باب مصر

الوسم: فرنسا

  • «رشيد» بين ظلال النخيل وسيرة البيوت

    «رشيد» بين ظلال النخيل وسيرة البيوت

    عندما زار السفير الفرنسي بالقاهرة، إريك شوفالييه، وزوجته ماتيلد شوفالييه، مدينة رشيد في سبتمبر الماضي، خرج في جولة نيلية لرؤية المدينة في مشهد بانورامي، وتجربة الاستلقاء على كرسي مصنوع من جريد النخيل، وزيارة منزل الأمصيلي، المعروف بين سكان المدينة خطأ ببيت شامبليون. وصف ديوان محافظة البحيرة الزيارة في بيان رسمي بأنها فرصة لتأكيد العلاقة بين فرنسا ورشيد، التي تعتبر مدينة التاريخ وزهرة النيل، ومتحفا مفتوحا يعكس أصالة التاريخ المصري.

    ينسب لاسم المدينة «حجر رشيد»، المكتشف عام 1799، الفضل في فتح آفاق فهم اللغة المصرية القديمة لاحتوائه على نص واحد بثلاث لغات مختلفة على الحجر نفسه (اللغتان الأخريان هما الديموطيقية واليونانية القديمة). يُعرض الحجر الآن في المتحف البريطاني بلندن، ويضم متحف رشيد نسخة طبق الأصل دون الإشارة إلى أنها نسخة. وبعض المعلومات عن الاكتشاف. وتمثال نصفي كبير لبيير فرانسوا بوشار، مكتشف الحجر.

    من رشيد إلى فرنسا

    العلاقة بين رشيد وفرنسا تتخطى اكتشاف حجر رشيد، لتشمل تسجيل المدينة دخول الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، وخروجها كذلك. وبينهما علاقة مصاهرة بزواج زبيدة ابنة محمد عبد الرحمن البواب الميزوني، والجنرال جاك فرانسوا مينو (عبد الله مينو).

    أما شامبليون، العالم الفرنسي مكتشف طريقة فك رموز كتابات حجر رشيد، فنسب إليه سكان المدينة خطأ بيت من أهم بيوتها الأثرية. يقول محمود القصراوي، وهو يشير إلى “بيت الأمصيلي”: “أسكن بالمدينة طوال عمري وأعرف هذا البيت بأنه بيت شامبليون. كنت أمر عليه كل يوم أثناء رحلتي إلى المدرسة الثانوية القريبة، وبالصدفة عرفت مؤخرا اسمه وقصته الحقيقية”.

    ويفسر محمود سعد الحشاش، مسؤول الوعي الأثري بمنطقة آثار رشيد سبب التسمية الخاطئة للبيت ويقول لـ«باب مصر»: “شامبليون لم يسكن هنا. ويعتقد سكان المدينة هذا بسبب زيارة تاريخية للحفيد الأصغر هيرفيه شامبليون وزوجته كاثرين كولينز، مديرة متحف الفنون الجميلة بفرنسا، للمدينة وهذا المنزل بعد تجديده عام 2017”.

    أرشيفية من زيارة حفيد شامبليون لمدينة رشيد.. بإذن من صفحة محمود سعد الحشاش
    أرشيفية من زيارة حفيد شامبليون لمدينة رشيد.. بإذن من صفحة محمود سعد الحشاش
    غادة رشيد 

    من قصص ارتباط المدينة بفرنسا، سيرة زواج زبيدة ابنة محمد عبد الرحمن البواب الميزوني، والجنرال جاك فرانسوا مينو (عبد الله باشا). من أكثر القصص الإنسانية تعقيدا في تاريخ الحملة الفرنسية، أعيد تجسيدها في رواية الشاعر علي الجارم “غادة رشيد“، التي كتبها بالتناص مع رواية “غادة الكاميليا”.

    تبدأ الرواية بزبيدة التي لا تريد أن تنسى نبوءة “رابحة العرافة”، التي أطلعتها على ما تقوله النجوم بأنها ستصبح حاكمة لمصر. وبرغم حبها لابن عمها محمود، تعرض عن الزواج منه متطلعة إلى نبوءة الحكم. وفي تلك الفترة، تزوج مينو من زبيدة، وعندما اغتال سليمان الحلبي كليبر، خلفه مينو لتتحقق نبوءة زبيدة وتصبح زوجة الحاكم. وعندما انتهت الحملة الفرنسية ورحل الفرنسيون عن مصر، سافرت زبيدة مع مينو، الذي تركها هناك وانصرف لحياته، وعهد بولده (سليمان) لإحدى الأسر النبيلة لتربيته.

    في المتحف حاليا تُعرض وثيقة إسلام مينو وعقد زواجه من زبيدة البواب، التي يعرف بيت والدها باسمها رغم تسجيل المنزل في السجلات الرسمية ببيت “الميزوني”.

    ما هو أهم من متحف رشيد 

    الوصول إلى رشيد أسهل من الإسكندرية ويستغرق الطريق ساعة واحدة تقريبا. ومع اقتراب المدينة، تظهر حدائق النخيل الممتدة كحاجز جنوبي. ومنه تسير نحو شوارع المدينة ومعالمها التي تضم نحو 22 منزلا وحماما وطاحونة. بالإضافة إلى أحد عشر مسجدا وزاوية وثلاثة أضرحة، كثاني أكبر المدن المصدرية تسجيلا للآثار الإسلامية بعد القاهرة.

    متحف رشيد يخضع حاليا لعملية ترميم لمبنى أثري يتكون من ثلاثة طوابق. يرجع لعصر الدولة العثمانية وكان في الأصل بيت عرب كلي محافظ رشيد في ذلك الوقت. وفي الستينات تم تحويل المبنى إلى متحف صغير لإبراز دور المدينة في مقاومة الحملة الفرنسية ثم حملة فريزر الإنجليزية. ويعرض المتحف 700 قطعة، أهمها العملات الذهبية والبرونزية التي تعود للعصرين الأموي والعثماني، ونسخة من “حجر رشيد”.

    إلا أن المنزل الذي أصبح متحفا ليس بنفس روعة المنازل التي تم ترميمها حديثًا على بُعد خطوات قليلة. وفي حالة زيارة رشيد من أجل مشاهدة الحجر، فإنه أقل ما يثير الاهتمام في المعالم السياحية  للمدينة. السير في مدينة رشيد يستلزم مرافقا محليا، فالتجول في الأزقة والشوارع الضيقة يحتاج إلي دليل للوصول إلى البيوت الأثرية. ومنها بيت الميزوني وبيت حسيبة غزال وبيت عصفور والقناديلي وبيت الأمصيلي، أشهر المنازل المتاحة للزيارة حاليا.

    أبو شاهين والأمصيلي 

    يجمع بين منزل الأمصيلي و طاحونة أبو شاهين وحدة الطراز المعماري في شكل البناء الخارجي. الطاحونة الأقدم في مصر لطحن الغلال، تم تشييدها في القرن الثالث عشر الهجري، التاسع عشر الميلادي، بناها عثمان أغا الطوبجى باشا، المالك الأول لبيت الأمصيلي. زُخرفت جدران الطاحونة وبيت الأمصيلي بالطوب المنجور (الأحمر والأسود). بالإضافة إلى الاستعانة بالعقود الثلاثية أو المدائنية في بناء الجدران الحاملة للأسقف.

    يقول محمود سعد الحشاش، مسؤول الوعي الأثري بمنطقة آثار رشيد لـ«باب مصر»: “تشتهر البيوت في رشيد باسم المالك الأخير لها، ولكن يسجل أيضا أسماء المالك الأول وباني البيت. هذا المنزل منسوب إلى أحمد الأمصيلي، وهو آخر من سكنه. وبناه عثمان أغا الطوبجي عام 1808، وكان ضابطا في الجيش العثماني”.

    ويضيف: “رشيد كانت مدينة تجارية مزدهرة، وأغلب المنازل المسجلة كآثار حاليا كان يملكها تجار. لذا كان الدور الأرضي مخصصا كمخازن للغلال والتجارة. إلا منزل الأمصيلي خصص الدور الأرضي ليكون إسطبلا وحظيرة خيول مخصصة للأغا لكونه ضابطا لأحصنة عرباته وحصانه الخاص”.

    مكونات المنزل

    بحسب وصف سعد الحشاش، “يتكون المنزل من ثلاثة أدوار، الأرضي به حجرة الاستقبال وبها قواطع من الخشب تتخللها أعمدة رخامية. ويوجد بالدور الأرضي المخزن والحظيرة المخصصة لركوب (الأغا). بالإضافة إلى الصهريج الذي تخزن فيه المياه ودورات المياه. فيما تتشكل واجهة المنزل بكتابات بالخط الكوفي وزخارف جصية وفخارية، كما تكثر فيها (المشربيات) أعمال الأرابيسك”.

    وملحق بالمنزل بيت آخر كان مخصصا للخدم. وهو منزل «حسيبة غزال»، والذي يشّكل مع منزل الأمصيلي وطاحونة أبو شاهين وحدة معمارية متكاملة.

    من أين يأتي الطوب المنجور؟

    واجهة منزل الأمصيلي تتشابه مع بيوت ومساجد مسجلة كآثار، وتشتهر بالطوب الأسود والأحمر. ويقول سعد الحشاش: “الطوب المنجور صناعة اشتهرت بها رشيد ويميز طرازها المعماري. مع بعض المساجد بمدينة فوه على الجانب المواجه لفرع نهر النيل. واستخدم عدد محدود في واجهات الأبواب في مدينة إسنا جنوب مصر”.

    ويشرح: “لم يعد هذا النوع من الطوب ينتج حاليا بسبب قلة طمي النيل. لذا يعتمد مرممو الآثار على نوع من الصبغات لمحاكاة اللون الأساسي للطوب”.

    تسجيل مدينة رشيد باليونسكو

    في عام 2003، سجلت مدينة رشيد ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي باليونسكو، وبحسب تقرير المنظمة: “ما زالت بعض أحياء المدينة تحتفظ بشوارعها الضيقة المتقاطعة بزوايا قائمة. وهي آخر بقايا التخطيط العمراني الذي كان سائدا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وتصطف على جانبيها منازل من طابقين أو ثلاثة، تضم مساجد وحمامات وأكواخا”. ومع تشييد السد العالي في أسوان، لم يعد طمي النيل يصل إلي المدينة مع الفيضان. مما قلل صناعة الطوب الشهير بالمدينة.

    ويضيف تقرير اليونسكو: “في بداية القرن العشرين، صنفت لجنة صيانة الآثار العربية 38 منزلا كمعالم تاريخية. لم يبقَ منها اليوم سوى 22 منزلاً. نقلت ملكيتها إلى المجلس الأعلى للآثار وبدأ بترميمها. كان تصميمها متشابها في الغالب، طابق أرضي وطابق أو طابقين. وكان جزء من الطابق الأرضي مخصصا للأعمال التجارية والمخازن.

    أما الطابق الأول فكان للرجال والثاني للنساء. زُيّنت بعض الواجهات بالطوب متعدد الألوان، الأحمر والأسود والأبيض. وهي فريدة من نوعها في مصر. يتميز الطابقان الأول والثاني، اللذان يمتدان دائمًا إلى الشارع، بنوافذ خشبية رائعة مزخرفة. كما استُخدمت بلاطات خزفية تُعرف باسم “الزليج”، كما هو الحال في بلاد المغرب العربي”.

    صانع الأقفاص من جريد النخيل.. تصوير: محمد عوض
    صانع الأقفاص من جريد النخيل.. تصوير: محمد عوض
    سردية النخيل 

    تتجلى سردية رشيد في لقبها الشهير “بلد المليون نخلة”، وهو لقب يعكس واقعا ديموغرافيا واقتصاديا. حيث استخدمت أخشاب النخيل في أسقف البيوت، وجريدها في صناعة الأقفاص والأواني. في وسط بوابة رشيد البحرية القديمة ومنزل “الميزوني” تقع ورشة صغيرة لصناعة الأقفاص من جريد النخيل. يتجاور فيها شيخان جاوزا الستين من عمرهما ويحفظان سر الصناعة القديمة ويتمسكان بها.

    يجلس حسني العشري، 66 عاما، ويجهز أعواد الجريد بالتقطيع إلى قطع متساوية الأطوال. ويقول: “اتعلمت المهنة دي وأنا عندي ست سنوات ودلوقتي بقيت 66 عاما. ولا أعمل بغيرها، برغم أنها لم تعد مربحة ماديا”.

    لا تختلف قصة مبروك حميدة كثيرا عن العشري، فكلاهما يجلسان بورشة واحدة يقضيان اليوم من الثامنة صباحا إلي العاشرة مساءً، لصنع ما يقرب من 20 قفصا لحفظ الخضراوات ليحصلوا على ما يكفي من تكلفة العمل اليومي. يقول حسني العشري: “الجريد كله خير نستخدمه في الأقفاص. وهناك من طور في الصناعة وأصبح ينتج أثاثا ومقاعد وكراسي. ولكننا لم نستطع مجاراة هذا التطور ومازلنا نصنع الأقفاص”.

    كل نتاج الجريد له استخدام، بحسب مبروك حميدة. حيث يطوع لصنع الأقفاص وحتى القطع الصغيرة المتبقية من عملية التقطيع يمكن حرقها في أفران طهي الطعام في المنازل.

    جمار النخيل

    على بُعد شارعين من ورشة مبروك والعشري، يقف شاب  اسمه “صالح” أمام نهر النيل يقطع قلب النخل ويبيع قطعا صغيرة صالحة للأكل يسميها أهل المدينة “جُمار”.

    يقول محمود القصراوي: “نعرف الجٌمار من الصغر، هو قلب النخلة التي تقطع مع التقليم بعد موسم البلح. إذ أكل رطبا يكون في الصيف أكثر حلاوة بسبب عطش النخيل بفعل الحرارة”. تعتمد حرفة مبروك والعشري وأيضا صالح على النخيل والجريد الذي يتم تنظيفه بعد موسم الحصاد. تتطلب العملية صبرا وقوة تحمل. إذ يتم تقشير الجريد وتشكيله ليصبح أقفاصا وجٌمارا يأكله المارة لفائدته الصحية.

    عمل الثلاثة لا ينفصل عن تاريخ رشيد المعماري؛ إذ إن الأدوات والتقنيات التي يستخدمونها هي ذاتها التي وفرت المادة الخام لصناعة الأثاث والمشربيات التي تزين بيوت رشيد الأثرية.

    اقرأ أيضا:

    «ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

    «السمسمية» في البحر الأحمر.. موسيقى لا تشبه مدن القناة

    «القلوب البيضاء» و«قناة السويس».. فرق من ذوي الهمم تضيء مهرجان الإسماعيلية للفنون

  • فرنسا تطلب «حجر رشيد» من بريطانيا.. من يملك حق التفاوض على قطعة آثار مصرية؟

    فرنسا تطلب «حجر رشيد» من بريطانيا.. من يملك حق التفاوض على قطعة آثار مصرية؟

    تستمر المفاوضات بين بريطانيا وفرنسا على خلفية طلب فرنسا استعارة «حجر رشيد»، أحد أشهر القطع الأثرية المصرية المعروضة في المتحف البريطاني، وذلك مقابل عرض المتحف البريطاني لوحة «نسيج بايو» الضخمة المُعارة من فرنسا العام المقبل.

    وكانت موافقة فرنسا على إعارة النسيج الأثري بداية لمفاوضات وضغوط فرنسية شملت مطالب بتقديم دخول مخفض أو مجاني للمواطنين الفرنسيين، غير أن الطلب الأبرز تمثل في استعارة «حجر رشيد»، ما أثار جدلا واسعا وتساؤلات حول أحقية البلدين في التفاوض على قطعة أثرية تعود ملكيتها الأصلية إلى مصر.

    إعارة آثار

    تعود البداية إلى موافقة فرنسا على إعارة قطعة النسيج المطرز. والمعروفة باسم “نسيج بايو”، الذي يرجع تاريخه إلى نحو 900 عام. ويصور الغزو النورماندي لإنجلترا عام 1066. ويبلغ طول النسيج 68 مترا. وتضمن الاتفاق إرسال بريطانيا قطعا أثرية للعرض في فرنسا، من بينها كنوز “ساتون” وقطع “لويس تشيسمن” التي تعود إلى العصور الوسطى.

    مطالب بالدخول المجاني

    ذكرت صحيفة “فاينانشال تايمز” أن المسؤولين الفرنسيين مارسوا ضغوطا من أجل أمرين إضافيين: الدخول المجاني أو المخفض للمواطنين الفرنسيين. وهو ما رفضه المفاوضون البريطانيون باعتباره أمرا “لن يحدث أبدا”.

    وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن مثل هذه الخطوة غير معتادة. إذ نادرا ما تمنح المتاحف الفرنسية دخولًا مجانيًا حتى لمواطنيها. في المقابل، لا يفرض المتحف البريطاني رسوم دخول لمجموعته الدائمة، لكنه يفرض على المعارض الخاصة.

    استعارة حجر رشيد

    كان لدى المفاوضين الفرنسيين طموحات أكبر. إذ طالبوا باستعارة “حجر رشيد” المصري، أشهر قطعة أثرية في المتحف البريطاني.

    وبحسب موقع “آرت نيوز”، باء هذا الاقتراح بالفشل، إذ أن الحجر الذي استولت عليه بريطانيا عقب الحملة الفرنسية على مصر عام 1801 يخضع لقاعدة عدم نقله من المتحف، نظرا لأهميته. فهو مفتاحَ فكّ رموز الهيروغليفية الذي استخدمه العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون.

    حجر رشيد الأثري خلال عرضه بالمتحف البريطاني - مشاع إبداعي
    حجر رشيد الأثري خلال عرضه بالمتحف البريطاني – مشاع إبداعي
    عريضة اعتراض في فرنسا

    إعارة النسيج الأثري لبريطانيا أثارت اعتراضا واسعا في فرنسا. إذ جمعت عريضة لمنع نقله أكثر من 52 ألف توقيع حتى الجمعة الماضية، بحسب قناة “فرانس 24”.

    وبرر المعترضون موقفهم بمخاوف تتعلق بسلامة النسيج، واصفين النقل بأنه “جريمة تراث حقيقية”.

    دعم رسمي

    رغم الاعتراضات، أوضح مسؤول فرنسي مشرف على عملية الإعارة أن القطعة الأثرية ليست هشة للغاية بحيث لا يمكن نقلها. ودافع عن هذه الخطوة، مشيرا إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وافق على إقراض النسيج للمتحف البريطاني العام المقبل احتفالا بالعلاقات الفرنسية – البريطانية.

    وقال فيليب بيلافال، المكلف بمتابعة القرض، إنه لم يتم اتخاذ قرار بعد بشأن كيفية نقل النسيج. وفي حال الموافقة على إقراض النسيج، فستكون المرة الأولى التي يوجد فيها على الأراضي البريطانية منذ نحو ألف عام.

    مطالب سابقة

    اعتبر ماكرون أن إعارة النسيج تعكس الصداقة الأنجلو- فرنسية. خاصة أن رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي طالبت إعارته لأول مرة عام 2018. غير أن الخطوة أجلت مرارا بسبب المخاوف بشأن هشاشة النسيج وصعوبة نقله.

    المتحف البريطاني

    يثير الطلب الفرنسي تساؤلا: هل يحق لبريطانيا وفرنسا التفاوض على حجر رشيد، وهو أثر مصري أصيل؟ وهل يمكن أن يغادر الحجر بريطانيا دون موافقة مصرية؟

    يجيب عن هذه التساؤلات الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية. موضحا أن المتحف البريطاني يضم نحو 13 مليون قطعة أثرية جمعتها بريطانيا منذ تأسيسه عام 1753، عبر الشراء، والتنقيب، والهدايا، والتبرعات. إضافة إلى ما حصلت عليه خلال فترات الاستعمار بطرق غير شرعية.

    وأكد أن: “الاستعمار البريطاني الذي امتد إلى نصف الكرة الأرضية سهل عمليات نهب ونقل الآثار. ولولاه لما استطاع الأكاديميون البريطانيون تكوين هذه المجموعة الضخمة”.

    حجر رشيد الأثري خلال عرضه بالمتحف البريطاني - مشاع إبداعي
    حجر رشيد الأثري خلال عرضه بالمتحف البريطاني – مشاع إبداعي
    خروج حجر رشيد من مصر

    يضم المتحف البريطاني أكثر من 110 آلاف قطعة أثرية مصرية، منها مقتنيات من عصور ما قبل التاريخ، وآثار مصر القديمة، والحقبة المسيحية.

    ويشير الدكتور ريحان إلى أن سقوط الحملة الفرنسية أمام القوات البريطانية عام 1801. وما تلاه من توقيع معاهدة الإسكندرية، غير وضعية الآثار والمخطوطات التي جمعتها البعثة الفرنسية خلال وجودها في مصر. فقد أصبحت هذه الكنوز ضمن الممتلكات العامة، واستحوذت عليها بريطانيا. وكان من أبرزها حجر رشيد الذي نقل إلى المتحف البريطاني عام 1803.

    تحالف قديم

    بحسب وصف الدكتور عبد الرحيم ريحان، خرج حجر رشيد من مصر نتيجة تحالف بين (فرنسا – بريطانيا – الدولة العثمانية التي كانت مصر جزءا منها). وقال: “نُقِل حجر رشيد بشكل رسمي عن طريق معاهدة دولية، لكن تفوق بريطانيا عسكريا حينها أتاح لها نهب الآثار المصرية بشكل غير مستحق”.

    وأضاف: “بعد مغادرة نابليون بونابرت مصر، هاجم العثمانيون والإنجليز قوات الحملة الفرنسية في خليج أبو قير، في مارس 1801. واستولوا على جميع الآثار التي جمعها العلماء الفرنسيون. وبعد هزيمة الفرنسيين وتراجعهم إلى الإسكندرية، اصطحبوا معهم مجموعة من الآثار المصرية. بينها حجر رشيد، الذي أودع في أحد المستودعات باعتباره من مقتنيات القائد الفرنسي جاك فرانسوا مينو”.

    ومع اشتداد الحصار البريطاني على المدينة، اضطر مينو في 30 أغسطس 1801 إلى إعلان الاستسلام. وبموجب المادة 16 من اتفاقية التسوية، جرى تسليم جميع الآثار التي كانت بحوزة الفرنسيين، بما فيها حجر رشيد، إلى البريطانيين الذين نقلوه لاحقًا إلى لندن.

    أحقية بريطانيا في إعارة حجر رشيد

    أوضح الخبير الأثري أن حجر رشيد خرج من مصر في فترة خضوعها للسيطرة العثمانية. وعن أحقية بريطانيا في الحصول عليه آنذاك قال: “يعتبر أخذ انجلترا لحجر رشيد من الفرنسيين أمرا مقبولا من قبل الخلافة العثمانية التي كانت تسيطر على مصر. نظرا للحلف القائم بينها وبين انجلترا في ذلك الوقت. وهو ما منح الأخيرة الموافقة على أخذ الغنائم من الجيش الفرنسي، بما فيها الآثار”.

    وعن مفاوضات بريطانيا وفرنسا  لنقل حجر رشيد دون الرجوع إلى مصر، أضاف: “خرج الحجر بموجب معاهدة رسمية دولية، وبالتالي لا تستطيع مصر الاحتجاج على أي تصرف لإعارته من بريطانيا لأي دولة أخرى. نظرا لعدم وجود حق ملكية فكرية للآثار في المعاهدة الدولية”.

    حقوق الملكية الفكرية والقوانين الدولية

    أشار الدكتور ريحان إلى أن المجتمع الدولي تجاهل حقوق الملكية الفكرية للآثار التي بدأ سريانها عام 1995، والتي تنص على ضرورة الحصول على تصريح من مالك الحق الفكري ودفع ثمن لهذا الانتفاع. وقال: “وضعوا القوانين والاتفاقيات الدولية ظاهريًا لحفظ استقرار المجتمع الدولي. وباطنيًا لشرعنة الحصول على آثار البلاد صاحبة الحضارات العظيمة ومنها مصر”.

    وأردف: “تجاهل المجتمع الدولي إدراج التراث المادي ضمن اتفاقية حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالمنظمة العالمية للملكية الفكرية (ويبو)، التابعة للأمم المتحدة. والتي أسست عام 1967 في جينيف بعد مؤتمر باريس للملكية الصناعية، وتضم 177 دولة من بينها مصر”.

    عدم تضمين الآثار

    كشف عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة أن استبعاد التراث المادي من الاتفاقية الدولية يعود إلى رغبة الدول في الاحتفاظ بالقطع المنهوبة من بلاد أخرى – وعلى رأسها مصر – وعرضها في متاحفها. دون منح أي حقوق مادية أو أدبية للدول الأصلية.

    وأوضح أن هذه الدول، رغم ادعائها “الملكية القانونية” لتلك القطع الأثرية. إلا أنها – على حد وصفه – تروج لها على أنها آثار مصرية، ما يعود عليها بأرباح ضخمة تُقدّر بالمليارات. سواء من زيارات المتاحف أو من إعارتها مؤقتا أو حتى من بيع نسخ مستنسخة منها.

    حجر رشيد وافتتاح المتحف المصري الكبير

    ليست المطالب باستعارة حجر رشيد جديدة، ففي عام 2009 بدأت مفاوضات غير رسمية بين مصر وبريطانيا لعرضه بشكل مؤقت في القاهرة. وبحسب تقرير نشرته «هيئة الإذاعة البريطانية»  في ديسمبر 2009، قال د. زاهي حواس، رئيس هيئة الآثار المصرية آنذاك: “سأتخلى عن المطالبة باستعادة حجر رشيد بشكل دائم إذا وافق المتحف البريطاني على إعارته لمصر”.

    وأضاف حواس أنه، رغم رغبته في عودة الحجر إلى موطنه الأصلي، فإنه سيكتفي بإعارته لمدة ثلاثة أشهر، وكتب إلى المتحف البريطاني يطلب عرضه مؤقتا بمناسبة افتتاح المتحف المصري الكبير بالجيزة عام 2013. لكن متحدثة باسم المتحف البريطاني صرحت  بأن مصر لم تتقدم بطلب رسمي لإعادة «حجر رشيد» بشكل دائم، أما طلب الإعارة المؤقتة سيناقشه أمناء المتحف.

    أهمية حجر رشيد

    بحسب “بي بي سي”، تكمن أهمية «حجر رشيد» في أنه يحمل نصوصا بثلاث لغات: الهيروغليفية، والديموطيقية (المصرية القديمة)، واليونانية القديمة. وأتاح وجود النص اليوناني إمكانية فك رموز الهيروغليفية لأول مرة، وهو ما فتح الباب أمام فهم تاريخ مصر القديمة وحضارتها.

    اقرأ أيضا:

    كيف تحافظ دول العالم على مبانيها التاريخية؟ تجربة أمريكا في نقل مبنى سكة حديد

    بعد تورط متاحف في بيع قطع مشبوهة.. قانون أوروبي جديد يُغير مشهد تجارة الآثار عالميا

    امتلكها أمير عربي.. القصة الكاملة لبيع قطعة أثرية يُرجح سرقتها من مقبرة توت عنخ آمون

  • حوار| المخرج الكاميروني جان ماري تينو: السينما أداة للتعبير السياسي والاجتماعي في إفريقيا

    حوار| المخرج الكاميروني جان ماري تينو: السينما أداة للتعبير السياسي والاجتماعي في إفريقيا

    يرى المخرج الكاميروني «جان ماري تينو» Jean marie teno أن السينما ليست مجرد فن، بل أداة قوية للتعبير السياسي والاجتماعي، خاصة فيما يتعلق بتاريخ إفريقيا وما بعد الاستعمار. وفي حواره لـ«باب مصر» يتحدث تينو عن تجربته في رئاسة لجنة تحكيم مسابقة الأفلام التسجيلية في مهرجان الإسماعيلية السينمائي في دورته الأخيرة، وتناول القضايا المختلفة من خلال الأعمال السينمائية.

    في البداية حدثنا عن مسيرتك السينمائية وكيف بدأت الاهتمام بصناعة الأفلام؟

    نشأت في الكاميرون وكانت دائما مهتما بالتاريخ الاستعماري لدول إفريقيا، وكذلك قضايا الهوية والعرق. بدأت حياتي المهنية كصحفي، لكن بسبب الرقابة الشديدة على الصحافة في بلدي، قررت التوجه إلى صناعة الأفلام السينمائية. كان الهدف من أفلامي هو نقد الوضع الإفريقي، مع التركيز على التاريخ الاستعماري لما بعد الاستعمار. لقد قمت بإنتاج نحو 40 فيلما منذ عام 1985، والآن أنا أعيش بين فرنسا والكاميرون.

    في أول زيارة لك لمصر، ماذا كان انطباعك عن مهرجان الإسماعيلية السينمائي الدولي؟

    زيارتي لمصر كانت رائعة للغاية. وكان المهرجان تجربة مميزة، خاصة كوني رئيسا للجنة تحكيم مسابقة الأفلام التسجيلية الطويلة هذا العام. كما أن وجود المهرجان في حد ذاته هو أمر هام، لأن هذه الأنواع من الأفلام لها تأثيرا كبيرا في صناعة السينما وتساعد على تقديم قصص حقيقية وواقعية. ربما ما ينقص المهرجان هو  عدم توافر الترجمة الفورية خلال بعض الفعاليات، مما جعل من الصعب علي متابعة كل الفعاليات بالشكل الذي كنت أتمنى. وقد استمتعت كثيرا بالجولة السياحية التي نظمتها إدارة المهرجان للضيوف الأجانب. قمت بزيارة متحف قناة السويس، وجولة في قناة السويس نفسها. وأتطلع في المستقبل إلى زيارة مدن أخرى مثل القاهرة والإسكندرية. كما أنني سعيد بتكوين صداقات مع ضيوف المهرجان من مختلف الجنسيات.

    هل يمكن أن تحدثنا عن أفضل فيلم في مسابقة الأفلام القصيرة الخاصة بالمهرجان؟

    كان اختيار فيلم “خط التماس” (فرنسا، لبنان، قطر) ليكون الفائز بالجائزة الرسمية بسبب الطريقة التي تناول بها قضايا إنسانية مهمة وأسلوبه الفريد في التعبير عن الصراع والمشاعر الإنسانية. أما فيلم “بروناوبارك” فكان له تأثير قوي أيضا، لذلك منحنا جائزة لجنة التحكيم لهذا الفيلم المميز.

    في لقائك مع جمهور المهرجان، تحدثت عن أهمية التعليم في دول إفريقيا. هل يمكنك توضيح وجهة نظرك؟

    أرى أن التعليم هو أحد وسائل التحرر من الاستعمار. من المؤسف أن الفكر الاستعماري مازال موجودا في العديد من دول إفريقيا. لذلك يجب أن يكون التعليم وسيلة لتغيير هذه الثقافة. السينما أيضا تعد وسيلة تعليمية قوية. فهي “مدرسة ليلية” تساعد على التعلم والتطور.

    كيف ترى دور السينما في إفريقيا؟ وما الذي يميزها في رأيك؟

    أعتقد أن السينما الإفريقية يجب أن تعبر عن شعوبنا وأفكارنا. للأسف، التمويل الرئيسي للسينما الإفريقية يأتي من أوروبا، وهذا يؤدي إلى ترويج لأفكار تخدم مصالح أوروبا وليس إفريقيا. السينما، حتى في أفلام هوليوود والأفلام الأوروبية، تُستخدم كأداة سياسية. يجب أن تكون السينما المحلية أداة تعبر عن هويتها، ولا يجب أن تكون مجرد سلعة استهلاكية كما أصبحت حاليا في بعض المنصات.

    وماذا تعني لك السينما الوثائقية؟

    السينما الوثائقية بالنسبة لي هي “التصوير الإبداعي للواقع”، وأعتقد أن أهم كلمة هنا هي “الواقع”. كيف نتمكن من تصوير الواقع بشكل يتناغم مع الحقيقة ويعكس هموم الناس؟ هذا هو التحدي الأكبر.

     

    هل تؤمن أن السينما يمكن أن تكون وسيلة مقاومة للاستعمار؟

    نعم، السينما كانت وما زالت أداة قوية لمقاومة الاستعمار. منذ الخمسينات والستينات، بدأت السينما الإفريقية كأداة تعليمية وسياسية مناهضة للاستعمار، والآن يجب أن تستمر في كونها وسيلة لتغيير الفكر الثقافي والسياسي في الدول الإفريقية.

     كيف ترى دور السينما في العصر الحديث في ظل العولمة؟

    تواجه السينما اليوم تحديات كبيرة بسبب العولمة وتأثيرات التكنولوجيا. ولكن يجب أن نتمسك بمفهوم السينما كأداة للتغيير الاجتماعي والسياسي، فالسينما في نظري سلاح بصري، لأن الصورة أكثر تعقيدا من الكلمة المكتوبة.

    هل لديك أعمال قادمة؟

    نعم، أنا حاليا في المراحل النهائية لصناعة فيلم وثائقي حول مرض الملاريا في الكاميرون. الفيلم سيعرض في الكاميرون ويهدف إلى تسليط الضوء على هذه القضية الصحية المهمة، والتي تتفاقم بسبب البيئة المحيطة والإهمال من قبل المسؤولين في البلد.

    اقرأ أيضا:

    حوار| المخرج أحمد بدر: فيلم «ثريا» أحداثه حقيقية عايشتها في الصعيد

  • «شنطة سفر»: كريب سوزيت (2-2)

    «شنطة سفر»: كريب سوزيت (2-2)

    وقت ما سافرت باريس أول مرة، وقفت كتير عند المسلة اللي اتصورت عندها أم كلثوم صورتها الشهيرة سنة 1967 (أمام متحف اللوفر) واللي قالت إنها أكتر حاجة حبيتها في باريس، عشان بتاعتنا وده لما راحت قلبت الدنيا على مسرح الأولمبيا لمساندة المجهود الحربي. ووقت ما سافرت باريس لأول مرة سنة 1990، كان لسه امتداد الطريق اللي من ميدان المسلة – شارع الشانزليزيه – ميدان النجمة (قوس النصر) – قوس النصر الجديد (اسمه برضه لارك دي ديفونس)-امتداد باريس حاجة جديدة ومعظم الدنيا تحت الإنشاء.

    أخدتنا كاترين مراة أنكل صلاح النجار لفة بالعربية عشان نتفرج على الجزء الجديد من باريس. وهالني ما رأيت من عمارة الحداثة واللي شفتها في المبنى بالغ الضخامة، مكعب مفرغ (قوس نصر مجرد)، مبنى إداري وأمامه ساحة عملاقة ودرجات واسعة بين المستويات. وأبتديت أستوعب إن اللي جاي في العمارة والعمران كله كدة. “بس أنا بحب القديم” لقيتني بقول لنفسي وإحنا بنعدي مطب صناعي (كان برضه حاجة غير معتادة أو شائعة عندنا وقتها!) وقالت لي كاترين أن اسمه “ظهر الحمار” (دو دان).

    ***

    أما شارع الشانزليزيه فحكاياته كتير. لما سافرت باريس بعدها في أول الألفية كان الأوتيل اللي حاجزين فيه متفرع من الشانزليه، بس غيرناه لواحد تاني أحلى وأشيك بيبص على ميدان النجمة (قوس النصر) بذات نفسه. كان تحفة وكان له رائحة نظافة مميزة فاكراها وبستدعيها ضمن تدريبات “ذاكرة الحواس” -على رأي منى الشايب صاحبتي- لحد دلوقتي. كنا بنتمشى كتير في الشانزليزيه. كان الفرنك بحوالي٦٥ قرش، ومكانش لسه حصل التحول الكامل لليورو. كنا بنقعد على كافتيريات الرصيف، وكنا بنشوف بعد الظهر استعراضات وسباقات لسيارات بعض الشباب من أخواتنا من بعض البلدان العربية اللي بيروحوا يصيفوا في باريس.

    ووقعت في حب الأودي “التي2”. وعرفت أن فيه بعض السماسرة بيروحوا من بدري العصرية كدة يحجزوا ترابيزات لحد ما تيجي بعض الأسر العربية القادرة على “شراء الترابيزة” لتمضية الأمسية والسهرة على رصيف الشانزليزيه. قضينا في محل ديزني الشانزليه ساعات وساعات عشان نجيب لعمر ابني كل حاجة نقدر نجيبهاله. أبرزها كان لبس “باز لايت يير” (باظ يطير) من فيلم حكاية لعبة.

    التمشية في باريس ليلا كمان جميلة جدا جدا. خدتني رجليا مرة لحد ملهى الطاحونة الحمراء، وقعدت في الكافتيريا اللي قدامه. وعقلي كله في هنري تولوز لو تريك، والممثلات والمغنيات والراقصات اللي الدنيا داست عليهم وخلدهم هو برسوماته، عبقريته العفوية وألوانه السودا والأحمر والبرتقالي المكتوب وخط أيده الحر. لو تريك فتح لكل الفنانين خط مهم جدا في مجال تصميم البوسترات.

    ***
    قوس النصر في باريس
    قوس النصر في باريس

    وبمناسبة الملاهي الليلية، فمرة حاولنا نقف في طابور الليدو ولمحنا الراجل اللي بيضبط الطوابير، يمكن عشان لون بشرتنا وطريقة لبسنا أو صعبنا عليه عشان شكلنا تايهين أو محتارين – مش عارفة. المهم جالي وسألني عن جنسيتنا ولما عرف إننا مصريين نصفنا ودخّلنا وقعدنا في حتة حلوة جدا، وشفت عجب العجاب في الليدو، الاستعراضات المتعددة والمتقنة جدا، واللي بتدل على عبقرية التدريبات اللي وراها عاملة إزاي، باليه على جمباز على رقص على ترابيز على طيران على موسيقى على ديكورات بتغوص في الأرض وغيرها بتنزل من السقف، وخلفيات ثلاثية الأبعاد، ميكانيكية المسرح متطورة جدا، وألوان وألوان وأزياء وأزياء. عرض ما ينفعش يتفوت أبدا، إبداع لا يوصف. إبهار إبهار إبهار – شد 100 خط وعلامة تعجب. أثناء العرض، لا ننتبه لملابس الراقصات “الكاشفة” أبداً أبداً، إنما نكون في حالة دهشة طوال الوقت، منتبهين وبنحاول نستوعب اللي بيحصل قدام عينينا.

    في إبريل 2017 كان عندي اجتماع وتحكيم جوايز في برج مونبارناس. وكانت بلكونة أوضتي بتبص على سينما. وفي وسط الاجتماع جاني خبر وفاة نجلا أبو خطوة توأم روحي على مدار 40 سنة، واللي عانت من المرض حوالي ست سنين لحد ما غدر بيها وبينا. وقفوا الاجتماع وحاولوا يطيبوا خاطري، وصديقاتي التركيات كلموا أهلهم في أنقرة عشان يقروا لها قرآن، وقعدت معايا صديقاتي مينا (من رومانيا) وماجدالينا (من بلغاريا) لحد قرب الفجر. تاني يوم نزلت مش عارفة أودي نفسي فين. دخلت السينما. كان فيلم بوهيميان رابسودي وكان قالب الدنيا وقتها. كان مدبلج بالفرنساوي. فضلت أحضر عرض ورا الثاني لحد ما نمت على نفسي من وجع قلبي.

    ***
    منظر لبرج مونبارناس من قوس النصر، باريس، فرنسا
    منظر لبرج مونبارناس من قوس النصر، باريس، فرنسا

    وبخصوص منطقة المونبرناس، فهي دي المنطقة اللي كانت أمي الله يرحمها مقيمة فيها لما سافرت تدرس في باريس سنة 1985. كل مرة بأقيم هناك عشان اجتماعاتنا في البرج بدّور في الشوارع على ذكريات ماما. نفسي أروح أسواق البراغيث (مارشيه أو بوس) اللي حكت لي عنها، بيت الطلبة اللي كانت عايشة فيه، نفسي أشوف المطبخ اللي كانوا بيطبخوا فيه كل واحد طبخة من بلده. رجعت أمي من السفرية دي جايبة حاجات كثيرة جدا، ليها وليا وللبيت ولأحمد أخويا ولجهازي. ولسه معظم الحاجات عندي ببص لها وأستعملها وأتواصل من خلالها مع أمي واقرأ لها الفاتحة وأترحم عليها.

    آخر مرة سافرت باريس أجرت أوضة عند “موني” (مش فاكرة جنسيتها لكنها كانت من الشرق الأقصى، إنجليزيها تقريبا مفيش وأنا الفرنساوي بتاعي بعافية – مفيش مشكلة) في الدور الرابع في مبني قديم بيبص عالبرج والميدان. شقة موني “قد الحُق”، أوضتين ومطبخ وحمام فيه بانيو، وتواليت. كان شهر نوفمبر، يعني الدنيا برد عليا هناك، وعلى حظي كان فيه مشكلة في السخان، وكانت نهاية الأسبوع، موني وأنا كنا بنسخن مياه عالبوتاجاز، ونخلطها بمياه من الحنفية عشان الدش (بالكوز). ودي خبرات اكتسبتها من حياتنا العادية أوائل السبعينات في مصر. ومن شقة موني المتواضعة إلى بيت صديقتي الفنانة إيفا ستروزينسكا، بيت قديم عريق فخم كلاسيكي كبير حوائط حاملة من الحجر، كله ذوق وفن ولوحات لها وتماثيل وأسقف عالية وأوضة من أوضة وزرع كثير وحاجة كدة زي الأفلام الفرنسية القديمة الحلوة.

    ***

    ومن أهم أحداث سفرياتي في وجود مينا وماجي هو الاستكشاف لمباني ومناطق جديدة عليا. والمرة دي كانت زيارتي التانية لغابة بولونيا بس المرة دي لزيارة مؤسسة لوي فيتون تصميم المعماري الأشهر فرانك جاري. والمبنى كان من دواعي انبهاري بعمارة جيري، زي لما معهد العالم العربي بباريس أبهرني أول مرة زرتها. مبنى كأنه سفينة طالعة من وسط الغابة من المعدن الخفيف والزجاج وحواليه بحيرات يسبح فيها البط ومتنزه للعب الأطفال اسمه “جاردان داكليماتاسيون”.

    استعمل جيري الزجاج بسخاء سواء الشفاف أو الملون ألوان زاهية، مع الماء مع الإنشاء المعدني الظاهر. كتلة المبنى انسيابية ومتوائمة مع محيطها. داخل وخارج المبنى، جيري مهتم بأدق التفاصيل، مثل الإضاءة الخفية، والانحناءات التي تشير إلى تأثره بالكنيسة التي صممها لوكوربوزييه في رونشونوربطه مختلف الحيزات ببعض، وإدخال الدفء عليها بألوانها الهادئة والوظيفية، وتفاصيل التشطيب، وإزاي فراغات المبنى بتفاجئ الزائر. ففي الطابق السفلي مثلا، شلال من الماء ومسابح الصغيرة تعكس الضوء على أعمدة بزوايا مثلثة مصنوعة من زجاج مورانو. المبنى دة مش مجرد متحف، لكنه معلم ثقافي جاذب لفئات عمرية وخلفيات ثقافية مختلفة لأنه بيقدم أنشطة زي معالم ثقافية أخرى في مدن، لجأت لمعماريين كبار أو مسابقات وبالتالي أصبحت المباني علم للبلد كلها، زي مبنى زها حديد في باكو أذربيجان، وبومبيدو في باريس وجوجنهايم في بيلباو أسبانيا وأوبرا أوسلو في النرويج ومكتبة إسكندرية مصر، والمتحف الكبير في الجيزة مصر وغيرهم…

    ***
    مؤسسة لويس فويتون ترى حديقة التأقلم - باريس
    مؤسسة لويس فويتون ترى حديقة التأقلم – باريس

    جبت من المتحف قلم خشب عشان ينضم لأخواته الكتير اللي مجمعاهم من مختلف البلاد. وكتاب (بوب أب) تشرح المبني من بره ومن جوه. الكتاب ده بعتبره كنز حقيقي. كتاب مبسط عن المبنى والمعماري اللي مصممه، وإزاي بدأ مشواره وإزاي استوحى التصميم وإيه هي مراحل التصميم ومراحل البنا. كلها كتابات مختصرة ورسومات يدوية، وبعض صفحات الكتاب لما يتفتح تلاقي صفحاته ثلاثية الأبعاد بتوري مجسم للمبنى ومسقطه وقطاعه ومكانه وسط الشجر. نفسي نفسي نفسي أعمل كتب زي دي عن مبانينا الهامة في مصر. والكتاب دة أوحي لي بحاجات كتير جدا في تدريس مواد تاريخ ونظريات العمارة وكذلك في برنامج العمارة والأطفال – مصر. وجوايز المكعبات الذهبية اللي كنت بنظمها في بيت المعمار المصري وقت إدارتي له لمدة 10 سنوات متتالية.

    السفرية الأخيرة لباريس أتاحت ليا فرصة السنكحة اللي اتسنكحتها مع بابا قبلها بحوالي 30 سنة. لف على الأماكن، قعدة وساندوتش في حديقة لوكسومبور (جاردان دي لوكسومبور). تمشية في الحي اللاتيني والتسكع بين الفنانين والدكاكين وغدا باريسي أصيل أمام الكاتدرائية. زيارة كنيسة القلب المقدس وركوب الـ”الفيناكيولير” (زي عربة مترو بتطلع الجبل بالورب) ونزول على الدرجات الكثيرة وسط الخضرة كاشفة المدينة. ولكن أهم ما يميز باريس بالنسبة لي كان أكلة، في مطعم شكله متواضع في منطقة المونبارناس. اسم المطعم “لو بيتي جوزلان”، ويقع بشارع مونبرناس.

    ***

    الخشب أهم عناصر المكان، الفرش بسيط، والستاير بيضا بخيوط كروشيه زي من 100 سنة وزي شغل جدتي اللي مالي بيتي. لكن التحف والأعمال الفنية ماليين المكان في دواليب أو على بوفيهات أو أرفف. صوت موسيقى الأكورديون بتأكد الهوية السمعية الباريسية 100%. المكان مكتظ بالتحف. الإضاءة خافتة ونازلة من فوق في نجف واطي فوق الترابيزات. الأكلة اللي كلتها يا جماعة ما بيعرفش يعملها غير عيلتين، عيلة طبق زادة وعيلة سلطح بابا زادة وما بيدوش سره لحد أبدا على رأي بهيجة اسم الشخصية اللي قامت بيها الممثلة إحسان شريف في فيلم إشاعة حب. أنا أكلت كريب سوزيت يا ولاد!

    اقرأ أيضا:

    «شنطة سفر»: كريب سوزيت (1-2)

  • «المسارح العائمة» في العالم: تاريخ موجز

    «المسارح العائمة» في العالم: تاريخ موجز

    «ظاهرة فريدة تجمع بين الفنون ومياه الأنهار، لتقديم تجربة فنية لا تُنسى، مُحطمة الحواجز التقليدية المرتبطة بمواقع العروض الفنية»، بهذه الكلمات وصف المؤرخ بلاند سيمبسون المسارح العائمة التي بدأت في الانتشار حول العالم منذ بداية القرن العشرين حتى الآن. ورغم انتشار التكنولوجيا، إلا أنها لا تزال تحظى باهتمام أكثر من دولة حول العالم.

    جذور المسرح العائم

    يستكمل سيمبسون وصف المسارح العائمة وأهميتها، في كتابه “إلى بلاد الصوت”، حيث يشير إلى أن فكرة المسارح العائمة تعود جذورها إلى الحضارة المصرية القديمة، إذ كانت تُستخدم القوارب كجزء من عروض الممثلين والمطربين والراقصات في مياه النيل. وكانت هذه العروض جزءًا من الاحتفالات الدينية والطقوس الاجتماعية.

    ويضيف أن العلاقة الوثيقة بين الفن ومياه الأنهار في الثقافة المصرية القديمة، انتقلت من مصر إلى العالم. مع مرور الزمن، تطورت وظهرت مسارح عائمة في دول مختلفة. وصولا إلى القرن التاسع عشر، حيث كانت تُستخدم كمنصات لتقديم العروض في مناطق قريبة من المياه.

    القوارب الترفيهية.. تمثيل ورقص في مياه الأنهار

    ترجع فكرة تطوير المسارح العائمة إلى القرن التاسع عشر، وكانت عبارة عن قوارب خشبية مملوكة لعائلات تفتقر إلى المسارح التقليدية. وسجلت أول محاولة ناجحة لتنفيذ مسرح عائم في عام 1831 على يد “ويليام تشابمان” الممثل البريطاني الذي نجح في بناء أول قارب استعراضي في بيتسبرج، وكان يعرف باسم “المسرح العائم” .

    كانت القوارب الاستعراضية التي تبحر على طول نهري المسيسيبي وأوهايو جزءًا من التراث الثقافي حينها، لتوفير الترفيه لسكان المناطق النائية. كان قارب تشابمان بحجم (4×32 مترًا)، وكان يتجول مع عائلته بين المراسي لتقيم عروض مسرحية لويليام شكسبير، مع إضافة فقرات موسيقية ورقصات.

    عندما يصلوا إلى “نيو أورليانز” في أواخر الشتاء، كانوا يقومون بتفكيك القارب وإعادته بالباخرة إلى بيتسبرج لتكرار هذه التجربة في العام التالي. ومن الأمثلة المميزة على القوارب الاستعراضية في تلك الفترة كان “قصر السيرك العائم”. الذي بُني عام 1851، وكان يستضيف عروضًا ضخمة لرياضة الفروسية.

    ومع منتصف القرن التاسع عشر، تطورت القوارب لتستوعب ما يصل إلى 3400 شخص، وبدأت تستضيف عروضًا متنوعة، بما في ذلك متاحف الشمع وعروض الفروسية، لكن الحرب الأهلية الأمريكية أدت إلى اختفائها.

    عاد الاهتمام بعروض القوارب الاستعراضية في عام 1878، مع التركيز على الفودفيل والميلودراما. وساهمت قاطرات البخار والقوارب البخارية في زيادة الجمهور، وكانت قوارب مثل “New Sensation” و”Water Queen” تستوعب بين 100 و300 شخص. ومع تقدم القرن العشرين وتطور وسائل النقل، كان قارب “Golden Rod” يستوعب 1400 شخص، بينما كانت “Cotton Blossom” و”Sunny South” تمثل قصورًا مسرحية عائمة.

    عرض فيديليو عام 1995 بالمسرح العائم في النمسا
    عرض فيديليو عام 1995 بالمسرح العائم في النمسا
    جيمس آدامز.. رائد المسرح العائم

    تطورت فكرة المسارح العائمة بصورتها الحالية، على يد الأمريكي جيمس آدامز في بدايات القرن العشرين. نجح آدامز في تنفيذ فكرته لإنشاء مسرح عائم أسطوري في عام 1913، عندما قام هو وزوجته جيرتي بشراء قارب ضخم لصنع مسرح عائم بمبلغ 8941 دولارا، بالتعاون مع المخرج تشارلز هانتر.

    بدأ رحلته الأسطورية في عام 1914، بعدما نجح في بناء المسرح العملاق المتحرك في ولاية كارولينا الشمالية، الذي كان يتسع لـ700 مقعد، وكأنه منزل عائم عملاق. انطلقوا في رحلة تجريبية في نهاية فبراير، وقدموا عروضهم في مدن مثل هيرتفورد وبليموث، ووصلوا إلى العديد من الأماكن.

    كانت تستمر الإعلانات طوال الأسابيع لترتيب زيارات المسرح العائم الضخم. وألهم المسرح العائم لجيمس آدامز الكثير من الكُتاب، مثل “إيدنا فيربير” التي زارته وألهمتها العروض أثناء كتابة رواية عام 1926.

    عودة المسرح العائم: إحياء الفنون على الأنهار

    بحسب كتاب “سي ريتشارد جيليسبي: مسرح جيمس آدامز العائم” الصادر عن دار نشر تايدووتر، شكل وصول مسرح آدامز العائم حدثًا مثيرًا للمقيمين في المجتمعات المعزولة. كانت العروض تستمر عادةً لمدة ست ليالٍ في كل موقع. حيث تقدم مجموعة متنوعة من المسرحيات والترفيه لجذب الجماهير. مما يضمن عودتهم كل ليلة. وفي اليوم السابع، كانت السفينة تتجه إلى وجهتها التالية.

    مع بداية الصيف والخريف، كانت تتجه جنوبًا نحو إليزابيث سيتي، شمال كارولينا، حيث كانت تقضي الشتاء. وخلال الفترة من عام 1914 إلى عام 1941، قدم مسرح جيمس آدامز العائم أكثر من 200 مسرحية مختلفة. تراجع عمل المسرح العائم في ثلاثينيات القرن العشرين، وفي عام 1941، دمر حريق المسرح أثناء نقله، ويعمل حاليا مجموعة من المتطوعين على بناء نسخة طبق الأصل الآن من هذا المسرح التاريخي.

    أشهر مسرح عائم في العالم

    من الولايات المتحدة إلى النمسا، كانت فكرة المسارح العائمة حاضرة بقوة في الدول الإسكندنافية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، والاستقرار النسبي الذي شهدته عدد من البلاد في أوروبا. تم تنفيذ الفكرة من جديد في عام 1946 لكن على ضفاف بحيرة كونستانس في النمسا، وحمل اسم “Seebühne”.

    تم تصنيف المسرح العائم “Seebühne” كأكبر مسرح عائم في العالم، وتم بناءه على مساحة ضخمة ليقدم مشاهد وعروض فريدة يمتزج فيها المسرح مع السماء والمياه. أصبح المسرح العائم في بحيرة كونستانس مشهدًا فريدًا من نوعه، إذ يقدم أوبرا كجزء من مهرجان بريجينز الصيفي. يجذب هذا الحدث أكثر من 10 آلاف زائر من جميع أنحاء أوروبا، حسبما ذكر موقع Culture Trip.

    يتغير تصميم المسرح مع كل عرض، ليعكس روح العمل الفني. تارة يُقدم العرض مع تصميم “الهولندي الطائر” لريتشارد فاجنر، وفي عرض آخر يتحول الديكور ليصبح العين العملاقة المخصصة لأوبرا “توسكا” لجياكومو بوتشيني.

    في أغسطس 1946، بعد عام واحد فقط من نهاية الحرب العالمية الثانية، أقيم مهرجان بريجينز الأول. وبدأ موسيقى موزارت على مسرح متواضع بمركب فخم. كانت مدينة بريجينز تفتقر إلى مسرح في ذلك الوقت، لذلك تم اختيار (بحيرة كونستانس) كمسرح. في البداية كحل مؤقت، لكن تبين أن اختيار المكان كان سببا لنجاحه. وبعدها تأسست جمعية مهرجان بريجينز في عام 1950، لتصبح هيئة دائمة من المنظمين الذين يواصلون تطوير المهرجان حتى اليوم.

    يعد الديكور واحدا من العوامل التي ضمنت استمرارية المهرجان السنوي حتى الآن. وفي كل عام يتم تصميم ديكور جديد يكون أكثر سريالية. وعادة ما يستغرق بناؤه حوالي 215 يوما ويتم تجديده كل عامين على أخشاب يتم وضعها على جزء خرساني.

    أنيس منصور بالمسرح العائم في فيرساي

    بسبب نجاح المهرجان والمسرح العائم بالنمسا، حرص المليونير المصري النمساوي فوزي متولي على تأسيس مسرح عائم لكن على بحيرة صناعية في فرساي الفرنسية في مطلع القرن الحادي والعشرين. ودعا الكاتب المصري الراحل أنيس منصور لحضور واحدة من المسرحيات التي تم عرضها.

    وكتب منصور كواليس حضور هذه المسرحية في كتابه “في تلك السنة هؤلاء العظماء ولدوا معا” الصادر عن دار نهضة مصر للنشر. قال: “في عام 2003، ذهبت مع المليونير المصري النمساوي فوزي متولي، أتفرج على المسرح العائم الذي أقامه على بحيرة صناعية في فرساي، وفوزي متولي هو منتج أوبرا عايدة في الأقصر، باعتباره أروع عرض في القرن العشرين. وتم تقديم بالمسرح العائم في فرساي، أوبرا أندريه شينيه، من تأليف الشاعر الإيطالي لويجي إليكا ومن موسيقى وألحان الموسيقار الإيطالي أوبرتو جورانو. وقد ظهرت لأول مرة على مسرح لاسكالا بمدينة ميلانو في مارس عام 1896”.

    مسرح L’Île Ô: أول مسرح عائم بفرنسا

    يرجع سبب تدشين المليونير المصري لمسرح عائم على بحيرة صناعية في فرنسا إلى تعارض قوانين بعض الدول، مثل فرنسا، مع تنفيذ المسارح العائمة بسبب اللوائح الخاصة بالمباني والقوارب. ورغم هذا التعارض، نجح مهندس هولندي في تنفيذ أول مسرح عائم بفرنسا في عام 2022.

    يقع هذا المسرح في مدينة ليون الفرنسية، ويحمل اسم “L’Île Ô”.يعد هذا المسرح الأول من نوعه في فرنسا ويُرسو بشكل دائم على نهر الرون. ويتميز بتصميمه الداخلي الخشبي. تم تدشينه ليكون منصة فنية وتعليمية تُلهم الشباب والأطفال في عالم الفنون المسرحية.

    يتألف المسرح من ست وحدات، مما يوفر مساحة إجمالية تصل إلى 245 مترًا مربعًا موزعة على ثلاثة مستويات. يضم المسرح قاعتين للعروض، تتسع إحداهما لـ78 مقعدًا والأخرى لـ244 مقعدًا. ولم يقتصر المسرح على تقديم العروض التمثيلية فقط، بل يقدم أيضا عروض صوت وضوء تجمع بين الأداء العالي والتكلفة المتوسطة.

    المباني العائمة وتحديات المناخ

    صمم المهندس المعماري الهولندي كوين أولثيوس المسرح العائم في نهر الرون، يعتبر أولثويس من أبرز الأسماء في مجال تصميم الهياكل العائمة. حيث درس الهندسة المعمارية والتصميم الصناعي في جامعة دلفت للتكنولوجيا. اكتسب أساسياته المعرفية التي ساعدته على تطوير رؤية فريدة لمواجهة التحديات المرتبطة بالفيضانات وارتفاع مستويات سطح البحر.

    في عام 2005، تعاون أولثويس لتأسيس شركة تركز على تطوير حلول مبتكرة لتعزيز قدرة المدن على التكيف مع التغيرات المناخية. في عام 2007، تم تكريمه باحتلاله المرتبة 122 في استطلاع رأي قراء مجلة “تايم” حول “أكثر الأشخاص تأثيرًا في العام”.

    كواليس المسرح العائم: إلهام أدبي يجسد التاريخ

    تعتبر كواليس الرحلات على “المسرح العائم” مصدر إلهام للكثير من الكُتاب والأدباء. ومن بينهم الكاتبة البريطانية مارثا كونواي، التي أصدرت روايتها “المسرح العائم” عام 2017. تدور أحداث الرواية في القرن التاسع عشر، تحديدًا عام 1838. حيث تتناول قصة ماي بيدلو، خياطة ساذجة تعمل لابنة عمها، الممثلة الشهيرة كومفورت فيرتيو.

    تتغير مجريات الأحداث عندما يغرق قاربهما البخاري في نهر أوهايو، فتعمل ماي على متن “مسرح هوجو وهيلينا” العائم، الذي يجوب الحدود بين الولايات الشمالية والجنوبية. حيث لا يزال هناك نظام العبيد. تدور أحداث الرواية حول قصة ماي التي تُواجه الابتزاز في محاولتها لإنقاذ الهاربين عبر السكك الحديدية.

    اقرأ أيضا:

    «المسرح العائم» في خطر.. ووزير الثقافة: «قرارات دولة»

    «المسرح العائم»: شهد بدايات العندليب.. ولقاءات عبدالناصر السرية بعد النكسة

  • فازات وأطباق عيش.. «زينب» صانعة منتجات منزلية من الخوص

    فازات وأطباق عيش.. «زينب» صانعة منتجات منزلية من الخوص

    منذ سنوات طويلة، تعمل زينب عبدالمجيد حسب الله، في صناعة الخوص بقرية خزام إحدى القرى التابعة لمركز قوص في قنا. أطباق العيش والفازات وأدوات الزينة أبرز ما تصنعه زينب وتقبل عليه السيدات بشكل كبير لاستخدامه في منازلهن.

    من إسنا لخزام

    تقول زينب: “أعمل في الخوص منذ 20 عاما، فأصنع منه منتجات تستخدم في المنازل وتستخدم في الزينة أيضا. فضلا عن إتقاني الأعمال اليدوية، مثل صناعة المفارش القماش والصوف ومفارش السفرة، والمفارش التي توضع على صواني الطعام في المناسبات المختلفة، فضلا عن الفساتين والشيلان”.

    وتابعت: منذ صغري تقريبا في الإعدادية، كنت أذهب في الإجازة لمدرسة الحياكة. وتعلمت هناك الحياكة في ورق الجرائد والأقمشة القديمة، وانتقلت بعدها إلى المشغل للعمل بشكل أدق.

    تذكر زينب أن موهبتها اكتسبتها من أهلها خاصة خالتها وجدتها، تصنعا المنتجات اليدوية أيضا. بينما كان والدها يصنع ما يسمى بـ”المقطف” الصغير لاستخدامه في رش الأسمدة بالأراضي الزراعية.

    وتقول: “أحب مهنتي جدا، حتى أن يوم الحناء الخاص بي ذهبت إلى المشغل صباحا للعمل. ورجعت بعد الظهيرة لبدء طقوس الحناء، وحينما كنت أقيم في إسنا، كنت أصنع منتجات سياحية أبيعها للسياح. مثل جلباب من التل، والطرح المغزولة والتوب الإسناوي والمناديل”.

    منتجات الخوص

    تزوجت زينب وانتقلت للعيش في قرية خزام إحدى القرى التابعة لمركز قوص، ظلت عامين كاملين بدون عمل أو ممارسة هوايتها. إلى أن اشترت لها خالتها ماكينة حياكة. فعادت مرة أخرى للعمل الذي تمارسه في أوقات فراغها.

    تصنع زينب المنتجات اليدوية من الخوص، وتذهب بها إلى الأقصر. حيث تسوقها لصاحب أحد البزارات الذي يبيعها أو يصدر بعض منها للسياح في ألمانيا وفرنسا.

    تقول: “لعدة سنوات استمر الطلب على منتجاتي من قبل سياح ألمان. كنت أصنع طبق للعيش، ومفارش للأطباق وطواجن الأطعمة، وفازات زينة، وأنواع زينة أخرى تعلق على الحوائط وجميعها من الخوص”. لافتة إلى تسويق منتجاتها هنا في القرية للجيران والأقارب. ويعد طبق العيش الأكثر مبيعا من قبل السيدات”.

    وتصنع أيضًا “العمرة المقببة” لوضع خبر العيد فيها (الفايش) كما يطلقون عليه أهل القرية. وتصنع أيضًا “الكبوته والفازة والكرسي والشيالة وطباق للبيض وللقهوة”. وأخرى كثيرة من الخوص، وتلون ما تريد أن تضفي عليه منظرا جميلا.

    مراحل العمل

    توضح زينب أنها تشتري نوع من الخوص – يكون في قلب النخلة- من أي تاجر نخيل، أو صاحب نخيل في القرية. حاليًا تشتري الحزمة بـ500 جنيه. بينما كانت في السابق تشتريها بمبلغ 100 جنيه، وتجففه في الشمس ثم تبله بالمياه. وتشتري أيضًا (الجرباح) نوع آخر من منتجات النخيل لتربط به الخوص أثناء غزلها، وسعره 200 جنيه.

    ثم تقوم بلف الخوص على فرع صغير، يمثل بمثابة خيط صغير من الجرباح، لتتم عملية الربط والغزل للخوص. وتغزل “مبرش” العيش حتى تنتهي من صناعته وتتركه يجف في الشمس. ثم تشتري “التفتة” (وهي البودرة الملونة التي تلون بها الخوص) من العطار بالأقصر. إذ ارتفع سعرها الفترة الحالية وتشكل من تلك الألوان المختلفة الخوص. وتكمل أنها تأخذ أسبوع فأكثر في القطعة الواحدة، بينما تستمر في القطعة الصغيرة 3 أيام عمل.

    مفرش من الصوف
    مفرش من الصوف
    تطوير المنتجات

    تقول زينب: “أتابع وألمح كل ما يُغزل أمامي، وكل ما هو جديد أيضا، فطورت منتجاتي التي أصنعها من الخوص ولم أكتف بالصناعة فقط، وتعلمت الأعمال اليدوية أيضا”.

    وتحكي ذات مرة تزوجت فتاة من الجيران، وطلبت منها عمل “إبريق مياه” و”طشت” من الخوص الملون لتضعه زينة في منزلها، وبالفعل صنعتهما لها ونالت إعجابها. منوهة بأنها لا تكتفي بالخوص، بل تصنع مفارش الصوف، ومفارش الساري السوري والهندي، ومفارش الصينية، كما تصنع منتجات الخرز.

    تتمنى زينب تسويق منتجاتها خارج القرية وللسائحين خارج مصر، حتى تتمكن من الاستمرار والمحافظة على هذه المهنة، بعد ارتفاع سعر جميع الخامات التي تستخدمها في الصناعة.

    اقرأ أيضا:

    أماكن منسية في مصر: قصر «جودة مليك» شاهد على تاريخ قوص

  • كواليس التحقيق لاسترداد مصر جداريتين أثريتين من فرنسا

    كواليس التحقيق لاسترداد مصر جداريتين أثريتين من فرنسا

    تمكنت مصر من استرداد جداريتين أثريتين كانت قد تمت سرقتهما وتهريبهما خارج مصر. وذلك بعد جهود مستمرة قام بها النائب العام المصري حمادة الصاوي، ووفد رفيع المستوى من مكتبه، وبالتعاون مع السلطات الفرنسية.

    مصر تسترد جداريتين مسروقتين

    تسلمت مصر الجداريتين خلال حفل استرداد أقيم في مقر السفارة المصرية في باريس. وحضر الحفل عدد من المسؤولين المصريين والفرنسيين. وتعد الجداريتين جزءًا من تراث الحضارة المصرية القديمة. وتمثل قيمة عالية من الناحية التاريخية والثقافية.

    تأتي هذه الاستردادات ضمن جهود مصر المتواصلة لاستعادة آثارها المنهوبة والتي تم تهريبها خارج البلاد. والتي تعد جزءًا من تراثها الثقافي الهام. وتؤكد هذه الجهود على أهمية حماية التراث الثقافي والحفاظ عليه.

    جدارية أثرية مسروقة استردتها مصر من فرنسا
    جدارية أثرية مسروقة استردتها مصر من فرنسا
     اتهامات بتهريب آثار مصرية منهوبة

    لكن هناك الكثير من الأسئلة عن تاريخ الجداريتين في مصر، وكيف خرجتا من مصر، وكواليس التحقيق بشأنهما لإثبات أنهما مسروقتان، ومصير التاجر بائع القطعتين. خاصة أنه تواجه صناعة الفنون في فرنسا صدمة جديدة بعدما تم توجيه اتهامات لتاجر فنون فرنسي بتهريب الآثار المصرية المنهوبة.

    وفي قضية قضائية جارية في باريس، طالب المدعي العام بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ وغرامة قدرها 100 ألف يورو على ديدييه ورمسر، صاحب معرض L’Etoile d’Ishtar.

    ترجع كواليس هذه القضية إلى اتهام ورمسر بتهريب الآثار المصرية المنهوبة. واستخدام مستندات مزورة لإنشاء أوراق إثبات مزيفة لهذه القطع قبل أعوام. وبحسب تقرير نشر في صحيفة “ذي آرت نيوز بيبر” في سبتمبر 2022، كان من أن يتم إعادة القطع الأثرية التي تم الاستيلاء عليها إلى مصر.

    وطالبت حينها المحكمة الفرنسية توقيع عقوبات صارمة لردع كل التجار المتورطين في بيع آثار مسروقة. حيث تعتبر هذه القضية جزءًا من سلسلة من فضائح تهريب الآثار المصرية. وتم اعتقال العديد من الأشخاص وملاحقتهم بتهمة الاتجار غير المشروع في الآثار المنهوبة.

    تاريخ الجداريتين المسروقتين

    يرجع تاريخ الجداريات التي اشتراها ورمسر في عام 2003 بموقع مقبرة الأسرة السادسة في سقارة. ويشمل قبر الكاهن “هاو” أو “هاو نفر”، ونجحت السلطات في معرفة تاريخهما بعدما تقدم عالم المصريات فاسيل دوبريف. الذي قاد أعمال التنقيب في الموقع في عام 2001.

    وبحسب شهادته أمام المحكمة. وفقًا لبيان قانوني من الحكومة المصرية، فإن الحجارة المنقوشة قد تم نزعها من واجهات مصليات المقابر عندما استؤنفت أعمال الحفر في أكتوبر 2002. ومع ذلك، جادلت محامية Wormser، Anne-Sophie Nardon، بأنه لم يكن بإمكان المدعى عليه معرفة أن القطع نُهبت. نظرًا لعدم تقديم شكوى جنائية من قبل الدولة المصرية حتى عام 2014.

    لكن دوبريف لم يبلغ عن السرقة على الفور لأنه لم يستطع إثبات ذلك. لكن في عام 2013، اشترى متحف الفنون الجميلة في بودابست عتبة تحمل اسم هاو وزوجته. وقدم المتحف الوثائق التي حصل عليها من التاجر البريطاني روبرت وايس لإثبات أن العمل الفني تم بيعه في عام 1974 من معرض ميثولوجيس الباريسي.

    وخلص المحققون إلى أن الأوراق كانت مزيفة، وقال المتحف في سبتمبر 2022، إنه سيحترم التزامه المحتمل بالتعويض. لكنه لا يزال يتوقع من مصر تقديم الدليل على النهب، وكان طلب المتحف سببا في تحرك مصر في القضية.

    وبحسب الصحيفة، صرح ممثل حكومي بأن مصر انتظرت الحكم النهائي في 18 أكتوبر قبل تقديم مطالبة رسمية بالتعويض لمتحف بودابست. لكن التاجر البريطاني روبرت وايس رفض التعليق على الأمر.

    جدارية أثرية مسروقة استردتها مصر من فرنسا
    جدارية أثرية مسروقة استردتها مصر من فرنسا
    المتورطون في بيع آثار مصرية منهوبة

    ووفقًا للوثائق القضائية، فإن وايس باع القطعة الأثرية للمتحف بالشراكة مع التاجر الفرنسي “ديفيد غزلباش” الذي اشترى الجداريتان من معرض ورمسر، وفي مارس، وجهت إلى غزلباش تهمة الاحتيال الجماعي في التحقيق في آثار متحف اللوفر أبوظبي، وأجبر على إغلاق معرضه.

    وفي شهادته، أشار ورمسر إلى تورط خبير الآثار والتاجر كريستوف كونيكي في هذه القضية، وذكرت المحامية آن-صوفي ناردون، الممثلة القانونية لورمسر، أن كونيكي قدم الجداريتين للبيع في عامي 2012 و2013 من خلال دار المزادات “بيير وبيرجي – Pierre Bergé & Associés، حيث كان يعمل كخبير. وبحسب آن-صوفي ناردون، فقد ادعت كتالوجات المزاد في كلتا الحالتين أن القطع قد تم بيعها في باريس في منتصف السبعينيات، ولكن كونيكي لم يطلب أبدًا رؤية أي مستند يوضح مصدرها.

    ولاحقا أقر ورمسر أمام المحكمة بأن الجداريات الأثرية التي اشتراها جاءت من مقبرة سقارة وأنه يجب إعادتها إلى مصر، وأفاد بأنه اشترى ست قطع من القبر بحسن نية تامة من شركة Finatrading المملوكة لرجل الأعمال السويسري إيف. بوفييه، والتي باعت القطع مجمعة إلى 11 قطعة بمبلغ 10000 يورو قبل أن يتم إعادتها إلى معرض ورمسر.

    وتم استبعاد ثلاث قطع من القضية بسبب انقضاء فترة التقادم. لكن أثارت الصفقة تساؤلات المحامي الذي يمثل الحكومة المصرية عما إذا كانت تحوي “بعض الدوائر المالية الخفية”.

    ووفقًا للسجلات، فقد اشترى “جاليري لايتوال دو ايشتار أو “نجمة عشتار”، L’Etoile d’Ishtar Gallery، بين عامي 2003 و2005 ما يصل إلى 90 قطعة أثرية تم نقلها من سويسرا بواسطة “آرت ترانسيت – Art Transit”، وهي شركة أخرى مملوكة لبوفييه.

    وأشار ورمسر إلى أنه توقف عن الشراء من شركة “فينا تريدينج – Finatrading” لأنها فشلت في تقديم مستندات الأصل الحقيقية، وقال بوفييه إنه لا يستطيع التعليق على كل المبيعات أو كواليسها لأنه لا يستطع الوصول إلى أرشيفات الشركة المحفوظة في آسيا.

    الحكم النهائي لاسترداد 5 قطع 

    وفي الوقت نفسه لم يتم توجيه اتهامات لبوفييه من قبل الشرطة الفرنسية، ولم يتم استجوابه. ولم يتم توجيه أي تهم ضد وايس، أو غزلباش، أو كونيكي، وبالتالي فإن ورمسر هو الوحيد الذي واجه التهم.

    وفي 18 أكتوبر الماضي، صدر حكم بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ وغرامة قدرها 50 ألف يورو لتاجر التحف الفرنسي ديدييه ورمسير، بتهمة بيع خمسة جداريات نُهبت من قبر كاهن في سقارة بعد اكتشافها من قبل عالم آثار فرنسي في عام 2000.

    وفي 25 أكتوبر، قررت المحكمة الجنائية في باريس إعادة القطع الأثرية الخمسة إلى مصر، بما في ذلك الآثار التي اشتراها جامع إيطالي بحسن نية. وأكد ماثيو بواسافي، المحامي الذي يمثل الحكومة المصرية، على أهمية الحكم لأنه يعترف بقانون 1983 الذي يحمي التراث الثقافي في مصر.

    اقرأ أيضا:

    كنز مخبأ أسفل جامعة أيرلندية.. ما قصة الآثار التي استردتها مصر؟

  • «طب وثقافة وناس»: شعراء كرة القدم.. شعراء غرفة العمليات

    «طب وثقافة وناس»: شعراء كرة القدم.. شعراء غرفة العمليات

    في عام 1987، عامي الأول كطبيب مقيم، أصدرت لين باير، الحاصلة على شهادتين واحدة في العلوم وواحدة في الصحافة، كتابها الأول: كيف تتجنبين استئصال الرحم. والعام التالي (1988) أصدرت كتابها الأكثر شهرة: الطب والثقافة: اختلاف طرق العلاج بين الولايات المتحدة، إنجلترا، فرنسا- كان حائط برلين ما يزال قائما ويقسم ألمانيا إلى شطرين. فأضافت ألمانيا الغربية إلى زمرة الدول المعنية بالسؤال.

    وفي العام الذي حصلت فيه على الماجستير (1992)، صدرت من الكتاب نفسه طبعة ثانية منقحة. ونفس العام الذي فشلت فيه في الحصول على الدكتوراه (1996). أصدرت كتابها الثالث، وربما الأخير: تجّار المرض: كيف يجعلك الأطباء، وشركات الأدوية، وشركات التأمين تمرض.

    لم تستخدم لين باير في كتابها الأخير كلمة trader والتي تعني تاجر أيضا. ولكنها استخدمت الكلمة ذات الأصل اللاتيني monger، الكلمة التي حظيت في القرون البعيدة بسمعة جيدة، حتى لوثها بائعو زيت الثعابين في القرى. فأصبحت مجرد بادئة تدل على رداءة الصنف الذي يٌروج له، مثل مروجى الشائعات، وتجار الحروب وباعة الأسماك الفاسدة. وفي السنة التي انتهيت فيها من ترجمة “تاريخ الطب” من اللغة الفرنسية (2001)، ماتت لين باير بقاتل النساء المتسلسل: سرطان الثدي.

    (1)

    في 2016، وربما في نهاية العام الذي سبقه، كتبت في نص لي قائمة بالأشياء التي أحبها، من بينها: السير الذاتية للشعراء المجهولين. لكن الحقيقة أنني أحب السير الذاتية لشعراء كرة القدم، مثل سقراط كابتن منتخب البرازيل، في أجمل نسخة لهذا المنتخب، بالمصادفة كان طبيبا يعالج الأطفال بالمجان تقريبا. ويقال إنه كان شيوعيا، لم يستطع اللعب في إيطاليا، لأنه لا يستطيع العيش واللعب لغير نادي كورنثيانز في ساو بالو: بقيت في كرة القدم من أجل الوزن السياسي، ومواجهة القمع الذي يمارسه العسكر.

    وأحب أوليڤر ساكس، صاحب يقظات، والرجل الذي حسب رأس زوجته قبعة، طبيب الأعصاب، اليهودي، المثلي، شاعر الطب الحديث كما يقولون. لكنني لا أعرف شاعر الطب القديم. ربما لا أحب مكتشف البنسلين “فيلمنج” بنفس القدر الحب الذي أكنه لقائمة طويلة من الأطباء المجهولين. هل تعرف ييلاباراجاداسوبيراو، مثلا؟

    (2)

    في 1817، وصف الطبيب الإنجليزي جميس باركنسون مرض الشلل الرعاش للمرة الأولى. فعرف المرض باسمه، وصار يوم ميلاده في الحادي عشر من أبريل يوما عالميا للتوعية بالمرض، وشعاره التوليب الأحمر.

    بعد قرن بالتمام، 1917، وصف طبيب النفس والأعصاب النمساوي كونستانتينفراهر فون أكونومو (من أصل يوناني، ومولود في رومانيا) مرض التهاب الدماغ الخمولي الذي ظهر في أوروبا وأمريكا الشمالية كوباء بين 1915و 1926 (لم يربط أحد بين الوباء والحرب العالمية الأولى!!). أصاب المرض مليونا من الناس، مات نصفهم تقريبا، ومن بقي منهم في قيد الحياة، لم يعد إلى الحياة مرة أخرى.

    بعد أربعين عاما (1957) ظهر الدوبامين كموصل عصبي في الدماغ. وفي العام 1968 نجح جورج كوتزياس، يوناني آخر، في استخدام الليفودوبا (L dopa) في علاج مرض باركينسون.

    وفي العام التالي، كان أوليڤر ساكس طبيب أعصاب بمستشفى بيث ابراهام، برونكس، نيويورك. جرب الدواء على مرضى الشلل الرعاش ومرض التهاب الدماغ الخمولي. ووضع خبراته هذه في كتاب يقظات أو إيقاظات (Awakenings) (1973).

    في 1990 تحولت ذكريات/ ايقاظات ساكس إلى فيلم. لعب روبرت دي نيرو دور المريض الخمولي، فرشح لجائزة الأوسكار، لكنه لم يفز به. أما روبن وليامز الذي لعب دور الطبيب في السينما خمس مرات. من بينها دور الطبيب مالكولم ساير أو أوليڤر ساكس، ففاز بالأوسكار عن دوره كطبيب نفسي في فيلم جود ويل هانتنج.

    الغريب أن روبن وليامز أصيب في أخريات أيامه بمرض نادر: خرف أجسام ليوي المصاحب غالبا لمرض باركينسون أو الشلل الرعاش. يقال إنه قال لزوجته تصبحين على خير يا حبيبتي، دخل غرفته، لم يكن قطع شريانه كافيا، فشنق نفسه بالحزام. يغامرني الشك أحيانا أن خيارتنا في الحياة تلعب دورا في الطريقة التي نموت بها، مات كابتن جمعية الشعراء الموتى، فكتبت الصحافة: مات أطرف رجل عاش.

    (3)

    يفترض الناس، وربما الأطباء أيضا، أن الطب واحد.

    وفي ظني، أو في ملتي واعتقادي كما يقول أبو العلاء، أن الناس في العالم القديم عبدوا آلهة كثيرين. ثم جمعوهم في إله واحد. وفي ظني أيضا، أن الطب الذي بدأ سحريا، ثم دينيا، كان متعددا كالآلهة، حتى جمعته الرأسمالية في كتاب واحد. ومثلما تقدم نفسها كطريقة للإنتاج عالمية الآفاق. قدمت للناس طبا واحد عالمي الآفاق أيضا، اسمه الآن الطب الغربي الحديث، وفي الكتب المتخصصة يسمونه الطب الأرثوذكسي، أو الطب المستقيم.

    ومثلما استولت على خيرات الشعوب البعيدة، استولت على طب هذه الشعوب، أطلقت على الغنيمة اسم الطب البديل، كوصمة أو علامة على انخفاض القيمة، وعندما توحشت، ابتلعت البديل. لكنه لم يكن قابلا للهضم تماما فاعتبرته مكملا غذائيا يلجأ إليه وقت أو حسب الحاجة، وأطلقت عليه وصف الطب التكميلي.

    الغريب أنها لم تؤمن أبدا أن الإنسان واحد. وعندما ينقسم الواحد على كثيرين، حسب اللون، والعرق، والطبقة، والنوع يحصل كل فريق على كسر عشري من الخدمة أو من الفرصة المستحقة للعلاج.

    (4)

    تعرّف القواميس والموسوعات الطب بأنه فن وعلم تشخيص الأمراض وعلاجها. لم يذكر التعريف الناس صراحة في متنه، لكن حضورهم ضمني، فنحن نشخص الأمراض التي تصيب الناس، ونعالج الناس من الأمراض التي تصيبهم. الأغرب من غياب الناس هو حضور كلمة الفن في التعريف. كأنها تضيف بعدا إنسانيا يفتقده العلم مثلا، أو رغبة أصيلة من صانعي القواميس في ضم القديم إلى الحديث. لكنهم يتناسون أن إيبوقراط عندما وصف الطب بأنه فن، أضاف له صفتين: الطويل والصعب، لكنه قال أيضا إنه يأتي في مؤخرة الفنون جميعا، لأن من يمارسونه لا يحسنون ممارسته.

    أما الثقافة فمن الصعب الاستقرار على تعريف يرضي الجميع. فهناك من يرى أنها: نظام مشترك من القيم والمعتقدات وأنماط السلوك المكتسبة، ويمكن تطبيقه على المجموعات العرقية، والمجموعات الإقليمية، والمجموعات المهنية. وهناك من يعتقد أن الإنسان حيوان معلق في شبكات غزلها بنفسه، الثقافة هي تلك الشبكات، ويبدو أن هذه الشبكات هي نفسها النظام المشترك المغزول من القيم والمعتقدات وأنماط السلوك والعلامات. وبالتالي فإن تحليلها ليس علما تجريبيا يبحث عن القانون، بل عمل تفسيري يبحث عن المعنى.

    **

    الثقافة إذن لا تسبب السلوكيات أو الأحداث الاجتماعية، بل هي السياق الذي يمكن من خلاله وصف أو فهم تلك السلوكيات والأحداث. بصياغة أخرى تدور الثقافة حول الهوية أو ذات الفرد في علاقة مع جماعة. والجماعة هي شبكة من العلاقات تحيط بالذات. أن تكون جزءا من ثقافة يعني أن ترتبط بمجموعة من القصص مع آخرين، داخل سياق محدد، الثقافة هي السياق، المجمع التفسيري، أو دائرة الفكر بتعبير فتجنشتاين، أو العقل الجمعي بتعبير لودفيج فليك.

    بهذا الفهم الذي يري الثقافة شبكة، والشبكة غزل من خيوط كثيرة، مليئة بالثقوب، يصبح تشخيص الأمراض وعلاجها -كعلاقة بين أفراد أو ذوات تجمعهما قصة عنوانها الألم أو الرغبة في الشفاء- خيط واحد في الغزل الكبير.

    الطب إذن جزء من كل، فما الذي يحدث حين يتقاطع هذا الخيط مع باقي الخيوط في الشبكة. ما الذي يبقى عالقا ليس كسمكة سيئة الحظ بل كطالع حسن يعلي من قيمة الصياد. وما الذي يفر من الثقوب. أو ما الذي يحدث حين يتقاطع الطب مع اللون، والجنس، والنوع، والعرق.

    ***

     

    في غرفة العمليات

    لن تحتمل جبروت عينيه

    ستضع عينيك في الأرض وأنت تعبره

    حتى لا يراك

    ربما تعتاده وهو يقول بصوت رخيم

    لا شيء جديد

    سيضع الدباسة التي تخيط الأمعاء بتكة واحدة

    ويكلم نفسه

    هذه أيضا حركة قديمة بأدوات جديدة

    بعد أعوام كثيرة

    ستكتشف – بين الحكمة والجبروت-

    طابورا من النمل

    يحمل ذرة واحدة من السكر

    إلى بيت خرافي الممرات

    تحت قشرة العالم

    اقرأ أيضا:

    لقاءات حزينة مع فكرة الناس عن الهوية

  • إدانة خبير فرنسي في بيع آثار مصرية مسروقة وفصله من عمله بالسعودية

    إدانة خبير فرنسي في بيع آثار مصرية مسروقة وفصله من عمله بالسعودية

    انتهت التحقيقات الفرنسية، المستمرة على مدار شهر، مع المستشاران “جان فرانسوا شارنييه” المدير العلمي لوكالة متاحف فرنسا، و”نويمي داوسيه” المنسق بمتحف اللوفر، باتهام الأول في تورطه في قضية بيع آثار مصرية مسروقة.

    تورط عالم الآثار جان فرانسوا شارنييه

    تأتي نتائج التحقيقات بعد مرور شهر من توجيه الاتهام إلى شارنييه المسؤول التنفيذي السابق في متاحف فرنسا. وهي الوكالة التي قدمت المشورة خلال عملية اختيار متحف اللوفر أبوظبي مجموعة من الآثار.

    وجاء اتهامه بعد فترة احتجاز للاستجواب، كجزء من تحقيق دولي واسع في مزاعم بيع آثار مصرية منهوبة. ووفقا لصحيفة “لو فيجارو” الفرنسية، اتُهم المستشار وعالم الآثار جان فرانسوا شارنييه، بتقديم معلومات عن مصدر خاطئ عن الأعمال الفنية والآثار التي دخلت مجموعة متحف اللوفر أبوظبي.

    لغز وكالة المتاحف الفرنسية

    الصديقان شارنييه ودوسي عملا سابقًا في مؤسسة متاحف فرنسا، المعروفة أيضًا باسم وكالة متاحف فرنسا. وهي شركة استشارية ثقافية تم التعاقد معها للموافقة على شرعية ومصدر الآثار في متحف اللوفر أبوظبي قبل افتتاحه في عام 2017.

    ومع ذلك، أُطلق سراح نويمي دوسي، أمين التراث الذي احتُجز أيضًا للاستجواب مع شارنييه، في نهاية يوليو الماضي دون اتخاذ إجراءات قانونية معه.

    وجاء عملهما مع جان لوك مارتينيز، المدير السابق لمتحف اللوفر، والذي ترأس في نفس الوقت اللجنة العلمية لوكالة متاحف فرنسا. مما يكشف كيف تعاون مارتينيز وشارنييه في تيسير بيع الآثار لمتحف لوفر أبوظبي.

    كان شارنييه المدير العلمي للوكالة وتمثل دوره مسؤولا عن اختيار الأعمال الفنية لمتحف اللوفر أبوظبي. يشتبه في أنه أوصى ببيع الآثار المصرية إلى المتحف في الإمارات العربية المتحدة على الرغم من شكوكه حول مصدرها.

    رغم التزامها الصمت طوال الفترة الماضية– المتحف والوكالة – لكن وكالة متاحف فرنسا قالت لشبكة “اي آر تي نيوز: “إنها لن تعلق على قضية قانونية جارية. وأضافت أن الوكالة قدمت التماسا للانضمام إلى التحقيق الحالي كطرف مدني في 9 يونيو الماضي”.

    وأشارت الوكالة إلا أنها ستتمسك بجميع حقوقها وفقًا لتطورات القضية، ولم تشارك في تقديم المشورة بشأن اقتناء الأعمال الفنية منذ عام 2017.

    متحف اللوفر في باريس
    متحف اللوفر في باريس
    فصل نهائي لعالم الآثار شارنييه

    تأتي هذه المستجدات بعد مرور عامين على بدء التحقيق الذي أجراه المكتب المركزي الفرنسي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية والاحتيال وغسل الأموال.

    ورغم نفي مارتينيز – المدير السابق لمتحف اللوفر الفرنسي، لتورطه في عدد من التهم المتعلقة بالقضية مثل تهريب الآثار وإتمام صفقات مشبوهة، إلا أن صديقه شارنييه تم اتخاذ إجراءات حاسمة ضده.

    ووفقا لصحيفة “لوموند” الفرنسية، يواجه شارنييه المنسق الفرنسي قرار فصل نهائي عند انتهاء التحقيقات معه في قضية غسيل الأموال وإتمام عملية بيع آثار مسروقة لمتحفي اللوفر فرنسا وأبوظبي.

    وتم فصله نهائيا من عمله في وكالة المتاحف الفرنسية، ولن يتولى مهامه المعتادة ضمن مشروع التطوير الفرنسي السعودي لمنطقة العلا “أفالولا” الذي تم إطلاقه في عام 2018، لكن سيتم تنفيذ قرار الفصل بدءا من 30 سبتمبر القادم.

    تطوير العلا في مأزق!

    أربعة أعوام فارقة في حياة شارنييه، الذي انضم إلى الوكالة الفرنسية في أغسطس 2018، بعد توقيع اتفاقية بين إيمانويل ماكرون وولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وتتمثل المهمة في تنفيذ التنمية الثقافية والسياحية في المملكة العربية السعودية، في منطقة العلا شمال غرب شبه الجزيرة العربية.

    تم تعيين جان فرانسوا شارنييه رئيسًا لقسم الثقافة والتراث في الوكالة. وكانت مهمته قيادة تطوير المواقع الأثرية في المنطقة ودعم إنشاء مجمع متحفي في المستقبل.

    ويقع موقع مدائن صالح في قلب العلا، وهذا الموقع معروف أيضا بأنه يضم آثار فريدة لمدينة الحجر النبطية التي تم التنقيب عنها منذ عام 2002 من قبل بعثة أثرية فرنسية.

    ويأتي قرار الوكالة الفرنسية لتطوير العلا بفصل شارنييه بسبب القضية الإماراتية التي يجد نفسه الآن متورطًا فيها. بالإضافة إلى حذف الصفحة المخصصة له على موقع المشروع “أفالولا” باعتباره عالم آثار.

    تحقيق متعدد الأطراف

    تأثر بالتحقيق الفرنسي عن الآثار المنهوبة عدد من الدول، من فرنسا إلى الإمارات والمملكة السعودية والولايات المتحدة التي تسير على الخطى الفرنسية، للتحقيق في مصدر كل قطعة آثار بالبلاد خاصة تلك التي يشتبه في خروجها من بلدها خلال فترة حرب أو ثورة.

    وأدت التحقيقات الفرنسية إلى حالة من الصدمة اجتاحت سوق بيع الآثار وتأثر بها المتاحف وهواة اقتناء الآثار. وفي مطلع الشهر الجاري، أصدرت محكمة الجنايات في نيويورك مذكرة لجورج لطفي، وهو صيدلاني وتاجر آثار لبناني، بتهمة تهريب مئات القطع الأثرية من لبنان وسوريا وليبيا التي تأثرت بالحرب.

    وألقت الشرطة الأمريكية على تاجر الآثار البالغ من العمر 81 عاما، خلال احتفاظه بمئات القطع الأثرية المهربة بالقرب من منزله في ولاية نيويورك. ومن ضمن الاتهامات الموجهة إلى لطفي أنه باع تمثالا صغيرا من البرونز المصري لكاهن أو حاكم راكع، هذا التمثال المسروق تم الاستيلاء عليه من متحف متروبوليتان في فبراير الماضي ومن المقرر إعادته إلى مصر.

    اقرأ أيضا

    تفاصيل القبض على مستشارين باعا آثار مصرية مسروقة للوفر أبوظبي

  • ما وراء سجن مدير «اللوفر».. أوراق من قضايا مافيا آثار مصر في فرنسا

    ما وراء سجن مدير «اللوفر».. أوراق من قضايا مافيا آثار مصر في فرنسا

    لا تزال التحقيقات مستمرة للكشف عن خبايا عصابة تهريب الآثار المصرية، والدور الذي لعبه رئيس متحف اللوفر السابق جان لوك مارتينيز في منح عصابات محترفة في تهريب الآثار شهادات منشأ مزورة.

    جرى التحقيق مع مارتينيز، وأمين قسم الآثار المصرية، فينسينت روندو، وعالم المصريات أوليفييه بيردو، ورغم الإفراج عن الاسمين الأخيرين، إلا أن مارتينيز الموضوع تحت المراقبة مازال يواجه لائحة اتهام بارتكاب جرائم غسيل أموال والاحتيال ضمن تنظيم عصابي كبير.

    سرقات الربيع العربي

    يواجه جان لوك مارتينيز، مدير المتحف الفرنسي، اتهامات عن فترة طويلة أدار فيها المتحف -الأكثر زيارة في العالم خلال الفترة من عام 2013 حتى عام 2021. وسبب استقالته بعدها من منصب رئيس متحف اللوفر العام الماضي، ليصبح سفير فرنسا للتعاون الدولي في قضايا التراث، وقيادة الجهود المبذولة لحماية القطع الأثرية المعرضة لخطر النهب والتدمير في مناطق النزاع خلال فترة وجوده في متحف اللوفر.

    تُنذر القضية بإحراج كبير لوزارتي الثقافة والخارجية الفرنسية. خاصة أنه تم فتح ملف القضية في يوليو 2018، بعد عامين من شراء متحف اللوفر أبوظبي من متحف اللوفر الفرنسي بقيادة “مارتينيز”، نصب تذكاري نادر بطول 170 سم من الجرانيت الوردي. يجسد الملك المصري القديم “توت عنخ آمون” وأربعة أعمال قديمة أخرى مقابل 8 ملايين يورو.

    ويظهر في النصب التذكاري الذي يرجع إلى عام 1327 ق.م، بصفته الوسيط الوحيد بين عالم الإنسان والآلهة، وظهر الفرعون توت عنخ آمون مرتين على الشاهدة وهو يقدم قرابينه للآلهة ويصدر أوزوريس مرسوم ملكي على اليسار.

     

    ورغم محاولات “مارتينيز” السابقة لنفي ارتكابه أي جريمة أو مخالفة، كما أوضح لوكالة الأنباء الفرنسية. إلا أنه يواجه تهم بالتواطؤ والاحتيال وإخفاء أصل قطع أثرية تم الحصول عليها بطرق غير شرعية، وبيع شهادات مزيفة لقطع آثار مُهربة بطرق غير شرعية، باعتباره فرد في منظمة أو بمعنى أدق “عصابة” عالمية يتورط فيها العديد من خبراء الفن الآخرين لبيع آثار مسروقة.

    **

    يعتقد المحققون الفرنسيون أن مئات القطع الأثرية تعرضت للنهب خلال ثورات الربيع العربي، التي اجتاحت العديد من دول الشرق الأوسط في أوائل عام 2010. يقدر عددها بحوالي 2000 قطعة. وتم بيعها إلى معارض وأشخاص ومتاحف ­لم تطرح الكثير من الأسئلة حول إثبات ملكيتها. ولا تبحث بما فيه الكفاية عن شهادات منشأها. ومن البلاد التي تأثرت بعمليات سرقة الآثار مصر وليبيا واليمن وسوريا.

    القطعة الأثرية محل الجدل ذات أهمية تاريخية كبيرة. إذ خصص لها “مارك جابولد” عالم المصريات الفرنسي دراسة علمية كاملة مكونة من 47 صفحة، ونشرها في مارس 2020 للتنديد بأهمية هذه القطعة.

    الشاهدة الأثرية التي صادرتها نيويورك
    الشاهدة الأثرية التي صادرتها نيويورك

    ويقول عالم المصريات المشرف على الناحية العلمية في القضية -في تصريحات خاصة لـ«باب مصر»: “تعتبر الشاهدة الأثرية كنزا. مازالت قطعة ناجية من كنوز الملك توت عنخ آمون. رغم تعرض أغلب مقتنياته للسرقة، ولكنها الآن تطرح العديد من الأسئلة حول أصول ملكيتها. وهل خرجت بطريقة شرعية من مصر أم أنها مسروقة، لأنه من المعتقد أن خبير آثار وتاجر قدموا وثائق مزورة لغسل مئات القطع الأثرية المسروقة وهذا ما لاحظته منذ أول مرة شاهدتها”.

    لن تتوقف القضية باستجواب “مارتينيز” فقط. ولكن سيتم استجواب متخصصين فرنسيين في الفن المصري هذا الأسبوع أيضا. ولكن تم الاتجاه إلى الرأس الكبرى والعقل المدبر. من خلال اعتقال صاحب المعرض الألماني اللبناني روبن ديب الذي توسط في عملية البيع المشبوهة في هامبورج في مارس الماضي. بعد تسليمه إلى باريس لاستكمال التحقيق في القضية.

    كيف اُكتشفت القضية!

    تواصل «باب مصر» مع مصدر فرنسي مسؤول وشاهد أساسي في قضية تزوير أوراق تصدير قطع أثرية مسروقة من مصر وعرضها في متحف اللوفر الفرنسي، بعد الانتهاء من التحقيق، وقال المصدر – رفض ذكر اسمه – إنه اطلع على الشاهدة الأثرية وتمكن من فحصها وجمع آراء علمية لها، وأضاف: “القضية بدأت معي منذ عام 2017”.

    وتابع أنه جمع آراء علمية من العديد ممن شاهدوا الشاهدة. وكان ذلك في سويسرا خلال إبريل 2018. موضحا أنها بيانات تفيد بأنه قطعة أثرية تم بيعها من قبل التاجر المصري حبيب تواضروس عام 1933 إلى ضابط البحرية التجارية يوهانس بيهريز من بريمن ألمانيا.

    واستطاع الربط بين العديد من قطع التاجر المصري. ومن بينها تابوت “نجم عنخ”. موضحا أنه ربما هناك العديد من القطع المسروقة، ولكن حتى الآن لم يتم إدانة أي شخص بعد. ويقول: “في هذه القضية يوجد منقبون غير شرعيين ومصدرون غير شرعيين ومهربين، هم الجناة الحقيقيون بعضهم قيد الاعتقال بالفعل. ومن ناحية أخرى هناك الشعب المصري ومتحف اللوفر أبوظبي وأمناء المتحف وعلماء المصريات الذين تعرضوا للخداع عمدًا، وهم ضحايا للمتاجرين وليس شركائهم في أي جريمة”.

    تابوت «نجم عنخ» المسروق

    من الصفقات المشبوهة التي تورط فيها “مارتينيز”، قطعة مصرية أخرى ثمينة. وهو التابوت الذهبي للكاهن المصري القديم “نجم عنخ”، الذي اشتراه متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك في عام 2017 مقابل 3.95 مليون دولار. والذي كان محل تحقيق منفصل أجراه المدعى العام في نيويورك.

    وتمكنت مصر من استعادة التابوت في فبراير 2019. بعدما اتصل مكتب المدعي العام لمقاطعة نيويورك بمتحف متروبوليتان. والذي قدم للمتحف دليلًا قدمته الحكومة المصرية على أن رخصة التصدير الخاصة بالقطعة لعام 1971 مزورة. وأظهرت أدلة أخرى أن التابوت سُرق في عام 2011. وأن ​​تاريخ ملكيته ليس إلا عملية احتيال. ثم أغلق المتحف معرض نجم عنخ الذي كان مستمرًا في ذلك الوقت وسلم التابوت إلى إدارة إعادة الآثار بوزارة الآثار المصرية.

    وعن تابوت «نجم عنخ» هو تابوت مصري قديم لنجم عنخ. ويرجع إلى العصر البطلمي المتأخر. ويبلغ ارتفاع التابوت 181 سم وعرضه 53 سم وعمقه 28 سم. مصنوع من الكارتون والكتان والغراء، ومطلي بالذهب الخالص والفضة، ومزين بالزجاج والخشب والبرونز. ويتضمن غطاء التابوت بالكامل كتابات جنائزية، وبداخله معلومات عن «نوت» إلهة السماء.

    تجار الآثار المتورطين بالأسماء

    يعتبر القضاء الفرنسي تورط “مارتينيز” بداية لقضية خطيرة. إذ تطرح المسألة مشكلة تهريب الآثار وتعمد المسؤولين عن حمايتها تهريبها. مما يهدد آثار وتراث العالم بالخطر.

    وعن تمثال “نجم عنخ” فقام بتهريبه خبير التحف «كريستوف كونيكي» تاجر الآثار والقطع الفنية المقيم في باريس ومالك دار مبيعات “بيرج وأسوشيكتيس”. ومن المعروف أنه متخصص في آثار البحر الأبيض المتوسط. خاصة الآثار الرومانية واليونانية والمصرية.

    بالإضافة إلى تورط تاجر الآثار الألماني اللبناني «روبن ديب»، لاشتباهه في تزوير وثائق وأصول لمئات القطع الأثرية المسروقة في أماكن مختلفة من دول الشرق الأوسط. ووفقا لسجل الملكية المزور الذي حصل عليه المتحف حينها. فقد خرج التابوت من مصر في عام 1971 بترخيص من هيئة الآثار، والمتحف المصري بالقاهرة.

    وقيل إنه كان من بين ممتلكات تاجر التحف المصري حبيب تواضرس، الذي مارس مهنته منذ عام 1936. كان يدير «حبيب وشركاه» فندق «شبرد» الذي تم تدميره في حريق القاهرة عام 1952. وتستكمل الوثيقة المزورة أنه قام ممثل عن ورثة تاوضرس بتصدير التابوت إلى سويسرا. مع ترجمة رخصة التصدير المقدمة في فبراير 1977 من قبل السفارة الألمانية بالقاهرة. لاستخدام الممثل والمالك الأوروبي الجديد. إذ سمحت مصر بتصدير بعض الآثار قبل صدور قانون حماية الآثار لعام 1983. ويعتقد المتحف أن التابوت ظل في مجموعة تلك العائلة حتى شرائها عام 2017.

    فندق شبرد بالقاهرة عام 1920
    فندق شبرد بالقاهرة عام 1920
    موقف القانون الفرنسي

    رغم الملابسات الواضحة في القضية، إلا أنه في ظل النظام القانوني الفرنسي، تشير التهم الموجهة إلى “مارتينيز” إلى أن المحققين يشتبهون في تورطه في جريمة، لكنه قد لا يُحاكم. ويمكن إسقاط التهم في أي وقت إذا كشفت الشرطة عن أدلة جديدة. وغالبًا ما تستغرق التحقيقات القانونية المعقدة عدة سنوات لتكتشف في فرنسا.

    لم يفصح مارتينيز بأي تعليق إعلامي، لكنه رغم ذلك يسلك مساره أمام العالم في مهمته التي قد تكون وهمية في صون التراث. إذ كتب تقريرا قدمته فرنسا إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في عام 2015، تضمن 50 اقتراحًا، مثل رسم الخرائط الرقمية للمواقع المهددة وزيادة ضوابط الحدود، لحماية الآثار من اللصوص. وفي الوقت نفسه امتنع ممثلو متحف اللوفر الفرنسي ومتحف اللوفر أبوظبي عن التعليق.

    وأصدر “اللوفر” أبو ظبي بيانا قالوا فيه: “إن اللوفر أبوظبي يطبق بروتوكولا دوليا صارما للأعمال الفنية التي تدخل المتحف. وفقا للاتفاقية الحكومية الدولية بين أبوظبي وفرنسا، الموقعة في عام 2007. ويتوافق هذا البروتوكول بشكل صارم مع اتفاقية اليونسكو لعام 1970 ويتبع أكثر المعايير صرامة للمتاحف الكبرى في العالم”.

    جان لوك مارتينيز مدير متحف اللوفر السابق
    جان لوك مارتينيز مدير متحف اللوفر السابق
    مسلة مصرية ضلت طريقها إلى نيويورك!

    هذه ليست القضية الأولى التي يتورط فيها مثلث تجارة الآثار المصرية (ديب وكونيكي وسيروب سيمونيان). إذ رُفعت دعوى قضائية في وقت سابق ضد خبير الآثار كونيكي الذي باع تابوتا ذهبيا مسروقا إلى متحف «متروبوليتان». وتم إلقاء القبض عليه في ألمانيا.

    وفي القضية السابقة سعى مالك المعرض الفرنسي “سيبيل”، للحصول على تعويض عن لوحة أو شاهدة مصرية تمت مصادرتها في عام 2019 في نيويورك الأمريكية ضمن تحقيق في تهريب الآثار، ومالك المعرض “ناصيف الخوري” الذي يعيش هامبورج. وكذلك دار المزادات الفرنسية «بيير بيرجي» وخبيرها «كريستوف كونيكي»، في محاولة لاسترداد مبلغ 126.700 يورو الذي تم دفعه مقابل القطعة المصرية في عام 2016.

    وبعد الإطلاع على الأدلة، وقع “جان بيبر مونتيسينوس”، صاحب جاليري “سيبيل”، اتفاقا يتنازل فيه عن حقه في هذه القطعة بهدف إعادتها إلى مصر موطنها الأصلي. وكانت شاهدة جنائزية التي يبلغ طولها 110 سم وترجع إلى العصر المتأخر (664ق.م – 332 ق.م). تم نقشها لكاهن معبد حتحور وتجسيده مع أوزوريس وحورس وحتحور. وقام المعرض الذي كان قد عرض العمل سابقا في عام 2018، بشحنه إلى نفس المعرض في “تيفاف نيويورك”.

    **

    في عام 2018، كان من المفترض أنه تم شحن هذه القطعة للعودة إلى مصر. ولكن في أكتوبر 2019 اتضح أن هذه القطعة الأثرية لم تصل أبدا إلى مصر. وقال المدعي العام الأمريكي “سايروس فانس” إنه تم تهريبها من مصر بشكل غير قانوني قبل عام 2012 من قبل أعضاء منظمة دولية لتهريب الآثار، والتي حقق فيها أيضا “ماثيو بوجدانوس”.

    ولكن يبدو أن “كريستوف كونيكي” قدم مصدرا مزيفا للكتالوج الخاص بهذه القطعة. وتضمن وصف القطعة المزور أن المسلة كانت مملوكة لجامع آثار ألماني اقتناهها عام 1970 من تاجر الآثار المصري «حبيب تواضروس» بالقاهرة، بالتعاون مع جامع التحف «سيموني» صاحب الـ83 عامًا، المقيم في كاليفورنيا، والذي كان تاجر نشط في القاهرة في الفترة من عام 1969 إلى عام 1984.

    ولكن يؤكد «بوجدانوس» في تقريره أن هذا المصدر للشاهدة المصرية مزيفا، بل وخطأ إجراميا، مشيرًا إلى أن كونيكي قدم نفس الأصل للتابوت الذهبي الذي باعه لمتحف متروبوليتان للفنون في نيويورك في عام 2017 مقابل 3.5 مليون يورو. رغم أنه سُرق في عام 2011. وألقي القبض على “كونيكي” وشريكه “ريتشارد سمبر” ووجهت إليهما تهمة الاحتيال الجماعي وغسل الأموال في باريس في يونيو.

    مذكرة استرداد تابوت نجم عنخ
    مذكرة استرداد تابوت نجم عنخ
    مصير مجهول لـ29 قطعة مصرية في فرنسا

    على جانب آخر مازالت 28 قطعة آثار مصرية في فرنسا ذات مصيرا مجهولا. ووفقا لصحيفة “ذا آرت نيوز بيبر” مازالت السلطات الفرنسية تحقق في 29 قطعة بما في ذلك الشاهدة التي تم بيعها بالمزاد العلني في باريس منذ عام 2007 بأكثر من 4.3 مليون يورو. وتم شراء أغلى قطعتين من قبل متحف متروبوليتان، وهما لوحة فيوم لسيدة، تم بيعها بـ1.4 مليون يورو في عام 2013، وخمسة أجزاء من لوحات كتاب الخروج، لوصايا المسيح. وتم بيعها بـ1.2 مليون يورو في عام 2013 عن طريق الوسيط “روبن ديب”.

    وبالبحث عن تاريخ تاجر الآثار المثير للجدلروبن ديب، هو مدير معرض “ديونيسوس” في “هامبورج” ويملكه سيروب شقيق سيمونيان، الاسم الذي يتكرر كثيرا ظهر هو ووالدته وزوجته 14 مرة كبائعين من أصل 29 قطعة. بالإضافة إلى جدارية لمغنية أمام قرابين لحتحور مقابل 62 ألف يورو في عام 2015، وكان الوسيط لدار المزاد هو “ناصيف الخوري” أيضا.

    ولكن بالنسبة إلى الشاهدة المصرية، أكد “سايمون سيمونيان” للشرطة الفرنسية أن المسلة خرجت رسميا من مصر في عام 1970، وفقا لأوراق تصدير رقم 1067، ووفقًا لتقرير بوجدانوس، تنفي وزارة الآثار المصرية وجود رقم الترخيص.

    وجاء رد ديب بأنه يشك في أن الوزارة لديها أرشيفات ترجع إلى ذلك الوقت. ولكن نفى ديب وسيمونيان هذه المزاعم، وقالا أنه تم تصدير المسلة والتابوت بشكل قانوني في عامي 1970 و1971. ولكن أخيرا سُجن ديب في “هامبورج” نهاية أغسطس، بعد القبض عليه متهما بتجارة آثار من الشرق الأوسط.

    اقرأ أيضا

    «متحف الميمورابيليا»: رحلة كنوز الأسواق الشعبية للبيوت المصرية

باب مصر