باب مصر

الوسم: نجيب محفوظ

  • من وهج الثقافة إلى صمت الجدران.. «مقهى المسيري» بدمنهور ذاكرة تتحدى النسيان

    من وهج الثقافة إلى صمت الجدران.. «مقهى المسيري» بدمنهور ذاكرة تتحدى النسيان

    شكّل «مقهى المسيري» في دمنهور واحدا من أبرز الملتقيات الثقافية في مصر، حيث لم يكن مجرد مكان لاحتساء المشروبات، بل فضاء يجمع بين الأدباء والمفكرين والفنانين على اختلاف اتجاهاتهم، لتتحول جلساته إلى مناقشات فكرية وندوات غير رسمية أثرت الحياة الثقافية لعقود طويلة. وقد ارتبط اسم المقهى بتاريخ حافل من الحراك الأدبي، إذ كان مقصدا لعدد من كبار المثقفين، قبل أن يتم إغلاقه من جانب ملاكه الجدد.

     الأديب القهوجي وملتقى لمثققي مصر

    يقول الباحث خالد معروف إن مقهى رمسيس الشهيرة بمقهى المسيري بشارع الأميرة فوقية، المعروف بشارع (23يوليو)، كانت مملوكة لإخوة المسيري. وكانت أحد أهم معالم المدينة وعنوانا لمثقفي مصر.

    وقد ارتبط شهرة المقهى باسم الأديب عبد المعطي المسيري، أو كما أطلقوا عليه “الأديب القهوجي”. وقد افتتح المقهى محمد المسيري في عشرينيات القرن الماضي. بينما استطاع عبد المعطي المسيري -المؤسس الحقيقي للمقهى- أن يحوله من مجرد مكان لاحتساء الشاي والقهوة وإبرام الصفقات التجارية إلى منبع إشعاع ثقافي وحضاري وأدبي. حتى نافس في شهرته المقاهي الكبرى في مصر، وكانت ملتقى لعمالقة الأدب والصحافة والسياسة والفن.

    كما كان ملتقى لرواد الفكر والأدب والثقافة في دمنهور ومحافظة البحيرة، ولعب دورا مهما في الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني. وكان مقرا لجمع التبرعات لمساعدة الجيش المصري خلال حرب فلسطين الأولى عام 1948.

    مقهى المسيري.. تصوير: محمود دوير
    مقهى المسيري.. تصوير: محمود دوير
    محمد أنور السادات وتوفيق الحكيم في مقهى المسيري

    كانت المقهى من أهم منابع الإشعاع الثقافي والأدبي في دمنهور خلال حقبة الثلاثينيات وحتى ستينيات القرن الماضي. حيث كانت تعقد فيه الندوات واللقاءات الأدبية والثقافية. كما شهد تأسيس جمعية أدباء دمنهور عام 1957، بحضور أنور السادات موفدا من الرئيس جمال عبد الناصر. بعد رسالة أرسلها عبد المعطي المسيري للرئيس مطالبا بضرورة الاهتمام بنشر الثقافة في الأقاليم. وألا تكون العاصمة هي محور اهتمام الدولة.

    ويضيف خالد معروف أن “قهوة المسيري” من المقاهي التي زارها عدد من عمالقة الأدب والصحافة ورواد القصة. وجلسوا بين جنباتها واستلهموا من شخصياتها وروادها ملامح أفكارهم وكتاباتهم. ومن أبرز من زاروها: يحيي حقي، وتوفيق الحكيم، وزكي مبارك، وأنور السادات، ومحمود أمين العالم، وأمين يوسف غراب، وخيري شلبي، ورجب البنا، وياسين الفيل، ويوسف القعيد.

    من جانبه، يقول الباحث كامل رحومة إنه اهتم بمقهى المسيري بعد أن تعرف عليه من خلال كتابات الدكتور عبد الوهاب المسيري. مؤكدا أن أثره في الثقافة العربية فائق ومهم جدا، مشيرا إلى أن أبرز ملامحها يتمثل في صاحبها ومؤسسها الأديب “القهوجي” عبد المعطي المسيري، الذي علم نفسه بنفسه، وأصبح أحد أهم أدباء جيله.

    ميلاد “يوميات نائب في الأرياف” 

    عن تحول المقهى من مجرد “قهوة” إلى واحدة من أشهر المقاهي الثقافية، أوضح رحومة أن ذلك يرجع إلى تعرف المسيري على توفيق الحكيم، الذي كان يعمل وكيلا للنيابة آنذاك، حيث كان يجلس في المقهى يكتب رواية “يوميات نائب في الأرياف”. ومن خلال العلاقة التي جمعت بين المسيري والحكيم، حدث تحول كبير في وعى عبد المعطي المسيري وطبيعة المقهى ذاته.

    ويضيف رحومة أن مقهى المسيري  مدرسة شاملة في الأدب والثقافة والسياسة. وكان من أبرز رواده عمر بطيشة، وإسماعيل الحبروك، وعلي شلش، وأمين يوسف غراب، واستمر تأثيره ممتدا حتى جيل سيد إمام وصلاح اللقاني ورضا إمام. وأشار إلى أن المقهى أغلق في السنوات الأخيرة. معربا عن أسفه لذلك، معتبرا أن الإغلاق جاء نتيجة توجهات لا تقدر الجمال والثقافة. وهيمنة رأس المال غير الواعي، الذي كان سببا مباشرا في إنهاء دور المقهى تحت دعوى التحديث.

    من جانبه، يقول الكاتب محمد اللبودي إن تأثير مقهى المسيري على الحياة الثقافية ارتبط بالسياق التاريخي لتلك المرحلة. التي لم تكن تتوافر فيها أماكن ثقافية رسمية، فكانت اللقاءات الأدبية تعقد في منازل كبار الأدباء والمثقفين. وأضاف أن المقهى كان البديل والمتاح، واستمر يؤدي دورا مهما حتى أسهم وجيه أباظة، أول محافظ للبحيرة بعد ثورة 23 يوليو، في تأسيس جمعية الأدباء. لتكون أول مؤسسة أهلية ذات دعم رسمي تجمع الأدباء في المحافظة.

    دوره في حربي 1956 و1967

    يشير اللبودي إلى أن دور مقهى المسيري تجاوز الجانب الأدبي إلى أدوار اجتماعية وثقافية وسياسية. وظهر ذلك خلال أحداث عامي 1956 و1967. ولفت إلى أن المقاهي الثقافية كانت ذات تأثير كبير في تلك الفترة، حين لم تكن هناك مؤسسات ثقافية تجمع الأدباء. موضحا أن طبيعة المقاهي تغيرت لاحقا وأصبحت أكثر ازدحاما وضجيجا، ولم تعد مهيأة للقيام بالدور الأدبي والثقافي.

    ويقول محمد مصطفى البسيوني، مدير فرع ثقافة البحيرة، إن مقهى المسيري يمثل تاريخا عريقا في مدينة دمنهور. وكان يجمع رموز الثقافة والأدب في مصر خلال عقود طويلة. وأضاف أنه في مرحلة لاحقة تحول من مقهى ثقافي إلى مقهى عادي يرتاده التجار وأصحاب الحرف. مشيرا إلى أنه مع بداية عام 2003 شرع فرع ثقافة البحيرة في إنشاء مكتبة ثقافية ضمت نحو 5000 كتاب، واستمرت لمدة ثلاث سنوات. وشهدت فعالية ثقافية واحدة شارك فيها الدكتور عثمان عسل، محافظ البحيرة الأسبق، والكاتب الصحفي، رجب البنا، وأدراها الكاتب والمترجم الراحل سيد إمام. لكنها لم تستمر بسبب التغير الكبير في طبيعة رواد المقهى.

    نجيب محفوظ ولويس عوض ومحمد مندور

    عن دور المقهى وتأثيره في الحياة الثقافية، يقول الكاتب الصحفي رجب البنا إن مقهى المسيري لم يكن مقهى تقليديا بالمعنى المعروف، مشيرا إلى أن مؤسسه عبد المعطي المسيري لم ينل ما يستحقه من تقدير حتى الآن. رغم أنه لم يحصل على قدر من التعليم الرسمي، إلا أنه كان أحد الأدباء البارزين. وكان يكتب مقالات يعارض فيها طه حسين والعقاد.

    وأضاف البنا أنه تعرف للمرة الأولى على نجيب محفوظ، ويحيي حقي، ولويس عوض، والدكتور محمد مندور من خلال مقهى المسيري. حيث كانت هذه الأسماء الكبيرة تتردد عليه، لشعورهم بأن دمنهور تحتضن تجربة ثقافية متميزة وجيلا جديدا من الأدباء والمفكرين. وأكد أنه كان واحدا من روادها، مشيرا إلى أنه لم تتكرر حتى الآن حالة الفوران الثقافي التي صنعها المقهى داخل دمنهور.

    فيما يقول عبده البولاقي، أحد سكان شارع 23 يوليو، إنه عاصر الحاج سعيد المسيري، نجل الراحل عبد المعطي، موضحا أن المقهى كان يضم رموز المدينة وصفوتها. إلى جانب عدد من الأدباء والمثقفين، وكان المحافظ الأسبق وجيه أباظة كثيرا ما يزور المقهى.

    ويضيف جميل عصافير، من سكان دمنهور، أن مقهى المسيري من علامات المدينة، مشيرا إلى أنه نظرا لأهميته، أنشأت الهيئة العامة لقصور الثقافة مكتبة داخل المقهى، وتم تكليف مجموعة من العاملين لتقديم خدمة ثقافية لسكان الحي، وظل ذلك لعدة سنوات. وعبر عصافير عن حزنه بسبب غلق المقهى بعد أن قام الورثة ببيع العقار، لينتهي معه حكايات وذكريات ما تزال حية في قلوب من شهدوا على زمنها الجميل.

    اقرأ أيضا:

    رائحته تعلن قدوم العيد.. «سوق الفسيخ» ذاكرة العيد المتجددة في دمنهور

    «الفسيخ والرنجة».. طقس العيد الذي لا يغيب عن موائد الصعيد كل عام

  • «أم كلثوم.. من الميلاد إلى الأسطورة»: تقرأ كأنك ترى

    «أم كلثوم.. من الميلاد إلى الأسطورة»: تقرأ كأنك ترى

    هذه سيرة ومسيرة لأم كلثوم، لا تمشي معها عبر التاريخ، لكن عبر أحداث ومواقف متفرقة في الزمن، تعكس روح هذه السيدة العظيمة، وعلاقتها بمن حولها من نجوم في الموسيقى والطرب والسينما والسياسة، وحياتها الشخصية مع عائلتها والعاملين في بيتها والجمهور.

    الكتاب عنوانه: “أم كلثوم من الميلاد إلى الأسطورة”، وعنوانه الفرعي: “كتاب تذكاري”، بقلم الصحفي والمبدع حسن عبد الموجود، وتم نشره في دار ديوان للنشر في العام الماضي، وحقق إقبالا جميلا.

    يبدأ بميلادها في قرية طماي الزهايرة، بين خوف أمها فاطمة أن تلد بنتا، بينما يحلم الأب بولد يرافقه في سيره بسائر القرى، ينشد معه الابتهالات في حب الرسول وآل البيت. رأت الأم في أحلام يقظتها كيف ستنجب بنتا تشاغب الكبار وتمرح بشقاوة في البيت، ويتخيل الكاتب مشاهد من ذلك.

    وبينما كان الأب قد انتهى من صلاة التراويح في رمضان بالمسجد، وارتكن على أحد الأعمدة لينعس قليلا، رأى امرأة جميلة ترفل في فستان من نور، تمد يديها له بلفافة بها فتاة مولودة، وتقول له إنها أم كلثوم بنت النبي محمد.

    في اليوم التالي أنجبت الأم الفتاة، فحملت اسم أم كلثوم، وفرح بها الأب على غير ما تتوقع الأم. كبرت وصارت صبية تخرج في صحبة أبيها وأخيها الأكبر منها خالد في الموالد، ولم توافق على ذلك إلا بعد أن أغرقها الأب في بحر من الحلوى.

    هكذا الفصل وكل الفصول، يبدو مثل قصة قصيرة مشوقة الأحداث والنهاية. وهكذا فأنت تقرأ وترى، وهذا جهد فني رائع من المؤلف.

    ***

    السفر إلى القاهرة وكيف حاول الشيخ أبو العلا إقناع الأب الشيخ إبراهيم بذلك. كيف نجح بالسفر بها بعد عناد من الأب، الذي يرى أن بنت الريف لن تصمد أمام إغراءات القاهرة. يسافرون إلى قصر عز الدين بك في حلوان بالقاهرة، وهو يحتفل بالمعراج. ورغم عدم أعجاب عز الدين بك بالفتاة الصغيرة النحيلة، وعدم تصديقه أنها قد تطربهم، جعلها تغني، فطاروا بالإعجاب بها.

    لا يخلو الكتاب من قفشات أم كلثوم التي اشتهرت بها، بل صارت علامة مهمة في الحكي تعكس معاني وخفة دم فائقة. خلعت العقال وزيها الريفي، وذاع صوتها بالقاهرة. جاءها صحفيون، منهم إبراهيم زمزم الناقد الفني في مجلة “الكشكول”، الذي كان مقتنعا بما يقال من غرمائها أنها بخيلة، فمن يذهب إليها منهم لا تقدم له ما يشبعه.

    قابل أم كلثوم قبل الغناء يسألها كيف يقابل أم كلثوم، فقالت له إنها خادمتها، وأعطته كارتا مكتوبا عليه: “كروانة الشرق أميرة الإنشاد والغناء السيدة أم كلثوم” وبعد حوار ساخر بدأت الحفلة، فرآها هي نفسها “البنت المفعوصة” التي حدثها، وكانت قد رأته بكرش كبير، وغنت: “شفت بعيني ماحدش قالي!”.

    ***

    مشاهد من علاقتها بأحمد رامي، الذي استولت على وجدانه، وكيف طلب يدها ورفضت، لكن استمرت العلاقة، وكان هو وراء قراءتها لدواوين الشعر القديم. كانت الصحف تتحدث كثيرا عن غرامهما، بينما هي لن تتزوجه. ومما كتبته الصحف مثلا، أنها قابلته مرة نازلا على سلم منزلها، حيث لم يجدها. رآها صاعدة السلم، فقالت له: تفضل انزل أنت، فقال لها بهيام: إزاي أنزل وروحي طالعة. أو أن رامي ينتظر كل يوم حصته من اللبن بعد أن تستحم أم كلثوم، فقالت له: “تلاقي القصايد بتفور منك”.

    أشياء صغيرة تعكس روحها، مثل استخدامها للمناديل أثناء الغناء أو البروفات، وكيف كانت تمزقها وتحتاج على الأقل إلى دستة منها مع كل حفل. تأتي زيارتها إلى باريس لأول مرة دون أن تخبر أحدا، ومعها خادمتها سنية. كانت في حاجة لتختلي بنفسها شهرا على الأقل. هي تعرف سنية منذ أيام طماي الزهايرة. تعلمت أم كلثوم اللغة الفرنسية بسرعة قبل السفر، ولم تحب الإنجليزية. كانت معجبة بحرف الراء فتقول “باغيس” بدلا من باريس.

    بالمناسبة كانت الفرنسية لغة المثقفين أكثر من الإنجليزية تحت الاستعمار البريطاني، ربما كيدا في الإنجليز.

    ***

    رحلة لطيفة مع الميكروفون، وكيف استعملته بعد أن كانت تكتفي بصوتها العابر للفضاء. كيف تعطل الميكروفون ذات مرة، وقيل لها لقد أحرقته قوة صوتها، فصاروا يعلقون الميكروفون في السقف أو بعيدا عنها. أخبروها أنهم سيشترون ميكروفونا جديدا خاصا من أمريكا، فقالت ضاحكة: “طب والمرحوم حتعملوا فيه إيه.. مات يا عيني ع الحديدة”.

    إعجابها بالصبي محمد عبده صالح، الذي قابلته من قبل وجعلته في طاقمها الموسيقي، يتصدره أحيانا ويأخذ مكان القصبجي. كيف كان تعليقها على عزفه وهو يعلمها العزف على القانون، الذي لم تكمله واكتفت بإعجابها به هو، قائلة: “يخرب بيتك ياعبده”.

    وكيف قررت التعاون مع نزار قباني بعد أن قرأت قصيدته “أصبح عندي الآن بندقية”، واتصالهما، وتذكرها رحلتها قبل ذلك إلي القدس، والحفاوة بها في الإعلانات وزحف الناس من كل القرى لسماعها.

    وأيضا كيف قابلت في حيفا امرأة حاول الشرطي منعها، فأمرته أم كلثوم أن يتركها. احتضنتها المرأة قائلة: “أنتٍ الآن كوكب الشرق”. سمعها الناس في الميكروفون فرددوا القول بحماس: “كوكب الشرق كوكب الشرق”. انتشر ما قالته المرأة في الصحف، فلم تعد الكروانة ولا الساحرة ولا قيثارة السماء. صارت كوكب الشرق طوال حياتها وحتى الآن.

    ***

    فصل عن الرجل الذي اشتهر في حفلاتها بقوله: “عظمة على عظمة ياست”، وهو حافظ الطحان، الحريص على حفلاتها وحضورها في الصف الأول في جلبابه الريفي. وكيف كان يهرول إلى خلف الكواليس للمس يدها كأنه يقدسها.

    كيف تصورته أم كلثوم شخصية عابرة قادمة من رواية “زقاق المدق” لنجيب محفوظ بملامحه المصرية. كيف زارته في بيته وقالت له: “جيت النهارده بس علشان أقول لك شكرا قدام الناس”. وقالت لزوجته زينب: “إنتي زي أختي، من هنا ورايح لازم تزوريني”. كيف ازدحم الناس حولها، وبعد أن انتهت جلستها أطلت عليهم من المشربية فهللوا لها، فهتفت: “يا صباح الخير يا اللي معانا”، ورددها الجميع خلفها في هدير عاصف.

    حكاية عزومة أحمد شوقي لها في بيته بين كوكبة عظيمة من السياسيين والفنانين والكتاب، وكيف عزم عليها بالشمبانيا وهي لا تشرب الخمر فتظاهرت بشربها، وكيف كان ذلك سببا في كتابة أحمد شوقي قصيدته: “سلوا كؤوس الطلا هل لامست فاها”.

    غلاف الكتاب
    غلاف الكتاب
    ***

    كيف تركها شوقى إلى مكتبه وكتب القصيدة، ثم استدعاها إليه وأخرج مظروفا قال لها إنه مبلغ بسيط، فغضبت ورفضت ولم تأخذ المظروف. ثم جاءها في اليوم التالي بالقصيدة في بيتها، وقال نفس الكلام، وحدث نفس الغضب، فقال لها: “مش اللي في بالك خالص.. قصيدة يا هانم”. ولما قرأت القصيدة قال لها: “أنفع شاعر”، فقالت: “وأمير الشعراء كمان”، ثم سألته: “تاخد كام في القصيدة دي؟”، وأدرك أنها دعابة فضحك.

    كيف منحها الملك فاروق لقب صاحبة العصمة بعد أن غنت “ياليلة العيد آنستينا”، وحضر فاروق الحفل، فغيرت من بعض كلمات الأغنية وقالت: “يا نيلنا مايتك سكر، وزرعك في الغيطان نوّر، يعيش فاروق ويتهنى، ونحيي له ليالي العيد”، ثم غنت “حبيبي يسعد أوقاته” وذكرت اسمه أيضا. فشكرها قائلا: “شكرا يا صاحبة العصمة”، وفسر لها حسنين باشا أنه هكذا أنعم عليها الملك بوسام الكمال وصاحبة العصمة.

    ***

    تأتي حكاية الرجل الصعيدي الذي رفع عليها قضية طاعة باعتبارها زوجته، بينما لم تعرفه قط من قبل، وكان اسمه عبد الستار محمد الهلالي، ضخم الجسد مخيف المنظر. جاءها إخطار من المحكمة بذلك. دراما حتى وصلت للمحكمة، وفيها أدرك القاضي كذبه، وحكم عليه سنة مع الشغل مع غرامة خمسين جنيها، وتعويض قدره قرش واحد للمدعى عليها السيدة أم كلثوم، وكيف هتف عبد الستار: “ظلم ظلم.. دي مراتي يا عالم”.

    الحرب العالمية الثانية واختيار أم كلثوم لمدينة رأس البر في المصيف، مع محمد التابعي وأحمد رامي وغيرهما، بدلا من الإسكندرية التي كانت تعاني من غارات الألمان والطليان. كيف قررت إقامة حفل هناك فكتبت الصحف عن ذلك، فتحرك المسؤولون لإعادة تخطيط المدينة وإصلاح شوارعها وعِشش الشاطئ وغير ذلك. كيف امتلأ الحفل بالبشر فصوتها سحر كائنات البر والبحر.

    وبمناسبة الحرب العالمية الثانية أيضا تأتي حكاية الفنانة البريطانية فيفيان لي، التي أرسلوها إلى مصر في إطار الترفيه عن الجنود، واختاروا لها يوم الخميس الأول من الشهر لتقيم حفلتها. كان حفل أم كلثوم دائما في هذا اليوم.

    ***

    لم تكن أم كلثوم تميل للألمان ولا الإنجليز، أو كما تقول: “يتحرقوا الاتنين”. لكن كان في مصر تيار سياسي، يطول الحديث عنه، يرحب بهتلر، وكانت الإذاعة الألمانية العربية من برلين تبث بين أخبارها أغنيات لأم كلثوم مع زحف روميل في الصحراء حتى وصل إلى العلمين.

    تضايقت أم كلثوم من حضور فيفيان لي، رغم أنها أحبتها في فيلم “ذهب مع الريح” في دور سكارليت أوهارا. كلنا أحببناها وعشقنا ذلك الفيلم. لم يُقبل أحد من السياسيين أو غيرهم على حفل فيفيان لي، واعتذرت لها السفارة البريطانية.

    عرفت فيفيان السبب فقررت حضور حفل أم كلثوم الذي يذهب إليه الجميع. لم يجدوا لها مقعدا، فلقد نفدت التذاكر، وأخبرها صديق لها بالديوان الملكي بذلك. فقالت له أم كلثوم: “سيبها عليْ” فقال لها: “أوعوا تقعدوها ورا أو تسيبوها واقفة”. جهزت لها أم كلثوم مقعد في البداية ومن رافقها. اندمجت فيفيان لي معها، وتركت لها ورقة كتبت فيها: “أترك قلبي معك يا أم كلثوم، وآمل أن أحضر لاسترداده قريبا”.

    وهناك أيضا أقوال إن فيفيان لي كانت حريصة فيما بعد أن تحضر حفل أم كلثوم أكثر من مرة.

    أم كلثوم.. مشاع إبداعي
    أم كلثوم.. مشاع إبداعي
    ***

    تستمر المواقف والحكايات التي يحكيها الكاتب في دراما مرئية. غيرة محمد القصبجي من ميل أم كلثوم للملحن الشاب محمود الشريف، حتى إنه وضع في جوربه مسدسا ليقتله. ذهابه إلى بيت أم كلثوم ليجده، ولا يفعل ذلك، بل خرج مسرعا وسقط المسدس من جوربه الذي أخفاه فيه، وركب سيارته حزينا وهو يقول: “آه يا كوكب”.

    لقاؤها بالشيخ مصطفى إسماعيل في الإذاعة، وحديثهما عن لقائهما من قبل، وكيف جري الجمهور إليه وتركها، وتعليقه: “دول كانوا عايزينك تغني وأنا أقرأ قرآن في نفس الوقت”. وكيف سمعها وأبدي ملاحظات فنية، مثل أن “الجواب” في بعض الأحيان كان يمكن أن يكون أفضل. ثم غنى مقطعا من أغنيتها وشرح لها ما يقصد، فعادت به إلى الاستوديو وأعادت الأغنية، فأعجب بها، وسألته: “مش ناوي تغني يا مولانا؟” فقال: “لما تختمي إنتٍ القرآن”.

    كيف مُنعت أغانيها من الإذاعة بعد حركة يوليو 1952 باعتبارها ممثلة للعصر الملكي، ومحاولة محمد التابعي التخفيف عنها، وتدخل مصطفى أمين وذهابه لعبد الناصر، الذي عرف فقال: “طيب ليه ما هدموش الأهرامات وأبو الهول ولا النيل؟”، وانتهاء الأزمة.

    ***

    نشيد “والله زمن يا سلاحي” الذي كتبه صلاح جاهين وشدت به في حرب 1956، وكيف صار فيما بعد النشيد القومي. كيف أهداها محمد فوزي الملحن الشاب بليغ حمدي، فلحن لها “حب إيه” وأحاديثهما المنعشة معا حتى انتهي اللحن، ومشاعرها مع كلمات الأغنية الجديدة.

    أغانيها في مسلسل رابعة العدوية، ورأيْ المخرج عثمان أباظة في أغنية “غريب على باب الرجا”، وكيف أن لحن كمال الطويل لها لا يتواءم مع الموقف المؤلم الذي ستذاع فيه الأغنية، ففي اللحن مزاهر وشخاليل غير مناسبة. وطلبها من طاهر أبو فاشا أن يكتب أغنية جديدة، وقولها لكمال الطويل:  “مش قلت لك اللحن اتشم؟”. ولما سألها عن الأغنية وماذا سيفعلون قالت: “ابقوا ذيعوها لما أموت”.

    قضية رفعتها على محمد الموجي في المحكمة لأنه تأخر في لحن أغنية “للصبر حدود”. قاعة المحكمة وحديث الموجي أن الوحي لم يأتِ له باللحن بعد، فقال القاضي: “عندك حق” وحفظ القضية، ونصحه أن يحل مشكلته مع أم كلثوم ولا يخسرها. الموجي، الذي كانت أم كلثوم وأغانيها حب عمره، حتى إنهم لقبوه في المدرسة بـ”مجنون الست”، وكيف كان اتصالهما فصارت روحه وأمه. عاد بعد الجلسة إلى بيتها واستقبلته، وحين عاتبها قائلا: “لدرجة المحكمة يا هانم؟” قالت ضاحكة: “للصبر حدود”.

    ***

    حكاية غريبة عن سرقة أشيائها من كواليس المسرح، ثم سرقة فيلتها، ورسالة تصلها في البيت: “لو رحتي أيْ مسرح هنفجره”. كانت تلمح شابا بين الحاضرين لحفلاتها ظنت أنه السارق من نظراته لها، وكان ضخما. عرفوها باسمه: خليل الصفتي، معاون مستشفى الأمراض المزمنة في حلوان، وينتمي لعائلة الشيخ المطرب سيد الصفتي. جعلت منه حارسا لها يبعد عنها الزحام بقوته، وحين تندهش يقول لها: “خدامك إلى الأبد يا هانم”.

    تأتي حكاية أغنية “إنت عمري” بتلحين عبد الوهاب بتوصية من عبد الناصر. كواليس ذلك وتاريخ علاقتهما غير المريحة بعبد الوهاب، خاصة في التنافس على نقابة الموسيقيين ومقالاتهما ضد بعضهما، وكيف مرت أيام وشهور وعبد الوهاب لا يفعل شيئا. في النهاية بدأ العمل وطلبت تغيير كلمة “شوقوني عينيك لأيامي اللي راحوا” إلى “رجعوني عنيك لأيامي اللي راحوا” وموافقة عبد الوهاب.

    ***

    سفرها للغناء في مسرح الأوليمبيا في باريس في إطار دعم المجهود الحربي بعد 1967. كيف امتلأ المسرح بالجمهور حتى اليهود المقيمين في فرنسا، وكان الأمر مدهشا لمدير وصاحب المسرح وحديث الصحافة الفرنسية. قدمها جلال معوض قائلا: “اليوم أم كلثوم تغني في باريس وغدا في القدس” قال لها صاحب المسرح برونو كوكاتريس أن لا يتحدثا في السياسة. رفضها له قائلة: “إذا لم تعجبك طريقتنا يمكنني أن أترك المسرح حالا” فاعتذر لها. كان هو الذي أتي إلى مصر من قبل وقابل ثروت عكاشة، وطلب منه أن يرشح مطربا له يغني في مسرحه فرشح له أم كلثوم.

    ***

    ينتهي الكتاب بحوار صحفي لم ينشر معها به أحاديث إنسانية جذابة، مثل سؤال المحاور هل أرسلت إليك منيرة المهدية برقية تهنئة بعد أغنية إنت عمري، وأجابتها بنعم، وكيف بكت لأن منيرة أخبرتها، أنها لو تستطيع الحركة لأتت بنفسها تهنئها. حديثها عن كيف وصل عدد السيدات في حفلتها مع إنت عمري 453 سيدة بينما في أول حفلاتها في حياتها لا وجود إلا لسيدة واحدة، وأجابتها أنه لم يكن مسموحا للمرأة بالسهر وحضور الحفلات في بداية القرن.

    سؤال لماذا تحبين اللون الأخضر في ثيابك، وقولها لأني فلاحة ابنة فلاحين، وسؤال هل تعرفين أن البعض يدخن الحشيش في حفلاتك، وإجابتها أنها قرأت في الجورنال أن سعر الحشيش يرتفع يوم حفلتها، ثم السؤال الأخير ما أكثر ما يزعجك في حياتك، وإجابتها: “الحوارات الصحفية”.

    فصول أخرى طريفة أتركها لكم مثل لقائها بنعمات أحمد فؤاد أو موت عبد الناصر وهي في موسكو وغيرها. ومن أجمل ما في الكتاب أيضا الصور الملحقة بصفحاته في جهد رائع للناشر”ديوان”. صور كلها تقريبا تم التقاطها في زمن الحكاية، وتظهر أشخاصها، تصل إلى أكثر من مائة وخمسين صفحة في الكتاب البالغ أربعمائة صفحة، كأنها إلى جوار لغة الكاتب حسن عبد الموجود البصرية، تؤكد المعنى والمبني للحكايات التي أعتذر لأني أغفلت الكثير منها رغم طول المقال، حتى لا أحرق الكتاب كما يقال.

    اقرأ أيضا:

    «القاهرة وعمرانها».. التاريخ بين يديك

    «جويس منصور».. طفلة مسك الروم

    كتاب عن «الروائح» يتسع به الفضاء

  • داود عبد السيد: الهامش، التصوف، الاقتباس

    داود عبد السيد: الهامش، التصوف، الاقتباس

    أذكر لقاءً مهما جمعني بالمرحوم الفنان داود عبد السيد في منتصف التسعينات، ولعله عام 1996. كنت أدير ندوة معه بعد عرض فيلم “أرض الأحلام” (1993) في نادي سينما الجزويت بمنطقة رمسيس. كان المرحوم الأب وليام سيدهم ابن الرهبنة اليسوعية أو الجزويت قد أعاد إحياء نادي السينما بالمدرسة قبلها بعامين أو ثلاثة.

    وفكرة نادي سينما يعرض الأفلام المتميزة ويناقش القضايا التي تطرحها على المستوى الأخلاقي والفكري والفني هو أحد الأنشطة التاريخية التي تفردت به الجزويت في مصر منذ الستينات. وقتها أنشأ الأب بول وارن الراهب والناقد السينمائي أول نادي سينما بمدرسة الجزويت. في مطلع، كلفني الأب وليام أنا والفنان المخرج أيمن مكرم بإدارة نادي السينما وندواته حوالي عام 1993 أو 1994.

    ومن بين الندوات التي أعتز بها كان ذلك اللقاء مع المخرج الكبير داود عبد السيد. تلقى الأستاذ داود سؤالاً من القاعة حول اهتمامه بعالم المهمشين في أفلامه، فبدأ إجابته بالإشارة إلى مقالي عن سينما الهامش المنشور في العدد 124 لمجلة “أدب ونقد”، الصادر في ديسمبر 1995 بعنوان “سينما الهامشيين والمهمشين”. وربما كان السؤال عن ما يتصوره بعض المتابعين من تحول داود عبد السيد عن تصوير الهامشيين في أفلام مثل “الصعاليك” (1985) و”الكيتكات” (1991) و”سارق الفرح” (1995) واهتمامه بتصوير عالم بورجوازي في “أرض الأحلام”.

    سينما الهامش

    أعتز بهذه الدراسة المنشورة في مجلة “أدب ونقد” عن تصوير الهامش في السينما لأنني أزعم أنها الأولى من نوعها التي ترصد مساحة تصوير الهامش الحضري بين سكان المدينة في سينما الواقعية الجديدة عند داود عبد السيد وعاطف الطيب وآخرين من ذلك الجيل السينمائي الفذ.

    من الذاكرة، أذكر أنني ميزت بين من أسميتهم الهامشيين ومن أسميتهم المهمشين. المهمشون هم في تصوري أبناء الشرائح الأبسط في الطبقة المتوسطة أو أدناها والذين تعرضوا للتهميش بفعل سياسات الانفتاح الليبرالي في منتصف السبعينات، بحيث أزيحوا من مواقع كانت تضمن لهم عملاً منتظماً معقولاً ومنتظماً ومعروفاً، وتمنحهم قدراً من الستر يجعلهم قادرين على السكن في المدينة أقرب ما يكون إلى أحياء منظمة مخططة لا في مناطق شديدة الفقر خالية من الخدمات، وبالتأكيد ليس في مناطق عشوائية. هؤلاء هم من يصورهم أحياناً عاطف اطيب، مثلاً في “سواق الأوتوبيس” و”حب فوق هضبة الهرم”.

    ***

    أما الهامشيون فكما عرفتهم في مقالي المنشور عام 1995، هم “سواقط الطبقات بالمصطلح العلمي، الذين يعيشون خارج كل الطبقات وخارج كل المهن، وخارج كل المؤسسات الاجتماعية مثل مؤسسة «العائلة» وغيرها، وفي عبارة واحدة: خارج المجتمع”.

    وأوضح مثال للهامشيين بهذا التعريف موجود في سينما داود عبد السيد. فالهامشيون هم من يعيشون في عشوائيات خارج التخطيط العمراني، غالباً في عشش ومدن صفيح، وهم عادة لا يمارسون أعمالاً منتظمة ولا “محترمة” بمقاييس الطبقة المتوسطة ولم يحصلوا على قدر من التعليم يتجاوز المرحلة الإعدادية. نموذج قوي لتصوير الهامشيين في السينما هو شكل وأداء وسلوك أبطال فيلم “سارق الفرح” لداود عبد السيد. لكن الشريحة نفسها هي بطلة فيلميه “الصعاليك” و”الكيتكات”.

    ***

    وربما كان الفيلم الأخير ملتبساً من حيث تصنيف عالمه الاجتماعي. فالكيتكات حي في وسط الكتلة العمرانية للجيزة وأبطاله يعملون بشكل “شرعي”، فهم أقرب لمن وصفتهم بالمهمشين (بفعل سياسات الانفتاح)، وإن كانت بعض سلوكياتهم، وممارستهم للنصب، مثلما تفعل شخصية الشيخ حسني، تضعهم أحيانا في خانة الهامشيين.

    الواقع أن النظرة الشاملة للعوالم الاجتماعية التي صورها داود عبد السيد تؤكد احتفاءه بالهامش في كافة أفلامه، ليس فقط بالمعنى الاجتماعي الدقيق، بل أيضاً بالمعنى السلوكي و”الأخلاقي”. فلا شك أن العالم الاجتماعي الذي صوره داود عبد السيد في “أرض الأحلام” و”قدرات غير عادية” (2015)أبعد ما يكون عن عالم المطرودين من الشرائح البسيطة من الطبقة الوسطى أو من المتن الحضري للمدينة. لكن في الفيلمين هو عالم على هامش العقل والتصرف “العاقل” في الطبقة الوسطى. لذلك يلعب كلٌ من السحر والعامل الخارق للواقع والعجائبية أدواراً هامة في الفيلمين.

    أحمد زكي في مشهد من فيلم أرض الخوف.. مصادر مفتوحة
    أحمد زكي في مشهد من فيلم أرض الخوف.. مصادر مفتوحة
    سينما التصوف

    كتب الكثيرون عن إمكانية تفسير فيلمي “البحث عن سيد مرزوق” (1991) و”أرض الخوف” (2000) تفسيراً صوفياً. وكأن سيد مرزوق -على سبيل المثال- مجاز ميتافيزيقي. فالبطل نور الشريف يبحث عن شخصية سيد مرزوق (علي حسنين) طوال الفيلم. ثم يعثر البطل على سيد، ولكن لا يفهم حكمته أو الحكمة من تصرفاته الغريبة. فيبدو سيد مجازاً لتلك الدائرة التي يسعى الباحث عن الحقيقة إلى التواصل معها، ثم إلى فهم سرها، لو أسعده الحظ ووصل إليها.

    كذلك فزعيم العصابة الأكبر أو المعلم الأكبر في “أرض الخوف”، ربما يرمز إلى تجسد الحكمة المطلقة في الدائرة العلوية، مثلما يشيع تفسير مماثل لشخصية الجبلاوي في رواية “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ. وقد نرى في رحلة البطل أحمد زكي في البحث عن المعلم، مروراً بمحطات واختبارات مختلفة، مجازاً للرحلة الصوفية التي يغذيها الشوق إلى الحبيب، عبر معراج روحي يمر بمقامات مختلفة.

    ***

    فكرة البحث عن شخصية لها ثقل رمزي أو البحث عن أب أو بديل للأب فكرة صوفية، كثيراً ما طرقها الأدب والفن. ولتلك التيمة صدى في رواية “الطريق” لنجيب محفوظ وفي الفيلم الذي أخرجه حسام الدين مصطفى بالعنوان نفسه. فرشدي أباظة في الفيلم، وهو الباحث عن التواصل مع أبيه (واسم الأب بالمصادفة “سيد” أيضاً) يبدو مجازا للباحث عن السلام الروحي عند شخص له هالة رمزية كبيرة، أو قدسية. وينتهي “الطريق” في الفيلم بإخفاق الرحلة وفشل الصوفي/المرتحل/الساعي رشدي أباظة في الوصول إلى أبيه/الفردوس/المعنى.

    أما عند داود عبد السيد، فقسوة الامتحان الإيماني تنجم عن نجاح الساعي/الباحث في الوصول إلى الشخص المأمول التواصل معه (سيد في “سيد مرزوق” والمعلم الأكبر في “أرض الخوف”). لكن لا ينتج هذا التواصل راحة ما ولا كشف أو طمأنة أو “معنى”. بل إن اتصال البطل يوسف بغاية بحثه سيد، واتصال الضابط يحي/آدم بالمعلم الأكبر هدهد يتسبب في ازدياد حيرة الباحث عن الحقيقة وعن السلام الروحي، لأنه يكتشف أن غاية بحثه لا يوفر له إجابات شافية عن تساؤلاته، بل يتصرف بشكل يصعب فهمه والاطمئنان إلى الحكمة منه. أو يصرح غاية البحث، مثل المعلم هدهد، بما يجعل الساعي إلى الحق يشك في حكمة المعلم ويشعر بما قد يكون عبثاً.

    ***

    على أن هذا الملمح التشككي في التصوف عند عبد السيد لا ينفي عمق الرمزية الصوفية للشخصيات والأحداث. فالأسماء وحدها محملة برمزية صوفية واضحة. المبتغى في “سيد مرزوق” اسمه سيد، وهو اسم من أسماء المسيح (السيد)، وربما لا تكون مصادفة أن اسم المخرج نفسه هو “عبد السيد”. أما الضابط الباحث عن الحق في “أرض الخوف” فيحمل اسم المعمدان “يحي” الذي مات شهيداً للحق في الكتاب المقدس، وعندما يتحول الضابط إلى شخصية تدعي الإجرام كجزء من عملها الأمني، يحمل اسم أبي الأنبياء “آدم”، أكثر البشر اقتراباً من الدائرة الإلهية، لأنه الوحيد -مع حواء- الذي لامس جسده يد الله، وفقاً للكتاب المقدس.

    رغم الملمح الصوفيفي فيلم “أرض الخوف”، فلاشك أن هناك صدى لفيلم “الأب الروحي” أو “العراب”، بل ولمجمل الثلاثية التي تحمل الاسم نفسه، من إخراج فرانسيس فورد كوبولا. فـ”أرض الخوف” يشير إلى الصراع في دائرة تجار المخدرات بين المؤمنين بترويج الحشيش -المفترض أنه أقل ضرراً من الناحية الصحية، والأقرب للمزاج التراثي التقليدي- والمؤمنين بالترويج للمخدرات المخلقة مثل الكوكايين والهيرويين، التي تتسبب في أضرار صحية فادحة والتي تمثل استيراداً لعادات غربية بالغة السوء. وذلك الخط الدرامي قادم من ثلاثية كوبولا. كذلك الحال بالنسبة لمشهد المذبحة التي يتعرض لها تجار المخدرات في إطار الصراع بينهم. وهو خط يدمغ ثلاثية كوبولا.

    الاقتباس السينمائي

    لا يقتصر الاقتباس عند داود عبد السيد على فيلم “أرض الخوف”. فلعدة عقود، غاب عن الكثيرين أن داود عبد السيد قد اقتبس فكرة البطل الأعمى الذي “يقود العميان” في فيلم “الكيتكات”من فيلم “عطر امرأة” الذي أخرجه الإيطالي دينو ريسي عام 1974. في الفيلم الإيطالي، البطل فاوستو/فيتوريو جاسمان ضابط متقاعد كف بصره بعد حادث انفجار قنبلة. لكنه مثل الشيخ حسني/محمود عبد العزيز في “الكيتكات” يتصرف وكأنه مبصر، بل وأحيانا ما يصف الطريق للمبصرين.

    وهو أيضاً قوي الشخصية، بل ومتسلط وسليط اللسان ويعشق النسوان. وكذلك فالصداقة بين شيخين كفيفين (محمود عبد العزيز وعلي حسنين) في “الكيتكات” مقتبسة من العلاقة نفسها بين الضابط الأعمى المتقاعد وصديقه الأعمى في الفيلم الإيطالي.

    من أعظم مشاهد السينما العربية مشهد الشيخ حسني في فيلم داود عبد السيد “الكيتكات” وهو يقود دراجة موتوسيكل في شوارع وأزقة حيه الشعبي بينما هو أعمى. والمشهد يشبه مشهد قيادة آل باتشينو -في دور الضابط السابق الكفيف- لسيارة فيراري، رغم كف بصره، في الفيلم الأمريكي “عطر امرأة”، من إخراج مارتن برست عام 1992.

    ***

    المدهش أن الفيلم المصري قد عُرضَ في سبتمبر عام 1991، وأن الفيلم الأمريكي “عطر امرأة” قد دخل مرحلة الإنتاج في ديسمبر عام 1991 وعرض عام 1992، أي أن الفيلم الأمريكي قد ظهر بعد أقل من عام من عرض فيلم داود عبد السيد.

    أستبعد أن يكون الفيلم الأمريكي قد سارع باقتباس مشهد الأعمى الذي يقود مركبة من الفيلم المصري. وتفسير هذا التشابه هو أن الفيلمين المصري والأمريكي يقتبسان من الأصل السينمائي الإيطالي الذي أنتج عام 1974. إلا إن النسخة الإيطالية التي شاهدتها لا تتضمن مشهدا للبطل الكفيف وهو يقود سيارة أو موتوسيكل. وربما جاءت الفكرة من الأصل الروائي. فالفيلم الإيطالي مقتبس عن رواية نشرها جيوفاني أربينو عام 1969، بعنوان “الظلام والعسل”.

    لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو أن “الكيتكات” يتضمن مشهداً آخر مقتبساً من فيلم أقل شهرة من “عطر امرأة”،وهو الفيلم الفرنسي “أورانوس” الذي أخرجه كلود بيري عام 1990. في الفيلم الفرنسي، يسكر صاحب المطعم/الحانة جيرار دوبارديو، ويثرثر كاشفاً كل الأسرار المحرجة والمشينة التي يخفيها أبناء مدينته الصغيرة، من خلال بوق مكبر صوت. وهي الفكرة التي استعادها داود في “الكيتكات” في المشهد الذي “يبعبع” فيه محمود عبد العزيز/الشيخ حسني بما يعرفه عن الأسرار المشينة لسكان منطقته، دون أن يلاحظ أن مكبر الصوت مفتوح بجانبه، بسبب كف بصره.

    الفنان والصانع

    ربما يكون داود عبد السيد آخر المقتبسين العظام في السينما المصرية. فهو يتمثل التقاليد الراسخة للاقتباس والتحوير والتمصير في تاريخ السينما العربية. يلتقط أفكارا من أفلام غربية، ويطوعها للسياق المصري، ويمزج بين أكثر من فكرة قادمة من مصادر مختلفة، ليصهر كل هذا في بوتقة فيلمه الخاص. وكما العادة في الكلاسيكيات المصرية الكبرى، تكتسب اللحظات الممصرة في أفلام داود قيمة فنية ودلالية أكبر من المشاهد المعادلة في الأفلام الغربية.

    يكفي أن نلاحظ مشهد آل باتشينو الأعمى وهو يقود سيارة فاخرة في الفيلم الأمريكي “عطر امرأة”. فهو مشهد يساهم في تعزيز صورة البطل الأبيض، العسكري السابق، الذي لا يقف أمام أية عوائق، والذي يخضع العالم لقوة عزيمته فيهزم حتى عاهته. يجري بسيارته في شوارع مدينة ثرية في فضاءات الطبقة الوسطى الحضرية بشرائحها فوق المتوسطة.

    بينما الفكرة البصرية نفسها عند داود في فيلمه”الكيتكات” تنتج دلالة إنسانية وطبقية مختلفة. فلحظة انطلاق محمود عبد العزيز بالموتوسيكل لحظة “جنون” وانعتاق المحروم للحظة من قيود الحياة والعالم المادي. وكأنها لحظة تنفيس عن البسطاء، يعودون بعدها فيرزحون ثانية تحت نير ظروفهم القاسية من فقر ومن عاهة وإعاقة.

    هذا الفارق بين سينما هوليودية تسعى وراء خلق إنسان خارق، لاسيما إن كان ممثلاً للآلة العسكرية الأمريكية، وبين سينما داود عبد السيد التي تتحرك عدستها محاذية للبسطاء وملح الأرض.

    اقرأ أيضا:

    «حسن الإمام»: الجسد الحر مجازا للأمة المستقلة

    عوالم حسن الإمام: «بديعة الكاميليا» و«غادة مصابني»

    حكاية الغناء والعروبة مع الزمان

  • الطعام في الأدب المصري.. حلقة نقاشية لـ«طبلية مصر» في بيت الرزاز

    الطعام في الأدب المصري.. حلقة نقاشية لـ«طبلية مصر» في بيت الرزاز

    استضاف بيت الرزاز «طبلية مصر» لمواصلة فعاليات اليوم الثالث من الموسم الخامس، برعاية مؤسسة صادكو وبالتعاون مع المؤسسة المصرية لإنقاذ التراث، من خلال حلقة نقاشية عن «الطعام في الأدب المصري»، تناولت حضور الأكل في روايات نجيب محفوظ وغيرها من الأعمال الأدبية، وكيف تحول الطعام إلى أداة سردية تعبر عن التاريخ والذاكرة والهوية.

    وشارك في الجلسة كل من: د. ماجدة منصور حسب النبي، أستاذ الأدب الانجليزي بكلية البنات جامعة عين شمس، ود. شيرين الصامت، المدير الإداري للمؤسسة المصرية لإنقاذ التراث، ود. منيرة سليمان، أستاذ الأدب المقارن بجامعة القاهرة، ود. نادية طه عبد الفتاح، المشرف على التراث الإسلامي بمكتب الأمين العام بالمجلس الأعلى للآثار.

    شعر فؤاد حداد عن الطعام

    أدارت الحلقة النقاشية الدكتورة ماجدة منصور، التي استهلتها بأبيات من شعر فؤاد حداد عن الطعام. ثم تحدثت عن حضور الطعام في الأدب المصري، مطالبة بتناوله زمنيًا من الأقدم للأحدث، بدءًا من السير الشعبية والعصر المملوكي.

    الطعام في السيرة الشعبية

    تناولت الدكتورة شيرين الصامت الحديث عن الطعام في هذه الحقبة، وقالت: “موضوع الطعام في الأدب، خاصة السير مهم. إذ إن الطعام يعد صانع الحضارة. حيث لا توجد حضارة بدون طعام، كما أنه ما يميز الطبخ تحديدًا والإنسان عامة عن أي مخلوق آخر. وبناء عليه فقد تحول من شيء قائم على الغذاء والإمداد بالطاقة إلى أساس معقد نشأ عنه الحضارة”.

    وأضافت: “الحضارة واحدة من روافدها هو التراث بأشكاله المختلفة، والتراث المصري تحديدًا كان واعيًا جدًا. ومن ثم استطاع استخدام كل عناصر الحياة ويصلها معًا بحياته. ولعل ما يؤكد ذلك هي السير الشعبية، التي تعني الخيال الجمعي عن حدث تاريخي ما، بها أشخاص يحتاجون مجموعة من العلاقات.

    لذا يستخدم الطعام لرسم الشخصية. وفي الأدب المصري نملك العديد من السير مثل السيرة الهلالية وذات الهمة. لكن ما يستوقفني هي سيرة الظاهر بيبرس، لسببين: أنه حاكم، والناس لا تميل لتمجيد الحكام وتخلق له سيرة. ثانيًا أنه ليس له أصل من مجتمعنا، والحقيقة أن الشعب المصري أحبه”.

    وتابعت: “بحث الناس عن سبب يجعل صاحب الربابة يحكي حكايته. ومن ثم تم تحويله من عبد مملوك إلى شخص منهم، فبدأوا يحكوا قصص أسطورية حوله ويخلقون له نسب. ثم أضفى عليه من صفات المصريين، الطعام. هنا أعطانا فكرة عن كيفية معاناة الظاهر بيبرس وهو طفل وتخيل تجويعه حتى أقسم أنه لن يجعل الناس تجوع. بعدها وصل مصر والتقى بنجم الدين، الذي أصبح مثله غير طامعًا. حتى في الطعام وأصبح يأكل العيش والدقة وأحيانًا فول. بعد ذلك صورته السيرة كشخص زاهد غير نهم في الأكل. وهو ما جعل المصريين ينسبون إليه كل الموائد. عكس ذلك حدث مع أيبك الذي وصفه المصريون بالنهم دون شبع”.

    الطعام في أدب نجيب محفوظ

    من جانبها، تناولت الدكتورة نادية طه عبد الفتاح الطعام في العصر الحديث، وروايات نجيب محفوظ تحديدًا. وقالت: “نجيب محفوظ معروف في رواياته بالأماكن لكن ذلك لم يمنع ظهور الجوانب اللامادية في أعماله. مثل الأكل، الشرب، اللبس، عادات وتقاليد المصريين في رمضان، الذي أطلق عليه شهر الحرية لأن والدته كانت تجعله يلعب في الحارة حتى الصباح”.

    وتابعت: “نجيب محفوظ أعطانا انطباع عن تجهيز الأكلات المصرية، وتنظيف البيت قبل رمضان تحديدًا عند الطبقة المتوسطة. وهذا ظهر بوضوح في رواية “بين القصرين”، و”خان الخليلي”. وهذا يدل أن الطعام انعكاس لجو العائلة أو المطعم كذلك ظهر في دخول “سي السيد” لأمينة وسؤالها عن خزين البيت من سكر ولحمة وغيره.

    هناك أيضًا عجن أم حنفي الذي كان يعتبر منبهًا. مع ملاحظة أن بيت “سي السيد” هو بيت محفوظ في الحقيقة وصف بيته هو وصف قصر الأمير بشتاك. كما أن الطعام ظهر في رواياته مثل تجهيز أمينة صينية الفطار التي تحوي الفول المدمس، الطعمية، العيش المخبوز صباحًا. الأكثر من ذلك أنه أعطانا أداب الطعام. كما أن الأكل بالنسبة له كان عامل جذب للسيدات.

    وفي رواية “زقاق المدق” يظهر الحمام المحشي. من خلال شخصية سليم علوان التاجر الغني، الذي كانت له طقوس للأكل خاصة الحمام بالفريك. الذي يرص جانبه الخضار والبطاطس المحشية. وهناك أيضًا البسبوسة التي وردت في الرواية حيث مع بيع آخر قطعة ينام صاحبها من التعب، وأوضح كذلك طقوس الشركسية”.

    من فعاليات طبلية مصر في بيت الرزاز.. تصوير: هبة معوض
    من فعاليات طبلية مصر في بيت الرزاز.. تصوير: هبة معوض
    أدب الطعام

    في هذا السياق اختتمت الدكتورة منيرة سليمان الحلقة النقاشية بالحديث عن “أدب الطعام”. والفرق بين كاتب يستخدم الطعام في أعماله سواء رواية أو شعر أو قصة. ما بين كاتب الطعام يكون محور عمله. لأن ليس كل عمل أدبي وصف أو تناول أكله أو مكونات يصبح أدب طعام. هنا الطعام يسقي معاني عديدة تراثية، مثل أعمال نجيب محفوظ ويحيى حقي.

    أما أدب الطعام فهو المبني عليه العمل كامل، وفعل الطبخ والمكونات تعد شخصية من الشخصيات. وهو موجود في الأدب العالمي منذ القدم، لكن في مصر لم ننتبه له سوى من فترة قريبة. مثل “كحل وحبهان” لعمر طاهر، الوصفة الغريبة لمحمد أبو النجا، و”طبيخ الوحدة” لأمنية طلعت.

    وإذا أخذنا رواية “كحل وحبهان” مثالًا، نجد الكاتب لا يستهدف أو يشير إلى أكله وطبخة. بل يتتبع حياة شخص وسط عائلته يلتقي بفتاة يحاول دعوتها للطعام. ومن ثم بدأ بالتفكير في أي طعام سيطهوه لها، ليتذكر الأكلات من مكرونة ومسقعة وغيره حتى يستقر على الملوخية، التي من خلالها يوصل رسالة معينة. أنها أصبحت قريبة منه، وتختلف الرسائل من أكلة لأخرى.

    وواصلت: “في عمل أمنية طلعت نرى صينية البطاطس كانت تجمع الأسرة. حيث سيدة متزوجة توفى زوجها وتزوج أبناءها واستقروا في حياتهم، وأصبحت وحيدة. فكانت الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها أن تجذب ولادها للسؤال عنها أن تطبخ لهم ما يحبونه من يدها، ويذكرهم بذكرياتهم معها وهم أطفال. فنجد الرواية أحداثها طقوس طبخ الأكلة وخطواتها من التسوق والشراء حتى الطبخ، مع تذكر كلمات أبنائها عنها”.

    اقرأ أيضا:

    «أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».. طبلية مصر تواصل فعاليات إحياء تراث الطعام

    «أصل الطبخة حكاية إرث».. ورشة اليوم الأول من مبادرة «طبلية مصر»

    من فم إلى أذن.. كيف حفظت الكنيسة الألحان واللغة القبطية؟

  • نساء نجيب محفوظ

    نساء نجيب محفوظ

    مثلَ طرحِ نموذجِ المرأةِ كفاعلٍ اجتماعيٍّ في روايةِ نجيب محفوظ فعل استعادة لرؤية أفقٍ آخرَ جديد للمرأة، في منظومةِ الجندر والحداثة، كعناصرَ جوهرية تُفسِّر طبيعةَ العلاقات والصلات التي تُشكِّل البنيةَ الاجتماعية. لذا فإنَّ سقوطَ المرأةِ، المُوحِلَ في الإنسِ والخطيئة، ليس «جِينةً» طبيعيةً في التكوينِ الإنساني، ولا ملكيةً متفرِّدةً تخصُّ المرأة، ولكنه برهان وانعكاس للانهياراتِ والمآزقِ الاجتماعية التي طالت الطبقةَ الاجتماعية آنذاك. وإن انسحاقَ قيمِ الحريةِ والعدالةِ والكرامةِ هو صدى للسقوطِ الساحق الذي حاقَ بفئاتٍ وشرائحِ البرجوازيةِ الصغيرة، في ظلِّ اختيارٍ تاريخيٍّ لتبعيةٍ كولونياليةٍ وافدة.

    كل ذلك، ربما، أفسح مساحةً عريضةً تتسع لاستبصارِ المأساةِ النسوية في أنماطِ شخصياتِ نجيب محفوظ الروائية، ويفضي لاستقراءِ ظواهرَ عديدةٍ في هذا السياق. ولذا كانت «تيمات» المقاربة والتباين، التنوع، التماثل والتعارضِ خصائص نوعيةً أسهمت في التطور النوعي، وفي نمو وثراء الشخصيةِ الروائية.

    فكان اكتشاف المرأةِ لقانونِ التحررِ من كافةِ أشكالِ الطغيان والقهرِ والاستغلال بالخروجِ عن النصِّ، والاحتجاجِ على عبوديةٍ جائرةٍ، والانتقامِ من ميراثٍ طويلٍ من النبذِ والاستبعاد، بانتزاعِ الحريةِ والكرامةِ عبر صورٍ من المقاومةِ والصلابةِ والتحدي. وكشفت عن وعيٍ عفويٍّ بحياةٍ أخرى ودنيا أخرى تحفل بهمومِ ورغائبِ عالمٍ مغايرٍ وتحولاتٍ تنفضُ الثوابت.

    ***

    وتتجاوز الخطيئة كفعل قهري لأزمة وجود وتحقق حقيقي، بالتعبيرِ عن تجلِّياتِ الروح التي تكسب الجسدَ طاقةً حيويةً عبر كفاح مرير لتقويض صورة زائفة لجسد هَلوكٍ يُكرِّس لدينونةٍ ووضاعةِ المرأة.

    وهي المرأة التي اقتسمت ملامح وقسمات واقع مأزوم وطبقة مهزومة أخفقت في إنجابِ مشروعِ وجودٍ حقيقي، فأنْتجت حياةً اجتماعيةً مبتسرة ومتردية طالها العجز والوهن وأجهضت كلَّ مظاهرِ النهوض والانعتاق.

    فكابدت تجربةَ الإلحاقِ بدوائرِ الجماعةِ المغلقةِ والمتصدعةِ أيضاً (الحارة، العائلة، العشيق)، غير أنها استنبتت بذورَ عِتقِها، فأثمرت عن الخروجِ والخلاصِ من سلطةِ نظامٍ اجتماعيٍّ مقهورٍ أيضاً، جدَّ في محاولاتِ الإخضاعِ والترويضِ والتدجين دون جدوى، حيث كانت المواجهةُ بالتمردِ والعصيانِ للامتثالِ ولتبديدِ الغربةِ عن الحياة.

    ***

    أبرز نجيب محفوظ سماتِ تلك النماذج في سرديَّته الروائية، وتبلورت في شخصية «نفيسة» في بداية ونهاية، التي تمثَّلت في فقدِ الأب «السند» وفي حياةِ العيشِ على الحافة، وانهمكت «نفيسة» على ماكينةِ الخياطةِ لتدبيرِ قروشٍ لقوتِ الأشقاء الذين نازعهم الصمودُ والترقي الاجتماعي، وبين رغبتها في أن تخصَّها حياةٌ إنسانيةٌ طبيعية. غير أنّ الرياح لا تشتهي لها تحقُّقَ أشواقها، فتسقط في أحضانِ الإثمِ والخطيئةِ قهراً.

    ولتجدَ الأخَ الغارقَ في «الأنا» يسلبها الحقَّ في الحياة، فيدفعها إلى الانتحار، لتموتَ مرَّتين: مرةً حين أنفقت عمرها في الشقاء وفي تعاسةٍ بائسة، وأخرى حين أزهقت روحها.

    وتمثلت في نموذج «نور» في اللص والكلاب، التي أوغلت في «الدَّنَس» لتجد ذاتَها أخيراً في قلبِ سعيد مهران، الثوريِّ الضائعِ والضالِّ الأبدي، في خلاصٍ تراجيدي. ويظلُّ في ضمير الجموع كما أرفدت نور ذاتَ مرة: «كأنك عنترة»، وهي التي أحبته بجدارةٍ ولم تخنه لحظةً واحدة، وهي الوحيدةُ بين الملايين التي تعرف مكانه دون أن يدري البوليس، وكأنها كانت تبحث عن ضالتها في أسطورة.

    ***

    ويحفل نجيب محفوظ بتفرُّد المكان-التيه، أحدُ شواغله في البناء الروائي-فيبسط في الطريق نماذجَ شاردةً في متاهةِ المجهول. فصابرُ الرحيمي ينهبُ كافة السبل، مستطيراً وباحثاً عن «الأب» الغائب، متماثلاً مع «الأم» التي أغفلت تاريخاً معتماً ضاجّاً بالعهر، بموتها وضياعه في ماضٍ مفعمٍ بالبلطجة والجريمة والدعارة.

    وتلازمه مع كريمة «الشبيه» الزوجة–العشيقة، التي تتفجر بأنوثةٍ طاغيةٍ ومقهورةٍ اجتماعياً، ليستعرض نجيب محفوظ صورةً بانوراميةً لوجودٍ ميتافيزيقي تتماثل فيه بسيمةُ عمران مع كريمة وصابر الرحيمي في تجسيدِ المأساةِ في أعلى مراحلها.

    وفي «السمان والخريف» تتبدى صورة «عيسى الدباغ» الثائرِ الحائر بين ماضٍ يستعذبه ويؤلمه، وحاضرٍ غائمٍ حيث لا مكان له في ساحته، وهاجسٍ بمستقبلٍ لا يخبر بجدوى الآتي ودون معنى. أما «ريري» فتاةِ الليل التي هجرت الأهلَ والموطن للبحثِ عن الحب وحياةٍ كريمة، وليس لديها سوى ابنتها التي أنكرها «عيسى الدباغ»، فآثرت السلامةَ ولم تكترث بالخذلان، فعاشت وحدها حياةً أخرى جديدة.

    ***

    وتتجسد ذروةُ المأساة في القاهرة الجديدة، حيث تشهد البغي «إحسان» سلسلةً من الانهياراتِ والهزائم التي طالت النظامَ الاجتماعي والشخصياتِ كافة؛ بدايةً من سقوط «الذات» الرومانسية. حيث قرأت مجدولين وآلام فرتر وآلام روفائيل، مروراً بلملمةِ أعقاب السجائر، وذريةٍ كبيرةٍ محرومةٍ من الخبز، وقهرِ «الأب» الذي يزجُّ بها إلى «سوق البغاء»، وزوجٍ «قوّاد» هو «محجوب عبد الدايم» يسلِّمها «لقاسم بك فهمي» ثمناً لصعوده وترقيته، تاركاً وراءه ماضياً من الفقر والبؤس والقنوط.

    وتكفُر بـ«علي طه» الذي أحبها وأحبته، والذي ربما رأت فيه نموذجَ المناضلِ الذي يحمل عقيدةً متهافتةً وغائمة، حيث «تعرَّض لآلام التحول الفتّاكة»، ورؤيةٍ غائبةٍ في سؤالِ صحبته: «ماذا يخبئ لنا الغد؟» في ختام الرواية.

    ***

    غير أن «زقاق المدق» شكَّل مجتمعاً آخرَ نسيجَ ذاته وموازياً لعالمِ المدينةِ الهائل؛ فشخصياتُ الزقاق لا ترى سوى ذاتها فحسب، ولا تعرف إلا ما عَتَّ للحارة وما نَدَر عن حيواتٍ أخرى؛ فالحارةُ المكانُ الضيق، الذي ولَّد أفقاً خفيضاً، وأشواقاً ضحلة وضئيلة، وعجزاً عن الخروج من الجلد، وكراهيةً أبديةً لعالم الحارة، حتى عرفت دنيا أخرى حين هجرت «حميدة» الزقاق، حيث عركت الحياةَ في عوالمه بجدارةٍ وجسارة، وتجهزت لأن تخبر عالمَ المدينة «الكوبرا» الذي تلألأ في ترفٍ ولمعانٍ زائف، حينذاك كان الخروجُ من الحارة، وتشكلُ الذات بوعيٍ آخر لدى «حميدة»، أكسبها تجربةً خصبةً ضاعفت من ملكيتها لإرادةٍ وصلابةٍ فولاذيةٍ في الاشتباك مع عوالمِ الإغراء والغواية.

    وربما ضاعف الفقدُ والوحدةُ (مقطوعةٌ من شجرة) من مواجهةِ «حميدة» لكافةِ تصاريف الحياة، وأنَّ زادَها من طاقةِ الجسدِ الوافد مثَّل سلطةً أكدت على نماذجِ الحبِّ والجنس، وأنَّ ثمّةَ تناقضاتٍ أفضت إلى خلاصٍ ماثلٍ في سقوطِ البشريةِ في العذابِ الإنساني.

    اقرأ أيضا:

    أبناء طه حسين

    لا أحد يخاف الصالة المطفأة

    «منامات» سيد درويش الآن

  • «مقهى القللي».. محطة ثقافية تجمع أدباء ومثقفي الفيوم

    «مقهى القللي».. محطة ثقافية تجمع أدباء ومثقفي الفيوم

    باتت «قهوة القللي» التي تقع على بعد خطوات من قصر ثقافة الفيوم المغلق منذ ما يقرب من خمس سنوات بدعوى التجديد، ملاذا لمثقفي وأدباء المحافظة. وأمام هذا الواقع تضطر هيئة قصور الثقافة إلى تنظيم بعض الأنشطة الثقافية في المقهى، مثل ليالي رمضان والعديد من الندوات.

    مقهى القللي مقصد الأدباء والمثقفين

    يشبه «مقهى القللي» مقاهي الحرافيش في روايات الأديب العالمي نجيب محفوظ. إذ يجتمع فيه خليط متنوع من بسطاء وكادحين وعاطلين ودراويش وطلبة وأدباء ومثقفين. لكل منهم عالمه الخاص.

    وقد أسهم هذا المقهى التراثي في الحفاظ على هوية مثقفي الفيوم الأدبية والفكرية لعقود طويلة. وشهدت طاولاته العتيقة عشرات الأمسيات الأدبية والشعرية. خاصة بعد إغلاق قصر الثقافة الذي كان النافذة الرسمية للمشهد الثقافي بالمدينة.

    القللي البيت الكبير للأدباء

    يقول أحمد الفولي، أحد ملاك المقهى وحفيد مؤسسه: “تأسس مقهى القللي عام 1948، حين قرر فيه جدي الحاج عبد الفتاح القللي الهجرة من محافظة قنا والاستقرار بالفيوم. افتتح المقهى في شارع الورشة المقابل لمحطة القطار، ثم ورث أبي المعلم فولي القللي المقهى والمهنة من بعده”.

    ويوضح الفولي أن العلاقة بين المقهى وأدباء الفيوم بدأت مع إنشاء قصر الثقافة بجواره. فصار والده من رواد القصر وجذبه النشاط الثقافي المتواصل هناك. مما جعله يقترح تنظيم الندوات والأمسيات الأدبية داخل المقهى لتعريف الزبائن بأدباء الفيوم وشعرائها. ويضيف: “يعد القللي أول مقهى يهتم بإقامة مثل هذه الفعاليات، وأصبح المفضل لدى معظم مثقفي الفيوم”.

    ذكريات وحضور مستمر

    يؤكد الفولي أن العديد من الأدباء والفنانين ارتبطت ذكرياتهم بالمقهى. منهم شعراء العامية الكبار عبد الكريم عبد الحميد، ومحمد حسنى إبراهيم، والملحن عهدي شاكر الذي اعتاد المشاركة في الأمسيات الرمضانية. إلى جانب الشاعر الراحل محمد عبد المعطي.

    إحدى الأمسيات الشعرية بالمقهى.. الصورة من سحر الجمال
    إحدى الأمسيات الشعرية بالمقهى.. الصورة من سحر الجمال
    الارتقاء بوعي رواد المقهى

    يرى الفولي أن هذه الأمسيات ساهمت في رفع وعي رواد المقهى. إذ يحرص الكثيرون على حضورها، ويستمتعون بغناء الفنانين المحليين مثل عهدي شاكر وأحمد صالح وحسن زكي. ويؤكد أن المقهى سيظل مرتبطا بالمثقفين، وأنه يسعى لنقل هذه المحبة إلى ابنه كما ورثها من والده.

    ذكريات وصداقات

    اعتاد شيخ شعراء العامية بالفيوم عبد الكريم عبد الحميد، الجلوس على مقهى القللي لسنوات طويلة. وكان يكتب قصائده على أوراقه فوق طاولة خشبية قديمة. ويقول: “أكثر ذكرياتي مع أصدقائي الأدباء ارتبطت بالمقهى. ولم تعد لقاءاتنا تقتصر على الثقافة فقط، بل اتسعت لتشمل أحاديث ودية، حتى صار كثير من الزبائن أصدقاء مقربين”.

    غياب دور المؤسسات الثقافية الرسمية

    أما الشاعر محمد حسني إبراهيم فيرى أن تجمع الأدباء على مقهى القللي يعد شكلا من أشكال المقاومة لغياب دور المؤسسات الثقافية الرسمية. خاصة بعد إغلاق قصر الثقافة بدعوى التطوير. إذ أصبح المقهى مكانا لمواصلة الحوارات الأدبية واستضافة ضيوف المحافظة. ويضيف أن “القللي” يشبه مقاهي الأدباء الشهيرة مثل ريش والبستان والبورصة بالقاهرة.

    انكماش الدور الثقافي لأدباء الفيوم

    في المقابل يرى الروائي محمد جمال الدين أن دور أدباء الفيوم الثقافي قد انكمش وضعف تأثيره. إذ أصبح وجودهم محصورا داخل دائرة مغلقة لا يتجاوز حدود مقهى القللي. ويضيف: “أعتقد أن تقليص دور المؤسسات الثقافية، أو ضعف فهم القائمين عليها، جعل من الإبداع مجرد فعالية يؤدى فيها الموظف المطلوب منه بإعداد المكان وتجهيزه فقط. دون حماس مواكب، وهو ما يفقد المؤسسة الكثير من مردودها الثقافي”.

    ويشير جمال الدين إلى أن اللجوء إلى “القللي” أصبح حلا مؤقتا، ضعيف المردود. نظرا لتغير طبيعة الجمهور في العقد الأخير. فضلا عن تقلص مساحة المقهى، وعدم ملاءمة الجزء المضاف إليه. مؤكدا أن المبدعين لم يتعمدوا خلق تلك الدوائر المغلقة. لكن الظروف التي فرضها الواقع هي التي أدت إلى ذلك.

    البديل غير المنظم للمؤسسات الثقافية

    يتخوف الشاعر أسامة سند من تحول المقاهي، مثل مقهى “القللي”، إلى بديل غير منظم وشعبوي للمؤسسات الثقافية والأدبية. خاصة في ظل إغلاق العديد من قصور الثقافة. ويقول: “لطالما كان للمقاهي دور ثقافي منذ شعراء الربابة. حيث كان الناس يلتفون حول الشاعر ليستمعوا إلى قصص وملاحم سلامة بن رزق ودياب بن غانم والزناتي خليفة. ذلك المشهد انتهى، لكن رغم ذلك ما زالت المقاهي نقطة التقاء بين مختلف فئات المجتمع. ومن بينهم الأدباء والكتاب والشعراء والفنانون”.

    ويضيف: “مع أنني أرى أن دور المؤسسات الثقافية قد تراجع إلى حد بعيد. مع إغلاق عدد من قصور الثقافة وفي مقدمتها قصر ثقافة الفيوم، إلا أنني لا أعتبر المقاهي بديلاً حقيقيا لهذه المؤسسات. حتى وإن استضافت بعض لقاءات الأدباء”.

    ليس كباقي المقاهي

    يقول محمد أبو هادي، أحد رواد المقهى: “تعد الأمسيات الشعرية والأدبية التي تقام بالقللي من أبرز ما يميزه عن غيره من المقاهي. وقد ارتبطت به نظراً لقربه من قصر ثقافة الفيوم. هذه الأمسيات مفيدة للغاية لأنها تجذب فئات عمرية مختلفة. كما تحرص بعض الأسر على حضورها خاصةً في شهر رمضان”.

    ويكمل أبو هادي: “القللي بالنسبة لنا بمثابة ساقية الصاوي في القاهرة. وقد سمعت عن مقترح لإقامة مكتبة صغيرة في أحد أركان المقهى تضم مجموعة من الكتب للأدباء والشعراء المترددين عليه من أبناء الفيوم. لكنه لم ينفذ بعد”.

    المقهى يدعم الأدباء

    ترى سحر الجمال، مسؤولة الثقافة العامة بفرع ثقافة الفيوم، أن العلاقة بين المؤسسة الثقافية ومقهى القللي مميزة جدًا، إذ يفضل الأدباء والشعراء الجلوس فيه، كما أنه المكان الذي يكملون فيه حواراتهم ومناقشاتهم حول قضايا ثقافية عديدة أثناء مشاركاتهم في الفعاليات والندوات بالمحافظة.

    وتشير الجمال إلى أن ما ساهم في زيادة مكانة مقهى القللي، هو عشق الحاج فولي، صاحب المقهى، للثقافة والأدب، ودعمه المستمر للأدباء من خلال توفير أجواء هادئة تساعدهم على عقد ندواتهم، ورفضه الحصول على أي مقابل مادي نظير ذلك. وتختتم حديثها قائلة: “ما يقدمه القللي كان سببا في تبني فكرة المقهى الثقافي الذي منح الأدباء والمثقفين والسياسيين فرصة لمناقشة إبداعاتهم وأفكارهم”.

    اقرأ أيضا:

    على رائحة الشاي والأنفاس الصوفية الحية.. يوم في رحاب «القهوة الأحمدية» بطنطا

  • ليدا منصور تكتب: نجيب محفوظ .. وجسور لبنان المهدَّمة

    ليدا منصور تكتب: نجيب محفوظ .. وجسور لبنان المهدَّمة

    خلال عطلة الصيف، وأنا في مكان بعيد، كنت أعمل على التقرب مما آلفه، فحجزتُ سفري من باريس إلى بيروت للالتقاء بعائلتي وأحبابي. لكن تم إلغاء سفري خلال شهر تموز/يوليو ٢٠٠٦ بعد أن أغلق مطار بيروت.

    فباسم مبدأ “عزل مسرح العمليات”، قررت قيادة الجيش الإسرائيلي فرض حصار على الموانئ والمطارات ومهاجمة خزانات الوقود، وذلك بهدف منع نقل جنود إسرائيليين أسرى إلى شمال لبنان أو إيران. تعرض لبنان منذ اليوم الأول للهجوم الإسرائيلي لأربعين غارة جوية. استُهدفت الجسور والطرق والمطارات والموانئ والمصانع ومحطات الكهرباء ومستودعات الوقود، ودُمِّرت مئات المنشآت والبنى التحتية. ولن أضيف عدد الضحايا ولا أعمارهم، فالبحث عبر غوغل يفي بالغرض.

    ومع تدمير الجسور، انتشرت ردة فعل نفسية لدى اللبنانيين تمثلت في تكرار أغنيات لفيروز تحتوي على كلمة “جسر“، ارتباطًا بالشعور المرعب بالتخريب. وكان الجسر – الذي يربط إنسانًا بإنسان، ومكانًا بمكان، وحاضرًا بمستقبل – هو ما تستوي عنده كل الحروب: صلة وصل انقطعت، يد مساعدة انحسرت، مشاعر تقلصت، ودموع حزن جفّت فاختفت.

    لماذا نجيب محفوظ؟

    في نهاية حرب تموز، سمعتُ خبر وفاة نجيب محفوظ في 30 أغسطس/آب 2006. كنت حينها قد بدأتُ قراءتي لأعماله، حيث اخترتُ “الثلاثية” كمسرح أعزل فيه معظم الأعمال النقدية المُبسِّطة والمُقارِنة والمُسهِلة لفهم النص المحفوظي، دون أن تُؤدّي هذه الأعمال فعلاً إلى تحليل النص وفهمه بحق. كأنني بدأتُ حربي الخاصة لكي أنقذ الثلاثية مما قرأتُه من أقاويل وإشاعات وإسقاطات سياسية واجتماعية واشتراكية وفلسفية ودينية وثورية وتقليدية ونسوية (وليس قضية تحرير المرأة). فتبنّيتُ دراسة “الإنسان إذا نطق” أي الحوار الداخلي للشخصيات، كفسحة حرية للتعبير غير مُقيَّدة بسلاسل العيب والمفروض والممنوع والحياء، وبعيداً كل البعد عن وصفات المطبخ التي تُرشُّ عليه “بهارات الواقعية”.

    سألتُ نفسي حينها: ما هو الجسر الذي يربطني بنجيب محفوظ؟ هل كان الرابط هو تحرير محفوظ من سطحية النقد؟ أم فهم أسباب نيله جائزة نوبل؟ أم نزوة تتعلق بحب والدتي لمصر (سينما وتاريخًا)؟ أم مجرد صدفة؟

    نحن لا نجد الإجابة في معظم الأحيان. وعندما تتضح الفكرة، نجدها في وقت متأخر حيث تفقد العلاقة الكثير من رونقها وعذوبتها. خلال خمس سنوات من تحضير رسالة الدكتوراه، قرأتُ محفوظ كلمة كلمة، وأعدتُ قراءة النص عدة مرات. ثم قرأتُ أجزاء من الثلاثية باستمرار ثم أعدتُ قراءة تحليلي وفهمي له بعدد لا يُحصى. لم أنم الكثير من الليالي وتوقفتُ عن السفر، ككل باحث مبتدئ يتوق إلى الكمال. لم أتعب يوماً من عملية تكرار قراءة النص نفسه، فكان شعور “عدم التعب” بحد ذاته جسراً يصلني بنجيب محفوظ وإن كان غائباً.

    ألا تتعب من حب طفلك؟ قد تكون هذه تركيبة تلقائية وعفوية، لكن علاقتي بمحفوظ لم تكن يوماً حباً وأمومة، فما سر انعدام الكلل؟ السر يكمن في عناصر كانت تجذبني في أعماله.

     نساء نجيب محفوظ

    منذ سنتين، شجعني أستاذ الأدب العربي حسين حمودة على كتابة بحث صغير عن النساء في أعمال محفوظ. كنتُ في مرحلة الصمت تجاه الرسالة المنتهية وتجاه محفوظ الصامت أيضاً في أعماقي. لم أستطع حينها كتابة أي شيء، لم يكن تعباً بل خجلاً، نعم، خجلتُ أن أُعبِّر عن إعجابي وتقديري لامرأة واحدة فقط!

    لم تكن هذه المرأة “عايدة”، نموذج المرأة المودرن المصرية البرجوازية التي تعيش في قصور القاهرة الجميلة، المرأة التي تتكلم الفرنسية وتلعب الرياضة وتسافر إلى الأهرامات مع أخيها وأصدقائه، المرأة التي أحبها كمال بمثالية. عايدة، وبعد زواجها من رجل من وسطها وسفرها إلى أوروبا، خُذِلت وعادت إلى مصر شخصية عادية لم يعد لها صوت مميز في ثلاثية نجيب محفوظ.

    ولم تُعجبني “عائشة”، من عائلة برجوازية وسطى تعيش في الأحياء القديمة. عائشة الجميلة التي كان الجميع ينظر إليها بإعجاب، عائشة التي أحبت رجلاً لم تتزوجه بل رضيت بخيار أبيها. عائشة التي فقدت ابنها بسبب المرض فعاشت آخر أيامها، وبعد عودتها إلى بيت أهلها، وحيدة تائهة، تسمع ما يقوله الآخرون دون أن تستجيب وكأنها غائبة عن الوعي تتكلم عبر جوارحها الداخلية فقط.

    ** **

    أما المرأة الوحيدة التي أعجبتُ بها خفياً فهي زوجة ياسين الثانية “زنوبيا”: عازفة عود تنتمي إلى عالم الراقصات. المرأة التي وبكل هدوء ودون جهد دخلت إلى عالم العائلة البرجوازية. قررت زنوبيا أن تترك حياة الليل فطمحت بالارتقاء عبر الوسيلة الوحيدة المتوفرة لها في زمنها ومجتمعها، أي الزواج. فمن “عالِمَة” وعوَّادة إلى عشيقة للأب أحمد عبد الجواد ثم عشيقة للابن الأكبر ثم أصبحت الزوجة الرسمية والشرعية الثانية لياسين رغم الضغوطات التي حاول الأب أن يمارسها على ابنه.

    مع العلم أننا نغوص في عالم تقليدي، فإن قصة زنوبيا أشبه ما تكون برواية “سندريلا” تصعد في السلم الاجتماعي. إنها قصة حب وزواج حديثة للغاية، على الرغم من البيئة التقليدية. زنوبيا ليست فقط امرأة حرة وقوية بشكل سري، بل إنها ترتقي في السرد القصصي للراوي عبر جعلها أُماً تلد طفلها في نفس اليوم الذي أُعلن فيه عن وفاة زعيم سياسي كبير في ذلك الوقت، سعد زغلول. وهكذا، تصل إلى مكانة “مانحة الحياة” في أوقات عصيبة للشعب المصري.

    لا شيء أفضل من شخصية زنوبيا للتعبير بصوت عالٍ عن قضية تحرير المرأة. كان موقف نجيب محفوظ من قضية المرأة، حسب رأيي، هو أنه خالف كل التوقعات. وما أجمل من امرأة اكتسبت دور وشخص وقرار “أن تخالف كل التوقعات” فتصبح “سندريلا الخادمة” أميرة تسكن القصور. هل يكفي هذا الإعجاب والتقدير لزنوبيا أن يبرر مشاعر عدم التعب في كل موقف أتحدث فيه عن محفوظ، إن كان عبر الإذاعة أو بعض المقالات أم أمام إنسان مستمع يسألني: لماذا محفوظ؟ الإعجاب كما الحب ليس له أسباب واضحة لكننا نستطيع على الأقل إيجاد بعض الدوافع.

    الحرام والحلال

    عندما تعمقت في قراءة سيرة محفوظ، اكتشفت أن مقص الرقابة قد وصل للكثير من أعمال محفوظ. لم أكن أدرِ أن روايات محفوظ خضعت بشكل دائم لقسوة الرقابة، بالإضافة لقسوة النقد اللاذع من القريب والبعيد، كيوسف إدريس مثلاً. ما هو الحلال وما هو الحرام؟ فتلك مواضيع معروفة لدى القارئ والكاتب والإنسان العربي، أما عن الفكرة الوحيدة التي علقت في وجداني وذهني فهي ردة فعل محفوظ. الإنسان الأنيق والهادئ والعنيد والصبور والثابت رغم كل شيء.

    من أين له هذا الصبر؟ ومن أين له تلك العزيمة؟ كيف استطاع تقبُّل الرقابة ومتابعة الكتابة والإصرار على النشر و**”اللا-أخذ-بعين-الاعتبار”** للانتقادات والقراءات السطحية لأعماله؟

    فتذكرتُ أنني عندما أرسلت رواية أولى لي لدور نشر، كان الرفض الذي تلقيته كجسر دمرته إسرائيل، فقد توقفتُ عن الكتابة بل وعن المحاولة لمدة سنوات. أما نجيب محفوظ، وبالرغم من السكين في عنقه بعد محاولة اغتياله، تابع وأكمل… تابع وأكمل الكتابة، وبعد فترة النقاهة بدأ يتكلم ويلقن الكلمات بعد شلله. فتذكرته مجدداً عندما أصبتُ بالخوف الأكبر أمام الدكتور عندما أخبرني هذه السنة عن عوارض الروماتيزم في أصابع يدي اليمنى فسألتُ نفسي: “أتوقف عن الكتابة أم لا أتوقف؟”

    حتى آخر يوم من عمره، كتب نجيب محفوظ بلا كلل ولا تعب.

    الامتنان للأجداد

    يصبح حينها نجيب محفوظ نموذجاً ومثالاً أقتديه، وأشعر بالامتنان له ولكل إنسان لم تثبط عزيمته ولم تهزها الرياح… من الممكن أن نتوقع أو نتخيل أنه عانى من الرقابة بصمت وقهر، لكنه فعل ما لا يستطيع فعله الكثيرون، أي المتابعة، ولم يقطع جسر الإبداع والإنتاج والنشر. فكان السؤال: هل الصبر والتواضع والثبات يشكّلان أساساً من أسس الحرية للإنسان؟

    من هنا، بدأتُ أُدرك ما معنى “عدم التعب والكلل والضجر” في متابعة أعمال محفوظ وأخباره. وكما قالت الكاتبة الفرنسية مارغريت دوراس في إحدى رواياتها: “الحب ليس علاقة بل الحب “مهنة””، فمتابعة وقراءة ودراسة واستحضار نجيب محفوظ مهنة بحد ذاتها.

    وبهذا الشكر والامتنان أتذكره. وفي الختام، أدعو كل إنسان عربي أن يتذكر محفوظ ويشكره هذا اليوم عبر تذكر ما سمعه عنه وما قرأه له وحتى عبر ما لم يقرأه بتاتاً!

    علينا أن نعتبر محفوظ “الجدَّ الكبير” الذي وضع أحجار أساس للأحفاد ليكتسبوا قوة الانتماء والارتقاء لكتابات وروايات وإبداعات وأفكار وأفعال وقرارات حياتية حرة وحديثة وعنيدة. أخيراً، إن قول الأجداد صادق: “اللي ماله قديم، ماله جديد”.

    د. ليدا منصور، باحثة وكاتبة من فرنسا

    اقرأ أيضا:

    عن الأيام الحلوة.. والأيام السوداء في حياة نجيب محفوظ

  • «صنع الله إبراهيم» في الصحافة العالمية: كاتب لم يهادن

    «صنع الله إبراهيم» في الصحافة العالمية: كاتب لم يهادن

    خيّم الحزن على الأوساط الثقافية العربية والعالمية برحيل الروائي المصري الكبير «صنع الله إبراهيم»، الذي غادر الحياة عن عمر ناهز 88 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا أدبيًا فريدًا شكل مرآة للتحولات السياسية والاجتماعية في العالم العربي منذ أواخر القرن العشرين. ولا سيما في مصر.

    لم يكن صنع الله إبراهيم مجرد كاتب روائي، بل كان «مؤرخ الظلم الاجتماعي» كما وصفته العديد من الصحف العالمية. و«الثائر الأدبي» الذي كسر الحواجز بين الوثيقة والسرد. ليُرسخ مكانته كأحد أبرز رموز الأدب العربي في حقبة ما بعد الاستعمار.

    يستعرض «باب مصر» رثاء الصحف العالمية لصنع الله إبراهيم، الذي ترجمت كتاباته لأكثر من لغة، والاحتفاء بمسيرته الغزيرة. مع إعادة نشر مواقفه الجريئة، وكتاباته التي تجاوزت حدود الرواية لتتحول إلى أدوات لفهم تعقيدات الواقع العربي. وقد أجمع كثيرون على وصفه بالصوت الحر، الكاتب المُلتزم، والمثقف الذي لم يُساوم.

    معارض هيمنة الغرب

    نعى موقع قناة “فرانس 24” الفرنسية الروائي المصري الكبير صنع الله إبراهيم. ووصفه بأنه كان من أبرز الأصوات الأدبية المعارضة للقمع السياسي، والليبرالية الجديدة، وهيمنة الغرب على العالم العربي.

    ولد إبراهيم في القاهرة عام 1937، وذاع صيته في مختلف أنحاء العالم العربي بوصفه “مؤرخًا للظلم الاجتماعي”. بفضل أسلوبه السردي الوثائقي المكثف، واستقلاله الفكري الواضح.

    وأشار التقرير إلى أن أعماله تميزت بتداخل العوالم الشخصية والسياسية. ووثقت تحولات العالم العربي في مرحلة ما بعد الاستعمار، مع تركيز خاص على التجربة المصرية. وتعد روايته الأشهر “ذات” (1992) نموذجًا لذلك، إذ ترصد التحولات الاجتماعية والسياسية في مصر من ثورة 1952 وحتى حقبة الانفتاح والليبرالية في التسعينيات. من خلال سيرة امرأة مصرية عادية تنتمي إلى الطبقة المتوسطة.

    تاريخ نضال

    بدوره، نقل موقع “كولومبيا جورج نيوز” ما ورد في تقرير “فرانس 24″، مُذكّرًا بتاريخ إبراهيم النضالي. إذ تعرض للسجن لأول مرة في عام 1959 بسبب انتمائه اليساري خلال حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وهو ما شكّل بداية مسيرته ككاتب يساري لم يتنازل عن مواقفه حتى آخر أيامه.

    وقد شكلت السنوات الخمس التي قضاها في السجن نقطة انطلاق لمسيرته الأدبية، إذ استوحى منها روايته الأولى “تلك الرائحة” التي نُشرت عام 1966. وواجهت الحظر بسبب جرأتها وتناولها المباشر للواقع السياسي والاجتماعي.

    شهرة عالمية

    تناول التقرير الشهرة العالمية التي نالها صنع الله إبراهيم، في الأوساط الثقافية العربية والعالمية. خاصة بعد ترجمة عدد من أعماله إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية.

    كما أشار تقرير “كولومبيا جورج نيوز” إلى موقف إبراهيم في عام 2003، حين أثار جدلًا واسعًا برفضه جائزة ملتقى الرواية العربية التي كانت ستمنحها له وزارة الثقافة. في موقف اعتبر إشارة مباشرة إلى الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية خلال انتفاضة الأقصى الثانية.

    كتابات رمزية

    من أبرز أعماله أيضًا رواية “اللجنة” (1981)، التي تُعد من أشهر كتاباته وأكثرها رمزية. إذ تنتمي إلى أدب الكابوس السياسي وتتناول بذكاء قمع البيروقراطية والمراقبة. أما “التلصص” (2007)، فهي عمل أقرب إلى السيرة الذاتية، يستعيد فيه الكاتب تفاصيل طفولته خلال الحرب العالمية الثانية.

    مصر على مدار 50 عاما

    كما نعت صحيفة “gliasinirivista” الإيطالية، صنع الله إبراهيم، من خلال إعادة نشر مقابلة أجريت معه في يونيو 2006 بالقاهرة، حيث استقبل “جوليانو باتيستون” في منزله. ونشرت المقابلة حينها في صحيفة “إل مانيفستو” بتاريخ 3 أغسطس 2006. إلى جانب مقابلات مع الكاتبين جمال الغيطاني وعلاء الأسواني.

    وسأله المُحاوِر عمن يرغب في فهم التحولات التي أثّرت على الحياة السياسية والاجتماعية في مصر على مدى الخمسين عامًا الماضية. فأجاب: “في ذلك الوقت، كان لكل أمة “أب” للبلاد، رجل حكيم، أو على الأقل اعتبر نفسه كذلك: ديجول الفرنسي، وكينيدي الأمريكي، وستالين السوفيتي، وسوكارنو الإندونيسي، ونهرو وغاندي الهنديان، وكوامي نكروما الغاني. أما ناصر، الذي كان جنديًا، فكان رمزًا للمصريين ورمزًا للمقاومة والكفاح ضد الاحتلال الأجنبي. ويكمن إرثه في دفاعه عن الاستقلال الوطني واستعادته”.

    مواقف سياسية

    تطرق المحاور إلى سؤاله عن حكومة الرئيس محمد حسني مبارك، فأجاب إبراهيم: “بعد اغتيال السادات، ظنّ المصريون أن مبارك سيفي بوعوده. كان هذا الوهم قويًا”. واستشهد بموقف الأديب نجيب محفوظ، مبينا أنه رغم مكانته الأدبية الرفيعة، ظل موقفه من بعض القضايا محل جدل. خاصة حين يتعلق الأمر بحرية النشر والتعبير.

    وأضاف في الحوار المُعاد نشره: “ظل محفوظ ـ وهو الأب الروحي لجيل كامل من الروائيين المصريين ـ يرفض السماح بنشر روايته المثيرة للجدل “أولاد حارتنا” داخل مصر ما لم تحصل على موافقة الأزهر. وهو ما يثير تساؤلات حول مدى استعداده للدفاع عن المساحة العلمانية في المجتمع. وعلى الرغم من إدراكه العميق لما جرى في مصر سياسيًا واجتماعيًا، فإن محفوظ لم يكن ممن يعلّقون على الأسباب علنًا. فالرجل الذي أمضى حياته موظفًا حكوميًا، احتفظ في مواقفه العامة بمسافة محسوبة من السلطة”.

    رحيل أحد أعمدة العربي

    تحت عنوان «صنع الله إبراهيم.. رحيل أحد أعمدة الأدب العربي ومؤرخ الظلم الاجتماعي»، نشر موقع “المونيتور” تقريرا عن مسيرة صنع الله إبراهيم. ووصف مسيرته الأدبية الحافلة بأنها تميزت بالنقد الحاد.

    فيما أشار موقع “ذا فويس – صوت المغرب” إلى مسيرة الروائي المصري، واعتبر أنه “نجح في ترسيخ مكانته كأحد أبرز كتاب العالم العربي في حقبة ما بعد الاستعمار”. بعدما كسر الحواجز بفضل أسلوبه القريب من السرد الوثائقي. إذ ترجمت العديد من رواياته إلى الإنجليزية والفرنسية.

    أديب يساري

    «أثبت مؤلف رواية ذات نفسه كأحد أبرز الُكتاب النقديين في العالم العربي في فترة ما بعد الاستعمار»- هكذا نعت صحيفة “لوفيجارو” الفرنسية الأديب صنع الله إبراهيم.

    وأشارت الصحيفة إلى الفترة التي قضاها في السجن بسبب معتقداته اليسارية في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وتأثيرها على كتاباته وفكره الأدبي.

    الثائر الخالد

    في تقريرها باللغة الفرنسية، وصفت صحيفة “لوموند” صنع الله بـ”الثائر الخالد في الأدب العربي”. وجاء هذا الوصف نظرا لتركيز التقرير على فترة سجن الكاتب اليساري، التي أثرت على أدبه فوصف المجتمع المصري وعيوبه.

    وجاء فيه: “ترك عمل صنع الله إبراهيم بصمةً على الأدب العربي، أسلوبًا وموضوعًا. فقد وثّق المجتمع المصري، وتجربة السجن، والمُثُل الثورية لليسار العربي في ستينيات القرن الماضي”.

    طالب شيوعي

    تأثر إبراهيم بنشأته في عائلة متوسطة الحال، وألهمته قصص الأديب الراحل نجيب محفوظ. وتتابع الصحيفة أن شخصيته الأدبية لم تتجسد خلف مكتب تقليدي، بل داخل سجن. فحين كان طالبا في كلية الحقوق بدأ حملة سرية للحركة الشيوعية. ما أدى إلى اعتقاله عام 1959 وقضائه خمس سنوات في السجن.

    رمز للأدب المعاصر

    وصفت مجلة “ماروك إيبدو” المغربية صنع الله إبراهيم بالكاتب المصري الكبير، وأحد أعمدة الأدب العربي. وأضاف التقرير أنه كان رمزًا من رموز الأدب المصري المعاصر. وترك بصمته من خلال قصصه الملتزمة التي جمعت بين التحليل الاجتماعي والنقد السياسي والتأمل في الحالة الإنسانية.

    كما أشار إلى أن أعماله تميّزت بعمقها الفريد والتزامها الدائم بقضايا المجتمع والتاريخ، والتي بدورها جذبت انتباه أجيال عديدة من الكُتّاب العرب.

    الصوت الحر

    «الصوت الحر للأدب العربي» – بهذا الوصف نشر موقع “فرانس إنفو” تقريرا عن صنع الله إبراهيم بعد رحيله. ونعته بأنه كان كاتبًا ملتزمًا يتمتع بأسلوب تقريري راقٍ، وله مكانة كواحد من أبرز الأصوات النقدية. مستكشفًا بجرأة التوترات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في عصره.

    ابن جيل الستينيات

    لم يقتصر اهتمام الصحافة العالمية على رثائه باللغتين الإنجليزية والفرنسية فقط. بل نشرت العديد من المواقع والصحف الإسبانية تقارير مطولة عنه.

    فقد كتب موقع “بيريوديستاس” الإسباني عن رحيل الكاتب المصري، تاركا إرثاً ثقافياً كبيراً على الساحة الأدبية العربية. ووصفته بأنه كان إنساناً متواضعاً، يسكن في شقة مساحتها 80 متراً مربعاً في الطابق السابع، في حي مصر الجديدة. وينتمي إلى ما يسمى بجيل الستينيات. وكان معروفًا بأسلوبه المميز في المزج بين السرد الوثائقي والروائي، وإدخال المقتطفات والتقارير الصحفية. وتناول قضايا المجتمع المصري والعربي بعمق ونقد لاذع.

    مؤرخ الظلم الاجتماعي

    أشار التقرير الإسباني أيضا إلى أن صنع الله إبراهيم كان مؤرخًا للظلم الاجتماعي. واشتهر بنثره الموجز وأسلوبه الوثائقي واستقلاليته الشديدة. وذكر أنه درس القانون، وانضم إلى الحركة الديمقراطية الماركسية للتحرر الوطني. ودرس السينما في برلين الشرقية والصحافة في موسكو. قبل أن يستقر بشكل دائم في القاهرة عام 1974 ليتفرغ للأدب. وكان عمله الأول، الرواية القصيرة “تلك الرائحة” (1966)، من أوائل الروايات في الأدب المصري ذات التوجهات الحداثية والواقعية. وقد أثارت جدلاً حاداً، ومنعت السلطات بيعها.

    أما روايته “اللجنة” (1981)، وهي نصٌّ يليق بكافكا. حيث يتوق بطلها للانضمام إلى منظمةٍ غامضة، ويخضع مرارًا وتكرارًا لتحقيقاتٍ في ماضيه، علامةً فارقةً في الأدب العربي الحديث. حتى أن الكاتب الفرنسي “توماس أزويلوس” حوّلها إلى روايةٍ مصورة عام 2016.

    أديب ملهم

    أشارت الصحيفة الاسبانية إلى أن صنع الله إبراهيم كان من أهم الأصوات الأدبية التي أثرت على أجيال متعاقبة من الأدباء. إذ ترك بصمة واضحة على المشهد الثقافي العربي بكتاباته الجريئة والعميقة.

    كما استلهم أجيال من الكتاب العرب أسلوبه البسيط، المحمل بالسخرية والمتجذر في الحياة اليومية. وقد ترجمت العديد من أعماله إلى اللغة الإنجليزية منذ عام 1971، وإلى اللغة الفرنسية منذ عام 1987.

    مؤرخ أدبي لعصره!

    كذلك نشرت صحيفة ” لافوز دي جاليثيا” الاسبانية تقريرا آخر، وصفته فيه بأنه لم يترك وراءه مسيرة أدبية امتدت لأكثر من خمسة عقود فقط. بل إرثًا إنسانيًا جعله من أبرز الشخصيات المؤثرة في الحركة الأدبية العربية المعاصرة. ورأت فيه أحد أهم روائيي القرن العشرين في العالم العربي، ورائدًا في فتح آفاق جديدة للنقد الاجتماعي من خلال أسلوب سردي مبتكر وواقعي للغاية.

    كما أشارت إلى أنه بعد تخرجه في كلية الآداب بجامعة القاهرة، أصبح شخصية محورية في الأدب العربي، لالتزامه بالقضايا الإنسانية وتصويره الدقيق للواقع المصري والعربي. وقدرته على توثيق الأحداث التاريخية والاجتماعية والسياسية المهمة من خلال الأدب. وقدّمت أعماله رؤية فريدة لحياته الشخصية، مما جعله مؤرخًا أدبيًا لعصره.

    عمل غزير الإنتاج

    من أبرز رواياته: رواية “شرف” التي تناولت قضايا اجتماعية وتعتبر ثالث أفضل رواية عربية في التاريخ. و”ذات” التي رصدت التحولات الاجتماعية من خلال وثائق شخصية. و”نجمة آب” و”بيروت” و”النيل: مآسي” و”وردة” و”العمامة والقبعة”. وترجمت العديد من هذه الأعمال إلى الإسبانية، مثل “الخارج عن القانون” و”اللجنة” و”اللون الأحمر” التي يتجلى فيها أسلوبه النقدي. ويعكس بصدق ظروف المعيشة في شوارع العالم العربي.

    وقد لعبت الفلسفة دورًا محوريًا في أعماله، لا سيما فيما يتعلق بمفاهيم الحرية والهوية والعدالة الاجتماعية. فلم يكن إبراهيم مجرد كاتب، بل كان أيضًا مفكرًا اجتماعيًا ومؤرخًا لعصره. وأصبحت نصوصه أداة أساسية لفهم التعقيدات السياسية والثقافية والاجتماعية لمصر الحديثة والعالم العربي عمومًا. ولا تزال أعماله مراجع أساسية لمن يسعى لفهم التطور التاريخي والثقافي للشرق الأوسط.

    اقرأ أيضا:

    مُترجمو كتابات صنع الله إبراهيم: تأثر بـ«همنجواي» وتحرر من رهبة «النص الأصلي»

    قاهرة صنع الله إبراهيم: مدينة شاحبة في زمن التحولات

    صنع الله إبراهيم في مذكرات محمد ملص: يوميات «موسكو»

  • 30 عاما على رحيله: «عاطف الطيب».. والعمر، لو تدري، قصير

    30 عاما على رحيله: «عاطف الطيب».. والعمر، لو تدري، قصير

    وعندما تقدم بخطى ثابتة مع زوجته وأخيه إلى غرفة العمليات، توقف وقال لهم:
    هل تسمعون؟
    قالوا: نسمع ماذا؟
    قال: أسمع الموسيقى.. ألا تسمعون الموسيقى؟
    كان دائما في عجلة من أمره، يعمل ما يقارب عشرين ساعة في اليوم. في فيلمه الأخير، أحس بمعاناة آلام القلب الكامنة منذ سنين، والمتزايدة نتيجة نهم العمل. نصحه الأصدقاء بإجراء عملية القلب المفتوح في الخارج، وأن يطلب العلاج على نفقة الدولة، لكن عاطف قال: سأجري الجراحة هنا، وعلى نفقتي الخاصة. كان عنيدا، ورفض كل توسلات المحبين بالتأجيل أو إجراء العملية في الخارج. فحدد الموعد، وأصر عليه.
    من حي باب الشعرية إلى شريط السينما 

    حسبما ورد في كتاب «الطيب» لمحمد هاني، الكتاب التذكاري لمهرجان القاهرة السينمائي في دورته التاسعة عشرة، والصادر بعد وفاة «عاطف الطيب» المفجعة بشهور، ففي بيت متواضع بحي باب الشعرية، بأواخر عام  1947، كان عبد الله الطيب وزينب هاشم ينتظران قدوم مولودهما. وكان الأب يتمنى هذه المرة أن يرزق بولد، بعد أربع بنات، ليحمل اسم العائلة التي تعود أصولها إلى “نجع الدلمه” بقرية الشورانية مركز المراغة بسوهاج.

    وجاء عاطف.. قالت الأم لجيرانها إنها أنجبت فتاة، خوفا من الحسد. ولأن شقاوته أصبحت “زيادة عن اللزوم”، فيما بعد، فقد ظلت الأم تشعر، وأحيانا تصرخ، بأنه “ابن موت”.

    كبر عاطف، ولم يحتفظ في ذاكرته من أيام الطفولة المبكرة سوى بشعور أمه ذاك، وبعده بسنوات قليلة، مشهد شديد القسوة لإفلاس أبيه.

    ظل مشهد بيع محل الألبان الذي كان يملكه الأب في حي الدقي، صورة مؤلمة لا تنسى. كان عاطف صبيا لم يتجاوز الثالثة عشر، عندما رأى أول مزاد علني في حياته، حيث كان يُباع محلهم على مرأى من الناس. تلك الأزمة القاسية لم تمنع والده من التصميم على أن يواصل ابنه التعليم، كما لم تمنعه من قبول اقتراح عاطف بالعمل لمساعدته إلى جانب الدراسة. عمل عاطف بائع لبن متجولا، ولم يخجل من ذكر ذلك أبدا.

    عاطف الطيب
    عاطف الطيب
    بداية الحلم من معهد السينما 

     دخل عاطف فريق التمثيل في المدرسة، وبدأ يكتشف الفن، الذي حل محل لعب الكرة في الشارع، وانتقل إلى الجلوس في قصور الثقافة، مشاهدا للمسرحيات والأفلام. أصبح مشاهداً مثاليا لأفلام السينما، وعشق القراءة، وكانت لأعمال نجيب محفوظ قوة مؤثرة في تكوينه. زاد عشقه للفن، وبدأ يرى الحياة وكأنها شريط سينمائي، وبعد حصوله على الثانوية العامة، اختار الالتحاق بمعهد السينما، قسم الإخراج.

    قال مرة: “أحسست أن وراء هذه الشاشة شخصا واحداً هو المبتكر الوحيد لما نراه. وعندما وضعت نفسي في مكانه، أحسست بمتعة لم أختبرها من قبل”.

    لم يكن عاطف يحلم بالثراء، بل كان فقط بالنجاح. قال: “ظل الفقر يحاصرني ويطاردني، بلا تعب، حتى أنقذني منه النجاح. كنت طالبا مفلسا، ومصروفي في أيام العز لم يكن يزيد عن عشرة قروش، وكثيراً ما كنت أمشي من بيتنا في بولاق الدكرور وحتى معهد السينما بمنطقة الهرم، لأوفر ثمن المواصلات. وأحيانا أركب الأتوبيس وأهرب من الكمساري. ورغم ذلك، كنت راضيا عن حياتي”.

    من الصمت في المعهد إلى صوت السينما العالي

    أثناء الدراسة في المعهد، كان عاطف الطيب طالبا هادئا وصامتا، ولم يكن يبدو عليه أنه سيصبح أحد أهم مخرجي جيله. يقول المخرج صلاح أبو سيف: “مازلت أذكره، ذلك الشاب الذي ظل طوال سنوات تدريسي لدفعته بمعهد السينما، يجلس في مكان واحد لا يتغير، جوار الشباك بقاعة المحاضرات.

    أحيانا يسمعني، وأحيانا يسرح ببصره إلى الخارج. ولا أذكر أنه وجه لي سؤالا مثل زملائه، أو شارك في مناقشة. لذلك، لم أعطه اهتماما خاصا، ولم أضعه ضمن الطلبة الذين توقعت لهم مستقبلا سينمائيا، بل لم أتصور أصلا أن هناك أملا في أن يصبح مخرجا”.

    بعد التخرج، التحق عاطف مجندا بالقوات المسلحة، في قسم التصوير السينمائي بإدارة الشؤون المعنوية. وهناك بدأت صداقته مع خيري بشارة، الذي كان يخرج وقتها أول أعماله التسجيلية صائد الدبابات، وكان عاطف هو مندوب الشؤون المعنوية المرافق له. كما عمل مساعدا لشادي عبد السلام في فيلم جيوش الشمس.

    بداية الرحلة السينمائية

    بعد انتهاء مدة التجنيد، التي قاربت خمس سنوات، أخرج فيلمين تسجيليين: جريدة الصباح، ومقايضة، من خلال مركز الفيلم التجريبي برئاسة شادي عبد السلام آنذاك. كما عمل مساعداً للإخراج، ومدير إنتاج بعض الأعمال ذات الإنتاج المشترك التي كانت تصور في مصر. وقد أكسبته تلك السنوات خبرة واسعة، مكنته من إنتاج أول أعماله الروائية الغيرة القاتلة بتمويل ذاتي.

    قدم “عاطف” فيلمه الأول في عرض خاص لمجموعة من الزملاء والنقاد، لكن الفيلم قوبل بهجوم نقدي قاس، لدرجة أنه بكى بسبب مقال كتبه الناقد سمير فريد في جريدة الجمهورية، طالبه فيه بالتوقف عن الإخراج!

    لكن رأى زملائه كان مغايرا، بل دفع محمد خان إلى دعمه، فقال: “شعرت أن عاطف مشروع مخرج مختلف، وشجعني هذا الانطباع أن أعرض عليه أنا وبشير الديك فيلم سواق الأتوبيس، الذي كنا قد كتبناه، شعرت أنه المخرج المناسب لهذا الفيلم، أكثر مني”.

    صرخة الانتصار في وجه القهر

    هكذا أخرج عاطف سواق الأتوبيس، الفيلم الأجمل والأهم في مسيرته. بدأ الفيلم بمشهد سرقة في أتوبيس يقوده حسن، الذي لم يهتم بالحادث واستكمل خط سيره. وانتهى بنفس المشهد، لكن حسن قرر هذه المرة القفز خلف السارق، وركض وراءه حتى تمكن منه، ثم أفرغ في وجهه طاقة القهر والوجع، بلكمات متتالية صاحبها صرخته: “يا ولاد الكلب!”

    وكأنها صرخة انتصاره لنفسه، من كم الإحباط المخزون داخله، نتيجة الظروف وقسوتها، والعالم وفساده، وفقدان محل ألبان والده في المزاد، وغلق ورشة “المعلم سلطان” وموته تحسرا، بعد أن عاش بين المشهدين أحداث الفيلم كاملة، أو أحداث حياته وتجربة  قاسيّة على المستوى الشخصي، دفعته للخروج من نفسه.

    من فيلم سواق الأتوبيس
    من فيلم سواق الأتوبيس
    الانفتاح الاقتصادي وهزيمة الحالمين

    في فيلم سواق الأتوبيس نحن أمام مجتمع ما بعد حرب 1973، في محاولة لمواجهة ما أفرزته مرحلة الانفتاح من قيم استهلاكية. نلمس من خلال الفيلم مدى التغير الطارئ على المجتمع، وتحوله السريع بعد تفكيك الناصرية، وكأن سطوة التجربة الناصرية لم تدم إلا بورشة “المعلم سلطان”، حيث لا تزال صورة عبد الناصر معلقة على الجدران بعد أحد عشر عاما من وفاته.

     إننا أمام فيلم ينتقد بقوة ذلك التغيير الذي حل بالناس العاديين في عصر الانفتاح. سواق الأتوبيس، نتاج الفترة التي صنع فيها، في محاولة رصد وتأمل التغيرات الدقيقة في الأخلاقيات والمعاملات والمشاعر، وكذلك الروابط والآثار النفسية المترتبة على تلك التغيرات.

    حسن أو عاطف: من خنادق الحرب إلى متاهة الحياة

    حسن، أو “عاطف”، الذي خاض الحروب، وأمضى سنوات شبابه على خط النار، كان عليه بعد انتهاء المعارك أن يخوض حربا أخرى حياتية. كانت صدمته بعد كل هذا العناء والتحدي في الواقع المُر سببًا كافيًا لتمرده،  انهارت أحلام جيله تحت أقدام الانفتاح التي فرضتها الرأسمالية، بعد النصر الوحيد في حياته، نصر أكتوبر، الذي دفع ثمنه، لكنه لم يجنٍ ثماره. فكان هو ورفاقه من الحالمين بوطن أفلاطوني هم الخاسرون، هناك من حاربوا ودفعوا الثمن، وهناك من انتصروا!

    لم يتوقف عاطف الطيب عن الإخراج. صنع فيلمه الثاني، وكتب عنه هذه المرة سمير فريد قائلا إنه من أجمل ما شاهد. وبعد عشر سنوات من تخرجه، راجع صلاح أبو سيف توقعاته عنه، بعدما شاهد سواق الأتوبيس وقال: “إنه تلميذي القديم نفسه.. الصامت دوما.. هو نفسه الذي أخرج هذا الفيلم المدهش، رأيته على الشاشة مالكاً ومسيطراً على أدواته.

    مخرج صاحب فکر سیاسی واجتماعي واضح، يؤمن به ويدافع عنه، وأجاد التعبير بصورة حقيقية عن ذلك الفكر”. وفي رثائه له، قال صلاح أو سيف: ” عندما كنت أشاهد أفلام عاطف الطيب، كثيرا ما كنت أتوقف عند بعض المشاهد كما لو كنت أنا من أخرجها”.

    الحب فوق هضبة الهرم: سينما وسيرة

     جعل عاطف من بعض أفلامه صورا حية من سيرته الذاتية. تتذكر السيدة أشرف زوجته، التي قابلها أول مرة في نادي سينما القاهرة بشارع قصر النيل، أثناء “أسبوع الفيلم الألماني”، وكان الأصدقاء المشتركون هم من قدموها لبعض. تقول إن عاطف لفت نظرها ببساطته وهدوئه، وأخبرها لاحقا أنه شعر بوجود شيء خاص بينهما.

    وقد تم الزواج بعد الانتهاء من فيلم “الحب فوق هضبة الهرم”، الفيلم الذي قال عنه إنه كان يتمنى أن يكون هو بدايته، لأنه شعر، حين قرأ الراوية التي نشرت في مجلة أكتوبر، أن نجيب محفوظ يتحدث عنه شخصيا. وقد قال عنها: ” لا يبهرني في هذا العالم إلا السينما.. وزوجتي”. وقد فارقت الحياة بعد أربعين يوما فقط من رحيله، كأنها كانت تلحق به في صمت.

    حكاية رجل في وجوه أبطاله

    تقول زوجته: “عاطف كان يقدم لنا نفسه بالصوت والصورة في شخوص أفلامه. أفتكر أن “حسن” في سواق الأتوبيس هو صورة طبق الأصل منه، بشخصيته وشهامته ووقوفه مع أسرته لإنقاذ تجارة والده. ونفس الحكاية مع “منتصر” في فيلم الهروب يشبهه في كل شيء، وكذلك “علي” في الحب فوق هضبة الهرم، وكان عاطف يقول إنه يحلم أن يبدأ مشواره بذلك الفيلم”.

    إذا كان عاطف الطيب قد سجل بعضا من سيرته الذاتية في أفلامه، فهو سجل كذلك دفتر أحوال للمجتمع من حوله. قال: “أنا دائما ما يشغلني أن أعبر وأتحدث عن من لم تمنحهم الحياة القاسية القدرة على التعبير عن أنفسهم”.

     وكان كثير الترديد لعبارة: “الموت يقترب.. ولابد أن أنجز مشروعاتي بأسرع وقت، لأسدد ديوني”. ويقول: “أحاول أن أصنع أفلاما قابلة للحياة من بعدي”. لذلك، كان طبيعيا أن يترك لنا على شريط السينما 21 فيلما، صنعها خلال 14 عاما، وكأنها تركة ورثها محبي السينما ومحبي عاطف.

    قال عن أمانيه: “أريد تحقيق نصف أحلامي في الباقي من عمري..”.

    ولكن يا عاطف.. العمر، كما علمت، قصير”.

    الصدق وحدة لا يُنسى

    يطلقون عليك الآن رائد الواقعية الجديدة.. لكن، بعيدا عن تلك المسميات وتفصيلاتها النظرية والتقنية، كنت يا عاطف واقعيا فيما صنعت، صادقا في أفكارك، نبيلا في تصوراتك وفي طرحك لتلك التصورات. لمست حياتنا وواقعنا، والأهم.. أنك صدقت مع نفسك.

    رأينا أنفسنا على شاشة السينما من خلالك، ورأيناك أنت، وأحببناك، وسنبقى على حبك، أرثيناك وسنظل نرثيك، كلما أردنا رثاء أنفسنا.

     اقرأ أيضا:

    «القضية 68»: هل يمكننا تخطي الهزيمة؟

  • «الميدان».. ساحة الإمكان

    «الميدان».. ساحة الإمكان

    لقد صار ذكر مفردة «الميدان»، استدعاءً لمعانٍ عديدة وعلامات نوعية، تحمل أكثر من دلالة، وتعلن عن قيمة رمزية أو صدى لأحداث ووقائع ذات تمثلات في الواقع. لذا، صار جزءا من الكون، وفضاءً علنيا تحلق بأجنحته جماهير غفيرة، كساحة للتعبير والتحرر، وقلب المدينة الذي يخفق بحكايات ومرويات الكفاح والنضال عبر العصور.

    كل ذلك أكسب الميادين صوراً وأشكالاً من البوح، عكست التطورات السياسية والاجتماعية التي استغرقت التاريخ الاجتماعي والثقافي لمصر. حيث أفصحت عن مشاعر وانفعالات حاسمة، اصطحبت بأرجاء البلاد، والتمعت بآفاق مصر المحروسة، حيث تلاشت آفة النسيان التي تطوق الذهنية العربية دائماً.

    ***

    ومن الملامح التي وسمت الميادين اتساعها واكتظاظها ببشر لا يسكنوها، وبنايات شاهقة شبة خالية أو مهجورة من أصحابها. حيث لا أحد يعرفهم، غير أن مقاهي روافد وشوارع الميادين الممتدة احتشدت بحشود من الشبان والفتية، من الصبيان والبنات. حيث احتلت زوايا وأركان وسط البلد مقاهٍ وكافتيريات، تراوح روادها من البسطاء مروراً بالميسورين، وفدوا من كافة أرجاء المدينة. حتى صارت تلك المقاهي محطة يومية للتلاقي، حيث تواشجت العلاقات والصلات. وبرزت نقاط التعبير عن الذات بين الشبان: الغناء، والرقص، والموسيقى، والكتابة، والسينما، والمسرح. شملتهم كل تلك الهموم الراقية، حتى الكتابة والرسومات على الجدران التي تحوطهم.

    لتحدث امتدادا جديدا في محاولة لاستكمال حلم ما بعد الهزيمة وتجسيده. صدرت مجلة “جاليري 68” نحو البحث عن مصائر أخرى وتحديات مغايرة، في كافة أشكال التعبير في الفنون والآداب خارج النص الرسمي. وتشكلت كيانات فنية مستقلة “فرقة أولاد الأرض” نموذجاً. كما كتب سعد الله ونوس “حفلة سمر من أجل الخامس من حزيران”. وكتب سعد الدين وهبة “المسامير” 67 “وسبع سواقي” 68 “وبير السلم” التي صادرتها الرقابة ومنعت من العرض، حيث استشرفت عديد من المسرحيات الهزيمة حيث تفجرت معارك فكرية إثر تناولها قضايا شائكة.

    “الفرافير” “والمهزلة الأرضية” ليوسف إدريس وكذلك “المخططين” التي منع تمثيلها ليلة الافتتاح بقرار من شعراوي جمعة وزير الداخلية وأمين التنظيم السياسي آنذاك. فضلاً عن “بنك القلق” لتوفيق الحكيم “وثرثرة فوق النيل” “وميرامار” لنجيب محفوظ.

    ***

    كل تلك التجارب والمحاولات نتاج مخاض طويل، جاء في موعده، دون صلات وتفاعلات مباشرة مع ما حدث في أوروبا في العام 1968. جيل أتى مع تمرده وفرادته وليس مع حركة الموجة الجديدة وحدها. وليس لديه رموز جيفارا أو هوشي منه وحده، بل استلهم نهوضه مع وعيه وإرادته، وصلابته.

    إذن بماذا تفسر تدافع الآلاف من أبناء السد العالي لحماية محطة كهرباء السد، حينما تردد أن إسرائيل ستضرب المحطة؟ أو محاولات اشتباكات وصدامات قتالية خارج السرب، نفذها جنود بسطاء في اصطياد طائرة للعدو أو تدمير دبابة.

    ومن الظواهر اللافتة، أن ميادين محطات القطار كباب الحديد في القاهرة ومحطة مصر وسيدي جابر في الإسكندرية، حفلت بضجة عارمة وصارت أشبه بسوق كبير وعابرين من شتى أنحاء القطر المصري، من قرى ومدن الدلتا، ومن جنوب الوادي، المسافر والمقيم.

    ***

    ميزت تلك الميادين تناثر المقاهي العديدة، والمطاعم، والمحلات المتنوعة، والأسوار الحديدة التي تطوق ساحات تلك الميادين التي غمرتها الفوضى. وأخرى جرى عليها الاستبعاد من الصون والتطوير، فخلا من الازدحام، كميدان التحرير (الإسماعيلية). حيث تجتر الذاكرة ثكنات الجيش البريطاني بقصر النيل وملاحم الكفاح آنذاك.

    وكذلك ميدان الخرطوم، ومحطة الرمل، والمنشية بالإسكندرية. حيث حملت كل تلك الميادين رمزية ملهمة، واستعادة موحية، تقاطعت مع تاريخ من المقاومة والتحدي. حيث دأبت السلطة على قهر ذاكرة متوهجة دوماً، حتى أفرطت في تشييد بنايات البنوك، ومراكز الاستثمار، والفنادق الشاهقة. كل ذلك لوأد ما أنجبت تلك الميادين من لحظات تاريخية.

    في تلك الآونة، جرت هجرة من الأحياء والأنحاء التي تدنو من تلك الميادين، للعمل في المركز لسعة العيش والرغد. وأتت من الأقاليم المجاورة عمالة غفيرة، تتردد على القاهرة صباحا وتعود في آخر الليل. مثلما جاء شبان وسط البلد ومكثوا على المقاهي حتى مطلع الفجر. كل هذا الزخم، مثل يقظة ووعى بالأخطار التي تلازم البلاد.

    اقرأ أيضا:

    «غارة» الصحافة على الوزارة

باب مصر