باب مصر

الوسم: مصر

  • من أين جاء المصريون؟ قراءة في الجغرافيا والجينوم وأصل الهوية المصرية

    من أين جاء المصريون؟ قراءة في الجغرافيا والجينوم وأصل الهوية المصرية

    «من أين جاء المصريون؟».. في كل مرة يُطرَح فيها هذا السؤال يتجدد الجدل حول كيفية تشكل الهوية المصرية، وتبرز آراء متعددة ومتباينة بين علم الجينات والأنثروبولوجيا، والروايات الشعبية، والقراءات الاستعمارية، والأسطورة والعلم. إذ تعد الهجرة والتفاعل الثقافي من السمات الأساسية التي أثرت في ملامح الهوية المصرية، لكن هل تركت هذه الهجرات التاريخية بصمة في التركيبة السكانية؟ وهل كان تأثيرها الثقافي أكبر من تأثيرها الجيني؟ كلها تساؤلات تتعلق بأصل المصريين ومحاولات فهم الهوية الثقافية لمصر.

    الهوية المصرية

    في البداية تشرح الدكتورة هبة عبدالجواد، باحثة الآثار والمشرف الأول على قسم الأنثروبولوجيا بمتحف وحدائق هورنيمان البريطانية، كيفية تعريف الهوية المصرية في منظور علم الأنثروبولوجيا. وما إذا كانت ثابتة أم متغيرة عبر الزمن.

    وتقول لـ«باب مصر»: “الهوية المصرية تتشابه مع أي هوية أخرى. فجميع الهويات، من منظور علم الأنثروبولوجيا، تتحدد من خلال التجربة الشخصية للمجتمعات وتفاعلها مع البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية المحيطة، في إطار جغرافي محدد. ومع ما يطرأ عليها من اختلافات مع مرور الوقت، وبالتالي فهي ليست ثابتة”.

    الارتباط بالبيئة الجغرافية

    لكن إلى أي مدى أسهمت البيئة الجغرافية لنهر النيل في تشكيل الهوية الثقافية للمصريين؟ و كيف تفسر الأنثروبولوجيا استمرار بعض السمات الثقافية القديمة حتى اليوم في المجتمع المصري؟

    تجيب الدكتورة هبة من خلال شرح نظرية المجتمعات، التي يكون الرابط الأساسي بينها وبين بعضها هو الأرض، وهي رابطة ثابتة في مصر القديمة.

    وتوضح: “لأن العامل الأساسي في التأثير على شخصية مصر الجغرافية، أو المجتمع، أو الهوية، هو الجغرافيا الخاصة بها. والتي تأثرت بالهجرة وتواترها مع مجتمعات أخرى. وهو ما شرحه الدكتور جمال حمدان في موسوعته الشهيرة (شخصية مصر)”.

    ويفسر علم الأنثروبولوجيا هذه النظرية من خلال فكرة مفادها أنه لم يحدث تبديل للسكان. بمعنى أن السكان لم يختفوا ليُستبدلوا بآخرين، فالسكان موجودون في مصر منذ أوائل الحضارة. وقد طرأت عليهم تغيرات وتفاعلوا مع مجتمعات أخرى، لكن لم يتم استبدال السكان الأصليين، وظلت الرواسخ كما هي. ولهذا فإن السمات الثقافية القديمة ما زالت موجودة، على حد قولها.

    وتضيف أستاذة الأنثروبولوجيا: “أغلب الثقافة ترتبط بالبيئة الجغرافية، وفي حالة مصر فإن طبيعة المكان مرتبطة ارتباطا وثيقا بالبيئة الجغرافية. وهو ما أثر بشكل كبير في توارث واستمرار السمات الثقافية. وهذا الأمر مرتبط بالأرض والمكان من الناحية الجغرافية والثقافية، وليس الأشخاص”.

    منشأ المصريين الأوائل

    لكن هل توجد فرضيات علمية رئيسية حول منشأ المصريين الأوائل؟ توضح الدكتورة هبة: “المنشأ إفريقي، وهو المكان الذي وجد فيه المصريون، فالمصريون لم يكونوا في مكان آخر ثم وفدوا إلى مصر. ولا توجد فرضيات علمية حول منشأ المصريين الأوائل سوى أنهم نشأوا في مصر”.

    وتشير إلى أن فكرة منشأ الناس عموما ترجع إلى إفريقيا، قائلة: “السبب في هذه النظرية هي تأريخ أقدم بقايا آدمية إلى ملايين السنين. وقد تم اكتشافها في تنزانيا بإفريقيا”.

    وبناءً على هذا الأساس، تدعي بعض النظريات أن أصل البشرية يعود إلى تنزانيا أو إفريقيا عموما. نظرا للعثور على بقايا الإنسان الأول هناك.

    من أين جاء المصريون؟

    لكن هناك ادعاءات تفيد بأن المصريين قدموا من الجزيرة العربية، أو شمال إفريقيا، أو وادي النيل الجنوبي والحبشة. فما الأدلة الأنثروبولوجية التي تدعم شعب “محلي” تطور في وادي النيل؟

    تجيب أستاذة الانثروبولجيا قائلة لـ«باب مصر»: “لا يوجد دليل واحد يؤكد حدوث أي تغيير في السكان المصريين عبر التاريخ. وكل ما يقال عن قدوم المصريين من الجزيرة العربية أو من مناطق في شمال إفريقيا أو من وادي النيل الجنوبي أو من الحبشة لا يستند إلى حقائق ثابتة”.

    وتضيف: “مصر أساسها جغرافي، فهي تقع في نقطة تطل على الجزيرة العربية من جهة آسيا. وعلى البحر المتوسط وشمال إفريقيا، ومن الجنوب على وادي النيل الجنوبي والحبشة. ولهذا حملت ملامح من هذه المناطق منذ عصور ما قبل التاريخ. وكانت تلك المناطق نفسها لا تحمل الأسماء الحالية. ولذلك يصعب ربط المصريين بجهة محددة خارج أرضهم. فالمصريون نشأوا في مصر، وحدودها الجغرافية الأساسية لم تشهد تغيرا كبيرا منذ ما قبل التاريخ وحتى اليوم”.

    وتستشهد بالأدلة الأنثروبولوجية والأثرية، ومن بينها الوثائق القديمة منذ بدايات المصريين القدماء. وصولا إلى فترات العصور الوسطى والخلافة الإسلامية والعثمانية، قائلة: “كلها لا تشير إلى أي تبدل في التركيبة السكانية. كما أن التعداد السكاني كان معروفا منذ مصر القديمة. واستمرت الثقافات المحلية في الظهور دون حدوث تحول مفاجئ”.

    الدراسات الجينية

    تخصصت الدراسات الجينية أو الوراثية في تصنيف البشر، فهل أظهرت هذه الدراسات الجينية فروقا بين قدماء المصريين والمصريين الحاليين؟ وما مدى الاعتماد على الدراسات الجينية في تفسير التاريخ السكاني للمصريين؟

    توضح الدكتورة هبة عبدالجواد أن دراسة العرق أو الجنس، وتقسيم البشر إلى أعراق بهذا الشكل العنصري، تعود إلى التفكير الاستعماري خلال أوقات الاستعمار. حيث استخدمها المُستعمِر لرسم حدود بين الأشخاص اعتمادا على ميزات شكلية معينة، بهدف تمييز “الجنس الأبيض”.

    وتتابع: “اعتمدوا على بعض القياسات مثل حجم الجماجم وغيرها. وهي ذات رواسخ استعمارية لسنا بحاجة إليها كمصريين. ولسنا بحاجة إلى التشكيك في مصريتنا. خاصة أن الدراسات الجينية لم تثبت وجود فروق واضحة بين المصريين القدماء والمصريين الحاليين”.

    وتردف: “حين نقول إن لنا أصولا إفريقية أو آسيوية. فهذا ليس للتشكيك في مصريتنا، بل بسبب جغرافيا المكان، فمن الطبيعي أن تكون لنا امتدادات إفريقية أو آسيوية، وهو أمر يرتبط بجغرافيا مصر”.

    تأثير الهجرات التاريخية

    على صعيد آخر، شهدت مصر العديد من الهجرات التاريخية (الهكسوس، الليبيون، الفرس، اليونان، العرب)، فهل كان لها تأثير على التركيبة السكانية؟

    «الهجرات أثرت في مصر مثلما تحدث الهجرات في أي مكان بالعالم»، هكذا أجابت الدكتورة هبة عبدالجواد، لافتة إلى تأثير هؤلاء الوافدين في الحضارة المصرية ببعض المدخلات. وتأثرهم هم أيضا بها، مثل أساليب الفن، وبعض الأكلات، وتربية الحيوانات. فضلا عن التزاوج الذي نتج عنه تعدد ثقافي. ومع ذلك، ظل من استقر في مصر جيلا بعد جيل مصريا.

    وتضيف: “البطالمة مثلا كانوا في أصلهم يونانيين، لكنهم بعد تأسيس الأسرة الحاكمة عاشوا في مصر سنوات طويلة، وولد معظمهم فيها. ومع مرور الزمن صاروا جزءا من النسيج المصري، رغم أن جذورهم ترجع إلى مقدونيا. لكن حياتهم انتمت لمصر، وكليوباترا مثال واضح. فربما لم يولد جدها بطليموس الأول في مصر، لكنها وعائلتها عاشوا فيها منذ أجيال طويلة”.

    مصر والتعدد

    ترى عبدالجواد أن هذا التنوع هو ما يميز مصر وجعل هويتها قائمة على التعدد، فمصر، عبر تاريخها الطويل، تشكلت بثقافات مختلفة سبقت التاريخ ذاته. كما أن جغرافيتها أتاحت الحركة والهجرة من أكثر من جهة، وبهذا ظلت مصر متنوعة ثقافيا على مر التاريخ.

    وتؤكد على أن الهوية المصرية واحدة، لكنها تقوم على أساس من الغنى الحضاري والتنوع الثقافي. وبذلك يكون ما نسميه “مصريا” هو في جوهره نتاج تعدد وتفاعل تاريخي طويل.

    ارتباط الإنسان بالأرض

    هل يمكن تلخيص معنى الهوية المصرية في عبارة واحدة؟ توضح عبدالجواد قائلة: “إذا أردت تلخيص معنى الهوية المصرية في عبارة واحدة، فسأجدها عند جمال حمدان. الذي أوضح أن الهوية تنبع من ارتباط الإنسان بالأرض، لا من فكرة الأعراق التي استخدمها المستعمر الأجنبي لتمييز العرق الأبيض عن غيره باستخدام علوم منحازة وعنصرية. ونحن لسنا في حاجة إلى الخوض في هذه المفاهيم. لأن الهوية المصرية تقوم أصلا على الارتباط بالأرض وعدم تبديل السكان عبر التاريخ”.

    وتردف: “هناك لغط واسع في هذا الموضوع، وغالبا ما يلجأ البعض إلى أفكار غربية  لا أميل إلى الاعتماد عليها. خاصة أن الدكتور جمال حمدان كتب رؤيته في أواخر الثمانينات قبل أن تتناول المصادر الغربية هذه القضايا. وأراه مرجعا محوريا في نقاش كهذا، ولا يستطيع أحد التشكيك في مصريته أو في دوافعه للكتابة. وأنا أتفق معه ومع آرائه وما عرضه في موسوعة “شخصية مصر”. فهي موسوعة واسعة تناولت جوهر معنى مصر. وبينت أن مصر في أصلها جغرافيا ذات خصوصية”.

    نظرية د. جمال حمدان

    تفضل عبدالجواد استخدام نظرية الدكتور جمال حمدان، وتقول: “هذا المفهوم يوضح كيف أن جغرافيا مصر ليست مجرد تضاريس، بل هي عامل رئيسي في تحديد هويتها وعبقرية مكانها وتاريخها ومكانتها العالمية. وهو ما أبرزه جمال حمدان بعبقريته في ربط الجغرافيا بالسياسة والتاريخ”.

    ومصطلح “ملكة الحد الأوسط” هو وصف أطلقه المفكر والجغرافي المصري الكبير جمال حمدان على مصر في موسوعته الشهيرة “شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان”. لتبيان موقعها الفريد والمتوسط بين قارات العالم وحضاراته (إفريقيا وآسيا وأوروبا)، وبين الشرق والغرب. ما منحها شخصية فريدة متعددة الأبعاد والثقافات، ومحورية في التاريخ والسياسة العالمية. فهي قلب العالم العربي، وواسطة العالم الإسلامي، وحجر الزاوية في إفريقيا.

    • موقع جغرافي استراتيجي: مصر تقع على ملتقى طرق رئيسية بين القارات، ما جعلها جسرًا للحضارات والمؤثرات.
    • أمة وسط: لا يعني أنها “أمة نصف” بل “أمة وسط” متعددة الجوانب. تجمع بين خصائص مختلفة (إفريقية، آسيوية، متوسطية).
    • تنوع ثقافي: هذا الموقع جعلها بوتقة تنصهر فيها ثقافات وحضارات مختلفة. ما أثرى الشخصية المصرية.
    • قوة محورية: هي قوة بر بفضل النيل، وقوة بحر بفضل السواحل، ومركز لدوائر جغرافية وتاريخية متعددة. ما يجعلها حلقة وصل حيوية للعالم.
    رفات مصري قديم من النويرات بالمنيا

    في الوقت نفسه، تُسلط العديد من الدراسات العلمية الضوء على أصل المصريين القدماء. ومن بينها دراسة علمية نشرت مؤخرا بعنوان: “أصل الجينوم الكامل لمصري من المملكة القديمة“.

    وقدم فريق من العلماء والباحثين رؤية حول أصل المصريين في هذه الدراسة المنشورة بمجلة “نيتشر” العلمية في يوليو 2025. مشيرين إلى أن المجتمع المصري القديم ازدهر لآلاف السنين. وبلغ ذروته خلال العصر الأسري (حوالي 3150- 30 قبل الميلاد).

    الحمض النووي

    بحسب الدراسة، ونظرا لسوء حفظ الحمض النووي. لم يكن من الممكن سابقا الوصول إلى إجابات واضحة للأسئلة المتعلقة بالترابط الإقليمي عبر الزمن. لعدم القدرة على دراسة تسلسل الجينوم الكامل.

    ومن خلال الدراسة، نجح العلماء في تقديم تسلسل جينوم كامل لرجل مصري بالغ. حُفِظت رفاته في منطقة النويرات بالقرب من قرية “بني حسن” بالمنيا. وتم تأريخه بالكربون المشع ليعود إلى الفترة ما بين 2855 و2570 قبل الميلاد.

    ولضمان دقة النتائج، أوضح فريق البحث أن اختيار هذه الرفات جاء بسبب العثور عليها محفوظة داخل وعاء خزفي في مقبرة منحوتة في الصخر. ما ساعد على الحفاظ على الحمض النووي.

    توحيد مصر السياسي

    تطرقت الدراسة إلى تطور الحضارة المصرية القديمة على مدار آلاف السنين. وجاء فيها: “بعد التوحيد السياسي للمناطق الشمالية والجنوبية من مصر – السفلى والعليا – في نهاية الألفية الرابعة قبل الميلاد. شهدت المملكة القديمة تقدما ملحوظا. تمثل في بناء أول مجمع هرمي مدرج للملك زوسر. ثم الهرم الأكبر بالجيزة الذي بناه الملك خوفو”.

    وتشير الدراسة إلى اعتبار المصريين من أصل محلي، مع وجود مدخلات محدودة من مناطق مجاورة. كما تُظهر الأدلة الأثرية الأحدث أن روابط تجارية كانت قائمة عبر الهلال الخصيب منذ الألفية السادسة قبل الميلاد.

    شمال إفريقيا وغرب آسيا

    أسهمت التحليلات الأثرية في تحديد أصل رفات هذا الشخص. إذ اعتمد البحث العلمي على الدراسات المورفولوجية للأسنان. التي تُظهر ارتباط المصريين بسكان آخرين في شمال إفريقيا وغرب آسيا.

    وفي الوقت نفسه، لفت البحث إلى الافتقار إلى الجينومات القديمة. خاصة للفترات المبكرة من تاريخ الأسرات المصرية، وهو غياب لا يشكل عائقا أمام فهم الجينات المصرية عبر الزمن.

    ومن خلال تحليل السمات المورفولوجية للأسنان وقياسات الجمجمة، إلى جانب النتائج الجينومية، اتضح النظام الغذائي لصاحب الرفات وأصله البيولوجي.

    حياة المصري القديم

    تنص الدراسة على أن: “تتفق جميع النتائج مع نشأته في مناخ وادي النيل الحار والجاف. كما اعتمد نظامه الغذائي على البروتين الحيواني والنباتي، والنباتات مثل القمح والشعير. إضافة إلى أسماك النيل، وهو نمط غذائي معتاد لدى المصريين حتى العصر القبطي”.

    وقارن فريق الدراسة جينوم عينة النويرات ببيانات وراثية لأكثر من 3000 شخص معاصر. خضع بعضهم لتحليل جينومي كامل، بينما حددت الأنماط الجينية لآخرين عبر مصفوفات متخصصة في دراسة الأصول البشرية. إلى جانب بيانات تخص 805 أفراد من البشر القدماء، من خلال تحليل نحو 1.2 مليون مؤشر وراثي.

    تقارب الجينات مع مناطق أخرى

    خلصت الدراسة إلى أن: “رفات الرجل المصري القديم من المنيا، أظهرت تقاربا وراثيا مع سكان شمال إفريقيا وغرب آسيا في الوقت الحاضر”.

    وأضافت نتائج الدراسة: “وهو ما تؤكده أيضًا نتائج تحليلات ADMIXTURE، التي أظهرت نمطا متسقا مع هذا الارتباط”.

    المنهجية العلمية

    اعتمد فريق البحث في تحليل رفات الرجل المصري القديم لمعرفة أصوله على أداة “qpAdm” المتخصصة في بناء نماذج تُظهر الأنساب الجينية الأكثر تمثيلا للجينوم.

    ويختبر هذا المنهج مجموعات مختلفة من السكان المحتملين بوصفهم مصادر وراثية. بينما تُستخدم مجموعات أخرى كسلالات خارجية للمقارنة. واختار الباحثون 13 مجموعة سكانية تعود للعصرين الحجري الحديث والنحاسي في مناطق غرب آسيا وشمال إفريقيا وشمال المتوسط. وبحسب الدراسة “فإن جميع هذه المجموعات أقدم زمنيا من عينة النويرات في مصر”.

    وكانت النتيجة واضحة. إذ لم يتمكن أي نموذج يعتمد على مصدر واحد فقط من تفسير البيانات، حيث جاءت أعلى قيمة احتمالية للملاءمة منخفضة جدا.

    تشابه الجينات

    عند اختبار النماذج الثنائية؛ اتضح أن جينوم عينة النويرات بالمنيا يضم مزيجا يقارب 78% من الأصول المرتبطة بجماعة “الصخيرات الروازي” في المغرب. والتي تعود إلى الفترة ما بين 4780 و4230 قبل الميلاد، إلى جانب نحو 22% من أصول ترتبط بسكان بلاد الرافدين في العصر الحجري الحديث (9000–8000 ق.م).

    كما ظهرت نماذج أخرى تضم ثلاثة مصادر نسب متشابهة، أضافت نسبة محدودة من الأصول المرتبطة ببلاد الشام. تعود إلى العصرين الحجري الحديث والنحاسي. وخلصت الدراسة إلى وجود جذر وراثي قوي مرتبط بالمغرب خلال العصر الحجري الحديث الأوسط داخل جينوم عينة النويرات.

    امتداد سكاني مشترك

    بحسب الدراسة: “يشير ذلك إلى احتمال وجود امتداد سكاني مشترك عبر شمال إفريقيا خلال تلك الفترات. كما يسهم في دعم فرضية أن المجتمعات المحلية في مصر خلال العصر الحجري الحديث. أسهمت جينيا في تكوين السكان الذين عاشوا لاحقًا خلال فترات الأسرات والمملكة المصرية القديمة”.

    وأشارت الدراسة إلى إشكالية أخرى، مفادها أن تشابه جينات رفات المصري القديم مع بلاد لشام قد يكون نتاج موجات متعددة من الهجرة. مؤكدة ضرورة إجراء مزيد من التحليلات على بقايا بشرية تعود إلى ما قبل العصر البرونزي في شمال إفريقيا.

    الأصول والعلاقات بين المصريين القدماء

    تطرقت دراسة علمية أخرى إلى محاولة معرفة أصول المصريين القدماء في ورقة بحثية بعنوان: “الأصول والعلاقات بين المصريين القدماء: استنادا إلى دراسة الاختلافات غير القياسية في الجمجمة”.

    وشكَّلت هذه الورقة إحدى المساهمات في ندوة حول بيولوجيا سكان المصريين الأوائل. نظمها بي. أ. كياريلي (معهد الأنثروبولوجيا، جامعة تورين) ودي. آر. بروثويل (المتحف البريطاني للتاريخ الطبيعي، لندن). وعُقدت الندوة في قلعة مونتالدو بمدينة تورين خلال الفترة من 16 إلى 18 إبريل عام 1969.

    ونشرت الدراسة في مجلة “تطوّر الإنسان”. ثم أعادت مجلة “ساينس دايركت” العلمية نشرها لاحقا. واعتمد البحث على تحديد العلاقات بين الجماعات البشرية القديمة من خلال توصيف البقايا الجسدية وراثيا عبر قياسات العظام. وقد أظهرت الأبحاث على الفئران سهولة الاعتماد على السمات غير المترية. خاصةً الجمجمة، بوصفها علامات وراثية.

    جماجم مصرية من الحفريات

    أشار ملخص الدراسة إلى بحث آخر توصل إلى أن المصريين، أي سلسلة الجماجم المصرية المستخرجة من حفريات مختلفة والمحفوظة حاليا في المجموعات البريطانية. لم يطرأ عليهم سوى تغير طفيف خلال عصور ما قبل الأسرات، والدولة القديمة، والدولة الوسطى. ولم يحدث تغير ملحوظ في الاستقرار السكاني إلا في الدولة الحديثة. عندما شهد وادي النيل موجات هجرة كبيرة.

    وأظهرت المقارنة مع السلاسل غير المصرية أن النمط المصري المبكر كان قريب الشبه إلى حد كبير من سلاسل شمال الهند ذات الأصول السامية أو الزنجية أو الأوروبية الشمالية.

    اقرأ أيضا:

    الكشري المصري بـ«اليونسكو».. كيف يواجه الطعام الشعبي غزو الثقافة الأجنبية؟

    التشكيلي محمد البحيري عن معرضه «مولد يا دنيا»: لوحاتي لا تقدم إجابات جاهزة

    مزاد ومستودع سري.. كواليس سقوط شبكة «روبن سايمز» لتهريب الآثار المصرية

  • «مسجد الفرّان».. الحارس الأمين على شاطئ البحر الأحمر

    «مسجد الفرّان».. الحارس الأمين على شاطئ البحر الأحمر

    عندما تقف أمام «مسجد الفرّان»، يخيّل إليك أن حجارته وقطعه الخشبية العتيقة قد دبت فيها الروح، فتسجد ككائن حي ينبض بالحكمة والقدسية. يروي للأرض وللبحر قصة حياة خالدة على شاطئ القصير، شامخا بجوار البحر. كأنه جندي يحرس الحياة وذاكرة المكان.

    تفتح بوابات المسجد على حكايات وقصص لا تنتهي. تتسع مع الزمن وتتجدد مع تعاقب الأيام. فهو أول مسجد أقيم على شواطئ البحر الأحمر، وأضحى نافذة روحية تطل على الأفق. وجسرا يربط الأرض بالسماء، والبحر بالإنسان، وذاكرة مفتوحة لكل زائر. لتبقى شاهدة على أن الإيمان حين يقترن بالمعمار يمنح للحجر روحًا، وللأمكنة حياة لا تزول.

    نفحات روحانية وبدايات عمرانية

    يروي المؤرخ طه حسين الجواهري، في كتابه عن تراث القصير، أن مسجد الفرن- أو كما يسميه الأهالي “مسجد الفرّان”- هو أقدم مساجد المدينة. إذ شيد في مطلع القرن الثامن عشر الميلادي، وتحديدًا عام 1704م. وارتبط تأسيسه بالشيخ إبراهيم خليل الفرّان القادم من ساحل الحجاز عبر طرق التجارة والحج. والذي غدا رمزًا روحانيًا يضيء ذاكرة المكان ويمنح المدينة أول خيط من نسيجها المعماري والديني.

    ويذكر الجواهري في الجزء الثالث من كتابه “القصير في الوثائق العثمانية”، الذي يضم أكثر من سبعين وثيقة نادرة – بعضها مكتوب بالتركية- أن وثيقة حررها محمد عبد القادر الميقاتي تؤكد أن المسجد منسوب إلى الشيخ أحمد الفرّان لا إلى إبراهيم خليل. وأن الجهة القبلية تم تخصيصها لتكون ضريحًا له. وقد تم وقفها وفق أحكام الشريعة بحيث لا تُباع ولا تُوهب ولا تُورث.

    من هو الشيخ الفرّان؟

    يوضح الجواهري أن الوثائق لم تذكر الكثير عن الشيخ، غير أن أصوله تعود إلى الساحل الشرقي للبحر الأحمر (المملكة العربية السعودية حاليًا). وقد وفد إلى القصير بصحبة عدد من التجار من جنسيات متعددة خلال القرن الثامن عشر. إذ كانت المدينة آنذاك مركزًا تجاريا يجمع مختلف الجنسيات.

    وتم دفن الشيخ في ساحة الشيخ عبد الغفار اليمني، ثم جدد المسجد لاحقًا. ولا تزال المئذنة القديمة قائمة خلف مئذنة حديثة. وعلى باب التقديم من الجهة البحرية نقش تاريخ الإنشاء. ولأن المسجد يطل مباشرة على البحر. فقد أدت مئذنته دورًا بارزًا كفنار لإرشاد السفن في القرون الماضية.

    أما الواجهة الخشبية الواقعة فوق الباب الخلفي بجوار المئذنة القديمة فقد كتب عليها بخط بارز: “بسم الله الرحمن الرحيم، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار”. وهو نقش يعود إلى عام 1116هـ/1704م، في مستهل حكم السلطان العثماني أحمد الثالث (1703–1730م).

    نقش تاريخي يكشف سرّ البدايات

    يكشف النقش المثبّت على المئذنة القديمة ـ كما ورد في دراسة الدكتور محمود عبد العال حول مساجد البحر الأحمر ـ تاريخًا مؤرخًا لعام 1116هـ/ 1704م. لكن هذا التاريخ، في جوهره، لم يكن توثيقًا للحظة تأسيس المسجد. بل تخليدًا لذكرى دفن الشيخ الفرّان. ومن هنا تتبدى حقيقة أخرى: أن المسجد كان قائمًا قبل ذلك العام، أو شيّد متزامنًا مع رحيل الشيخ.

    ويضيء الجواهري جانبًا آخر، موضحا أن موضع حوش الشيخ الفرّان كان في الجهة الغربية للمسجد. وأن المئذنة الحالية لا تعود إلى الأصل الأول. فالمئذنة القديمة، التي ظهرت في لوحات الحملة الفرنسية بقمتها المشابهة لـ”القلم الرصاص”، كانت من الطراز العثماني المشابه لمآذن القاهرة آنذاك. أما المئذنة القائمة اليوم فقد أنشئت في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وفق ما تؤكده المصادر التاريخية وما رصده الرحالة والمستشرقون.

    المئذنة التي تحوّلت إلى فنار

    يصف الدكتور محمود توني شعبان، في دراسته الأثرية “مسجد الفرّان بمدينة القصير – دراسة أثرية”، المئذنة القديمة للمسجد بوصفٍ يتجاوز حدود المعمار إلى رحابة الرمز. فهي لم تكن مجرد بناء شاهق، بل فنارًا يهدي السفن في عتمة البحر. ومعلَمًا يستدل به البحّارة على قرب المرسى.

    شيدت بقاعدة مربعة متينة، يعلوها بدن أسطواني تحيطه شرف خشبية، وتنتهي بقبة صغيرة يتوجها هلال. بدت كأنها مصباح معلق بين السماء والبحر، وبفضل موقعها المطل مباشرة على الساحل تحولت إلى عين ساهرة تهدي المسافرين. ورمز روحي يجمع بين قدسية النداء وضياء الهداية. حتى غدت جزءًا من ذاكرة البحر الأحمر.

    معبر الأرواح وقبلة القوافل

    تشير دراسة الدكتور محمود التوني إلى أن مسجد الفرّان لم يكن مجرد موضع للصلاة. بل ملتقى للتجار والحجاج من مختلف الجنسيات، الذين اتخذوا من مدينة القصير محطة رئيسية على شاطئ البحر الأحمر.

    وكما كانت القصير معبرًا للرحالة في طرق التجارة والحج، كان المسجد معبرًا للأرواح. يمنح السائرين سكينة تعينهم على مواصلة الطريق، ويمنحهم لحظة صفاء بين مشقة السفر ورحابة المقصد.

    تجديد مع الحفاظ على الهوية

    يروي الجوهري أن المسجد شهد عام 1980 عملية تجديد كبيرة، حضر افتتاحها وزير الأوقاف آنذاك الدكتور زكريا البري. واللواء عبد الحميد عثمان محافظ البحر الأحمر. شملت التجديدات إنشاء مئذنة جديدة عالية مع الإبقاء على المئذنة الأثرية القديمة. في محاولة لربط الحاضر بالماضي.

    الحارس الأمين على الأرض والدين

    يؤكد عادل عاش، مؤسس جمعية المحافظة على التراث بالقصير، أن مسجد الفرّان ظل شاهدًا حيًّا على هوية المدينة. لم يفقد دوره كرمز عمراني وروحي، بل بقي معلمًا أثريًا يتوسط القصير القديمة كذاكرة نابضة تفيض بالحكايات.

    ويضيف: “لم يكن المسجد مجرد بناء شيد قبل أكثر من ثلاثة قرون. بل كان ذاكرة بحرية وروحية تحفظ عبور الحجاج، وتختزن حكايات البحارة، وتردد نداء المئذنة الذي تحول يومًا إلى فنار يرشد السفن. ومع مرور الزمن صار المسجد مزارًا ومقصدًا سياحيًا يتوافد إليه الزوار من مختلف بلدان العالم. ليستمعوا إلى تاريخه ويتأملوا عمارته”.

    اقرأ أيضًا:

    حكاية «مدينة سفاجا».. مناجم الفوسفات وصوت التاريخ العابر للأجيال

    من «عين المجلاة» إلى «الكنداسة».. ذاكرة العطش والارتواء في سفاجا

  • فرنسا تطلب «حجر رشيد» من بريطانيا.. من يملك حق التفاوض على قطعة آثار مصرية؟

    فرنسا تطلب «حجر رشيد» من بريطانيا.. من يملك حق التفاوض على قطعة آثار مصرية؟

    تستمر المفاوضات بين بريطانيا وفرنسا على خلفية طلب فرنسا استعارة «حجر رشيد»، أحد أشهر القطع الأثرية المصرية المعروضة في المتحف البريطاني، وذلك مقابل عرض المتحف البريطاني لوحة «نسيج بايو» الضخمة المُعارة من فرنسا العام المقبل.

    وكانت موافقة فرنسا على إعارة النسيج الأثري بداية لمفاوضات وضغوط فرنسية شملت مطالب بتقديم دخول مخفض أو مجاني للمواطنين الفرنسيين، غير أن الطلب الأبرز تمثل في استعارة «حجر رشيد»، ما أثار جدلا واسعا وتساؤلات حول أحقية البلدين في التفاوض على قطعة أثرية تعود ملكيتها الأصلية إلى مصر.

    إعارة آثار

    تعود البداية إلى موافقة فرنسا على إعارة قطعة النسيج المطرز. والمعروفة باسم “نسيج بايو”، الذي يرجع تاريخه إلى نحو 900 عام. ويصور الغزو النورماندي لإنجلترا عام 1066. ويبلغ طول النسيج 68 مترا. وتضمن الاتفاق إرسال بريطانيا قطعا أثرية للعرض في فرنسا، من بينها كنوز “ساتون” وقطع “لويس تشيسمن” التي تعود إلى العصور الوسطى.

    مطالب بالدخول المجاني

    ذكرت صحيفة “فاينانشال تايمز” أن المسؤولين الفرنسيين مارسوا ضغوطا من أجل أمرين إضافيين: الدخول المجاني أو المخفض للمواطنين الفرنسيين. وهو ما رفضه المفاوضون البريطانيون باعتباره أمرا “لن يحدث أبدا”.

    وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن مثل هذه الخطوة غير معتادة. إذ نادرا ما تمنح المتاحف الفرنسية دخولًا مجانيًا حتى لمواطنيها. في المقابل، لا يفرض المتحف البريطاني رسوم دخول لمجموعته الدائمة، لكنه يفرض على المعارض الخاصة.

    استعارة حجر رشيد

    كان لدى المفاوضين الفرنسيين طموحات أكبر. إذ طالبوا باستعارة “حجر رشيد” المصري، أشهر قطعة أثرية في المتحف البريطاني.

    وبحسب موقع “آرت نيوز”، باء هذا الاقتراح بالفشل، إذ أن الحجر الذي استولت عليه بريطانيا عقب الحملة الفرنسية على مصر عام 1801 يخضع لقاعدة عدم نقله من المتحف، نظرا لأهميته. فهو مفتاحَ فكّ رموز الهيروغليفية الذي استخدمه العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون.

    حجر رشيد الأثري خلال عرضه بالمتحف البريطاني - مشاع إبداعي
    حجر رشيد الأثري خلال عرضه بالمتحف البريطاني – مشاع إبداعي
    عريضة اعتراض في فرنسا

    إعارة النسيج الأثري لبريطانيا أثارت اعتراضا واسعا في فرنسا. إذ جمعت عريضة لمنع نقله أكثر من 52 ألف توقيع حتى الجمعة الماضية، بحسب قناة “فرانس 24”.

    وبرر المعترضون موقفهم بمخاوف تتعلق بسلامة النسيج، واصفين النقل بأنه “جريمة تراث حقيقية”.

    دعم رسمي

    رغم الاعتراضات، أوضح مسؤول فرنسي مشرف على عملية الإعارة أن القطعة الأثرية ليست هشة للغاية بحيث لا يمكن نقلها. ودافع عن هذه الخطوة، مشيرا إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وافق على إقراض النسيج للمتحف البريطاني العام المقبل احتفالا بالعلاقات الفرنسية – البريطانية.

    وقال فيليب بيلافال، المكلف بمتابعة القرض، إنه لم يتم اتخاذ قرار بعد بشأن كيفية نقل النسيج. وفي حال الموافقة على إقراض النسيج، فستكون المرة الأولى التي يوجد فيها على الأراضي البريطانية منذ نحو ألف عام.

    مطالب سابقة

    اعتبر ماكرون أن إعارة النسيج تعكس الصداقة الأنجلو- فرنسية. خاصة أن رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي طالبت إعارته لأول مرة عام 2018. غير أن الخطوة أجلت مرارا بسبب المخاوف بشأن هشاشة النسيج وصعوبة نقله.

    المتحف البريطاني

    يثير الطلب الفرنسي تساؤلا: هل يحق لبريطانيا وفرنسا التفاوض على حجر رشيد، وهو أثر مصري أصيل؟ وهل يمكن أن يغادر الحجر بريطانيا دون موافقة مصرية؟

    يجيب عن هذه التساؤلات الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية. موضحا أن المتحف البريطاني يضم نحو 13 مليون قطعة أثرية جمعتها بريطانيا منذ تأسيسه عام 1753، عبر الشراء، والتنقيب، والهدايا، والتبرعات. إضافة إلى ما حصلت عليه خلال فترات الاستعمار بطرق غير شرعية.

    وأكد أن: “الاستعمار البريطاني الذي امتد إلى نصف الكرة الأرضية سهل عمليات نهب ونقل الآثار. ولولاه لما استطاع الأكاديميون البريطانيون تكوين هذه المجموعة الضخمة”.

    حجر رشيد الأثري خلال عرضه بالمتحف البريطاني - مشاع إبداعي
    حجر رشيد الأثري خلال عرضه بالمتحف البريطاني – مشاع إبداعي
    خروج حجر رشيد من مصر

    يضم المتحف البريطاني أكثر من 110 آلاف قطعة أثرية مصرية، منها مقتنيات من عصور ما قبل التاريخ، وآثار مصر القديمة، والحقبة المسيحية.

    ويشير الدكتور ريحان إلى أن سقوط الحملة الفرنسية أمام القوات البريطانية عام 1801. وما تلاه من توقيع معاهدة الإسكندرية، غير وضعية الآثار والمخطوطات التي جمعتها البعثة الفرنسية خلال وجودها في مصر. فقد أصبحت هذه الكنوز ضمن الممتلكات العامة، واستحوذت عليها بريطانيا. وكان من أبرزها حجر رشيد الذي نقل إلى المتحف البريطاني عام 1803.

    تحالف قديم

    بحسب وصف الدكتور عبد الرحيم ريحان، خرج حجر رشيد من مصر نتيجة تحالف بين (فرنسا – بريطانيا – الدولة العثمانية التي كانت مصر جزءا منها). وقال: “نُقِل حجر رشيد بشكل رسمي عن طريق معاهدة دولية، لكن تفوق بريطانيا عسكريا حينها أتاح لها نهب الآثار المصرية بشكل غير مستحق”.

    وأضاف: “بعد مغادرة نابليون بونابرت مصر، هاجم العثمانيون والإنجليز قوات الحملة الفرنسية في خليج أبو قير، في مارس 1801. واستولوا على جميع الآثار التي جمعها العلماء الفرنسيون. وبعد هزيمة الفرنسيين وتراجعهم إلى الإسكندرية، اصطحبوا معهم مجموعة من الآثار المصرية. بينها حجر رشيد، الذي أودع في أحد المستودعات باعتباره من مقتنيات القائد الفرنسي جاك فرانسوا مينو”.

    ومع اشتداد الحصار البريطاني على المدينة، اضطر مينو في 30 أغسطس 1801 إلى إعلان الاستسلام. وبموجب المادة 16 من اتفاقية التسوية، جرى تسليم جميع الآثار التي كانت بحوزة الفرنسيين، بما فيها حجر رشيد، إلى البريطانيين الذين نقلوه لاحقًا إلى لندن.

    أحقية بريطانيا في إعارة حجر رشيد

    أوضح الخبير الأثري أن حجر رشيد خرج من مصر في فترة خضوعها للسيطرة العثمانية. وعن أحقية بريطانيا في الحصول عليه آنذاك قال: “يعتبر أخذ انجلترا لحجر رشيد من الفرنسيين أمرا مقبولا من قبل الخلافة العثمانية التي كانت تسيطر على مصر. نظرا للحلف القائم بينها وبين انجلترا في ذلك الوقت. وهو ما منح الأخيرة الموافقة على أخذ الغنائم من الجيش الفرنسي، بما فيها الآثار”.

    وعن مفاوضات بريطانيا وفرنسا  لنقل حجر رشيد دون الرجوع إلى مصر، أضاف: “خرج الحجر بموجب معاهدة رسمية دولية، وبالتالي لا تستطيع مصر الاحتجاج على أي تصرف لإعارته من بريطانيا لأي دولة أخرى. نظرا لعدم وجود حق ملكية فكرية للآثار في المعاهدة الدولية”.

    حقوق الملكية الفكرية والقوانين الدولية

    أشار الدكتور ريحان إلى أن المجتمع الدولي تجاهل حقوق الملكية الفكرية للآثار التي بدأ سريانها عام 1995، والتي تنص على ضرورة الحصول على تصريح من مالك الحق الفكري ودفع ثمن لهذا الانتفاع. وقال: “وضعوا القوانين والاتفاقيات الدولية ظاهريًا لحفظ استقرار المجتمع الدولي. وباطنيًا لشرعنة الحصول على آثار البلاد صاحبة الحضارات العظيمة ومنها مصر”.

    وأردف: “تجاهل المجتمع الدولي إدراج التراث المادي ضمن اتفاقية حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالمنظمة العالمية للملكية الفكرية (ويبو)، التابعة للأمم المتحدة. والتي أسست عام 1967 في جينيف بعد مؤتمر باريس للملكية الصناعية، وتضم 177 دولة من بينها مصر”.

    عدم تضمين الآثار

    كشف عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة أن استبعاد التراث المادي من الاتفاقية الدولية يعود إلى رغبة الدول في الاحتفاظ بالقطع المنهوبة من بلاد أخرى – وعلى رأسها مصر – وعرضها في متاحفها. دون منح أي حقوق مادية أو أدبية للدول الأصلية.

    وأوضح أن هذه الدول، رغم ادعائها “الملكية القانونية” لتلك القطع الأثرية. إلا أنها – على حد وصفه – تروج لها على أنها آثار مصرية، ما يعود عليها بأرباح ضخمة تُقدّر بالمليارات. سواء من زيارات المتاحف أو من إعارتها مؤقتا أو حتى من بيع نسخ مستنسخة منها.

    حجر رشيد وافتتاح المتحف المصري الكبير

    ليست المطالب باستعارة حجر رشيد جديدة، ففي عام 2009 بدأت مفاوضات غير رسمية بين مصر وبريطانيا لعرضه بشكل مؤقت في القاهرة. وبحسب تقرير نشرته «هيئة الإذاعة البريطانية»  في ديسمبر 2009، قال د. زاهي حواس، رئيس هيئة الآثار المصرية آنذاك: “سأتخلى عن المطالبة باستعادة حجر رشيد بشكل دائم إذا وافق المتحف البريطاني على إعارته لمصر”.

    وأضاف حواس أنه، رغم رغبته في عودة الحجر إلى موطنه الأصلي، فإنه سيكتفي بإعارته لمدة ثلاثة أشهر، وكتب إلى المتحف البريطاني يطلب عرضه مؤقتا بمناسبة افتتاح المتحف المصري الكبير بالجيزة عام 2013. لكن متحدثة باسم المتحف البريطاني صرحت  بأن مصر لم تتقدم بطلب رسمي لإعادة «حجر رشيد» بشكل دائم، أما طلب الإعارة المؤقتة سيناقشه أمناء المتحف.

    أهمية حجر رشيد

    بحسب “بي بي سي”، تكمن أهمية «حجر رشيد» في أنه يحمل نصوصا بثلاث لغات: الهيروغليفية، والديموطيقية (المصرية القديمة)، واليونانية القديمة. وأتاح وجود النص اليوناني إمكانية فك رموز الهيروغليفية لأول مرة، وهو ما فتح الباب أمام فهم تاريخ مصر القديمة وحضارتها.

    اقرأ أيضا:

    كيف تحافظ دول العالم على مبانيها التاريخية؟ تجربة أمريكا في نقل مبنى سكة حديد

    بعد تورط متاحف في بيع قطع مشبوهة.. قانون أوروبي جديد يُغير مشهد تجارة الآثار عالميا

    امتلكها أمير عربي.. القصة الكاملة لبيع قطعة أثرية يُرجح سرقتها من مقبرة توت عنخ آمون

  • هنا عاش أيقونة البوب الفرنسي كلود فرانسوا.. الغريب الذي صار «ابن الإسماعيلية»

    هنا عاش أيقونة البوب الفرنسي كلود فرانسوا.. الغريب الذي صار «ابن الإسماعيلية»

    لم ينتبه عروسان وقفا لالتقاط صور ليلة العرس في منطقة الفيلات الفرنسية بمدينة الإسماعيلية، إلى لافتة صغيرة خلفهما على مدخل إحدى الفيلات تشير إلى تاريخ شخصيات عاشت هناك، من بينهم أسطورة غناء فرنسية ولدت وعاشت طفولتها في هذا المكان قبل أن تنطلق إلى الشهرة في فرنسا.

    وُلد المطرب الفرنسي «كلود فرانسوا» في الأول من فبراير عام 1939 بمدينة الإسماعيلية.، خلال فترة عمل والده، لوك فرانسوا، كمراقب للملاحة في شركة قناة السويس العالمية. وأصبح شهر ميلاده، فبراير، مناسبة سنوية لزيارة جمعية محبيه للمدينة والفيلا التي نشأ بها. في تقليد توقف منذ سنوات دون إعلان سبب واضح، رغم استمرار زيارات جمعيات فرنسية مهتمة بقناة السويس إلى المدينة، ودعمها لمتحف القناة بمقتنيات خاصة.

    مذكرات كلود فرانسوا

    اختص فرانسوا (1939-1978)، المعروف أيضا بلقب “كلو كلو”، مدينة الإسماعيلية في مذكراته. التي نشرت منها مخطوطات بخط يده علي موقع نوستالجيا فرنسية. يقول فيها: “كنت أستيقظ على صوت المؤذن من بعيد، وافتح النافذة لأشاهد ضوء الشمس يرقص على صفحة القناة. كانت الإسماعيلية عالمًا خاصًا لا يشبه شيئًا مما عرفته لاحقًا في باريس. كل شيء فيها كان ينبض بالحياة: العطر، والماء، والأصوات”.

    ويتابع في موضع آخر: “كنا نسكن في منزل كبير تحيط به أشجار المانجو والبرتقال. كانت الأرضية مغطاة ببلاط مغربي الطراز، والسقف مرتفع تزينه مراوح بطيئة الدوران. لا زلت أذكر الموسيقى العربية التي كانت تتسلل إلى غرفتي عبر الراديو العتيق. كان لها تأثير غامض، كأنها تسحر الهواء نفسه”.

    شهادة ميلاد المغني الفرنسي المشهور كلود فرانسوا في محافظة الإسماعيلية
    شهادة ميلاد المغني الفرنسي المشهور كلود فرانسوا في محافظة الإسماعيلية
    طراز مباني “باريس الصغرى”

    إذا زرت يوما إحدى المدن المطلة على قناة السويس وتجولت في شوارعها القديمة، فلن تستطيع إلا أن تنبهر بروعة تصاميمها المعمارية وتفردها. ومن ضمنها المنزل الذي ولد فيه كلود فرانسوا. ما يميز الحي كله هو كثرة استخدام الأخشاب، ويعود تاريخ بنائه إلى فترة حفر قناة السويس وتأسيس مدينة الإسماعيلية، بحسب وصف المهندسة المعمارية، كلودين بياتون، المتخصصة في التراث المعماري وذات اهتمام خاص بالعمارة الأوروبية في دول حوض البحر الأبيض المتوسط.

    عملت بياتون منذ عام 2004 على مشروع بحثي حول عمارة مدن قناة السويس. نتج عنه ثلاثة كتب بعنوان: “عمارة القرن التاسع عشر والقرن العشرين في مدن الإسماعيلية، وبورسعيد، والسويس”، صدرت تباعا عن المركز الفرنسي بالقاهرة.

    نشأة مدن قناة السويس

    تميز كلودين الطراز المعماري في فترة نشأة مدن قناة السويس بوجود صالات استقبال واسعة وشرفات خشبية طويلة. وتتفرد مدن القناة بهذا الطراز دون غيرها من المدن المصرية. في مزيج نادر لا يتكرر في أي مدينة أخرى. بحسب وصفها في مؤلفاتها. وقد أشار فرانسوا بدوره في مذكراته إلى حنينه لطفولته بالإسماعيلية. حيث كتب: “كنت صغيرا، وكنت أسبح عدة مرات يوميا من قارة إلى أخرى، عابرا قناة السويس التي تفصل إفريقيا عن آسيا”.

    وتضيف بياتون إلى أن الإسماعيلية شكلت نقطة البداية في مستقبله الفني، عندما انضم إلى صفوف كورال الأطفال التابع للكنيسة الكاثوليكية. تكريما له، أطلق اسمه على أحد شوارع حي الفيلات في شرق المدينة في يناير 2005. قبل أن يعاد تسميته لاحقا إلى “شارع النخيل”.

    مذكرات بخط يد كلود فرانسوا نشرت علي موقعه الإلكتروني
    مذكرات بخط يد كلود فرانسوا نشرت علي موقعه الإلكتروني
    المنزل الذي عاش فيه كلو كلو  

    عاش كلود فرانسوا في بيت يقع في حي “الإفرنج” بالإسماعيلية. وهو الحي الذي كان مخصصا لسكنى الأجانب العاملين في شركة قناة السويس. وبفضل وظيفة والده، حصل على منزل في حي الموظفين الفرنسيين، يتميز بمبانيه ذات الطراز الأوروبي، والتي تجمع بين الخشب والقرميد للحفاظ علي حرارة الجو اللطيفة في الأجواء الحارة. التي لم يعتاد عليها الأوروبيون، بحسب المهندسة المعمارية المصرية ياسمين مختار، المتخصصة في العمارة الكولونيالية بمدن القناة.

    وتشير دراسة مختار، بالإضافة إلى مصادر تاريخية وشهادات محلية، إلى أن المنزل شُيّد من الحجر الجيري الأبيض. ويحتوي على شرفة خشبية واسعة تطل على حديقة صغيرة. النوافذ ذات مصاريع خشبية مطلية بالأخضر الداكن، تعكس الطراز الفرنسي الذي جلبه الفرنسيون إلى مصر.

    بيوت النخبة الأجنبية

    تصف ياسمين مختار منزل فرانسوا بأنه نموذج لما يعرف بـ”بيوت النخبة الأجنبية”. حيث مراعاة التهوية الطبيعية، والفراغات المفتوحة، والممرات الداخلية الطويلة. بُنيت هذه المنازل لتكون مريحة في المناخ الحار، مع توفير خصوصية وعزلة، وانفتاح على الحدائق الداخلية.

    وقد أدرج بعض المهتمين بالتاريخ المعماري للمنطقة هذا البيت ضمن الجولات السياحية التراثية، ضمن مسار السير المفتوح بين الفيلات الفرنسية. حيث يتم شرح الطراز المعماري وتاريخ نشأة المدينة، ويحتل منزل “كلو كلو” مكانة مميزة في هذه الجولات لما يمثله من قيمة إنسانية وتاريخية.

    حنين إلى جنة الطفولة

    يتحدث كلود في مذكراته عن هذه المرحلة بكثير من الحنين، ويصف الإسماعيلية بأنها “جنة على الأرض” بالنسبة لطفل. كانت أيامًا مليئة بالبراءة، واللعب تحت أشعة الشمس الدافئة، واستكشاف أرجاء المدينة من شوارعها الهادئة إلى ضفاف البحيرة المجاورة. كان منزله يقع في منطقة راقية، محاطًا بحديقة غناء، وهي تفاصيل تتكرر في أحاديثه ومذكراته، كشاهد على بيئة مريحة ومترفة نسبيًا.

    واجهة المنزل الذي ولد فيه كلود فرانسوا بمدينة الإسماعيلية
    واجهة المنزل الذي ولد فيه كلود فرانسوا بمدينة الإسماعيلية
    الإسماعيلية مدينة متعددة الثقافات

    في تلك الفترة، كانت الإسماعيلية مدينة متعددة الثقافات، تمثل بوتقة انصهرت فيها جاليات مختلفة: الفرنسية والإنجليزية واليونانية والإيطالية والمصرية بالطبع. هذا التنوع الثقافي أثرى حياة الطفل كلود، وغرس فيه روح الانفتاح والتسامح، وربما ساهم في تشكيل حسه الفني الذي تأثر لاحقا بموسيقى متنوعة.

    وتلقى “كلود” تعليمه الابتدائي في الإسماعيلية، وتعلم الموسيقي ضمن كورال الكنيسة الكاثوليكية هناك. وكانت والدته، لوسيت فرانسوا، سيدة مثقفة وعاشقة للموسيقى، تلعب دورًا محوريًا في تنمية مواهبه. هي من اكتشفت شغفه بالموسيقى مبكرًا، وشجعته على تعلم العزف على البيانو والطبول. وشهدت هذه الفترة في الإسماعيلية على خطواته الأولى في عالم الموسيقى. حيث بدأت موهبته تتفتح، وبدأ يدرك أن الموسيقى ليست مجرد هواية، بل شغف عميق يأسره.

    ويذكر كلود في مذكراته كيف كانت والدته تشجعه على الاستماع إلى أنواع مختلفة من الموسيقى. من الكلاسيكية إلى موسيقى الجاز، التي كانت رائجة في ذلك الوقت. لم تكن دروس البيانو له واجبًا ثقيلا، بل متعة حقيقية. وكان يقضي ساعات طويلة في العزف والتدريب. تلك الأساسات التي أرستها والدته في الإسماعيلية، شكلت حجر الزاوية في مسيرته الفنية اللاحقة.

    الرحيل عن “جنة الأرض”

    في عام 1956، وبعد قرار تأميم قناة السويس، اضطر فرانسوا إلى الرحيل عن الإسماعيلية مع والده، في لحظة شكلت نقطة تحول جذرية في حياته. وكان عمره آنذاك 17 عامًا. كانت تجربة الرحيل صادمة له. ففي غضون أيام، تحول عالمه المستقر الهادئ في الإسماعيلية إلى حالة من الفوضى وعدم اليقين.

    كانت مغادرته لمصر قاسية، فقد كان يعتبر الإسماعيلية وطنه الأول، والمكان الذي احتضن أحلامه الأولى. يصف كلود هذه اللحظات في مذكراته بمرارة، ويكتب: “كان الرحيل عن الإسماعيلية كقطع جزء مني. لقد تركت هناك طفولتي، ذكرياتي، جزءًا من روحي. لم يكن مجرد مغادرة مدينة، بل كان مغادرة عالم بأكمله”. ذلك الشعور بالفقد ظل يلاحقه لسنوات، لكنه في الوقت نفسه كان دافعًا له لتحقيق النجاح.

    المطرب الفرنسي كلود فرانسوا
    المطرب الفرنسي كلود فرانسوا
    الإرث الخالد وتأثير الإسماعيلية

    رغم أن كلود فرانسوا غادر الإسماعيلية في سن مبكرة نسبيًا، إلا أن تأثير هذه المدينة ظل حاضرا طوال حياته ومسيرته الفنية. فهي المكان الذي بدأت فيه أحلامه. حيث اكتشف شغفه بالموسيقى، وتشكلت شخصيته في سنوات الطفولة الحافلة.

    ربما كانت مرونة شخصيته، وقدرته على التكيف مع التغيرات، مستمدة جزئيًا من تجربته المبكرة في الانتقال من مصر إلى فرنسا. وقد واصل بعد ذلك تحقيق النجاحات المتتالية، ليصبح أيقونة في عالم الموسيقى الفرنسية. ويشتهر بأغانيه التي تخاطب الوجدان وتدعو إلى الفرح والحياة.

    من أبرز أعماله التي لا تزال تُسمع حتى اليوم: أغنية “My Way” أو “Comme d’habitude” بنسختها الفرنسية الأصلية، التي أصبحت واحدة من أشهر الأغاني في تاريخ الموسيقى العالمية. و”Alexandrie, Alexandra”، التي حملت في طياتها لمسة من الشرق. وربما كانت تذكيرًا بمسقط رأسه في الإسماعيلية.

    الإسماعيلية في قلب الوداع

    في عام 1978، توفي كلود فرانسوا إثر حادث كهربائي بشقته بباريس، عن عمر 39 عاما. ورغم قصر حياته، فإن إرثه الفني ظل حيا بقوة. المدهش أن بعض المقربين منه ذكروا أنه في أيامه الأخيرة كان كثير الحديث عن مصر، وعن الإسماعيلية على وجه الخصوص.

    وقد صرحت شقيقته جوزيت، في مقابلة تليفزيونية نادرة قائلة: “كان كلود يقول إن الإسماعيلية ليست مجرد مدينة. بل هي الجنة التي بدأ منها كل شيء. كان يحلم بأن يعود يومًا ويزورها متخفيًا، فقط ليمشي في الشوارع التي عرفها صغيرًا”.

    الغريب الذي صار ابن البلد

    قصة كلود فرانسوا في الإسماعيلية ليست مجرد حكاية طفولة، بل فصل غير مكتوب في التاريخ الثقافي المشترك بين مصر وفرنسا. إنها شهادة على التداخل العاطفي والثقافي الذي يُمكن أن تنسجه الحياة، بعيدًا عن السياسة

    واليوم، بينما تقف أمام بيته القديم في شارع يحمل اسمه. يمكنك أن تتخيله صبيًا صغيرًا يركض في الحديقة، أو يصغي إلى أغنية تنبعث من راديو قديم. أو يتجهز لرحلة سباحة في قناة السويس. حينها تدرك أن بعض الحنين لا يموت، بل يتجسد في الموسيقى، وفي الذكريات، وفي اسم كلود فرانسوا.

    اقرأ أيضا:

    «كما دخلوها أول مرة».. كيف قاوم فدائيو قناة السويس الاحتلال البريطاني؟

  • «ملاذ الشعوب».. هل أثر اللجوء في تشكيل الحضارة المصرية القديمة؟

    «ملاذ الشعوب».. هل أثر اللجوء في تشكيل الحضارة المصرية القديمة؟

    في عام 2000، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا بتخصيص يوم عالمي للاجئين الذين أجبرتهم الحروب والاضطهاد على مغادرة أوطانهم. وقد تقرر أن يتزامن هذا اليوم مع «يوم اللاجئ الإفريقي» الموافق 20 يونيو، ليعتمد كـ«اليوم العالمي للاجئين». أما الوثائق والبرديات وجدران المعابد، فقد أثبتت أن الحضارة المصرية القديمة كان لها السبق في الاعتراف باللاجئين والنازحين والفارين من بلادهم.

    ولعل ذلك يثير تساؤلات عدة: هل كان مفهوم اللجوء في مصر القديمة يشبه ما نعرفه اليوم؟ وكيف تعاملت مصر مع الفارين من بلادهم؟ وهل كان لجوؤهم ملاذًا إنسانيًا أم وسيلة لتحقيق غايات أكبر؟

    اللجوء: ظاهرة وممارسة

    رغم أن كلمة “اللجوء” حديثة كمصطلح، إلا إنها قديمة كممارسة، إذ كانت جزءًا أساسيًا من العلاقات بين دول الشرق الأدنى القديم. في وقت كانت فيه الحروب والتحالفات تُستخدم كوسائل تفاوض. وقد مثًل اللجوء أداة هادئة لكن فعالة، تلجأ إليها الدول لتحقيق مكاسب استراتيجية أو لحماية رموز سياسية فارّة من أوطانها.

    في مصر القديمة، لم يكن اللجوء مجرد ظاهرة إنسانية، بل كان تعبيرا عن رؤى سياسية وتاريخية عميقة، أظهرت قوة الدولة وولاء شعبها، وجعلت منها مركزًا استراتيجيًا ومأوى للمطاردين والهاربين، في منطقة كانت مسرحًا لصراعات القوة.

    قوانين اللجوء في مصر القديمة

    لم يغفل المصري القديم عن وضع قوانين تحمي بلده وتحمي من يلجأ إليه، إذ كان اللجوء، كما أثبتت معابد توت، حورس، نفرو، وأوزوريس، يُمنح للمستضعفين، ولمن ارتكبوا جرائم غير عمدية، وللمدنيين غير التابعين للدولة، وكان القرار بيد الملك، الذي يملك وحدة صلاحية منح هذا الامتياز. وقد شكلت المعابد والقصور الملكية ملاذات آمنة للاجئين، تحكمها قوانين صارمة، تمنع الثأر وتكفل الحماية لمن احتمى بها.

    استطاعت مصر القديمة الحافظ على استقرارها الداخلي، إذ لم تسجل سوى حالة لجوء واحدة، هي حالة سنوهي، المسؤول في القصر الملكي خلال عهد أمنمحات الأول، والذي اضطر للفرار بعد اضطرابات داخلية. عاش سنوهي في الغربة بين الزعامة والخوف، وظل يحن إلى وطنه حتى سمح له بالعودة.

    أما من الخارج، فقد استقبلت مصر عدة حالات لجوء فردية، كما ورد في دراسة وفاء أحمد السيد بعنوان: “موقف مصر من مسألة اللجوء السياسي في الشرق الأدنى القديم”.

    الأقواس التسعة لأقوام آسيويين على جدران معبد رمسيس الثاني في أبيدوس
    الأقواس التسعة لأقوام آسيويين على جدران معبد رمسيس الثاني في أبيدوس
     ومن أبرز هذه الحالات:

    قصة أورخي تشوب، ملك خيتا (1272–1267 ق.م):

    تولى الحكم بعد وفاة والده مواتالي، رغم اعتراض النبلاء، وتعرض لاحقا لانقلاب من عمه خاتوسيل الثالث، ففر إلى مصر، التي كانت في خلاف تقليدي مع مملكة خيتا، ولجأ إلى رمسيس الثاني.

    رغم مطالبة خيتا المستمرة باسترداده، رفضت مصر تسليمه، ما أدى إلى توتر دبلوماسي بين الدولتين. ورغم عدم تأكيد الوثائق ما إذا كان قد بقى في مصر أم أعيد، فإن وجوده ساهم في زعزعة استقرار خيتا. لاحقا، نصت أول معاهدة سلام دولية في التاريخ، بين مصر وخيتا، على عدم منح اللجوء السياسي مستقبلا، وهو ما يعكس التأثير العميق للجوء أورخي تشوب على العلاقات بين الدولتين.

    هنو وأيمني في مصر:

    في ظل التوسع الآشوري بالقرن الثامن ق.م، تبنت مصر سياسية احتواء الفارين من بطش الآشوريين. كان أبرزهم “هنو”، الذي فر إليها بعد فشل تمرده ضد الملك الآشوري تجلات بلاسر الثالث (744–727 ق.م). دعمت مصر هنو عسكريًا، وشارك مع القائد المصري سيبي التورتان في معركة عام 720ق.م، إلا أن التحالف هزم وأسر. اختلف المصادر حول هوية الملك المصري الداعم، بين أسركون الرابع، تف نخت، أو شبتكو.

    رغم الهزيمة، فإن هذه المواجهة أظهرت رفض مصر للنفوذ الآشوري في بلاد الشام، ودورها في دعم حكّامها المحليين سياسيًا وعسكريًا.

    أيمني، حاكم أشدود:

    فر إلى مصر (النوبة) بعد حملة سرجون الثاني عام 712 ق.م. في البداية، منحه الملك شبكو حق اللجوء، لكن بعد وفاته وتولي شبتكو الحكم، تغير الموقف، وتم تسليمه مكبلاً للآشوريين. تعدّ هذه الحادثة استثناءً في سياسة الدولة المصرية التي اعتادت دعم اللاجئين، كما تشير إلى تحوّل سياسي مؤقت في علاقتها بآشور.

    احتلال باللجوء: درس من الهكسوس

    في لحظة فارقة من التاريخ، وتحديدا في عصر الانتقال الثاني، اجتاح الهكسوس مصر، كما تناول المؤرخ سليم حسن في الجزء الرابع من “موسوعة مصر القديمة”، فإن الهكسوس، القادمين من بلاد الشام، تسللوا إلى مصر تدريجيا كمهاجرين أو تجار. اعتمدوا على الفوضى السياسية، واستقروا في أواريس، التي أصبحت مركز حكمهم، سيطروا على شمال مصر، فيما بقى الصعيد تحت حكم مصري محلي. رغم سيطرتهم، لم يكن لهم تأثير ديني أو ثقافي يذكر.

    ويصف المؤرخ مانيتو غزو الهكسوس لمصر بألم بالغ، حين حرقوا المدن وهدموا المعابد، وفرضوا الجزية، وعينوا ملكا باسم ساليتيس اتخذ من منف مقرا لحكمه. احتلالهم لم يكن نتيجة حرب شاملة، بل نتيجة نزوح تدريجي وتسلل بطيء، وانتهى بفرض سلطتهم الكاملة. لقد فرضوا الجزية على مصر العليا والسفلى، وكان احتلالهم تتاليا لعمليات تسلل بطيئة بدأت بالنزوح والتمركز في نقاط محددة، حتى تمكنوا من السيطرة، وأصبحوا الحكام.

    سيطرة الهكسوس

    أصبح الوضع على النحو التالي: سيطر الهكسوس على شمال مصر، واتخذوا من أواريس عاصمة لهم. بينما ظل الصعيد في يد حكام مصريين محليين من طيبة. في الوقت نفسه، استغل الكوشيون هذا الفراغ السياسي، فأسسوا مملكتهم المستقلة في الجنوب. واتخذوا من كرمة عاصمة لهم، مستفيدين من ابتعاد الهكسوس عن الجنوب. ما أدى إلى انقسام مصر إلى ثلاث قوى: الهكسوس في الشمال، المصريون في طيبة، والكوشيون في الجنوب.

    ومن جانبه، سلط الدكتور عبد الحليم نور الدين الضوء على مقاومة المصريين للهكسوس، واصفا إياها بـ”الملحمية”. وأشار إلى التطورات في التكتيكات العسكرية التي اعتمد عليها المصريون، وذلك في كتابه “كفاح شعب مصر ضد الهكسوس وعودة الروح”، حيث أبرز دور الأبطال المصريين مثل الملك سقنن رع، الذي قاد مقاومة شرسة ضد الهكسوس، والملك كامس، الذي واصل الكفاح حتى استشهاده، وأخيرًا الملك أحمس الأول، الذي تمكن من طرد الهكسوس وتحرير مصر.

    رحلة العائلة المقدسة والهروب إلى مصر
    رحلة العائلة المقدسة والهروب إلى مصر
    لاجئون على مر العصور

    في مسيرة مصر الممتدة، كانت أرضها ملاذًا للشعوب الباحثة عن الأمان والحرية. فمنذ عهد المصري القديم، سجلت النقوش على جدران المعابد حق اللجوء للضعفاء. مرورًا بعصور الأنبياء الذين لجأوا إليها طلبًا للسلام، مثل سيدنا إبراهيم الذي احتمي بها بعد الاضطهاد الذي تعرض له على يد قومه. وكذلك السيدة مريم العذراء وابنها المسيح عيسى عليهما السلام، اللذين لجآ إلى مصر قبل نحو 2000 عام هرباً من الاضطهاد الروماني. ولا يزال الأقباط يحتفلون بالطريق الذي مرَّا به في جنوب مصر، وقد حولته وزارة السياحة المصرية إلى مزار سياحي.

    وصولًا إلى العصر الحديث، الذي بلغ ذروته بعد ثورة 1952. حين استضافت مصر تحت قيادة الرئيس عبد الناصر العديد من اللاجئين السياسيين من مختلف الجنسيات، مثل الحبيب بورقيبة، أحمد بن بيلا، صدام حسين، وغيرهم.

    اللجوء.. بين الفائدة والعبء

    لقد شكل اللجوء إلى مصر رافدًا اقتصاديًا وثقافيًا في بعض المراحل، حيث أسهم اللاجئون في تنشيط سوق العمل. ولكن، حين تفوق أعدادهم قدرة الدولة على الاستيعاب، تبدأ الضغوط على الخدمات، وتظهر مشكلات اجتماعية. ما يفرض تساؤلات واقعية حول كيفية استفادتهم من الفرص التي أتيحت لهم. ومدى التزامهم بقيم البلد الآوية.

    فبينما قدمت مصر لهم الأمان والتعليم والرعاية. يبقى الأمل في العودة إلى أوطانهم حينما تتحسن الظروف، مساهمين في بناء مجتمعاتهم، ومُقدّرين للدعم الذي قدمته لهم مصر في أوقات الحاجة.

    اقرأ أيضا:

    «العيدية».. عملة الفرحة في التراث المصري

  • عادات عيد الأضحى في مصر.. طقوس وثقافات لا تتغير

    عادات عيد الأضحى في مصر.. طقوس وثقافات لا تتغير

    في كل عام، ومع طلوع شمس يوم عرفة، يبدأ المصريون رحلة روحانية واجتماعية مميزة، عنوانها المحبة والتقوى والتقارب العائلي. عيد الأضحى المبارك، أو كما يحب أن يسميه المصريون “العيد الكبير”، ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو احتفال متجذر في العادات والطقوس التي تراكمت عبر أجيال، واحتفظ بها المصريون رغم تغيرات العصر.

    وتبدأ طقوس العيد منذ يوم الوقفة (يوم عرفة)، حيث يحرص كثير من المصريين على صيام هذا اليوم العظيم، طلبًا للأجر والثواب. وتُعد ليلة الوقفة من الليالي المميزة، إذ تنشغل الأسر بالتحضير والاستعداد ليوم العيد، سواء بتنظيف المنازل، أو شراء المستلزمات، أو تجهيز أدوات الذبح.

    زفة الأضاحي: مشهد لا يغيب عن الذاكرة

    من أجمل الطقوس التي تسبق صباح العيد، هي تلك الزفة الشعبية التي يقودها الأطفال في الأحياء الشعبية والريفية> حيث يسيّرون العجول والخراف وسط بهجة موسيقية وتصفيق، حاملين الزينة والبالونات، فرحين بمقدم الأضحية. وكان الأطفال قديما يرددون بعض العبارات المأثورة مثل: “من ده بكرة بقرشين”.

    ومع انطلاق تكبيرات العيد فجرا، يتزين الرجال والأطفال بالجلباب الأبيض. بينما ترتدي النساء والفتيات العبايات الملونة مع الحجاب، ويخرج الجميع لأداء صلاة العيد في الساحات والميادين. وسط أجواء من الإيمان والخشوع، لا تخلو من البهجة وتبادل التهاني والابتسامات.

    ذبح الأضحية: لحظة تتجدد كل عام

    بعد الصلاة مباشرة، يتوجه المضحون إلى أماكن الذبح. حيث تذبح الأضاحي وسط تجمع أفراد العائلة والجيران. وتوثق اللحظة بالتقاط الصور التذكارية، قبل أن تبدأ عملية توزيع اللحوم على الفقراء والأقارب والأصدقاء. في مشهد يعكس قيم التكافل الاجتماعي.

    ويقول باهر حمزة، تاجر من بورسعيد: “اعتدت كل عام ذبح أضحية قبل الوقفة. وأخرج لحومها كصدقات حتى أوفر اللحوم لبعض الأسر الأولى بالرعاية، والأهل والأصدقاء والمعارف، وعقب الصلاة أضحي بخروف آخر تعظيما لشعائر الله. ثم أحرص على اصطحاب أسرتي وأولادي الذكور لنقوم بتوزيعها وتبادل المعايدات مع الجميع”.

    وكانت من العادات القديمة غمس كفوف اليدين وطبعهما على الجدران والحوائط، ليعرف الجميع أنه هنا تم ذبح الأضحية، وتباركا في اعتقادهم بدمها. ولكن مع مرور السنين، اندثرت هذه العادة. وأصبحت الصورة السيلفي ومقاطع الفيديو القصيرة “ريلز”، جزءا من ثقافة شعب وتوثيق يومي لكل لحظة نعيشها خاصة في الأعياد والمناسبات.

    وجبة الإفطار المميزة: الكبدة والكلاوي على الطريقة المصرية

    تبدأ أولى وجبات العيد عقب الذبح مباشرة. حيث تحرص العائلات على إعداد الكبدة والكلاوي في وجبة إفطار شهية. تطهى إما بالسمن البلدي مع الفلفل الأسود والملح. أو على الطريقة الإسكندرانية بإضافة الثوم، الشطة، الفلفل الأخضر، الخل، والليمون، وتقدم مع الخبز الطازج.

    الفتة: طبق العيد المصري بامتياز

    عندما يحين موعد الغذاء، لا يكتمل عيد الأضحى دون طبق الفتة المصرية الأصيلة. التي تتكون من طبقات من الخبز المحمص، والأرز الأبيض، والشوربة، وصلصة الطماطم بالخل والثوم، وتزين بقطع اللحم المسلوق والمحمر. الفتة ليست مجرد طعام، بل طقس عائلي يحمل نكهة الذكريات.

    تقول منى عبد الحليم، ربة منزل: “لا أشعر بالعيد حتى أجمع أولادي وبناتي وزوجاتهم وأزواجهن وأحفادي. في أول أيام عيد الأضحى، عقب صلاة العيد، نتناول جميعا فطور الكبدة وسلطة الطحينة واللحم المحمر. ثم أقوم بتجهيز الغذاء، والذي لا بد أن تكون الفتة بالخل والثوم جزءا من مائدتنا وبجانبها اللحم المطهو مع صينية البطاطس، والملوخية، وصينية الرقاق باللحم المعصج”.

    الفتة الحمراء أو الفتة الصعيدي: تراث الجنوب

    في بعض البيوت، خاصة لدى العائلات التي تنحدر من صعيد مصر، يُفضلون “الفتة الصعيدي” أو كما تعرف بـ”الفتة الحمراء”. تقول السيدة جملات محمد، ربة منزل من بورسعيد ومن أصول صعيدية، إنها توارثت طريقة إعدادها من والدتها الحاجة نعمات. إذ يتم تحمير البصل حتى الكرملة. ثم تطهى اللحوم بداخله، وتعد الفتة بطبقات من الرقاق المُسقى بـ”الشوربة الحمراء”، وتزين بقطع اللحم المشبع بالنكهة.

    ويطلق المصريون على عيد الأضحى عدة أسماء تعكس ثقافتهم وحبهم له. فإلى جانب كونه “العيد الكبير”، يسميه البعض “عيد الأكل” أو “عيد اللحمة”، نظرا لما يشهده من تنوع في وصفات طهي اللحوم. تشوى اللحوم أو تطهى في طواجن مع الخضروات، وتقدم مع المحاشي والممبار والكوارع.

    الكوارع والمحاشي: تطور في الطهي وتنوع في الأطباق

    كانت الكوارع قديمًا ترتبط فقط بـ”الفتة” كما شاهدناها في أفلام الأبيض والأسود، أما اليوم فقد تطورت طرق طهوها. حيث تقدّم في طواجن مميزة، سواء محشوة بالخضروات أو مضافة إلى ورق العنب المحشي، أو تُشوى بعد نزع العظام منها، لتلائم الأذواق الحديثة.

    الزيارات والتواصل العائلي: طقس اجتماعي راسخ

    لا يكتمل العيد بدون زيارات الأهل والأصدقاء، وتبادل المعايدات والهدايا. وتعد جلسات الشاي والحلويات جزءًا لا يتجزأ من الطقوس. يعتمد الكثيرون على ملابس عيد الفطر التي اشتروها مسبقًا. ما يعكس حس التوفير والتدبير المصري التقليدي.

    ولا تقتصر الزيارات العائلية على الأحياء فقط في العيد، ولكن كان للأموات في قبورهم نصيب، حيث يحرص العديد من الأهالي على زيارة القبور وقراءة الفاتحة لذويهم وأقاربهم، ومعايدتهم، وفي محافظة بورسعيد يتم وضع أغصان الجريد والخوص على مشاهد القبور، وأيضا وضع الحبوب التي تأكلها الطيور، كنوع من الصدقات وفي اعتقادهم أنها رحمة ونور على قبور أحبائهم.

    طقوس عيد الأضحى في مصر: إرث لا يندثر

    رغم تغير الزمن وتطور العادات، تبقى طقوس وعادات عيد الأضحى في مصر من أعمق المظاهر الثقافية والاجتماعية المرتبطة بالهوية المصرية.

    هي أيام تملؤها الروحانية، والعطاء، والفرح، والتقاليد التي لا تموت، وإن اختلفت بعض التفاصيل، تبقى القيم واحدة: الرحمة، الصلة، والتكافل.

    اقرأ أيضا:

    من «القرقوش» يحضر سيدات قنا «الفتة» في عيد الأضحى

  • تحقيقات فرنسية تكشف تورط رجل أعمال مصري في تهريب آثار إلى باريس

    تحقيقات فرنسية تكشف تورط رجل أعمال مصري في تهريب آثار إلى باريس

    اكتشفت الشرطة الفرنسية عملية تهريب لقطع أثرية مصرية، بعضها يعود إلى أكثر من 4000 عام، كانت تُنقل من مصر إلى فرنسا بطرق غير قانونية. الأمر الذي يضع رجل أعمال مصري، يعمل في مجال المقاولات، في قلب تحقيقات مكثفة، بعد أن تم اتهامه في ديسمبر الماضي بتورطه في شبكة تهريب الآثار المصرية إلى باريس.

    بداية القضية

    نشرت صحيفة “لو باريزيان” الفرنسية تقريرًا يكشف تفاصيل عملية تهريب آثار مصرية مسروقة، تورط فيها رجل أعمال مصري وشريكه الفرنسي، اللذان حاولا بيع هذه القطع القيمة.

    بدأت القضية في سبتمبر 2024 بعد تلقي بلاغ من وحدة مكافحة سرقة الأعمال الفنية. مما أدى إلى كشف شبكة لتهريب الآثار. وبفضل التعاون بين السلطات الفرنسية والمحققين المختصين، تم إحباط العملية. وفي ديسمبر الماضي، تم توقيف رجل الأعمال المصري وشريكه الفرنسي، حيث وُجهت إليهما تهم “حيازة مسروقات” و”تشكيل عصابي” على خلفية تهريب قطع أثرية نادرة.

    وقد نجحت الشرطة الفرنسية في استعادة العديد من القطع الأثرية القيمة، مثل تمثال لأنوبيس يعود للعصر الحديث، وأيد خشبية للتوابيت، وتمثال لخادم جنازي. بالإضافة إلى قطع أخرى لا تقدر بثمن. ومن المتوقع أن يمثل المتهمان أمام المحكمة في مايو 2025. وبحسب الصحيفة الفرنسية، تم إحباط شبكة كبيرة لتهريب الآثار المسروقة في مصر. وذلك بفضل تحقيقات أجراها محققون من وحدة مكافحة قطاع الطرق (BRB).

    للاطلاع على تقرير le parisien الفرنسي اضغط هنا

    محاولة بيع الآثار المصرية

    بدأت التحقيقات بعد تلقي بلاغ من مجموعة مكافحة سرقة الأعمال الفنية التابعة لمكتب مكافحة الجرائم الفنية “بروكس”. حيث اكتشفت الشرطة أن شخصًا يقيم في فرنسا كان يحاول بيع قطع أثرية مصرية قديمة. تم إبلاغ النيابة العامة في باريس، والتي فتحت تحقيقًا بتهم “إخفاء منظم للبضائع الناتجة عن سرقة منظمة” و”الانتماء إلى عصابات إجرامية”.

    وفقًا لتقرير موقع (tf1info) الفرنسي وصحيفة “لو فيجارو” الفرنسية، تمكنت الشرطة من كشف عملية تهريب واسعة للآثار المصرية المسروقة. حيث تعد بعض القطع التي تم العثور عليها كنوزًا تاريخية. وفي ذات السياق، نشر الموقع الفرنسي تفاصيل عن رجل الأعمال المصري المتورط. كما أفاد التقرير بأن المتهم هو مواطن مصري يبلغ من العمر 40 عامًا، يدير شركة في مجال البناء، يقع مكتبها في سانت-أوين، في ضواحي باريس.

    أضاف التقرير الفرنسي أن رجل الأعمال المصري أصبح في قلب قضية حساسة تتابعها الدبلوماسية المصرية عن كثب. تم توقيفه يوم الجمعة 13 ديسمبر من قبل المحققين من فرقة (BRB) التابعة للشرطة القضائية في باريس، داخل فندق في جنوب العاصمة.

    وخلال عملية التفتيش، عثر المحققون على عدة قطع أثرية نادرة، منها تمثال لأنوبيس على شكل كلب مستلقٍ يعود إلى العصر الحديث، وأيد خشبية كانت جزءًا من توابيت، تمثال لخادم جنازي، لفائف بردية. بالإضافة إلى تمثال لأسرى يعود إلى القرن العشرين قبل الميلاد.

    وبحسب موقع “actu.fr” الفرنسي، فإن إحدى هذه القطع تعود إلى أكثر من 4000 عام. ولم يكن أي منها يحمل شهادة قانونية، مما يثير المزيد من الشكوك حول شرعيتها. وأكد تقرير موقع “tf1info” الفرنسي أن هذه الآثار تم نهبها في مصر وأُدخلت إلى فرنسا بشكل غير قانوني تمامًا. حيث لم يكن معها أي وثائق تتيح لها الخروج من البلاد، وهو أمر عادة ما يكون مصاحبًا للآثار.

    آثار أصلية

    ولفحص قيمة هذه القطع، وإن كانت نسخا مقلدة أم أصلية. عرضتها الشرطة الفرنسية على خبراء قسم الآثار المصرية في متحف اللوفر الفرنسي. وصدر الحكم بأن جميع هذه القطع أصلية، ولا يوجد أي قطعة منها مزيفة. وبعدها قدمت السفارة المصرية في باريس شكوى تشمل: “القضية حساسة ويتم متابعتها بعناية من قبل البلاد”. كما قال أحد أعضاء الشرطة القضائية في باريس.

    وبعد أربعة أيام من الاحتجاز، تم إحالة المتهم إلى القضاة في باريس، مع متهم يُشتبه في كونه قد عمل كوسيط لإعادة بيع هذه القطع. تم إطلاق سراحهما تحت مراقبة قضائية. وسيتم محاكمتهما في مايو المقبل بتهم “حيازة مسروقات ضد الدولة المصرية”، و”التشكيل العصابي”. وأيضا “حيازة ممتلكات ثقافية دون مستندات قانونية صحيحة”.

    ويستكمل الموقع الفرنسي: “في إشارة إلى أهمية وتعقيد التحقيقات التي يجب إجراؤها، أصبح الملف الآن في يد القضاة في المحكمة المتخصصة في باريس”.

    قيمة تاريخية لا تقدر بثمن 

    يشير التقرير نقلا عن التحقيقات الفرنسية في القضية، إلى أن الرجلين مُفترَض براءتهما لحين محاكمتهما. وخلال استجواب رجل الأعمال المصري المتهم، أصر على براءته، وقال للشرطة: “إنه ورث هذه القطع بعد وفاة أحد أفراد عائلته”.

    وأظهرت التحقيقات أن المشتبه بهما كانا قد تواصلا مؤخرًا مع دار المزادات الشهيرة “آرتكيوريال”، التي رفضت طلبهما، لعرض هذه القطع وبيعها.

    واختتم التقرير بتساؤلات أحد القضاة، وقال: “يجب على المحققين تحديد عدد الآثار الأخرى التي تم إحضارها إلى فرنسا في الأشهر الأخيرة من قبل المشتبه بهما. ومن تم بيعها لهم؟ “هذه قطع تنتمي إلى تاريخ الإنسانية، ليست مجرد آثار عادية. القيمة التاريخية لهذه الأشياء لا تقدر”.

    لم تمر عبر الجمارك

    وبحسب موقع (actu. fr) الفرنسي، أشار التقرير الثالث إلى الاتهامات المحتملة له، موضحة أنه مدير شركة مقاولات في سانت أوين في سين سان دوني في فرنسا. وتمكن من نقل الآثار المسروقة بحجة حصوله على معدات لشركته.

    وأشار الموقع إلى العلاقة بين المتهمين المصري والفرنسي. إذ كان يبحث المتهم المصري عن مشترين للآثار التي هربها، وطلب المساعدة من رجل آخر مقابل العمولات. تم فتح تحقيق من قبل القضاء المتخصص (JIRS) في باريس لوقفهما.

    وقامت الشرطة بالقبض عليهما من خلال انتحال صفة المشترين المهتمين. وتم إجراء عملية بيع في فندق بالقرب من محطة قطار مونبارناس. وتمكن المحققون بعد ذلك من إلقاء القبض على البائعين والحصول على الآثار.

    وبحسب الموقع الفرنسي: “تم عرض المشتبه بهما على القاضي وسيتم محاكمتهما في مايو 2025 بتهمة استلام سلع مسروقة والمؤامرة الجنائية وحيازة ممتلكات ثقافية دون مبرر”. ويواجهان حكما بالسجن لمدة خمس سنوات وغرامة قدرها 375 ألف يورو.

    اقرأ أيضا:

    آثار ترانزيت: التلاعب بمستندات الملكية يُمكّن عصابة أوروبية من تهريب آثار مصرية

  • «كل شيء يبدأ من المنزل».. انطلاق فعاليات المنتدى الحضري العالمي بالقاهرة

    «كل شيء يبدأ من المنزل».. انطلاق فعاليات المنتدى الحضري العالمي بالقاهرة

    تحت شعار «كل شيء يبدأ في المنزل»، انطلق اليوم أول أيام المنتدى الحضري العالمي، المنعقد في القاهرة خلال الفترة من 4 إلى 8 نوفمبر. يعتبر المنتدى رائدا في مجال التوسع الحضري المستدام. ويقام على الهامش فعاليات “أسبوع القاهرة الحضري” للاحتفال بتراث القاهرة ومستقبلها، تحت شعار «كل شيء يبدأ في القاهرة».

    المنتدى الحضري العالمي

    يعقد المنتدى الحضري العالمي الثاني عشر، المقدم من برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، لأول مرة في مدينة كبرى مثل القاهرة. ليعود إلى قارة إفريقيا بعد أكثر من 20 عاما. تأتي دورة هذا العام تحت شعار «كل شيء يبدأ في المنزل: إجراءات محلية من أجل مدن ومجتمعات محلية مستدامة». إذ ينعقد المنتدى كل عامين لمناقشة الحلول التي يجب أن تبدأ بها المجتمعات والناس لمعالجة أزمة الإسكان العالمية المتزايدة بسبب تغير المناخ وعدم المساواة.

    يناقش المنتدى هذا العام طرق عمل المخططين لجعل المدن أكثر استدامة. وتطوير المساحات الخضراء والحدائق والغابات الحضرية. من خلال مشاركة أكثر من 600 متحدث وخبير من حول العالم.

    أهمية المنتدى

    بحسب الموقع الرسمي لمنظمة الأمم المتحدة، تكمن أهمية المنتدى في تركز السكان في المدن، إذ يعيش حوالي 50% من سكان العالم في المدن، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 70% في غضون 25 عاما. يقدم المنتدى حلولا لتأثير الانتقال إلى المراكز الحضرية على المدن والاقتصاد والمناخ. تم اختيار القاهرة بسبب توقعات النمو السكاني الكبيرة في إفريقيا. حيث يتوقع أن تضاف أعداد كبيرة من السكان، مما يجعل القاهرة واحدة من أكبر المراكز الحضرية في العالم. من المتوقع أن تضم أكثر من 10 ملايين شخص خلال المدة نفسها.

    تأسس المنتدى الحضري العالمي في عام 2001 من قبل الأمم المتحدة لدراسة قضية “التحضر السريع وتأثيره على المجتمعات والمدن والاقتصادات وتغير المناخ والسياسات” التي يواجهها العالم اليوم . عقد المنتدى الأول في عام 2002 في نيروبي بكينيا، ويقام منذ ذلك الحين في جميع أنحاء العالم. بمشاركة ممثلين عن الحكومات الوطنية والإقليمية والمحلية والأكاديميين ورجال الأعمال وقادة المجتمع ومخططي المدن وممثلي المجتمع المدني.

    زيارات المدينة والجولات الحضرية

    مع بداية فعاليات المنتدى، التي انطلقت اليوم، تقام مجموعة من الفعاليات لاستكشاف القاهرة، تجمع بين التاريخ والثقافة والتطور، خلال الفترة من 5 إلى 7 نوفمبر. وتتضمن جولات في مدينة القاهرة، تحت إشراف محافظة القاهرة. عبر تنظيم برنامج لزيارات الأماكن التاريخية والثقافية في القاهرة.

    وتقدم هذه التجارب، تناول “الكشري” بالقاهرة. ويصفه برنامج الزيارة بأنه: “طبق مصري يمزج بين مكونات من مناطق وأزمنة مختلفة”، كذلك سيزور المشاركين المناطق الإسلامية العجيبة في شارع المعز. والاستمتاع بفن الفخار القديم والحديث في قرية الفسطاط للفخار. بالإضافة إلى مشاهدة المشاريع الحضرية مثل العاصمة الإدارية الجديدة، ومبادرات الإسكان الاجتماعي على مشارف القاهرة.

    معرض المساحات الحضرية في القاهرة

    في 1 نوفمبر، انطلقت فعاليات أسبوع القاهرة للثقافة والفنون في المتحف المصري الكبير الشهير بمزيج من الحوارات والعروض وافتتاح لمعرض المساحات الحضرية في القاهرة. ويستكشف هذا المعرض المساحات العامة في القاهرة – الماضي والحاضر والمستقبل – ويقدم سردًا قويًا عن تحول المدينة، وتستمر فعالياته حتى 30 نوفمبر.

    واليوم الثاني عقد في وسط القاهرة. وتناول خبراء من الأوساط الأكاديمية والحكومية والقطاع الخاص التحديات الحضرية التي تواجهها القاهرة والقوى الإبداعية التي تعيد تشكيل المدينة. وعقدت ورشة عمل عن نهج الناس في التعامل مع المساحات الحضرية.

    وتم تخصيص اليوم الأخير من أسبوع القاهرة الحضري بإطلاق مبادرة المساحات العامة التراثية في حي الأسمرات، التي تضم أكثر من 15 ألف أسرة تم نقلها من مناطق غير آمنة.

    أسبوع القاهرة الحضري

    أقيمت فعاليات الأسبوع القاهرة الحضري بالتزامن مع المنتدى. وبدأت منذ 31 أكتوبر الماضي، لاستكشاف القاهرة باعتبارها المدينة المضيفة للمنتدى الحضري العالمي. يعد أسبوع القاهرة الحضري احتفالا بتراث المدينة ومستقبلها. وقد تضمنت الأيام الثلاثة التي تسبق المؤتمر فعاليات لاستكشاف تراث القاهرة الثقافي والديناميكيات الحضرية في القاهرة. جمع هذا الأسبوع المجتمعات المحلية والخبراء وصناع السياسات للمشاركة في حوارات هادفة حول التحضر المستدام.

    وتضمن مناقشات وورش عمل ومعارض ثقافية. مما أتاح للمشاركين فرصة لاستكشاف القاهرة من منظور محلي. مع تسليط الضوء على الدور التحويلي للمساحات العامة، وتنشيط مساحة عامة واحدة في حي منخفض الدخل بمثابة مشروع إرث للمنتدى الحضري العالمي لهذا العام.

    اقرأ أيضا:

    نقابة المهندسين: خطة عمل لوقف الهدم بمقابر الإمام الشافعي| خاص

  • فضيحة مالية تهدد معرض «توت عنخ آمون» في اليابان

    فضيحة مالية تهدد معرض «توت عنخ آمون» في اليابان

    تشهد اليابان استعدادات كبيرة لاستقبال معرض مؤقت لآثار الملك توت عنخ آمون. بينما يستعد العالم لهذا الحدث المنتظر، كشف منظمو المعرض عن وجود فضيحة مالية تهدد سمعة العائلة الحاكمة وتضع مساعد الأمين العام تحت المراقبة، مما قد يؤثر سلبا على العلاقات مع الحكومة المصرية.

    توت عنخ آمون وملوك الشمس الذهبية

    يحمل المعرض المرتقب عنوان «توت عنخ آمون وملوك الشمس الذهبية»، والمقرر عرضه في اليابان في نهاية العام الجاري، ضمن جولة مقتنيات الملك توت عنخ آمون خارج مصر. خضع المعرض لعملية تنظيمية استمرت منذ عام 2014، لوضع خطة لوصول المقتنيات الجنائزية الشهيرة للملك توت عنخ آمون إلى اليابان.

    ونشرت صحيفة “نيوز بوست سيفين” اليابانية تقريرا توضح فيه وجود اتصالات مشبوهة وأزمات مالية واضطرابات ستضر بعلاقة اليابان مع الحكومة المصرية، وستشوه اسم عائلة ميكاسا الإمبراطورية والملكة أكيكو. وأشارت إلى أن اليابان تشهد اضطرابات تورطت فيها العائلة الحاكمة على خلفية تنظيم معرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون. وهناك دعوات لإعادة النظر في الهيكل الإداري للمنظمة المسؤولة عن المعرض، بسبب الاضطرابات التي نشأت.

    تحدث أحد المشاركين في تنظيم المعرض، مؤكدا أن الضغوط تتزايد من أجل اتخاذ إجراءات عاجلة بشأن هذا المعرض، بعدما تحول من عرض أثري مميز إلى جدل وفضيحة مالية بمبالغ مالية كبيرة.

    علاقات مشبوهة

    لفهم الأزمة، أشار التقرير إلى خمسة أشخاص مشبوهين، ثلاثة منهم لم يتم ذكر أسمائهم، بل تم الإشارة إليهم بـ”أ” و”ب” و”ج”. وذكر التقرير أن الشخص الأول المتورط، والذي يمثل دورا رئيسيا كنقطة اتصال بين المنظمين في مصر واليابان، لم يذكر اسمه واكتفى بالإشارة إليه بـ”أ”.

    المهندس “أ” هو رجل ياباني له علاقة خاصة بالحكومة المصرية، وأشارت الصحيفة إلى العديد من المعلومات الشخصية عنه، كان في الأصل مهندسًا من شركة كبرى، ولكن عندما كان يعمل في مصر، تعمق في تفاعله مع علماء الآثار المحليين. وبعد عودته إلى اليابان ، بدأ في تأسيس شركة إنتاج فيديو لتقديم برنامج “اكتشاف أسرار العالم”، وقد تعمقت علاقته بالدكتور  زاهي حواس، أول وزير للآثار في مصر والذي أشرف أيضًا على المعرض السابق، كما يمت بصلة قرابة مع عالم الآثار الشهير، الدكتور ساكوجي يوشيمورا (مسؤول آخر في مجموعة التخطيط).

    والمهندس على صلة بمؤسسة غير ربحية لها صلات قوية في المناطق العربية والمصرية. كما لعبت المؤسسة غير الربحية دورًا مهمًا كعضو في الجهة المنظمة في “معرض توت عنخ آمون” السابق.

    ساكوجي يوشيمورا وتبليط الهرم

    اسم ساكوجي يوشيمورا، ليس جديدا في قضايا الآثار المثيرة للجدل، وقد تردد اسمه قبل أشهر عندما أعلن مصطفى وزيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار حينها، عن مشروعه لتبليط أصغر أهرامات الجيزة بتمويل من بعثة يابانية يقودها ساكوجي يوشيمورا. وقد دافع عن الفكرة زاهي حواس، إلا أن وزارة الآثار واللجنة العلمية رفضت تنفيذ هذا المقترح.

    كان هذا المشروع ضمن العديد من المشاريع الأثرية التي أصر ساكوجي يوشيمورا على تنفيذها على مدار 45 عاما في مصر، رغم عدم امتلاك اليابان مدرسة قوية في علم الآثار.

    مشروع تجاري

    تلعب المنظمات غير الربحية أيضا دورا أساسيا في تنظيم المعرض، وهي ذات علاقات وثيقة مع “أ” وفريقه. وبحسب الصحيفة اليابانية، فإن “أ” وآخرين دفعوا ملايين الدولارات كوديعة للحكومة المصرية، بعد دراسات توقعت أن يجذب معرض توت عنخ آمون الكثير من الزوار، مع تقديرات للوصول إلى إيرادات تصل إلى 10 مليارات ين من رسوم الدخول ومبيعات الكتالوجات.

    مع موافقة الحكومة المصرية، سيتم أيضا عرض نسخ طبق الأصل من المعروضات في معارض أخرى، مما يزيد من الأرباح المحتملة. لهذا السبب، هناك اهتمام كبير من قبل العديد من الأطراف بالمشاركة في هذا المشروع، الذي يشمل أيضا عرض القناع الذهبي لتوت عنخ آمون والعربة الذهبية التي استخدمها لأول مرة في العالم. ومع ذلك، لم تخلُ التحضيرات من التحديات. فقد شهد تنظيم المعرض صعوبات كبيرة بسبب وباء كورونا، مما أثر سلبا على الخطط الأولية لإقامة المعرض بالتزامن مع أولمبياد طوكيو 2020.

    في عام 2018، تم تعيين الشخص الثاني، الذي لم يذكر اسمه، وأشارت الصحيفة إليه بـ”ب” كمدير تنفيذي للجنة المنظمة، وقد أعلنت TBS عن استثمار قدره 500 مليون ين لتغطية تكاليف المكان والإعلانات، ولكن المحادثات انهارت بسبب تداعيات الوباء.

    خلال مؤتمر عن معرض رمسيس الثاني في طوكيو باليابان
    خلال مؤتمر عن معرض رمسيس الثاني في طوكيو باليابان
    تحديات وتمويل وسلطات مشبوهة

    خلال تنظيم الفعاليات الكبرى، غالبًا ما تعتمد وسائل الإعلام الكبرى على الجهات الراعية الموثوقة. على سبيل المثال، كانت معارض توت عنخ آمون السابقة، التي نظمتها أساهي شيمبون وتلفزيون فوجي في اليابان، محط اهتمام كبير. ولكن في الآونة الأخيرة، أثار قرار TBS بتغيير رأيها حول المعرض حيرة بين المعنيين. مثل السيد “ب” وزملائه الذين يسعون جاهدين لتأمين التمويل اللازم.

    توضح الصحيفة اليابانية أن الشخص الثاني، وهو “ب” تعاون مع سيدة لم تذكر اسمها أيضا. وأشارت إليها بـ”ج”، وتعاونوا مع فريقهما لتنظيم المعرض. وجدوا أنفسهم في موقف صعب في عام 2023. حيث بدأت السيدة في إدارة حسابات المشروع وتوقيع مستنداته، ولكن هناك غموضا أحيط بخطط المعرض.

    ويُشتبه في أن “ب” و”ج” يديران الأموال بطرق تختلف عما هو مدون. وتقول الصحيفة إنهما لجآ إلى تعيين الأميرة أكيكو رئيسة فخرية للمعرض، أملا في جذب رعاة الشركات الكبرى وتم استخدام اسمها في الترويج للمعرض. ولكن حتى الآن لم تجنِ الأموال المطلوبة. وسلطت الصحيفة الضوء على المخاوف المتزايدة التي تتعلق بالسيدة “ج” التي تولت هذا المنصب من خلال إدارتها لمشروعات تجارية ذات علاقة بالفتيات المراهقات، وتواجه حاليا مشكلات قانونية تتعلق بانتهاك قوانين المعاملات المالية.

    وتوضح الصحيفة اليابانية: “تتصاعد التوترات، ويشير البعض إلى أن استمرار الوضع الحالي قد يلحق الضرر باسم عائلة ميكاسا الإمبراطورية، برئاسة الملكة أكيكو، بالإضافة إلى تقويض علاقة الثقة مع السلطات المصرية”.

    الأميرة أكيكو
    الأميرة أكيكو
    اليابان وآثار مصر

    في عام 1965، زار القناع الذهبي لتوت عنخ آمون اليابان لأول مرة، بعد عام من دورة الألعاب الأولمبية في طوكيو، وجذب نحو 2.95 مليون زائر في ثلاثة مواقع مختلفة، محققا بذلك رقما قياسيا لعدد الزوار في تاريخ المعارض الفنية في اليابان.

    وتكررت الشهرة مع المعرض الثاني الذي أقيم في 2012، حيث جذب حوالي 2.5 مليون زائر. إلا أن التساؤلات حول سبب تنظيم معارض الكنوز المصرية في اليابان بشكل متكرر تظل قائمة. هل هي رغبة في تعزيز العلاقات الثقافية، أم أن هناك دوافع تجارية وراء هذه الفعاليات؟

    وفي فبراير من هذا العام، تم تنظيم مؤتمر صحفي كبير في أحد الفنادق البارزة، حضره شخصيات هامة من الحكومة المصرية. وقد حضر الحدث أيضا سياسي، أعرب عن تقديره للتخطيط للمعرض، مؤكدا على التعاون الاقتصادي مع اليابان. كما يُقال إن هناك خطة لتعيين سياسي بارز كمستشار للمعرض.

    موقف العائلة الإمبراطورية في اليابان

    الأمير تاكاهيتو ميكاسا، مهتم بشكل كبير بالثقافة الشرق أوسطية، وقد أسس مركز الشرق الأوسط الثقافي بالتعاون مع مؤسسة إديميتسو كوسان. ورشح الأميرة أكيكو، التي تواصل مسيرة الأمير تاكاهيتو، لتولي منصب الرئيس الفخري، ما يعد خطوة طبيعية. ورغم ذلك، يشعر البعض بالقلق من أن اسم عائلة ميكاسا قد يُستغل في التعاملات المشبوهة المتعلقة بالمعرض. والذي تُقدَّر قيمته بـ10 مليارات ين.

    حاولت الصحيفة اليابانية التواصل مع الأشخاص المتورطين، لكنهم لم يتلقوا ردا منهم. وأكدت المنظمة غير الربحية المسؤولة عن المعرض أنها قررت عدم التعليق على الموضوع.

    اختتمت الصحيفة التقرير بفقرة مثيرة للجدل عن مصير مقتنيات الملك توت عنخ آمون، حيث قالت: “مع استمرار الأحداث والاضطرابات، يبدو أن معروضات مقبرة توت عنخ آمون، التي نجت من العديد من أزمات السرقة، ما زالت تشهد تقلبات. فحتى بعد أكثر من 3000 عام. يبدو أن الغموض والمشاكل التي تحيط بالمعرض تسبب قلقا كبيرا. كأن الفرعون نفسه يبكي في وادي الملوك بسبب ما يحدث اليوم”.

    اقرأ أيضا:

    «سويسري يفجر قضية جديدة»: يمتلك آثار مصرية سُرقت مع شاهد توت عنخ آمون

  • رحلة الإسكندر الأكبر إلى سيوة.. من الفروسية إلى البارانويا!

    رحلة الإسكندر الأكبر إلى سيوة.. من الفروسية إلى البارانويا!

    بحلول عام 332 قبل الميلاد، كان الملك الشاب قد غزا مساحات شاسعة من الإمبراطورية الفارسية في الأناضول وسوريا والشام واتجه جنوبًا للاستيلاء على فلسطين وفينيقيا ومصر. فلم يكن الإسكندر الأكبر مجرد قائد طموح أو فاتح طامع في توسيع ملكه، بل كان روحا لا تهدأ وعقلا ينشغل بأسئلة فلسفية ربما زرعها فيه معلمه أرسطو. كما أن ظروف اغتيال والده وتحمله المسؤولية مبكرا قد وضعه أمام تحديات صعبة لم يكن آخرها دخول مصر التي وجد نفسه فيها أمام شعب له تاريخ وعقيدة يعتز بهما.

    ويتفق المؤرخون على أن غزو مصر كان أمرا حاسما بالنسبة للإسكندر الأكبر لعدة أسباب يأتي في مقدمتها تأمين خطوط اتصالاته. وتقويض البحرية الفارسية التي كانت لا تزال قوية وتحتفظ بقواعد لها في مصر ما يشكل تهديدًا خطيرا على اليونان. وبالتالي كان عليه تدمير تلك القواعد وتأمين مصر من الأعداء الذين يمكنهم مهاجمة إمبراطوريته. وفوق كل ذلك لم يخفَ على أحد تطلعه إلى ثروات المحروسة.

    في الوقت نفسه كان المصريون قد أرهقوا من الحكم الفارسي، فرحبوا بالإسكندر كمحرر ولم يقاوموا جيشه. وخلال فترة وجوده في مصر، قام الملك الشاب بإجراء إصلاحات مثل تنظيم القوات العسكرية وإدخال نظام الضرائب اليوناني وترميم معابد الآلهة المصرية وتقديم القرابين التقليدية وبناء مدينة الإسكندرية لتمجيد اسمه. وبذكاء واضح سعى الإسكندر إلى حكم مصر على نحو يكسبه احترام الشعب. فلم يصور نفسه على أنه طاغية بل على أنه حاكم جيد يصون كرامتهم وحريتهم وأسلوب حياتهم.

    الحدود والأسئلة المؤرقة  

    وقبل غزو الإسكندر عرف المصريون أهمية تأمين حدودهم، حيث بنى الملك أحمس، الذي حكم خلال الأسرة السادسة والعشرين، معبدا لآمون “ملك الآلهة” في منخفض عميق يُعرف بواحة سيوة التي تقع في قلب الصحراء باتجاه الحدود الشمالية الغربية مع ليبيا. وقد شيد هذا المعبد بهدف تأكيد السيطرة المصرية على الحدود وكسب تأييد القبائل الليبية.

    وكان المسافرون اليونانيون على طرق القوافل من برقة يزورون معبد آمون أو معبد الوحي. وقد أعجبوا بما وجدوه وتحدثوا عنه لتتسع شهرته في أنحاء العالم اليوناني حتى أنهم دمجوا سيرته في أساطيرهم زاعمين أن المعبد أسسه ديونيسوس وزاره كل من هرقل وبيرسيوس. كما ساوى اليونانيون بين آمون وزيوس وأطلقوا على الإله المعبود في سيوة اسم آمون- زيوس.

    ولم يكن الإسكندر ليتجاهل أهمية سيوة الجيوسياسية، كونها بوابة لمصر من الجهة الغربية. فضلا عن مكانتها الرفيعة في عقيدة الشعب بفضل معبد ملك الآلهة وصاحب النبوءات المصيرية. وقبل هذا وذاك سيدفعه شغفه للإجابة على الأسئلة التي تؤرقه فيقرر شد الرحال إليها.

    ومن المرجح أن دوافع الإسكندر الأكبر للبحث عن إشارات مستقبلية أو نبوءات في سيوة كانت ذات شقين. فقد أراد إضفاء الشرعية على حكمه في عيون المصريين من خلال التصرف كحكامهم. ومن جانب آخر ترسيخ قنوات للتواصل بين الليبيين واليونانيين في برقة. كما تشير بعض المصادر إلى أن الدافع الإضافي كان الرغبة في محاكاة الغزاة العظماء وأبطال الماضي الذين زاروا المعبد.

     

    ***

    وفي فبراير من عام 331 قبل الميلاد، انطلق الإسكندر وحاشيته من الجيش من مدينة ممفيس (ميت رهينة– البدرشين، محافظة الجيزة حاليا). ومعهم ما يكفي من الإمدادات للبقاء على قيد الحياة في الصحراء. وقد كانت الرحلة شاقة بسبب الحر الشديد وطول المسافة لكن ذلك لم يضعف من عزيمة الإسكندر بحسب المصادر القديمة. التي تؤرخ إلى أنه خلال الرحلة نفد الماء من المسافرين. فإذا بالأمطار الغزيرة تهطل لتروي عطشهم وتمدهم بما يحتاجون من الماء في إشارة إلى المدد الذي تمتع به القائد الشاب وصحبته.

    كما لم يخلُ تاريخ تلك الرحلة من بعد أسطوري أيضا. حيث تقول المصادر إنهم ضلوا طريقهم بسبب عاصفة رملية، لكن اثنين من الغربان أو الثعابين قد أرشدوهم عبر الطريق. وبهذه التدخلات ظن الإسكندر أنه قد حصل على الرضا الإلهي وأنه سيصل بأمان إلى سيوة. على خلاف ما ذهبت إليه المصائر بآخرين ممن قصدوا المعبد. مثل الملك الفارسي قمبيز (حكم من 530 إلى 522 قبل الميلاد) الذي أرسل جيشًا لتدميره وابتلعت الصحراء جميع رجاله البالغ عددهم 50 ألفا بحسب المصادر.

    ابن زيوس- آمون

    ومن غير المعروف كم استغرقت الرحلة إلى سيوة لكن المصادر تتفق على أنه بمجرد وصوله، انبهر الإسكندر ببساتين النخيل والينابيع الباردة المحيطة بمعابد آمون الحجرية. وبناءًا على التعليمات، اقترب الملك الشاب من معبد الوحي بالاحترام اللازم وطلب سماع الرسالة الإلهية من كهنة آمون.

    وهناك ثلاثة مؤرخين قد كتبوا عن لقاء الإسكندر مع الكاهن، وهم أريانوس وبلوتارخ وكوينتوس كورتيوس روفوس. ومن بين الثلاثة، يعتبر أريانوس الأكثر موثوقية لأنه استقى مباشرة من الجنرالات المقربين من القائد. ووفقا له، فإن الإسكندر تلقى ردا مرضياً في معبد النبوءات. لكنه لم يكتب شيئا عن أسئلة التي طرحها أو الأجوبة التي تلقاها.

    وكتب بلوتارخ أن الكاهن استقبل الإسكندر باعتباره ابن زيوس-آمون. وأبلغه أن “إمبراطورية العالم مُدخرَة له” وأن جميع جرائم القتل التي ارتكبها فيليب المقدوني قد تمت تسويتها. فيما قال الروماني كوينتوس روفوس، الذي تعرض لانتقادات باعتباره غير موثوق به للغاية، إن الكاهن استقبل الإسكندر باعتباره ابن آمون. حيث استفسر عن إمبراطوريته ومصير قتلة أبيه. وأضاف روفوس أن رفاق الإسكندر سألوا عما إذا كان من المقبول بالنسبة لهم تقديم التكريم الإلهي للإسكندر. وأنهم حصلوا على إجابة بالإيجاب.

    وبهذه الروايات التي جاءت في صالح القائد الشاب أصبح هناك إسكندر ما قبل سيوة وإسكندر ما بعدها. فقد مثلت زيارته لمعبد الوحي نقطة تحول في تاريخه السياسي والشخصي. حيث تشير المصادر إلى أنه أصبح بعدها أكثر استبدادًا ولا يمكن التنبؤ به. كما لاحظ رفاقه تحولًا في سلوكه وظهرت عليه علامات جنون العظمة أو البارانويا خصوصا بعد ما تم تصويره على العملات المعدنية بقرون كبش تخرج من رأسه، وكان هذا رمزًا للإله زيوس- آمون ويُفهم على أنه إعلان الإسكندر عن ألوهيته.

    ***

     ويذهب المؤرخون في تفسير ما طرأ على الإسكندر من تغيرات إلى أسباب سياسية. من حيث رغبته في إضفاء الشرعية على نفسه في عيون المصريين، الذين اعتادوا معاملة الحكام كآلهة أو بخصائص الآلهة مثلهم كمثل معظم شعوب مناطق الشرق الأدنى. لكن الأمر تجاوز ذلك إلى طلبه من أعضاء المحكمة الركوع أمامه وكان ذلك سببا في امتعاض الكثير من رجاله. لأنه بالنسبة لليونانيين كان مثل هذا الفعل مخصصًا للآلهة فقط.

    وفيما تابع الإسكندر حملاته بمزيد من الثقة والشجاعة، ظل الغموض يكتنف الرسالة التي  تلقاها في معبد الوحي. كما ساهمت تلك الزيارة في إضفاء طابع أسطوري على شخصيته، سواء خلال حياته أو عبر صفحات التاريخ. لكن بعيدا عن اختلاف الروايات والتأويل ربما يحق لنا أن نسأل: هل وجد الإسكندر الأكبر إجابات عن أسئلته المحيرة في سيوة؟ هل عرف مكانته جيدا بعدما تلقى نبوءته فلم يعد يرى نفسه بشريا؟ أم أن هذه مصر التي تخلق أساطيرها على طريقتها الخاصة؟

    بقي أن نشير إلى أن هناك نظرية تفيد بأن الإسكندر الأكبر قد دفن في سيوة حيث نقل جثمانه بعد وفاته. غير أن الدلائل على ذلك ضعيفة ربما بسبب ندرة جهود التنقيب الأثري في المنطقة وتعدد النظريات حول موقع مقبرته. الذي يظل لغزا غامضا تماما مثل حياته وبطولاته وتحولاته.

    المصادر:  
    • موقع المتحف البريطاني.
    • قاعدة بيانات قسم الكلاسيكيات والتاريخ القديم، كلية الآداب، جامعة وارويك، إنجلترا.
    • الموسوعة التاريخية.
    اقرأ أيضا:

    «الإسكندر الأكبر»: محاضرة طه حسين في كلية الآداب عام 1924

باب مصر