باب مصر

الوسم: مسعود شومان

  • «اللى فتح باب خراب واجب عليه رده»: أغنية محمد منير بين الاستلهام والانتحال

    «اللى فتح باب خراب واجب عليه رده»: أغنية محمد منير بين الاستلهام والانتحال

    فتحت أغنية “للي” التي غناها الفنان الكبير محمد منير عدة قضايا تتعلق بالاستلهام والتوظيف. أو التناص مع نصوص شعبية أو أشعار لشعراء أفراد. أو حتى غناء نصوص عرفت تاريخيا أنها ابنة للجماعة الشعبية وتم غناؤها على ألسنة كبار المطربين، بل ونسبت لكبار الشعراء وهو ما حدث لمربعات ابن عروس، فمعظم نصوصنا الشعبية صارت غنيمة لعدد من الشعراء وموسيقاها مطية لبعض الموسيقيين دون تمييز بين حدود الاستلهام والتوظيف والاقتباس والسرقة التى يصل فيها الجور السافر حينما نضع الحافر على الحافر.

    ***

    يعد الشاعر عادل صابر أحد الورثة النجباء للشعراء الشعبيين. حيث برع في استعادة الأشكال التراثية التي عركتها الجماعة الشعبية، فلا يقتصر إبداعه على فن الموال الرباعي، لكنه يجرب في عدد من الأشكال الشعرية فيكتب الموال والمربع والواو والقصيدة التي تعتمد وحدة التفعيلة وديوانه “موال الليل والصبر”، يعتمد فن المربع ليبني عالمه من خلال هذا الشكل، ويضم عددا كبيرا قارب على ثلاثمائة مربع. وكما يبدأ الشاعر الشعبي “بالصلاة على النبي” فإن عادل صابر يتبع نفس الخطى، فلا بداية إلا بالتأصيل ومدح النبي، ووصف سماته:

    أول ما ينطق لسانـــى

    أوصف نبينا وسماتـــه

    طه جميل المعانــــــى

    زى القمر في سماتـه

    ***

    كل الخلايق من الطـــــــــين

    رب البرايـــــــــا خلقــــم

    وأنزلهم من السما ديــــــــن

    بس اللى يفرق خلقـــــهـــم

    ***

    وتنفرد أشعار عادل صابر باستدعاء صياغة الموال خاصة الرباعي الأعرج الذي يسير على المخطط التالى: (أ- أ- ب- أ)، ويتنوع الموال عنده ليتشكل عبر آليتين. أولاهما الجناسات المفتوحة والجناسات المشفرة التي تعتمد على الارتطام الصوتي أو التزهير. ولنبدأ بالموال الرباعي الذي أثار قضية سرقة الموال أو جزء منه أو استلهام غطائه أو رباطه أو روحه:

    صنف الطحين يتعرف ويبان من رده

    و إن كان سؤالك قبيح حا يبان من رده

    كل البلايا لابد يكون لها أسباب

    واللى فتح باب خراب.. واجب عليه رده

    فموال عادل صابر يتكون من ثلاث حركات بنائية كطبيعة كل موال، أيا كانت أغصانه وهذه الحركات هي: عتبة الموال – بدن الموال – غطاء أو رباط الموال. فالسطران (1+2) يمثلان عتبة الموال، بينما بدنه هو السطر الأعرج الذى يتحرر من القافية، بينما السطر الرابع هو غطاء الموال الذي يجمع بين موسيقى العتب والبدن.

    ولو قارنا بين نص عادل صابر ونص أكرم حسني في أغنية محمد منير “للي”، سنجد مجموعة من الاختلافات وبعض التماثلات لعل أهم الاختلافات أن نص أكرم حسني في أغنية محمد منير، يسير وفق المخطط التالى (أ- أ- أ- أ) وهو يعتمد على جناسين هما: (صدّه، من الصد والصدود- وصدوا من الصدأ). والجناس الثانى يتشكل من (رده من الرد أى الإجابة والثاني من رد الباب أى مواربته). وطبعا لا تخفى على أي قارئ  المشابهة في رباط الموالين. فالفرق بينهما استبدال مفردة واحدة وواضح التأثر بنص موال عادل صابر أو بالأحرى استثمار غطاء مواله وجملته اللامعة التي تستند على إرث تراثى لتكون هي الأخرى رباط للمربع الأول في أغنيته الموالية:

    سألته هل داء الولع كان الجواب صدّه

    ساق الدلال ساق الدلع مفاتيح هواه صدّوا

    ومشيت أوشوش في الودع ولا جاني ليه ردّه

    اللي فتح باب الوجع واجب عليه ردّه

    ***

    ونصوص عادل صابر الموالية تستند على تاريخ عميق لمواويل الجماعة الشعبية. كما تستند على تجاربه الثرية في التعامل مع قوالب تراثية، لكنها يواصل سبكها برؤيته وبحرفية العارف بفن الموال وقوانينه الموسيقية وحركاته البنائية. ولعل بعض مواويله المشفرة تدعم ما يمتلكه عادل صابر من مهارة وتؤكد على براعة لا تركن للسائد. إنما تحاول أن تقدم فرادة الشعر وحكمته الخالدة عبر مواويله المحكمة التي نستدعى بعضها هنا لنؤكد على أن بعض جمله المفتاحية الجاذبة قد تأخذ بألباب البعض فيتناصون معها متناسين المعين الأصلى، وديوانه بحر الدميرة يقول لنا “اللى فتح باب الغنا واجب عليه رده”:

    لمــَا مـال عليــه الزمان صبـَر الأصيــل مـمـاليـــش

    وِن تســألـه الخــلق ياخـى مالك؟ يقول مــمـاليش

    بــحـــــــر الحـــــــرام عـــــوْم وهــو للحـــلال عطـــشان

    يقولولـه إمــــلا.. ويحـلف مِيِِـــِت يمـين مماليش

    ***

    ســـور الجنـينـة عِـــلِي بـس الكلاب تـــرَبـــوُه

    والـتـــبـــر مهمــا لمَــع لازم يكـــــون تربـــــوه

    كان نفســـه يوم الوَلـــَد يفتـــح لحلمه البــاب

    لكــــن الأمـل خـاب ومقـــدرشى يفوت ترَبــوه

    ***

    كتـــروا الهفايــــا ولبـــسوا فى الرقــاب سِلسـال

    والهلــس زاد فـــى البلــــد وطفَـــح كما سِلســال

    إبعــــد عن الــــدون ولا تخـــطِّى لبيتـــه عتَب

    وان كنت غـــاوى النسَب دوِّر عـــلى السِلســال

    ***

    واقـــول كــــلامى ومن قلـــبى ماهـــوش ولِّيف

    جــاى من بـلاد الصعيد أصل النخــيل والليـف

    نـــاسى غلابــــة وزارعــين النجـــوع احـــلام

    عايشيـــن كيف الحمـــام بالعشـــق والولِّيــف

    ***

    إلحـــق حيـــاتك ياسايب الحبل على غربيِــــه

    واللى غــوَى الشــر ســيَّب دنيتُــه وغربيِــــــه

    يامــــا جبـــابــرة اتكفـــوا وكلِتْهم التــُربـــه

    واللى انـدفــــن غَربـــــَة بكرة تنــدفن غربيــــِه

    اقرأ أيضا

    «عادل صابر» بين مطرقة مدحت العدل وسندان أكرم حسني

  • رسائل الـ SMS الرمضانية بين الشعبية والفردية

    رسائل الـ SMS الرمضانية بين الشعبية والفردية

    من الظواهر الرمضانية رسائل الـ SMS حيث يأتي رمضان حاملا الرسائل، يجددها، يحشوها أحيانا بالبليغ من الكلمات، كما يتخمها في أحايين أخرى بالزخارف اللغوية الفضفاضة. فمن رسائل الدول لبعضها والقادة حين يباركون أقرانهم، والشعوب حين تلف حزنها في عبارات التهنئة انتظارا لكرم إلهي قد يأتي به الزمن. فمن الرسائل الشفوية التي تتواتر لتصير صكا محفورا في روح الجماعة الشعبية ووعيها: رمضان كريم.. الله أكرم.. ومن الدعوات بالخير والصحة والعافية والسعادة إلى العبارات الفكهة والساخرة، ومن الفصيح إلى العامي.

    ومن العبارات التي تتسلح بالإيقاع إلى الجمل المنثورة يتشكل ميراث الرسائل في ثوبه الجديد. فتحتل رسائل sms الهواتف المحمولة ويزيد رصيدها فتتشكل وتتنوع في عدد هائل، بعضها مصدره ديني، وبعضها اجتماعي، وتكثر التصانيف فنجد منها على المستوى المضموني : العام، الفولكلوري، السياسي، الاجتماعي.. إلخ. وعلى المستوى اللغوي سنجد منها: الفصيح وهو الغالب، والعامي. وعلى مستوى التدوين سنجد تنويعات متعددة منها: الكتابة الاعتيادية بالأحرف العربية (الرائعون كالأحجار الكريمة لا نصنعهم ولكنا نبحث عنهم في المناسبات السعيدة رمضان كريم) – الكتابة بالأحرف الأجنبية (Happy Ramadan to  you and your  family)– الرسائل المصورة –  الرسائل الجاهزة والمصممة للمناسبة – الرسائل الأيقونية (أهنيكم كــ(على)ـل عـ(قدوم)ـام وأ(شهر )ـــــنتم  بخــــ(رمضان)ــــــير).

    **

    إن الوسائط الحديثة قد خلقت مجالا بكرا لإبداع أنماط جديدة من الرسائل، وبالتالي تحقيق طرائق من الاتصال بعضها لازال يحمل القيم الشفوية رغم تدوينها، وبعضها الآخر يعتمد الكتابية (نسبة للكتابة) بوصفها رسالة للعين لا صوتا موجها للأذن. وإذا كانت العبارات المتواترة لازالت قادرة على التأثير في المستمع الذي بتناقلها فتستقر بالتواتر حين تعلق بالأذن إحدى بوابات الوعي الشفاهي، فإن الكتابة بدأت تهيمن على مجالات الاتصال بين البشر، لكن الشفاهة في عالمنا العربي لازالت تمارس فاعليتها بقوة.

    حيث يؤكد والتر أونج في كتابه (الشفاهية والكتابية) أن حاسة السمع أكثر الحواس كفاءة مقارنة بالحواس الأخرى من حيث مسئوليتها عن عملية الاتصال الجماعي، فحاسة السمع لها قدرة استقبالية لا تبلغ مداها أي حاسة أخرى، فهي تستقبل، دون عناء، الأصوات القريبة والبعيدة وكذا الأصوات السطحية وذات العمق، بل كل الأصوات مع اختلاف درجاتها، وحين تصب في الأذن صبا فإنها تجعل الإنسان على صلة بالعالم الذي يحيط به، فضلا عن إدراكه للغة الجسد حين تصاحب العبارة. من هنا نستطيع التأكيد على أن بعض العبارات رغم تدوينها وإرسالها في المناسبات الاجتماعية المختلفة ومنها رمضان لم تبرح شفويتها بعد. فالتدوين لم يحولها من موقعها الشفاهي لموقع الكتابة، لأننا حين نقرأها نستدعى معها الصوت والحركة والسياق الاجتماعي الذي كرسه واستقر عليه الوعي الجمعي.

    **

    إن موضوع رسائل المحمول التي يمكن تخزينها تمثل ذاكرة في طريقها للاستقرار، لكنها قابلة في الوقت ذاته للتعديل والحذف والإضافة دون الرجوع للجماعة لتقرها بالتواتر وتقيس مضمونها مع منظومة القيم والعادات والتقاليد التي ترصف طريقها. من هنا يمكن وصف عدد كبير منها بالفردية، ويثور السؤال عن الفروق بين فردية التعبير وجماعيته، بين الإبداع الخاص والإبداع الشعبي، وهو السؤال الذي تتلعثم أمامه مجموعة من الإجابات عند الحديث عن الأنواع الإبداعية المستقرة في الأدب الشعبي، فما بالنا بنوع جديد على الدرس الأدبي.

    لذا فإن هذه الرسائل تفتح بابا جديدا للدرس السيسو لغوى وبالتالي للدرس الفولكلوري، ومنه لدراسة الصيغ المستقرة التي أصبحت متواترة طارحة السؤال حول فولكلوريتها. كما تطرح أسئلة حول الاستلهام والتوظيف لعناصر فولكلورية تتداخل مع العناصر الدينية الرسمية مستندة إلى تراث هائل من العبارات الشفوية ومعتمدة على عدد من المأثورات الدينية التي ارتدت حلة الشعبي تاركة بطون الكتب لتصير عبارة أو مثلا على ألسنة الناس. لذا فإن هذه الإطلالة تحاول أن تصنف بعض هذه الرسائل طارحة بعض الأسئلة حول التحول الذي جعل من رسائل المحمول أساسا للتهنئة مخليا مساحة ليست واسعة للعبارات الشفوية التي ظلت الجماعة الشعبية ترددها طويلا.

    **

    فما مدى فولكلورية هذه العبارات، وهل التواتر الكتابي سيحول بعض العبارات بالتناقل والإيمان بفحواها إلى نص شعبي، أم أنها ستظل عبارات مأثورة خرجت من الكتاب للهاتف المحمول وحسب. ولنتأمل بعض العبارات التي استطعت جمعها من خلال الرسائل المرسلة لي شخصيا أو من خلال هواتف بعض الأصدقاء:

    • الدعوات بالخير والصحة والسعادة.
    • اسأل الله أن يبارك لك في شعبان ويبلغك رمضان وكل عام وأنتم بخير.
    • كل عام وإحنا جميعا بألف خير.
    • كل عام وأنتم بأتم صحة وخير عافية.
    • رمضان كريم وكل عام وأنتم والأسرة الكريمة بخير وصحة وسعادة.

    هكذا تتنوع صيغ الرسائل لكنها تركز على تمنى الخير للمرسل إليه، سواء كان خيرا مطلقا أو متمثلا في جدية العمل أو الدعوات بالصحة والسعادة التي تأتى صريحة في معظم الحالات أو الدعوة بأن يبعد الله الأحزان عن المرسل إليه. وغالبا ما تكون الرسالة قد وردت بنصها للراسل فأعاد إرسالها لأحبته وأصدقائه وزملائه في العمل، وإن اختلفت صيغ بعض الرسائل حين يرسلها رئيس لمرؤوسيه أو حين يرسلها مرؤوس لرئيسه أو حين يرسلها القرين لقرينه، وهو ما يتبدى في عدد من الرسائل.

    **

    وهذه الملاحظة بحاجة إلى جمع عدد أكبر من الرسائل مع التعرف إلى مصدرها وحركتها في سلم التراتب البشري. كما تتنوع الرسائل ـ تجمع بين الفصحى والعامية ـ بين تمنى الخير للجميع لتضم الراسل والمرسل إليه. بل تضم من لم ترسل إليه الرسالة أصلا “كل عام وإحنا جميعا بألف خير” وهي رسالة موجزة وبليغة في آن واحد، وتنتشر صيغ الجمع في الرسائل سواء على مستوى المفردات أو الضمائر، لكن ضمير المخاطب في بعضها فردى، وتتسع بعض الرسائل لتضم السعادة والنجاح والصحة إلى جانب الخير في رسالة واحدة. كما تتنوع الأساليب الصياغية بين الجمل المنثورة والجمل الموقعة، بين العبارات الإنشائية الإيصالية والعبارات المنمقة لفظيا.

     الرسائل المرسلة بالعامية

    تهيمن اللغة الفصحى على رسائل رمضان ربما لتأخذ طابعا يقربها من الدين أو لتحيل على القداسة بما يناسب شهرا كريما تسيطر على مظاهره المأثورات الدينية. لكن الأمر لا يقتصر على الرسائل المكتوبة بالفصحى لذا سنجد تجاورا في صندوق الذاكرة الهاتفي بين الرسائل الفصيحة والعامية. ويبدو أن معركة الفصحى والعامية التي لازالت تطل برأسها في مواسم متعددة لم تصل بعد لذاكرة الهاتف المحمول، والمتأمل للرسائل المكتوبة بالعامية سيجد أنها تتوسل بالتقفية في محاولة للتقرب من الشعر، فضلا عما تحمله من خفة ظل مستدعاة من ميراثها الحياتي الطويل:

    • يا طيور المحبة زوريه… وبحلول الشهر باركيه… وقربي منه و سمعيه… إني بدعيله ربي يهنيه.
    • أحلى ما في رمضان تلات حاجات: كتر الخيرات، تبادل الزيارات واللي هيقرا رسالتي دي بالذات.
    • فانوسي منور، ماشى يدور على الناس الحلوين عشان يقولهم كل سنة وأنتو طيبين.
    • قبل الزحمة/ والرز واللحمة/ حبيت أقولك/ كلها أيام وليالي/ وتصوم عن الأكل يا غالي.. كل عام وأنت بألف خير.
    • في قلبي حطيتك…. وبالتهاني خصيتك…. وعلى الناس بديتك…. وبقرب دخول رمضان هنيتك.
    • يا طيور الحب زوريهم.. وعلى الخدود بوسيهم.. وعلى قلبي وصيهم.. وبقرب رمضان هنيهم..
    • بنسيم الرحمة / وقبل الزحمة / أقول كل عام وأنت بخير.
    • بريحة العطر والمسك والعود.. رمضان علينا وعليكم يعود.. شهر الخير والكرم.
    • اسأل ربى الودود رمضان عليك يعود معطر بريحان الجنة وورود وأجر ماله حدود.
    • كل عام وأنتم من الله أقرب وعن المعاصي أبعد.
    • فانوسي منور، ماشى يدور على الناس الحلوين عشان يقولهم كل سنة وأنتو طيبين.
    • رمضان يا عود كبريت يا حابس كل العفاريت.. كل عام وأنتم بخير.
    **

    ويعتمد بعض الرسائل على نص شعبي كالرسالة الأخيرة التي اعتمدت على الأغنية الرمضانية التي يردده الأطفال في جنوب مصر:

    يا رمضان يا صحن نحاس
    يا داير في بلاد الناس

    بين الأدعية الموقعة والشعر المنظوم ـ “ولنا في نفوس الطيبين ودائع.. ود وذكرى.. وحسن طبائع.. غفر الله لكم ولوالديكم وجمعنا وإياكم في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. اللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان وتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال.. آمين” ـ والنصوص التي تتشبه بالشعر تشكل ذواكر الهواتف معلنة عن وسيط جديد لتداول اللغة والاتصال واكتشاف أحلام وآلام المصريين ومكبوتات أرواحهم ودعواتهم التي يتمنون أن تتحقق. وربما زيف بعضهم من خلال الرسائل الزاخمة بالنفاق الاجتماعي والسياسي حتى في شهر رمضان، بل تشكل الرسائل مساحة متسعة للطرائف والعبارات الفكهة المسرية عن كلالة النفس:

    • غدا أول أيام رمضان وتم الإعلان في الصعيد، حيث شوهد الهلال على سيارة إسعاف وكل عام وانتم بخير.
    • رمضــان كريم، عيد فطر مبارك، عيد أضحى سعيد، شم نسيم جميل، عيد حب رائع، كل عيد ميلاد وأنت طيب، كل كريسماس وأنت بخير، عقبال 1000 سنة، ميت مليون مبروك، كده مالكش عندي حاجة لمدة 12 شهر .
    • إن الرعيل الأول من الليبرالية أضفى سيكولوجية انفعالية للوقوف عند حد إلزامي لما يصبوه التحرر الدرامي من براثن التقيد المنبثق من حب الذات .. المهم أنا عايز أقول لك رمضان كريم وتقبل الله الصيام والقيام.
    **

    إن رسائل المحمول أصبحت تمثل ظاهرة في عالم الاتصال بين الأفراد والجماعات، بل تمثل ظاهرة في مجال التعبير اللغوي وكيفياته وأساليبه ومستوياته اللغوية. كما يمكن من خلال قراءتها التعرف على الثقافة السائدة والمشكلات اللغوية والتدوينية التي يقع فيه المصريون وهو ما قد يضع أيدينا على بعض أمراضنا اللغوية. كما تحمل هذه الرسائل عددا هائلا من الأحلام والمكبوتات والرغبات التي تسعى للتحقق. من هنا فإننا نقدم هذه الإطلالة يملأنا الطموح في دراسة ظاهرة الرسائل في نطاق أشمل. حيث نستطيع قراءة لغة الخطاب وتجلياته عند المصريين وكيف يتواصلون بها بعيدا عن لغة النخبة التي احتجبت في الأروقة بعد أن ظلت بعيدة عن أحلام ومكبوتات الناس في شارعنا المصري.

    اقرأ أيضا

    رمضان المصري من طفولة القمر حتى يوم الوداع

  • «أكيدولا» أو جحا المصري في حلايب وشلاتين (1)

    «أكيدولا» أو جحا المصري في حلايب وشلاتين (1)

    بعيدًا عن الصراع المحموم حول أكيدولا / جحا(1)ونسبته إلي مكان أو زمان ما – مع إيماننا بإنسانيته وإنسانية حكاياه ونوادره – نقترح هنا مدخلا لقراءة تقنيات القناع في المأثور والتراث الشعبي، ممثلًا في بعض نوادر وحكايات وأمثال أكيدولا. أو على وجه أكثر دقة في التمثيلات الأدبية الشعبية التي صاغتها الجماعة الشعبية علي لسانه. أو نسبتها إليه منتخبة إياه، معبرا عن عاداتها وتقاليدها ومنظومة قيمها، في إطار يحقق تجانسًا بين إبداع الفرد وجماعته التي تتبني نصوصه/ نصوصها لتمارس أولي تقنيات التقنع حين تُلبس الجماعة ثقافتها وسخريتها، ورغبتها في ممارسة الحكي والتندر علي المواقف والأشخاص.

    في لحظة تمارس فيها لعبة التخفي عبر تجليات لا تقف عند المثل الشعبي أو الحكاية أو النادرة؛ لكنها تتجاوزها لاستعمالات يومية، تستعين بها علي مواجهة القهر والفشل والغباء بالحيلة والسخرية. وهو ما يجعل شخصية أكيدولا/ جحا شخصية حية حتى الآن في رصيد الجماعة الشعبية. ويعني في الوقت ذاته استمرار إنتاج الإبداع الشعبي الجحوي – ممثله فى منطقة حلايب وأبو رماد والشلاتين- أكيدولا – طالما احتاجت إليه الجماعات الإنسانية لتضيف إليه كل يوم نوادر وحكايات جديدة تستعيرها من تراث أوسع من الشخص وتاريخه والأزمنة والأماكن التي عاش فيها. إذا كان حقيقيًا، وليس شخصًا متخيلًا؛ ليتبني من خلال قراءة العارف منظومة القيم التي تقبل جماعته أن تصدق عليها.

    **

    والقناع لغة كما ورد في اللسان “المقنعة ما تقنع به المرأة رأسها. أي ما تغطي به المرأة رأسها وغيره، والقناع أوسع من المقنعة، وقد تقنعت به، وقنَّعت رأسها، وقنعتها ألبستها القناع فتقنعت به، وألقي عن وجهه قناع الحياء علي المثل، وقنعه الشيب خماره إذا علاه الشيب”.

    وقال الأعشي: وقنعه الشيب منه خمارًا، وربما سموا الشيب قناعًا، لكونه موضع القناع من الرأس؟ وقال الأزهري: ولا فرق عند الثقات من أهل اللغة بين القناع والمقنعة وهو مثل اللحاف والملحفة. وفي حديث بدر؛ فانكشف قناع قلبه، فمات قناع القلب غشاؤه، تشبيها بقناع المرأة، وهو أكبر من المقنعة. وفي الحديث أتاه رجل مقنع بالحديـد هو المتغطي بالسلاح. وقيـل هو الذي علي رأسه بيضـة وهي الخـوذة؛ لأن الـرأس موضـع القنـاع. وفي الحديث أنه زار قبر أمه في ألف مقنع. أي في ألف فارس مغطي بالسلاح ورجل مقنع بالتشديد أي عليه بيضة (2). فالقناع إذن يشير إلي التغطية والإخفاء وتغير الهيئة بقصد أو بفعل الزمن والظروف والمواقف.

    أما القناع كاصطلاح فني- لاحظ العلاقة بين الجذر اللغوي ومفهومه الاصطلاحي – هو أداة التنكر التي تستخدمه الشخصية في المسرح. وامتد معناه في اللاتينية ليشمل أي شخصية من شخصيات المسرحية. ثم أطلق على أي فرد في المجتمع. واستعمل في النقد الأدبي الحديث للدلالة علي شخصية المتكلم أو الراوي في العمل الأدبي، ويكون في أغلب الأحيان المؤلف نفسه(3).

    **

    إن مفهوم القناع – من وجهة نظرنا – لا يتوقف عند تعالقه بالأشخاص، لكنه يمتد ليكون تعبيرا جمعيا بعيدا عن الأنا أو الذات التي تعلي من شأن فرديتها. وبذا يتسع القناع ودلالته؛ ليتشكل في اللغة، وبها؛ لنري أنواعًا من الأقنعة تتمثل في نصوص جحا السردية، وهو ما نعاينه في الدراسة. والقناع – في هذا السياق – يسهم في الجمع بين صوتين هما صوت الذات المفردة وصوت الجماعة التي تصدق علي نصه؛ فيصبح النص ليس صوتًا للراوي، ولا لقناعه. إنما صوتًا جديدًا أو بالأحري قناعًا جديدًا تمتلكه الجماعة حين يدخل في ملكيتها؛ فتمارس عليه آليات الحذف والإضافة. كما أن القناع يتيح للراوي قدرًا عاليًا من الموضوعية والجرأة التي تصل حد التناقض، وحمل الثنائيات (الذكاء – الغباء) – (التبذير – التقتير) – (العقل – العبث)- (الوقار- السحرية ) – (المأساة – الملهاة)…. إلخ.

    والقناع يعد تقنية لتشكيل العالم بعيدًا عن التعبير المباشر للأنا، الأمر الذي يرتبط بالنزوع نحو الموضوعية واللاشخصية والابتعاد عن الالتصاق بنزعات الذات. وكما عاينا دلالة القناع اللغوية، وما تلقيه بظلالها علي القناع بمعناه الفني من دلالات التخفي والتقنع، وهو يلعب دورًا مهمًا في نوادر جحا. إذ أنه يتيح للراوي رؤية ذاته/ جماعته بشكل محايد إلي حد كبير. حيث يكون القناع وسيطًا بين الراوي والمتلقي. وبذا لا يصل صوته مباشرة، لكنه يضع أمامه صورة القناع وما يخفيه وراءه، فارتداء القناع يؤدي دورًا مهمًا بالنسبة للراوي والمتلقي معًا؛حيث يفضي ارتداؤه إلي تحولات وإحلالات متواكبة، خروج للشخصية وتجاوز للذات، ودخول في شخصيات أخري. وبذلك يصبح القناع هو العين التي يري بها المقنع ذاته، والوجه الذي يطل به علي الآخرين، وبالتالي تخيل أفراد الجماعة مشاركته في أقنعته التي اختارها بعناية لتتسق مع منظومة قيم جماعته أو تقدم النموذج الضد لتأكيد قيمها المتواترة(4).

    **

    إن أكيدولا يرتدي عددًا من الأقنعة ليمارس رسالته النصية التي تراهن علي تعددها. حيث يراوح بين عدد من الثنائيات لعل منها: ثنائية الشفاهي والمدون – تعددية اللغات (لغة توبداويت – الفصحي- عامية العبابدة)؛ حيث تتعدد اللغات التي ينطق بها جحا بتعدد البلدان التي ينتمي إليها أو بالأحرى تنسبه إليها-  ثنائية التوجه (للصغار- الكبار). ويمكن أن نرصد مجموعة من الأقنعة التي يرتديها جحا ونصوصه، تتمثل في التالي:

    القناع القومي – القناع الامتصاصي – القناع التاريخي – قناع التعدد – قناع الجماعة في ثوب الفرد- قناع الهروب والتخفي– الفرد الذائب في الجماعة – قناع الساخر- قناع المتحامق – قناع الولي – قناع الذكي – قناع السياسي – قناع التاريخي – قناع الاستلهام والتوظيف. ويمكن أن تتعدد الأقنعة بتعدد الألعاب الفنية وتعدد الصور التي يتقنع بها أكيدولا أو يتخفي النص وراءها.

    المراجع

    1- أكيدولا، وينطقها البعض كيدولا، والمفردة فى لغة التبداويت تعنى الذكى، المرواغ. وقد أكد لى بعض الرواة أن أكيدولا هو جحا، وهم يعرفون نوادر وحكايات الاسمين، ولا يعتبرونهما شخصين، إنما يعتبرونه شخصا واحدا متعدد الأسماء، والجمع الميدانى لحكاياته يشير إلى تشابه عدد من حكايات أكيدولا مع حكايات جحا.

    2-  ابن منظور، لسان العرب، مادة (قنع)، المجلد الخامس، ج، (42)، مصدر سابق،  3755.

    3-  عبدالله أبو هيف، قناع المتنبي في الشعر العربي الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2004.

    4-  راجع، عادل ضرغام، الممارسة النقدية، دار الانتشار، القاهرة، 2015، ص، 202.

    اقرأ أيضا

    في مئويته: أسرار انتصار محمد طه على نقابة الموسيقيين وذهابه إلى فلسطين

  • البنات تسند الظهر أيضا في أغنيات المهد

    البنات تسند الظهر أيضا في أغنيات المهد

    لا تملك الجماعة الشعبية نصا واحدا، بل تمتلك منظومة واحدة تضع فيها جملة عاداتها وتقاليدها ومعتقداتها. لذا فإن النصوص تضىء الطريق لبعضها، من هنا قد يرى البعض اشتباكا لنص مع نص، لكننا نراه يرسم مربعا فى المنظومة، فالمتأمل لصورة البنت؛ البنت الطفلة في أغنيات المهد من هدهدة وملاعبة وتهنين سنجدها وقد راهنت على دعم مجموعة من الأمثال لها حين تنتصر لميلاد البنت وتواجه كيد أم الولد فى حوار لا يعدم الجرأة اللغوية:

    • أولهم شماته ووسطهم حسد وأخرهم كل واحده ماسكه ركن فى البلد.
    • ربِّـى يا خايبه للغابيه .
    • الابن ابن مراته والخايبه تحلف بحياته .
    • بكره يروح البراز والبول ويبقو صبايا قد القول (1).

     فالأم تمتدح نوع وليدها عبر التنغيم فى جمل قصيرة ودالة، وهو ما تشير إليه مجموعة من النصوص التى تفتح المخيلة لتصور جمالى مفارق، فالأم المنجبة / المنتجة / البستان تصوّر حملها / طرحها بالكرم، فيتسع المعنى حاملا دلالات الخصوبة والاخضرار والخير، حيث الكرم لغة: العنب، كذلك أرض يحوط بها حائط، وفيها أشجار ملتفة(2)، فالأم من تمتلك الكرم، أو هى الكرم، متحدثة عن نفسها ـ الذى لا يقتصر على ميزة واحدة، لكنه يحمل من الجمال ما يجعلها تقول “فيه وفيه”

    “كـرمى فيه وفيه
    والغـالى شاريـه
    كرمى فيـه السكر
    والبنـات البـُكَّر
    والعـازب يتحسر
    ما حـدش يديـه”
    (3)

     

    فالنص هنا يصور بطن الأم / الأرض / الخصبة ببستان ملآن بكل أنواع الفاكهة، أو ربما بكل أنواع الطعوم ” فيه وفيه ” وهو بهاتين المفردتين يفتح المخيلة لتصور مافى البستان حسبما يشتهى السامع، فالصورة هنا لا تغلق على السامع ما يرغب فيه حين يستدعى صورة “الكرم” وتتضح الصورة لتعلن عن بعض ما خفى من الجمال الذى يمنحه هذا الكرم “كرمى فيه السكر” ليلتذ السامع لا بتأمل صورة وجمال الكرم وحسب، وإنما بطعمه، ولأنه “فيه وفيه” بما يشير إلى تعدد أنواعه، لذا فقد تم شراؤه مقدما ” والغالى شاريه”.

    وهذا الشارى يدرك قدر ما يشترى، فهو “غالى”، والغالى كما يقول التعبير الشعبى “ما يشتريش إلا الغالى”، كذلك “الغالى تمنه فيه”، ويستدعى النص ما يشتبك معه من أمثال تتساوق مع منظومة قيم الجماعة الشعبية مثل “غالى والتمن رخيص “، “غالى السوق ولا رخيص البيت”، وتؤكد جملة “كرمى فيه السكّر” أن هذا الكرم حلو فى ذاته، وينفتح النص أكثر ليظهر وجوها أخرى لهذا البستان “كرمى فيه السكر والبنات البُكَّر”.

    وهنا سنجد إشارة للنوع “البنات” وما يتصفن به من “البكر” / البكارة وبما يشير إلى الطهارة والعفة كما يشير إلى الطزاجة والجدة، فالكرم  /  بطن الأم لا ينجب إلا أبكارا، ولأن محاسنه بدت فى التجلى، وصفاته أصبحت ظاهرة، فلابد لمن لم يتزوج بعد أن يرفل فى حسرته “العازب يتحسَّر”، ولأنه هكذا “عازب” فلن يمنحه أحد من كرمه ـ هو غير قادر على تثمين “الكرم” ـ لأنه سيرى حسرته بادية فى عينيه حين سمع عن الكرم وما فيه من أنواع وما يتصف به من صفات، فظل منحصرا فى حلمه بصورة الكرم الذى لا ينبت سوى البنات “البكر”.

    من هنا فلن يسود وجه الأب وهو كظيم، ولن تبكى الأم وهى تتمنى موت البنت المولودة لتصبح موؤدة، لكنها حين تولد يتم تناقل خبر ولادتها عبر أسلاك الهاتف وإرسال التلغرافات، كى تزف الفرحة للأهل والأقارب، فتتسع السعادة بميلادها وتصل لأبناء جماعتها بسرعة ويسر معلنة عن مجيئها للوجود :

    لمـَّا قالـو لى دى بـت
    خـبرها روَّح فى السلك
    قاسو لى ميـت فـدان
    يحضـر الخواجه مـلك
    (4)

    وتلقى البنت تقديرها بعد “لما قالو ” وهوى الجملة التى تعنى التأكيد  عبر التكرار، كذا تلقى الأم تقديرها، فيمنحها الأهل “ميت فدان” ملكا وإكراما لها وللبنت التى ولدت، وهاهم يقومون بتحديدها “قياسا ” بعدما طلبوا من “الخواجه” (4) أن يقوم بتجهيز عقد الملكية، وهكذا يبدو موقف الجماعة متعاطفا، بل مقدرا ومقيما البنت المولودة ومن ولدتها، وتتوالى النصوص أداءً لتؤكد على هذا المفهوم الذى ينفى كراهية الجماعة الشعبية لبناتها ولميلادهن.

    نعم هى تكره نماذج بعينها، لكنها لا تكره أو تحض على كراهية البنت كما يتواتر بين بعض أفراد النخبة من مروجى الأفكار الجاهزة، لذا فإن المتتبع لهذا النوع من النصوص سيجد من يؤدونه وقد ألحقوه  بمجموعة أخرى تؤكد أن الولد ليس ملكا لأهله، فإذا كانت البنت فى نص ما سببا فى أن تملك أمها مائة فدان، فإن الولد بما يملكه  قد أصبح ملكا لزوجته، ولا يقتصر بعده عن أمه بزواجه “تاخده منى مراته” ؛ البنت فى مقدمة النصوص، لكنه  معرض للرحيل مجندا فى الجيش، فيجلى النص عن الأخطار التى قد يتعرض لها الولد كبيرا فيحرم منه أهله لذا فلاداعى للفرحة الكبيرة التى قد تشير إلى تفضيل الولد على البنت :

    “لـَّما قالو دا ولد
    قلـت ياليله نكد
    تاخـده منى مراته
    ولا ياخده الطلب “
    (5)

     وللحديث عن صورة البنت في التراث والمأثور الشعبى بقية.
    المراجع
    • رواية : نور الهدى عبد المنعم ، مكان الجمع : شبين القناطر ، محافظة القليوبية .
    • مادة كرم ، منجد الطلاب ،ط19 ، دار المشرق ، بيروت ،ص 639.
    • الجامع : عبد الباسط عبده حسان ، مكان الجمع : الزريقات بحرى ، أرمنت ، قنا .
    • تطلق على بعض الاخوة الأقباط، ويبدو أن بعضهم كان يتولى عملية قياس الأرض وكتابة العقود .
    • الجامع : عبد الباسط عبده حسان ، مكان الجمع : الزريقات بحرى ، أرمنت ، قنا .
    اقرأ أيضا:

    الموال الأعرج ..عندما تمارس الجماعة حريتها المنضبطة

     

  • «الأبلتين لدع في دهاليز الحياة»: لغة الروشنة..بلاغة التمرد

    «الأبلتين لدع في دهاليز الحياة»: لغة الروشنة..بلاغة التمرد

    إذا ركز أي مستمع لما يسمعه في الشارع المصري من ألقاب سيدهش دهشة كبيرة لما يحدث من تغيرات حادة في لغة المتعاملين بغض النظر عن جنسهم وأعمارهم وطبقتهم الاجتماعية. فهذه المسألة لا تخضع لعرف أو قانون، وإنما تحكمها الفوضى.

    ولنتأمل بعض الألقاب التي يمنح الأفراد لبعضهم في تعاملهم اليومي: “أسطى – باشا – بيه –باشمهندس– كابتن – دكتور –أفندي– ريس –هندزه– يابو الكباتن – يا حاج”. وهكذا قد تسمع هذه العبارة وردها “صباح الخير يا باشا” ـ “أهلا ياهندزه”. لقد صنع ضجيج الشارع، وتداخل الطبقات الاجتماعية هذه الفوضى في منح الألقاب. لذا فقد نرى أن البعض قد يخلع عليك لقبا لا يناسبك كأن يقول لك: “بعد إذنك يا كابتن”، أو “متشكر ياباشمهندس”. وقد يطغى على لغة الألقاب خاصة في لغة خطاب العاملين بالوظائف الحكومية مفردات مثل “معاليك” – “سيادتك” – “حضرتك” – “جنابك”.

    ألقاب الشارع

    وعلى الرغم من أن الألقاب قد ألغيت رسميا لكن الشارع مازال يمنحها لكل عابر وقاعد. ومن أكثر الألقاب شيوعا الآن “الباشا”، وهو لقب تركي عثماني، وهناك خلاف بشأن أصله الاشتقاقي. فقيل إنه من الفارسية (باد – شاه)، أي قدم الملك، وقيل إنه من (باش – أغا) بمعنى الأخ الكبير، أو من (باش) بمعنى الرأس. وقد استخدم في الدولة العثمانية لأمراء الولايات الكبيرة.

    وفي مصر كان يطلق على الأعيان وكبار الملاك، ووكلاء الوزارات، ومحافظي الأقاليم. أما لقب بك فهو أيضا تركي. وقد عرفته مصر منذ أيام المماليك حيث كان يطلق على كبار رجال الدولة.

    أستاذ وأسطى

    أما كلمة أستاذ فبينها وبين كلمة أسطى علاقة. فأستاذ تعريب للكلمة الفارسية “أستا” التي تنطق مخففة، ومنها التركية “أوسته” التي أصبحت في العامية المصرية أسطى، وأسته التركية كانت تطلق على درجة من الجواري في قصر السلطان. كما استخدمت في مصر للإشارة إلى المغنيات. كما أطلق أيضا على الراقصات من العوالم. وليس غريبا أن نربط بين مفردة العوالم، والأستاذ، فالعوالم ربما من العلم. كما أن مفردة الأستاذ/ الأسطى تطلق على من يعرف القراءة والكتابة. كما تشير في الفارسية إلى المعلم القدير في العلم والفن.

    والمتأمل للألقاب المنتشرة الآن ودلالة انتشارها بكيفيات مختلفة سيجد أن الفوضى تحكمها، وتحتاج أيضا إلى جمع ودراسة ضافية لجذورها وأصولها وأسباب وجودها، والانحرافات التي تمت على جذورها. كما سنلمح تغيرات حادة في أسماء أصحاب المحلات فاسم حسن وشركاه، أصبح حسنكو. وسنلحظ مجموعة من الاستبدالات بين المفردات الأجنبية التي استبدلت بالعربية. ومنها على سبيل المثال: ماركت بدلا من سوق. سنتر بدلا من مركز. كوافير بدلا من حلاق. سكول بدلا من مدرسة. وكذلك روضة الأطفال أصبحت kg1 و kg2. ولا تعجب حينما تجد اسما لمدرسة هكذا “مدرسة مودرن سكول”. وإذا ترجمناها ستصبح مدرسة حديثة. هذه الفوضى أيضا بحاجة إلى دراسة لآلياتها، خاصة لافتات المحلات التي تعكس تغيرا في لغة الشارع المصري يتجلى مرة في الألسنة، ومرة في عناوين محلاتهم، وثالثة في بيوتهم.

    تغيرات المجتمع

    إن المجتمع المصري يموج بتغيرات عميقة تجلت بوضوح في مجموعة من الملامح التي نلاحظها بقوة في لغة الشباب المسماة بلغة الروشنة. واصطلاح “الروشنة” يشير إلى عدة معاني. ففي اللسان “الراشن الداخل على القوم الآتي ليأكل… وهو الذي يتعهد مواقيت طعام القوم فيغترهم اغترارا وهو الذي يقال له الطفيلي”. من هذه المعاني هل نستطيع أن نعقد صلة بين “التطفل” وبين هذه اللغة الجديدة، بمعنى تطفلها على لغة مستقرة، والراشن هنا شخص خارج على الأعراف. وكذلك هذه اللغة التي تخرج عن أعراف وقواعد اللغة الفصحى والعامية لتخترع لنفسها مجموعة من المفردات المنحوتة، ومجموعة من التعبيرات الكنائية التي تقوم مقام تعبيرات ظلت مستقرة في عرف الاعتيادية.

    للفنان حجازي
    للفنان حجازي

    هذا التأويل الذي أرجو ألا يكون مفرطا، ربما منحنا دلالة الخروج. بينما تمنحنا معاني معجمية أخرى ما نستطيع ترجيحه، ففي اللسان أيضا “رجل أريش، وراش ذو مال وكسوة والرياش القشر، وكل ذلك من الريش… راش صديقه يريشه ريشا إذا أطعمه وسقاه وكساه، وراش يريش ريشا إذا جمع الريش وهو المال والأثاث والريش والرياش واحد، وهما ما ظهر من اللباس، وريش الطائر ما ستره الله به. وقال ابن السكيت قالت بنو كلاب الرياش هو الأثاث من المتاع ما كان من لباس أو حشو على فراش أو دثار والريش المتاع والأموال”. والمعاني السابقة تتسق مع المعاني التي يطلقها الشباب على كل جديد من لبس أو غيرها، يقولون “لبسه رِوش قوى”، أو “مروِّش نفسه”، وكذلك “إيه الروشنهدى كلها”.

    اختزال اللغة

    هذه اللغة (الروشنة) تقوم أيضا على مبدأ الاختزال مستخدمة بعض الحيل البلاغية والإيقاعية أحيانا لعل منها الاستعارات التصريحية والمكنية، وبعض المجازات، فضلا عن الاشتقاق والنحت. ولنتأمل بعض مفردات هذا القاموس: استمورننج، وهي لفظ يقال في الصباح بغرض تناول الطعام أو التدخين، أو شرب الشاي، حتى يفيق الشاب من نعاسه، ومثالها “هاروح أعمل استمورننج على القهوة وجاي”. وواضـح القياس على الكلمة العامية “اسطباحه”/”اصطباحه”، واشتقاقها من “الصبح”. فقد تم إبدالها بكلمة morning بعد إضافة “إس” لها، فأصبحت “إستمورننج”. ومن هذا المعجم نرصد عبارة: الأبلتين لدع في دهاليز الحياة، وهي تدل على الخواء أوالفوضى في الحياة وغالبا ما تدل على الفَلَسْ، مثل “مفيش فلوس والابلتين لدع في دهاليز الحياة” أي أن الحياة أصبحت خربة.

    مصطلحات مختلفة

    ومن معجم لغة الروشنة : أعمل دماغ، والجملة تركيب مشهور عند المدخنين. ويقصد به الحالة المزاجية عند المدخن. فهم يقولون “عامل دماغ”. وقد أخذ هذا التعبير يتسع ليشمل غير المدخنين. فحين يُرى أحد الشباب سعيدا – مثلا – بعد مقابلة حبيبته فيقولون “باين عليه عامل دماغ”، وكذلك عامل دماغ بانجو، أو دماغ شِعْر، أو دماغ كورة… إلخ، وكأنها أصبحت دالة على حالة الإشباع من شيء.

    ولم تتوقف لغة الشباب الجديدة، أو لغة الروشنة، حيث اتسع المعجم ليشمل على مفردات اصطلاحية متواترة بينهم لعل منها: “لول  lol-  يا أسطى –ها أموت – نورم – بتروِّل – يكراشcrush – wtf- إكس – فيمنست- ياصاحبى- يازميلى- يا شِق – قشطه- فل – سيكا- الفتى والهري- “خلصانه–أقطم- فريند زون–سيمب–توكسيك”. ومصطلحات أخرى تكتسب جزءا من سريتها وتمردها على لغة الآباء وسلطة التعليم، وتهز رصانة اللغة الرسمية. وهو ما سنقف عليه لنفك بعض شفراتها من خلال التعرف عليها من الشباب أنفسهم ربما استطعنا التواصل معهم وفهم أسباب تمردهم، الذي يتجلى في اللغة ويستتبعه تحطم مجموعة من الأقنعة التي ظللنا نحتفظ بها طويلا على وجه تاريخنا الاجتماعي.

    اقرأ أيضا

    لغة الشوارعية ..كسر رقبة البلاغة الرسمية

  • لغة الشوارعية ..كسر رقبة البلاغة الرسمية

    لغة الشوارعية ..كسر رقبة البلاغة الرسمية

    سكتت الدراسات اللغوية طويلا عن دراسة لغة الناس( لغة الشوارعية)، بل وجنبتها بعيدا كأنها مرض عضال يمكن أن يطول اللغة الرسمية التى أكسبوها قداسة وحولوها إلى كائن يعيش بعيدا في معتزله. وحين قاموا بعمل المعاجم والقواميس أبعدوا كل لفظ ينتمى للعامة حتى لا يتم تلويث ما جمعوه. وكانت رحلة الفرز الفوقية التى ستكون مقتل اللغة وعزلها عن الحياة بعدم إدراجها على قائمة الاهتمام والدرس وما جرى على اللغة يجرى على الشعر المكتوب بهذه اللغة. مع أن هناك فرق كبير بين اللغة، ولغة الشعر.

    لغة الشوارعية

    وبعيدا عن الاحتدام الشكلى بين اصطلاحى اللغة واللهجة، خاصة أنهما يتبادلان المواقع، فنقول لهجة تميم، ونعنى بذلك لغة تميم والعكس، فإن لغة الشارع المصرى. إذا صادقنا على الاصطلاح لا تقتصر على كونها مجموعة من الأحرف المكتوبة التى لها مجموعة من الأصوات. وإنما هي لغة تتغيا مجموعة من الوظائف التى لا تقوم بها اللغة الاعتيادية، لعل منها السرية التى تحيط مفرداتها. ولم يقتصر الأمر أيضا على مجموعة المفردات التى تم صكها بوصفها بديلا لبعض الجمل، حينما تختزل مفردة واحدة مجموعة من الكلمات الدالة. وإنما هناك بعض اللغات القائمة بذاتها مثل لغة الحرفيين (العوالم –المنجدين – الحرامية – النجارين – القمَّاشة  – تجار الذهب … إلخ ). وبعضها يطلق عليها لغة “السيم”، وأحيانا “السين”. وهناك لغات تتعلق بمراحل عمرية مثل لغة الشباب.

    ولا يمكن دراسة هذه اللغة بمعزل عن القيم التى تحملها، ولغة الشارع المصري الآن ـ تنحو إلى التكثيف والاختزال، فلم تعد الجملة المكتملة هي وسيلة الاتصال وحسب، وإنما بدأت الكلمة الواحدة تعبر عن موقف أو سياق كامل، بل بدأت أجزاء الكلمة تأخذ هذا الدور أيضا.

    الترميز اللغوي

    من هنا فلهذه اللغة جمالها وقيمها الصوتية والدلالية التى تحملها وعلينا “ربط قضية اللغة والتفسير بمعرفة أنفسنا معرفة أتم، ولن يتم لنا ذلك فى يسر. فالتواصل الذي هو هدفنا ثمرة معاناة، أو ثمرة معاناة تخرجنا من سيرتنا اليومية الآلية، أو ثمرة لحظات قليلة فى حياة طويلة. ولن نستطيع أن نقرأ الشعر والحكمة والتصوف ونشاط الروح إلا إذا فهمنا فهما أفضل النثر والنقاش العملى وشؤونهما المستمرة. فالقراءة أشبه بهرم تعتمد ذروته على ما دونها من أدوار، ومن أجل ذلك نرى قضية اللغة “الدارجة” وحيلتها ذات أهمية كبرى”.(1)

    من هنا وبقراءة أولى لعدد كبير من المأثورات والتعبيرات الشفهية نجد أنها تتراوح بين عدة مستويات لعل منها: اللغة الإشارية التى تقول ولا تشى، ولا تحمل أكثر من هدفها العملىفى التواصل. بينما نجد التعبيرات القائمة على قيم بلاغية كالكناية والاستعارة، معتمدة  الترميز المعنوى أحيانا، وكذا التـرميز اللغوى. وبما أن القاعدة أنه لا مشاح في الاصطلاح، فإننا نعرف هذين النوعين في لغة الشارع كالتالى: فالترميز المعنوى يقوم على الإيجاز معتمدا على ترميز المعنى في كلمة تبدو كأنها اصطلاحا لكنه يرمز في معناه إلى غير المعنى المباشر. أما الترميز اللغوى فإنه يقوم أيضا على الإيجاز مع التلاعب بالاشتقاقات والأحرف بغرض التعمية على المستمع، وغالبا ما يكون هذا النوع في اللغات السرية.

    الاختزال ودلالته 

    تتراوح هذه اللغة الدالة لتنقل ما تريد عبر عدة مفردات، وقد تصل إلى مفردتين، وتتكثف أحيانا في مفردة واحدة، بل قد تصل إلى بعض أحرف الكلمة. وفي كل الأحوال تصل هدفها، وتحقق اتصالها مع الآخر الذي يقوم بينه وبين المتحدث اتفاق عرفي على هذا الاختزال. بل إن بعضها يصبح عاما بين مجموعات كبيرة، إن لم نقل بين الجميع، ولندلل على ذلك بالمفردات التى تتعالق بمفهوم الرجولة، إن سلبا أو إيجابا، والتعبير عنها بالأشكال السابقة.

    فعلى سبيل المثال تصف اللغة الرجل بهذه الصفات، وكل واحد منها يكتنـز دلالات يعرفها أبناء المجتمع المصرى منها: “رجالة: قش – ورق – هلس – هفأ”. وكذلك يقولون راجل: “شرابة خرج” – “حمار شغل”-  “داقق عصافير” – “رِجل بنطلون” – “مختوم على قفاه” – “نابه أزرق” – “بتاع نسوان” – “عامل أبو العريف –بتاع كله” – “ما يتبلش فى بقه فوله”…. إلخ (2). هذا بالنسبة لصفات الرجل السلبية. أما بالنسبة لصفاته الإيجابية فإنهم يقولون: “راجل مخلَّص”، “بَرَكَه”– أحيانا يكون لها معنى سلبيا، “ملو هدومه”، “يملا العين”، “ابن أصول، ابن حلال، ابن ناس، ابن عز” ـ “متربى فى بيت أبوه”… إلخ.

    هلفوت وكلامنجى

    إن تأمل هذه اللغة مع ما بها من نحت واشتقاق في مادة المفردات الأصلية يؤكد قدرتها الإشارية والبلاغية فى آن واحد. فالكلمة الواحدة قد تصف مكانة الشخص، وصورته، وتتجلى كأنها ذلك الاصطلاح الدال على الحال والحالة. وحينما تأتى مجردة بدون صويحباتها من المفردات فإنها تقول وتعنى، بل ترمز أحيانا للسلوك الإنساني الذي يبدو عليه هذا الإنسان أو ذاك، وتتبدى هذه المسألة بدقة في هذه المفردات شديدة الدلالة:

    “فوريجى، هبيان، كلامنجى، دُغف، هلفوت، فاقد، جِبلَّه، أشفور، هنـكار، حلنجى، أونطجى، بروطه، آكالتى، طيشه، حرفوش، خـرونج، مدب، خيخه، قـرطاس، طرطور، لوح، مهياص، مطيباتى، طحش، فرفور، هفيه، كَوِرْك، خمَّه، لطخ، قفل، ترباس، بَجم، دلدول، طروبش، طربوش،  دُهُل، كروديه، جردل، هلهلى، لطزانه، فِتك، حِرِكْ، فُنط، فلاتى، بُوْرَمْ، ملحلح، نطع، حِمش، غشيم، فقـرى، شـرانى، مقـطف، مخلَّص، شبَّيح، بورمجى، رِوِشْ، جِعر، بكَّاش، بجح، خِرِعْ، ملطشه، فنجرى، بُـق، (فنجرى بق)، مدهـول، ندل، حَويط، دنى، صايع، قله، عجله، خِرتى، فاييص، سِلباط، معرص، أَمَرْتِى، حلياط، جلياط، عربجى، رقاص، بوشين، ألعوبان، واطى، شكاى، شكـاك، وسواس، لئيم، قرعجى، خِنْتَه، شوال، عكاك، دحلاب، خاين، مجامل، طيب، أليط، عنطوز، أفندى،فاضى”.(3)

    سرية اللغة وقوانينها الخاصة

    إن كل طائفة من الحرفيين قد اخترعت لنفسها لغة سرية لها قانونها الخاص، وأجروميتها. “فكل جماعة تتألف من شخصين فأكثر، وتشعر بالاحتياج للدفاع عن نفسها حيال البيئة التى تعيش فيها تخترع “سيماً”، أو لغة سرية تخفى بواسطتها أفكارها عن غيرها. وعلى هذا فلكل طائفة من التجار والصناع وأرباب الحرف قاموس يتفاهمون بمفرداته. إذ يستخدمون هذا القاموس ضد الوسط المعادى لهم، وهم يكونون بهذه اللغة عالما قائما بذاته، ولما كان بعض هذه اللغات لم يعد متداولا، وبعضها اختفى لاختفاء أسباب وجودها. فإن البعض قد ينفى عن هذه اللغة انتماءها إلى لغات الشارع لكونها سرية.

    لكننا نقول إن هذه اللغات مكان استعمالها الشارع. كما أن عدد من يستخدمها من الطوائف ليس قليلا، فربما كان الشارع بما يحيطه سببا في اختراعها، ولغة الشارع المصري تحتاج لمجمـوعة من الدراسات النظرية والميدانية. حيث تشتبك معها وفيها عدة علوم لعل منها: علم اجتماع اللغة– الأنثروبولوجيا اللغوية– الفولكلور –السيموطيقا– الدراسات النفسية – الدراسات الطبية –فقه اللغة – العلوم المتعلقة بالمهام الشرطية، ومعرفة اللغات السرية لبعض الفئات المهمشة (مهنية – عرقية).

    الشارع صفة للطريق

    إن تأمل المعنى اللغوي في المعاجم قد يكون مرشدا ليربط بين الشارع كمفهوم وبين معناه اللغوى. “شرع: الشرعة والشريعة الطريقة الظاهرة في الدين، وبيت وكنيف شارع، أي قريب من الشارع وهو الطريق الذي يشرع فيه الناس عامة على الإسناد المجازي، أو من قولهـم شرع الطريق إذا تبين. وشرعته أنا وشرعي هذا أي حسبي”.(4) فالشارع يعنى الوضوح والإبانة، كما يعنى الظهور، وكذلك هو صفة للطـريق.

    والمعروف في اللغة أن من الصفات ما يشيع إلى درجة احتلال مكان الاسم، كما حدث في الطريق والشارع الذى كان صفة له. فضلا عن اتصاله بمعنى الشريعة. “فالشرعة بالكسر الدين والشرع  والشريعة: مورد الناس للاستقاء، وسميت بذلك لوضوحها وظهورها وجمعها شرائع وشرع الله لنا كذا يشرعه أظهره وأوضحه والمشرعة بفتح الميم والراء شريعة  الماء. قال الأزهـري ولا تسميها العرب مشرعة حتى يكون الماء عدا لا انقطاع له كماء الأنهار.(5)، وتتضح هنا العلاقة بين الاستخدام المعجمى القديم والتعبير الشائع “نهر الشارع ” الدال عرفا على سيولة الحركة فيه، “وطريق شارع يسلكه الناس عامة…. والجمع شوارع وأشرعت الجناح إلى الطـريق بالألف وضعته وأشرعت  الرمح أملته.(6)

    إن قراءة هذه المادة قد يتيح لنا النظر إلى بعض مفردات الشارع مثل كلمة “شُراعه” التى تحيل على معنى الضوء. كما تشير إشارة إلى التحديد، والقانون. هذه المعاني التى ربما تغيرت لمعنى الشارع، فانتقل المعنى اللغوى إلى معنى جديد، وتحول الوضوح إلى غموض يحتاج فك شفرته، ولم تعد المفردة القاموسية دالة إلا في معنى جزئي هو “طريق شارع يسلكه عامة الناس” وللحديث بقية عن أنواع اللغات السرية.

    الهوامش

    ____________________

    • (1) أنظر، اللغـة والتفسير والتواصل، د. مصطفى ناصف، سلسلة عالم المعرفة، ع (193) يناير 1995، ص 47.
    • (2) التحولات في الشخصية المصرية، د. عزة عزت، كتاب الهلال، دار الهلال، أكتوبر 2000، ص 12.
    • (3) السابق، وقد أضفنا إلى الكلمات التى وردت عددا من الكلمات، أنظر ص 13.
    • (4) المغرب، ج 1، ص 439، راجع: مكتبة المعاجم والغريب والمصطلح، الإصدار الأول (c d) تضم المعاجم والكتب التالية: الألفاظ المختلفة في المعاني المؤتلفـة ـ العـين ـ القاموس المحيط ـ المصباح المنير ـ المغرب ـ لسان العرب ـ مختار الصحاح ـ معجم البلدان ـ معجم ما استعجـم ـ أنيس الفقهاء ـ التعريفات ـ التوقيف على مهمات التعاريف ـ الزاهر فى غريب ألفاظ الشافعى ـ المطلع على أبواب المقنع ـ غريب ألفاظ التنبيه ـ الفائق في غريب الحديث ـ  النهاية فى غريب الحديث – غريب الحديث لابن الجوزى – غريب الحديث لابن سلام – غريب الحـديث لابن قتيبة – غريب الحديث للحربى – غريب الحديث للخطابى ،  مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلى،  الأردن ، 1999.
    • (5) المصدر السابق .
    • (6) المصدر السابق .
    اقرأ أيضا

    الموال الأعرج ..عندما تمارس الجماعة حريتها المنضبطة

  • الموال الأعرج ..عندما تمارس الجماعة حريتها المنضبطة

    الموال الأعرج ..عندما تمارس الجماعة حريتها المنضبطة

    يطلقون على كل قافية فى الموال “زهرة” (1) لينعم كل متلق بحديقة عمادها الحكمة حين تتكثف فى الصوت المتحدى لخبرات الأذن. فالموال بشكل عام يقدم نموذجا للإحكام الجمالى، فمن نص لنص تتسع الحديقة بالزهرات، فقد منحها الموالة ألوانا، ففيها الأحمر الذى يتناول العلل و يكثر فيه ذكر الطبيب بوصفه الحكيم الذى يداوى ما أفسده الدهر، وبعضهم يطلق “الأحمر” على العاطفة المشبوبة، لكن بعضهم يربط  بين اللون والدم، بينما الأخضر فيشير إلى الحب فى رقته، كما يشير أيضا إلى المواويل التى تجمع الزهور والأشجار حين تتعالق بالحب والغرام.

    ويتوسع الموالة فى التصنيفات لنجد مواويل تشير للموضوع الرئيسى فى الموال، لذا سنجد مواويل : الدنيا والصاحب والزمن، والمديح الدينى الذى يكون ممهدا لمقدمات القول، ومن المواويل التى تصيد الحكمة فى دعة إلى المواويل المقرظة التى تتطارح أو تتبارى كما نرى فى “الموال اللطش” أو “الرمى بالموال”(2).

     وتتلون المواويل بين مستويات الأداء لنقف أمام مواويل تحتفى بالغناء كنغم وأداء تطريبى حيث تتجلى فيه القدرة على الزخرفة الصوتية وإبراز جمال الصوت، وأخرى تُعلى من الإلقاء المنغم، وهو ما يسمونه بالموال / العد الذى يعدد فيه الموالة صفات النموذج الإنسانى، بل يقوم على “عَدْ ” الشطرات كأنه يضع نقطة بعد كل قول، وحين عَرَكَ الموالة فن الموال، تفننوا فيه، وأضافوا للرباعى غصنا جديدا، فصار لديهم موالا خماسيا متتالى القافية.(ا/ا/ا/ا/ا)

    الموال الأعرج

    لكن الجماعة الشعبية أبدعت معه موالا خماسيا ” أعرج “، غصنه الرابع بلا قافية، وهو ما يعد سلما لرباط / غطاء الموال، والأعرج هو أكثر الأشكال الخماسية ترديدا فى عرف الجماعة الشعبية وبين أبنائها من الموالة، ويطلق عليه بعضهمالموال الخماسى نسبة إلى عدد أغصانه،

    بينما يشير له بعض الموالة بـ “موال خمس زهرات، ويطلقون عليه أيضا الموال الأعرج، لأن قوافيه الثلاث الأول تكون من جناس واحد، والقفل الرابع “حر” من قوافى الثلاثة الأول، بينما القفل الخامس يكون على نفس قافية وجناس الأقفال الثلاثة الأول، ويســـير على المخطط التالى :(ا/ا/ا/ب/ا)

    ولا ينشغل الموالة فى هذا النوع بالإتيان بالقوافى المشفرة، لأن بناءه يتوجه فى الأساس للحكمة لا للزخرفة، حيث يبنى من عتبة ثلاثية الشطرات تسلم لبدن قصير يصعد بتوتر الموال إلى النهاية ليصفو حكيما، متسائلا :

    حرَّص على مُقْدِمَك ياللى الهوى راميك

    واحذر من الخصم ناوى ع الأذى يرميك

    اضرب بسيفك فى أعناق العدا وحديك

    مثل سمعناه من اللى قبلنا قالوه

    إيه تعمل الحُسَّاد إذا كان الإله حاميك

    هكذا تُخلى المناسبات الاجتماعية للموال مكانا أثيرا، فتجتمع سلسلة المواويل مؤكدة موضوعا ما أو معلقة على حدث من أحداث الجماعة دون انحياز لشكل موالى على آخر، فالحكمة هى التى تجتذب الموال ليجسد موقفا فى حياة الجماعة.

    مسعود شومان مع عدد من المنشدين
    مسعود شومان مع عدد من المنشدين
    بناء الموال

    وقد يدخل الموال فى نص حكاية من الحكايات الشعبية، كما قد يستدعيه الإطار المرن لنص الهلالية كما فى الموال السابق الذى رواه أحمد سيد حواس ابن شاعر الهلالية الكبير سيد حواس(3)، وهو ها يحتل مكانه كجزء من النسيج السيرى، فيوجه السامع فى مقام توجيه البطل حين يواجه المخاطر، وقد يعترك مع مثل أو يشتبك مع نص شعبى آخر ليقيم حوارا مع أقرانه من النصوص الشعبية، وهو ما نلحظه فى رباط الموال الذى يستدعى مثلا شعبيا هو “إيه يعمل الحاسد فى الرازق ” لكن الملاحظ فى الموال الخماسى أن الأقفال الثلاثة الأول (المتحدة فى القافية) تمثل الحركة أو الوحدة الأولى فىبناء الموال، أى “عتبة” الموال التى تمهد للصعود إلى الحركة الثانية التى تسمى “بدن” أو ردف الموال، وهى الحركة التى تبدأ بالبيت الرابع غير المقفى والذى يكون بمثابة بداية جملة يكملها الشطر الأخير، أى غطاء الموال :

     

    يامصطفى ياللى نورك نوّر الظلمات(عتبة الموال )

    وأرسلك ربنا بالبشرى والرحمات

    ياللى الكواكب لنورك ساجده فى السموات(بدن الموال)

    بالله يا مصطفى لا تنسى أحبابك (غطاء الموال)

    دا انت الشفيع للأمم م الذنب والزلات(4)

     

    أى أن حركة البناء تصعد خلال الشطرين الأخيرين وكأنهما بيت واحد، هنا يتوحد بدن الموال بغطائه لتنتهى بانتهائه التجربة، فالشطر غير المقفى فى الموال يمثل منحنى الصعود فى الرؤية والتشكيل واقتناص الحكمة ـ نراها فى الموال الذى رصده العالم الرائد أحمد رشدى صالح فى كتابه الأدب الشعبى(5) ـ التى يتم اصطيادها مع رباط الموال:

    يا رب صاحب أمانه نعمله مرسال

    للى جحدنا وبعد الدم لم بيسال

    سايق عليكو النبى لم تقطعوا السلسال

    خلوا جنات الوداد بيناتنا تجرى

    والله النبى ع الصحابه كل يوم بيسال

    فمن هذا الموال الجنوبى تتكاثر المواويل لتشتبك أغصانها وتحتشد حديقة الموال بألوانه الحمراء والخضراء والبيضاء.

    ألوان الموال

    فبعض مغنى الموال جعلوا الأحمر للغرام المشبوب وللتقريظ والسخرية، وأحيانا يصفون به الموال “اللطش” أى الذى يجابه الأخر عبر لغة أميل لانتزاع السخرية والضحك من النماذج السلبية، كما جعلوا الأبيض للحب العفيف بلغته الرقيقة، وأحيانا للموال المفتوح، حيث قوافيه لا تحتاج إلى فض اشتباك الجناس فى نهايات أغصانها، أما الأخضر فللمواويل التى تتناول ” الخضرة “والنيل وما يتعلق بالزرع، وعموما فإن اختلافا بين حفظة الموال فيما يتعلق بهذه التصانيف، وقد أصبح هذا النوع من أقل الأنواع رواية الآن، ومما ذكره ميلاد واصف فى كتابه قصة الموال(6):

    قاعد على الرمل وحدى فى عز ضهريه

    الشمس قدحت دماغى .. يانارى يا عنيه

    ومن هوا البحر ما شعرتش بحنيه

    تلسعنى نار الجفا،تحرقنى أتلوى

    يا حلو عطفك لروحى ضل شمسيه

    **

    يا حلو خدنى معاك بالرفق عين ب دال

    واسأل تجدنى حدا الأمجاد س يني دال 

    يا بو فم خاتم دهب والريق شين هـ ــدال 

    وحق تربة نبى والهاشم ابن ادريس 

    أنا يوم ما اشوفك بيبقى عندى عين ى دال

    وهنا يتوقف المتلقى ليجمع حروف القافية منتشيا ومعلقا على الكلمات التى انبنت أثناء الأداء فمن موال خماسى للغرام إلى موال خماسى للعشق ليتصل سلسال المواويل الخماسية مصوبا رؤاه فى اتجاه حتى يذهب بنا المغنى لموضوع آخر (7):

    بستان وندمان وياريت الحبيب معنا

    دا أنسنا لفظ فى بعده بغير معنى

    يابلبل الشوق اشجينا وسمعنا

    حتى الدموع للغصون تروى وتشكى لى

    شتت فؤادى البعاد الله يجمعنا*

     

    افتقاد الشجن

    حين ينتهى الموال لن تطرب إلا بالمزيد، حيث مخايلة البستان الذى يتجلى قى صورة إنسان يفتقد وجود الحبيب، فمعناه يصبح عدما بدون وجود العاشق، ويتجرد اللفظ من معناه أيضا، من هنا لابد من مناداة “بلبل الشوق” ليشارك البستان ومعه الحبيب الذى يعانى افتقاد حبيبه الَشِجن، لينتهى بالدعاء لجمع الشمل وإلباس اللفظ لمعناه الذى لن يوجد إلا مع وجود الحبيب، ومنه إلى موال آخر يتواصل معه(8) :

    لكل مرسوم أمرنى الحب ونهانى

    للحب لبيت بكل خضوع وانا هانى

    لكن هنا الشوق أفنى الصبر وانا هانى

    دايما يعز الوصال ويزول من يهواه

    وكم غدر بى خلى البال ونهانى

    لا تظن أيها القارىء الكريم أنها “مواويل عرجاء” أى تسير على قدم واحدة أو أنها قد أصابها خلل يجعلها بحاجة لمن يضبط صوتها ورؤاها، لكنها تنضبط لدرجة تدهشك، بل عليك أن تضبط على إيقاعها صيغة الحكمة حين تتقطر فى الرؤية والبناء الذى يسيجه البسيط (مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن):

    من عشقى فى الزرع جبت عود مرير وناشيته

    وجبت له ميه فى كف إيدى ورويته

    وصبرت عليه حول لما إن طرح جيته

    وجيت ادوقه لقيته مر لم ينداق

    تعتب عليه ليه ما هو أصل المر من بيته

    هذا البحر الصياد، الوقور، ابن الحكمة ومنجبها على ألسنة أبناء الجماعة الشعبية التى لا تشبعها المصكوكات، لكنها تذوب فى التنوع متنقلة بين ألوان فنونها الموالية من الرباعى إلى الخماسى متوجة هذا الشكل بالموال الأعرج الذى يقود الحكمة بداية من الشطر الرابع لنصيد ما قطرته فى الرباط الذى نستعيد معه الدهشة من جديد فى نوع من المواويل التى تمارس خلالها الجماعة حريتها وانضباطها فى آن واحد.

    ——-

    المراجع والحواشى

    1.الزهر والتزهير فى عرف الموالة، وبعض أبناء الجماعة الشعبية يشير إلى مفهوم معادل للجناس فى فنون العربية الفصحى، وحين يقول أبناء الجماعة الشعبية للمغنى الشعبى أو الراوى “أزْهِر” فإن ذلك يعنى طلبا بقول بعض المواويل ذات الجناسات المشتبكة، وذلك لاقتناص الحكمة والاستمتاع بالموال وجرسه الموسيقى بالنسبة للمتلقى، وكذا راحة الشاعر الشعبى أو المنشد “الصييت” بين أجزاء الرواية سواء كانت سيرة أو موال قصصى طويل أو حكاية شعبية وعظية، للمزيد، راجع مقالنا الموال السبعاوى عمدة الموال .

    2.الموال اللطش من اصطلاحه ، يشير فى عرف المبدعين الشعبيين إلى المواجهة بالفن بين طرفين يتمثلان فى مغنيين أو قوالين للموال ، ويمثل هذا اللون ، بل الطريقة فى الأداء أسلوبا لإظهار النماذج الإنسانية السيئة كالنذل – البخيل – الخائن – العويل – الدنيئ … إلخ، ويحاول كل قوَّال أن “يرمى” صاحبه بموال قاس ليطرحه فنا أمام الجمهور وليظهر سوءات صاحبه، أو على وجه أكثر دقة ـ فى اللعبة التخيلية التمثيلية ـ إبراز عيوب النماذج الإنسانية التى لا ترضى عنها الجماعة لأنها تشذ عن منظومة قيمها، وتظل المواويل تتعارك لتقوم بمهمة “اللطش” حتى تنتهى المواجهة بالمصالحة أو الصلح الموالى، ويحتضن كل مغنى صاحبه بعد أن يصالحهما الموال.

    3.شاعر الهلالية فى صيغتها البحراوية نسبة إلى الوجه البحرى، مواليد محافظة الغربية – مركز زفتى قرية سند بسط 1/9/ 1944، والده الشاعر الكبير الشهير السيد سيد أحمد حواس ، مواليد القاهرة،حى السيدة زينب فى 8 /5 / 1912 ورحل عن عالمنا فى 15/7/1981تاركا إرثا مهما لعل أشهر ما تركه قصة “عزيزة ويونس”.

    4.رواية أحمد السيد حواس ، مصدر سابق.

    5.راجع ، أحمد رشدى صالح ، الأدب الشعبى، دار الكاتب العربى ، القاهرة، 1956.

    6.راجع، ميلاد واصف، قصة الموال، دراسة تاريخية أدبية اجتماعية، تقديم د. حسن ظاظا ، كتب ثقافية، ع (165) المؤسسة المصرية والتوزيع العامة للأنباء والنشر والطباعة، القاهرة، 1961.

    7.المرجع السابق .

    8.السابق .

    اقرأ أيضا:

    «دنيا تجاريب تجاريب»: «المربع» الشعري حكمة الفرد.. والجماعة الشعبية

     

  • «دنيا تجاريب تجاريب»: «المربع» الشعري حكمة الفرد.. والجماعة الشعبية

    «دنيا تجاريب تجاريب»: «المربع» الشعري حكمة الفرد.. والجماعة الشعبية

    ولد «المربع» الشعري في قلب الجماعة الشعبية، وصار قرينا لعاداتها وتقاليدها وابنا لمنظومة قيمها، ومعظم من أبدعوه كانوا شعراء أفرادا تبنت أشعارهم الجماعة وصدقت على نصوصهم فأدخلتها في ملكيتها.

    لا يختلف المربع في بنائه سواء كان شعبيا أو كتبه مبدع فرد، وسواء كان شفاهيا أو مدونا، فالمربع يتكون فى بنائه من أربع حركات مثل عماد تكونه هي: (1)الطرح  (2)العتب  (3)الشد (4)الصيد. ويسير على النسق الرباعى التالى ( أ – ب – أ – ب). كما أنه ينتمى وزنا إلى بحر المجتث “مستفعلن – فاعلاتن – مستفعلن – فاعلاتن “، وهو يرتكز على لعبة التجنيس ليحدث المفارقة الصوتية /الدلالية في “الصيد”. أي فيما يصطاده الشاعر من حكمة فى نهاية مربعه (1).

    وقد كتب بيرم التونسي عددا من المربعات، وإن كانت أقل الأشكال كما في دواوينه:

    قريت ومليت كفايه

    خوف السقوط والبطاله

     وكل ما ازداد قرايه

     بالـدنيـا أزداد جهـاله


    يا طالب العلم تنداس

    لو يبقى علمك بضاعه

    تنفع وتستنفع الناس

    لو كنت صاحب صناعه


    يا عـالـم العلـم بالله

    يـزيد فى نـور البصيره

    واللى استنـارت نـواياه

    يلقى الدهب فى الحصـيره


    إن كـت تطلـب رضـا الله

    يجعـل لك الـناس عبيدك

    وإن كنت تطلب رضا الناس

    أقـلهـم يبقـى سيـدك


    الحلـم والصـبر كنـزين

     روتشيلد محتـاج إليهـم

    واللى يقـول الكـنوز فين

    إبـكـى يا عيـنى عليهـم (2)

    حكمة ابن عروس

    ومن خلال قراءة مربعات ابن عروس، سنجد ظلالا لمفرداتها وطرائقها الأسلوبية في مربعات بيرم التونسى. وقد كان بيرم من الذكاء بحيث صنع مربعاته بشكل لا يشى بشبهة الاندياح في النص العروسي. فحكمة بيرم مرتبطة بوقائع آنية اجتماعية تخص الظروف التي عاشها وعاينها. بينما كانت  – ولا تزال – حكمة ابن عروس هي حكمة الجماعة الشعبية. إذ إنه شاعر المواجهة المعلنة على عكس ابن عروس الذي فرض عليه عصره أن يغمّض بعض قوافيه، حيث ارتبط مربعه بالكلام عن الظلم، والخضوع للظالم…إلخ. كان ابن عروس، حسبما دلتنا معظم الروايات (3)، ابنا لظروف يحوطها القهر والبطش والغلظة في عصر المماليك، فضلا عن كونه شاعرا شفاهيا يحقق تغميضه لبعض قوافيه جماليات خاصـة، بينما بيرم شاعر كتابي، لذا فقوافيه واضحة نافذة إلى لب قضيته. ولنحاول أن نعقد الصلة بين المربعات الشعبية والمربعات التي أنتجها شاعر فرد:

    اللى يداديك داديـه

    واجعل عيالك عبيده

    واللى يعاديك عاديه

     روحك مهياش بإيده


    دنيا تجاريب تجاريب

    تاهت فيها البصاره

    المعزه تجرى ورا الديب

    والسبع تاكله الحماره


    الصبـر لأبأس بالصبـر

     لكـل مـن راح تواسى

    قلِّب كفوفك على الجمر

    حـتى تنـول الخـلاصى


    لو كنـت خايـف مـن الله

    ولا مـن القـبر والـهول

    ما كنـت تغـتر بالجـاه

    والظلم والجـور والصـول (4)

    كراسى التماسيح

    ويعد الشاعر عبد الستار سليم أحد الورثة النجباء لأجداده من مرصعي المربعات، ومن المهتمين بتتبعه ودرسه. وهو برغم اجتهاده يخالط أحيانا بين المربع والواو. فعند حديثه عن فن المربع يأتى لنا بنص من فن الواو، والعكس عندما يستعرض فن الواو، كما نراه خالطا بين العامية والشعبية والزجلية، ولنتأمل “المربع يطلق على فن الواو”ـ نرى ذلك خلطا بين فنين/نوعين بينهما قرابة ـ الذي يجىء على وزن مجزوء المجتث وتفايله فى الشطر الواحد (مستفعلن فاعلاتن)، وهو باللهجة العامية أو الشعبية أو الزجلية ومنه:

    غربى بلدنا بلد سيح

    والهلف ماشى ورانا

    مش عيب كراسى التماسيح

    تقعد عليها الورانا (5)

    وقد قدم سليم كتابا مهما جمع فيه عددا كبيرا من النصوص بعضها ينتمى لفن المربع وبعضها الأخر ينتمى لفن الواو. والكتاب يمثل ديوانا حافظا لهذين النوعين الشعريين الفنيين لكن عنونته بـ”فن الواو” تحتاج إلى مراجعة، إلا إذا اعتبرنا هذا الفن تنويعة على فن المربع.

    عبد الستار سليم
    عبد الستار سليم

    في طي النسيان

    إن عددا كبيرا من الدارسين والشعراء يخلطون بين الواو والمربع والموال. وبعضهم كتب نصوصا رباعية وظنها “واوا”، فالمربع والواو من وزن واحد وبنية تركيبهما تسير بنفس النسق ( أ- ب أ- ب)، لكن المربع دوما يكون “مفتوحا” لا يعمد إلى تشفير قوافيه لأن غرضها إيصالى. لذا سنجده يمثل البنية الصغرى في عدد من التجليات الزجلية عند الشعراء الأفراد أو في السيرة الهلالية كنص شعبى، وقد عرفنا التاريخ بعدد ممن كتبوا فن المربع ـ كل من كتب مربعا جاوره بكتابة فى فن الواوـ بعضهم قد اتسعت شهرته، بينما معظمهم ظلوا في طي النسيان. واستطاعت بعض المربعات اقتحام الأزمنة لتصل إلينا عبر التواتر الشفاهى لتتحول بعد أن تبناها الناس إلى نص شعبي.

    في قنا وسوهاج

    وينتشر فن المربع في صعيد مصر، خاصة محافظة قنا. وهو ما يفتح سؤالا كبيرا لماذا راق هذا الفن وقرينه الواو لأهل قنا وشعرائها الأفراد، يليهم أهل وشعراء سوهاج. فالمعاينة المكتبية والميدانية تؤكد على تكاثر هذا النوع من الشعر في هذه المنطقة. ربما لأن التاريخ المتواتر يقول إن ابن عروس قنائى المولد والنشأة وظل نصه فاعلا ومتواترا بين الناس فاستقى منه الشعراء الأفراد فنهم، بل إن بعض اللاحقين قد كتبوا عددا من المربعات ونسبها الناس لابن عروس. ونستطيع أن نرصد عددا من الشعراء ممن جاءوا بعد ابن عروس فمن محافظة قنا سنرى ـ كان يسبق اسم الشاعر كلمة الشيخ ـ  أسماء: أحمد القوصى – حسن الفرشوطى – توفيق وهبة– السقلى – على النابى – حسن زوط – حسن القفطى – عبد الله لهلبها الإسناوى – عبدالستار سليم – صفوت البططى – محمد خربوش – أشرف البولاقى – عبده الشنهورى – عادل صابر – محمد النوبى – مأمون الحجاجى – خالد الطاهر- حسين علام السوهاجى- هانى خلف وأخرون.

    بين الشعر الشعبي وشعر العامية

    ويبقى السؤال مفتوحا باحثا عن إجابات، ما هي الحدود بين الشعراء الأفراد الذين يكتبون المربع والشعراء الشعبيين الذين يبدعونه شفاهة. الفارق في نظرنا يكمن في الفارق بين الشعر الشعبي وشعر العامية أو الزجل(6) وهكذا فإن ديوان المربع من الدواوين المهمة على المستويين الفردي والشعبي، وكم بتنا بحاجة ماسة لجمعه والتعريف بشعرائه:

    أنا اللى فراقك رجفنى          وجبت الجلم والمحابر

     ومين علم النوح جفنى             غير ساكنين المجابر


    وراح فين سيد العطيه            وراح فين بحر الدميره

    وعندو الأسى والخطيه            تتوه فى مكارم غزيره(7). curvykayy95 fucks

    ويترواح تدوين المربع بين كتابته على شكل أغصان متتالية(ا-ب-ا-ب).

    وتأتى مشكلة تدوين أحرفه من المشكلات الكبرى التي تواجه تدوين الإبداع بالعامية، وتزاد المسألة تعقيدا حين ندون نصا له قالبه الذي يعتمد على الصوت بوصفه لعبة المربع الرئيسية التي عن طريقها تتكثف الحكمة عبر مفارقات اللغة والصوت. وسنجد الصعوبة أعلى فيما يتعلق بتدوين فن الواو كما سنرى في مقالنا القادم.

    الحواشى

    1. مسعود شومان، مربعات ابن عروس، دار سما للنشر والتوزيع، القاهرة، 2000.
    2. بيرم التونسى، أشعار بيرم التونسى، مرجع سابق، قصيدة : مناجاه، ص 130.
    3. مسعود شومان، مربعات ابن عروس، مرجع سابق.
    4. المرجع السابق.
    5. عبدالستار سليم، ديوان فن الواو، مرجع سابق.
    6. راجع، مسعود شومان، قضايا إشكالية فى شعر العامية المصرية، مؤتمر إقليم وسط وجنوب الصعيد.
    7. راجع، أحمد رشدى صالح، الأدب الشعبى، مرجع سابق، ص 369.

    اقرا أيضا:

    من صغر سني وحب البنات ميراثي: النميم وسواس همس الكلام الجنوبي

    المربع والواو توأمان لأم هي الحكمة: محاولة لفض الاشتباك

  • المربع والواو توأمان لأم هي الحكمة: محاولة لفض الاشتباك

    المربع والواو توأمان لأم هي الحكمة: محاولة لفض الاشتباك

    كيف نفض الاشتباك بين فنين شعريين ملتحمين، يعلنان الإخوة، ويتشاركان فى الهيئة وينغلقان على حدود “المجتث” حتى أصبحا توأمان لبطن خصيبة هي فنون التربيع، إنهما المربع والواو؟

    المربع والواو

    هما فنان يزهوان بقيم الشفاهة. يدقان بالصوت على الأذن فتتحقق المتعة من الأداء والمؤدى، فتحدث نشوة الشاعر والمتلقي وهما يصيدان الدلالة. فالمربع فن شعري يعتمد في بنائه وأدائه على مجموعة من القيم الصوتية التي تعمق مع “القول”. وتتنوع تجلياته بين شعرائه الشعبيين ـ ممن امتلك الناس أشعارهم وحفظوها وآمنوا بما تقدمه من منظومة قيم متسقة مع مجمل عاداتهم وتقاليدهم ـ والشعراء الأفراد ـ هل ننسب فنهم للإبداع الشعبي ـ الذين لم يقدر لأسماء بعضهم الذيوع والانتشار. وقد ارتبط هذا الفن تاريخيا بشاعر مصري اسمه ابن عروس.

    وقد اخًتلف حول وجوده ومصريته. وإن كانت معظم المراجع مع ما تواتر من نصوصه على المستويين الشفاهي والمدون ـ مربعاته تحفل بخصائص فنية تحيطها حمولتها الاجتماعية من قيم وعادات وتقاليد ومفردات شديدة المصرية ـ تؤكد مصريته، ولا تزال – حكمته ابنة لجماعته. حيث فرض عليه عصره أن يغمّض بعض قوافيه. بل وصل الغموض حتى طال تاريخه واسمه ومكان ميلاده. فضلا عن أن التاريخ الرسمي لم يسجل أسماء الشعراء الشعبيين في سجلاته، لكن تواتر المربعات تشير لوجوده بقوة، وتشير إلى زمنه. من هنا سنجد   مربعه قد ارتبط بالكلام عن الظلم والخضوع للظالم…إلخ.

    ولابد من يوم معلوم
    تترد فيه المظالم
    أبيض على كل مظلوم
    واسود على كل ظالم

    فقد كان، حسبما دلتنا معظم الروايات، ابنا لظروف يحوطها القهر والبطش والغلظة في عصر المماليك. وفي عصور الفوضى تتكاثر الحكمة، وتينع فنون الناس، ويلاحق البعض القبض على القيم التي ستفنى فيحبسونها في موال أو يؤطرونها فى مربع، ومع تكاثر الفوضى تتكاثر الحكم وتتفرع الأشكال وتنشد الألسنة أوجاعها:

    اللى يداديك داديـه

    واجعل عيالك عبيده

    واللى يعاديك عاديه

    روحك مهياش بإيده

     

    الصبـر لأبأس بالصبـر

    لكـل مـن راح تواسى

    قلِّب كفوفك على الجمر

    حـتى تنـول الخـلاصى(1)

    *************

    وكما يطلق على هذا الفن اسم “المربع” نسبة إلى عدد أغصانه. يطلق عليه أيضا اصطلاح فن “الواو”. وإن كان الواو مختلفا عنه فيما يستخدمه من لعب بالصوت والحرف ليصل بالكلمات في نهايات المربع إلى التجنيس الكامل. سواء عبر كلمة واحدة أو عبر عدة كلمات يتم دمجها معا لتحدث الارتطام الصوتي في المربع:

    جانى طبيبى ماسكسيف (2)
    وقال قبض ولا ديانه(3)
    من قال منكم ماسكسيف (4)
    ما يعرفشى أمور الديانه (5)

    قول مقفول

    ورغم أن الواو يأخذ الشكل والميزان نفسيهما، إلا أنه يقوم على التجنيس الكثيف فى قوافيه. ويشترك مع بعض الأشعار الشعبية في خصيصة تغميض القوافى لدرجة أن بعض رواتـه يطلقون عليه مع هذه الفنون “قول مقفول”.

    النفس تعبت وطمت (6)
    وما كنا نِخْلِف معادى(7)
    ادينا غرقنا فى بحر طمت(8)
    ومنين تجينا المعادى (9)

    *******

    سوق البلا فيه مراحات (10)
    وعيونى نزلت صبابه(11)
    وصفولى علاجى مراحات(12)
    تمت جميع الطبابا(13)

    *******

    سِهيت والليالى فاتتنى (14)
    راجل سبع ساكن فى غابت(15)
    قلت يعنى ارجع فاتتنى(16) 
    قالوا لو الشمس فى الضهر غابت(17)

    *******

    زين المقادم كرمهم
    والصدق ويَّا الأمانه
    أما الاندال دولا كرمهم(18)
    الكذب ويَّا الخيانه(19)

    *******

    دخل الطبيب ضحك لى(20)
    من الزيت الطيب هاتوله
    قالت أم العليل  ضحك لى(21)
    وان طاب العليل هاتوله

    *******

    فارس رمح بترسان(22)
    ونَفَسُه يضيق الخليقه(23)
    دخل المدينه بترسان(24)
    شهدت له كل الخليقه(25)

    *******

    خبير سَافر بفرسان(26)
    ونَفَسُه يضيق الخليقه(27)
    ومن العصر والنقر فيسان(28)
    لمّا الشمس عليت خليقه(29)

    *******

    قاعود صغير ما انقطرش(30)
    وحموله صفايح صفايح(31)
    وصفوله دوا ما انقطرش(32)
    قالوا وفين تبرى الجرايح(33)

    *******

    عيب الدهب الفص و نحاس
    وعيب الفارس حصانـه
    وعيب القبيله من الراس
    وعيب الفتى من لسانه

    *******

    صبيه تنادم ولدها(34)
    من فوق علالى سرايا(35)
    لبن الخناصر ولدها(36)
    وحسها يزين السرايا

     

    والمتأمل للواو سيجد أن عماد تكونه في بنائه من أربع حركات. تأخذ كل حركة اسما اصطلاحيا هي: (1) الطرح  (2) العتب (3) الشد (4) الصيد. ويسير على النسق الرباعى التالى ( أ – ب – أ – ب). كما أنه ينتمى وزنا إلى بحر المجتث “مستفعلن – فاعلاتن – مستفعلن – فاعلاتن “. وهو يرتكز على لعبة التجنيس ليحدث المفارقة الصوتية/ الدلالية في “الصيد”. أي فيما يصطاده الشاعر من حكمة في نهاية مربعه.

    لقد بتنا بحاجة ماسة لجمع ديوان الواو ليضم النصوص التراثية والمأثورة التي تحمل قدرا هائلا من اللعب اللغوي والحكمة. وليس عجيبا أن ترى اللغة وهي تتشكل في آتون حكمة الجماعة الشعبية خاصة في صعيد مصر. لكن المدهش حقا أن الميدان يثبت كل يوم أن هذا النوع من الشعر يجمع بين الاجتماعى والجمالي، بين التسلية والمهارة، بين إتقان المبدع الشعبي ومهارة أبناء الجماعة الشعبية وقدرتها على فك الشفرات.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الهوامش والحواشى:
    • راجع، مسعود شومان، مربعات ابن عروس، دار سما للنشر والتوزيع، القاهرة، 2000.
    • ماسكسيف: مدمجة من مفردتين: ماسك، أي الممسك ـ سيف، مفرد سيوف.
    • ديانة من الدين، وتعنى هنا الاستدانة.
    • ماسكسيف الثانية فمدمجة أيضا وتعنى موسى كيوسف.
    • أي أن من يقول منكم موسى كيوسف فهو لا يعرف أمور الدين.
    • رواية عزت نصر الدين عبر مهاتفة تليفونية في 3 مايو 2013.
    • موعد، أي لا نخلف موعدا.
    • طامى، سيال بالطمى.
    • المعادى: جمع المعدية، وهي مركبة تعبر بالناس من شاطىء النيل للشاطىء الآخر، والمقصود هنا، من أين ستأتى هذه المركبات في وسط الفيضان الجارف/ الطامي.
    • مدمجة: ميه راحت، أي مئة من البشر قد راحوا، أي ماتوا.
    • أي أن الدمع ظل يصب/ الدمع صباب..
    • مدمجة: مرارة حوت.
    • وافقت عليه جميع الأطباء.
    • فاتتنى أي تركتنى، وهي إشارة لرواح الزمن.
    **
    • غابة.
    • مدمجة: فتى تانى، أي هل يمكن أن أرجع فتى من جديد.
    • أفلت.
    • كرمهم من الكَرَم، أي أن الكرم زينة لهم وعلامة عليهم.
    • مدمجة: كار امهم، أي أن الكذب كارهم الذى ورثوه عن أمهم.
    • رواه الشاعر عبدالباسط نوح “والبخل ويَّا الخيانه” وحين فك لى الراوى عزت نصر الدين غموض المربع أكد أن ختام المربع هكذا “الكذب ويَّا الخيانه” ووجدنا أن الرواية الأخيرة أكثر اتساقا مع عتبة وطرح المربع.
    • مدمجة: دح كيله لى، أي اطحن كيلة من الحبوب لى ربما شفيت بها.
    • مدمجة: بتار سنه، أي يحمل ثأرا منذ عام.
    • خلقه.
    • مدمجة: بت راسين، أي قطع رأسين.
    • الخلق، أي الناس.
    • فرسان، جمع فارس
    • ضاق خلقه
    • مدمجة: يقرأ يس
    • الخلق: الناس
    **
    • لم يقطروه بعد، أى لم لم يخرج للعمل لأنه لا يزال صغيرا.
    • يحملون عليه صفيحة صغيحة لأنه لا يحتمل لصغره، ونختلف مع تفسير الرواى، ونرى أن الطرح، أي السطر الثاني يشير إلى أنه رغم صغر القاعود فإن حموله “صفايح صفايح”، أي أنها ثقيله بما يشير إلى الثقل المادي والمعنوي، وهو ما يستتبع الصياغات التالية التي ساهمت في اتساق المربع.
    • منقار طريشه أي قورتها، منطقة قوتها، والطريشة نوع من الأفاعى الصحراوية التى يقتل سمها من تطاله.
    • قالوا وفين تبرى الجرايح، إشارة إلى الاستحالة، أي أن الجروح لن تشفى لاستحالة الاتيان بمقدمة جسم الطريشة.
    • ابنها، أي تنادى على ولدها.
    • السرايا، مكان لسكنى الأغنياء والحكام.
    • لابان الخنصر ولا يدها، أي لم يبن من جسمها خنصرها ولا يدها وظلت في سراياها.
    اقرأ أيضا:

    من صغر سني وحب البنات ميراثي: النميم وسواس همس الكلام الجنوبي

  • الموال السباعى: عمدة المواويل

    الموال السباعى: عمدة المواويل

    يقول المثل الشعبى “أقل موال ينزه صاحبه”، فما بالنا بـ الموال السباعى الشكل، يتنوع بين قواف جلية وأخرى غامضة، وبين طرق أداء تراوح بين التطريب والتنغيم والعد.  والعد هنا يعنى الأداء الشعرى / الإلقاء، كأن صاحب الموال يعد الشطرات، وما بالنا بموال سباعى تتشاكل فيه الجناسات فتحتاج لمن يفك شفراتها، وكيف نقف على التنوع فى طرق الأداء والصياغات التى يقف وراءه وعيا بالبناء ولبناته التى تشكل الموال عبر ثلاثة أبنية صغرى هى :

    • العتبة
    • البدن /البطن / الردف
    • الرباط / الغطاء / نهاية الموال / القفل / طاقية الموال.

    وفى الغطاء تجتمع قوافى العتبة والبدن، فالرباط يحكم قبضته على رؤية الموال وصياغاته الجمالية، لكن السؤال لماذا صاغت الجماعة الشعبية مواويلها السباعية وهى تمتلك حصة كبيرة من المواويل الرباعية متتالية القافية (1)

    إن كنت عاقل وربك بالتقى برَّك
    ارفع أذاك وهات خيرك ودع شرَّك
    وان تعدَّى حسودك والحسد ضرَّك
    ناديه : يا أيها الإنسان ما غرَّك

    ياما بنوح عليك يا حلو وبناني
    لو كنت زغلول بنيت لك برج وبناني
    والبين قد هدني يا حلو وبنـــاني
    ومن دموعي خضبت الكف وبناني
    (2)

     

    فضلا عن المواويل الرباعية العرجاء التى تسبقها الليالى ، وتنهيها الليالى بكل ما فيها من شجن (3):

    عاشق رأى مبتلى قال له انت رايح فين
    وقف قرا قصته بَكُم سوا الاتنين
    راحُم لقاضى الهوى الاتنين سوا يشكُم
    بكوا التلاته وقالوا حبنا راح فين

    الليل … الليل

    كما أنتجت الجماعة مواويل خماسية / عرجاء صائدة للحكمة فى ذروتها عند السطر الأعرج (بدون قافية) ليرتفع بها مع نهاية الموال. ومن يتتبع ما يفيض به الميدان سيجد أن المبرر الفنى وراء وجود هذا الشكل من أشكال الموال هو حاجة الجماعة إلى شكل يتسع لما يحمله وعيها وما اكتسبته خبرتها من حكمة وما وعته ذاكرتها من تراكيب وأساليب جمالية.  إضافة إلى الحاجة إلى شكل أكثر اتساعاً يعانق الأغراض المختلفة فى حياة الجماعة، كما أن الشكلين الرباعى والخماسى قد مهدا الطريق للجماعة كى تجود على أبنائها بشكل جديد يكفى لرغباتها الجمالية ويتسع لخبرتها الحياتية.

    كذلك فقد أصبح للشعراء ذاكرة من المواويل الرباعية والخماسية تمنحهم الرغبة فى الولوج إلى شكل جديد، وهو الشكل السباعى، أو كما يطلق عليه عند بعض المغنين الشعبيين ” السبعاوى ” أو النعمانى فى مصر، أو الزهيرى فى العراق والكويت، وكذلك “المزهَّر” أو “موال سبع زهرات” فى مصر.

    تكوين الموال

    والسباعى يتكون من سبعة أغصان، ثلاثة منها بقافية واحدة، وبجناس واحد، وثلاثة أخر أيضاً بقافية واحدة، وتكون مغايرة للأغصان التى قبلها من حيث الجناس، أما الغصن السابع فعلى جناس وروى الثلاثة أغصان الأول . أما عن تسميته بالسباعى أو ” السبعاوى ” فإن ذلك يرجع  إلى عدد الأغصان، التى ينبنى عليها شكل الموال، فهو فى ذلك كالرباعى والخماسى. أما بالنسبة إلى التسميات المختلفة كالنعمانى ” المربوط ” / المزهَّر فى مصر أو الزهيرى فى العراق والكويت، فحولها جدل كبير، فهناك تبريرات لتسمية هذا الشكل السباعى بالزهيرى،” فيذهب معظم الباحثين إلى أن هذا الشكل السباعى للموال، قد سمى – فى الكويت والعراق – بفن الزهيرى والجمع (زهيريات) نسبة إلى شاعر عراقى حديث اشتهر بنظم هذا اللون من الشعر اسمه ” ملا جادر الزهيرى ” من عشيرة الزهيرات المنتشرة فى ربوع العراق، ولا سيما قرية الزهيرات التى تنسب إليهم”.

    خلاف بين الباحثين

    وهذا التعليل نرفضه ـ رفضه العالم الجليل الراحل د. محمد رجب النجار(4)ـ على الرغم من ذيوعه لعدة أسباب، الأول: ليس لأن الشاعر ملا جادر الزهيرى شاعر حديث – عاش فى القرن التاسع عشر الميلادى – فحسب، بل لأن المجتمع الشعبى نفسه ليس من طبيعته الاحتفاء باسم المبدع الفرد أساساً مهما كانت عبقريته، فضلاً عن أن فنون الأدب الشعبى- على اختلاف أنماطها وتنوعها – لم يحدث قط أن استمدت اصطلاحاتها الفنية من أسماء مبدعيها، كالأمثال والأغانى والحكايات والأساطير والسير والملاحم والنوادر والغطاوى والمعاظلات اللسانية إلخ، فهى على اختلاف أشكالها كلها اصطلاحات فنية شائعة بين أبناء الجماعة الشعبية، ولم يقل – أو يقم – أحد بنسبة أى منها إلى مبدع بعينه، ويرجع د. محمد رجب النجار وجود هذا الاصطلاح ” الزهيرى” إلى نسيان أبناء المنطقة معنى المصطلح العامى على حد تعبيره بمرور الأيام، فنشأ الخلاف بين الباحثين فى تفسيره، وبعض الرواة يشيرون إلى عدد الأغصان بالزهرات، فيقولون “موال سبع زهرات”، ويتأكد ذلك من خلال الميدان (5):

     

    بات العليل بات يتسلى على قولتاه
    حيلة العليل إيه غير نوحه وقولتاه
    جولوا طبيبين من البدر على قولتاه

    جربوا على الجراح برياشهم جربوا
    دكموا الدما سال بل الفرش والجربوا
    اتلموا أهله وناسه ع العليل جربوا
    باتوم عطاشى ولم جربوا على قولتاه
     (قولة  .. آه )

    (قولته)

    (اسمان : على  وقلته)

    (من التجريب)

    (القربة / الجربة)
    (قربوا)

    (من القلة: إناء للشرب  قلته)

    الاصطلاح مع السياق

            يقول د. النجار إنه عندما كان يسجل بعض المواويل لأحد الرواة بحضور أحد أقاربه الذى كان يستحث الراوية على أن يكون الموال مزهراً وفسر له المقصود بالزهر بأن شرح له شيئاً قريباً جداً من المفهوم البلاغى للجناس، وكأن “الزهر” عندهم مصطلح مرادف لمصطلح  “الجناس” المعروف بلاغياً، وأن التزهير فى عرفهم مرادف ” للتجنيس “، وعلى الرغم من وجاهة الرأى السابق، ومع انحيازى التام إلى تسميات الجماعة الشعبية لأشكال إبداعاتها، لا التبريرات اللغوية المعللة، أو التبريرات التاريخية للمصطلح ؛ فإن رجب النجار، على الرغم من وجاهة ملاحظته، وهى أن نسيان أبناء المنطقة هو الذى أدى إلى هذا الخلاف فى تفسير الاصطلاح؛ لكن السؤال الذى يطرح نفسه ما المقصود بالمنطقة، إذ إنه من المعروف أن الاصطلاحات التى تطلق على الأشكال الفنية الشعبية- على الرغم من عدم اختلافها- اصطلاحات خاصة بأبناء كل منطقة محلية، ويتواءم هذا الاصطلاح مع السياق الذى تبدع فيه الجماعة أشكالها الفنية .

    موال سبع زهرات

    وإذا كان مصطلح الزهيرى غير منتشر فى مصر الذى بنى مجمل رأيه على قول بعض من رواتها، وإن كان عد أغصان الموال بالزهرات قائم حتى الآن، كما أن خصيصة الجناس ليست لصيقة بالموال الزهيرى فقط، وإنما بأشكال الموال الأخرى مثل الرباعى والخماسى “الأعرج” وبعض أشكال الموال الطويلة.

    كما أن خصيصة الجناس ليست قاصرة على الموال، وإنما هى خصيصة لصيقة بمعظم أشكال الشعر الشعبى الأخرى، وكيف نستطيع تبرير تسمية (الموال السباعى) بالنعمانى على الرغم من انتشار هذا الاصطلاح بين عدد من الموالة فى مصر؟ ، لكن ما نراه أقرب إلى الصحة هو ربط الموال وقوافيه بالزهرات، حيث يقول الموالة “موال سبع زهرات”، والزهر هنا هو زينة الموال، الصوت الذى يمنح الموال معناه وصوته وشفراته وعلاقة المتلقى بالنص، فيشتم الأريج / المعنى المتكشف عبر الصوت المكثف فى التجنيس، وتتراوح المواويل السباعية بين المواويل المفتوحة / مكشوفة القافية والمواويل المشفرة، وهى التى يبرع فيها المصريون، ولها رواتها المهرة وتلقى هوى ومحبة أبناء الجماعة الشعبية لأنهم يشاركون الرواى فى صناعتها وكشف ما غمض من قوافيها، ومن أبدع ما رواه عز الدين نصر الدين شاعر الهلالية الراحل (6) فى هذا النوع :

     

     

    مدحت الحبيب النبى ما خلق الإله مثال شكليه
    ومن معجزات النبى راح له البعير شكليه
    نبى عاش من العمر لم داق الحرام شكليه

    وعاشق سهر ليل وقلبه للحبيب رامه
    عمل مثال بحر إذا هيَّج وزاد رامه

    نبى عدَّى ع البحر لا مركب ولا رامه  عشان جمال ابن رامه فتَّح الشكليه   
    (شكله، على مثاله)

    (شكى له )

    (شكله إيه)
    (يروم، أى يروم عشقه)

    (من الريم)

    (المرمه : المركب الكبير)
    (الشوك له)

     

    فين العَدل فين لكنى فض فاتحينه
    وبعينى شايف ناس بالألوفات فاتحينه
    وفى عز الضيق وهم عايشين فاتحينه
    وتديهم ما يخدوش حتى لو كفوف مندار
    ومن غيرهم حد غير رب العباد مندار
    ويا هلترى المرء راسه من الهموم مندار
    وبرضه لهم دار من الإكرام فاتحينه
    (7) 
    فات حينه

    فاتحه حانه

    متحنيين

    متدارى

    من يدرى بهم

    منداره

    مفتوح بكرهم

    عمدة المواويل

     إن الجمع الميدانى الأولى يشير إلى أن الموال السباعى أكثر أشكال الموال انتشارا فى مصر(8)، وأكثرها قدرة على الاحتفال بالجناسات الكثيقة. بل أصبح من الرسوخ الذى يجعله عمدة المواويل والبنية التى تتسع لينبنى منها المواويل الطويلة التى يطلق عليها البعض المواويل القصصية .

     

    المراجع والحواشى

    1. راجع، ميلاد واصف، قصة الموال، دراسة تاريخية أدبية اجتماعية، تقديم د. حسن ظاظا ، كتب ثقافية،ع (165) المؤسسة المصرية والتوزيع العامة للأنباء والنشر والطباعة،القاهرة، 1961.
    2. راجع ، أحمد رشدى صالح ، الأدب الشعبى، دار الكاتب العربى ، القاهرة، 1956.
    3. ميلاد واصف، قصة الموال ، مرجع سابق .
    4. راجع، د. محمد رجب النجار، الموال الزهيرى، رابطة كلية الآداب، جامعة الكويت . 
    5. رواية عزت الدين نصر الدين، قرية بر خيل، مركز البلينا، محافظة سوهاج، جمع : مسعود شومان، 2009.
    6. رواية عز الدين نصر الدين، قرية بر خيل، مركز البلينا، محافظة سوهاج، وقد جمعت بمدينة سوهاج فى شهر رمضان ، جمع : مسعود شومان، سبتمبر 2008. رحل عن عالمنا إثر حادث أليم أثناء عودته من ليلة كان يصطحب فيها الهلالية إلى مركز أبو تشت بمحافظة قنا، رحل مودعا نصا كبيرا وأحبة كانوا يتحلقون حول روايته وطريقته الخاصة فى الأداء، لقد كان عز أصغر رواة الهلالية سنا حيث كان يحفظها كاملة، ويؤمن بما أودع فيها المصرى من فنون، رحل عن عمر لم يتجاوز الثانية والأربعين فجر 19 من يوليو 2009 تاركا فراغا كبيرا وحزنا أكبر فى نفوس وأرواح محبيه من متابعيه من الباحثين والمهتمين والجمهور.
    7.   رواية عبد الباسط السيد نوح ، البلينا ، سوهاج ، مكان الجمع بنى سويف ، جمع مسعود شومان فى 16 مارس 2010 بحضور الراوة عزت نصر الدين ، فاوى القناوى ، زناتى عز الدين ، محمد عزت نصر الدين.
    8. لمزيد من التعرف على المواويل السباعية يمكن قراءة : مسعود شومان، الخطاب الشعرى فى الموال، دراسة تحليلية فى تشكيل النماذج الإنسانية، سلسلة مكتبة الشباب، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 1994، القاهرة . د. مصطفى رجب، الموال السبعاوى فى قرية مصرية، سلسلة الدراسات الشعبية، ع (107) الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 2006.

     

     

باب مصر