باب مصر

الوسم: النيل

  • «النيل خلود نسبي».. روجيه أنيس يستعيد أساطير النهر لمواجهة التلوث

    «النيل خلود نسبي».. روجيه أنيس يستعيد أساطير النهر لمواجهة التلوث

    في وقت تتصاعد فيه المخاوف حول نهر النيل، من التلوث إلى أزمات سوء الاستخدام، يظهر المصور الفوتوغرافي الصحافي والوثائقي المصري روجيه أنيس محاولًا إعادة النظر إلى النهر، ليس فقط بوصفه مصدرًا للمياه، بل كذاكرة وأساطير وحياة يومية ومجتمع كامل يعيش على ضفافه. ومن هنا يأتي معرضه «النيل خلود نسبي»، المقام في الجيزويت بالإسكندرية بداية من الخامس من مايو ولمدة شهر، حيث يقدم النيل في صور بديعة تجعلنا نتأمل: ماذا يمكن للفن أن يفعل تجاه النيل؟

    المعرض لا يكتفي بتقديم صور للنهر، بل يأخذ الزائر في رحلة طويلة تمتد من إثيوبيا إلى السودان ثم مصر، مرورًا بحكايات الصيادين والأساطير القديمة والتلوث والبشر الذين ما زالوا يعيشون مع النهر يوميًا. وقد بدأت الرحلة عام 2017، عندما كُلّف روجيه بالعمل على موضوع في دلتا النيل. وهناك راوده سؤال بدا بسيطًا: “ما الذي حدث للنيل؟”. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة بحث لم تنتهِ حتى الآن، دفعته إلى السفر لمنابع النيل في إثيوبيا، والتنقل بين دول حوض النيل، محاولًا فهم العلاقة المعقدة بين البشر والمياه.

    من الأسطورة إلى الواقع

    لكن المعرض لا يعتمد على المعلومات وحدها، بل يوظف الفن كوسيلة لإعادة بناء علاقتنا بالنهر. ويظهر ذلك بوضوح في “مهرجان النيل”، الذي أعاد روجيه إحياءه بالتعاون مع مبادرة Very Nile وسكان جزيرة قرصاية. والمهرجان مستوحى من الاحتفالات القديمة المرتبطة بوفاء النيل، التي كانت تُقام طلبًا للفيضان الذي يمنح الأرض الحياة والخصوبة.

    ويقول روجيه: “أنا ممتن للتمثال لأنه خلاني أرجع أدور على أسطورة عروسة النيل ونقيم الاحتفال من تاني”. فقد كان تمثال “عروسة النيل” داخل متحف النيل الشرارة التي دفعته للتساؤل: لماذا ما زالت هذه الأسطورة حاضرة في الذاكرة المصرية حتى الآن؟ وما حقيقة هذه الحكاية؟

    وتدور أسطورة “عروسة النيل” حول فتاة جميلة يتم التضحية بها للنهر طلبًا للفيضانات والخير. ورغم عدم وجود دليل تاريخي يؤكد حدوث هذه التضحية فعلًا، فإن الأسطورة استمرت في الوجدان المصري عبر الأفلام والأغاني والحكايات الشعبية.

    وبالنسبة لروجيه، لم يكن المهم ما إذا كانت الأسطورة حقيقية أم لا، بل لماذا ما زلنا نتذكرها، وكيف يمكن استخدامها اليوم لإعادة التفكير في علاقتنا بالنيل.

    اقرأ أيضا: «المدينة التي نحلم بها».. معرض يعيد رسم الإسكندرية بالحكايات

     

    من “عروسة النيل” إلى البلاستيك

    هنا يبدأ الفن في لعب دوره الحقيقي. فبدلًا من إعادة إنتاج الأسطورة كما هي، يحاول روجيه إعادة تفسيرها بشكل معاصر. ويقول: “مافيش عروسة نيل بتترمي، الصيادين هم اللي بيلموا البلاستيك من النهر، أنا بعيد إحياء عروسة النيل من  تاني”.

    لكن بدلًا من إلقاء “عروسة النيل” في الماء، أصبحنا نلقي القمامة والبلاستيك. ووفقًا لما ذكره روجيه، أصبح نهر النيل واحدًا من أكثر الأنهار تلوثًا بالبلاستيك وإسهامًا في نقل المخلفات البلاستيكية إلى البحار والمحيطات.

    وفي جزيرة قرصاية، التي يصفها روجيه بأنها “نسخة مصغرة من النيل”، يعيش الصيادون وسط التلوث ونقص الأسماك والتغيرات البيئية، وفي الوقت نفسه يحاولون ابتكار طرق للبقاء. ومن خلال مبادرة Very Nile، يعمل عدد من الصيادين على جمع البلاستيك من النهر مقابل دخل مادي، ثم يُعاد تدويره واستخدامه مرة أخرى.

    ويتحدث روجيه عن أحد الصيادين قائلًا: “يعني يوم صياد زي عماد مقسوم اتنين، الصبح صياد، وبعدين يلم بلاستيك من النهر. في مرة ركبت معاه من 12 بالليل لـ9 الصبح، وكان بيلم بلاستيك طول الوقت.” ويضيف أن عماد لا يزال يستخدم طريقة تقليدية في الصيد، إذ يغوص داخل المياه ويصطاد السمك بيده.

    وهنا يتحول الصياد نفسه إلى جزء من العمل الفني، لا مجرد موضوع للتصوير. فالفن عند روجيه لا يقوم فقط على إنتاج صور جميلة، بل على العمل مع المجتمع نفسه. فقد شارك الصيادون في تنظيم المهرجان، وتزيين المراكب، وصناعة الأغاني، وتحضير الاحتفال. ولم يعودوا مجرد أشخاص داخل الصور، بل صاروا مشاركين في صياغة الرواية نفسها.

    تمثال "عروسة النيل" في متحف النيل بأسوان.. الصورة من موقع المصور روجيه أنيس
    تمثال “عروسة النيل” في متحف النيل بأسوان.. الصورة من موقع المصور روجيه أنيس
    الفن وسيلة للتذكّر

    منذ أول نسخة لمهرجان النيل عام 2024، التي شارك فيها نحو 20 صيادًا و50 زائرًا، بدأ المشروع يكبر تدريجيًا. ففي 2025 وصل العدد إلى نحو 500 مشارك، ثم إلى ألفي زائر في النسخة الثالثة عام 2026. وبالنسبة لروجيه، لم يكن الهدف مجرد إقامة احتفال، بل خلق مساحة تجعل الناس تتذكر النهر مرة أخرى.

    ويظهر ذلك أيضًا في طريقة عرض الصور داخل المعرض، إذ أقيم المعرض في مساحة مفتوحة وسط الأشجار والخضرة، بحيث يتحرك الزائر مع الصور كما لو كان يسير مع مجرى النهر نفسه. ويقول روجيه: “أنا شايف إن ده رحلة، وعايز الناس تشوف الرحلة دي. فكرة إنك تمشي مع الـflow  وتمشي مع الطبيعة والخضار، فتشوف وتفكر”.

    وهنا يصبح الفن محاولة لجعل الناس تعيش النهر، لا أن تراه فقط، خصوصًا في بعض المدن التي لم يعد معظم سكانها يرون النيل يوميًا، رغم اعتمادهم الكامل عليه. ويقول: “إحنا واخدين النيل كحاجة مضمونة”، مضيفًا: “النيل موجود… بس موجود في المواسير”.

    اقرأ أيضا: تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

    الجمال كطريقة لرؤية الأزمة

    رغم أن المعرض يتناول أزمة حقيقية تتعلق بالتلوث والمياه، فإنه لا يقدمها بصورة كئيبة أو مباشرة. فالصور شديدة الجمال، مليئة بالخضرة والضوء والاحتفال. وعندما سُئل روجيه إذا كان يخشى أن ينسى الناس المشكلة بسبب جمال الصور، أجاب: “إنت مش لازم تفكر في المشكلة، فكر في النعمة اللي عندك فتقدرها”.

    الفن هنا لا يعمل عبر التخويف، بل عبر إعادة خلق الإحساس بالقيمة. فبدلًا من إغراق المشاهد في الكارثة، يحاول أن يجعله يشعر بأن النهر شيء يستحق الحب والاهتمام.

    وفي إحدى الصور التي التقطها في إثيوبيا، يظهر أشخاص يزورون شلالات النيل، وعلق عليها قائلا: “هم بيحجوا للنهر”. وفي صورة أخرى من المنيا، يظهر الناس ذاهبين للاحتفال بشم النسيم قرب المياه والخضرة.

    ويعلق روجيه على ذلك بقوله: “الناس زمان كانت بتحج للنيل بيحجوا للخضار”. وهنا يتحول الاحتفال نفسه إلى فعل تذكّر، ومحاولة لاستعادة علاقة روحية وثقافية قديمة بالنهر.

    النيل الواحد.. والوجوه المختلفة

    لكن المعرض لا يكتفي بالاحتفاء بالنهر، بل يحاول أيضًا الكشف عن التناقضات التي تحيط به، ففي الوقت الذي دمرت فيه الفيضانات أجزاء من السودان عام 2020، يعرض روجيه صورة لمواتير المياه المتراكمة أسفل أحد المباني في القاهرة، في مفارقة تعكس فائض المياه في مكان، ومحاولة التخلص منها في مكان آخر.

    كما يوضح المعرض أن النيل واحد، لكنه يبدو مختلفًا من دولة لأخرى، ومن مجتمع لآخر، بحسب طريقة تعامل الناس معه.

    ويعلق روجيه أنيس على إحدى صوره قائلًا أنه رأى في إثيوبيا أشخاصًا يسيرون لساعات حاملين الجراكن لجلب المياه، بينما اعتاد المصريون وجود المياه داخل البيوت دون التفكير في قيمتها.

    ماذا يستطيع الفن أن يفعل؟

    رغم أن قضية سد النهضة الإثيوبي تظل حاضرة في النقاش العام حول النيل، يرى روجيه أن الخطر ليس فقط في السد، بل ربما يكون أقرب مما نتخيل. ويقول: “اللي مخوفني أكتر هو التلوث وسوء الاستخدام”. ويضيف أن المصريين اعتادوا وجود النيل لدرجة أنهم لم يعودوا يشعرون بحضوره أصلًا، معتبرين المياه شيئًا مضمونًا ودائمًا، بينما النهر نفسه هش وقابل للفقدان.

    في النهاية، لا يدّعي معرض “النيل خلود نسبي” أن الصور يمكنها تنظيف النهر، أو أن الأساطير قادرة وحدها على وقف التلوث. لكن الفن، كما يعكسه روجيه، يستطيع على الأقل أن يجعل الناس تتوقف للحظة، وتنظر إلى المياه بشكل مختلف، أن يعيد للنهر حضوره داخل الوعي، لا باعتباره مجرد مورد مضمون، بل ككائن حي يمكن أن نفقده.

    اقرأ أيضا: «المدينة ستطاردك».. لماذا نحتفل بالإسكندرية؟

  • رحلة في أرشيف البحر.. حكايات المصايف المصرية من ورق البردي إلى الشاليهات

    رحلة في أرشيف البحر.. حكايات المصايف المصرية من ورق البردي إلى الشاليهات

    في أحضان نهر النيل، وعلى امتداد شواطئ البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، تنسج مصر حكاية المصيف عبر العصور. تتقاطع فيها الطبيعة مع التاريخ، وتلتقي الروح مع المكان. من لحظات الهدوء على ضفاف النيل. حيث أولى نزهات الاستجمام، إلى الشواطئ التاريخية مثل رأس البر والعجمي وجمصة، التي شهدت حضور الأجيال، ثم إلى مصايف اليوم في الساحل الشمالي وشرم الشيخ والغردقة، تتبدل أشكال المصيف وتتطور. لكن يظل جوهرها واحدًا: ملاذ يبحث فيه الإنسان عن راحة الروح وتجدد الحياة.

    وكما تبدأ الحكايات العريقة من جذورها، تبدأ قصة المصيف المصري من مصر القديمة. حيث لم يكن النيل مجرد نهر، بل قلب الحياة وروحها. هناك، عند مياهه، مارس المصريون القدماء أولى أشكال الاستجمام، فكانت النزهات على ضفافه، والسباحة في مياهه، والصيد في بحيراته جزءًا من نسيج حياتهم اليومية. لم تكن فكرة المصيف قد اكتملت بعد، لكن البذور وُضعت هناك، في ظل النخيل وعلى وقع مجاديف المراكب، لتشكل الأساس الذي ستنمو منه لاحقًا ثقافة الاصطياف في مصر.

    أصول المصيف من مصر القديمة

    تخبرنا الوثائق التاريخية أن المصري القديم كان على صلة وثيقة بالطبيعة، يعرف النزهات ويهوى الصيد، ويجد في الماء راحةً ومتعة. ومن بين الرياضات التي شكلت جزءًا من حياته اليومية، برزت السباحة بوصفها فنًّا عريقًا، مارسه المصريون منذ عصور ما قبل الأسرات. وقد حفظت لنا النقوش القديمة مشاهد لشباب يخوضون المياه بمهارة ورشاقة، لتكون تلك الرسوم أول شاهد مادي على ممارسة السباحة في تاريخ البشرية.

    لم تكن السباحة حكرًا على طبقة بعينها، بل كانت متاحة للجميع: العامة، والنبلاء، وحتى الملوك. مارسها الناس في مياه النيل الصافية. وفي البحيرات، وأحيانًا في بركٍ أنشئت داخل القصور الملكية أو بيوت الأثرياء، تشبه إلى حد ما حمامات السباحة المعاصرة. هذا الشغف بالماء، رغم قدمه، لم يكن يترجم إلى ما نسميه اليوم المصيف.

    ومع ذلك، نجد بعض الملوك اختاروا السفر إلى أماكن بعيدة للصيد أو الراحة؛ الملك تحتمس الأول -على سبيل المثال- توجه إلى “نهارينا” في الشام. بينما عُرفت الملكة كليوباترا بحبها للرحلات والاستجمام. وحتى عامة الشعب كانوا يجدون في النيل، بتياراته الهادئة، فسحةً تبهج القلب وتنعش الجسد، ومتنفسًا من أعباء الحياة اليومية. وهكذا يتبين أن المصري القديم عرف متعة الاقتراب من الماء، ومارس السباحة والنزهات على نحو متكرر. لكنه لم يعرف المصيف بالمفهوم الذي نعرفه الآن.

    مصايف مصر الحديثة

    أما مصايف مصر الحديثة فكتب لها تاريخ آخر، إذ نشأت هذه المدن الساحلية لتواكب تطورات العصر وتلبي حاجة المصريين للترفيه والاستجمام. ومن بين هذه المصايف الحديثة التي جمعت بين عبق التاريخ وروح التجديد، نذكر رأس البر، جمصة، بلطيم، الإسكندرية، حيث تحكي كل منها قصة فريدة من النمو والتطور.

    رأس البر.. لوحة بين النيل والبحر

    تقع رأس البر حيث يلتقي نهر النيل مع البحر الأبيض المتوسط، مدينة تحمل بين شواطئها الذهبية إرثًا تاريخيًا وثقافيًا عريقًا. لم تكن في البداية أكثر من ضاحية صغيرة للصيادين والمسافرين. لكنها تحولت عبر الزمن إلى مصيف راقٍ يستقطب كبار الفنانين وأعيان المجتمع، قبل أن تفتح لكل المصريين بعد ثورة يوليو.

    أما عن تفاصيل تحولها لمصيف، فيذكر نيقولا يوسف في كتابه “تاريخ دمياط منذ أقدم العصور”: “في العصور الوسطى، كانت تُعرف باسم «جيزة دمياط». حيث استقر فيها صيادو السمك وبُنيت ثكنات عسكرية لحماية الساحل. كما شهدت حصارات وحروبًا خلال الحملات الصليبية. بينما بقيت مركزًا روحيًا للصوفية بمهرجانات مولد الشيخ الجربي التي ما زالت تحتفظ بمكانتها حتى اليوم. إذ يجتمع الصوفيون والزوار في مراسم تعبر عن تاريخ طويل من التقاليد والروحانية.

    أكواخ بين النيل والبحر

    مع بداية القرن الـ19، بدأ تطويرها كميناء ومكان للصيد والترفيه. إذ شُيدت أكواخ من الأكياب والحصير على الشاطئ، وتحولت تدريجيًا إلى صفوف منظمة من الأكواخ بين النيل والبحر. وشهدت إقبالًا متزايدًا من الزوار والتجار. وبحلول أواخر، وصفها المؤرخ الألماني كوخ بأنها مصيف فريد بنقاء الهواء وجمال الشواطئ. وبدأت تظهر علامات الحداثة ببناء أول فندق وافتتاح المطاعم، وتحديد شبكة شوارع منظمة وأماكن عامة، إضافة إلى تطوير وسائل النقل التقليدية.

    في القرن العشرين، شهدت رأس البر توسعات عمرانية مهمة. مع إنشاء جسر دمياط الذي ربط المصيف بالبر الرئيسي عام 1930، وبناء رصيف اللسان لحماية الساحل عام 1938. حتى أصبحت وجهة مفضلة للنخبة من رجال الدولة والفنانين والأدباء. خاصة خلال الحربين العالميتين. وامتزجت الحياة الثقافية والاجتماعية فيها.

    وبعد ثورة يوليو 1952، شهدت تحولًا شاملاً، حيث توسعت البنية التحتية، ودخلت وسائل نقل جديدة مثل «الطفطف». ونُفذت مشاريع للصرف الصحي والمياه، ما حولها من مصيف حكرًا على النخبة إلى وجهة شعبية لكل الطبقات. واستمرت في جذب نجوم الفن والسياح عبر الزمن، مع حفاظها على شواطئها المجانية. لتتحول من عشش الصيادين البسيطة على ضفاف النيل، إلى مدينة سياحية نابضة بالحياة، تروي قصة مصرية تتجدد مع كل موجة من مياه نهرها وبحرها، في لوحة لا تُنسى”.

    جمصة: واحة النقاء على ساحل البحر

    أما مدينة جمصة فتنمو كواحة تنبض بالجمال والتاريخ. يعود اسمها إلى أيام الحملة الفرنسية. حين أطلق الجنود على تبة عرابي اسم “JAIMECA” أي المكان المحبوب، ليحافظ الاسم عبر الزمن على معناه ويصبح وجهة مفضلة للمصطافين.

    بدأت جمصة رحلتها كمصيف في أوائل الستينيات، عندما اقترضت هيئة قناة السويس مبلغ نصف مليون جنيه لبناء 40 شاليهًا وفندقًا صغيرًا على شاطئ البحر. كانت هذه البداية لبناء مكان بدأ يزدهر ويأخذ شكله المميز. وفي عام 1964 تأسست شركة عامة لإدارة المصيف، مستلهمة تجربة المعمورة، لتطوير وتنظيم المدينة بدعم من معسكرات الشباب التي شاركت بحماس في تمهيد الطرق وبناء المرافق وزراعة المساحات الخضراء.

    الصيف الذهبي

    ورغم التحديات التي مرت بها البلاد، من نكسة 1967 إلى حرب أكتوبر 1973، كانت جمصة ملاذًا لمصطافي مدن أخرى مثل بورسعيد ورأس البر، وأصبحت شواطئها مقصدًا رئيسيًا. حتى جاء صيف 1972 المعروف بالصيف الذهبي، الذي شهد مهرجانًا سينمائيًا واحتفالات كبيرة جذبت النجوم والزوار. وحققت المدينة خلاله إيرادات عالية، لكن مع عودة فتح مصايف أخرى تراجع الإقبال على المدينة.

    لكن احتفظت بطبيعتها الساحرة؛ مياه صافية، ورمال ناعمة، وهواء منخفض الرطوبة، تزدان بالحدائق الخضراء التي تحمل أسماء تاريخية مثل الأندلس وأم كلثوم وابن لقمان. وتنبض أسواقها مثل السوق الفرعوني وسوق جمصة البلد بالحياة والروح الأصيلة. كما يضفي الكورنيش الممهد طابعًا فريدًا من الراحة على أرجائها.

    بلطيم.. بوتقة التراث والتطوير

    في قلب محافظة كفر الشيخ، تقع بلطيم التي تحمل بين ثناياها تاريخًا عميقًا يعود إلى العصر البطلمي. حيث يعود أصل تسميتها إلى ذلك الزمن القديم. لم تكن بلطيم مجرد مدينة عادية، بل نقطة استراتيجية مهمة. كما يظهر في وجود حصن طابية عرابي الذي بناه صلاح الدين الأيوبي للدفاع عن الساحل ضد الغزاة، والذي شهد عدة مراحل من التجديد. إذ أعاد الخديوي إسماعيل ترميمه في عام 1882، قبل أن يستخدمه أحمد عرابي في معاركه البطولية ضد الاحتلال الإنجليزي. ويُعتبر هذا الحصن شاهدًا حيويًا على مراحل النضال والتاريخ المصري.

    ولا تزال ذكرى 4 نوفمبر 1956 محفورة في ذاكرة أهل بلطيم. حين هزمت الزوارق المصرية بارجة «جان دارك» الفرنسية قبالة سواحل البرلس، في معركة بحرية بطولية جمعت صيادي البرلس والقوات البحرية المصرية. معلنة موقفًا من الكرامة الوطنية والشجاعة.

    وعلى صعيد التطور المدني، برزت بلطيم في الأربعينيات كمصيف هادئ جذب الباحثين عن الهدوء بعيدًا عن صخب المدن، قبل أن تبدأ في الخمسينيات مرحلة التطوير. حيث ساهم شباب من مصر وآسيا وإفريقيا في بناء الطرق وتشييد البنية التحتية. التي أرسى دعائمها لتصبح وجهة صيفية متكاملة. خاصة مع وجود فنار البرلس الذي يضيء ليالي البحر منذ أكثر من 120 عامًا، كرمز للصمود والجهود الهندسية الدقيقة التي سمحت له بمواجهة رياح الزمن. والذي حظي الفنار بتوثيق في دائرة المعارف البريطانية، وأصبح اليوم محور جهود صيانة للحفاظ عليه.

    الإسكندرية.. الماضي والحاضر

    أما الإسكندرية فهي الأشهر على الإطلاق، سواء في الماضي أو الحاضر، نظرًا لمكانتها التاريخية المرتبطة بمصر الملكية والجمهورية. فهي ليست مجرد مدينة ساحلية، بل هي العاصمة الصيفية لمصر. من الكورنيش إلى المقاهي التي شهدت ولادة أعمال أدبية وشعرية، تحتفظ المدينة بتاريخ غني من الحياة الثقافية والترفيهية.

    في الماضي، كانت شواطئ الإسكندرية تحتوي على كبائن خشبية مبنية على أعمدة داخل البحر، متصلة باليابسة بواسطة جسور خشبية. مثل “المنشية”، “سانتي بالميناء الشرقية”، “الشاطبي”، و”الرمل”. بالإضافة إلى “كليوباترا” التي بناها التاجر اليوناني جورج زورو. وفي عام 1934، تم افتتاح طريق الكورنيش الممتد من قصر المنتزه شرقا إلى رأس التين غربا. مما ساهم في توسع المدينة عمرانيًا.

    كما ظهرت حمامات خرسانية حديثة في مناطق ستانلي وجليم وسيدي بشر. أما شاطئ ميامي فكان معروفًا بخصوصيته وهدوئه. حيث كان خصص للطبقات الراقية مع رسوم دخول رمزية تحافظ على هذه الخصوصية. كما كانت منطقة بولكلي مركزا لاجتماعات مجلس النظار في الصيف، وكان يرأسها سعيد باشا ذو الفقار، حيث يتم تنظيم المصايف وتنظيمها.

    مصايف جديدة

    لا يمكن تجاهل التنوع الكبير الذي شهدته المصايف المصرية عبر العقود. فمن البساطة والدفء في المصايف الشعبية، إلى الفخامة والخصوصية في الشاليهات والفيلات التي عبّرت عن اختلاف الطبقات الاجتماعية ورغباتها. هذه التنوعات شكلت جزءًا لا يتجزأ من تاريخ المصايف، ورسمت صورة حية لحياة المصريين الصيفية بكل ألوانها.

    ومع تطور الزمن وظهور وجهات جديدة على خارطة المصايف مثل الغردقة ودهب والعلمين الجديدة وشرم الشيخ. بالإضافة إلى الساحل الشمالي. تغيرت أنماط المصايف وتوسعت الخيارات أمام المصطافين. هذه الأماكن الحديثة جذبت شرائح واسعة من الناس بحثًا عن تجارب مختلفة، بمرافق متطورة وأجواء عصرية. لكن رغم بروز هذه المصايف الجديدة، لا تزال المصايف التاريخية مثل رأس البر والإسكندرية تحتفظ بجاذبيتها الخاصة وشعبية كبيرة بين المصريين. الذين يقدرون عبق الذكريات وروح المكان التي لا يعوضها جديد.

    اقرأ أيضا

    حوار| «سام كين»: كنت أريد الكتابة عن مصر.. وكتابي «عشاء مع الملك توت» ليس خيالا صرفا

    حين كتب الأصدقاء على ورق البردي: رسائل ووصايا من مصر القديمة

    «أندرو سايمون»: المصريون صنعوا ثقافاتهم الشعبية بالكاسيت.. وهجوم المهرجانات بدأ مع عدوية

  • بعد ثلاث سنوات من طرد سكان العوامات.. المعاناة مستمرة! 

    بعد ثلاث سنوات من طرد سكان العوامات.. المعاناة مستمرة! 

    داخل العوامة رقم 77 بمنطقة «الكيت كات»، عاشت الحاجة «إخلاص» صاحبة الـ90 عامًا، التي ولدت في عوامة على النيل عام 1935. لكن الحياة لم تمهلها كثيرا، إذ سرعان ما تحولت حياتها إلى كابوس، عندما تم إجبارها على مغادرة عوامتها في عام 2022، بعد قرار الحكومة بطرد سكان العوامات، لتبدأ فصلا جديدا من حياتها. فصل شاق، ورحلة جديدة دفاعًا عن أخر ما تبقى لها من أمل وحلم. الحلم الذي لا يزال يدفعها حتى الآن لتتبع أي ضوء أو خيط رفيع قد يعيدها لعوامتها مجددا؛ لذلك قررت أن تتحدث إلينا بعد ثلاثة سنوات من إجبارها على الرحيل.

    خسارة فادحة

    تعيش الحاجة إخلاص حاليًا في شقة مطلة على نيل الزمالك، بعدما أمر الرئيس بتعويضها وتوفير سكن بديل بنظام الإيجار الجديد داخل المنطقة نفسها، عقب صدور قرار إزالة العوامات. فهي أكبر سكان العوامات سنا، ورغم حالتها الصحية، لم تفوت أي مناسبة دون زيارة عوامتها.

    تقول: «عندي أمل إن يأتي يوم ويسمح لي بالعودة مرة أخرى إلى العوامة، لذلك أتتبعها دائمًا وأحلم بها عندما لا تسعفني صحتي لزيارتها والاطمئنان عليها. للأسف، خلال السنوات الماضية نُقلت العوامة إلى العديد من الأماكن وهي مستقرة حاليًا ناحية كوبري إمبابة، ومحاطة ببلطجية وخارجين عن القانون. العوامة في السنوات الثلاث الماضية اتبهدلت. في كل زيارة لي كان حالها يتبدل للأسوأ. تم تكسير الزجاج الموجود فيها وسرق اللصوص الألوميتال الموجود داخلها. كانت العوامة أشبه بالقصر. قمت ببيع منزلين لي في منطقة الزمالك لتجهيزها ووضعت داخلها أجمل التحف والأنتيكات لكنني في النهاية خسرت كل حاجة».

    الحاجة إخلاص داخل عوامتها قبل أيام من الرحيل.. تصوير: شهاب طارق
    الحاجة إخلاص داخل عوامتها قبل أيام من الرحيل.. تصوير: شهاب طارق
    مخالفة لقرار الرئيس

    تشبه إخلاص عوامتها بـ«شنطة» تُنقل من مكان لآخر، وتعبر عن استيائها من تراجع المسؤولين عن تنفيذ قرار الرئيس بشأن إعفائها من المديونية.

    تقول: «الريس جزاه الله خير أعفاني من المديونية، وأمرلي بتوفير شقة بديلة، ورغم الالتزام بتوفير الشقة ودفع إيجارها بشكل دوري، إلا أنه جرى إبلاغي من جانب وزارة الري إن العوامة هتدخل مزاد بسبب المديونية المتأخرة، رغم تأكيدهم في أكثر من مرة عدم وجود أي مديونية على العوامة. لو كنت أعرف، كنت دفعت زي الباقيين، والمبلغ كان حوالي مليون ونصف جنيه.

    ذهبت بالفعل لوزارة الري وقلت لهم إنني تم إعفائي من المديونية بناء على توصية اللجنة التي شكلها الرئيس، لكنهم أجابوني أن الغرامة لن يتم حذفها إلا من خلال تقديم مستند رسمي يفيد بقرار الإعفاء؛ وأنا في حقيقة الأمر لم يعطني أحد أي مستند أو صورة من الإجراءات التي تم اتخاذها لصالحي، فقد كانت كل الإجراءات شفهية؛ لذلك ليس أمامي حلًا سوى الدفع حتى لا أفقد ما بقي مني وهي العوامة».

    مبررات الطرد

    تكمل: «لا أملك سوى الانتظار في الوقت الحالي. أنتظر إن ربنا يسترد أمانته، لكنني أحلم باليوم الذي أعود فيه إلى العوامة. «لم أؤذي أحدًا، أحببت دائمًا الخير للجميع، وراضية باللي يحكم بيه ربنا.. لا أرى أنه من حقي حتى أقول نفسي في إيه.. مش من حقي لأن صحيح العوامة ملك لي لكنني لست حرة في التصرف بها. أنا راضية حتى إني أدفع المديونية اللي بيتكلموا عليها. يا ابني عمري ما كنت أحب المشاكل. وإحنا أصلًا من زمان كنا بنروح وزارة الري علشان ندفع الفلوس اللي علينا لكن فجأة وزارة الري رفضت تاخد مننا الفلوس، وقالوا إن دي تعليمات.

    وفجأة ظهرت النية المبيتة بنقل العوامات وطرد سكانها بدعوى إننا مبندفعش. بينما الحقيقة إن وزارة الري رفضت تحصيل أي أموال منا طيلة سنة كاملة حتى تحين لهم الفرصة ويجدوا مبررًا لطردنا من العوامات».

    أجمل الذكريات

    لم يسلم الإوز الذي كانت تعتني به الحاجة “إخلاص” من مسلسل السرقة والنهب الذي تعرضت له العوامة. فعندما علمت بقرار طرد سكان العوامات، كان شاغلها الأول هو مصير تلك الطيور. تتذكر الآن، بصوت يخيم عليه الحزب، مصير الـ33 إوزة:

    «عشت معاهم أجمل الذكريات. تخيل، وهما بيسحبوا العوامة، الإوز والبط فضلوا ماشيين وراها طابور على النيل «والله مطرح ما راحت راحوا». لكن للأسف، الصيادين تعمدوا خبطهم على رؤوسهم كي يصابوا بالدوار ومن ثم اصطيادهم وأكلهم، وللأسف لم يتبق منهم ولا واحدة».

    وكانت الحاجة إخلاص محاطة دائمًا بعشرات القطط، حيث عرف عنها إخلاصها الشديد في تربية الحيوانات. وعندما طلب منها مغادرة العوامة، بدأت في البحث عن أماكن لإيواء قططها، وقد تبناها عدد من المهتمين بتربية الحيوانات.

    تربية الحيوانات

    لكن عندما استقرت داخل بيتها الجديد، قررت مرة أخرى رعاية قطة شارع. تقول: «في الوقت الحالي أقوم برعاية قطة من الشارع، كنت قد رأيتها داخل المنطقة التي أسكن فيها، وعرفت أنها عمياء؛ لذلك قررت رعايتها بعد أن تخلى عنها أصحابها عقب مرض والدتهم. ولأنها عمياء فلم تتحرك من مكانها في الشارع؛ لذلك قررت تبنيها. كانت في الماضي تصطدم بالكراسي والترابيزات داخل المنزل. لكنها الآن تعودت على الشقة وحفظتها، ولم تعد تصطدم بأي شيء».

    تختتم الحاجة إخلاص حديثها وتقول: «نفسي أطمئن على العوامة، لأنها شقى عمري، حاليًا أحاول ترخيصها كعوامة سياحية، لأنه السبيل الوحيد لإعادتها، لأنهم يريدون مشروعات سياحية؛ لذلك ليس أمامي سوى تحويلها من سكني لسياحي، وقد تقدمت بالفعل بطلب لوزارة السياحة وأنتظر الموافقة على ذلك».

    غياب رفاهية الاختيار

    إحدى ساكنات العوامات -رفضت ذكر اسمها-شرحت لنا ما يحدث بعد ثلاث سنوات من المغادرة وقالت: «مازلنا ضائعين. سرعان ما يظهر أمل ونكتشف أنه مجرد سراب. وهكذا الحال طيلة السنوات الأخيرة لازلنا نتخبط. وقد دفعنا الغرامات التي تم إقرارها حتى لا يتم حبسنا أو منعنا من السفر أو الحجز على أموالنا في البنوك. هناك من دفعوا مليون جنيه وحتى 10 ملايين جنيه. الحكومة خدت الغرامات، وفي نفس الوقت تحفظت على العوامات. والآن نحاول ترخيصها كأنشطة سياحية، لأنه الحل الوحيد الذي أمامنا. فنحن ليس بيدنا رفاهية الاختيار».

    اقرأ أيضا:

    هكذا يودعون عواماتهم: هل أصبح تراث مصر «النيلي» في خطر؟

    «ساكنو العوامات يستغيثون»: ماذا يحدث؟

  • «الروضة».. وما اغتنت

    «الروضة».. وما اغتنت

    في صبانا، حينما أشرفت نشرة أخبار المذياع على الختام، أصغينا إلى ما يفيد «أن مقياس النيل بالروضة قد سجل ارتفاع النيل…» حيث عرفت بجزيرة المقياس أو دار المقياس، وعرفت أيضا بجزيرة الفسطاط، وجزيرة الصناعة، حيث كانت منشأة لصناعة السفن، وأخيرا جزيرة الروضة حيث زخرت بالحدائق والبساتين التي حفلت بالأشجار والأزهار، وازدهرت العمارة آنذاك، فكانت البنايات والقصور تطل على النيل في زمن الوزير الفاطمي أمير الجيوش بدر الجمالي.

    آنذاك تضافرت الجزر التي تدنو من الروضة، فشهدت الأنحاء والروافد المجاورة، مثل المنيل والزمالك وبولاق، وصارت وقتذاك متنزهاً للناس من كافة الشرائح الاجتماعية.

    وشيد حسن باشا المناسترلى قصرا شاهقا بها، حيث شغل محافظ القاهرة. وعندما كانت كائنة في وسط النيل زمن الأمراء والملوك، شيدت عديد من الجسور والطرق، مثل كوبري قصر النيل في عهد الخديوي إسماعيل عام 1879، وكوبري الجلاء. وفي عام 1908، شيد كوبري الملك الصالح والجيزة في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني.

    ***

    وظلت جزيرة الروضة مفعمة بالحيوية في حقول العمران والزراعة زمن فيضان النيل، حيث تسري في البلاد مظاهر الازدهار والنماء. وفي آونة أخرى، تأتي الأقدار بما نشتهي، فيغرق الفيضان كافة الأرجاء، ولا يبقى سوى البؤس والأسى.

    ومن مآثر جزيرة الروضة، أنها رغم ما شهدته من نكبات وكوارث، إلا أنها ظلت تتمتع بالحدائق والقصور والبيوت الراقية. فكان التمدين والعمران ظاهرة وسمت بها؛ حيث سكنتها الشرائح الاجتماعية العليا من المجتمع.

    في ظلال تلك الوقائع والأحداث التي ذكرت في الخطط والآثار التي أوردها المؤرخون عبر عصور عديدة مضت، برزت الأسطورة التي تراوحت بين الحقيقة والخيال، حيث اعتاد المصريون أن يلقوا بفتاة صغيرة في النيل كل عام كتعبير عن الامتنان للخير الذي يحمله النيل إليهم. ويروى في سياق آخر أن الاحتفال السنوي بالتضحية بعروس النيل استبدل بعروس من طين تكسى ثياب العروس.

    ***

    غير أن هناك تاريخا آخر لـ”دولة” الروضة مغاير ومعاصر لم يكتب أو يّدون بعد. تاريخ حياة البشر الذين عاشوا في أنحاء الروضة. فقد سكن شارع الإخشيد د. محمد مندور، أحد أعمدة النقد في مصر، والموسيقار كمال الطويل، والشاعر عبدالرحمن صدقي، مدير دار الأوبرا، وكانت فيلا قوت القلوب الدمرداشية، وأقام بالروضة الكاتب السوري اللاجئ السياسي خير الدين الزركلى. وفي شارع الفتح كانت مطبعة الفتح لصاحبها محب الدين الخطيب حيث كانت تصدر مجلة “الفتح” الإسلامية. وسكن أيضاً أحمد حسين، رئيس حزب مصر الفتاه، والشاعر علي الجارم، وموطناً لقصر المناسترلى.

    وفي جزيرة الروضة كانت حادث اغتيال عبدالقادر طه، أحد الوطنيين المصريين قبيل عام 1952 على يد الحرس الحديدي. وفي أعقاب نجاته سعد زغلول من حادث القصاصين، اختار الاستشفاء في أجواء جزيرة الروضة.

    والآن، نحن في حاجة إلى نخبة من نشطاء الباحثين للكشف عن الخفي في الكنز الدفين للروضة المعاصرة. وربما يسفر السعي إلى إنجاز دراسات وبحوث عميقة تحمل “ديوان الروضة المعاصرة”.

    اقرأ أيضا:

    علامات في المدينة

  • عقلية العوامة في قرار هدم العوامات!

    عقلية العوامة في قرار هدم العوامات!

    قررت الحكومة، فجأة، هدم كل العوامات الموجودة على سطح النيل..العوامات فقط، الخشبية، الصغيرة، التي لا يزيد عددها عن ثلاثين عوامة تقريبا، وليس بقية الاشغالات والمباني الأسمنتية الكثيرة التي تحتل مساحات هائلة من شاطئ النيل، أو الأبراج العملاقة التي تحجب الرؤية وتحجز النسمة، ليس في القاهرة فقط، ولكن في كثير من مدن المحافظات المختلفة التي بليت بداء الأبراج القبيحة المنظر المحيطة بالنيل مثل أنياب قرش آكل للحوم البشر.

    العوامات فقط هي التي أثارت انتباه واستياء الحكومة، مع أنها، مقارنة بما يوجد على ظهر النيل من انتهاكات، تبدو مثل قوارب خشبية تهزها المياه وسط أساطيل حربية مدججة بالسلاح.

    القذي والخشبة!

    هذه العوامات الصغيرة الخجولة المتناثرة، والتي يوجد معظمها بالقرب من إمبابة والكيت كات، ربما تكون انتهاكا بالفعل لحرمة النيل، ولحق الجماعة في الانتفاع بنظافة مياهه وهواءه وحسن منظره، وربما يقتضي الحق أن تزال هذه العوامات أو يبقى عدد رمزي منها كأثر سياحي فقط، ولكن رؤية العوامات فقط من بين كل الانتهاكات الموجودة على النيل، ومنها مصانع تبث نفاياتها وعوادمها في النيل، ونواد فئوية وعامة تحتل الشاطئ وجزء من النيل، وفنادق ومبان عملاقة، وكازينوهات ومطاعم عائمة تطبق على أنفاس النيل نفسه..أن ترى العوامات فقط، من بين كل هذا، فأنت مثل الذي يرى القذي في عين أخيه لكنه لا يرى الخشبة التي في عينه!

    عماد خمدي في لقطة من فيلم «ثرثرة فوق النيل»
    عماد خمدي في لقطة من فيلم «ثرثرة فوق النيل»

    وحتى مع افتراض أن هناك خطة لازالة كل التعديات القائمة على النيل، وأن زمن العوامات قد ولى، فإن ذلك لا يمنع من الاحتفاظ ببعضها كأثر تاريخي وسياحي، خاصة أن هذه العوامات أصبحت جزءا من التراث الثقافي للمصريين، بفضل عدد من الروايات والأفلام والأعمال الفنية التي وثقت هذا التاريخ وهذا الزمن توثيقا بديعا. ولو أن هذه العوامات وجدت مثلا في فرنسا أو أمريكا، وظهرت في روايات بلزاك أو هيمنجواي أو لوحات رينوار وماتيس، أو في بعض أفلام العصر الذهبي لهوليوود، لكانت وزرات ثقافة وحكومات هذه الدول ستسعى بالتأكيد للاستفادة ثقافيا وسياحيا بهذه العوامات، بتحويل بعضها إلى متاحف وآثار للأجيال القادمة، كجزء من التاريخ الحي لهذه البلاد.

    تاريخ معماري وبصري

    معظمنا لم يعش في عوامة وربما لم يدخل عوامة في حياته وبعضنا ربما لم ير عوامة ولو من بعيد، ولكن معظمنا يعرف العوامات من خلال روايات نجيب محفوظ وأفلام الأبيض والأسود التي استغلت الخصوصية المكانية للعوامة ذات المعمار المميز، التي هي بيت ومركب، جزء من المدينة وشئ منفصل عنها، تحلق دوما بين الثبات والحركة مثل حلم.

    في أعمال محفوظ تحفر العوامة صورتها البصرية كدال ثقافي على شخصيات العمل وعلى العصر. في الثلاثية تصبح العوامة موقعا للمتعة المحرمة للسيد أحمد عبد الجواد العائش بشخصيتين. هذا عصر كان فيه بعض الرجال يملكون عوامة أو “جرسونيرة” (شقة صغيرة خاصة لممارسة المتعة) حيث يمكن أن يعبروا عن شخصياتهم المتناقضة، وعن طبيعة المجتمع الفصامي العائش بشخصيتين.

    في “ثرثرة على النيل” التي يصل فيها الفصام الثقافي والسياسي إلى ذروة أزمته (مع هزيمة 1967 وانكشاف خواء الأحلام الكبيرة والفساد الذي ينخر المجتمع والأفراد) تصبح العوامة هي المكان/ المجاز الأفضل للتعبير عن مجتمع يطفو، يعتقد أنه راسخ ومستقر، لكن بمجرد أن يحل أحدهم السلسلة التي تربط العوامة بالأرض، يصبحون في مهب الريح.

    أحلام وكوابيس

    العوامة كموقع سينمائي تصلح أيضا لمقارنة أخرى: الخمسينيات بأحلامها الرومانسية الكبيرة، والسبعينيات بكوابيسها المحدقة.

    في فيلم “أيام وليالي” (إخراج بركات، 1955) تشغل العوامة والقارب ونهر النيل موقعا شديد الخصوصية والعذوبة للرومانسية والغناء. وتدور واحدة من أجمل أغاني عبد الحليم حافظ وهي “أنا لك على طول” على متن قارب أمام عوامة المحبوبة (إيمان).

    في فيلم “ثرثرة فوق النيل” (إخراج حسين كمال، 1971)، مثل الرواية المأخوذ عنها، ولكن بشكل أكثر مبالغة وفجاجة، تصبح العوامة مأوى لنماذج إجتماعية منحرفة ويائسة، تعبر في مجملها عن يأس وفساد عام، ويصعب أن نجد موقعا يمكن أن تتجمع فيه كل هذه النماذج وأن يعبر هذا الموقع عنهم بصريا مثل العوامة…فكل واحد منهم أشبه بعوامة بشرية، يطفو على ظهر الحياة منقطع الانتماء والجذور، لاهيا ومستمتعا باللامسئولية، ولكن ليس لديه قدمين وليس تحته أرض يمكن أن يقف عليها.

    ربما حان الوقت لاطلاق مشروع وقرارات متكاملة للقضاء على كل التعديات القائمة على نهر النيل، ومنها العوامات، ولكن من الجرم هدمها جميعا، ومن الجرم أن نمحو جزءا من ذاكرتنا البصرية والثقافية دون أن نفكر في الحفاظ عليها والاستفادة منها.

    ..لكن يبدو أن عقلية العوامة الطافية بلا جذور لم تزل تنتشر وتتوغل وتسود.

    اقرأ أيضا:

    ثورة القوارير في السينما السعودية!

  • هاني رسلان: العزاء في سرادق النيل

    هاني رسلان: العزاء في سرادق النيل

    هناك أشخاص يرحلون، ولا أشعر بالرغبة في الذهاب إلى ذويهم في المنادر أو السرادقات، من أجل تقديم العزاء، هناك أشخاص يرحلون، فأشعر بالرغبة في النظر إلى النيل

    النيل سرادق كبير، خيمة شفافة ولها عُمّارها، وهو جاهز دائما لاستقبال الأفراح دون شرط أو قيد، وجاهز لاستقبال واجب العزاء، لكن بشرط وحيد، هو الرابط الروحي العميق الذي يجمعه بالراحل.

    كلنا مرتبطون روحيا بالنيل بوعي أو بدون وعي، لكن بعض الأشخاص تنفرط حياتهم مثل العقد في كل الجهات، إن سحبنا منها انشغالهم بالنيل، أو عشقهم الصوفي لمشهده العظيم.

    هاني رسلان واحد من الذين ربطوا حياتهم بالنيل، وفي العقود التي انشغل فيها الجميع بالنظر بعيدا عن أفريقيا، كان يسبح  ضد التيار، لم يكن يبحث عن شهرة أو تجارة، كان مستقبله يتجه نحو الهامش في ظل الهرولة الحمقاء بعيدا عن أفريقيا طوال العقود الماضية، لكنه ظل يسبح في صمت، ودون ملل من تعب الكتفين.

    لم ينتبه معظمنا إليه، إلا عندما  صرخ النيلُ من الحَرْبة التي راحت تغرزها أثيوبيا في ظهره، وفي ظل الأجواء المريبة التي تتعلق بالملف، وفي ظل خوفنا الأسطوري من المساس بالنيل، والشعور بالعيش في ظل سوق عالمي لا يرحم، كنا نبحث عن الضوء هنا وهناك، وكثيرا ما كنا نجده عند هاني رسلان.

    خبير من الأهل

    لم يكن هاني رسلان مجرد باحث مجتهد وغارق في موضوعه، و رغم الواقعية التي يتميز بها، إلا أنه يبدو منفصلا عن الواقع فيما يتعلق بالشأن الأفريقي عامة، والسوداني خاصة، يتعامل معه كما يتعامل مع الشأن المصري بشكل حرفي، وكأنه لم يسمع بانفصال مصر عن السودان، أو كأن انفصال مصر عن السودان حدثٌ عابر، أو مجرد لعبة سياسية خارجية مؤقتة  فرضتها الظروف، وسوف تنتهي.

    ميزة هاني رسلان  كانت في حساسيته، فلم يكن يتعامل مع موضوع خارجي، وكان يتحرك انطلاقا من منطقة المشاعر، وكان أهم ما يشغله هو إحساس أثيوبيا بملكيتها للنهر، وقد رأى أساس العدوان في الإحساس، وهكذا كان يتعامل مع الخطاب الأثيوبي بحساسية شديدة، وهذا ما كان يمنحنا الطمأنينة ونحن نتابعه، أي أننا لم نكن نتابع خبيرا بقدر ما كنا نتابع واحدا من أهلنا.

    الميزة الأخرى التي تمتع بها رسلان هي قدرته على ضبط مشاعره، والتصرف بعقلانية شديدة، والوقوف بهدوء على مظاهر التدليس في الخطاب الأثيوبي، وكشف علامات التعنت، وأشكال اللعب بالمفاوضات، و حيَل فرض سياسة الأمر الواقع، وفنون إخفاء اللامبالاة بالمخاطر التي تهدد الشعب المصري والسوداني على وجه الخصوص.

    لا يعرف المسافات

    عاش رسلان بحكم عمله في القاهرة، و لم يكن منفصلا عن بلدته دندره، بل كان مشاركا بفاعلية كبيرة في همومها وأفراحها، وكانت “الأسرة الدندراوية” التي ينتمي إليها، كيانا كبيرا، يعمل على  خلق روابط  روحية عميقة بين المصري والسوداني والأفريقي بشكل عام، وكان ذلك يبدو جليا في احتفالاتها الدورية الكبيرة، ونشاطاتها التي تتجاوز الحدود الجغرافية.

    لا شك أن جذوره الصعيدية ساهمت في رفع إحساسه بالمشكلة، وجعلت تعلقه بالشأن الإفريقي عميقا كتعلق الرجل بأهله، وقويا دون ادعاءات ومظهرية جوفاء، وما زال الجنوبي ينظر إلى القاهرة ، (أو إلى مصر كما يقول) نفس النظرة التي نجدها عند السوداني تقريبا وهو ينظر إلى مصر.

    الجنوبي يعرف أن القلب لا يعرف المسافات، فقد يكون القلب في طيبة، وقد يكون في القاهرة، وقد يكون في السودان، وهكذا كان ينظر إلى منابع النيل باعتبارها القلب، وإلى أفريقيا باعتبارها المركز الحقيقي.

    اقرأ أيضا:

    طريق الكباش: تحنيط الخيال والدعاية الخفية

  • الفنان التشكيلي «أحمد سليم»: عندما يوثق الفن تراث الشعوب

    الفنان التشكيلي «أحمد سليم»: عندما يوثق الفن تراث الشعوب

    سحرته الطبيعة الخلابة والطقوس النوبية في أسوان. فرسم الوجوه السمراء والأزياء والبيئة والفنون والعمارة والعادات والتقاليد بحب وشغف. شارك الدكتور أحمد سليم، ابن أسوان ورئيس قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بجامعة المنيا، في العديد من المعارض خارج وداخل مصر حصد منها العديد من الجوائز الهامة.. «باب مصر» يستعرض رحلته. Abigail step dad

    في قرية الرمادي

    يتحدث الدكتور أحمد سليم عن نشأته في قرية الرمادي بمركز إدفو في أسوان. ويقول: “كان المناخ العام من حولي سواء بالقرية أو أسوان بشكل عام يساعد على الإبداع والتشبع بالفن، كل ما يوجد حولي ينبض بالجمال، أشكال البيوت وألوانها، الآثار  والفن الفرعوني، النيل والخضرة”.

    وتابع: بدأت وأنا صغير وأثناء اللعب مع أصدقائي بالقرية في تشكيل التماثيل الصغيرة للحيوانات، شكلت كل الأشياء من حولي بواسطة الطين، وكنت أساعد الأمهات في القرية وهم يزينون ويرسمون ويلونون المنازل”.

    تشجيع موهبتي

    ويكمل: بعد أن التحقت بالمدرسة الابتدائية، لاحظ مدرس الرسم موهبتي. وبدأ في تشجيعي، وأوصي والدي أن يهتم بموهبتي، وكان يحضر لي مجلات الأطفال الملونة المليئة بالرسومات. ومن خلال المدرسة شاركت في العديد من المسابقات، وحصلت على جائزة الطلائع في الرسم عام 1980. وحصلت على شهادة تقدير قام والدي بتعليقها على حائط بالمندرة في منزلنا واحتفظ بها حتى الآن.

    يقول سليم: خلال دراستي قبل الجامعية، تعاملت مع خامات كثيرة، رسمت بورتريهات، نحت تماثيل من الحجر، والحجر الرملي. وفي كل مرحلة دراسية كنت أحصل على التشجيع. وقد كنت سعيد الحظ في المرحلة الثانوية، حيث كانت مُدرسة الرسم خريجة كلية الفنون الجميلة، واهتمت بي كثيرًا، وحصلت على العديد من الجوائز على مستوى الجمهورية، من خلال مشاركتي في المسابقات المختلفة. وشاركت ونظمت العديد من المعارض بقصر ثقافة أسوان، وقررت أن يكون التحاقي بكلية الفنون الجميلة هو هدفي.

    فنون جميلة المنيا

    بعد حصول سليم على الثانوية العامة، التحق بكلية فنون جميلة المنيا تبعًا للتوزيع الجغرافي. وهو ما أزعجه في البداية وقرر التحويل إلى كلية التجارة بالقاهرة، إلا أن الدكتور أحمد نوار – الذي كان عميدًا للكلية وقتها- أقنعه بالعدول عن فكرته بعد أن رأى موهبته في الأيام القليلة التي قضاها في الكلية. وقال له: “مستقبلك هنا”.

    يقول سليم عن فترة دراسته: “التحقت بقسم الجداريات بالكلية تحت ضغط من بعض أساتذة الكلية. لكن لم أنفصل عن التصوير الزيتي واللوحات، وكنت أعمل بمشاريع التصوير واللوحات والجداريات، وكنت الأول على دفعتي عام 1991. وكان مشروع تخرجي مقسم بين عمل جداري ولوحة زيتية كانت عبارة عن تصوير ورسم لرقصة “الكف” النوبية.

    ويضيف، بعد تخرجي التحقت بالخدمة العسكرية. ورغم أني كنت الأول على دفعتي وصدور أمر تكليف لتعييني، إلا أنه لم يتم ذلك، وتم سحب قرار ترشيحي. حتى قرأت في جريدة الأهرام خبر عن مسابقة لتعيين معيدين في كلية الفنون الجميلة بالمنيا وتقدمت، وعينت مدرسًا مساعدًا.

    مناطق ج

    يقول الفنان: “بعد تعييني بالجامعة معيدًا بقسم الجداريات عام 1993، وقتها عملت بمجلة فرنسية تابعة للهيئة العامة للاستعلامات. ثم تفرغت لرسالة الماجستير، والتي سجلتها بكلية فنون جميلة الزمالك، وكان عنوانها “التصوير على مناطق ج”. كانت الرسالة تكملة لمشروع وتجارب بدأتها منذ أن كنت صغيرًا، فقد كنت أرسم رسومات الحج على جدران منازل قريتنا بأسوان. وقد اخترعت طريقة للرسم على الطين على غرار طريقة الفريسكو الإيطالية، والتي يستخدم فيها الجير والرمل، والذي استبدلته بالطين الأسواني، وأطلقت على تلك الطريقة “مناطق ج” وسجلتها بهذا الاسم”.

    وتابع: حصلت على حق الملكية الفكرية لهذا الابتكار الذي كان سببًا في حصولي على جائزة من أكاديمية البحث العلمي عام 2016. وجائزة المركز الثاني من الملتقى الدولي للاختراعات. وسجلت على تلك الجداريات الطينية تطور فن الرسم. واستخدمت في تلوينها الأكاسيد أو الصبغات. وأقوم بتصميم الجدارية على شاسيهات (سطح) من الخشب، بعد مرور خمسة عشر يومًا على عجنها، أقوم بفرد الطين على هذا السطح، وأطبع عليها الرسومات ثم أقوم بتلوينها، وأضيف “التبن” إلى الطين عند التعامل مع الأسطح الخشنة، واستخدم الطفلة الأسواني مع الطين على الأسطح الناعمة.

    مصر وألمانيا

    أما عن رسالة الدكتوراه، فقد جمع سليم مادتها العلمية من مصر وألمانيا. وحول السفر إلى ألمانيا الذي جاء بمحض الصدفة يقول: “كنت أنفذ لوحة من الموزاييك عن مولد سيدي عبدالرحيم القناوي بمحافظة قنا، وكانت لوحة كبيرة الحجم تضم حوالي 44 شخصا في ساحة المولد. وأمضيت 6 أشهر من العمل بها. وكنت أضع اللوحة خارج المنزل لتجف، فشاهدها سائح من زوار الأقصر، وأعجب بها جدًا، وكان يعمل أستاذًا في إحدى كليات الفنون الجميلة بألمانيا، وعندما علم برغبتي في السفر لتكملة مادتي العلمية، بعد عودته إلى ألمانيا أرسل لي دعوة للسفر.

    يكمل سليم: كانت مرحلة مختلفة تمامًا في حياتي. حيث التحقت بكلية الفنون والتربية بجامعة زيغن الألمانية، التي وجدت بها أحدث التقنيات المستخدمة في مجال الفن، ودرست الطباعة، واستخدامها في الحفر على النحاس والحجر والجلد. وحصلت على دبلومه. وكان موضوع رسالة الدكتوراه يدور حول تنمية منطقة توشكى. حيث أعلنت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة عن مسابقة لتصميم المساكن والبيوت في توشكى.

    الهوية المصرية

    وقد لاحظت أن جميع التصميمات المقدمة كانت للعمارة الحديثة. حيث تصلح للمدن وكمبوندات، ومن استوحى عمارة حسن فتحي أخذ طابعها الجنوبي فقط، وكان ينقصها رسومات النوبة القديمة وألوانها. ومن هنا جاءت فكرة رسالة الدكتوراه. وكان عنوانها” تأكيد الهوية المصرية للمنشآت المعمارية الحديثة بمدينة توشكى”.

    وقد جمعت مادتها في مصر ثم أكملتها بدراسة أماكن كثيرة في ألمانيا. حيث قمت بتوسيع الفكرة وناقشت من خلال الرسم الجداري مدى تأثيره على المجتمع ودوره في تأكيد الهوية وتنمية الحس القومي. وقد زرت أماكن كثيرة في ألمانيا حتى يمكنني أن أشاهد الجداريات، وقمت بربطها ومقارنتها بالرسوم المصرية، وتمت مناقشة الرسالة في عام 2005 وتعينت مدرسا بالكلية.

    فن الموزاييك    

    يعد أحمد سليم من أشهر فناني الموزاييك في مصر. وله العديد من الأعمال في ميادين ومحافظات مصر وهيئاتها الحكومية المختلفة، ومنها زخرفة مطابع الأهرام في السادس من أكتوبر ولوحة كبيرة لمولد عبدالرحيم القناوي بمحافظة قنا وغيرها من أعمال.

    يقول سليم عن فن الموزاييك: “تعلمت الموزاييك في العراق عندما سافرت للعمل أثناء الدراسة. ويحتاج العمل فيه لمجهود وتركيز كبيرين. كما أن المعارض الخاصة بهذا الفن قليلة للغاية فهي مجهدة ومكلفة أيضًا بسبب ارتفاع أسعار الخامات، ويحتاج المعرض من الفنان لوقت كبير قد يتجاوز عامين. وقد قمت بعمل حوالي ستة معارض موازييك جميعها خاص بالترقيات للجامعة ومنهم معرضين في إسبانيا.

    مخزون لا ينضب

    واستطرد: لا أتذكر كم عدد اللوحات التي رسمتها. لكن ما أتذكره أن كل لوحة كانت مميزة وتختلف عن الأخرى. فما لدي من صور بصرية ومخزون للبيئة الأسوانية لا ينضب. وكان أول معرض خاص لي في عام 1993.

    وتابع: ترتبط اللوحة عندي بأربعة مسارات تختلف وترتبط باختلاف الخامة. حيث اختار لكل خامة ما يناسبها من تصميم. اعتمد في رسم الاسكيتشات على الألوان المائية، أما الألوان الزيتية التي تشبه إلى حد قريب الألوان المائية استخدمها في رسم اللوحات المتحفية، أما المسار الثالث فهو رسم الفريسك والذي يتم على الجدران، أما المسار الرابع فهو الجرافيك وما أقوم به من حفر على الجلد أو الخشب.

    توثيق التراث الأسواني

    أخذ سليم على عاتقه تصوير وتوثيق العادات والتقاليد والطقوس المميزة في أسوان. فيقول: “الموضوعات التي استقي منها عناصري الفنية كثيرة من حولي، وقد سجلت من خلال لوحاتي العديد من المظاهر والطقوس الخاصة بأسوان والتي قد أوشك الكثير منها على الاندثار. إذ أن بعضها مثل طقوس الاحتفال بالولادة والسبوع يعود إلى العصر الفرعوني.

    كما سجلت الاحتفالات الخاصة بختان الذكور التي قد تصل إلى خمسة عشر يومًا، وهناك احتفالات الحج والفرح الأسواني والحنة عند العروسين وطقوس الزفاف والرقص الخاص به، والموالد الشعبية وحلقات الذكر والمديح النبوي والإنشاد، ومرماح الخيل. ووثقت أيضًا الأزياء سواء الرجالي أو النسائي بتنوعها وتصميماتها المميزة من ألوان. وهناك المفروشات والسلال والأطباق من الخوص. كما عملت مجموعة لوحات من تراثنا الأسواني المسموع من الأغاني مثل نعناع الجنينة والحنة السوداني وغيره من فلكلور، بالإضافة لتصميم المنازل التي تختلف من منطقة إلى أخرى بزخارفها وتصميماتها ورموزها الغنية ونظام العمارة.

    يختتم سليم حديثه: لم أغير أسلوبي كثيرًا منذ بدأت الرسم وإلى الآن، لكنه بالطبع تطور مع الدراسة واستخدام النظريات العلمية والتكنولوجيا والتقنيات الحديثة واختيار الخامات الأفضل، وأرى أن ثقافتي ونشأتي جزء لا يتجزأ منى ومن الصعب التخلي عنه.

    اقرأ أيضا

    رندة إبراهيم .. سحر مصر القديمة بلمسات عصرية

  • أمثال وقصص ومواويل: حكايات بحر النيل

    أمثال وقصص ومواويل: حكايات بحر النيل

    أصبح الرابط بين المصريين وحكايات النيل ليس فقط منفعة الارتواء والحياة، إنما رابط وجداني أيضًا تغنوا به في قصائدهم وأشعارهم، ووثقوا وجوده كفرد أم في بنيانهم يكاد لا يخلوا عمل مرئي أو مسموع أو مكتوب من تجسيد لسريان شريان النيل في قلب المصريين.

    حكايات النيل

    تتحدث الدكتورة نعمات أحمد فؤاد في كتابها “النيل في الأدب الشعبي”. تقول: «النيل بالأمس كان الزارع الأكبر. ولم يشغله الري والسقيا وتنضير الضفاف عن نسج القصص وإطلاق الأمثال وإيحاء الأغاني والمواويل. ومما يوضح كل هذا الوفاء له، وهذه الفنون الشعبية والنيلية ليست للتسلية أو السمر الخالي المتخفف من الأعباء. إنما أيامنا على النهر وقصتنا معه ورأينا فيه وتصورنا له وإحساسنا به. فيها خيال نعم، وشطط أحيانا وفيها حقائق كثيرة وفيها تهاويل غير قليلة نعم إنها كذلك.

    وأضافت، «ولكنها أيضًا فيها أنفسنا بشمائلها وأحلامها وأمانيها ومشاعرها، آلام وآمال قد تختفي فيما طوى اللفظ. وقد تعلن حين يبين، وجميعها رصيد يستأهل الحرص عليه. وليس كالفن مقياس لسيرنا فهو المرآة التي تبدي الصورة في غير زيف أو تمويه.

    كما بينت فؤاد من نماذج لوجود النيل في الأدب الشعبي، مثل:

    القمح دا ما انفضه.. والطين ما انقيه

    يا أمي اعملي لي سلوك.. ذهب أغربل لحبيبي فيه

    وأيضا:

    يا شايله البلاص دلي اسقيني.. يا حاردة القصة على الجبين لويلي

    سلامة الحمرة من المباع.. سلامة الحمرة طويلة الباع لويلي لويلي

    كما تغنى لأدوات النيل ولوازمه وزرعوه في الأدب الشعبي الشادوف والساقية والمحراث والنورج:

    يا ساقية دوري ورشي من بعيد.. وازجي حيضان الملوخية وحوض الجنزبيل

    استعجبت ناس البحيرة والصعيد.. على الواد دا اللي بنا له بيت جديد

    وأيضًا: يا بيت يا مبنته يا عشقة القاضي.. تحت قصتك قلل وبرادي

    اعرف رجالي على المعدية.. راكبين كحايل واشناب ملوية

    وليلة عدمهم شمت العدو فيه

    فضلا عن أساطير عروس النيل والاحتفالات بعيد الوفاء للنيل في أغسطس من كل عام. فالنيل نال التقديس من الشخصية المصرية على اختلاف عصورها منذ الأدب الفرعوني. صلاة أخناتون له وجعله الإله عند المصريين القدماء، مرورًا بمصر المسيحية واعتناقها الإسلام كلهم وصفوه بالمبارك.

    التراث الشعبي

    يروي الدكتور مصطفى جاد، وكيل المعهد العالي للفنون الشعبية، لـ”باب مصر”، أن النيل يعد من العناصر الرئيسية الموجودة في كافة أنواع التراث الشعبي المصري بشكل عام. على سبيل المثال، مجال الأدب الشعبي سنجد أن واحدة من السير الشعبية المهمة في مصر والمنطقة العربية. ومن ذلك سيرة سيف بن ذي يزن، التي كان بطلها وهدفها الرئيسي هو البحث عن كتاب النيل الذي حمل طلسم ورموز من شأنها أن تجري مياه النيل في مصر. وقد نجح البطل في النهاية بعد رحلة شاقة واستطاع التصدي لأعداء الوطن والسحرة. وبدأ النيل يجري وفق السيرة الشعبية والخيال الشعبي من الجنوب للشمال.

    وتابع: في المعتقد الشعبي يؤمن المصريون إيمانًا راسخًا بدور مياه النيل في الحياة بشكل عام. على سبيل المثال بعض الممارسات الشعبية، التي من شأنها أن الحبل السري للطفل يلقى في ماء النيل رغبة في أن يعيش الطفل وينمو. لأن النيل رمز الحياة وجريانها والنماء. وكلمة ماء ذاتها في التصور الشعبي ارتبطت بها عادات وتقاليد. واخترعنا في عاداتنا وحرفنا الشعبية العديد من الأدوات لحفظ الماء. كذلك “القلة الفخارية” عنصر رئيسي ومرتبط أيضًا بنواحي تشكيلية شكلها جميل. وتوضع في مكان مميز وجيد من أجل تبرد المياه وتجعله ويوضع بجوارها الليمون والزهر والأشياء الجميلة التي تجعل المياه مذاقه جميل. و”زير المياه” أيضًا يصنع بشكل ينقي المياه من أي شوائب. والاحترام والتقدير لمياه النيل الذي جعلهم يهتمون بشكل هذه الأدوات الجمالية من زخارف.

    مأثورات شعبية من حكايات النيل

    وأضاف جاد، أنه هناك المأثور الشعبي الذي كاد يتوارث بين أبناء الشعب المصري “اللي يشرب من مياه النيل لازم يرجعلها تاني”، حتى حفظه الأجانب من زوار مصر، أصبحوا يشربون منه أثناء رحلاتهم النيلية إيمانا منهم به، كما أن النيل أيضًا مرتبط بالحرف والعادات والتقاليد الشعبية، فحرفة الصيد، المرتبطة بالمركب الصغير، وفيها الصياد البسيط وأسرته على فلوكة صغيرة آمنين لهذا النيل والخير الذي يأتي منه، ووصلت المسألة إلى أن هناك معتقدات خاصة بكائنات تعيش في النيل مثل “الدجري” في المعتقد الشعبي عند النوبيين، وهي كائنات تعيش في النيل وتتعامل مع البشر بشكل خير وهناك علاقة بين الكائنات الخرافية التي تعيش في النيل بالإنسان بشكل عام.

    وأيضا هناك النداهة التي تخرج من النيل و”تنده”، ولها أشكال كثيرة جدًا في المعتقد الشعبي، حتى أنها اخترعت لحماية الإنسان من الغرق أو أن يذهب الأطفال للأماكن العميقة في النيل، وفي عادات الزواج حتى الحديثة منها، تجد العروسين يحرصون على الذهاب للاماكن النيلية على الكباري النيلية القريبة من النيل للتصوير بالقرب منه، وهذا يدل على العلاقة الجميلة بين المصريين والنيل.

    وفي التراث المصري القديم كان هناك عيد الوفاء، وهو احتفالية كبرى تقام، وأيضًا الاحتفالات الخاصة بذكرى العائلة المقدسة ومرورها بنيل مصر من القاهرة حتى موقعها الأخير في أسيوط في مركب نيلي، حتى الأيقونات المسيحية تشير لذلك، فضلا عن الأمثال الشعبية التي ارتبطت بالنيل والمياه وعادة رش المياه موضع سقوط أي طفل لحفظه من الأذى من الكائنات السفلية.

    حكايات النيل التراثية

    ويذكر الدكتور جاد، سنجد أشياءً كثيرة جدا أيضًا مرتبطة بالتراث الخاص بالزراعة والطقس والنيلة الزرقاء مادة طمي خاص بالنيل، التي تستخدمها المرأة في الوحم وأدوات التجميل، والأعمال السحرية برميها في النيل لأغراض إيجابية وليست شريرة، اعتقادا منهم بقدرته على الخير، فضلا عن ممارسات مثل، شق البحر للنساء الراغبات في الإنجاب، لأنه مرتبط بالنماء والخير، ورمي شعر الفتيات لتطويله، هذه العادات مازالت موجودة في النوبة ومحافظات الجنوب.

    وهناك العادات الخاصة بالمواسم الزراعية والشهور القبطية في الأمثال، مثل: “طوبة تخلي الصبية كركوبة.. كياك روح الغيط وهات”، هذه المأثورات الشعبية مرتبطة بالطقس المصري على شاطئ النيل، لأن هذا الطقس بدون النيل كأن لم يكن، كما أنه في الأغاني والمواويل والأمثال يطلق المصريين على النيل البحر، وهذه استعاره للفظ على النيل للترميز لسعة وطول النيل.

    ويحكي جاد أن فكرة النهر والمياه العذبة والتصورات الشعبية الإبداعية الموجودة في الشعب المصري منذ آلاف السنين هي من صنعت العلاقة المختلفة عن كل البلاد التي يمر بها نهر النيل، منذ الثقافة الفرعونية القديمة ومراكب الشمس والقسم الشهير “أقسم بأني لن ألوث مياه النيل”، وصلاة أخناتون الشهيرة، وجعلهم من النيل الإله “حابي”، مرورا بكل الحضارات التي مرت على مصر فيما بعد القبطية والإسلامية والحديثة كونت في النهاية الشخصية المصرية الفريدة عن دول أخرى من حوض نهر النيل.

    عادات مصرية اتربطت بالنيل

    ونوه وكيل المعهد العالي للفنون الشعبية، بأن النيل يرتبط لدينا بالعادات الميلاد الزواج والاحتفالات والوفاة والحرف الشعبية، كجزء من دورة الحياة الجديدة، لأن التراث الفرعوني أقرب للإسلامي في إنك لم تمت، إنما ستنتقل لحياة أخرى وجنة ونار، الشخصية المصرية شخصية حضارة وتاريخ، حتى أنه في الإبداع الشعبي أحد الرواة الشعبيين المعاصرين من محافظة القليوبية أبدع قصة خاصة بكيف مياه نهر النيل في سيرة سيف بن ذي يزن أتت، فجعل البطل يمتطي حصان وفي زيله مكنسة كبيرة، كلما تحرك من الجنوب للشمال تفتح مجرى جديد للنيل، حتى في قرية الراوي صمت الجزيرة، أي لهذه الدرجة الخيال الشعبي يبدع كيف رسم النيل والبيوت المحيطة به.

    واستكمل: الوقوف على نهر النيل أيضًا ارتبط بأشهر قصص الحب قديما وفي العصر الحديث، قدرته على تأليف بين قلوب العشاق، فالنيل ارتبط بوجدان المصريين ورفيقا وعنصرا أساسيا من الشخصية المصرية، لا يطلب مننا النيل أكثر من المحافظة عليه.

    ويؤكد الدكتور جاد، نحن نحتاج لتنظيم وتعظيم استخدام النيل استخداما جيدا، مثال أن تأخذ وسائل المواصلات النيلية أهميتها مستغلين امتداده من جنوب لشمال البلاد، فضلا عن إعادة النظر لاستغلاله اقتصاديا، ودعم خطوات الدولة في إزالة التعديات عليه لعودة شكله التراثي.

    الأدب الشعبي

    أما الدكتور صلاح الراوي، رئيس قسم الأدب الشعبي بالمعهد العالي للفنون، يقول: نهر النيل فريد عن أنهار العالم، فالجماعة الشعبية دائما ما تردد فكرة كتاب النيل، وهو الذي أتى به سيف ذي يزن صاحب السيرة المصرية الشهيرة أتى بهذا الكتاب وخلفه يجري النيل حتى أودع في القاهرة، وكثيرا من البلدان نجدها داخل السيرة مثل، بولاق الدكرور وغيره، وهم أبناء لسيف بن ذي يزن أو شخصيات داخل السيرة، هذه السيرة تربط العلاقة بين مصر واليمن وإفريقيا وحركة النيل وهذا في المبدأ العام، وهذا أساس في الثقافة الشعبية المصرية، فكرة كتاب النيل وهذه السيرة العظيمة المخصصة لهذا الموضوع.

    وتابع: النيل مكان يذهب إليه الناس في الملمات المصيبات الكبرى يفرحون أو يحزنون يذهبون إليه، ويذكر الراوي في هزيمة 1967 وتنحى الزعيم جمال عبدالناصر: خرج الناس إلى النيل، وحتى في أيام الإخوان، لم أجد مكانا أذهب إليه سوى النيل نسأله هل هذا يجوز، وهنا أمثل جزء من وجدان هذا الشعب كواحد من أبناءه، إذن نهر النيل ليس مجرد مجرى أو مورد مائي، إنما هو تاريخ وحضارة ووجدان.

    النيل مستودع أسرار المصريين

    لذلك جعل المصريون في ثقافتهم الشعبية النيل كنز ومستودع لأسرارهم. في قريتي أسوان، هناك وصال بين الناس والنهر. في عاشوراء يذهبون للاحتفال عنده مع أنهم مجتمع سني. وينزلون لماء النيل ويقدموا المكرونة وحلوى التمر المغلي ويدفعون به لنهر النيل.

    وفسر الراوي إطلاق الناس عن النهر بـ”البحر”. فقال: مفهوم البحر أوسع وهو ليس بلفظ خاطئ. فنحن نقول نبحر فيه لا ننهر فيه. أيضًا بعضنا لا يعرف كثيرا عن البحر ولا يذهب للمصايف. فالنهر هو عالمنا الحقيقي، وأيضا النهر في بعض المناطق هو الماء الكثير مثل، قنا وأسوان، فهو بحرنا، “فرحنا بالنيل والنيل هيغرقنا”، والمقصود هنا ليس النيل وإنما استخدام البلاغة فيه بالفرحة بالنيل والمتوقع منه الخير دائما، وكذلك “البحر يحب الزيادة”.

    ويشرح الراوي الاعتقاد في نهر النيل، فالمعتقدات به كثيرة مثل وجود ملائكة بالإضافة للعقيدة القديمة الإله “حابي”، إذن هو في التصورات الكثيرة التي ليس لها حدود، في المعارف والخبرات ري وصيد، في عاداتنا وتقاليدنا نمارسها، في الفنون القولية الموسيقى الغناء، الفنون التشكيلية رسم الحجاج نرسم في الخلفية النهر والنخيل والسفن، في الدراما الشعبية المسرح الشعبي على ضفافه، ثم التشكيل المادي نحن نصنع مراكب للنيل، ومن شجر السنط الذي يظهر على النيل.

    اقرأ أيضا

    فيديو| والناس في حبه سكارى هاموا على شطه الرحيب

    أمثال وقصص ومواويل: حكايات بحر النيل

    النيل مشاهد تنبض بالحياة في تاريخ السينما المصرية

  • النيل مشاهد تنبض بالحياة في تاريخ السينما المصرية

    النيل مشاهد تنبض بالحياة في تاريخ السينما المصرية

    ارتبط النيل بالعديد من الأحداث التاريخية والأساطير، ومع ظهور السينما في مصر، كان لابد للنيل أن يأخذ مكانته في الأفلام السينمائية التي تم إنتاجها حتى يومنا هذا، “ابن النيل.. عروس النيل.. ثرثرة فوق النيل.. صراع في الوادي.. دماء على النيل”، أسماء أفلام على سبيل المثال لا الحصر لعب النيل دورا هاما في مشاهدها.

    النيل والسينما

    ذكر محمود قاسم، في كتابه “المدينة والفيلم”، أن نهر النيل كان يلعب أحيانا دور البطولة في الأفلام، مستعرضا بعض الأفلام التي كان نهر النيل محورا أساسيا في الأحداث، من بينها: “العوامة 70” إخراج خيري بشارة، إنتاج 1982، “نهر الخوف” إخراج محمد أبوسيف، إنتاج 1988، وأيضا في الأفلام الغنائية مثل، “أيام وليالي” بطولة عبدالحليم حافظ، وإخراج بركات 1955.

    وتحدث قاسم عن علاقة نهر النيل بالأفلام، قائلا: لاشك أن علاقة الأفلام المصرية بنهر النيل تحتاج دراسة في كتاب متخصص، فالمكانة التي يتمتع بها النيل في حياة المصريين قد انعكست في عشرات الأفلام سواء التي تدور خارج إطار المدينة مثل، “صراع في النيل “، أو الأفلام التي تدور في القاهرة باعتبارها المدينة الأكبر والأكثر حضورا في السينما.

    كما ارتبط النيل في كثير من الأفلام بالعديد من المعاني خلال أحداث الفيلم، مثل: “الحب – السياحة – الزراعة- الذكريات- الانتحار- الصداقة – الهروب- المطاردة- الحياة”.

    أسماء الأفلام

    صراع في الوادي 1954

    بطولة فاتن حمامة، وعمر الشريف، وفريد شوقي، وإخراج يوسف شاهين، ﺗﺄﻟﻴﻒ: حلمي حليم، سيناريو وحوار علي الزرقاني.

    تدور أحداث الفيلم في مدينة الأقصر حول (أحمد) الشاب الذي يعمل كمهندس زراعي، والذي يعود إلى قريته في جنوب الوادي، حيث يعمل أبوه ناظر زراعة، فينجح في تحسين سلالة القصب، ثم يحب ابنة الباشا منذ أن كانا صغارًا، وكانت كثير من مشاهد الفيلم تدور بالقرب من “نهر النيل” لارتباطها بأحداث وقصة الفيلم.

    يذكر كتاب “تاريخ السينما المصرية قراءة الوثائق النادرة”، تأليف: محمود قاسم، أن الفنان الراحل علي الزرقاني سيناريست فيلم صراع في الوادي، قال عن الفيلم: “كنت أحلم  أن أكتب قصة عن النيل نهرنا العظيم، وحققت شطرا من ذلك في فيلم صراع في الوادي، التي تدور أحداثه في الأقصر، ثم جاءت الفرصة وحققت الحلم كله حين خرجت في مركب شراعي من الأقصر وسرت مع النهر الخالد لتجري مع تياره وحوادث القصة الجديدة صراع في الوادي، ويضيف مؤلف الكتاب: “بالطبع لا يمكن أن نستثني فيلم ابن النيل إخراج يوسف شاهين”.

    دماء على النيل 1961

    الفيلم بطولة هند رستم، فريد شوقي، تأليف: عبدالحي أديب، إخراج: نيازي مصطفى.

    تتعلق هنا (هند رستم) بحب عواد “فريد شوقي”، فبعد أن حسمت الأمر على الأخذ بثأر زوجها منه تقع في حبه عندما تكتشف أنه أخذ بثأر شقيقه من زوجها الذي تزوج بإحدى الراقصات وحاول قتلها هي وابنها، تقرر هنا (هند رستم) أن ترحل بعيداعن القرية على أن تبدأ حياة جديدة برفقة عواد، ونلاحظ أن مشاهد الفيلم كثير منها ارتبط بالنيل في التصوير الخارجي.

    عروس النيل 1963

    الفيلم بطولة لبنى عبدالعزيز، رشدي أباظة، شويكار، عبدالمنعم إبراهيم، تأليف: سعد الدين وهبة، سيناريو وحوار لبنى عبدالعزيز.

    تدور أحداث الفيلم في مدينة الأقصر، عندما يذهب الجيولوجي (سامي) إلى الأقصر لمتابعة عمليات التنقيب عن البترول، ويُمنع على أساس أن المنطقة تستخدم كمقبرة لعرائس النيل، يرى سامي فتاة جميلة في زي عروس النيل تدعى (هاميس) تطالبه بوقف الحفر، وأخبرته أنها ابنة آتون إله الشمس وآخر عروس نيل، وأن والدها أرسلها إلى الأرض لتمنع انتهاك حرمات مقابر عرائس النيل، وتنشأ قصة حب بينهما وتتوالى الأحداث ونلاحظ ارتباط النيل هنا بشكل رئيسي في الأحداث.

    ثرثرة فوق النيل 1971

    الفيلم مأخوذ عن رواية الأديب العالمي نجيب محفوظ (ثرثرة فوق النيل)، بعد وقوع الهزيمة في 5 يونيو 1967، يستعرض الفيلم عدد من الشخصيات التي تحاول الهروب من الواقع اليومي البائس الذي يحيط بها، حيث يجتمعون بشكل دوري في عوامة الممثل رجب القاضي المطلة على نهر النيل من أجل اللهو، ونلاحظ أن أغلب أحداث الفيلم ومشاهده كانت تدور في هذه العوامة الخاصة.

    النيل في الأحداث

    ارتبط النيل في السينما بمعاني انعكست خلال أحداث الفيلم من بينها:

    الحب

    هناك العديد من الأفلام في السينما كان النيل هو مكان لقاء الأحباب والتعبير عن كلمات الحب والرومانسية، وهذا في أكثر من فيلم للفنان عبدالحليم حافظ منها، “أيام وليالي” إنتاج 1955 الذي كان النيل والغناء هو مرسال الحب في أغنية “أنا لك علطول”، و”موعد غرام” إنتاج 1956، الذي قامت بطلة الفيلم (فاتن حمامة) بإعطاء معاد للبطل (عبدالحليم حافظ) على كوبري قص النيل وخلفت المعاد حتى تلقنه درسا.

    وأيضاً مثال آخر “فيلم بين إيديك” إنتاج 1960، بطولة “ماجدة” و”شكري سرحان” عندما التقى بها ليعبر لها عن حبه أثناء أحداث الفيلم في مركب في النيل، وفيلم “أضواء المدينة” إنتاج بطولة شادية وأحمد مظهر.

    الانتحار والمطاردة

    ضمن أحداث العديد من الأفلام كانت هناك مطاردات بوليسية مثل، فيلم “النمر والأنثى” بطولة عادل إمام، وفيه حدثت مطاردة لمهربين مخدرات، ونهاية أحداث الفيلم في نهر النيل في مدينة أسوان، وأيضا في فيلم “بداية ونهاية” إنتاج 1960، المأخوذ عن رواية الأديب العالمي نجيب محفوظ كانت نهاية الفيلم انتحار شخصية “نفيسة” التي كانت تلعب دورها الفنانة الراحلة سناء جميل و”حسنين” شقيقها بعدها في النيل لتنزل كلمة النهاية على هذا المشهد.

    السياحة

    فيلم “الأيدي الناعمة” بطولة أحمد مظهر، صباح، صلاح ذوالفقار، حيث كان هذا واضحا في المشهد الأخير من الفيلم عندما عمل البطل في الإرشاد السياحي داخل الأتوبيس النهري، موضحا جمال النيل والقصور والمعالم التي تطل عليه واصفا عظمته: “يتشرف المرشد السياحي شوكت حلمي بصحبتكم على صفحة النهر العظيم النيل، إن نهرنا العظيم يرحب بكم”، وهناك كلمة قالها المؤرخ العظيم هيرودوت: إن مصر هبة النيل، فقد كانت مصر كريمة  دائما فلم تحتفظ بالهبة لنفسها ووزعتها على العالم، أعطته حضارتها التي نشآت هنا قبل الميلاد.

    أيضا فيلم “عسل أسود” بطولة الفنان أحمد حلمي، إنتاج 2010، عندما وصل “مصري” إلى مصر قام في البداية بزيارة سياحية بزيارة الأهرامات وتصوير النيل في القاهرة، وسكن في فندق مطل على النيل.

    وأيضا فيلم “أضحك الصورة تتطلع حلوة”، بطولة أحمد زكي وليلى علوي، عندما استعرض فكرة بعض المهن التي ارتبطت بالسياحة والمشي على النيل من بينها المصور، بائع العصائر المثلجة، بائع الفل، مركبي النيل، بائع الترمس.

    الذكريات

    فكرة كاتم الأسرار وحامل الذكريات من المعاني التي صورت في أحداث بعض الأفلام في السينما المصرية، وارتبطت بالنيل نجدها على سبيل المثال، في فيلم “بين الأطلال” إنتاج 1959، فيلم “نهر الحب” إنتاج 1960، بطولة “عمر الشريف” و”فاتن حمامة” وعمر الحريري، عندما ماتت بطلة الفيلم في النهاية طالبة من شقيقها في رسالة أن يتذكرها  قائلة: “تذكر دائما أسطورة نهر الحب فقد عشت مثله أهب ولا أخذ شيئا، حتى مت لكن النهر خالد لا يموت”.

    اقرأ أيضا

    فيديو| والناس في حبه سكارى هاموا على شطه الرحيب
    أمثال وقصص ومواويل: حكايات بحر النيل

  • فيديو| «أغاني النيل».. والناس في حبه سكارى هاموا على شطه الرحيب

    فيديو| «أغاني النيل».. والناس في حبه سكارى هاموا على شطه الرحيب

    “يملئ الأكوان بالخيرات.. يروي نداه أنضر الحدائق وينبت الأرزاق للخلائق.. كأنه يأتي من السماء ليمنح الحياة للأحياء”، أبيات نظمها شاعر فرعوني منذ أكثر من 4 آلاف سنة ضمن أغاني النيل التي وجدت مكتوبة على لوحتين من ورق البردي، معروفتين بورقتي ساليير وأنسطاسي، وهما الآن في المتحف البريطاني، هذه الأبيات تلخص حب المصريين منذ القدم للنيل أو حابي إله النماء عند المصريين، ومن وقتها لم يتوقف غناء المصريين للنيل.

    عبدالوهاب والنيل

    في 4 ديسمبر عام 1933، غنى الموسيقار محمد عبدالوهاب في فيلم “الوردة البيضاء”، من إخراج محمد كريم، 8 أغنيات، كتب أحمد رامي منها 6 أغنيات، وكتب الشاعر اللبناني بشارة الخوري واحدة أيضا، وأضاف أمير الشعراء أحمد شوقي “النيل نجاشي”.

    وبحسب مقال للناقد السينمائي الراحل على أبوشادي عن فيلم “الوردة البيضاء”، كتب: “لم تكن أحداث الفيلم سوى ذرائع للغناء بسبب أو بلا سبب”، وجاءت أغنية النيل نجاشي ضمن الفيلم، حيث وصف شوقي النيل بالنجاشى بكونه الحاكم الأكبر لمصر لما له من تأثير بالغ على المصريين، كما يصفه برجل حليوة وأسمر، كما يصف جمال التنزه بالمراكب في النيل وطيبة المراكبية، ولعب الحمام فوق سطحه الهادي، ثم اختتم الأغنية بالمقولة الشهيرة للمراكبية “هيلا هوب هيلا”، وتقول كلمات الأغنية:

    النيل نجاشي.. حليوه واسمر

    عجب للونه.. دهب ومرمر

    أرغوله في إيده.. يسبِّح لِسيده

    حياة بلادنا.. يارب زيده

    وفي عام 1954، لحن وغنى عبدالوهاب أيضًا قصيدة “النهر الخالد”، للشاعر محمود حسن إسماعيل، وكانت عبارة عن قصيدة باللغة العربية الفصحى، أسهب الشاعر خلالها في وصف النيل وجماله عبر عدة صور جمالية شديدة الروعة والبلاغة، فهو الذي يهب الحب والفن والجمال والأغاني، ويتمنى الشاعر أن يصبح موجة ليحكي للنيل عن ما يشجيه، كما يصور لنا كيف أن هناك على شطه حوارات ليست بين العاشقين، فقط بل بين الرياح والنخيل والطيور، فلكل في حبه سكارى، فهو النيل ساحر الغيوب.

    وفي مقطع من القصيدة يقول محمود حسن إسماعيل:

     والناس في حبه سكارى هاموا على شطه الرحيبِ

      آهٍ على سرك الرهيبِ وموجك التائه الغريبِ

    يا نيل يا ساحر الغيوب

    يا واهب الخلدِ للزمانِ يا ساقي الحبِ والأغاني

    هات اسقني واسقني ودعني أهيـم كالطير فى الجنانِ

    يا ليتني موجة فأحكي إلى لياليكَ ما شجاني

    يا نيل يا ساحر الغيوب

    وبجانب الأغنيتين السابقتين الشهيرتين لعبدالوهاب، هناك أغنية أخرى تعد من النوادر التي لم تنل حظها ولا يعرفها الكثير، وهي أغنية “اجري يا نيل”، غناها عبدالوهاب أيضًا، وهي من كلمات حسين السيد، وتصف النيل وأجواء السمر حينما يسدل القمر ضوءه على الليل، وتقول كلماتها:

    اجري يا نيل واسبق الأشواق وفيض بيها

    لأجل الشعور الدهب

    اجري يا نيل  وبص للدنيا بأحوالك

    وأرسم لهم صورة تبقى لهم و تبقى لك

    الساقية ويَّا الأرغول والشاغل ويَّا المشغول

    يتقابلوا والليل مسدول بالقمرة والسهرة تطول

    والموج الخمري نشوته تسري يا هنا الموعود

    كوكب الشرق والنيل

    تغنت كوكب الشرق “أم كلثوم” بالنيل في العديد من الأغاني، فقد غنت من كلمات أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة “النيل” التي لحنها الموسيقار رياض السنباطي، وتفيض في وصف محاسن وفضائل النيل على مصر وتقول كلماتها:

    مِن أَيِّ عَهدٍ في القُـرى تَتَدَفَّـقُ وَبِأَيِّ كَـفٍّ فـي المَدائِـنِ تُغـدِقُ

    وَمِنَ السَماءِ نَزَلتَ أَم فُجِّرتَ مِـن عَليـا الجِنـانِ جَـدا وِلاً تَتَرَقـرَقُ

    وَبِأَيِّ نَـولٍ أَنـتَ ناسِـجُ بُـردَةٍ لِلضِفَّتَيـنِ جَديـدُهـا لا يُخـلَـقُ

    وَالماءُ تَسكُبُـهُ فَيُسبَـكُ عَسجَـداً وَالأَرضُ تُغرِقُها فَيَحيـا المُغـرَقُ

    تُعي مَنابِعُـكَ العُقـولَ وَيَستَـوي مُتَخَبِّـطٌ فـي عِلمِهـا وَمُحَـقِّـقُ

    دانـوا بِبَحـرٍ بِالمَكـارِمِ زاخِـرٍ عَـذبِ المَشـارِعِ مَـدُّهُ لا يُلحَـقُ

    يا حلو يا أسمر

    بعيدا عن المشاهد التي صورها العندليب عبدالحليم حافظ على النيل، فقد تغنى بأغنية شهيرة للنيل، كلمات الأغنية للشاعر سمير محجوب، وألحان محمد الموجي، وصفت كلمات الأغنية ماء النيل بالذهب السايل على الشطين، وأنه سبب الحياة الرغدة الحلوة فالدنيا في غيابه مرة، وأن من يشرب منه مرة واحدة ويتذوق طعمه لن ينساه. كما شبه مياه النيل بالترياق، وتقول كلمات الأغنية:

    يا تبر سايل بين شطين يـا حلو يا أسمر

    لولا سمارك جـوّا الـعيـن ما كانش نـوّر

    يا حلو يا أسمر

    الدنيا من بـعـدك مــرة يا ساقي وادينا الحيـاة

    دا للي يدوق طعمك مرة بالمستحيل أبدا ينساك

    يا نعمة من الخلاق يا نيل دي مـيتـك ترياق يا نيل

    على شط النيل

    بالطبع لن ينسى أحد مشهد الفنانة شادية وهي تفتح الهاويس في فيلم “شيء من الخوف”. وسط فرحة الفلاحين بجريان المياه في الترعة الجافة.

    وقد غنت شادية في عام 1966 من كلمات علي الباز وألحان محمد الموجي، أغنية على شط النيل تحلى المواويل. وصورت فيها مقابلات العشاق الشهيرة على شط النيل، واحتضان موج النيل لمراكب العشاق. ومن كلماتها:

    “على النيل ياحبيبي وقابلني علي شط النيل، قرب المغرب نركب مركب ونقول مواويل، على شط النيل تحلي المواويل، والموج حيغني علي الأرغول غنوة لعنيك وأنا عندي عنيك مقدرش أقول غير إن عنيك يا حبيب قلبي شئ مش معقول”.

    وهناك أغنية أخرى لشادية، لكنها لم تلق حظها من الشهرة. وهي أغنية “النيل والزيتون”، التي توصف فيها احتياج أرض العريش وسيناء لمياه النيل. تقول كلماتها:

    “الميه نيلي والزيتونة عريشي الحلوة قالت يابا المصري قلبي اختاره وأنا غيره ما فيشيالحلوة قالت مهري مايه نيلي توصل وتحضن أرضي وتغنيليحبيبها قال أرضك يا حلوة دي أرضي والميه ملك إيديكي عبي وشيليالنيل مقبرة الغزاة”.

    تغنى للنيل العديد من المطربين العرب. وفي 1956- خلال العدوان الثلاثي. تغنت نجاح سلام، بكلمات محمود حسن إسماعيل، وألحان رياض السنباطى، بأغنية “أنا النيل مقبرة الغزاة”.

    وتقول كلماتها:

     أنا النيل مقبرة للغزاة أنا الشعب ناري تبيد الطغاة

    أنا الموت في كل شبر إذا عدوك يا مصر لاحت خطاه

    يد الله في يدنا أجمعين فصبوا الهلاك على المعتدين

    قد رفعنا العلم للعلا والفدا في عنان السماء

    الكينج وأغاني النيل

    تعاقبت الأجيال ولم تتوقف أغاني النيل. ويأتي الكينج محمد منير، الذي غنى هو الآخر للنيل عديد من الأغاني الشهيرة. ومنها أغنيته الشهيرة “عروسة النيل” التي تقول كلماتها:

    “يا عروسة النيل يا حتة من السما يالي صورتك جوه قلبي ملحمة، إحنا لو مرة ندينا تجرى على أصغر ما فينا من ورا الليل والمعابد والكنايس والمساجد، تحضنينا وتحكى لينا تصغر الدنيا فى عنينا، أنت يا شمعة أيدا في قلبنا، يا عروسة النيل يا حتة من السما”.

    وفي فيلم “البحث عن توت عنخ آمون” إنتاج 1997، بطولة محمد منير، تبدأ الأحداث بصورة بانوراما للنيل في الأقصر. وفي لقطة رومانسية تجمع ما بين محمد منير وحبيبته جيهان نصر في أحد المعابد على ضفاف النيل، يقول لها منير بعض الأبيات الشعرية، التي غناها بعد ذلك في نفس الفيلم،  فبدلا من أن يتغزل في ملامحها الجميلة تغزل في النيل. وقال من كلمات كوثر مصطفي:

    ولا بيوصل ولا بيتوه ولا بيرجع ولا بيغيب

    النيل سؤال ومازال ماجاش علية الرد

    من قد إيه والخير مقلش عمرة لحد

    سهران يوشوش ناي والحلم رايح جاي

    قباله ع الشطين بيحب صوت الناس

    وغنا البنات بالليل

    كما أن هناك العديد والعديد من الأغاني التي تغنت للنيل، التي كان من آخرها أغنية شهيرة للمطربة شيرين، وهي أغنية “ما شربتش من نيلها”، وهي من الأغاني الوطنية الحديثة. وتقول كلماتها:

    ” مشربتش من نيلها طب جربت تغنيلها، جربت في عز ما تحزن تمشي فشوارعها وتشكيلها، ممشتش فضواحيها طيب مكبرتش فيها، ولا ليك صورة على الرملة كانت عالشط في موانيها”.

    اقرأ أيضا

    أمثال وقصص ومواويل: حكايات بحر النيل

    النيل مشاهد تنبض بالحياة في تاريخ السينما المصرية

باب مصر