابني، في حين أن العوامات السياحية تستقبل المئات يوميًا.

    فهناك عوامة تعمل كـ”جيم” وأخرى تستخدم كمطعم. فهل يعقل أن نلوث نحن النيل؟ فهذا كلام غير منطقي، حتى المهلة التي قدموها لنا غير منطقية. فهل من المنطقي أيضًا أن يأتي إلينا شخص ويقول: “هنهد بيتك بعد أسبوع، يلا لم حاجتك وامشي!”. بل إنهم اتهمونا في شرفنا وقالوا إننا “قالبين العوامات بيوت دعارة” وهذه اتهامات واهية غير صحيحة، فهم غير مستعدين لتعويضنا أصلًا مثلما تم تقديم تعويضات لأصحاب المقابر التي أزيلت وكذلك العشوائيات. فمن ضمن المقترحات الأخرى التي قدموها لنا هي سحب العوامات، وعندما قلنا لهم إننا سنصطدم بالطبع بالكوبري، قالوا لنا نصًا: “ملناش دعوة كسروا الدور اللي فوق عشان تعدوا!”، وقد خيرونا بتحويل العوامات لسياحي، وقالوا لنا “انسوا إننا نديكم تصريح سكني في حياتكم مرة تانية.. انسوا”.

    تبكي نعمة – أثناء حديثها- عن تلك التفاصيل التي تصفها أنها موجعة. وتقول: “العوامة هي رأس مالي وعمري بأكمله فهي بيتي الذي عشت داخله أجمل أيام حياتي. وهم لم يناقشوننا أبدًا عندما اتخذوا تلك القرارات. فنحن نتعرض لظلم وانتهاك شديد نتيجة هذه الإجراءات التعسفية، وهناك عدم احترام لنا كبشر من المفترض أن لنا حقوق كاملة؛ لذلك قدمنا استغاثة للسيد الرئيس ولعديد من الوزارات، ونحلم في النهاية ألا يتم تنفيذ القرارات”.

    إخطار رسمي بالإزالة
    إخطار رسمي بالإزالة
    معاناة الحاجة إخلاص

    بالقرب من كوبري الزمالك وتحديدًا داخل العوامة 77 تعيش بمفردها الحاجة إخلاص، صاحبة الـ87 عامًا، أقدم ساكني العوامات. فهي لم تعش في أي مكان سوى داخل العوامات منذ أن ولدت. وبمجرد النزول إلى عواماتها شاهدنا عشرات القطط التي قررت تربيتهم داخل عوامتها، بجانب تربيها للبط الذي يطفو على سطح النيل.

    تقول إخلاص: “مين هيرعى الغلابة دول مش هيلاقوا حد يأكلهم والله يا ابني. ربنا يتوب علينا يارب، أنا يا ابني مولودة أصلًا في النيل، مقدرش أمشي منه أبدًا، ولدت داخل عوامة فعوامتنا القديمة كانت تبعد قليلًا عن هذه المكان. وأقمت هذه العوامة التي أعيش فيها أنا وزوجي، منذ زمن بعيد، فزوجي أيضًا كان محب للنيل وللعوامات. وقد كانت والدته دائمًا ما تؤجر لهم واحدة في فصل الصيف”.

    بدأت إخلاص في لم جميع مقتنيات العوامة خوفًا عليها من التدمير خلال اللحظة الراهنة “العوامة كانت أشبه بالقصر فقد بعت شقتين بمنطقة الزمالك كي أجهزها وأضع داخلها الأنتيكات وغيرها من الأمور”.

    الحاجة إخلاص رفقة ابنها
    الحاجة إخلاص رفقة ابنها
    أرض الحكومة

    تضيف: “بيقولوا علينا إننا مبندفعش، فهل هذا كلام يعقل؟ فهل يعقل أن نجلس في أرض الحكومة ولا ندفع إحنا غلبنا. وكنا دائمًا ندفع للملاحة، لكن في مطلع هذا العام نبهوا على الملاحة بألا يأخذوا أموالا منا نظير تجديد الرخصة. أنا حزينة لأن ما يحدث هذا هو خراب بيوت فأنا لا أملك مكان أذهب إليه. ولا أستحق أن أشرد في أخر أيامي. فأنا عمري 87 سنة وفي يوليه القادم سأكمل الـ88 عامًا، فأين أرحل؟ ربنا وحده يعلم أنا تعبت قد إيه علشان أطلع أفتح الباب كي أستقبلك”.

    وتابعت: ما يحدث حرام، فهم لم يسألوا في أحد. وأنا لا أملك أي منزل آخر سوى العوامة هذه، يارتني ما بعت البيتين اللي في الزمالك، فأنا لم أتصور أبدًا أن أُتعرض لمثل هذا الموقف، فالنيل هو حياتنا وروحنا، وجميع البشوات والبهوات في مصر زمان كانوا يمتلكون عوامات ودهبيات. وكنا ندفع فقط وقتها “تنظيم وملاحة” ليس أكثر ولم تكن مبالغ كبيرة، لكن اليوم يطالبوننا بدفع مبالغ كثيرة لعديد من الجهات. فهم يتصورون أننا نمتلك أموال تحت العوامات.

    وتختتم حديثها: “أنا اسألهم الرحمة بي، كفاية العلاج والأدوية اللي بجبها. فأنا ليس عندي أولاد سوى ابن واحد ويعيش في الخارج. ولا أعرف أي مكان قد أذهب إليه، لأني لست صغيرة وأحمد الله أنه أعطاني الصحة والقدرة العقلية. لكني لا أتخيل نفسي أبدًا أعيش بعيدة عن النيل. ففكرة العيش داخل شقة سكنية بالنسبة لي كأنه “سجن” لأني لم أتعود على هذا الأمر في حياتي كلها؛ لذلك أتمنى أن يتوقفوا عن هذا القرار.. ربنا يتولانا برحمته”.

    حلم قديم

    تتحدث الدكتورة أهداف سويف عن تجربتها في شراء عوامة وتحويلها مسكن، وتقول: “أنا بقالي 10 سنين هنا في العوامة، لأني عشت في الخارج لمدة تزيد عن الـ30 عامًا. وعندما رجعت مصر كنت أملك حلمًا وهو أن أشتري “دهبية” فقد أردت أن أشتري مركب أستطيع خلالها أن أرسوا مثلًا في الأقصر وقت الشتاء، وأن أتجول بها. لذلك قمت ببيع منزلي في إنجلترا لأحقق حلمي. وبالفعل عثرت على “دهبية” داخل الأقصر، وكنت أبحث عن مكان لترسوا فيه داخل القاهرة، لكن أشار عليّ المقربين أن فكرة شراء الدهبية، والتنقل من خلالها على النيل أمر لا يمكن تحقيقه داخل مصر.

    وتابعت: أثناء بحثي على المرسى تعرفت على أصحاب عوامات الكيت كات، ووقتها أشاروا عليّ بالبحث عن “عوامة” لشرائها. وعندما فشلت محاولتي لشراء دهبية كما كنت أحلم، فكرت في شراء عوامة. وبالفعل قمت بشراء هذه العوامة التي أعيش فيها وأحببتها وكنت أشعر أنها تحتاج لمثل هذا الحب، لإعادة تأهيلها مرةً أخرى. فقد كانت مطلية بألوان غامقة، وغير منظمة من الداخل. لذلك قمت بإعادة تنظيمها وترتيبها من الداخل. وقد أعجبت أولادي وقررت أن تصبح العوامة بيتي ومستقري الدائم.

    أهداف سويف
    التجربة الأجمل

    تضيف: “لم أكن أصدق نفسي، فما كنت أسمعه في الأفلام والروايات عن فكرة العيش داخل عوامة وشرائها أمر تحقق بالفعل. وقد قررت بيع بيتي الموجود في لندن لرغبتي للانتقال والعيش داخل “عوامة”. رغم أنني كنت أسدد أقساط المنزل لمدة 25 عامًا. وفي المقابل قررت الاستقرار داخل بيت يطفوا على الماء. فهذه المغامرة كنت أحب أن أخوضها، ولمدة عام كامل كنت أجهز العوامة، وغيرت الشبابيك والأبواب، وجمعت مقتنياتي وأشيائي من أماكن كثيرة ووضعتها داخل العوامة. وعندما جاء أحفادي أصبحت العوامة هي مكانهم المفضل في الحياة؛ لذلك فالعوامة بالنسبة لي هي مكان خلاب وجميل، سواء من خلال انعكاس الإضاءة المختلفة عليها، أو حتى من خلال الهزات التي نشعر بها نتيجة اقتراب المراكب منها وارتطام مياه النهر بها. فكل هذه الأشياء سحرتني وجعلتني أخوض تجربة هي الأجمل في حياتي.

    قصة عشق

    تستطرد: تخيل أن تعيش ملتصق بالطبيعة إلى هذا الحد الذي يغني عن أشياء كثيرة، وهذا الأمر يضعك أمام تحدي واضح لخدمة البيئة. فنحن قررنا مثلًا عمل سخان شمسي، ووضعنا أشياء صديقة للبيئة داخل العوامة. بل إن أحفادي وأطفال العائلة باتوا يحفظون أسماء الطيور التي تأتي إلينا، فنحن نلاحظ تواجد طيور محددة داخل أماكن بعينها. وتأتي صباحًا في مواعيد محددة، وكذلك الأسماك المحاطة بنا والتي نحبها أيضًا ونحفظها، وكذلك الحديقة التي من حسن حظي أنني عندما اشتريت العوامة كان معتنى بها بالفعل. ونحن بدورنا أكملنا العمل فيها، وزرعنا فيها الفل والياسمين والزعتر. فهذه هي قصة عشقي لهذه العوامة”.

    تحكي أهداف ذكرياتها بتأثر شديد وقد لمعت عينيها وتأثرت بما تحكيه. إلا أن الحديث قد انقطع في تلك اللحظة عندما جاءت من بعيد نسمات هواء هادئة مصحوبة بمركب قادمة من بعيد محملة  بصوت عبدالحليم وهو يغني “زي الهوا يا حبيبي زي الهوا.. وآه من الهوى يا حبيبي آه من الهوى”.

    اقرأ أيضا

    «عوامات الكيت كات»: التضحية بتراث المدينة

  • «عوامات الكيت كات»: التضحية بتراث المدينة

    «عوامات الكيت كات»: التضحية بتراث المدينة

    الأضواء المتلألئة من العوامات الرابضة على صفحة مياه النيل تتحدى الظلام المحيط بها. وتحكي عن قصص لا تنتهي ومغامرات تفوق حدود الخيال لأبطال هذا العالم الخاص. إنها ليست مجرد عالم مثير، كما يبدو للبعض من الخارج، ولكنها جزء من تاريخ مصر السياسي والثقافي والفني والاجتماعي. ورغم ذلك يكتب حتى الآن تاريخها الصاخب، إذ اكتفى الباحثون بالأعمال الأدبية التي كانت العوامات مكانا للأحداث مثل رواية «ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ الذي وصف أحد شخصيات ثرثرة بأنه مثل العوامة “الحبال والفناطيس والزرع والطعام والمرأة”.

    باستثناء دراسة فريدة للباحث الراحل عصام نبيل نشرها عام 2010 بعنوان “تاريخ العوامات على نيل المحروسة”. رصد فيها  التحولات التي عاشتها العوامات وبداية ازدهارها وخفوتها.. «باب مصر» يستعرض- بالتزامن مع قرار الحكومة هدم العوامات الموجودة على سطح النيل – ما جاء في هذه الدراسة بعد أن سمحت لنا ابنة الراحل بنشر أهم ما جاء فيها من أفكار.

    عوامات نيل المحروسة

    أشار نبيل – في بداية دراسته – إلى صعوبة حصر الوقائع والحروب الاجتماعية والسياسية والعاطفية واللوجستية التي دارت رحاها في عوامات. إذ أنها عالم ساحر، يمتلئ بالكواليس والعلاقات الساخنة، والعلاقات الطبيعية أيضا، حتى لا تهدأ ولا يخلد مرتاديها للنوع أثناء تواجدهم فيها في أغلب الأحايين. ويظل النهر العظيم هو الحكيم الذي يتابع عن كثب ما يدور في العوامات وحولها. حيث تمتزج هناك المتناقضات بين الحب والكراهية، العمالة والمقاومة، الدعارة والعلاقات الشفيفة، المؤامرات والدفوعات. عالم يخلط التاريخ بالعلاقات الخاصة والعلاقات الاجتماعية. وتظل السياسة في كل الحالات وجبة شهية لأناس من المشاهير وأهل الحظوة. ولا يمكن أن نفض بكارة حكايات العوامات دون أن ذكر عوامة إخلاص حلمي، أو العوامة رقم 77، المأوى لأعداد من القطط التي تخص إخلاص في الوقت الراهن.

    أشهر العوامات

    ينوه البحث إلى أن العارفين بالعوامات يؤكدون أن العوامة رقم 20، والتي تقع في نهاية كوبري إمبابة الشهير الذي طالما ظهر في الأفلام المصرية. كانت ملكيتها تعود للعمدة الفنان صلاح السعدني، لكنه على الأرجح باعها منذ فترة ليست بعيدة. والعوامات أسرار وخفايا وحكايات صغيرة مدهشة تستحق السرد، ومدعاة للتعاطي الدرامي والأدبي. حين يصبح المكان أحد الأبطال الرئيسيين في العمل الإبداعي.

    يتطرق البحث إلى أشهر العوامات وهي عوامة المطربة بديعة مصابني، التي تزوجت من نجيب الريحاني. وكانت العوامة تصدر شرفاتها لفندق شيراتون القاهرة خلال عقدي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين. وكان العوامة لطبيعة عمل صاحبتها ونشاطها مكانا يستضيف العديد من الفنانين مثل المطرب ذائع الصيت محمد عبدالمطلب، وتحية كاريوكا وسامية جمال، واسمهان ، وشقيقها الفنان الراحل فريد الأطرش.

    عوامة مصابني

    ولم يقتصر ارتياد عوامة مصابني على أهل الفن. فكانت مزارا دائما للساسة الكبار لاسيما من يعشقون التقرب للفن وأهله. ويقال إن عوامة مصابني شهدت تكوين حكومات. لذا كان الصحفيون يقتاتون الأخبار من عوامة مصابني. فهناك كان المحفز على الكلام بلا حرج في أقوى حالاته. فما أجمل الكلام بلا تحفظ. حين يكون الكبير في حالة ارتخاء وانتشاء وفضفضة.

    أما الراقصة التي منحت لقب (ملكة العوامات) عن جدارة هي حكمت فهمي، التي كانت ترقص وتغني كل ليلة لجنود الاحتلال البريطاني في نادي الـ(كيت كات). وما أحوجها بعد ليلة من الرقص والغناء بضمير للخلود بعوامتها التي تقبع على نيل الزمالك أرقى أحياء القاهرة العاشقة لليل والسهر والأضواء.

    ومن المعروف أن “حكمت” كانت جاسوسة تعمل في معية الجاسوس الألماني (يوهان إبلر). حيث تساعدها ظروفها كراقصة تراقص جنود بريطانيا في الحصول على المعلومات من الجنرالات الإنجليز، لتصب في النهاية عند الجنرال الألماني الأشهر (روميل) الذي كان يقاتل الإنجليز عند العلمين. فكانت حكمت فهمي تراقص كبار الضباط في الـ(كيت كات). ثم تسحبهم مخمورين للعوامة. وتستدرجهم في الكلام لتتقصى المعلومات التي يثمنها الألمان غاليا.

    جاسوسة روميل

    والطريف أن روميل وضباطه كانوا بالسذاجة غير المبررة. حيث صدقوا ولاء حكمت لهم، حتى لقبوها بجاسوسة روميل. وتحدثوا عن إخلاصها للجيش البريطاني الثامن في حربه ضد الألمان. هذه الثقة التي ساعدت حكمت في عملها حتى سقط الجاسوسان الألمانيان (يوهان إبلر)، و(هنريتش غيرد ساندستيت)، اللذان اطمأنا لحكمت وعوامتها التي اتخذوها محطة للاتصال بقيادة المخابرات الألمانية.

    وفي عوامة حكمت استعان الجاسوسان بالرئيس الأسبق محمد أنور السادات عن طريق حكمت في صيانة وإصلاح وتطوير أجهزة الإرسال الموجودة بالعوامة. ولأن الجاسوسان اعتادا البحث عن فتيات الليل، انكشف أمرهما على يد عاهرة فرنسية هي (إيفيت عن إبلر). فالجاسوس الأول وكان معروفا في مصر باسم (حسين جعفر) اصطادها وقضى ليلة معها في مقابل 20 جنيها إسترلينيا.

    وكما كان كريما معها في المال كان كريما في الثرثرة. فلم تتردد العاهرة الفرنسية في إبلاغ الاستخبارات. وتم اعتقال الجاسوسين، ومعهما صاحبة العوامة حكمت فهمي، والسادات وزميله حسن عزت، اللذين طردا من الجيش في 8 أكتوبر من العام 1942. وجرى ترحيلهما إلى سجن الأجانب ثم إلى معتقل قرب مدينة المنيا.

    العوامات والسينما

    يتطرق البحث إلى جزئية أخرى وهي أن العوامات دوما تشكل مطمعًا لمخرجي السينما، باعتبارها من أماكن التصوير العبقرية، والتي تعطي مساحة إضافية للدراما. حيث ثراء المكان وخصوصيته.

    أديب نوبل الكبير نجيب محفوظ الذي كان من مريدي وعشاق العوامات. حيث أقام لفترة طويلة بعوامة حسين باشا دياب، أنجب خلالها كريمته الكبرى. وحين استيقظ محفوظ على حادث غرق طفلة من عوامة هجر حياة العوامات نهائيا. وللعوامات حضور في بعض روايات محفوظ خاصة في الثلاثية.

    ومن الطريف أن شاعرنا حافظ إبراهيم أطلقوا عليه “شاعر النيل” لأنه ولد بعوامة في العام 1872.

    يذكر الكاتب في بحثه تعرض العوامات إلى تعد واضح في النصف الثاني من القرن العشرين. حين أصدر وزير الداخلية المصري (وقتها) زكريا محيي الدين، قرارا بنقل جميع العوامات من الزمالك والعجوزة إلى منطقة إمبابة في العام 1966. وقيل أن السبب في ذلك يعود إلى عشق زكريا  رياضة التجديف في النيل، ويمارسها بشكل دوري نهاية كل أسبوع.

    وشعر زكريا أن العوامات تشغل مسطحا كبيرا من مياه النيل، لذا لم يتردد في إصدار القرار الذي أغضب المشاهير من عشاق العوامات والذين ارتبطوا بعوامات بعينها.

    وبالفعل تم نقل 65 عوامة من العجوزة إلى إمبابة. كما تم إعدام 37 عوامة أخرى تحمل ذكريات وحكايات لا تنتهي. وتفتقد المحروسة عوالمها، عالم العوامات. فبعد أن كان النيل يحتضن 500 عوامة، فقدنا 477 عوامة، ولم يبق للذكرى سوى 33، منها 9 عوامات مرخصة فقط.

    الأثرياء والباشوات

    الفرمان الوزاري لم ينل استحسان الأثرياء والباشوات، الذين رفضوا الانتقال إلى المنطقة التي اعتبروها شعبية. فاضطروا إلى بيع عواماتهم بمبالغ ضئيلة أو تركها لمصيرها القاتم، مثل عوامة المطرب فريد الأطرش التي كانت تتألف من طابقين على الطراز العربي. واعتبرت المكان المفضل له لمقابلة أصدقائه من الفنانين والفنانات. وعلى ظهرها لحن أجمل أغنياته خاصة أغنية “حبيب العمر”.

    وقد توقع البعض أن تتحول هذه العوامة إلى متحف، لكن ورثته لم يهتموا بصيانتها والحفاظ عليها بعد وفاته. حتى أنهم امتنعوا عن تسديد الرسوم المطلوبة عليها لأجهزة الدولة. فتحولت إلى كهف مهجور. مما اضطر شرطة المسطحات المائية إلى سحبها من الماء نهائيا وتفكيكها وبيعها خردة في عام 1982.

    وامتلك الفنان محمد الكحلاوي في أربعينيات القرن الماضي عوامة اعتاد أن يسهر فيها مع جمع من الفنانين والصحفيين والأصدقاء. وفي بعض الأحيان كان ضيوفها من المغنين، وفي عوامة الكحلاوي وسهراتها خرج مشروعا فيلميه “كابتن مصر” و”أحكام العرب”.

    سهرات صاخبة

    كانت العوامة رقم 75 ملكا للفنان نجيب الريحاني، لكنها غرقت بعد أن رفض الورثة إصلاحها. أما العوامة رقم 66 فكانت تملكها الفنانة منيرة المهدية. وقد اشتهرت هذه العوامة بأنها كانت مقصد كبار المسؤولين ورؤساء الحكومات في عهود مضت.

    وقالت في تصريحات لها قبل وفاتها: “لو فكر صحفي أن يسترق السمع إلى صالوني في تلك الفترة لاستطاع معرفة أخبار البلد. ولكن أحدا لم يفكر يومها أن مجلس الوزراء ينعقد في عوامتي”.

    وتقول منيرة المهدية في مذكراتها إن رئيس الوزراء آنذاك حسين رشدي باشا – الذي شكل أربع وزارات متعاقبة بدءا من 5 إبريل عام 1914 وانتهاء بتاريخ 19 مايو عام 1919- كان يجتمع مع وزرائه في العوامة ويتخذون القرارات الخاصة بشؤون البلاد. “وكان يقول لي رشدي باشا أنا لما باجي هنا بالي بيروق”. وقال حسين رشدي باشا لمنيرة المهدية: “إنك تستطيعين الحصول على الاستقلال لمصر” بأغنية من أغنياتها. ويقال إنه على أنغام أغنية “يا حبيبي تعالى بالعجل” كان الوزراء والساسة يناقشون تطورات الوضع في مصر المحروسة. وبلغ عشق منيرة المهدية لعوامتها أنها في العام 1963 باعت فيلتها بمنطقة مصر الجديدة بمبلغ 6 آلاف جنيه، وسيارتها، وجاءت لتعيش في العوامة. لكنها تركت الماء وعادت إلى البر مرة أخرى بعد أن غرقت عوامة جيرانها.

    تحدي الظلام

    ينهي عصام نبيل دراسته ويقول: “عوامات النيل تتبع ثماني جهات مختلفة: إدارة الملاحة، الوحدة المحلية بالجيزة، إدارة حماية النيل، شرطة المسطحات المائية، وزارة الري، أملاك الدولة، الصرف الصحي، وزارة السياحة. وهكذا تفرق دمها بين القبائل.

    يتعين أن نشير إلى أن هناك نوعين من العوامات: نوع ثابت لا يتحرك من مكانه. وهو عادة يكون من الخشب مكون من طابقين ومهيأ للسكن تماما. النوع الثاني من العوامات يحتوي على محرك ينتقل بها من مكان إلى مكان. وكان أصحاب مثل هذا النوع من العوامات يتجهون بها إلى الشواطئ خلال فصل الصيف خاصة مصيف رأس البر، وكان هذا النوع يعرف باسم “الدهبية”.

    اقرأ أيضا

    عقلية العوامة في قرار هدم العوامات!

  • عندما رفض المصريون  الاحتفال بـ«شم النسيم»

    عندما رفض المصريون الاحتفال بـ«شم النسيم»

    ارتبطت أعياد الربيع منذ القدم بأسباب اقتصادية مختلفة وخاصة المحاصيل الزراعية على مدار العام، وتم الاحتفال بفصل الربيع باعتباره فصل النماء ووفرة الغذاء، ولكن في الأعوام التي عانوا فيها من نقص المياه أو المحاصيل الزراعية كان للمصريين طقوس وممارسات أخرى، حيث ارتبط الاحتفال على أساس الاعتقاد بوفرة الطعام الذي يخضع للعوامل الطبيعية كالنباتات والمياه والأحوال الجوية وصحة الحيوانات.

    الاحتفال بعيد «شم النسيم» اليوم، باعتباره أحد الاحتفالات الدينية المصرية القديمة للإلة “مِن” وكان يقام بمناسبة شهر الحصاد في إبريل من كل عام، ووفقا لكتاب «موسم النبي موسى في فلسطين» كانت تُنظم فيه المواكب وتقام الصلوات وتؤدى الرقصات، ورغم اختفاء عبادة الآلهة المصرية القديمة بمرور الوقت، إلا أنه لازم المصريين الاحتفال بعيد الربيع على ضفاف نهر النيل.

    أحداث عام 1834

    يحسب المصريون عيد شم النسيم حسب التقويم القبطي، ويتم تحديد يوم شم النسيم عندما تهب رياح «الخماسين» والرياح الساخنة في اليوم الذي يعقب الاحتفال بأحد الفصح القبطي، ولكن في عام 1834 كان الوضع مختلفا حيث كان العام الأول منذ بداية القرن التاسع عشر الذي يشهد إلغاء عام لهذه الاحتفالات.

    ووفقا لكتاب «عادات المصريين المحدثين» للكاتب إدوارد وليم لين، كان هذا العام مصدر حزن للمصريين، حيث شهد العديد من الكوارث التي حالت بين الاحتفال بعيد شم النسيم وما توالى بعده من مناسبات واحتفالات اعتادوا على التجمع والاحتفال بها.

    رغم كل ما تعرضت له مصر من مخاطر سواء الحملة الفرنسية، وحروب محمد علي باشا ضد المماليك إلا أن ذلك لم تؤثر على الاحتفالات الدينية والمناسبات، حتى شهد عام 1834 العديد من الكوارث الطبيعية، كان أولها رياحا ساخنة قوية صحبتها سحب غبار منعت المصريين من ممارسة عادتهم السنوية في الخروج في أفواج وجماعات للاحتفال، حيث تم إلغاء الاحتفالات بكل الأعياد على مدار عدة أشهر بعدما شهد هذا العام نقص مياه النيل، وتعرض المصريين إلى الجفاف والجوع حينها، وفقا لكتاب «نهر النيل نشأته واستخدامه».

    احتفالات النساء في مصر في القرن التاسع عشر
    احتفالات النساء في مصر في القرن التاسع عشر
    حزن النيل

    ويوضح أحمد كمال الباحث التاريخي، أن جفاف النيل في هذا العام أثر على الزراعة بشكل كبير، فضلا عن الارتفاع الكبير في درجة الحرارة والذي جعل الامر يزداد صعوبة حينها، مضيفا أن حاشية محمد علي باشا لجأوا إلى كبار رجال الدين من الأقباط والمسلمين، وكذلك المشعوذين لمحاولة إيجاد حل لهذه الازمة.

    وتابع لـ«باب مصر» أن الحياة في القرن التاسع عشر اعتمدت بشكل كبير على قوة وخير نهر النيل، والتي كانت سببا أيضا في اهتمام محمد علي باشا بتطوير الزرعة وطرق الري لإيمانه بأنه شريان الحياة، ويقول: “ارتبطت الاحتفالات كلها قديما بمياه النيل وعلى ضفافه، خاصة مع صعوبة تخزين المياه لفترات طويلة في المنازل وعدم وجود شبكة لإيصالها إلى المنازل”.

    ومر على المصريين في عام 1834 شهران يعدان الأكثر صعوبة، تم إلغاء الاحتفالات خلالها، حتى موعد ارتفاع منسوب النيل في يوليو، ويوضح كمال: “اعتقد المصريون حينها بوجود ما يسمى النقطة وهي نقطة مياه تسقط في النيل فتزيد منسوبه، ويستدلوا عليها من خلال اختمار العجين بدون خميرة وهذا ما كانوا يعتقدونه ولكن بالطبع ارتفاع منسوب النيل كان له أسبابه المنطقية الأخرى”.

    احتفالات شعبية

    وخلال القرن التاسع عشر كان للمصريين عادات خاصة للاحتفال بـ«شم النسيم» على مدار الأيام السابقة له، حيث جرت العادة على إظهار مراسم الاحتفال بعيد شم النسيم بمبادرات شعبية جماعية، يخرج فيها الناس صباحا في مجموعات، ليكونوا في استقبال الشمس وحاملين معهم الطعام والشراب، ويقضون يومهم في الخارج على ضفاف اليل منذ الشروق حتى الغروب.

    ووفقا لكتاب «طقوس احتفالات المواسم الشعبية»، كان يصاحب التجمع الأغاني والأناشيد الخاصة بعيد الربيع، وكان يستمر الاحتفال حتى بعد العودة إلى المنزل، حيث تقطف النساء الأزهار ذات الرائحة القوية وتجلبها معها إلى المنزل، ومنها زهور الياسمين التي كانت توصف بأنها عطر الطبيعة، لتزيين المنزل وتعطيره ثم استخراج عطر للزينة منه بعد طحنه وتعبئته.

    كِشك وشم الهوا

    ووفقا لكتاب «عادات المصريين المحدثين» كان يُعرف يوم الأربعاء السابق لشم النسيم بـ«أربعة أيوب»، وكان للمصريين حينها طقوس خاصة مثل الاغتسال بالماء البارد، وفرك الجسم بنبات متسلق يعرف باسم «رعرع أيوب» أو «الغُبيرة» وهما نوعان من النبات يُقال أن النبي أيوب استخدمهما ليسترد صحته مجددا.

    وشملت هذه العادات الأقباط والمسلمين حينها، سواء في المدن أو القرى، واليوم التالي وهو الخميس يتم تناول المأكولات المعروفة لعيد الربيع كالأسماك المجففة والبيض، أما يوم الجمعة كان مخصص لإعداد طبق «الخلطة» وهو مكون من الكشك والفول النابت والأرز والبصل والفول، وذلك خلال منتصف القرن التاسع عشر، وفي يوم السبت كانت عادة النساء رسم عيونهن بالكحل، في «سبت النور» ويرددن : “في سبت النور.. كل العيون كحيلة”.

    وعادة ما كان يبدأ المصريون يوم شم النسيم، بكسر بصلة وشم رائحتها، ثم ينطلقوا من المنازل قبل الظهر لقضاء الوقت إما في المراكب أو على ضفاف نهر النيل، جالبين معهم الطعام والشراب الخاص بكل أسرة، وهي عادة عرفت باسم «شم الهوا»، وجمعت الطبقة الفقيرة والمتوسطة فقط.

    اقرأ أيضا

    بالفسيخ والبصل وأشياء أخرى.. هكذا احتفل المصريون القدماء بشم النسيم

  • أمثال وقصص ومواويل: حكايات بحر النيل

    أمثال وقصص ومواويل: حكايات بحر النيل

    أصبح الرابط بين المصريين وحكايات النيل ليس فقط منفعة الارتواء والحياة، إنما رابط وجداني أيضًا تغنوا به في قصائدهم وأشعارهم، ووثقوا وجوده كفرد أم في بنيانهم يكاد لا يخلوا عمل مرئي أو مسموع أو مكتوب من تجسيد لسريان شريان النيل في قلب المصريين.

    حكايات النيل

    تتحدث الدكتورة نعمات أحمد فؤاد في كتابها “النيل في الأدب الشعبي”. تقول: «النيل بالأمس كان الزارع الأكبر. ولم يشغله الري والسقيا وتنضير الضفاف عن نسج القصص وإطلاق الأمثال وإيحاء الأغاني والمواويل. ومما يوضح كل هذا الوفاء له، وهذه الفنون الشعبية والنيلية ليست للتسلية أو السمر الخالي المتخفف من الأعباء. إنما أيامنا على النهر وقصتنا معه ورأينا فيه وتصورنا له وإحساسنا به. فيها خيال نعم، وشطط أحيانا وفيها حقائق كثيرة وفيها تهاويل غير قليلة نعم إنها كذلك.

    وأضافت، «ولكنها أيضًا فيها أنفسنا بشمائلها وأحلامها وأمانيها ومشاعرها، آلام وآمال قد تختفي فيما طوى اللفظ. وقد تعلن حين يبين، وجميعها رصيد يستأهل الحرص عليه. وليس كالفن مقياس لسيرنا فهو المرآة التي تبدي الصورة في غير زيف أو تمويه.

    كما بينت فؤاد من نماذج لوجود النيل في الأدب الشعبي، مثل:

    القمح دا ما انفضه.. والطين ما انقيه

    يا أمي اعملي لي سلوك.. ذهب أغربل لحبيبي فيه

    وأيضا:

    يا شايله البلاص دلي اسقيني.. يا حاردة القصة على الجبين لويلي

    سلامة الحمرة من المباع.. سلامة الحمرة طويلة الباع لويلي لويلي

    كما تغنى لأدوات النيل ولوازمه وزرعوه في الأدب الشعبي الشادوف والساقية والمحراث والنورج:

    يا ساقية دوري ورشي من بعيد.. وازجي حيضان الملوخية وحوض الجنزبيل

    استعجبت ناس البحيرة والصعيد.. على الواد دا اللي بنا له بيت جديد

    وأيضًا: يا بيت يا مبنته يا عشقة القاضي.. تحت قصتك قلل وبرادي

    اعرف رجالي على المعدية.. راكبين كحايل واشناب ملوية

    وليلة عدمهم شمت العدو فيه

    فضلا عن أساطير عروس النيل والاحتفالات بعيد الوفاء للنيل في أغسطس من كل عام. فالنيل نال التقديس من الشخصية المصرية على اختلاف عصورها منذ الأدب الفرعوني. صلاة أخناتون له وجعله الإله عند المصريين القدماء، مرورًا بمصر المسيحية واعتناقها الإسلام كلهم وصفوه بالمبارك.

    التراث الشعبي

    يروي الدكتور مصطفى جاد، وكيل المعهد العالي للفنون الشعبية، لـ”باب مصر”، أن النيل يعد من العناصر الرئيسية الموجودة في كافة أنواع التراث الشعبي المصري بشكل عام. على سبيل المثال، مجال الأدب الشعبي سنجد أن واحدة من السير الشعبية المهمة في مصر والمنطقة العربية. ومن ذلك سيرة سيف بن ذي يزن، التي كان بطلها وهدفها الرئيسي هو البحث عن كتاب النيل الذي حمل طلسم ورموز من شأنها أن تجري مياه النيل في مصر. وقد نجح البطل في النهاية بعد رحلة شاقة واستطاع التصدي لأعداء الوطن والسحرة. وبدأ النيل يجري وفق السيرة الشعبية والخيال الشعبي من الجنوب للشمال.

    وتابع: في المعتقد الشعبي يؤمن المصريون إيمانًا راسخًا بدور مياه النيل في الحياة بشكل عام. على سبيل المثال بعض الممارسات الشعبية، التي من شأنها أن الحبل السري للطفل يلقى في ماء النيل رغبة في أن يعيش الطفل وينمو. لأن النيل رمز الحياة وجريانها والنماء. وكلمة ماء ذاتها في التصور الشعبي ارتبطت بها عادات وتقاليد. واخترعنا في عاداتنا وحرفنا الشعبية العديد من الأدوات لحفظ الماء. كذلك “القلة الفخارية” عنصر رئيسي ومرتبط أيضًا بنواحي تشكيلية شكلها جميل. وتوضع في مكان مميز وجيد من أجل تبرد المياه وتجعله ويوضع بجوارها الليمون والزهر والأشياء الجميلة التي تجعل المياه مذاقه جميل. و”زير المياه” أيضًا يصنع بشكل ينقي المياه من أي شوائب. والاحترام والتقدير لمياه النيل الذي جعلهم يهتمون بشكل هذه الأدوات الجمالية من زخارف.

    مأثورات شعبية من حكايات النيل

    وأضاف جاد، أنه هناك المأثور الشعبي الذي كاد يتوارث بين أبناء الشعب المصري “اللي يشرب من مياه النيل لازم يرجعلها تاني”، حتى حفظه الأجانب من زوار مصر، أصبحوا يشربون منه أثناء رحلاتهم النيلية إيمانا منهم به، كما أن النيل أيضًا مرتبط بالحرف والعادات والتقاليد الشعبية، فحرفة الصيد، المرتبطة بالمركب الصغير، وفيها الصياد البسيط وأسرته على فلوكة صغيرة آمنين لهذا النيل والخير الذي يأتي منه، ووصلت المسألة إلى أن هناك معتقدات خاصة بكائنات تعيش في النيل مثل “الدجري” في المعتقد الشعبي عند النوبيين، وهي كائنات تعيش في النيل وتتعامل مع البشر بشكل خير وهناك علاقة بين الكائنات الخرافية التي تعيش في النيل بالإنسان بشكل عام.

    وأيضا هناك النداهة التي تخرج من النيل و”تنده”، ولها أشكال كثيرة جدًا في المعتقد الشعبي، حتى أنها اخترعت لحماية الإنسان من الغرق أو أن يذهب الأطفال للأماكن العميقة في النيل، وفي عادات الزواج حتى الحديثة منها، تجد العروسين يحرصون على الذهاب للاماكن النيلية على الكباري النيلية القريبة من النيل للتصوير بالقرب منه، وهذا يدل على العلاقة الجميلة بين المصريين والنيل.

    وفي التراث المصري القديم كان هناك عيد الوفاء، وهو احتفالية كبرى تقام، وأيضًا الاحتفالات الخاصة بذكرى العائلة المقدسة ومرورها بنيل مصر من القاهرة حتى موقعها الأخير في أسيوط في مركب نيلي، حتى الأيقونات المسيحية تشير لذلك، فضلا عن الأمثال الشعبية التي ارتبطت بالنيل والمياه وعادة رش المياه موضع سقوط أي طفل لحفظه من الأذى من الكائنات السفلية.

    حكايات النيل التراثية

    ويذكر الدكتور جاد، سنجد أشياءً كثيرة جدا أيضًا مرتبطة بالتراث الخاص بالزراعة والطقس والنيلة الزرقاء مادة طمي خاص بالنيل، التي تستخدمها المرأة في الوحم وأدوات التجميل، والأعمال السحرية برميها في النيل لأغراض إيجابية وليست شريرة، اعتقادا منهم بقدرته على الخير، فضلا عن ممارسات مثل، شق البحر للنساء الراغبات في الإنجاب، لأنه مرتبط بالنماء والخير، ورمي شعر الفتيات لتطويله، هذه العادات مازالت موجودة في النوبة ومحافظات الجنوب.

    وهناك العادات الخاصة بالمواسم الزراعية والشهور القبطية في الأمثال، مثل: “طوبة تخلي الصبية كركوبة.. كياك روح الغيط وهات”، هذه المأثورات الشعبية مرتبطة بالطقس المصري على شاطئ النيل، لأن هذا الطقس بدون النيل كأن لم يكن، كما أنه في الأغاني والمواويل والأمثال يطلق المصريين على النيل البحر، وهذه استعاره للفظ على النيل للترميز لسعة وطول النيل.

    ويحكي جاد أن فكرة النهر والمياه العذبة والتصورات الشعبية الإبداعية الموجودة في الشعب المصري منذ آلاف السنين هي من صنعت العلاقة المختلفة عن كل البلاد التي يمر بها نهر النيل، منذ الثقافة الفرعونية القديمة ومراكب الشمس والقسم الشهير “أقسم بأني لن ألوث مياه النيل”، وصلاة أخناتون الشهيرة، وجعلهم من النيل الإله “حابي”، مرورا بكل الحضارات التي مرت على مصر فيما بعد القبطية والإسلامية والحديثة كونت في النهاية الشخصية المصرية الفريدة عن دول أخرى من حوض نهر النيل.

    عادات مصرية اتربطت بالنيل

    ونوه وكيل المعهد العالي للفنون الشعبية، بأن النيل يرتبط لدينا بالعادات الميلاد الزواج والاحتفالات والوفاة والحرف الشعبية، كجزء من دورة الحياة الجديدة، لأن التراث الفرعوني أقرب للإسلامي في إنك لم تمت، إنما ستنتقل لحياة أخرى وجنة ونار، الشخصية المصرية شخصية حضارة وتاريخ، حتى أنه في الإبداع الشعبي أحد الرواة الشعبيين المعاصرين من محافظة القليوبية أبدع قصة خاصة بكيف مياه نهر النيل في سيرة سيف بن ذي يزن أتت، فجعل البطل يمتطي حصان وفي زيله مكنسة كبيرة، كلما تحرك من الجنوب للشمال تفتح مجرى جديد للنيل، حتى في قرية الراوي صمت الجزيرة، أي لهذه الدرجة الخيال الشعبي يبدع كيف رسم النيل والبيوت المحيطة به.

    واستكمل: الوقوف على نهر النيل أيضًا ارتبط بأشهر قصص الحب قديما وفي العصر الحديث، قدرته على تأليف بين قلوب العشاق، فالنيل ارتبط بوجدان المصريين ورفيقا وعنصرا أساسيا من الشخصية المصرية، لا يطلب مننا النيل أكثر من المحافظة عليه.

    ويؤكد الدكتور جاد، نحن نحتاج لتنظيم وتعظيم استخدام النيل استخداما جيدا، مثال أن تأخذ وسائل المواصلات النيلية أهميتها مستغلين امتداده من جنوب لشمال البلاد، فضلا عن إعادة النظر لاستغلاله اقتصاديا، ودعم خطوات الدولة في إزالة التعديات عليه لعودة شكله التراثي.

    الأدب الشعبي

    أما الدكتور صلاح الراوي، رئيس قسم الأدب الشعبي بالمعهد العالي للفنون، يقول: نهر النيل فريد عن أنهار العالم، فالجماعة الشعبية دائما ما تردد فكرة كتاب النيل، وهو الذي أتى به سيف ذي يزن صاحب السيرة المصرية الشهيرة أتى بهذا الكتاب وخلفه يجري النيل حتى أودع في القاهرة، وكثيرا من البلدان نجدها داخل السيرة مثل، بولاق الدكرور وغيره، وهم أبناء لسيف بن ذي يزن أو شخصيات داخل السيرة، هذه السيرة تربط العلاقة بين مصر واليمن وإفريقيا وحركة النيل وهذا في المبدأ العام، وهذا أساس في الثقافة الشعبية المصرية، فكرة كتاب النيل وهذه السيرة العظيمة المخصصة لهذا الموضوع.

    وتابع: النيل مكان يذهب إليه الناس في الملمات المصيبات الكبرى يفرحون أو يحزنون يذهبون إليه، ويذكر الراوي في هزيمة 1967 وتنحى الزعيم جمال عبدالناصر: خرج الناس إلى النيل، وحتى في أيام الإخوان، لم أجد مكانا أذهب إليه سوى النيل نسأله هل هذا يجوز، وهنا أمثل جزء من وجدان هذا الشعب كواحد من أبناءه، إذن نهر النيل ليس مجرد مجرى أو مورد مائي، إنما هو تاريخ وحضارة ووجدان.

    النيل مستودع أسرار المصريين

    لذلك جعل المصريون في ثقافتهم الشعبية النيل كنز ومستودع لأسرارهم. في قريتي أسوان، هناك وصال بين الناس والنهر. في عاشوراء يذهبون للاحتفال عنده مع أنهم مجتمع سني. وينزلون لماء النيل ويقدموا المكرونة وحلوى التمر المغلي ويدفعون به لنهر النيل.

    وفسر الراوي إطلاق الناس عن النهر بـ”البحر”. فقال: مفهوم البحر أوسع وهو ليس بلفظ خاطئ. فنحن نقول نبحر فيه لا ننهر فيه. أيضًا بعضنا لا يعرف كثيرا عن البحر ولا يذهب للمصايف. فالنهر هو عالمنا الحقيقي، وأيضا النهر في بعض المناطق هو الماء الكثير مثل، قنا وأسوان، فهو بحرنا، “فرحنا بالنيل والنيل هيغرقنا”، والمقصود هنا ليس النيل وإنما استخدام البلاغة فيه بالفرحة بالنيل والمتوقع منه الخير دائما، وكذلك “البحر يحب الزيادة”.

    ويشرح الراوي الاعتقاد في نهر النيل، فالمعتقدات به كثيرة مثل وجود ملائكة بالإضافة للعقيدة القديمة الإله “حابي”، إذن هو في التصورات الكثيرة التي ليس لها حدود، في المعارف والخبرات ري وصيد، في عاداتنا وتقاليدنا نمارسها، في الفنون القولية الموسيقى الغناء، الفنون التشكيلية رسم الحجاج نرسم في الخلفية النهر والنخيل والسفن، في الدراما الشعبية المسرح الشعبي على ضفافه، ثم التشكيل المادي نحن نصنع مراكب للنيل، ومن شجر السنط الذي يظهر على النيل.

    اقرأ أيضا

    فيديو| والناس في حبه سكارى هاموا على شطه الرحيب

    أمثال وقصص ومواويل: حكايات بحر النيل

    النيل مشاهد تنبض بالحياة في تاريخ السينما المصرية

  • حكاية عيد وفاء النيل

    حكاية عيد وفاء النيل

    “ولا بيوصل ولا بيتوه، ولا بيرجع ولا بيغيب، النيل سؤال ومازال ماجاش عليه الرد”، كلمات غناها المطرب محمد منير، ولكنها لخصت قصة النيل وارتباط المصريين به.

    اعتاد المصري القديم الاحتفال بعيد فيضان النيل، أي عندما يفيض النيل وتزيد مياهه طوال 48 يوما، وخصص الاحتفال به في الرابع عشر من شهر مسري والذي يوافق يوم 20 أو 21 من شهر أغسطس، ومن خلال هذا التقرير سنتعرف أكثر على قصة عيد وفاء النيل.

    الاحتفال بعيد وفاء النيل - ويكيبيديا
    الاحتفال بعيد وفاء النيل – ويكيبيديا

    عيد وفاء النيل

    يقول الدكتور ناجح عمر، عميد كلية الآثار بجامعة الفيوم، إن الفيضان كان يغمر كل أراضي مصر (الوادي والدلتا)، وقد ربط المصري القديم هذا المنظر بحالة الكون قبل ظهور اليابسة، فكان عبارة عن ماء أزلي أطلق عليه مصطلح (نون)، وهو أحد العوامل التي ارتبطت بأساطير خلق الكون عند المصري القديم، فعند انحسار هذا الفيضان تظهر الأجزاء المرتفعة من الأرض التي أوجدت عند المصري فكرة التل الأزلي الذي وقف عليه المعبود الخالق وخلق هذا العالم (عالم مصر).

    ويضيف عمر، أنه لجلال الفيضان، وضع المصريون القدماء معبودا له وأعطوه صفات تتماشى مع قوة اندفاع المياه وما يحمله من خير وخصوبة لأرض مصر وأطلقوا عليه المعبود “حابي” وارتبط بعرش الملكية فهو الذي يمنح الملك الخير والخصوبة والتي يمنحها بدوره لشعب مصر.

    الفيضان وفصول السنة

    يتابع عميد كلية الآثار: كان الفيضان يبدأ عند بزوغ نجم سوبدة الذي كان يبشر بقدوم الفيضان، وهذا أدى إلى اعتماد المصريين على الظواهر الطبيعية التي تحيط بهم من فيضان النهر وانحساره في زراعة الأرض وحصادها، وفي علم الفلك ربط المصري القديم بين ظهور نجم سوبدة قبيل ظهور شروق الشمس – وهي ظاهرة لا تتكرر سوى مرة واحد كل عام في شهر أغسطس –  وتوافقه مع بداية وصول مياه الفيضان، ما جعله المصري القديم بداية للعام الجديد والذي قسمه إلى ثلاثة فصول كل فصل يضم أربعة أشهر، ثم أضافوا في نهاية السنة خمسة أيام ليكتمل عدد أيام السنة المصرية إلى 365 يومًا، إلى أن تتكرر ظاهرة شروق نجم سوبدة مرة أخرى وبالتالي تبدأ سنة جديدة.

    ويشير إلى أن المصري القديم تأثر عند اختياره لأسماء الفصول بطبيعة كل فصل، فأطلق على فصل الفيضان اسم (آخت) أي (المفيد أو النافع) حيث يتميز هذا الفصل بالفيضان الذي يجلب معه الخير للأرض والإنسان والحيوان، وأطلق على فصل الشتاء أو فصل الزراعة اسم (برت) أي (الخروج) حيث يخرج الفلاحون لزراعة الأرض بالمحاصيل والغلال ليحصلوا منها على الخبز، بينما الفصل الثالث فصل الحصاد أو الصيف فأطلق عليه اسم (شمو) أي (الحار) حيث يخرج الفلاحون للحصاد وجمع المحاصيل وفيه تقل وتجف مياه النهر، وكان لفصول السنة أثر كبير في حياة المصري القديم مما دفعه إلى ابتكار وسائل عملية للاستفادة من طبيعة كل فصل لذا ابتكر مقاييس لتحديد ارتفاع الفيضان وتحديد كمية المياه اللازمة لري الأراضي الزراعية وتقدير الضرائب على المحاصيل.

     مظاهر الاحتفال

    يسرد عمر قصة الفيضان، أنه كان يمثل عيد بداية العام عند المصري القديم ويستقبلوا الفيضان بالفرح الشديد فهو الخير القادم لإعادة الحياة والخصوبة لأرض مصر بعد فصل الصيف الحار وقلة المياه بالنهر والترع والقنوات، وتأثر الفكر الديني كثيرا بفصول السنة فكان التل الأزلي وهو العامل المشترك بين كل أساطير الخلق التي تفسر بداية الكون ما هو إلا تلك الأرض التي تبرز وترتفع أثناء انحسار الفيضان، وأحيانا يطلق المصري على الفيضان عند وصفه لشدته اسم (نون).

    ويشير عمر إلى أن المصري القديم خصص معبودا للفيضان ومنحه صفات تتناسب وقوة اندفاعه وصفات تتفق وما يحمله من خير وخصوبة، كما ارتبط معبود الفيضان بعروش الملوك فهو الذي يمنح الملك الخصوبة والخير والذي يمنحه الملك بدوره إلى شعبه، وغالبا ما صور “حابي” آله النيل على جدران المعابد في الصف الأسفل ليرمز إلى أنه أساس المعبد وضامن الخيرات والقرابين المقدمة لمعبودات المعبد.

    كما ارتبط بالفيضان معبودات أخرى خاصة “خنوم” الذي يتحكم في مياه الفيضان فيرسلها أو يمسكها، وهو صانع البشر من طمي الفيضان، وكان أوزيريس ربا لكل الفصول فهو القوة الكامنة في الفيضان وهو الثور الأسود لون طمي الفيضان وهو الذي تنشق عنه الأرض وتعود روحه كما تعود الروح إلى البذرة الميتة، وهو رب الحصاد حيث يتحول إلى “نبرى”.

    ويري عمر، أن تحديد أعياد خاصة بكل فصل جاء لهدفين الأول: الاحتفال بتلك المعبودات طلبا لرضاها وخيراتها، والثاني: محاولة ضبط السنة المصرية القديم، لذا خصصوا لكل فصل أعياد تتوافق وطبيعة الفصل نفسه، وزيادة في إحكام السنة المصرية القديمة ربطوا بين أسماء الأشهر وبين معبوداتهم وبين أعياد تلك المعبودات.

    الاحتفال بالنيل عند الفراعنة- الصورة من ويكيبيديا
    الاحتفال بالنيل عند الفراعنة- الصورة من ويكيبيديا

    أنشودة النيل في عهد الفراعنة

    يذكر أنطوان زكري في كتابه “النيل في عهد الفراعنة والعرب”، أن المصري القديم سجل في لوحتين على الورق البردي، معروفتين بورقتي ساليير وأنسطاسي، وهما من مجموعة الأوراق البردية المحتفظ بها إلى الآن في المتحف البريطاني، وترجمها العالمان الأثريان الشهيران ماسبرو وجبس، وهما اللذان نقلاها من الشعر المصري القديم، ويقول مطلع النشيد:

    ” الحمد لك يا نيل، يا من تخرج من الأرض وتأتى لتغذى مصر، يا ذا الطبيعة المخيفة، ظلام فى وضح النهار، إنه الذى يروى المراعي، وهو المخلوق من رع ليغذي كل الماشية، وهو الذى يسقى البلاد الصحراوية البعيدة عن الماء، فإن ماءه هو الذى يسقط من السماء، هو المحبوب من جب، ومدبر شؤون إله القمح، وهو الذى ينعش كل مصنع من مصانع بتاح، رب الأسماك وهو الذى يجعل طيور الماء تطير نحو الجنوب، إنه هو الذى يصنع الشعير والقمح وبذلك تتمكن المعابد من إقامة احتفالاتها”.

    وبالعودة لكتاب “النيل في عهد الفراعنة والعرب” يذكر المؤلف أن الاحتفالات التي تُقام لفيضان النيل سنويًّا كانت بمنزلة فريضة دينية، وكان يقام لها الزينات المعتادة للأعياد العامة.

    وكان يتم خلال الاحتفال ذبح قربان قد يكون عجل أو دجاجة، ثم تلقى فى النيل رسالة بها بعض الصلوات والمدائح في النيل، وكان الملك يحضر الاحتفال ومعه القادة ورجال الدين وسط جميع طوائف الشعب، وقد وجد على سفوح جبل السلسة شمال أسوان ثلاث لوحات تضم ثلاثة مراسيم في الفترة ما بين 1300 ــ 1225 ق.م تقر بأن يقام احتفال للإله حابى مرة عند أعلى ارتفاع للفيضان ومرة أخرى عند أدني ارتفاع، ويتقرب خلالها بقرابين من الحيوانات والخضروات والزهور والفاكهة.

    كما جاء ذِكر أعياد النيل في مائدةٍ للقرابين محفوظة في متحف فلورانس بإيطاليا، ويرجع تاريخها إلى ملوك الأسر الثلاث الأولى، وقال المؤرخ ماسبرو عن العيد الفيضان “عندما يصل الماء المقدس إلى جدران مدينة “سين” يقدم الكهنة أو الحاكم أو أحد نوابه ثورًا أو بطًّا، ويلقيه في الماء في حرز من البردي مختوم عليه، ويكتب في الحرز الأمر الملكي الخاص بنظام الفيضان، ومتى ترأس الملك نفس هذا الاحتفال نقشوا في الصحراء وسجلوا هذا الحادث تذكارًا تاريخيًّا، وإذا تغيب الملك عن الاحتفال ناب عنه الكهنة باحتفال عظيم، حاملين تمثال المعبود سائرين به على ضفاف النيل والجسور مرتلين الأناشيد.

    وقد أشار العالم الأثري “دي روجيه” إلى الاحتفال أيضا وقال: “في اليوم الخامس عشر من شهر توت جاء فيضان النيل في سلسلة، وفي 15 أبيب صعد النيل فقدمت القرابين والهدايا للمعبود “حابي”، وفي ذاك اليوم كانوا يلقون له ميثاقًا مكتوبًا من ديوان الملك، فيقبل النيل هذا العهد ولا يتخلف عن وعوده فيمنح مواهبه أرض عبيده المؤمنين”.

    عيد ليلة النقطة السماوية

    روى “سنيك” الفيلسوف الروماني، أن المصريين في عهد الرومان كانوا يلقون في نهر بيلاق القرابين، ويُلقي الحكام بعدها هداياهم من الذهب وأنواع الحليِّ المختلفة.

    واستمر المصريون على عاداتهم في الاحتفال بأعيادهم، وكما كان يعتقد الفراعنة أن سبب الفيضان نزول دمعة المعبودة إزيس في النيل، اعتقد الأقباط أن النيل يفيض بنقطة تنزل من السماء، ويحتفل في اليوم الحادي عشر من شهر بئونة بعيد “ليلة النقطة السماوية”، التي تنزل بفضل دعوة وصلاة رئيس الملائكة جبرائيل قبل نزولها بثلاثة أيام حيث يسجد ويتوسل إلى ربه بأن يفيض النيل وينزل إلى الأرض المطر والندى.

     العصر المملوكي والعثماني

    حينما دخل العرب مصر، محوا كثيرا من العادات والتقاليد التي كانت متبعة في الاحتفال بالفيضان، لكنهم لم يتمكنوا من محو الاحتفال تماما، بل اضطروا إلى إتباع التقاليد المصرية للاحتفال بفيضان النيل، وفى العصر المملوكي كان الاحتفال يبدأ يوم 26 بؤونة وبعد أن يصل قياس ارتفاع مياه الفيضان إلى 16 ذراعا، يبدأ احتفال شعبي ضخم تضيء فيه القناديل والشموع كل الشوارع، وينتشر الرقص والغناء، وتباع الخمور بكثافة.

    ويصف المؤرخ ابن إلياس في كتابه “بدائع الزهور” ليلة من ليالي احتفال المماليك بالنيل “خرجت سفينة سلطان مصر وعامت من بولاق وهي متزينة بالورد والأعلام واستقبلها الأمراء بالطبل والزمامير عند مقياس فيضان النيل”.

    ويتناول عبدالرحمن الجبرتى احتفال العثمانيين ويقدم وصفا تفصيليا ليوم الاحتفال بداية من نزول الوالى من القلعة وركوبه هو والأمراء مراكب مزينة تنطلق من مصر القديمة حتى تصل إلى مقياس النيل بالروضة، وعندما يصل مقياس الفيضان إلى 16 ذراعا، تقام الاحتفالات التي يعطي الوالي إشارة البدء بها، وذلك بعد أن يضرب السد الذي يحجز الماء بمعول من فضة محدثا فتحة يخرج منها الماء إلى قناة فم الخليج.

    النيل في أبوسيف- تصوير: هادي أبوالعز
    النيل في أبوسيف- تصوير: هادي أبوالعز

    عروس النيل

    سادت في الاعتقاد الشعبي فكرة روج لها المؤرخ العربي أبوالقاسم عبدالرحمن بن عبدالحكم في كتابه “فتوح مصر والمغرب”، أن المصريين كانوا يلقون فتاة شابة مزينة بالحلي ليفيض النيل.

    وظل طقس إهداء النيل فتاة شابة في عيد وفاءه مستقر في الأذهان، لكن تم استبدال الفتاة بدمية خشبية على شكل فتاه آدمية، وتذكر الدكتورة نعمات أحمد فؤاد في كتابها “القاهرة في حياتي”، أن حكاية عروس النيل ليس لها أساس تاريخي.

    ويقول عباس محمود العقاد في كتابه “عبقرية عمر”، وعقب العقاد على روايةُ ابن عبد الحكم قائلا ” الرواية على علاتها قابلة للشك في غير موضع عند مضاهاتها على التاريخ”.

    كما يقول عميد كلية آثار الفيوم، إن هذا غير صحيح ولا يوجد ما يؤكد ذلك عند المصري القديم.

    طقوس النوبة

    هناك العديد من الطقوس الخاصة بالنيل في النوبة ومستمرة إلى الآن منها “كمولود” أو السبوع، وهي طقوس عقائدية ترتبط بهم في شتى المناسبات سواء الوفيات، أو الزواج، أو المواليد، ففي ليلة الزفاف يذهب العروسان ليغتسلان من ماء النيل لجلب الخير وإنجاب الأطفال، وفي حالة الرزق بمولود جديد تحمله الجدة وتذهب به إلى نهر النيل وسط الأحباب والأهل والأطفال، وتحمل سيدة أخرى طبق من العصيدة وهي أكلة تصنع من القمح والسمن واللبن، ويبدأ الاحتفال عند شاطئ النهر بإلقاء سبعة لقيمات من العصيدة، لملائكة النهر مع الترديد بالدعوات لحصول الطفل على الصحة وطولة العمر، ثم يتم غسل وجه المولود والأم من ماء النهر، ثم يغسل باقي الحضور وجوههم للتبرك، ثم يتذوق الجميع من طبق العصيدة ويغسل بعدها الطبق في النيل.

    النيل من المنصورة - تصوير: محمود الحفناوي
    النيل من المنصورة – تصوير: محمود الحفناوي

    قياس ماء النيل

    كان قديما يتم تكليف مجلس شرعي إداري بمهمة رصد زيادة مياه النيل، وكانت جباية الضرائب ترتبط بهذا القياس، إذ كانت واجبة وملزمة إذا وصلت زيادة المياه في النيل إلى 16 ذراعا فأكثر، ويتم الإعفاء منها إذا كان مقياس المياه أقل من 16 ذراعا، وبرغم التقدم الذي رافق ثورة 1952‏،‏ إلا أنها أبقت على هذا التقليد وظل راسخا وهو المجلس الشرعي الإداري الذي كانت مهمته رصد وقياس فيضان النيل، وتولى رئاسته رئيس المحكمة الشرعية العليا حتى ألغيت تلك المحاكم،‏ وكان يتولى رئاسة المجلس مفتي الديار المصرية‏.

    والأمر المثير للدهشة أن تكوين هذا المجلس ومهامه ظلت كما هي حتى عام 1972، وهو العام الذي انتهي فيه عمل المجلس بعد أن فرض الواقع الجديد نفسه حيث لم يعد النيل يفيض بفضل مشروعات ري كبرى أعظمها مشروع السد العالي.

    نص آخر حجة لوفاء النيل

    وقع الشيخ حسن مأمون، مفتي الجمهورية، عام 1958 على آخر حجة لوفاء النيل وجاء فيها:

    “بعد الإقرار الصادر أمامنا من السيد المهندس فؤاد عبد العزيز زكي مدير مكتب وكيل وزارة الأشغال وهو الثقة المعين من قبل حكومة الجمهورية العربية المتحدة لقياس النيل بمقياس الروضة، وبعد الاطلاع على الكشف المحرر بتاريخ اليوم بمعرفة سيادته وسماع شهادة الشهود، المتضمن ذلك جميعه، أن النيل بلغ في هذا العام بمقياس الروضة اثنين وعشرين ذراعًا وتسعة عشر قيراطًا، وإقرارهم بأنه ببلوغ فيضان النيل هذا المقدار، يتوفر ري الأراضي المصرية، تحقق لدينا نحن حسن مأمون مفتي الجمهورية العربية المتحدة وفاء النيل المبارك في هذا العام، وبذلك وجبت جباية جميع أنواع الضرائب المقررة بمقتضى القوانين واللوائح والنظم المعمول بها، واستحقت كافة الأموال والمرتبات والمستندات للخزانة المصرية العامة، كما هو متبع في كل عام، وتمت نعمة الله تعالى على هذه البلاد بكمال فيض نيلها المبارك سبب نماء رزقها ومصدر حياتها، فحق علينا جميعا حمده سبحانه والثناء عليه بما هو أهله”.

    الهوامش

    كتاب بدائع الزهور لابن إلياس.

    كتاب النيل عند الفراعنة والعرب لأنطوان زكري.

    اقرأ أيضا

    من هي عروس النيل؟.. حابي يجيب

  • صور| “النيروز”.. عيد الزهور وفاتحة العام عند المصريين

    صور| “النيروز”.. عيد الزهور وفاتحة العام عند المصريين

    تصوير: أسماء الطاهر

    عيد النيروز هو تقليد شعبي ورثه المصريون عن أجدادهم، حيث كان هذا العيد يأتي في رأس السنة لدي القدماء، وهو حدث مرتبط بفيضان النيل.

    بدايته

    “النيروز” كلمة فارسية استخدمها الفرس عندما دخلوا بلادنا وأرادوا أن يحتفظوا بالتقويم المصري القديم، وأطلقوا لفظ “ني روز” على أول يوم من التقويم ومعناها “اليوم الجديد”، وكان هذا اليوم عند المصريين القدماء هو تاج الأعياد لأنه يرتبط بحياة مصر الزراعية.

    ومن الأسباب التي حافظت على الاحتفال بعيد النيروز عبر التاريخ؛ لأنه عيد الطبيعة إلى جانب كونه أقدم أعياد الفرس التي أصبحت شعائره سُنة من سنن الحياة الاجتماعية لدى الفرس، ومشاركة العرب في إحياء شعائر هذا العيد ساعد على بقائه في ظل اهتمام الشعراء والكتاب بتدوين سنن وتقاليد النيروز، وذلك حسبما جاء في بحث بعنوان “النوروز مظهر الثقافة والحضارة بين الفرس والعرب“، للباحث مهدي ممتحن، عن أكاديمية العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية.

    والتقويم المصري القديم هو أول تقويم عرفته البشرية، وأدى شغف شعب مصر بالنيل الذي اعتبروه نهر الحياة إلى رصد موعد فيضانه، فوجد أن أول بشائر المياه وفيض الخير الذي يحمله النيل ويجلبه إلى أرض مصر، تأتي مع الظهور الدوري لنجم لامع يعرف بـ”النجم الكلبي” فقدسوه – حسب الباحث عصام ستاتي في سلسلة الدراسات الشعبية – معتقدين أنه جالب الفيضان، وسمى المصريون أول يوم في العام  بـ”فاتحة السنة” و”وبت رنبت”، وكان يومًا بهيجًا مليء بالاحتفالات والأفراح الشعبية، وكانت هذه الاحتفالات تدور في أساسها حول معنى النصر والتجدد نصر أوزوريس باعتباره رمز النيل والخصوبة علي الإله ست رمز الصحراء الملتهبة والحقول الجرداء.

    نهر النيل
    نهر النيل

    ومن الأغاني المصرية من العصر المصري القديم عن اليوم الأول للفيضان، الاحتفال بالعام الجديد كانت هذه الكلمات:

    إفرحى أيتها الأرض

    فقد أتى وقت الخير

    يا جميع الأتقياء تعالوا وانظروا

    المياه تصعد .. وليس لها انحسار

    النيل يحمل الفيضان العالي

    والآلهة سعيدة وراضية القلب

    الحياة تسرى في ضحك

    والكل في انبهار

    تفتح الزهور في عيد النيروز
    تفتح الزهور في عيد النيروز

    يقول الباحث عبدالمنعم عبدالعظيم، مدير مركز تراث الصعيد، إن عيد النيروز أي عيد تفتح الزهور كان الحبيب قديمًا يقدم لحبيبته وردة حمراء في عيد النيروز، كما كان عيدًا للتصالح، يتصالح فيه المتخاصمون، فسمي بعيد الفرحة، وعيد البهجة، والذي يأتي عقب أسبوع الآلام لدى المسيحيين.

    وفي اللغة المصرية القديمة “الهيروغليفية” توجد عدة تعبيرات قريبة جدا من كلمة النيروز، وتعبر بدقة عن هذا المعنى المهيب لهذا اليوم في حياة وعقيدة المصري القديم ومن بعده القبطي والمصري بوجه عام علي مر الأجيال، فالعبارة “نور روج” أو “نوى روز” أي الفيضان المنعش قد تكون هي الأصل، كما أن هناك عبارات مصرية قديمة أخرى مشابهة مثل نوى روح، ونور روز وتعنى على التوالي وقت الازدهار والمياه المنعشة.

    تقاليد متوارثة في عيد النيروز

    من التقاليد الإنسانية التي سنها المصريون القدماء خلال الأيام المنسية، يذكر الباحث عصام ستاتي؛ أنه ينسى الناس خلافاتهم وضغائنهم ومنازعاتهم، فتقام مجالس المصالحات بين العائلات المتخاصمة، وتحل كثير من المشاكل بالصلح الودي والصفح وتناسى الضغائن وكانت تدخل ضمن شرائع العقيدة حيث يطلب الإله من الناس أن ينسوا ما بينهم من ضغائن في عيده المقدس، فهو عيد رأس السنة التي يجب أن تبدأ بالصفاء والإخاء والمودة بين الناس.

    وكان من التقاليد المتبعة أن يتسابق المتخاصمون، كل مع أتباعه وأعوانه لزيارة خصمه أو عدوه كعكة العيد بين تهليل الأصدقاء وتبادل الأنخاب تأكيدا لما يقوله كتابهم المقدس كتاب الموتى: “إن الخير أقوى من الشر والمحبة تطرد العداء”، وهكذا كان كثير من القضايا تحل وديا في العيد، ويتسابق كل إلى بيت خصمه أو عدوه بصحبة أصدقاء ليكون له السبق في الصلح حتى ينال بركة الإله في العيد المقدس، كما تنص علي ذلك تعاليم العقيدة، كما شاهد عيد رأس السنة – لأول مرة – استعراض الزهور “كرنفال الزهور” الذي ابتدعته كليوباترا ليكون أحد مظاهر العيد عندما تصادف الاحتفال بعيد جلوسها علي العرش مع عيد رأس السنة.

    ويذكر ستاتي، من هنا ندرك أن فيضان النيل – الذي اعتمد عليه رخاء المصرين ولا يزال حتى اليوم – محور اللاهوت المصري والعقائد الشعبية.

    الاحتفالات بعيد الخوصة أو حد السعف بنجع حمادي- تصوير: مريم الرميحي
    الاحتفالات بعيد الخوصة أو حد السعف بنجع حمادي- تصوير: مريم الرميحي

    ضفائر الزينة وسعف النخيل

    اتخذ الاحتفال بالعيد خلال الدولة القديمة مظهرا دينيا، فكانت تقاليد الاحتفال تبدأ بنحر الذبائح كالقرابين للإله، وتوزع لحومها على الفقراء، وكان بعضها يقدم للمعابد ليقوم الكهنة بتوزيعها بمعرفتهم، وكان سعف النخيل من أهم النباتات المميزة لعيد رأس السنة حيث كان سعف النخيل الأخضر يرمز إلى بداية العام لأنه يعبر عن الحياة المتجددة، كما أنه يخرج من قلب الشجرة، فكانوا يتبركون به ويصنعون ضفائر الزينة التي يعلقونها على أبواب المنازل ويوزعون ثماره الجافة صدقة على أرواح موتاهم.

    وما زالت تلك العادات الموروثة والتي لم يطرأ عليها أي تغير حتى يومنا هذا، كما كانوا يصنعون من سعف النخيل أنواعا مختلفة من التمائم والمعلقات التي يحملها الناس في العيد علي صدورهم وحول أعناقهم، كرمز لتجديد الحياة في العام الجديد وحفظها من العين الشريرة، وكان الشباب يحملون سعف النخيل في رقصاتهم الجنائزية ورقصاتهم الشعبية الجماعية.

    ومن أقدم التقاليد التي ظهرت مع الاحتفال بعيد رأس السنة صناعة الكعك والفطائر، وانتقلت بدورها من عيد رأس السنة لتلازم مختلف الأعياد التي جعل لكل منها نوع خاص به وكانت الفطائر مع بداية ظهورها في الأعياد تزين بالنقوش والطلاسم والتعاويذ الدينية.

    ويضيف ستاتي، اتخذ عيد رأس السنة في الدولة الحديثة طابعا دنيويا، وخرج من بين الأعياد الدينية العديدة ليتحول إلي عيد شعبي له أفراحه ومباهجه ومعانيه، وكانت طريقة احتفال المصرين به تبدأ بخروجهم إلي الحدائق والمتنزهات والحقول يستمتعون بالورود والرياحين، تاركين وراءهم متاعب حياة العام وهمومه في أيام النسيء أو الأيام المنسية التي أسقطوها من التاريخ خارج بيوتهم، وكانوا يقضون اليوم في زيارة المقابر، حاملين معهم سلال الرحمة “طلعة القرافة ” كتعبير عن إحياء ذكرى موتاهم كلما انقضى عام ورمز لعقيدة الخلود التي آمن بها المصريون القدماء، كما كانوا يقدمون القرابين للآلهة والمعبودات في نفس اليوم لتحمل نفس المعنى، ثم يقضون بقية الأيام في الاحتفال بالعيد بإقامة حفلات الرقص والموسيقى ومختلف الألعاب والمباريات والسباقات ووسائل الترفيه والتسلية العديدة التي تفننوا في ابتكارها.

باب مصر