باب مصر

الوسم: المنصورة

  • قصة هدم «القصر الأحمر» بالمنصورة.. مأساة مقننة متكررة

    قصة هدم «القصر الأحمر» بالمنصورة.. مأساة مقننة متكررة

    أثارت إجراءات هدم «القصر الأحمر»، أو قصر «إسكندر باشا»، غضب مثقفي المنصورة، واستياء المهتمين بهوية المدينة البصرية ومبانيها الأثرية. ولقيت صور الهدم ضجةً عارمة على مواقع السوشيال ميديا في أنحاء الجمهورية، ولا عجب؛ فقد جعلت السوشيال ميديا من الدولة المصرية -شأن العالم- قريةً صغيرة جدًّا، يتفاعل أبناؤها مع كل حادثة، بعقلانية وموضوعية حينًا، وبالعاطفة الجارفة أحايينَ كثيرة.

    ومن المؤكد أن أغلب المتفاعلين على السوشيال ميديا – سواء بالإيجاب أو بالسلب- ليسوا على دراية كافية بالخلفية التاريخية لما وقع يوم الخميس 4 ديسمبر 2025 من أعمال الهدم التي تعرض لها القصر. وليسوا كذلك على معرفةٍ وافية بخلفية المحاولات الجادة من أبناء المدينة. والسعي المتواصل من أجل الدفاع عن القصر، والحفاظ عليه. وضمه إلى قائمة الأماكن المعمارية ذات الطابع الأثري المتميز، ضمن ما يشكل الهوية البصرية والحضارية للمدينة.

    مؤسس مبادرة أنقذوا المنصورة

    يقول د. مهند فودة، مؤسس مبادرة أنقذوا المنصورة: “المبنى كان مسجَّلًا كمبنى تراثي، على قوائم الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ‘ضمن سجل المباني ذات الطراز المعماري المتميز. بموجب قرار وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية رقم 226 لسنة 2016. والتي لا يجوز التعرض لها بالهدم أو التعديل، طبقًا لقانون 144 لسنة 2006”.

    وتابع: “وفقًا للمادة الثانية منه، فإنه ‘‘يحظر الترخيص بالهدم أو الإضافة للمباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز، المرتبطة بالتاريخ القومي، أو بشخصية تاريخية، أو التي تعتبر مزارًا سياحيًّا”.

    وبحسب المادة الأولى منه: “تسري أحكام هذا القانون على المباني والمنشآت غير الآيلة للسقوط. وكذا المباني والمنشآت التي يتوافر فيها أحدُ الأوضاع المبيَّنة في الفقرة الأولى من المادة الثانية من هذا القانون، أيًّا كان موقعها أو مالكها”.

     حول قانون 144 لسنة 2006 

    يؤكد د. مهند فودة أنه لا يبدي أي اعتراضٍ على حكم المحكمة، الذي مضى تمامًا وفق القانون. لكنه في الوقت نفسه يطالب ‘‘مجلس النواب‘‘، بالتعاون مع ‘‘جهاز التنسيق الحضاري‘‘، بتشكيل لجنة لدراسة مواد القانون رقم 144 لسنة 2006، وإعادة النظر فيها. ويشير إلى أن طلبه هذا غير متعلق بهذه القضية تحديدًا؛ وإنما بالظاهرة المتكررة في قضايا مشابهة.

    الخبراء المنتدبون.. والقيمة النسبية للمبنى

    يشير د. فودة إلى أن لجنة الخبراء التي تنتدبها المحكمة عادة ما تتشكل من متخصصين من خارج المحافظة. ورغم كفاءتهم، فإنهم أحيانا يغفلون ‘‘القيمة النسبية‘‘ للمبنى. ويضرب مثالا بالقصر الأحمر: فبالنسبة لمباني القاهرة الخديوية ووسط البلد، قد لا يبدو مميزا، وربما لا يساوي شيئا أمامها، على حد قوله. لكنه بالنسبة لمباني المنصورة، فهو في مقدمة المباني المميزة من حيث قيمته الحضارية. وما يضيفه إلى الهوية البصرية للمدينة. وكأن – لو لقي الرعاية المناسبة- ليكون أحد أبرز معالمها الأثرية ومزارًا سياحيًّا معتبرًا.

    ويؤكد أيضا أنه لا يلقي بأي لوم على المالك، موضحا أن المالك لم تتح له البدائل المناسبة ولا الفرص الاستثمارية أو التسهيلات المادية من الجهات المعنية. وتنص المادة 3 من القانون نفسه على أن ‘‘للدولة أن تباشر في أي وقت وعلى نفقتها -بعد إخطار المالك والشاغلين- ما تراه من الأعمال اللازمة لتدعيم وترميم وصيانة المباني والمنشآت المحظور هدمها”. وعلى مدار أكثر من عشر سنوات، قدم المهتمون بالقصر مطالبات عديدة بالتدخل لإنقاذه وإعانة المالك.

    إجراءات الهدم

    قدم المالك الحالي تظلمًا للجهاز باعتباره مالكًا للقصر وله حق التصرف فيه بالهدم، وقوبل التظلم بالرفض. ثم قدم طعنًا بدعوى قضائية، فانتدبت المحكمة لجنة من الخبراء. وبعد المعاينة، قررت اللجنة أن: “القصر لا يتمتع بمعايير المباني ذات الطراز المعماري المتميز، وأنه مجرد تقليد لطراز معماري في نفس فترة إنشائه. ولا يمثل حقبة تاريخية معينة، وغير مرتبط بشخصية تاريخية، ولم يشهد أي أحداث تاريخية على مستوى دولي أو محلي. كما لا يعتبر مزارًا سياحيًّا‘‘، وذلك وفق بيان محافظة الدقهلية المنشور تزامنًا مع أعمال الهدم.

    وبناء على الحكم القضائي، وبعد عرضه على وزارة الإسكان: ‘‘أصدر القرار الوزاري رقم 661 لسنة 2025 بحذف العقار من كشوف الحصر‘‘. ثم عُرض العقار على ‘‘لجنة المنشآت الآيلة للسقوط”، التي درست حالة المبنى وقررت إزالته بالكامل نظرًا لخطورة حالته الإنشائية. وصدر على إثر ذلك ترخيص بهدم العقار بعد استيفاء جميع الإجراءات القانونية.

    موقع القصر وقصة بنائه

    يقع القصر بشارع أتابك نور الدين، بحي المختلط، قسم ثان المنصورة، الموازي للشارع المعروف اليوم بشارع ‘‘فريدة حسان‘‘، أو “المختلط” سابقًا.

    بدأ بناء القصر عام 1920 على يد الخواجة ‘‘ألفريد جبور‘‘ أو ‘‘دبور‘‘، واكتمل بناؤه في غضون عامين، عام 1922. ثم آلَ القصر سنة 1934 إلى ‘‘إسكندر رزق بن رزق حنا‘‘، كما ورد في بعض المصادر. وهو الاسم الذي ينسب إليه القصر اليوم. أما تسميته بـ”الأحمر” فترجع إلى لون طلائه الأحمر غير المألوف بالمقارنة مع المباني الأثرية الأخرى بالمدينة. ويسميه البعض أيضا “بارون المنصورة” لتشابهه النسبي مع قصر “البارون إمبان” الشهير بمصر الجديدة.

    القصر الأحمر في المنصورة.. تصوير: عبد الرحمن الأمديدي
    القصر الأحمر في المنصورة.. تصوير: عبد الرحمن الأمديدي
    معالم القصر

    يتكون القصر من ثلاثة طوابق وروف، وتبلغ مساحته 514 مترًا. وقد بني على طرازٍ قوطي مستوحًى من المفردات المسيحية في عمارة الكنائس. حيث تتخذ نوافذه فتحاتٍ على شكل صلبان. وتحيط به من جهاته الأربع حديقة خضراء ذكر أنها كانت تضم مجموعةً من أندر أنواع نباتات الزينة. وفي واجهة القصر يرتفع برجٌ يعلوه سقف مغطى بطبقة من القرميد على هيئة ‘‘قشور السمك‘‘. وهي هيئة يقال إن لها دلالة رمزية في أدبيات الكنيسة.

    مآل القصر فيما بعد 

    بعد وفاة إسكندر باشا، آلت ملكية القصر إلى ابنه الأكبر ‘رزق‘، الذي تزوج وعاش فيه. وبعد وفاته هو الآخر، رحلت أسرته خارج البلاد، تاركين القصر يواجه مصيره المأساوي. إذ بدأ بالتنازع حول ملكيته بين عدة أشخاص، ثم تعرض منذ التسعينيات للإهمال والخراب. ثم عَمل في تخريبه ملاكه الجدد؛ بنزع أبوابه ونوافذه، وتهديم السور المحيط به وبحديقته؛ سعيًا لهدمه. وتعاقبت عليه السنون حتى أصبح في أيامه الأخيرة طللًا باليًا مهجورًا، كعزيز قومٍ ذل، تُنسج حوله الأساطير؛ من مكونه مسكونًا بالجن والعفاريت، التي يزعم بعض الجيران والمارين ليلا أنهم يسمعون أصواتها.

    مبادرة ‘‘أنقذوا المنصورة‘‘ والقصر الأحمر

    سعت المبادرة، بقيادة مؤسسها د. مهند فودة، سعيًا حثيثًا إلى إنقاذ القصر الذي يعتبر في نظرها تحفةً معمارية داخل مدينة المنصورة، لدرجة أن المبادرة حينما قررت استخدام ‘‘لوجو‘‘، لصفحاتها على مواقع التواصل، وقع اختيارها على هذا القصر بالتحديد، منذ تأسيسها عام 2013. لكونه في نظرها خير معبر عن توجهاتها واهتماماتها الرئيسية.

    وكان من أبرز الأنشطة التي نفذتها المبادرة: إقامة حفل  بعنوان ‘‘أوبرا البلكونة‘‘ داخل القصر، بالتعاون مع ‘‘محطات للفن المعاصر‘‘، مساء السبت 14 مارس 2015م، وامتد الحفل لمدة ساعة كاملة بحضور عشرات من شباب المنصورة. حيث كانوا يستمعون لمزيجٍ من الطرب الشرقي، قدمه الفنان أحمد صبري، والغناء الأوبرالي الذي قدمته الفنانة لبنى الدغيدي. وذلك كان دعوةً جادة من المبادرة، والقائمين عليها، والمشتركين فيها. من أجل الحفاظ على القصر مما تعرض له من إهمال، ومن الهدم المخطط له.

    كما قدمت المبادرة فيما بعد حلولًا جادة ومقترحاتٍ بديلة للاستفادة من القصر. وطالبَت الجهات المعنية بالأمر بالتدخل وطرح القصر للاستثمار بعد الاتفاق مع المالك، وإعادة ترميمه والاستفادة منه على ما يرضي جميع الأطراف.

    مباني مماثلة

    على الرغم من أن “القصر الأحمر” لقي مصيره المحتوم وفق إجراءات قانونية سليمة، فإن في المنصورة وغيرها من المدن المصرية مبانيَ مماثلة لها بُعد تاريخي وقيمة حضارية، وحضور في ذاكرة ووجدان أبناء تلك المدن. جار عليها الزمن، وتركت مهجورةً تحت وطأة الإهمال، وتتعرض لنفس تلك الإجراءات ‘‘القانونية‘‘. وينتهي بها الأمر مسوَّاةً بالتراب، لم تصبح أثرًا بعد عين، وإنما لم يصبح لها أي أثر.

    ويبقى الأمل معقودا على الجهات المعنية، ومن بيدهم مقاليد الأمور؛ للنظر في هذا القانون بعين الناقد البصير، ومعالجة ما يمكن معالجته من ثغرات، وسد الباب على من يحاول التحايل عليها، من أجل تحقيق غرضه. فالغاية العظمى هي تحقيق العناية الكاملة، بالهوية البصرية والحضارية للمدن المصرية، بالنظر لكل مدينة على حدة، والحفاظ على معالمها التراثية ودعمها، بدلًا من السعي في هدمها. ولن يتم إلا بالتعاون التام بين الملاك، والجهات المعنية، بتوفير البدائل التي تعود على جميع الأطراف بالنفع العام.

    اقرأ أيضا:

    حكاية «فواخير طلخا».. من دخان الأفران إلى صمت الشارع

    رحلة التآليف المولدية عبر القرون.. من كتب الموالد إلى أصوات المشايخ

    «ليلة الملوخية».. عادة متوارثة للاحتفال بالمولد النبوي بنجع العقاربة

  • من البقالة إلى الشعر.. حكاية «عوض قشطة» شاعر الدقهلية المنسي

    من البقالة إلى الشعر.. حكاية «عوض قشطة» شاعر الدقهلية المنسي

    «إليكَ أنت، حيث تُشِعُّ من برجكَ المضيءِ في تِمَيِّ الأَمْدِيد، تُعطي ولا تأخذ، شأنَ كلِّ عظيم.. يا شاعرَ مصرَ المطمورَ في دنيا الزَّيْف، تحتَ رُكامِ الطحْن.. أُحَيِّيكَ وأنت تُناضلُ لتعيش، وتنسى مرارةَ العَيش في لحظةِ الإبداع. وإليك هناك.. حيث تعيشُ في الظل، وتُسَلَّطُ على غيركَ الأضواء.

    عوض! يا شاعرَ مصر!
    سيصحو التاريخ الأدبيُّ في مصرَ يومًا، وسيندمُ على كلِّ لحظةٍ لم يُقَدِّرْكَ فيها. ستُصبحُ أشعارُكَ وقصائدُكَ ونهجُ حياتِكَ مَرتَعًا للدارسين، وطالبي المتعةِ الأدبية. ستموتُ، نعم، ولكن لن يموتَ عوضٌ الشاعر. ستظلُّ في ضميرِ هذه الأمةِ قطعةً مِن وَجْدِها، ووِجْدانها، وألمِها العظيم.
    إلى أن نلتقي وقد لا نلتقي أُحَيِّيك»

    صلاح حافظ.

    كنز ثمين في مكتبة عتيقة

    في يوم من أيام صيف 2020م، جاءني صديقي عبد الرحمن قشطة، وطلب مني إعانته في نقل أثاث شقة والديه القديمة إلى بيتهم الحالي. وبينما نحن هناك، لفت نظري مكتبة والديه، التي سرعان ما بدأ صديقي في الكلام عنها فورَ أن انتبه لاهتمامي بها.

    مكتبة عتيقة، تضم عددا ضخما من الكتب، مرصوص بعضها فوق بعض، وكلها مغطىًّ بطبقةٍ ترابية. عانينا كثيرًا في اكتشافها وفحصِها كتابًا كتابًا، لكن هوَّنَ عناءَنا فضولُنا، وانهماكُنا في محتويات المكتبة من كتب وأوراق ومذكرات وصحف ومجلات وصور.

    وأثناءَ ذلك.. أوقعتُ دون قصدٍ أوراقًا كانت على أحد أرفف المكتبة، فانتثرت على الأرض. فمددتُ يدي لأجمعها، فاسترعى نظري ما كتب فيها، والطريقة التي كتب عليها، عمودان بينهما فراغ. قربت إلى عينيَّ الورقَ، ونفضتُ ما عليه من تراب، فوجدتُّ شعرًا مخطوطًا باليد، واستحثَّني على القراءة أن الخطَّ جميلٌ واضحٌ، وكان في الورقة التي أمسكتها قصيدة أولها.

    ***

    وأَوَدُّ دَوْمًا أن تَطولَ حياتي
    يبقى لنا من أسعد الأوقاتِ؟
    عبثًا أُهَدهِدُها، وأُنكِر ذاتي! 

      إني لأرثي الشعرَ قبلَ مماتي
    لكنْ إذا حُمَّ القضاءُ فما الذي
    تلكَ المشاعرُ قد تَجُرُّ لغيرها 

    ضممنا الأوراق بعضَها إلى بعض، وحاولنا ترتيبَها لنصلَ إلى كاتبها. وأثناءَ ذلك أخبرني صديقي أن جدَّه عوض قشطة كان شاعرًا، وكان أبوه يحفظه مِن أشعارِه منذ أن كان طفلًا صغيرا، فلم يكن صعبًا تقدير صاحب هذه الأوراق. وبعد بحث، أدرك كلانا أننا وقعنا على كنز ثمين، كان مختبئًا منا وراءَ المكتبة: مجموعةُ أوراق، مضمومٌ بعضُها إلى بعضٍ بين دَفَّتيْ غِلافِ كتابٍ قديم، مكتوب على ظاهره: “عزيزي.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذه الأوراق أمانةٌ في ذمتكم.. إلخ”.  

    كانت وصية كتبها شاعرنا إلى ابن أخيه، أحمد توفيق قشطة، والدِ صديقي عبد الرحمن، يوصيه بقراءتها، والاحتفاظِ بها، ونشرِ ما يمكنُ نشره منها.
    تلكَ هي المرةُ الأولى التي أسمعُ فيها بشاعرنا، الذي بدا لي حينذاك أنه ربما ليس مشهورًا لأنَّ شعرَه ليس بجيد، ولأن العادةَ القديمة جرت على أن زامرَ الحيِّ لا يُطرِبُ ولا يُشجي. مضتِ السنواتُ سريعًا، وشاء القدرُ أن يجعل ذلك الشاعر في طريقي من جديد، لكن بصورة أعمق، وأكثر وعيًا واتزانًا؛ لأتتبع سيرةَ الرجل وشعرَه.

    “أريد أن أنفذَ الوصية”

    في قعدة ليلية على إحدى مقاهي البلد “تمي الأمديد”، كنت مع صديقي عبد الرحمن. أخذنا الكلام من هنا إلى هناك، حتى تطرقنا إلى ذكر جدنا عوض، وذكرته بالورق الذي وجدناه منذ خمس سنوات أو أكثر، وسألته عن مكانه، ولماذا لا يظهره وينشر منه ما يصلح للنشر؟

    سكت هنيهة ثم زفر قائلًا: “هل تذكر أنت الوصيةَ التي كتبها جدي عوض إلى والدي؟ ألا تذكر أنه أوصاه بنشر ما يمكن نشره؟ مات أبي- يرحمه الله- دون أن ينفذ الوصية، ولعلي أنا المسؤول الآن عن تنفيذها! 

    وفي ليلة لاحقة، طلبَ لقائي، فالتقيت به، ووجدته متأبطًا ملفًّا قديما رثًّا باليًا، دفعه إليَّ قائلًا: “هاك ما تركه جدي لأبي، لعلك تتمكن من نشره يومًا. واحرص على ذلك؛ لأنني أريد أن أنفذَ الوصية. وأظن أن اليوم قد جاء”.

    صورة لجزء من ديوان "مع الأيام" بعنوان (في غيبة النقد)، ضمن الأوراق التي تركها لابن أخيه، وأوصى بنشرها
    صورة لجزء من ديوان “مع الأيام” بعنوان (في غيبة النقد)، ضمن الأوراق التي تركها لابن أخيه، وأوصى بنشرها
    التعليم الأولي والبقالة

    ولد الحاج عوض في 22 سبتمبر 1918م، في قرية “تمي الأمديد”، مركز السنبلاوين، محافظة الدقهلية. نشأ بها، وحفظ القرآن صغيرا في كتاب القرية، والتحق بالمدرسة الأولية 1924م، وتعلم فيها مدة خمس سنوات، حتى نال الشهادة.

    كان يمكن -في عالم آخر- أن يكمل عوض تعليمه، لكن لم تتح له ذلك ظروف المعيشة، وكان هذا هو حظَّه من التعليم الرسمي، وكان طبيعيًّا أن يمتهن البقالة في دكان والده بالقرية، وارتبطت تلك المهنة به طوال حياته، حتى إن بعض الصحف القديمة نشرت مقالا بعنوان: (حكاية عم عوض البقَّال)، وآخر بعنوان: (الشاعر البقال). 

    ومع امتهانه البقالة، بقي في نفسه حبٌّ دفين للأدب والشعر العربيين، وجذوةُ نارٍ مشتعلة تدفعه نحو القراءة وحفظ الشعر بلا توقف. وفي حوار أجراه معه أشرف عبد السميع، (نشر في جريدة أخبار الدقهلية، وبقيت منه قصاصة، ضمنَ الملف الذي أخذته من صديقي)، قال الحاج عوض: “لقد قرأتُ وحفظتُ لأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وعلي الجارم، وهاشم الرفاعي، وعلي محمود طه، ..”.

    بين البقالة والأدب

    بقي الحاج عوض على هذه الحال، يقرأ الكتب، ويتابع أشهر المجلات الأدبية والصحف في وقته، بل إنه كان حريصًا على حضور الندْواتِ الثقافية، والاتصال بالأدباء والأساتذة لأدنى ملابسةٍ أو مناسبة. ومن ذلك ما حكاه لي ابنه الحاج جمال عوض قشطة، فذكر أنه التقى في صحبة والده بالدكتور محمد حسين هيكل أكثرَ من مرة.

    ووجدت في قصاصةٍ من جرنان قديم ضمن الملف: ما يؤكد ذلك، حيث جاء فيه أنه التقى بالدكتور هيكل سنة 1936م. وأن ذلك اللقاء كان دافعًا كبيرًا له نحو القراءة والمعرفة، لدرجةِ أنه كان يمشي على قدميه، من القرية إلى مدينة السنبلاوين؛ لمجرد أن يحصل على بعض الكتب من إحدى المكتبات هناك. ولعل القارئ لا يدرك حجم المعاناة، إن لم يعرف أن المسافة المقصودة تجاوز العشرين كيلو متر.

    لقاء عائشة بنت الشاطئ

    ومما ذكره لي ابنه أيضًا أن والدَه كان دائم الاتصال بالأساتذة الكبار ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وحكى لي قصةَ لقائه ببنت الشاطئ، عائشة عبد الرحمن. ثم ذكر لي صلتَه الوثيقة بالأستاذ الكبير الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، صاحب كتاب (الأزهر في ألف عام)، والكتب الأخرى الكثيرة، والتحقيقات الكبيرة.

    ولم أتفاجأ من ذلك لأن الأستاذ خفاجي بلديُّ الحاج عوض. من قرية تلبانة التي تبعد عن تمي الأمديد كيلوات معدودة. لكن أكد لي ذلك أنني وجدت نسخة من ديوان الحاج عوض (مع الأيام)، أخرجها لي ابنه جمال. وفي هذه النسخة تصديرٌ للديوان بقلم الأستاذ خفاجي نفسه.

    مما نشر عن عوض قشطة في مجلة أخبار الدقهلية
    مما نشر عن عوض قشطة في مجلة أخبار الدقهلية
    شاعرٌ عند الخمسين؟!

    لم يكن للعم عوض أي نشاطٍ كِتابيٍّ فني، ربما تكون له محاولات، في رسائل إلى الأصدقاء، أو إلى الأدباء الذين كان يتردد عليهم. ولطالما سمعنا بأن إرهاصات الموهبة تتبدى ملامحها في مرحلة الصبا، ونوابغ الزمان كانت تلوح آيات النجابة حول رؤوسهم، لكننا لم نعتد أن نسمع برجل يمضي خمسين عاما من عمره، ثم فجأة يقول شعرًا بهذه الجودة، ويشهد له بذلك كبارُ الأساتذة والأدباء بالنبوغ والإبداع!

    في حوار أجراه معه ”حازم نصر” (المقال مقصوص دون ذكر اسم الجريدة)، يحكي الحاج عوض: “ما كان يخطر على بالي أنني سأكتب في يومٍ من الأيام بيتًا واحدًا من الشعر، رغمَ قراءَتي وحبي له منذ الصغر. فقد قرأت لزهير بنِ أبي سلمى، وللفَرَزْدق، وللمعري، وللإمام الشافعي، والبوصيري. ثم بعد ذلك للبارودي والجارم وشوقي وحافظ، ورغم ذلك لم يكن يخطرُ على بالي أي إبداعٍ شعري، وكيف؟ وأنا لا أعرف قاعدةً عربيةً نحْويةً أو بلاغيةً؟ ولا أتصور شيئًا عن بحور الشعر وماهيتِها وعلاقتها بالشعرِ وقولِه.

    وفي سنة 1967م، (أي كان عمره 50 عاما تقريبا)، وقع بيدي ديوان شعر الشهيد هاشم الرفاعي، فقرأته وحفظت الكثيرَ منه، وتأملت أبنيته، وعمقت كل هذا في ضميري وقلبي وإحساسي. وما كدت أفرغ من هذا الديوان.. حتى جاءني الشعر يسعى إلي في كل دقيقة من يومي، ليلًا ونهارًا..”.

    شعره من الصحف إلى كليات الآداب

    لا يمكن تصور حجم المعاناة التي تجرع أهوالها العم عوض أثناء محاولاته الأولى في نشر شعره. من ذا الذي سينظر في محاولات شعرية أولية، لرجل خمسيني، فضلًا عن نشره في الصحف!

    عانى كثيرًا، لكنه كان صبورًا مثابرًا، لا يكل ولا يمل، يكتب ما تجودُ به قريحتُه، ثم يراسلُ به الصحف والمجلات، فنشرتْ له صحفٌ عديدة، منها: “الجمهورية”، و”تُجار الدقهلية”، و”أخبار الأدب” وغيرها.  ولم تمضِ سنواتٌ.. حتى كتبَ عن الحاج عوض عددٌ من الصحف والمجلات.

    ثم بمجرد أن نشر شعره وخرج إلى النور، تراكمت عليه طلبات من الباحثين في كليات الآداب، يرجون أن يمدهم بما عنده من شعر من أجل دراسته، فيذكر ”حازم نصر” في مقاله السابق الذكر: ”سعى إليه الدارسون، وأصبح مرتعًا خصبًا لدراساتهم الأدبية فكتب عنه 16 دراسة أدبية ونقدية. وأصبح ضمن الشخصيات التي يدرسها طلاب السنة النهائية بكليتي التربية بالمنصورة وبدمياط، في مادة الأدب الحديث”.

    تصدير الأستاذ محمد عبد المنعم خفاجي، لديوان مع الأيام.
    تصدير الأستاذ محمد عبد المنعم خفاجي، لديوان مع الأيام.
    أول دراسة عن الحاج عوض

    كان أول دراسة كتبت عن العم عوض ما كتبه الدكتور حسين علي محمد سنة 1975م، بعنوان: (عوض قشطة.. حياته وشعره). بحسب ما ذكره هو نفسه في حواره لصحيفة أخبار الدقهلية. وذكر لها أن كثيرًا من شعره أذيع في برامج الإذاعة. فقدمها له الأستاذ “فهمي عمر” في برنامج جزيرة العرب، في إذاعة صوت العرب. وقدمه في ”إذاعة الشعر” مرات عديدة: الشاعر المصري “فؤاد بدوي”.

    وكرمته محافظة الدقهلية أكثر من مرة، وكرمته الدولة كذلك، وكان التكريم عبارة عن خمسين جنيهًا، على حد ما ذكر. كل ذلك يدل للقارئ على أن شاعرنا قد أثبت حضوره في الوسط الأدبي، والساحة الثقافية. وليس على مستوى محافظة الدقهلية وحسب، وإنما على مستوى جمهورية مصر. وخاصة القاهرة، عاصمة الأدب والثقافة والفن في العالم العربي كله.

    ولعل القارئ لم ينس الكلمات التي صدرنا بها هذا المقال؛ وليست إلا جزءًا مقتبسًا من رسالةِ وُدٍّ طويلة، كتبها صلاح حافظ، الصحفي والكاتب الكبير، ورئيس تحرير روزاليوسف الأسبق، (توفي سنة 1982م). يعبر فيها بمشاعرَ صادقةٍ عن رأيه في أحد شعراء عصره. وفي شعره الذي كان سببًا لأن يدعوه لمراجعة نظرته إلى الشعر العمودي من جديد. كما يذكر هو نفسه في الرسالة التي وجدتها ضمن الأوراق التي بحيازتي.

    أمنية الشاعر ووصيته

    أخيرا: لقد كان العم عوض قشطة شاعرًا سليقيًّا موهوبًا موهبةً فطرية. وجدت طريق الخروج إلى النور، إلى دنيا الأدب والثقافة، بعد أن بلغ صاحبها الخمسين. فكانت مصقولةً مهذبة بالقدر الذي خاضه صاحبها من التجارب. وكان عمنا عوض حريصًا كل الحرص على نشر شعره، وإذاعة كلماته، وإخراجه إلى النور. وبذل في ذلك كل ما استطاع، ليصل بكلمته إلى أبعد مدى. ورغم ذلك.. عانى دهرًا من الإهمال. ولم يعد له ذكر في الحياة الأدبية والثقافية، إلا في دائرة صغيرة محدودة.

    كانت وصيته لابن أخيه (والد صديقي عبد الرحمن) أن ينشر مما دفعه إليه من أوراق، ولعل الشاعر يجد من ينهض لشعره فيتتبعه، ويعيد جمعه وقراءَتَه وتقديمَه إلى القراء، ولعلنا نكون قد أحيينا ذكره مرة أخرى، وقدمناه إلى القراء والباحثين من جديد.

    اقرأ أيضا:

    شارع العباسي بالمنصورة.. حكاية سوق بين مئذنتين

    «جاليري حيفا».. واحة ثقافية فنية في قلب المنصورة

    مولد «ابن سلام».. ذكرى صحابي يعيد الروح لقرية بمحافظة الدقهلية

  • شارع العباسي بالمنصورة.. حكاية سوق بين مئذنتين

    شارع العباسي بالمنصورة.. حكاية سوق بين مئذنتين

    عند نهاية شارع السكة الجديدة، يطل جامع الصالح أيوب في جلال العتق وأبهة القِدَم، رغم ما فعلت فيه آلةُ الزمن. مئذنته العالية تشق السماء، وتبث نداء الحق إلى مسامع الخلق، فيختلط صوت الآذان بضجيج المارة ونداءات الباعة. ومن هناك يبدأ الشارع الذي، ما إن يذكر، حتى تتزاحم في الذاكرة صور وحكايات من الماضي، لتشتبك سريعا مع الحاضر. وبين مئذنة الصالح أيوب ومئذنة الشيخ حسنين، يمتد أشهر أسواق المنصورة عبر شارع العباسي، في ثنائية تجمع الدين والدنيا، وتفتح أبوابها لمصالح العباد.

    شارع العباسي بالمنصورة    

    تبدو مقدمة شارع العباسي مكتظةً بالمارة دخولا وخروجا، ثم يقل الزحام تدريجيا مع التوغل فيه. الناس يأتون من كل حدب وصوب: شبابا وكبارا، ذكورا وإناثا، يأتون لأغراض شتى متنوعة.

    في بدايته تنتشر محلات الملابس الجاهزة والهواتف المحمولة. وتتدرج محلات الملابس من احتياجات الأطفال والشباب إلى مستلزمات العروس، إذ يضم الشارع عددا كبيرا من محالِّ تجهيز العرائس، والأدوات المنزلية، والمفروشات والأقمشة. أما محلات الهواتف فتقدم كل ما يخص الموبايل، من أصغر قطع الغيار حتى أحدث الأجهزة. كما تنتشر في الشارع توكيلات تجارية يقصدها التجار من داخل المحافظة وخارجها، حيث تباع فيها البضائع بأسعار الجملة، غالبا بأقل الأثمان رغم موجة الغلاء المتصاعدة.

    مسجد الصالح أيوب، أول شارع العباسي
    مسجد الصالح أيوب، أول شارع العباسي
    الأجيال تتعاقب لزيارة شارع العباسي

    على يسار المدخل، بعد أمتار قليلة، تجذب رائحة الفطائر والحلويات أنوف المارة، تنبعث من محل أحمد أمين، “حلواني وجيلاتي” الذي تأسس منذ عام 1970م، وما زال مقصدا للأجيال المتعاقبة، خاصة لفطائره المحلاة بالسكر والمحشوة بالكريمة.

    وبعد بقليل يقع جامع الدولتلي، الذي بناه على الدولتلي، أحد قادة مماليك الصالح أيوب. ثم جدد عام 1884م على يد حفيده محمد الدولتلي، لكنه هدم لاحقا وأعيد بناؤه على الطراز الحديث. حسب كتاب “حكاية شوارع المنصورة”، للدكتور إيهاب الشربيني.

    وفي منتصف الشارع، على اليمين، تقع الهيئة العامة للتأمين الصحي بالمنصورة وعيادة العباسي الشهيرة. ولها دور عظيم في علاج المرضى البسطاء من أبناء الأرياف حول المنصورة. وعلى اليسار يظهر جامع الكناني القديم، وإلى جواره الساحة الشعبية (مركز شباب مدينة المنصورة). كما يشهد شارع توسعا جديدا بافتتاح معرض العباسي للملابس الجاهزة والأحذية، الشهر المقبل.

    نشأة شارع العباسي بالمنصورة

    يمتد شارع العباسي بين ورش قديمة، ومقاهٍ شعبية، ومطاعم، إلى جانب عقارات مضى على بنائها قرن أو يزيد قليلا. وتتفرع منه شوارع فرعية ذات أهمية تاريخية مثل شارع الريحاني (سوق التجار الغربي)، الذي يضم مسجد سيدي ريحان الذي ينسب إليه الشارع مؤخرا. وهو مسجد قديم بناه الأمير كتخدا حسن سنة 1235هـ-1723م، ثم أعاد بناءَه السيد محمد ستي عام 1970 في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

    ومن الحارات الحرفية المتفرعة عنه: حارة الحدادين، التي ما زالت إلى اليوم بها الورش القديمة، وحارة الدولتلي، وحارة البهلول. ويمتد الشارع حتى يصل إلى جامع الشيخ حسانين، أحد أولياء المنصورة الكبار. وميدانه من أكبر الميادين التي تتفرع منه عدة شوارع لا تقل أهمية عن شارع العباسي. وما زال بالجامع ضريح الشيخ حسانين، الذي يعتبره كثير من أبناء الدقهلية أحد أهم وأكبر أولياءها الصالحين. ويقام حول له مولد سنوي في أغسطس يزيد من أهمية الشارع، وتحيي الجزءَ الأقل ازدحاما منه طوال العام.

    مسجد سيدي ريحان بشارع العباسي
    مسجد الكناني بشارع العباسي
    الله حي.. عباس جي

    تعود نشأة شارع العباسي إلى عهد الخديوي عباس حلمي الثاني (1892م – 1914م). وبحسب د. إيهاب الشربيني في كتابه “حكاية شوارع المنصورة”، كان المكان عبارة عن شبكة من الحواري والأسواق المتداخلة. وكانت تعد هذه المنطقة سوقا كبيرا يأتيه التجار من الدلتا عبر فرع دمياط بالمراكب الشراعية، محملين بالبضائع المختلفة، ويعبرون للشارع من مكان مديرية أمن الدقهلية الحالية.

    ويروي أن الخديوي زار المنصورة وافتتح الشارع بنفسه، فسمي بـ”شارع عباس” نسبة إليه. وبعد عزله عام 1914م، خرج المصريون إلى الميادين يهتفون بعودته: “الله حي.. عباس جي”. وشارك أهل المنصورة في المظاهرات من شارع عباس. ومع مرور الأيام تحول الاسم إلى شارع “العباسي”. ثم تغير رسميا بعد ثورة يوليو إلى “شارع مصطفى كامل”، لكن عامةَ أهل المنصورة. وكذلك الوافدين إلى الشارع لا يعرفونه إلا بشارع العباسي إلى اليوم.

    لم يكن الشارع على الحال التي هو عليها الآن. وكان لافتتاحه أثرٌ في تغيير جغرافيا المنطقة. حيث إنه قطع شارعين كبيرين كان بهما أهم الأسواق في تلك الفترة. شارع سوق الخواجات القديم. حيث كان مبدأه من شارع بورسعيد ممتدا إلى ميدان الطُّمِّيهي الشهير. لكن بمجرد افتتاح العباسي، انقسم سوق الخواجات إلى قسمين، الأول ممتد من شارع بورسعيد إلى العباسي، وسمي بسوق التجار الشرقي. والثاني من العباسي إلى ميدان الطميهي. وسمي بسوق التجار الغربي، أو شارع الريحاني كما أشرنا من قبل.

    آخر شارع العباسي، ومسجد الشيخ حسنين
    آخر شارع العباسي، ومسجد الشيخ حسنين
    افتتاح شارع العباسي

    كان جامع الكناني في أصله ضريحا ضمن المدافن القديمة التي كانت قائمة هناك قبل نقلها، وكان مزارا مشهورا، لكن بلا معالم واضحة تدل عليه. ومع مرور الأيام، شيد الحاج عوضين طه (أحد أعضاء المجلس البلدي)، المسجد المعروف اليوم بجوار الضريح. وكان خلف الضريح والمسجد بستان بديع، وصفه أحد الرحالة كما نقل د. إيهاب الشربيني. ثم تبدلت الحال بمرور الوقت، وانتقلت المدافن، وبقي جامع الكناني. ورغم أن الشارع عُرف لفترة باسم شارع الحاج عوضين طه، فإنه لا يزال معروفا اليوم باسم شارع المدافن القديمة.

    وفي مقال للمهندس طارق البدراوي بجريدة أبو الهول (عدد3 – 2022)، ذكر عن انتشار الشوادر في العباسي: “حيث كانت شوادر الخضار منتشرة في الشوارع الجانبية المتفرعة من شارع العباسي. بينما كانت شوادر الفاكهة متناثرة في شارع العباسي العمومي.

    وظل ‏الأمر كذلك لسنوات طويلة حتى تم إنشاء سوق ‏الجملة الحالي، ونقلت المحلات إليه في نهاية الستينيات من القرن العشرين الماضي. وحلت محلاتُ لعب ‏الأطفال والخردوات والشوكولاتة مكانَ ‏شوادر الفاكهة والخضار. وفي الشوارع الجانبية والخلفية لشارع العباسي نشأ مكان شوادر الخضار سوق معروف حاليا باسم سوق ‏السمك”.

    ومن الطرائف التي أوردها البدراوي أن الشاعر الغنائي المعروف مرسي جميل عزيز، من أبناء مدينة الزقازيق عاصمة محافظة الشرقية، كان يمتلك شادرا في هذا الشارع يبيع فيه الخضار والفاكهة بالجملة. وقام بتأليف العديد من الأغنيات الشهيرة لسيدة الغناء العربي كوكب الشرق أم كلثوم، والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، وهو يمارس التجارة في هذا الشادر”.

    كيف وصف فؤاد حجازي شارع العباسي؟

    في روايته “شارع الخلا” (1968م)، رسم أديب المنصورة فؤاد حجازي صورة نابضة للحياة في شارع العباسي: “زبائن شارع العباسي كثيرون ويصعب حصرهم، ويمثلون كل الطبقات؛ حيث نرى به تجار الدخان، وتجار المانيفاتورة، وتوكيلات آلات التصوير، والمصورين، ومعارض الأثاث والموبيليا، وتجار مخلفات الجيش، ومتاجر بيع الخضر والفاكهة بالجملة، ومحلات الأطعمة الراقية، والتي كانت توجد في أول الشارع من جهة نهر النيل، وكان من أشهرها: مطاعم الكباب والكفتة والكبدة، بالإضافة إلي محلات الحلويات؛ مثل البسيمة واللديدة المصنوعة من جوز الهند المبشور.

    ثم تأتي في منتصف الشارع محلاتُ الأطعمة الشعبية؛ كالفول والطعمية. كما تصطف على جانبي الطريق عرباتٌ خشبية تتصاعد منها روائح شواء اللحم، بينما يباع على بعضها لحوم الرأس والكرشة والقلب والممبار وباقي مخلفات بطون المواشي والغنم، والتي يسميها العامة الحلويات. وفي الوسط فرن قديم، وباعة الذرة المشوي، ومن ورائهم باعة الفاكهة؛ كالمانجو والعنب والتين مع موازينهم، وإلى جانبهم يصطف باعة السكاكين والبلط.

    وفي خلفية كل هؤلاء توجد دكاكين الخردوات، ومحلات لعب الأطفال والبخت والبمب وصواريخ رمضان. وفضلا عن ذلك تنتشر المقاهي على طول الشارع؛ فكان في أوله من ناحية نهر النيل: المقاهي التي يرتادها الأفندية والموظفون وزوار المدينة ونزلاء الفنادق الفخمة القريبة من الشارع. وتأتي بعدها وعلى مقربة منها: المقاهي الشعبية التي كان يرتادها أولاد البلد، والفلاحون، والباعة الجائلون، والصنايعية؛ مثل الترزية والحلاقين ومبيضي النحاس والحدادين والنجارين وحوذية عربات الكارو والحناطير. وكان كل هؤلاء الخلق زبائن مستديمين، تموج بهم الحياة في هذا الشارع الصاخب المسمي بشارع العباسي بمدينة المنصورة”.

    معرض شارع العباسي الدائم
    معرض شارع العباسي الدائم
    شارع العباسي قديما وحديثا.. كيف تغير؟

    من خلال هذه النصوص والتواريخ يمكن أن نكون صورة تقريبية لما كان عليه شارع العباسي قديما. لنقارنها بالصورة التي رسمناها لحاضر الشارع فيما سبق. وبهذه المقارنة يتبين الدور الذي يلعبه هذا الشارع في حياة أهل المنصورة. إذ ليس مجردَ سوق تجارية صاخبة، بل في كل زاوية وركن. وفي كل حارة وشارع فرعيين: حكايات وروايات وتاريخ شعبي معبر عن حياة المصريين البسطاء، الدنيا بالنسبة لهم كهذه السوق، يأخذون منها قدر حاجتهم. لكن سوقهم بين مئذنتين، وتتخللها عدة مآذن، يدخلونها من جامع، ويخرجون منها إلى جامع. فهم على اختلاف أغراضهم، تجمعهم روح التدين الوسطية، في غير إفراط ولا تفريط، يعيشون، ويتنافسون، ويخطئون، ويتعبدون. ولا يجد أحدهم غضاضة في الجمع بين الدين والدنيا، والمعاش إلى المعاد، رغم الهموم والغموم التي ترميهم بها الأيام.

    اقرأ أيضا:

    «جاليري حيفا».. واحة ثقافية فنية في قلب المنصورة

    مولد «ابن سلام».. ذكرى صحابي يعيد الروح لقرية بمحافظة الدقهلية

    «الضيف أحمد».. من تمي الأمديد وإليها

  • مبادرة «سأطير».. كيف صنعت هايدي فارس سماء آمنة للفتيات بالفن؟

    مبادرة «سأطير».. كيف صنعت هايدي فارس سماء آمنة للفتيات بالفن؟

    «كنت عايزه أطير.. بس الدنيا كانت ضيقة أوي».. هكذا تلخص هايدي فارس مسيرتها الشخصية، وكأنها ترسم بخط واحد بسيط سيرة فتاة وجدت في الرسم ليس مجرد موهبة، بل مخرجًا من حصار اجتماعي ضاغط. في غرفتها الصغيرة بالمنصورة، كانت الألوان وسيلتها الأولى لتوسيع أفقها، تضع نقطة زرقاء في وسط مساحة رمادية وتقول لنفسها: «أنا هنا… ولسه عندي ألوان».

    لكن الرحلة من فتاة ترسم للهروب من الضيق إلى فنانة تفتح مساحات للآخرين، لم تكن محض صدفة. كانت هايدي تراقب كيف يتحول صمت البنات في مجتمعها إلى جدران صلبة، وكيف يحاصر الحلم في جملة “ما ينفعش” و”ما يصحش”، وكيف يمكن أن يكون الفن… فعل مقاومة ناعم لكنه عنيد.

    هايدي فارس: فنانة ومديرة مساحات إبداعية

    هايدي فارس فنانة تشكيلية ومؤسسة مبادرة “سأطير”، بالإضافة إلى إدارتها لمساحة ثقافية صغيرة في المنصورة تحمل اسم “Books & Beans”، تجمع بين مكتبة ومساحة ورش. من خلال هذا المكان، بدأت أولى خطوات مشروعها، لكن تحت اسم مختلف وبشكل أكثر بساطة .

    كانت هذه الجلسات تجمع البنات في أجواء ودية، يرسمن معًا ويتحدثن بصراحة عن مشاعرهن وتجاربهن، وكأنهن يجلسن في دائرة دعم نفسي غير رسمي. ومع الوقت، تطورت هذه الجلسات من نشاط جانبي داخل “Books & Beans” إلى فكرة أوسع وأكثر وضوحًا، حتى وُلدت مبادرة “سأطير” بما تحمله من هدف واضح لخلق مساحات آمنة للبنات في المنصورة.

    من الداخل: ميلاد فكرة “سأطير”

    تقول هايدي: “لم تكن مبادرة (سأطير) مشروعًا مدروسًا من البداية، بل كانت فعلًا غريزيًا. أنا كنت محتاجة أخلق مساحة أتنفس فيها… عرفت إن غيري محتاجينها أكتر”.

    وبعد سنوات من تدريس الرسم، أدركت هايدي أن المشكلة أعمق من تعليم المهارات. البنات في المنصورة، مثل كثير من المدن الممتلئة بالقيود غير المرئية، كنّ يبحثن عن مكان يُسمح لهن فيه أن يقلن: “أنا مش بخير… ومش عيب أقول ده”.

    بدأت الجلسات بشكل بسيط داخل “Books & Beans”: دائرة صغيرة من البنات يرسمن ويتحدثن دون خوف. لكنها مع الوقت، شعرت هايدي أن هذه المساحة الصغيرة من الممكن أن تتحول إلى مشروع أكبر. بدعم من منحة “Eunic“، بدأت الورش تتحول إلى مبادرة واضحة الملامح، لكن بقي جوهرها كما هو: “الرسم مساحة اعتراف”. لم تكن الورش تهدف إلى خلق فنانات محترفات، بل نساء يستطعن الاعتراف بمشاعرهن بأمان.

    ورشة لمبادرة سأطير
    ورشة لمبادرة سأطير
    في قلب الورشة: البنات يتعلّمن أن يروا أنفسهن

    في إحدى الورش، جلست هايدي أمام مجموعة من الفتيات وقالت بهدوء: “مش مهم ترسموا حلو… المهم تحكوا عن نفسكم بالألوان”. كانت هذه الجملة البسيطة هي المفتاح. وكان يكفي أن تسمعها فتاة دخلت الورشة خجولة، بالكاد تهمس بكلماتها، لتنهي اليوم وقد رسمت لوحة مليئة بالألوان الساخنة، وكأنها أطلقت صرخة مكتومة كانت محبوسة لسنوات.

    الورش تدار بمبدأ بسيط لكنه ثوري: لا تقييم، لا مقارنات، لا أوامر. كل فتاة تأتي إلى الورشة تحمل داخلها قصة، ولا يطلب منها إلا أن تحكيها بطريقتها. الأزرق أصبح حرية عند إحداهن، والأحمر أصبح تعبيرًا عن غضب مكبوت لسنوات، وكل لوحة كانت صفحة جديدة في دفتر اعترافات لا يحاسِب.

    وهايدي لم تكن تدرّس الرسم، بل كانت تفتح نافذة صغيرة لكل فتاة تقول من خلالها: “أنا هنا”، حتى لو لم تستطع أن تقولها بصوت عالٍ.

    هايدي فارس: الفنانة التي تعالج جراحها بالألوان

    وراء كل ورشة، كانت هايدي تعيش تجربة موازية كفنانة. تقول: “أنا بتعالج وأنا برسم… كل لوحة بحس إنها بتطلع وجع قديم”. في أعمالها الفنية، تتجسد مفردات الوجع الأنثوي في أشكال جسدية مربكة: أجساد مفرغة من الداخل، عيون تبحث عن ضوء، وخطوط متداخلة تعكس التشابك النفسي الذي تعرفه جيدًا.

    الرسم عند هايدي لم يكن يومًا فعلًا جماليًا فقط، بل كان وسيلتها لمقاومة إحساس العجز، ومحاولة لترميم ما كسرته التجارب. وبينما تساعد البنات على الاعتراف بمشاعرهن، كانت هايدي نفسها تعترف بجروحها عبر كل لوحة.

    سأطير… الحلم الذي لا يريد جناحين فقط

    “سأطير” لم يكن مجرد اسم اختارته هايدي للمبادرة؛ كان بيانًا شخصيًا. لكنه بيان يحتاج إلى فضاء حقيقي، يعترف بحق البنات في أن يسمعن، وفي أن يصرّحن بضعفهن دون خوف من الحكم أو العيب.

    وتحلم هايدي أن تتحول الورش يومًا إلى معارض جماعية، حيث تجد كل فتاة مكانًا تعلق فيه لوحتها، وتقول للعالم: “أنا هنا”. لكنها تدرك أن الطريق ليس بسيطًا. التحديات تتجاوز التمويل والدعم اللوجستي. تقول: “المجتمع محتاج يعترف إن المشاريع دي مش كماليات… دي ضرورة نفسية في مدينة بتكتم النفس”.

    وتعرف هايدي جيدًا أن كسر جدران الصمت لا يحدث بضربة واحدة. إنما يحتاج إلى مئات من الشقوق الصغيرة، وهو ما تفعله الورش بهدوء وعناد.

    الفن كفعل مقاومة ناعم

    في الوقت الذي تتزايد فيه المبادرات النسوية في مصر، تأتي “سأطير” كحالة مختلفة. ليست مبادرة ترفع شعارات كبرى، لكنها تفتح شقوقًا صغيرة في جدران الصمت.

    وتقول هايدي: “أنا مش بعلّم البنات يعملوا ثورة… أنا بعلمهم يسمعوا نفسهم… والثورة الحقيقية بتبدأ من هنا”. كل ورشة جديدة، كل فتاة تمسك الفرشاة للمرة الأولى وتكتشف أنها قادرة على رسم ما لم تستطع قوله، هو انتصار صغير، لكنه جوهري.

    التأثير الخفي.. لكنه عميق

    ربما لا تحظى “سأطير” بالأضواء الإعلامية، لكنها بالنسبة للبنات اللواتي مررن بتجربتها تمثل لحظة فارقة. تحكي هايدي عن فتاة جاءت من قرية صغيرة، وبعد أول ورشة، همست لها قائلة: “أنا أول مرة أحكي عن نفسي… وأول مرة أحس إن ده مش عيب”.

    هذه اللحظات العابرة، التي قد تبدو بسيطة، هي التي تمنح هايدي الإحساس بأن مشروعها في الطريق الصحيح. فكل اعتراف صغير هو خطوة ناحية السماء.

    الحلم مستمر

    هايدي لا تبحث عن مشروع ضخم بميزانيات طائلة، فهي تؤمن أن القوة في التفاصيل الصغيرة. تحلم أن تنتشر “سأطير” كفكرة، كمنهج بسيط يمكن لأي بنت أن تبدأه من غرفتها، حتى لو كانت الدنيا ضيقة.

    وتقول: “أنا مش بقدّم علاج نفسي بديل… ولا بدّعي إني بصنع فنانات عالميات… أنا بفتح شباك صغير للبنات… والباقي بيحصل لوحده”.

    اقرأ أيضا:

    مئذنة تحتضر وقبة دُفنت بلا نداء.. هل تُنقذ المنصورة أقدم مساجدها؟

    مسرح لا يموت.. «المنصورة» تنقذ إرثها وتعيده دارًا للأوبرا

    ملامح العيد تتغير في شوارع المنصورة : الباتيناج يحتل المدينة

  • «جاليري حيفا».. واحة ثقافية فنية في قلب المنصورة

    «جاليري حيفا».. واحة ثقافية فنية في قلب المنصورة

    «وما بِكْفي كُتْرِ الكلام.. يِوْصِفْ حلَا حِيفا وهواها» لعل هذه الكلمات، من أغنية “نويل خرمان” عن حيفا، تجسد الشعور الذي يجده زائر «جاليري حِيفا» للمرة الأولى، هناك في شارع عبد العظيم محمود، المتفرع من شارع الجلاء، بحي جامعة المنصورة. وإن قيلت- هذه الكلمات- في الأصل عن «حيفا» الفلسطينية، فلا مانع من إسقاطها على الـ”جاليري” المنسوب إليها.

    وزوار «جاليري حيفا» هم غالبا هاربون إليه من صخب الحياة، يبحث أحدهم عن مكان يستريح فيه من هموم الدراسة أو ضغط العمل. وليس أنسب من “جاليري حيفا” لهذا المطلب؛ إذ سرعان ما يأسره هدوء المكان، والمزيكا التي تخاطب الجمال في نفسه، وتأخذه الأنتيكات، والمشغولات الفلسطينية، والصور العتيقة، وتنقله إلى زمان ومكان مختلفين، تختلط فيهما نسائم حيفا الفلسطينية بألحان وأصوات عربية طربية.

    جاليري حيفا بالمنصورة: عندما يتحول المقهى إلى مساحة فنية وثقافية حرة

    يبدو الجاليري للوهلة الأولى مجرد كافيه أو مقهى ثقافي، تُقدم فيه المشروبات الساخنة والباردة، وتعم أرجاءَه مزيكا هادئة من أغاني “الزمن الجميل” لعبد الوهاب وأم كلثوم وفيروز وحليم، إلى آخر القائمة التي تبث في نفس الزائر شيئا من العتق والسكينة والجمال الآسر.

    ولكن بمجرد أن يدير الزائر بصره في الجاليري، يجد معرضًا صغيرا للمشغولات اليدوية: قلائد وحقائب وأساور وخرائط لفلسطين، ومنحوتات خشبية، ولوحات صغيرة بديعة، وكثيرا من المشغولات الفلسطينية الفلكلورية. كما يجد أيضا عددا ليس بالقليل من الصور لأعلام الفن والغناء والتمثيل: أم كلثوم وعبد الوهاب وبليغ ووردة، وأحمد زكي وسعاد حسني، وغيرهم،. ويقع على يسار الداخل من باب الجاليري جدارية للست فيروز، وإلى جانبها قطع أثرية أو “أنتيكات”: تلفاز قديم، جرامافون، هاتف قديم، آلة للكتابة، بيانو عتيق، راديو.

    من مقهى إلى منصة ثقافية: كيف أصبح “جاليري حيفا” مركزًا للفنون والذاكرة؟

    يجد الزائر أيضا أسطوانات وشرائط لأهم الأغاني من القرن الماضي، لأعلام الملحنين أمثال زكريا أحمد، والقصبجي، والسنباطي. وهكذا.. قطع من زمن بعيد تعطي للمكان بعدا ثقافيا وتاريخيا خلابا. وفي ذلك تقول إحدى الزائرات: “كل تفصيلة بالمكان، خاصة بالزمن الجميل، تأسر قلبي. وكان دخولي من الباب قد فصلني عن العالم الخارجي المليء بالتِّكنولوجيا والمُشَتِّتات إلى حقبة زمنية بعيدة جميلة جدا”.

    وبالفعل، شيئا فشيئا يدرك الزائر أن الجاليري ليس مجرد مقهى أو كافيه يأتيه لمشروب ساخن وحسب. بل سرعان ما يتساءل عن الجاليري وما يقدمه؟ ويلح عليه السؤال: لماذا حيفا؟! ولماذا هذا الهدوء؟ وهل هو هدوء دائم؟ ثم ينتبه إلى لافتة المكان الخارجية والمكتوب عليها: (Art space & Cafe).

    جاليري حيفا: ملاذ الباحثين عن الجمال والتراث

    يكتشف الزائر إعلانا عن ندوة لأحد كتاب المنصورة ستقام يوم كذا في الساعة كذا في “جاليري حيفا”، أو حفل توقيع كتاب لكاتب آخر، أو ندوة شعرية مقامة في المكان. ومرة أخرى يجد حفلا موسيقيا غنائيا سيقام في الجاليري في موعد محدد، بحضور فنانين من أبناء المنصورة أو من خارجها، أو قعدة طرب تلقائية لبعض الزوار من غير ترتيب أو إعداد، منشورة على مواقع التواصل. كل ذلك يجعل “حيفا” في عين مرتاديه: واحة فنية ثقافية ترحب بكل الفنون من غناء وعزف ورسم ونحت وتصوير، وتوفر لهم المناخ المساعد على ذلك.

    ولعل ذلك يقودنا إلى قصة “جاليري حيفا” ووصولها إلى المنصورة. في عام 2017، بدأ الأخوان محمود وسامح العطار بإنشاء معرض متنقل للمشغولات اليدوية والمنحوتات الخشبية في وسط البلد، يعرضان أعمالهما في ساقية الصاوي وغيرها، حتى أتيحت لهما الفرصة أن يؤسسا أول معرض دائم

    لماذا حيفا؟

    تعود التسمية إلى لحظة التأسيس. فكر الأخوان كثيرا، ووجدا أنهما يريدان أن يرتبطا بالبلد الذي نشأ فيه والداهما قبل أن يهاجرا إلى مصر. فهما مصريان من أصول فلسطينية، من حيفا تحديدا. ووجدا في التسمية فرصة لربط اسميهما بالبلد التي حرموا العيش فيها، ومنعوا من دخولها إلا في زيارات قصيرة، كان يحرص عليها الوالدان كلما سمح الزمان، بسبب الحرب التي تعانيها البلد.

    ولا يعتبر “حيفا” رابطا شخصيا خاصا للأخوين فقط، بل هو ربط ثقافي عربي بين بلدين لطالما كانت العلاقة بينهما في اتصال دائم. ويسعى الأخوان من خلال الجاليري إلى الحفاظ على التراث الشعبي الفلسطيني وعرضه في الشارع المصري.

    ويؤكد ذلك ما أضافه محمود العطار: أن الجاليري، بكل فروعه، ينظم معرضًا سنويا في 14 ديسمبر من كل عام، يسمى “السوق الفلسطيني السنوي للمشغولات اليدوية”، ويقدَّم فيه مجموعة متنوعة من المنتجات: مطرزات، أخشاب، ميداليات، سلاسل، كوفيات، ملابس فلسطينية.

    جاليري حيفا
    جاليري حيفا
    روابط وجدانية تحيي التراث الفلسطيني على أرض مصرية

    يشارك في المعرض فرقٌ فنية تقدم الدَّبْكة الفلسطينية، وكورال للغناء، إلى جانب الأكلات الفلسطينية التقليدية. كل ذلك في فروع “جاليري حيفا” في مختلف محافظات مصر.

    وقد افتتح الجاليري سنة 2018 بجهود ذاتية من الأخوين، وبمعونة مباشرة من أصدقائهما، ومنذ اللحظة الأولى، استعان الأخوان بفنانين لإثراء المكان بلوحات مرسومة على الجدران، وإحياء الأمسيات بالحفلات الغنائية والقعدات الطربية. وكانا مرحِّبَين بكل منتَج فني يمكن عرضُه في الجاليري. وهو الأمر الذي صبغه هذه الصبغة المختلفة المركبة، المثيرة للإعجاب والدهشة في نفس الوقت.

    متى تتحول الذاكرة إلى منتج فني؟

    سرعان ما لاقت الفكرة نجاحا، وجاءت مرحلة التوسع، فمن وسط البلد، إلى الزمالك، إلى الإسكندرية، ثم إلى المنصورة.. ومؤخرا إلى الزقازيق. لكن الذي يعنينا هنا هو فرع المنصورة، وما أضافه إلى المدينة. فهل كانت في حاجة إلى جاليري حيفا؟ وهل ما زالت في احتياج إلى المزيد؟

    تحظى المنصورة، التي تمثل الدقهلية بأكملها، بتاريخ حافل في النضال، والفن، والثقافة والفكر. فهي المدينة التي أخرجت لدنيا الأدب والفكر: أحمد حسن الزيات، وأنيس منصور. ولعالم الفن: أم كلثوم، وفاتن حمامة. وأعلاما آخرين يضيق المقال والمقام عن ذكرهم فردا فردا.

    ومع ذلك، فإن الحركة الأدبية والفنية والثقافية فيها لا تسير على ما يرام وما ينبغي أن تكون عليه في العقود الأخيرة، وخاصة مع فجر الألفية الثالثة.

    ويمثل وجود “جاليري حيفا” في المدينة متنفسا للفنانين والمثقفين الصاعدين أو المغمورين بها، الذين سرعان ما برزوا مع افتتاح الفرع. فبحسب محمود العطار، كان افتتاح الفرع قائما على فنانين من المنصورة نفسها، ومن محافظة الدقهلية عموما. كما أقام عدد من الكتاب حفلات توقيع لمؤلفاتهم الجديدة في الفرع الذي افتتح قبل 3 سنوات.

    جاليري حيفا
    جاليري حيفا
    المنصورة تحتضن حيفا: كيف ساهم الجاليري في إحياء الحركة الفنية المحلية؟

    أضاف الجاليري لمدينة المنصورة رابطا ثقافيا جديدا بينها وبين “حيفا” التي أحبها المصريون دون أن يروها. واكتفوا برؤية أهلها المهاجرين عنها، وسماع الحكايات والقصص التي تروى لهم. كما وفر للطلبة والعاملين بالجامعة مساحة آمنة للمذاكرة، وممارسة الفنون، وإعداد الدروس، والمحاضرات. فالجاليري في الصباح يتحول إلى “ورك شوب”.

    ويوضح محمود العطار أن لكل مكان موسما خاصا به، أو (سيزون) يزدحم فيه بالزوار. وأن موسم فرع المنصورة هو أيام الدراسة؛ نظرا لوجوده في حي الجامعة. على عكس غيره من الأماكن التي تكون الإجازة الصيفية بالنسبة لها موسما تحقق فيه أعلى الإيرادات.

    وبعد ثلاث سنوات من وجود الفرع بالمنصورة، أثبت تفاعل مرتاديه معه أن المدينة تَدين له بالفضل، وتنتظر منه مزيدا من الفعاليات الثقافية والفنية. وتتوقع التفات أصحاب رؤوس الأموال والنفوذ إلى أهمية ذلك النوع من الأماكن التي تساهم في إثراء الجانب الثقافي الفني وإحيائه، والاهتمام بالفنانين والمثقفين الجدد. ودعم فكرة الربط الثقافي بين المدينتين: المنصورة، وحيفا.

    اقرأ أيضا

    مولد «ابن سلام».. ذكرى صحابي يعيد الروح لقرية بمحافظة الدقهلية

    «الضيف أحمد».. من تمي الأمديد وإليها

  • مئذنة تحتضر وقبة دُفنت بلا نداء.. هل تُنقذ المنصورة أقدم مساجدها؟

    مئذنة تحتضر وقبة دُفنت بلا نداء.. هل تُنقذ المنصورة أقدم مساجدها؟

    في مدينة لا تلتفت إلا لمن يصرخ، يقف مسجد الملك الصالح أيوب كأنّه حجرٌ ينطق بالتاريخ ويئنّ من الإهمال. مرّت عليه قرون من السجود والدعاء، وشهد قيام المنصورة وامتداد عمرانها، لكنه اليوم يتآكل في صمت. سقطت قبته منذ سنوات دون أن تهتز وزارة، أو يصدر تصريح، أو تتحرك جهة واحدة.

    أما مئذنته، فتبقى شامخة، لكنها تواجه خطر الإهمال، وسط قلق الأهالي وخوفهم من أن يلحق بها ما لحق بسقف المسجد. مأساة جديدة تُضاف إلى سجل طويل من التجاهل، حيث تُترك الكنوز التاريخية للموت البطيء دون حساب.

    بداية الحكاية.. من زمن الدولة الأيوبية

    يرجّح المؤرخون أن المسجد أنشئ عام 616 هجريًا، الموافق 1219 ميلاديًا، خلال عهد السلطان الصالح نجم الدين أيوب، أحد آخر سلاطين الدولة الأيوبية.

    ولم يكن البناء مجرد بيتٍ للصلاة، بل كان نواة حضارية وروحية لمدينة لم تكن قد ولدت رسميًا بعد، فالمنصورة لم تؤسس إلا بعد هذا التاريخ بسنوات، عقب معركة فارسكور سنة 1250.

    ويعد هذا المسجد الأثر الأيوبي الوحيد الباقي في المدينة، ومن أقدم المساجد الباقية في الدلتا كلها. ورغم هذه القيمة، لم يسجل كأثر إسلامي حتى اليوم، ولم يحظَ بأي حماية أو صيانة جادة، وكأن تاريخه لا يعني شيئًا.

    تضرر جدران مسجد الملك الصالح أيوب في المنصورة
    تضرر جدران مسجد الملك الصالح أيوب في المنصورة
    بناء “معلّق”.. بطراز خاص

    المسجد مكون من طابقين، في تصميم معماري نادر يعرف بـ”المسجد المعلّق”. الطابق الأرضي يضم بهوًا وعدة غرف ومداخل رئيسية، وقد اقتُطع جزء من مساحته لصالح محلات تجارية تطوّق المبنى وتشوّه محيطه.

    أما الطابق العلوي، الذي يصل إليه المصلون عبر سلم خشبي، فيضم قاعة الصلاة الرئيسية، وسقفًا خشبيًا تراثيًا، ومنبرًا يدوي الصنع، وزخارف أرابيسك تقليدية. كانت القبة تعلو هذا الطابق وتمنحه الهيبة، إلى أن سقطت منذ سنوات، دون أن يحرك ذلك ساكنًا.

    مأساة تفجير 2013.. بداية الانهيار

    في ديسمبر 2013، هزّ تفجير إرهابي ضخم مديرية أمن الدقهلية الواقعة على بعد أمتار من المسجد. تسبب الانفجار في مقتل وإصابة العشرات، ودمّر واجهات المباني المحيطة، وكان مسجد الملك الصالح أيوب من أكبر المتضررين.

    تطايرت النوافذ الملونة، وسقطت الزخارف والنقوش الخشبية، وتشقق السقف العلوي، وتعرضت أجزاء واسعة من المسجد للدمار. وحتى اليوم، ما زال نصف المسجد تقريبًا يعاني من آثار هذا التفجير، دون ترميم حقيقي.

    واكتفي بجمع ما أمكن من القطع الساقطة والاحتفاظ بها مؤقتًا داخل مصلى السيدات، انتظارًا لتدخل لم يأتِ بعد، بينما لا يزال المسجد يستخدم كأن شيئًا لم يكن.

    الإهمال في مسجد الملك الصالح أيوب في المنصورة
    الإهمال في مسجد الملك الصالح أيوب في المنصورة
    القبة التي سقطت.. والمئذنة التي تقلقنا

    في مشهد يلخص حجم الإهمال، سقطت القبة الرئيسية للمسجد، نتيجة تآكل الأعمدة الداخلية وضعف التسقيف، دون أي تحرك رسمي. مرّ الحدث في صمت، دون بيان أو تدخل من هيئة الآثار، وكأن انهيار أحد أبرز أجزاء المسجد التاريخي أمر لا يستحق التوقف عنده.

    أما المئذنة، التي لا تزال قائمة حتى اللحظة، فتثير القلق في نفوس الأهالي والمصلين، خاصة مع غياب أي عمليات صيانة أو متابعة. يخشى كثيرون أن يؤثر الإهمال المستمر على سلامتها، خصوصًا في منطقة مزدحمة بالمحال والمارة.

    لا تسجيل.. لا حماية

    أكدت النائبة د. ضحى عاصي، عضو لجنة الثقافة بمجلس النواب، أن المسجد، رغم أهميته، لم يسجل كأثر حتى الآن، ولا يدخل ضمن خطة حماية التراث في وزارة الآثار، ما يعني أن عمليات الترميم- إن وجدت- لا تخضع لأي إشراف علمي أو هندسي متخصص، بل تظل محاولات بسيطة غير كافية.

    وأشارت إلى أن لجنة من وزارة الآثار عاينت المسجد في عام 2015 ورفضت تسجيله بدعوى تأثر أصالته بترميمات سابقة.

    لكن في 21 يوليو 2024، رفعت لجنة أثرية جديدة تقريرًا يفيد بأن المئذنة ما زالت تحتفظ بحجارتها القديمة الأصلية ويمكن تسجيلها كأثر وترميمها وفق المعايير، وهو تطور إيجابي محدود، لكنه لم يترجم حتى اللحظة إلى خطوات عملية.

    الإهمال في مسجد الملك الصالح أيوب في المنصورة
    الإهمال في مسجد الملك الصالح أيوب في المنصورة
    محاولات أهلية.. تصطدم بالتجاهل الرسمي

    رغم التجاهل، لم يكن المجتمع المحلي غافلًا عمّا يتعرض له المسجد. فقد بذلت مبادرة “أنقذوا المنصورة”، المهتمة بحماية تراث المدينة، جهودًا كبيرة خلال السنوات الماضية للفت الانتباه إلى خطورة الوضع، عبر توثيق الأضرار، وإطلاق حملات توعية، ورفع مطالبات رسمية بشأن ضرورة إدراج المسجد ضمن قائمة الآثار الإسلامية.

    وقد سبق للمبادرة أن تقدّمت بعدة طلبات رسمية إلى وزارة الآثار لضم المسجد إلى قوائم التسجيل، كما رفعت مخاطبات لمحافظة الدقهلية تطالب بعمل تنسيق حضاري للمنطقة المحيطة، خاصة واجهات المحلات الواقعة أسفل المسجد، لما تمثله من تشويه بصري للمبنى التاريخي.

    كذلك نسّقت المبادرة مع النائبة ضحى عاصي في تقديم طلب إحاطة رسمي بالبرلمان بشأن ضرورة حماية المسجد. وأكدت النائبة أنها “مكملة في هذا الملف، وستسلك كل السبل القانونية والدستورية المتاحة لتسجيل المسجد كأثر”، مشددة على أن المبنى ليس مجرد تراث محلي، بل جزء من ذاكرة مصر الإسلامية في الدلتا.

    تسجيل مسجد الملك الصالح أيوب كأثر

    قال د. مهند فودة، منسق مبادرة “أنقذوا المنصورة”: “نتمنى أن تتحرك محافظة الدقهلية وتقوم بعمل تنسيق حضاري لواجهة المسجد، يعيد ترتيب يفط المحلات والواجهات تحت المسجد بشكل يليق بطبيعته التاريخية، وأن يتم تسجيل المئذنة كأثر وترميم المسجد بالاعتماد على الأجزاء الأصلية التي سقطت، وإعادة النظر جديًا في تسجيل المبنى كاملًا”.

    كما عبّر د. إيهاب الشربيني، أحد النشطاء المهتمين بالتراث الثقافي والمعماري لمدينة المنصورة، عن غضبه من الإهمال في منشور عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، قائلا: “يا ناس يا خلق يا هووو… يرضي ربنا جامع أثري عمره أكتر من 700 سنة يتبهدل البهدلة دي؟.. محدش فكر يتبرع يرممه تحت إشراف كلية الهندسة ولا فنون جميلة؟.. يا ناس دا الجامع موجود وسط محلات أغنى تجار في الدقهلية والوجه البحري ومحدش فكر يتبرع بمليم عشانه؟.. سابوه لحد ما القبة بتاعته وقعت… وهيسيبوه لحد ما المئذنة بتاعته تروح؟!!.. جامع الصالح أيوب… رمز مدينة المنصورة”.

    صرخات من الداخل.. بلا مجيب

    يؤكد بعض رواد المسجد أن العديد من البلاغات تم تقديمها إلى الجهات الرسمية منذ سنوات، خاصة بعد الانفجار، لكن دون جدوى. لا لجان هندسية، ولا تقارير متابعة، ولا حتى زيارات دورية.

    بات المصلون الآن يتحاشون الجلوس تحت السقف، ويتفقدونه قبل الصلاة، وكأنهم يؤدون فروضهم في مبنى مهدد بالسقوط.

    رثاء لمسجد حي

    مسجد الملك الصالح أيوب لا يحتاج إلى رثاء، بل إلى قرار عاجل. ما زالت جدرانه تحتفظ بصدى دعوات المصلين منذ ثمانية قرون، وما زالت مئذنته قائمة، وإن مالت، شاهدة على تاريخ المدينة وهويتها.

    وإنقاذ المسجد ليس ترفًا، بل ضرورة، وفرض عين على من بيده القرار. فهل ننتظر سقوط المئذنة كي نتحرك، كما تحركنا بعد القبة؟ أم نكتب اليوم بداية جديدة لمسجد يستحق الحياة، لا النسيان؟

    اقرأ أيضا:

    مسرح لا يموت.. «المنصورة» تنقذ إرثها وتعيده دارًا للأوبرا

    ملامح العيد تتغير في شوارع المنصورة : الباتيناج يحتل المدينة

    حوار| د. مهند فودة: التراث ليس رفاهية.. و«أنقذوا المنصورة» تقاوم النسيان بالتوثيق

  • حوار| د. مهند فودة: التراث ليس رفاهية.. و«أنقذوا المنصورة» تقاوم النسيان بالتوثيق

    حوار| د. مهند فودة: التراث ليس رفاهية.. و«أنقذوا المنصورة» تقاوم النسيان بالتوثيق

    في مدينة تُطاردها الخرائط العقارية، وتكاد تفقد ملامحها التي صنعتها قرون من التاريخ، ظهر صوت يقول: “كفى”. صوت لم يأتِ من مظاهرة أو حملة موسمية على مواقع التواصل، بل من داخل الشوارع نفسها، من قلب البيوت والشرفات، ومن نقوش صامتة تحكي مجدًا منسيًا.

    منذ أكثر من عشر سنوات، قرر المهندس المعماري د. مهند فودة أن يقف في مواجهة هذا النسيان، لا كبطل، بل كمواطن يعشق مدينته. أطلق مبادرة «أنقذوا المنصورة» كمنارة تنير الوعي وتعيد للناس علاقتهم بمدينتهم. لم يكن الطرق سهلا، فالمعارك كانت كثيرة، والخذلان أكثر، لكن ما بقي هو هذا الإيمان بأن التراث ليس مجرد طراز معماري، بل هو شخصية مدينة كاملة ومرآة لوجدان أهلها.

    في هذا الحوار، نصحبكم إلى قلب الحكاية… حيث الشغف بالمكان يلتقي بالإصرار على حمايته، وحيث تتحول الهندسة إلى رسالة، والصورة القديمة إلى شكل من أشكال المقاومة.

    • بداية، دكتور مهند، ما الظروف التي دفعتك لتأسيس مبادرة “أنقذوا المنصورة” في 2013؟

    أسسنا المبادرة في أكتوبر 2013، وكانت الفكرة مستلهمة من موجة المبادرات المجتمعية التي ظهرت بعد ثورة 2011، لمواجهة التعديات على المباني التراثية في مصر. البداية كانت مع “أنقذوا الإسكندرية”، ثم بدأت الفكرة تنتشر في محافظات أخرى، ومن هنا قررنا إطلاق النسخة الخاصة بالمنصورة، خاصة أن المدينة تضم عددًا كبيرًا من المباني التراثية المتنوعة.

    أما الانطلاقة الحقيقية للمبادرة فكانت في ديسمبر 2013، عقب تفجير مديرية أمن الدقهلية، الذي ألحق أضرارًا جسيمة بعدد من المباني التراثية المهمة، مثل مسرح المنصورة القومي، مسجد الصالح أيوب، دار بن لقمان، وكنيسة قديمة من القرن التاسع عشر. في تلك اللحظة، لعبت المبادرة دورًا جوهريًا في توثيق ما حدث، والتواصل مع الإعلام والسوشيال ميديا، لتتحول إلى صوت يُعرّف الناس بأهمية هذه المباني وقيمة الحفاظ عليها.

    • كيف تعمل المبادرة على توثيق المباني التراثية؟ وهل لديكم قاعدة بيانات منظمة؟

    كنت عضوا في لجنة حصر المباني ذات الطابع المعماري المتميز بمحافظة الدقهلية لمدة 13 عامًا، وساهمت بشكل كبير في توثيق مباني المنصورة وغيرها من مدن المحافظة. في البداية، كانت البيانات ورقية، لكن حاليًا نعمل ضمن مشروع بحثي تابع لجامعة المنصورة، لإنشاء خريطة تفاعلية تشمل جميع المباني الموثقة، متضمنة تواريخها، صورها، وتفاصيلها المعمارية. وستكون هذه الخريطة متاحة للجمهور والمهتمين، في خطوة مهمة لجعل التراث أقرب إلى الناس.

    •  كيف يتم تقييم الخطر الواقع على المباني؟ وهل هناك تجاوب محلي وتطور في وعي الناس بالتراث؟

    نقوم بالتوثيق عبر أرشيف صور يعود لسنوات، ما يمكننا من المقارنة ورصد التغييرات. وبصفتي متخصصًا ومعايشًا للمشهد منذ سنوات، أستطيع أحيانًا معرفة التعديلات من نظرة واحدة.

    والأهم أن الناس أصبحوا شركاء في المبادرة: فالمواطنون الآن يصورون التعديات ويبلغوننا بها. الوعي فعلاً تطور بشكل ملحوظ، ودائمًا أقول: “كل ما الناس وعَت.. إحنا كسبنا كتير”.

    وفي المنصورة تحديدًا، نحن محظوظون، فالمدينة صغيرة نسبيًا، وعدد مبانيها التراثية حوالي 150 فقط، مما يُسهل التدخل عند رصد تعدٍّ. لكن الاستجابة من المسؤولين غالبًا لا تحدث إلا بعد تسليط الضوء عبر الإعلام أو السوشيال ميديا، وليست استجابة مباشرة للأسف.

    •  هل هناك تعاون مع المدارس أو الجامعات أو مؤسسات المجتمع المدني لتعزيز الثقافة التراثية؟

    جامعة المنصورة كان لها دور كبير جدًا. من خلال عملي كأستاذ مساعد بقسم الهندسة المعمارية، دائمًا ما نستخدم المباني التراثية كنماذج تطبيقية للطلاب، سواء في الرسم أو التوثيق المعماري أو التدريب الميداني. هذا يساعد الطلاب على التواصل المباشر مع التراث وفهم قيمته.

    أما على مستوى الأحياء أو الجهات التنفيذية، فلا يوجد تعاون حقيقي، وغالبًا تأتي الاستجابات بعد الضغط المجتمعي والإعلامي.

    • كيف تتعاملون مع الملاك أو السكان الذين يرون أن الحفاظ على المباني عبء مالي أو بلا فائدة؟

    قليل جدا من الملاك لديهم وعي بقيمة المبنى التراثي. الغالبية يرونه فرصة استثمارية يريدون التخلص منها لصالح مشروع تجاري أو عقاري. وهذا واقع مرير، وأساسه مشكلة تشريعية، ولا توجد حوافز حقيقية أو آليات تعويضية تشجع المالك على الحفاظ على المبنى. نحتاج لتدخل الدولة بوضع سياسات وقوانين واضحة تحمي التراث وتراعي حقوق الملاك في نفس الوقت.

    • ما أبرز النجاحات التي حققتها المبادرة خلال أكثر من 10 سنوات؟ وهل أنقذتم مبانٍ بالفعل؟

    الحمد لله، أبرز الإنجازات الحفاظ على مسرح المنصورة القومي بعد قرار هدمه، وتحويله إلى دار أوبرا. ضغطنا إعلاميًا وبرلمانيًا حتى تم تخصيص ميزانية للترميم، واقتربنا من افتتاحه أخيرًا.

    كما ساهمنا في استمرار ترميم قصر الشناوي، ووقف هدم مبانٍ مثل قصر الإسكندر في حي المختلط. وأقمنا فعاليات ثقافية للتعريف بهذه الأماكن، بالتعاون مع كيانات ثقافية مستقلة.

    • وفي المقابل، ما أكثر الخسائر التي واجهتكم؟ وكيف أثرت على معنوياتكم؟

    مررنا بخسائر مؤلمة، منها هدم عدة مبانٍ في شارع المختلط، وتحويل مبانٍ تراثية لاستخدامات تجارية غير مناسبة. كذلك خسرنا حدائق عامة مهمة مثل حديقة الحيوان، وعروس النيل، والهابي لاند. لكن رغم ذلك، لا نشعر أبدًا بأن ما نقوم به غير مجدٍ. كل مكسب، ولو بسيط، يعيد لنا الطاقة للاستمرار.

    • أخيرًا، ما الذي تحتاجه مبادرة “أنقذوا المنصورة” اليوم لتصبح أكثر تأثيرًا واستدامة؟

    نحتاج دعمًا حقيقيًا من المسؤولين، ووعيًا بأن المبادرة ليست مجرد جهة تنتقد، بل شريك يسعى لنفس الهدف: مدينة أجمل، وتاريخ محفوظ. وإذا تحققت هذه الشراكة، سننجح جميعا، والمدينة وستكون المدينة هي الرابح الأكبر.

    اقرأ أيضا:

    ملامح العيد تتغير في شوارع المنصورة : الباتيناج يحتل المدينة

  • ملامح العيد تتغير في شوارع المنصورة : الباتيناج يحتل المدينة

    ملامح العيد تتغير في شوارع المنصورة : الباتيناج يحتل المدينة

    في شوارع المنصورة القديمة، حيث تختلط رائحة الكعك بصوت تكبيرات العيد، لا تزال بهجة العيد حاضرة، لكن بألوان مختلفة. ولم يعد الأطفال يركبون “العجلة” ويجوبون بها شارع العباسي أو حي توريل كما في الماضي، بل أصبحوا يتزلجون بـ”كوتشي بعجل” يلمع ويدور بسرعة، كأن الزمن نفسه يدور معهم.

    هكذا تغيّرت المنصورة.. لكن روح العيد فيها ما زالت تحاول البقاء. وفي أول أيام العيد، يتجمّع المصلّون منذ الفجر في ساحة مسجد النصر، أكبر مساجد المنصورة، تملأ الساحة تكبيرات العيد ووجوه الناس المضيئة بالفرح.

    ألعاب الأطفال في عيد الأضحى

    بعد الصلاة، تبدأ الأسر في التحرك نحو الكورنيش، أو “الفسحة الإجباري”، كما يسميها الأهالي، بينما ينطلق الأطفال يلعبون، بعضهم على الدراجات، لكن الأغلب بـ”الكوتشي اللي بعجل”.

    وأصبح هذا الكوتشي نجم الشارع.. تقول فيروز: بنتي، 7 سنوات، وهي تلتقط فيديو على الموبايل “بابا أنا عيد ميلادى جاي في العيد.. هات لي سكوتر هدية”، لا أعلم أين أو متى تغيّر مشهد الطفولة هكذا؛ فبينما كان الأطفال قديما يتفاخرون بـ”عجلة نيجر” أو “عجلة أبو جرس”، أصبح الآن “السكيت” أو “الباتيناچ” أو “السكوتر الكهربائي” هم الأبطال الجدد في كل الشوارع زي قناة السويس أو المشاية أو حي الجامعة.

    ومع ذلك فالكبار يتذكرون والمقارنة حاضرة، يجلس صديقي ومعلمي، 60 عامًا، على سطوح بيته في حي توريل، يراقب الأطفال ويبتسم: “احنا زمان كنا نجيب العيدية ونركب العجل بالدور، لكن النهارده الكوتشي بقى فيه عجلة ونور وشاحن كمان!”.

    العيدية بين الماضي والحاضر

    بين الماضي والحاضر، تظهر المقارنة في عيون الكبار، لا حسدًا، بل حنينًا لزمن بسيط. وكمان العيدية بقيت “فلوس محمولة”، حتى العيدية تغيّرت. لم تعد تُسلّم من يد ليد كما في السابق، بل صارت تُرسل أحيانًا عبر “فودافون كاش” أو تحوّل على التطبيقات البنكية.

    يضحك الأسطى إبراهيم، سائق تاكسي، ويقول: “أنا كنت أدي العيدية لولادي ورقة بعشرة ويفرحوا، دلوقتي عاوزين تحويل على الموبايل!”.

    وفي المنصورة كما في غيرها، التطور غيّر التفاصيل، لكنه لم يُلغِ فرحة اللقاء، العيد تغير، لكنه لم يختفِ. صحيح أن العجلة صارت “كوتشي”، واللعب صار على “تيك توك” أكثر من الشارع، لكن الفرحة تسكن الوجوه كما كانت.

    وفي كل ضحكة طفل ينزلق على الرصيف، أو عائلة تلتف حول كعك العيد، تنبض المدينة بالحياة.. بنكهة جديدة، لكنها لا تزال “عيد”.

    اقرا أيضا:

    «العيدية».. عملة الفرحة في التراث المصري

  • «كل حاجة حلوة».. عندما يصبح الجمهور جزءا من العرض المسرحي

    «كل حاجة حلوة».. عندما يصبح الجمهور جزءا من العرض المسرحي

    اختتمت مسرحية «كل حاجة حلوة» جولتها في المحافظات بعرض على المسرح الروماني بمكتبة مصر العامة في المنصورة، بالتعاون مع مبادرة «فيو منصورة». وجاء العرض من بطولة الممثلة السورية ناندا محمد، وإعداد وإخراج أحمد العطار، على مدار يومين من الأسبوع الماضي، وسط حضور وتفاعل كبير من الشباب، إلى جانب عدد من الأطفال وكبار السن.

    ويأتي هذا العرض بعد سلسلة من العروض التي تم تقديمها في 5 محافظات بين الدلتا والصعيد، هي: دمياط، بورسعيد، الإسكندرية، المنيا، وأسيوط، بدعم من المركز الثقافي البريطاني.

    تعريب المسرح الأوروبي المعاصر

    مسرحية “كل حاجة حلوة” مأخوذة عن نص من تأليف الكاتب الإنجليزي دنكان ماكيملان، بالاشتراك مع جوني دوناهو، والمبني على قصتهما القصيرة “ملاحظات على أغلفة الأسطوانات”. وهي مسرحية كوميدية تفاعلية، تمت ترجمتها إلى العربية ضمن مشروع “المسرح المترجم: تقديم المسرح الأوروبي المعاصر بالعربية”، الذي يهدف إلى ترجمة 24 نصا مسرحيا لكتاب أوروبيين إلى اللغة العربية.

    وقد اختار د.محمود اللوزي، الممثل والمخرج المسرحي، هذا النص من بين 10 نصوص إنجليزية ليكون ضمن المشروع. العرض من إنتاج شركة المشرق للإنتاج، وبدعم من المجمع الثقافي في أبو ظبي، والملتقى الدولي للفنون العربية المعاصرة، وصندوق دعم الفنون العربية بباريس.

     

    قصة أوروبية بروح مصرية

    بدأ العرض بتوزيع الممثلة ناندا محمد بطاقات ورقية تحمل أرقاما وعبارات مختلفة على الحضور. خلال العرض، وطلبت من الجمهور قراءة الجمل المكتوبة على البطاقات عندما تنادي على الرقم المقابل لها، في إشارة واضحة إلى تفاعلية العرض ومشاركة الجمهور في الأحداث.

    وبعدها بدأت ناندا بالنداء على الأرقام، ليتفاعل الحضور مع قائمة طويلة من الأشياء التي تسعد فتاة تبلغ من العمر 7 سنوات. تعيش مع أم تعاني من الاكتئاب، تصل حالتها إلى محاولة انتحار. يرافقها والدها في رحلة بالسيارة لزيارة الأم، حيث يسود الصمت بينهما، تعبيرا عن صعوبة التواصل، خاصة من طرف الأب قليل الكلام.

    تستعرض ناندا حوارا كانت الطفلة تتمنى حدوثه مع والدها، بديلا عن الصمت المتبادل. وهو أحد أكثر المشاهد تعبيرا عن الفجوة العاطفية داخل العائلة. وفي مشهد مؤثر، دعت ناندا أحد الحضور لأداء دور الأب، لتوضح كيف يعبر الأطفال عن فضولهم وشغفهم بفهم الأمور من خلال سؤال بسيط:”ليه؟”. ثم بدلت الأدوار، وتجسدت دور الأب الذي يعجز عن التعبير عن مشاعره، في مقابل طفلة تجيد الإفصاح لكن يخونها الخوف والخذلان.  كان هذا المشهد من أبرز لحظات العرض وأكثرها تأثيرا.

    جمهور الأقاليم: بين الخجل والانفتاح على المسرح

    يحكي عمر الخلاوي، 26 عاما، موسيقي، عن مشاركته في أحد الأدوار قائلا: “كنت محرجا في البداية، لكني كنت سعيدا بالتجربة. ناندا مشجعة جدا على التفاعل، وأعتقد أن لدينا جميعا قدرة على التعبير الفني عندما نجد المساحة المناسبة. القصة كانت واقعية وقريبة منا. والممثلة كانت مبهرة في التفاعل بين المشاعر بانسيابية”.

    أما أميرة الغرباوي، 29 عاما، فعبرت عن سعادتها بعد أول تجربة لها في المسرح قائلة: “العرض جميل وتعايشت مع المشاعر تماما. مكنتش أعرف إن في عروض زى دي في المنصورة. العرض لمسني لأني مريت بفترة اكتئاب. وحسيت إنها بتتكلم عني. ساعدني التفاعل مع ناندا على عدم الغرق في المشاعر السلبية. بالعكس حسيت بإيجابية أكثر”.

    اختلاف الخبرة المسرحية للجماهير بين المحافظات

    أوضح المخرج أحمد العطار، أن اختلاف استجابة الجمهور يعود إلى مدى خبرته المسرحية، قائلا: “الجمهور المعتاد على حضور العروض. مثل جمهور جيزويت الإسكندرية، لدية خبرة في التفاعل. على عكس جمهور المدن الأقل تعرضا للمسرح. لكنهم يظهرون حماسا وفهما كبيرين”.

    وأضاف: “العمل يتطلب مسرحا مغلقا، لارتباطه بالتفاعل المباشر. وفي عروض دمياط والمنصورة، واجهنا تحديات مع المسرح المفتوح، واستخدمنا ميكروفونات لضمان تواصل فعال بين الجمهور والممثلة. وهو أمر مهم في عرض يعتمد على التفاعل والانفعالات”.

    وتابع العطار: “رغم مهارات ناندا المميزة في التكيف والتفاعل، فإن احترام عقلية الجمهور وتقديم موضوعات قريبة من بيئتهم هو ما يصنع التأثير الحقيقي”. وأوضح أن النص المكتوب يلعب دورا كبيرا في تحريك مشاعر الجمهور وإبقائهم في حالة ترقب. كما حدث في أحد المشاهد عندما اختار الجمهور نهاية غير متوقعة لأحد الشخصيات.

    “كل حاجة حلوة”.. تأليف وتمثيل وإخراج الجمهور للعرض 

    فيما عبرت ناندا محمد عن اختلاف العروض بين المحافظات. مشيرة إلى الجانب الإيجابي في تقديم العرض في مسرح مكشوف، قائلة: “رغم صعوبة التواصل باستخدام الميكروفونات والسيطرة على الجمهور، فإن اختلاف تجربة العرض بجوار مشهد النيل، مع الأشجار ونسيم هواء الربيع، أثر بالتأكيد في تلقي الجمهور للعرض. في كل عرض أكتشف شيئا مختلفا مع الجمهور. أجد منهم من يبذل جهدا للتركيز والبقاء معي في اللحظة المسرحية، ويتجنب سلبيات المسرح المفتوح، وهذا في حد ذاته عنصر أساسي في التواصل المسرحي”.

    وتضيف: “العرض مزيج من المشاعر المختلفة، يتحرك صعودا وهبوطا مثل الرولر كوستر. ورغم حساسية موضوع العرض، فإن طبيعة التفاعلية تمنحه بهجة خاصة بسبب حماس الجمهور. وترقبهم لفرصة المشاركة في التمثيل”. واختتمت حديثها: “بالتأكيد أود مشاركة الجميع، لكن لكل شخص حريته. التفاعل في هذا العرض ليس قائما على الإجبار، بل على الاختيار”.

    عندما تتحول بطاقة ورقية إلى باب الكتابة

    انتهى العرض بعد ساعة واحدة، منذ توزيع البطاقات على الجمهور. احتفظت ببطاقتين: الأولى: رقم 2، وتحمل العبارة: “إنك تتخانق مع صحابك ببلاين المية”. والبطاقة الثانية: رقم 5، وتحمل عبارة: “الحاجات المخططة”.

    هذه القائمة التي تكتبها البطلة خلال العرض، ساعدتها على الامتنان للأشياء الصغيرة التي تحبها. وكانت وسيلتها لتجاوز نوبات الاكتئاب، والتعامل مع أثر تجربة والدتها عليها.

    اقرأ أيضا:

    بدء أعمال ترميم مرسى “الوالدة باشا” بالمنصورة بعد سنوات انتظار

  • «قصر الشناوي» الأثري بالمنصورة يتحول إلى «جراج» سيارات

    «قصر الشناوي» الأثري بالمنصورة يتحول إلى «جراج» سيارات

    تصاعدت حالة من الجدل في مدينة المنصورة  بعد تداول صور لسيارات داخل حديقة قصر الشناوي الأثري، حيث تم فتح أبوابه واستقبال السيارات داخل ساحته للمرة الثانية على التوالي، وسط تساؤلات حول مصير القصر الأثري الذي يعد من أهم معالم المدينة.

    وأظهرت الصور المتداولة أكثر من 10 سيارات مصطفة داخل الحديقة، في حين ظهر حارس القصر يساعد في تنظيم حركة السيارات، مما أثار استياء المهتمين بالحفاظ على التراث، خاصة مع إعلان وزارة السياحة والآثار عودة أعمال الترميم بالقصر ضمن خطة تطوير الأماكن الأثرية.

    موقف وزارة السياحة والآثار

    وفي بيان كانت إدارة الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة السياحة والآثار قد أعلنت عن عودة أعمال الترميم الأثري لقصر الشناوي، ووجه الدكتور محمد إسماعيل، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، بسرعة إزالة أي معوقات تعوق العمل بالقصر، مع بحث وضع المباني التراثية الأخرى في المنصورة للحفاظ عليها.

    قصر الشناوي بالمنصورة بعد تحويل حديقته إلى ساحة انتظار سيارات - صورة متداولة
    قصر الشناوي بالمنصورة بعد تحويل حديقته إلى ساحة انتظار سيارات – صورة متداولة
    مبادرة “أنقذوا المنصورة” تحذر

    من جانبها، أصدرت مبادرة “أنقذوا المنصورة” ومؤسسها مهندس مهند فودة بيانًا تحذيريًا، استنكرت فيه تحويل حديقة القصر إلى موقف سيارات، مؤكدة أن استغلال القصر بهذا الشكل يعد طمسًا لقيمته التاريخية.

    وطالبت المبادرة وزارة السياحة والآثار ومحافظة الدقهلية بالتدخل العاجل للحفاظ على القصر، الذي تم تسجيله كأثر إسلامي وقبطي منذ عام 1999.

    قصر الشناوي بالمنصورة بعد تحويل حديقته إلى ساحة انتظار سيارات - صورة متداولة
    قصر الشناوي بالمنصورة بعد تحويل حديقته إلى ساحة انتظار سيارات – صورة متداولة
    تاريخ قصر الشناوي

    يعد القصر من أهم المعالم الأثرية في المنصورة، حيث شيده محمد بك الشناوي عام 1928، وكان أحد أبرز أعضاء مجلس النواب وعضو حزب الوفد وصديق الزعيم سعد زغلول. يقع القصر على مساحة 4164 مترًا مربعًا عند بداية شارع قناة السويس، بالقرب من مبنى ديوان عام المحافظة.

    صمم القصر على الطراز المعماري الإيطالي، بواجهات تنتمي إلى عمارة الباروك والروكوكو الأوروبية، وتم استيراد الأخشاب المستخدمة في سلالمه من إيطاليا. وفي عام 1931، حصل القصر على شهادة رسمية موقعة من «موسوليني» توثق قيمته الفنية كأحد أفضل القصور التي شيدت خارج إيطاليا.

    مستقبل القصر ومشروع المتحف القومي

    يقول المهندس مهند فودة، مؤسس مبادرة “أنقذوا تراث المنصورة”، إن الجدل الحالي حول تحويل القصر إلى ساحة انتظار سيارات يتزامن مع تساؤلات أوسع حول مصير مشروع ترميمه، مشيرًا إلى أن إحياء المشروع يعيد الحديث عن إنشاء متحف قومي في الدقهلية.

    وأشار إلى أن مخزن المنصورة المتحفي في “تل الربع” يضم مئات القطع الأثرية التي تعود للعصور البطلمية والإسلامية، والتي يتم نقل بعضها إلى متاحف كبرى مثل المتحف المصري الكبير والمتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية، مما يستدعي الحاجة إلى إنشاء متحف يليق بتاريخ المحافظة.

    هل يتم حسم مصير القصر؟

    في ظل هذه التطورات، يترقب المواطنون ردًا رسميًا من وزارة السياحة والآثار ومحافظة الدقهلية حول مستقبل قصر الشناوي، وهل ستتم إعادة ترميمه وتحويله إلى متحف كما كان مقررًا، أم أن هناك سيناريوهات أخرى لم يتم الإعلان عنها بعد.

    اقرا أيضا:

    أنقذوا «حنكوراب».. إنشاء فندق سياحي يهدد محمية «وادي الجمال»

باب مصر